محمود محمد علينعود في هذا المقال الخامس والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: أتساءل هذا السؤال عقب تساؤلات فأقول: وماذا بعد!؟. أي وماذا بعد الفلسفة النسوية في نظر الأستاذ؟ وكيف يمكن أن يعقب حضرتكم عن كل ما سبق من إجابات وتفاصيل حول آرائكم الكريمة في الفكر النسوي؟

وهنا يجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: أجده سؤالا مشروعا، يحيل على إشكاليات أخرى، خاصة النسوية العرب - إسلامية، التي تهمنا جميعا، ونسعى لبلورة أفكار تساعد على ترشيد الوعي، والنهوض بالمرأة إلى مستوى يعيد لها إنسانيتها وحريتها واستقلاليتها لتقف إلى جنب الرجل، تربطهما أواصر إنسانية، تقتضيها وحدة المصير والحياة المشتركة، بعيدا عن سطوة النظام الأبوي والمنطق الذكوري: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). إن من جملة الإشكاليات المرتبطة بالنسوية العرب - إسلامية، هي:

1- إشكالية الموقف من الفكر الغربي: النسوية بدأت حركة غربية، نتاج واقع يرتهن في ثقافته وقيمه لمرجعيات بينها وبين المرجعيات العربية والإسلامية عموم وخصوص من وجه. ثمة نقاط إلتقاء، وهناك تغاير يصل حدَ التباين أحيانا. فكيف تتحدى سلطة المقدّس والتراث والأعراف، وتنتقل لمرحلة الانفتاح على قيم إنسانية مغايرة؟. إن طبيعة التحديات تفرض على النسوية العرب - إسلامية، مرحلية تواصل بها مسيرتها باتجاهين، أحدهما يؤثر في الآخر. الأول نقدي: يواصل تفكيك منظومة القيم والمرجعيات الخاصة بالمرأة. والثاني طرح بديل سلوكي، يفرض احترامها وانتزاع اعتراف مجتمعي بها، من خلال قوة حضورها على جميع المستويات، وتوازن أخلاقي تتفادى به أي سلوك يرتد ضدها سلباً، فثمة محددات وأسيجة حمراء، تتطلب درجة عالية من الاتزان والحكمة، في التعامل معها. ولعل في تطرف النسوية الراديكالية العرب - إسلامية، ما يبرر قلق الانحراف السلوكي، الذي  تشكو منه الأقلام النسوية، على جميع وسائل الاتصال الحديثة، وتجده وبالاً على مستقبل الحركة النسوية، عندما يحرّض ذكورية المجتمع الأبوي، فتخسر المرأة جوانب إيجابية في حركة النسوية بفعل سلوك متطرف غير مسؤول.

فالموقف من الغرب كما يري الأستاذ ماجد الغرباوي يتحدد بفهمه، وفهم خلفياته، وعدم الانجرار للاستلاب، فتعيش المرأة اغترابا حقيقيا، يفضي للتمزق النفسي والتمرد والكآبة والتفكير بالهروب والانتحار، فتخسر نفسها، ويخسرها المجتمع.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: الموقف الصحيح أن تتأمل الحركة النسوية العرب - إسلامية أفكار النسوية الغربية، وهضم فكرتها، ومراعاة الواقع، من أجل نسوية ملائمة، تتبنى قيمها الأساسية، وتتواءم مع ثقافتها. وهذا لا يعني تكريس دونية المرأة والمنطق الذكوري، كما لا يعني في المقابل القطيعة التامة مع التراث والثقافة وكل ما يمت للشرق والعرب والإسلام، والالتحاق بالغرب، كما ترى النسوية العرب - إسلامية الراديكالية المتطرفة، التي تطالب بكل ما طالبت به النسوية الراديكالية الغربية، وتدعو لحرية مطلقة تقصي الأسرة، وتبيح السحاق والشذوذ، وتستبعد الرجل. وهو اتجاه تقدم الحديث عنه، انتقدته النسوية الراديكالية المثقفة قبل غيرها. أقصد أن تتبنى النسوية قيم الحركة النسوية العالمية، كقيم إنسانية كونية، لا تختص بواحدة دون غيرها، لتستعيد ثقتها ومكانتها، وتسعى لنيل حقوقها بما هي إنسانة. وأقترح للحركة النسوية العرب - إسلامية عنوان (النسوية الفاضلة) الذي أجده ملائما لها، دون إقصاء لأي دين أو مذهب أو قومية، مادامت الفضيلة قاسما مشتركا بين الأديان والثقافات الإنسانية، وجميع المجتمعات رغم تفاوت النسب. وأحيانا قد يختلف المفهوم، لكنه بشكل عام لا يؤثر، لأن الغاية هي وجود امرأة إنسانة، تقف إلى جانب الرجل الإنسان، بدون تمايز من وحي الاختلاف البيولوجي سوى الجانب الوظيفي. فالنسوية الفاضلة ستمثّل نموذجا يشترك بمبادئه الإنسانية الكونية، ويحفظ بقيمه وأخلاقه التي لا تتقاطع معها. وهو بهذا الشكل يصدق أنه نموذج أصيل، ليس ترقيعيا ولامستلبا.لا تعاني المرأة باغتراب، كما هو الحال بالنسبة للنماذج المؤسلمة والترقيعية والتلفيقية، سوى تعزيز ثقتها بنفسها وبإنسانيتها واستقلاليتها. كما أنه سيجرّد النسوية من حمولاتها الدلالية بفعل انتمائها للغرب / الرجل الأبيض / الكولونيالي. ولكل واحد من هذه المفاهيم دلالات سلبية في الذاكرة العرب – إسلامية، وما لم يتم الفرز بين القيم الإنسانية الكونية، وسلبيات التمركز الغربي، لا يمكن للمرأة العرب – إسلامية الانسجام مع مشروع النسوية. خاصة عندما يتبادر لها التلازم بين النسوية، باعتبارها منجزا غربيا، وبين موقف الغرب من الدين، ودعوته للتحرر من القيم والأخلاق، وممارسة الفسق والفجور، ومحاربة الشرائع والأديان، ودعوته باسم العقل والعقلانية إلى التخلي عن الإيمان، واستبدال مفهوم الله بماهيم مادية. وبالتالي فمشروع النسوية الفاضلة، سيمثّل نموذجا حضاريا، يشترك ويختلف مع النسوية الرادكالية المتطرفة، التي راحت تسوق نفسها من خلال مختلف وسائل الإعلام، ويطمئن المرأة بمستقبلها. لا يرتهن صدق مفهوم النسوية على عدم الإيمان بالميتافزيقيا. ويبقى الدين قضية شخصية، لا يمكنه حد حرية الفرد وجودا، وليس بمقدوره ذلك. والالتزام بتعاليمه شرط إيماني، فيكون مسؤولية شخصية. والأمر أوضح وفق مفهوم الدين كما ذكرته سابقا. كما أن مشروع النسوية الفاضلة يؤكد على العقل والدليل، ويستبعد الخرافة واللامعقول، ويقدما فهما جديدا للدين ودور الإنسان في الحياة.

3- إشكالية الفقه والتشريعات: إذ تواجه المرأة ركاما من الفتاوى والتشريعات والموروث الذكوري، الذي استبد بوعي الفرد والمجتمع، حتى صارت كلمة المرأة رديفا للدونية والتخلف والنقص والعَيب. وهي إشكالية عميقة عندما تقرأ نصوص الكتاب بحرفية، تتجاهل الظروف الزمانية والمكانية، وتهجر المنطق الداخلي للقرآن، وتستبد بآراء فقهية، هي نتاج ثقافة ذكورية بامتياز. وهنا ينبغي للنسوية مراعاة المجتمع مرحليا، وقدر المستطاع، شريطة تحديث الوعي النسوي، واستعادة إنسانيتها، فثمة فرق بين امرأة تتعايش سلميا مع الواقع، وهي مملوءة بالوعي، تتحين الفرص، وتسعى باستمرار للتغيير. وبين امرأة قد تكون متمردة ظاهرا، لكن روح العبودية تسبد بها، لا تفارقها.

4- إشكالية السلطة: إن سر نجاح النسوية الغربية الأجواء الديمقراطية والتعددية، ووجود ضمان اقتصادي، يؤمّن مستوى مرموقا لكل فرد من أبناء الشعب، مع ضمان اجتماعي وصحي، ووجوب التعليم، وصرامة القوانين. إضافة إلى - وهذا هو المهم - تفهّم السلطات الحاكمة لقضايا المرأة، والاستجابة لكل تطور فكري، لذا شرعت بعض الدول للزواج المثلي، مهما كان موقفنا منه، لكنه تعبير عن تحرر السلطة من ربقة الاستبداد، وقدرة الشعوب على فرض إرادتها. وجميع هذا تقريبا مفقود في العالمين العربي والإسلامي، ومازالت المرأة مرتهنة لأهلها وزوجها في معيشتها، وتربية أطفالها. وعليه يجب أن تنخرط النسوية العرب - إسلامية في حركات التحرر الداخلية، من أجل مستقبل، يتيح لها ممارسة حريتها ومساواتها العادلة. وهذا لا يمكن إلا بتفكيك المجتمع الأبوي، وقيمه الذكورية – الاستبدادية، وإعادة تشكيل الوعي.

ويضيف الأستاذ ماجد الغرباوي: ما تقدم كان كلاما حول البعد النظري من موضوع النسوية، وهناك جانب تطبيقي، تتمثل فيه المرأة وعيا مختلفا للذات والآخر، بعد قطيعة تامة مع قيم النظام البطريريكي الأبوي، التي تكرّس دونيتها وتصادر حقوها، سيما الوجودية منها: الحرية والمساواة. شريطة أن لا ينتهى بها الأمر إلى التمركز حول الأنثى كتحدٍ للتمركز الذكوري، فإن قيمة المرأة بوعيها الإنساني الذي يتيح لها الوقوف بجانب الرجل، عبر قواسم مشتركة ذات مرجعية إنسانية. فثمة طموح مشروع لدى المرأة العرب – إسلامية لتحرير الذات وممارسة حريتها، غير أنه للأسف الشديد وعي مقلوب لدى طيف واسع من النساء، عندما تصرّ المرأة على تأنيث منجزاتها لتعبّر عن ندية عنصرية. فترسي، شعرت أو لم تشعر، ثنائية صلبة، تقوض مشروع (النسوية الفاضلة)، الذي أطمح له، وأجده ملائما، لا ينقص المرأة حيثيتها، ويراعي جانبها الوظيفي، ويسمح لقيم الفضيلة برسم خارطة طريق تضمن كرامتها دون المساس بحقوها، ولا يحرضها ضد الرجل والأمومة والأسرة، ويخلق لديها شعورا بالمسؤولية الاجتماعية، باعتبارها جزءا  مكمّلا للرجل، وليس ندا، يستدعي منافسته وتحديه. ويحثها على المشاركة على جميع المستويات، فثمة فراغات ما لم تملأها المرأة نفسها ينعكس عليها سلبا. إذ مازال حضورها محدودا، ومازالت مشاركاتها، خاصة على الصعيد السياسي والمناصب الحساسة، يثير استغراب وربما سخرية المجتمع!!، على خلفية صورة دونية تحتفظ بها ذاكرته.

وعن الخطوة التالية على طريق الفلسفة النسوية، يقول: ماجد الغرباوي: إن مشروع النسوية في بعده التطبيقي، يتطلب حماية مكتسباته، وتدارك إخفاقات الوعي، لأن الهدف الأساس من فلسفة النسوية أن تمارس المرأة دورها الحضاري، وهذا يتطلب تعزيزمرجعياتها العقدية والفكرية والثقافية، عبر قراءات نقدية، تعزز القيم الإنسانية في جانبها التطبيقي، من خلال  نشاطتها، وممارستها لحياتها اليومية. وأن تتصدى بنفسها للكتابة عن حاجاتها ومتطلباتها، فثمة جوانب في أعماق المرأة لا يدركها الرجل ولا يمكنه التعبير عن حقيقتها كاملا.

ويضيف الغرباوي: الفلسفة النسوية موضوع متشعب، وقد أتينا على معالمه الرئيسية، وتبقى دراسة تفصيلاته، خاصة الفلسفية ومقارنتها بالنظريات الحديثة، فيحتاج إلى استئناف بحوث جديدة. خاصة النسوية العرب – إسلامية، فإنها مشروع مازال في طور التكوين، لم تكتمل أبعاده الفلسفية والفكرية، وكثرة تعقيده بفعل النظام  الأبوي، وسلطة المقدس، ومرجعية التراث، والركون للخرافة واللامعقول، والاستغراق بالدين والغيب. فإذا كان لدي مشروع مستقبلي في مجال النسوية، فسأتحدث عن تحرير الوعي العرب – إسلامي، وكيفية دمجه في الحركة النسوية العالمية، بعد تفكيك إشكالياته، سيما المرتبطة بالدين والتصورات الأيديولوجية، لذا سيبقى الموضوع مفتوحا.

ختاما: أتقدم بجزيل الشكر والاحترام لسعادة الدكتور محمود محمد علي، رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط، الذي حرّضتني أسئلته الاستفزازية على فعل الكتابة، وبفضل لباقته الفكرية وإحاطته التامة بموضوع النسوية، ونظرياتها واتجاهاتها، لما تحقق هذا الجهد الحواري، حيث تطرقنا معاً لموضوع يتوقف عليه مستقبل المرأة، ومن ثم مستقبل المجتمع الذي نطمح له، ونراهن عليه في مشاريعنا النهضوية الحضارية، فله ولصبره وحلمه جزيل الشكر والامتنان متمنياً له، مزيدا من العطاء وهو بخير وعافية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

13 – 1 – 2020م

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الرابع والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، ونستأنف حديثنا عن موقف الأستاذ ماجد الغرباوي الهام جدا من قضية الحجاب، حيث نتطرق للحديث عن بعض الملاحظات الأساسية التي  يبديها لنا الأستاذ الغرباوي من قضية حجاب المرأة، وهي على النحو التالي: إذا كان من الصعب استعراض جميع أدلة وجوب أم عدم وجوب الحجاب وآراء الفقهاء حول حدوده هنا، فأكتفي ببعض الملاحظات الأولية التي تمهّد لفهم فلسفة الحجاب في الإسلام، وسنعاود لفقه النص وبيان الحكم الشرعي في محله لاحقا:

1- الأصل عند الشك في وجوب الحجاب عدم وجوبه بخصوص الوجه واليدين، بل والصدر والرقبة والشعر والساقين والذراعين، وهي سيرة الناس والمسلمين قبل تشريع الحجاب بسنوات بعد البعثة. وهذا ما يؤكده مفهوم الآيات، فما كانت النساء يُدنين عليهن من جلابيبهن بما في ذلك نساء النبي. وما كُن يضربن بخمورهن على صدورهن. ولم يتحفظن بما يكفي لفروجهن. وما كان الحديث بين الرجال والنساء من وراء حجاب، بل وحتى عند تشريعه اختص بنساء الرسول لحكمة ترتبط بالنبوة ومقام النبي. وكل ما نزل من آيات كانت أحكاما احترازية للناس الأسوياء، لتفادي انهيار القيم الأخلاقية وتداعيات الافتتان والتطفل الذكوري. وأما الهوس الجنسي والتحرش البغيض فليس له سوى الردع القانوني، وليس الجور على المرأة، حتى سرقها الفقه ثقتها بنفسها، ولم يبق حجاب لم ترتده لإرضاء روح الاستملاك، وهوس الأنثى التي يعبدها الفقيه ليلا ويستعبدها نهارا.

2- لم يرد في آيات الأحكام كلمة حجاب المرأة. والمراد بالحجاب قرآنيا هو الستر كما في آية: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). وهو حكم خاص بنساء النبي، لا يمكن للفقيه تعميمه. مثلها مثل آية: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ ..... وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ)، فإنها خاصة بهن أيضا. غير أن بعض من يدعي الانتساب للنبي ولو بعد أكثر من 1450 سنة، حرّم على نسائه الخروج أو الاقتران بغير من ينتسب للنبي وأهل بيته، وهي حالات قليلة، لا دليل عليها، إذ لا إطلاق للآية لغير الدائرة الخاصة بالنبي.

3- الاحتشام قضية متفق عليها بين جميع الناس، والاختلاف حول حدوده. منهم من يعتبرها قضية شخصية أو مجرد عادات وتقاليد، وبعض آخر يعتبرها قضية دينية، تلتزم به المرأة، أدركت ملاكاته ومصالحه أم لا. فتلجأ للتبرير والبحث عن إيجابيات الحجاب. ولا شك بصحة بعضها، لكن لا يمكن ربط كرامة المرأة بالحجاب فقط، بل أن مصدر كرامتها إنسانيتها ووعيها لحدود استقلاليتها (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، ارتدت أو لم ترد الحجاب. ولا يجوز هدر كرامتها بموجب هذه الآية لعدم ارتدائها.

4- إن الغاية من الحجاب هي العفة، لا فرق بين الرجل والمرأة، كما في آية غض البصر: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ). فالخطاب لا يقتصر على المرأة المحجبة فقط، بل يشمل مطلق المرأة المؤمنة. وصفة الإيمان لا تعني الاختصاص، بل لتوخّي الاستجابة بالتقوى أو لأن ما حصل من مقدمات استدعت نزول الآية كانت محصورة بالمؤمنين والمؤمنات. فيكون الحكم عاما شاملا لجميع من يرتبط بمجتمع الفضيلة.

5- يجب الأخذ بنظر الاعتبار وضع المجتمع / الرجل / المرأة ولباسهما آنذاك، في ظل قلة الألبسة، واكتفائهما بقطع قليلة (إزار، مئزر، جلباب)، فيمشي الصحابي نصف عارٍ، يتلألأ صدره فتوة مغرية، والمرأة تمارس حياتها حسب قدرتها على ستر جسدها، و قد لا يستر لباسهما عوراتهما بدون عناية زائدة، يتضح هذا من قوله تعالى مخاطبا الرجل والمرأة: "وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ"، "وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ". فالقرآن يطالبهما بالعناية الزائدة ليتحقق حفظ الفرج أو السوءة، ولو ظهر منها شيء، فيطالبهما بغض البصر، وعدم الاستجابة لهواجس النفس البشرية: (ذَلِكَ أَزْكَى). وأيضا كي لا تهدر كرامتهما بسببه. وليس المراد من التحفظ هنا التحفظ عن الزنا، فهو بعيد، لا يتناسب مع غض البصر، يؤكده بعض المفسرين والفقهاء. حيث قالوا: "أن المراد بالفروج الزنا إلا هنا فالمقصود بها خصوص النظر". كما أن القرآن تعامل مع الزنا بشدة، وهنا استخدم ألفاظا لينة تقريبا. ولا يعني غض البصر إغماض العين و(إطباق الجفن فوق الجفن) كما ذهب لذلك بعضهم، بل المقصود عدم التأثر جنسيا والانفعال والتحليق مع المشهد، فتارة لقطة جسدية بسيطة مثيرة يحلق معها خيال الإنسان بعيدا، فيطالبه الكتاب بغض البصر، بمعنى التوقف عن التمادي بالخيال، والانسياق وراء الهوس الجنسي. وهذا لا يتوقف على إغماض العين. أحيانا يشط المخيال البشري عبر لقطة خاطفة. وقد لا يتأثر مهما حدّق بجسد الآخر. وبالتالي فغض البصر وحفظ الفروج لتفادي هدر الكرامة البشرية، والمحافظة على العلاقات الإنسانية. ولا معنى لحمل حرف الجر "من" على التبعض، فليس العبرة بسعة فتحة العين، بل العبرة بالآثار النفسية المترتبة على النظرة. كما أن إغماض العين يضع الإنسان في حرج، فماذا تتوقع لو التقى رجال ونساء والجميع قد أغمض عينيه بناء على فتوى الفقيه، فسيقع المحظور الذي هربوا منه!!!!. على الفقيه أن يتمتع ببعد نظر يؤهله لفقه النص. كما أن بعض الفقهاء اعتبر الحكم خاصا بالمؤمنين والمؤمنات، بقرينية الآياتين. وماذا عن غير المؤمنين هل يجوز النظر والتمتع بالنظرات الجسدية والجنسية؟ هذا هو الانغلاق على حرفية النص. لقد كان للكتاب غاية عندما كرر الحكم مرة قصد المؤمن وأخرى خاطب المؤمنة. فينبغي غض البصر، عندما يتعرضا لموقف، كأن تظهر عورة الآخر، لسبب ما. أو يتأثران بنظرة خاطفة أو نظرة عشوائية يحلق معها الخيال. ودائما النظرة الأولية العشوائية أقوى تأثيرا من النظرة التفصيلية، لذا تجد الأمر طبيعيا في المجتمعات المختلطة. فغض البصر لا يتوقف على وجود مؤمن أو مؤمنة، بل هو شامل لكل رجل وامرأة، لوحدة النوازع النفسية والجنسية، بعيدا عن الإيمان والكفر. والآيتان نزلتا في واقعة موضوعها المؤمن والمؤمنة، فصهما الخطاب.

6- يتضح من آية غض البصر أن هناك مساحة من جسم المرأة، كما هو جسم الرجل، ستبقى مكشوفة، مهما كان مثيرا، بل غض البصر متوجه لهذا المثير بالذات، وعالجه لا بحجبه بل بغض البصر، وإلا سيكون الأمر به من باب السالبة بانتفاء موضوعها. وغض البصر مطلق، ولم يقيّد بجزء محدد من جسم الإنسان. وبهذا نفهم حكم النقاب الذي نسب للشريعة، بفعل سيرة دخيلة على سلوك المسلمين، ربما مكتسبة عن عادات وتقاليد شعوب أخرى. بل الآية تكشف عن طبيعة العلاقات الاجتماعية، فهي قائمة على الاختلاط، والحياة المشتركة التي تتطلب غض البصر، وستر مناطق الإثارة في جسد المرأة. بل حتى تصميم البيوت وبساطتها لا تسمح بعزل النساء عن الرجل، فيكون الأصل هو الاختلاط مما يتطلب أحكاما احترازية لضمان سلامة وأمن واستقرار الناس.

7- قد يشي الحجاب بنظرة ارستقراطية، كما في قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا). فالغاية هو التميّز عن غيرهن من النساء، كي لا يؤذَين من قبل المتحرشين!!. لكن لماذا يُسمح لغيرهن من النساء غير المتميزات!!!. توجد أسئلة تبقى بلا أجوبة!!. وفتاوى الفقهاء تؤكده فهي لا توجب الحجاب على الجواري والإماء. وكان عمر يضرب بالدرة الجارية إذا وضعت حجابا فوق رأسها، فتتخطى الطرقات، جسدا يتلوى أمام الناس، يتغنج بدلاله وأنوثته، يضج بشبقه وجوعه، فلماذا لا يتأثر بها الرجل؟ وخصوصية الآية تؤكد هذا.. بل هي هنا أشد إثارة وفتنة يتدلى شعرها فوق كتفيها. فماذا نحكم على من يتصفح وجوههن ويلاحق مفاتنهن؟ هذه الآيات والأخبار تكشف أن الرجال والنساء كانوا يعيشون حياة طبيعية، فكيف عالج الإسلام هذه الحالة؟ فهل وضعوا جدارا عازلا بين الرجال والنساء، كما شاهدته في سيارات النقل في بعض المجتمعات المسلمة؟ أم طالب فقط بالاحتشام  وغض البصر، وعدم النظر بشهوة، فكيف إذاً تطور الحجاب لتغدو المرأة كيسا من الفحم تجوب الشوارع والأسواق، والويل لمن ينقدها، وأحيانا تتعرض للتشهير. وقد ينقلب حجابها إلى لباس شهرة، وهو محرم عندهم.

8- لا يوجد في كتاب الله أمر بستر شعر المرأة، ولكنهم فسّرو كلمة (خمورهن) في آية: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ)، بالمَقنعة، كما هي معهودة لدينا الآن، فيكون الشعر مستورا بها ابتداء، ثم جاء الأمر بضرب الخمور على الجيوب. فيكون ستر الشعر تحصيل حاصل بالمقنعة، لأنها مخصصة لقناع الرأس. وكل هذا توسع، إذ كان لباس المرأة آنذاك عبارة عن إزار، تقوم بعقده فوق صدرها فتكون له جيوب تظهر منها مفاتنها، فطالبتها الآية بضبطه، وهذا يفهم من سياق الآيات، التي تريد التأسيس لمجتمع فاضل، لا تتحول فيه العلاقات الاجتماعية العامة إلى علاقات شبقية شهوانية، فالأحكام هنا احترازية، تحد من التهتك والإثارة، ويصبح الأمر عاديا بغض البصر والتحلي بالتقوى وعدم التوغل في النظر حد الانفعال. والخمور مطلق الحجاب والستر، وليس خصوص المقنعة، لذا تقول خمرت شعرها، أي سترته، ولازمه عدم ستره ابتداء، وتحتاج لخمر لستره. وبما أن الأمر ناظر  لخصوص الجيوب التي تعلو الصدر، فيحتاج ما يعلو الصدر والرقبة والشعر إلى دليل آخر، وقد استدل بعضهم بآية الجلابيب. والتفصيل اللغوي والاستنتاج الفقهي في محله بإذنه تعالى، وهنا مجرد إشارات أولية، قد نتفق أو نختلف حولها.

9- يعتقد الفهم السلفي  للدين أن غاية الحجاب المحافظة على الرجل كي لا يفتتن بالمرأة ويرتكب معصية النظرة المحرمة!!!. هذا هو الفهم الذكوري الذي يعتقد أن الأحكام صممت لحماية الذكر على حساب المرأة. فالخطاب السلفي لا يرتب على الحجاب أي أثر أخلاقي، ولا يضمن به إيمان المرأة، والمهم بالنسبة له حماية الذكر. وهو منطق تعسفي يختزل العلاقة بين الرجل والمرأة، يقدّس الأول، ويهين الثانية عندما يعتبرها شيطانا ينبغي التخلص منه لضمان أجواء آمنة للرجل المهوس جنسيا. لكن لماذا لانطالبه بإجراءات ممثالة بدلا من الجور عليها؟. هذا هو المنطق الذكوري المتعسف.

10- إن منطق فتاوى الفقهاء يخلق لدى القارئ شعورا غريبا حول الرجل المؤمن والمرأة المؤمنة، فهما ليسا بشرا سويا، بل براميلا من الهوس الجنسي، بانتظار أي احتكاك ولو نظرة بسيطة لتنفجر مما يتطلب استبعاد المرأة بالحجاب عن طريقه. وهي نظرة بائسة تحط من كرامة الإنسان. لا شك في وجود رغبات جنسية، وقد تكون رغبات عارمة لكن لا يعني خروج الأمر عن سيطرة الإنسان، ما لم يعش هوس الجنس والمرأة الأنثى، وهو هوس يبتلي به بعض الناس، بسب دوامة التفكير بالجنس، حد التهيج عندما يلاحقها بنظراته. إنه منظر تراجيدي بائس وأنا أشاهد سلوك بعض المتطرفين الدينين عندما يفرض عليه القدر مقابلة امرأة، فيرتبك ويفقد توازنه، مخافة أن يتهاوى إيمانه، وينهار تدينه، إنها ثقافة ثراثية رثة، تسبب بفجائع دينية مرعبة

11- على الفقيه وهو يقارب آيات الزينة: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ...)،( وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ)، أن يأخذ بنظر الاعتبار دور المرأة في الحياة، ويتذكر آيات أخرى تفتحا آفاقا لفهم النصوص القرآنية، كقوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)،(يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ).

12- يجب أن لا يغيب عن الفقيه هدف الأديان ودور الإنسان في الحياة عندما يهمُّ باستنباط حكم شرعي، والمرأة كالرجل مكلفة بخلافة الأرض والقيام بدورها الإنساني. والهدف الأساس يكون حاكما على الأحكام الجزئية، ينبغي عدم التقاطع معه بالفتوى. وبعض أحكام الحجاب إقصائية، لا تريد للمرأة المشاركة في الحياة العام، مهما أدت العزلة إلى جهلها وتخلفها.

وختاما سألنا الأستاذ ماجد الغرباوي عن مدى انسجام حجاب المرأة مع مبادئ النسوية، فأجاب:  عندما نتحدث عن النسوية كحركة مجتمعية تسعى للرقي بواقع المرأة، وتحرير وعيها من مشاعر الدونية، والمطالبة بحقوق المرأة، بدءا من وعي إنسانيتها وانتهاء بجميع حقوقها، خاصة الحرية والمساواة، علينا التذكر أن للمرأة كالرجل جانب وظيفي، يستدعي أحكاما خاصة، ناظرة لهذا الجانب الوظيفي. فالإنجاب بالنسبة للمرأة جانب وظيفي، وعندما توضع له أحكاما لمراعته، فهذا لا يعني دونيتها وقصور عقلها وضعفها وعدم حكمتها. وذات الأمر بالنسبة للجانب الاجتماعي، فتارة يضمر العقد الاجتماعي أعرافا وتقاليد تمس حرية الأفراد. بعضها ضرورة اجتماعية لحفظ سلامة وأمن واستقرار المجتمع، وهذا تحكمه معادلة: التنازل عن جزء من الحرية في مقابل ضمان أمن وسلامة المواطن، وهذا فلسفة جميع الأنظمة والقوانين الحكومية، فهي تقابل أمن وسلامة الشعب والوطن، بالتنازل عن جزء من حرية الأفراد. وليس في هذا ظلم، فالحرية المفقودة تعود عليهم بحفظ النظام والأمن والاستقرار. وبعض الأعراف والتقاليد تعسفية، ذكورية، ظالمة، ينبغي مكافحتها لاستعادة حرية الناس. وما أريد الخلاص له أن الحجاب مهما كانت مبرراته فهو تعدٍ على حرية المرأة، التي هي لازم وجودي لها، لا تخضع للجعل والاعتبار والهبة، ولا يحق لأحد سلبها. ولكن للحياة المشتركة ضروراتها، التي منها الاحتشام، خاصة ونحن نطمح لإقامة مجتمع الفضيلة. لتفادي الإثارة الجنسية في أجواء الاختلاط، من خلال الاحتشام وغض البصر. فالاحتشام هنا تضحية بجزء من الحرية في مقابل سلامة الحياة الاجتماعية، والحد من حالات التحرش، وهدر الكرامة، الجارح لمشاعر المرأة، والاعتداءات الجنسية والجسدية التي ترعبها. خاصة المجتمعات المغلقة، والمجتمعات المتدينة التي ترفض حلول الانفتاح المنفلت. بل رغم انفتاح المجتمعات الغربية إلا أن عدد حالات التحرش الجنسي في تزايد، بسب الفتنة الجسدية، وعدم الاحتشام، والتمادي في ملاحقة الآخر. وإذا كان الدين قد عالج هذه الحالات من خلال بعض الأحكام الشرعية، وطالب بالحشمة للحد من مساحات الإثارة، وغض البصر، فإن الغرب لم يجد وسيلة أخرى، سوى صرامة العقوبات المترتبة على التحرش، للحفاظ على سلامة وأمن وحرية الناس، التي هي مبدأ مقدس هنا. أما الدين فرهانه على التقوى والإيمان. وبالتالي الحركة النسوية التي نطمح لها في إطار مجتمع الفضيلة، لا تتفق مع منظومة قيم النسوية الراديكالية المتطرفة. وينبغي للنسوية العرب – إسلامية مراعاة مجتمعاتها، بما لا يؤثر على حقوقها الأساسية أو يهدر كرامتها....... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثالث والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، ونستأنف حديثنا عن موقف الأستاذ ماجد الغرباوي الهام جدا من قضية الحجاب، ونتطرق للحديث عن موقفه بالذات من دلالات الحجاب، حيث يصرح لنا فيقول:" مما تقدم يتضح أن موقف المرأة من الحجاب يتراوح بين التزمت والتهتك، وما بينهما من اعتدال وتمرّد، وكل موقف يعكس ثقافة المرأة ومدى إيمانها بهذا النوع من اللباس. ولا ملازمة بين لبس الحجاب والالتزام الديني، ولا تستطيع الجزم بالتزامها من خلال حجابها، بل يمكنك تحديد مدى التمسك به. فثمة سلوك يصدر عن بعض المحجبات لا يوحي بالتزامها دينيا.

والحجاب في نظر الأستاذ الغرباوي بشكل عام يعتمد على تفصيل:

1- امرأة ترتدي الحجاب عن وعي، باعتباره شَعيرة دينية، تخص المرأة، وتجد فيه كرامتها وعدم ابتذالها. من هذا المنطلق تفهم المرأة المسلمة الحجاب، فهو بمنظورها ليس مجرد دعوة شكلية ظاهرية، بل يمثل قيمها ومبادئها التي تؤمن بها. فيكون حجابها ضابطة دينية – اجتماعية، تفرض على الآخر احترامها باعتباره جزءا مقوما لهويتها الدينية. وعندما تتعرض المرأة المسلمة لتحديات أو ظرف استثنائي تُؤثر حجابها على مصالحها الشخصية. بل الحجاب شعار بالمنطق الحركي، الذي يراهن على مسيرته من خلال "الدعوة للدين، والجهاد في سبيله، والحجاب شعار للمرأة المسلمة". وفي هذه الحالة ترتهن حدوده وأحكامه لفتوى الفقيه والهدف الأيديولوجي منه.

2- حجاب تفرضه العادات والتقاليد. يكسب المرأة مكانة اجتماعية، سواء التزمت بتعاليم الدين أو لم تلتزم. أم كان التزامها شكليا، فجميعه لا يؤثر، المهم أنها تجد في الحجاب ذاتها وتؤكد وجودها وتكرّس انتماءها، فيكون الحجاب هوية ورصيدا رمزيا، يضمن لها مكانة اجتماعية متقدمة، ويحرز لها احترام الناس وتقديرهم، وهي غالبا صفة المجتمعات المحافظة التي تتمسك بالأعراف والتقاليد. فالحجاب هنا مجرد زي يشكل جزءا من شخصيتها، لا تتخلى عنه حتى في أكثر المجتمعات حرية وتحررا. ولا علاقة لهذا النوع من الحجاب بالشريعة، بل أصبح شيئا مستقلا. ولا أقول أنها حالات عامة، لكنها ليست نادرة.

3- وثمة حجاب يخفي تحته تمردا أنثويا وصدى لشراسة القمع ومعاناة القلق المصيري ورثاثة القيم والتقاليد ومصادرة حقوق الحريات والمساواة. فيصدق أنه صرخة ضد قرارات مجتمعية غير مبررة. هكذا هي معاناة المرأة الواعية مع الحجاب الذي صممه فقه ذكوري مبادئه: (الدونية والاستملاك والمرأة عورة من رأسها حتى أخمص قدميها)، بعيدا عن قيم السماء وعدالة القيم الإنسانية، وإنما هي تأويلات المنطق الذكوري، وهاجس التحدي الذي يعانيه الرجل في أعماقه.

4- امرأة تكره الحجاب لديها نزوع للتحرر الراديكالي المتطرف، قد يكون ردة فعل ضد ثقل الموروث الاجتماعي، فهي تبحث عن هامش من الحرية لتتمرد عليه، فيكون هدفها الأساس ممارسة حرية متطرفة، والأخطر في هذه المرأة عندما تجد في التهتك اعترافا بها، وهي نظرة مبتسرة، تنطلق من عقد نفسية، ومشاعر مكبوتة، متعطشة لنظرات إعجاب تداوي بها شعورا مزمنا بالنقص.

5- امرأة تعتبر تبعا لتقاليد مجتمعها الحجاب مقياسا لشرفها، يرتفع طرديا بزيادة عدد قطع القماش التي تلتحف بها، وبقدرتها على التواري عن الرجال. وبعض النساء تكتسب احتراما أسريا واجتماعيا، يتساهل بسببه الناس مع التزامها الديني، فتراها تجتر الغيبة والنميمة، وتحظى بأعلى درجات الاحترام. فالحجاب تسبب في قلب قيم الحق، حتى غدت شكلية فارغة من أي معنى ديني وأخلاقي. وغدت قطعة القماش الخالية من القيم والمبادئ تعادل العفة القرآنية. والسبب في التراث الزاخر بروايات الاستخفاف والدونية، ورمي المرأة بالنقص والتهتك ونقص العقل والحكمة، فتتحول إلى عبء، يلزمها التقيّد بحجاب يحول دون وقوع الرجل بالخطيئة.

ويستنتج الأستاذ الغرباوي مما تقدم أن المطالبة بإعادة قراءة حكم الحجاب في الشريعة، ودعوات خلعه، وحالات التمرّد عليه، في مقابل دعوات التمسك به، تتقاسمها أسباب ذاتية وموضوعية. يمكن رصدها بـ:

أ- أسباب ذاتية ترتبط بوعي المرأة إيجابا وسلبا، فالتمسك وعدم التمسك بالحجاب نابع عن موقف مبدئي، وليس مجرد موقف عاطفي. وكلاهما رأي محترم،  مادام قرارا عقلائيا. في مقابل هوس نسائي، غير مبرر، سببه عقد نفسية، وعجز المرأة عن اتخاذ موقف عقلائي منه، فتارة تقبع تحت عدد من قطع القماش، وأخرى تتراخى حد التهتك. فتفتقر مواقفها للأصالة والعقل.

ب- أسباب موضوعية متعددة، أهمها العادات والتقاليدعلى قسمين. بعض النساء متمسكة بعاداتها وتقاليدها، مطمئنة لسلوكها. وأخرى يكون الحجاب مفروضا عليها، فتعيش نوعا من الانفصام وهي ترتدي قطعا من القماش بلا قناعة. فيصبح الحجاب اغترابا حقيقيا، يمثل كابوسا اجتماعيا، لا يمكنها التخلّص منه تحت ضغط المجتمع وضوابطه. وهناك أسباب سياسية، بعد مجازر داعش، وحجم العنف الذي ارتكبته ضد الناس، وقتلها للنساء المتبرجات أو نساء الديانات الأخرى، فغدا الحجاب علامة فارقة، تلاحقها العيون، وتبقى المرأة المحجبة في دوامة قلق يحرمها طمأنينتها في دول الغرب. خاصة المرأة المنقّبة، التي تصرّ على لبس نقابها بدافع ديني أو اجتماعي، سيما في فترة حرجة عاشتها الجاليات المسلمة، أصابت المرأة بالرعب، لولا حكمة السياسيين، ففي استراليا مثلا امتنع رئيس الوزراء بشدة عن منع الحجاب، واعتبره قضية شخصية، يجب حمايته باعتباره حقا من حقوق المواطن، لا فرق بين مسلم وغيره. وهناك الموقف من الحركات المتطرفة الذي استدعى مطاردة المنقّبات والمحجّبات المتطرفات، فانعكست قرارات الحكومة على الموقف العام من الحجاب، وصار ذريعة لاعادة النظر في أحكامه، والدعوة للاطاحة به، باعتباره أحد أسباب التطرف أو مظهرا من مظاهره. ولا يمكن السكوت عن وسائل الإعلام الحديثة وخطاب التغريب الذي يحمّل الحجاب مسؤولية التخلف، فيكون دليلا عليه. والحقيقة لا علاقة للحجاب كزي بالتقدم والتخلف، ولهما أسبابهما وأغلبها واضح ومعروف لدى الجميع. كما لخطاب اللاتسامح بين الأديان والثقافات دور في محاربة الحجاب، رغم أن الحجاب قضية متفق عليها بين جميع البشر، وبه تعترف جميع القوانين والأنظمة، والخلاف حول حدوده، وليست المسألة مقتصرة على التعاليم الدينية بل التعاليم الإنسانية مع الحجاب والاحتشام. لذا حتى مظاهر التعري المطلق في الغرب ليست مظاهر عامة، وإنما مناسبات محدودة، وأمكنة معينة، ولا تستغرق سوى ساعات.

وثمة نقطة أخرى مهمة وجديرة بالإشارة نود أن نشير إليها هنا وهو موقف الأستاذ الغرباوي من فقه المرأة ومشكلة الحجاب؛ حيث يقول الأستاذ: "وخلاصة ما تقدم: يبقى حجاب المرأة إشكالية في ظل غياب الوعي الديني المتحرر، وعدم الخروج على الأطر العقدية والفكرية السائدة في نظرية العبودية. والأخطر قدسية التراث والجمود على حرفية النص وارتهان الفتوى لفقه السلف، وعدم تجديد مناهج تفسير النص، ومناهج أصول الفقه، والاستعانة بالعلوم الإنسانية، والمنهج الهرمنيوطيقي، لمقاربة النص / الآية / الحديث. وفهم أسباب نزوله، وتمثّل الوضع الاجتماعي آنذاك. الأحكام الشرعية نزلت لمعالجة واقع محدد، وما لم نفهم ذلك الواقع سنتخبط في تحديد دلالات الحكم ودرجة فعليته، بين الأحكام الخمسة المعروفة: الوجوب، الحرمة، الاستحباب أو الندب، الكراهية والإباحة. ولا يمكن التخلّص من مشكلة الحجاب إلا بحلول جذرية تبدأ باعادة قراءة آيات الكتاب التي تحدثت عن زينة المرأة وغض البصر عفتها وسترها.

ويستطرد الأستاذ فيقول: "لا يوجد حرج في الحجاب القرآني، لكن المشكلة في نظرية العبودية التي يتبناها الفقيه ومنهجه في استنباط الأحكام الشرعية، ويمكن الإشارة إلى بعض الأسباب:

- نظرية العبودية: التي ترى أن العبادة غاية الخلق، وأن مهمة الإنسان في الحياة هي عبادة الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وهو اتجاه ينطوي على يقين سلبي، في مقابل يقين إيجابي واعٍ، تحدثت عنه سابقا مفاده آية: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). فالعلاقة العبادية وفقا الاتجاه الأول قائمة على ثنائية "رب / عبد"، وليست "خالق / مخلوق"، كما في اتجاه الإنسان الخليفة. وترى نظرية العبودية أن فلسفة الأحكام قائمة على الطاعة المطلقة. وهي تمام ملاكها أو كما يعبرون أن"تمام ملاكها في جعلها"، فتكون غاية الحكم اختبار عبودية العبد!!. وهو اختزال فضيع للإنسان، وتشويه لحكمة الخالق. فالأولوية لا للإنسان بل للتشريع والتعبد المطلق بأحكام الشريعة. وتقديم الاحتياط على البراءة إذا دار الأمر بينهما، رغم أن كلا منهما حكم شرعي مستقل حسب الفرض. وهذا النوع من الفهم يرتكز لمبدأ ما يعرف عندهم بحق الطاعة، في مقابل مبدأ قبح العقاب بلا بيان. وهما قاعدتان أصوليتان. الثانية تنفي أية عقوبة لا ينص عليها بيان / آية / رواية، استظهار دلالي، كي تكون حجة على الإنسان. فيكون الشك بجعل الحكم الشرعي موردا للبراءة العقلية فضلا عن البراءة الشرعية. عكسا للنظرية الأولى التي ترى أن للمولى الحقيقي حق الطاعة في التكاليف المحتملة فضلا عن المشكوكة والمظنونة. وهي كما ترى تنطلق من عمق عبودي يفترض مولى / جبارا، يتربص أخطاء عبده لينتقم منه، فعليه الإتيان بالمحتمل من باب حق طاعة المولى الحقيقي فيبالغ الفقيه في الاحتياط. وهي تعتقد بشمول الشريعة لكل صغيرة وكبيرة، وتسمح للفقيه بتشريع أحكام واسعة النطاق. فمساحة الحرية وفقا لهذا الرأي معدومة، ما لم تتدارك الأمر البراءة الشرعية وتبيح للمكلفين إجراء البراءة في كل فعل مشكوك. والأصل وفقا لهذه النظرية هو الاحتياط دائما، بينما الأصل وفقا للنظرية الثانية: قبح العقاب بلا بيان هو البراءة العقلية في كل فعل مشكوك. رغم أن كلاهما يعترف بوجود ملاكات وراء تشريع الأحكام الشرعية. فالفقيه بطبيعته يميل للاحتياط، ويجد في التراث ما يشجّعه على ذلك، خاصة الروايات التي تجعل من إغراء المرأة تحديا حقيقيا للرجل، حتى خيالها، فضلا عن حضورها والتحدث معها، كما في الحديث المنسوب للرسول: (اعصوهن في المعروف  قبل أن يأمرنكم بالمنكر وتعوذوا بالله من شرارهن وكونوا من خيارهن على حذر). فيتشدد بالحجاب من منطلق ديني احتياطي، وفهم ذكوري يهيمن على فهمه للنصوص والروايات، ويكرّس أنوثية المرأة، وتمايزها بيولوجيا ليفرض عليها أدوارا وفق مصالحه، فيأتي الحجاب ليكون جزءا مقوما لأنوثيتها، بمعنى التحقق الخارجي. وأما نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان فإنها تقوم على مركزية الإنسان (المرأة والرجل)، وفق فهم مختلف للدين. وبالتالي، وفقا لنظرية العبودية التي يتمسك بها الفقهاء: (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم)، وهو مبدأ لا دليل عليه سوى تأويلات ورغبات أيديولوجية، ومقتضاه، وهذه هي الخطورة الفادحة، أن يتصدى الفقيه للافتاء حول كل تكليف محتمل، فإن لم يجد دليلا لفظيا، يعمد إلى الأصول العملية لاتخاذ الموقف المناسب من الحكم المشكوك، وهي قواعد نظّر لها لتعزز قبلياته وفق نظرية العبودية.

- منهج استنباط الأحكام الشرعية: القائم على الفصل بين الحكم والهدف الكلي للدين، فتسقط المرأة عن الاعتبار ويتفرّد الذكر بمركزيته، ويتولى بنفسه رسم شخصيتها، وحدود حريتها، وما يجب أو لا يجب عليها. وقد تحدثت سابقا عن النظرية القرآنية التي ترى وحدة المصير الإنساني في الواجبات والمسؤوليات، باستثناء ما يقتضيه الجانب الوظيفي لكل منهما. وعلى الفقيه عندما يستنبط حكما شرعيا أن يلاحظ المقاصد الكلية للدين ودور الإنسان في الحياة، ذكرا أو أنثى، إضافة إلى مقاصد الشريعة، وأن لا تكون فتاواه سببا لتعطيل الحياة الحقيقية للمرأة، التي هي ليست وقفا على السرير والإنجاب وخدمات العائلة، وتنتظرها مسؤوليات كبيرة. المرأة كالرجل مكلّفة باستخلاف الأرض (وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ). وقوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). وهو خطاب عام للأنثى والذكر، بل يجب أن يكون كذلك، لتوقف وجود أحدهما على الآخر، ووحدة مصيرهما. وإذا لم يقنع الفقيه بحاكمية مقاصد الدين، ويصرّ على تناول كل حكم على حدة، دون رعايتها، فاليوم المرأة في قلب الحدث، تمارس إلى جانب الرجل جميع الوظائف الحياتية. وعندما يتخلف الفقه عن الحياة فلا يلومن الفقيه إلا نفسه. حياة الشراكة البشرية تتدفق وتواصل مسيرتها، وقد تغلغلت في قلب العالم الإسلامي بعد أن كانت محصورة في العالم الغربي، وما على الفقيه سوى إعادة النظر في مناهج استنباط الحكم الشرعي، وفق فهم جديد للدين ودور الإنسان في الحياة. وعليه التخلي عن  نظرية العبودية والمنطق الأرسطي. إذ يرى المنهج الفقهي المتداول أن الأحكام الشرعية أوامر مولوية، يجب طاعتها، بغض النظر عن أسباب نزولها. والمورد عندهم لا يخصص الوارد، ونزول الآية في قضية ما لا يجعل منها حكرا عليها، بل هو حكم شرعي مطلق. فآية السيف مثلا نزلت في مشركي مكة، فتعتبر قضية خارجية محددة، وليست قضية حقيقية مشروطة، لكن الفقيه يلغي المورد، ويعمم الحكم لغيره من الموارد. بينما الحكم بقتل جميع المشركين ليس حكما مطلقا في كل زمان ومكان لعدم فعلية موضوع الحكم، ولا يكون الحكم فعليا ما لم يكن موضوعه فعليا، وبما أن الموضوع قضية خارجية محددة فلا يصار إلى إطلاق الحكم، خارج حدود مشركي مكة. فنظرية العبودية تلغي البدائل الفقهية، وتضعك أمام حكم واحد ليس من حقك إعادة النظر في موضوعه. بينما تلعب أسباب النزول والقرائن الحالية والمقالية دورا كبيرا في فهم النص. فيكون المنهج الهرمونطيقي، المستبعد من قبل الفقيه، أجدر باستنباط الحكم الشرعي، مادام يعتني بسياق الآيات وأسباب نزولها في استنباط الحكم الشرعي. الفقيه دأبه الاحتياط، يعتبر الحكم نازلا من الأعلى إلى الأسفل، من المقدّس إلى المدنس، وما علينا سوى طاعته والجمود على حرفيته. فالمرأة هي المرأة مهما طرأ على وعيها وثقافتها وإدراكها من تطور. ويبقى للذكر مثل حظ الأنثيين مدى الحياة، ولا عبرة لأي فهم يأخذ بنظر الاعتبار دواعي تشريعه عند نزوله، ولا يمكن وفقا للفقه التقليدي، تجريد الحكم من فعليته بحجة عدم فعلية موضوعه، فتبقى للرجل قيمومته عليها وحق ضربها وتأديبها. والأكثر خطورة أن بعض الأحكام، كالحجاب تطورت لتأخذ مساحة واسعة من التشريع، حداً أفضى الحجاب إلى اختزال المرأة، وذلك بفعل المنهج المتبع في استنباط الأحكام الشرعية، الذي يؤمن بحجية مطلق السنة، ويأخذ بسيرة وفهم السلف الصالح أو الأئمة المعصومين. فتكون الرواية مقيدة ومخصصه لآيات الكتاب. لكن لا يمكن للسنة وفقا للمنهج المختار أن تقيد أو تخصص آيات الأحكام، فلربما تمام ملاكها في إطلاقها وعمومها. فالمنهج المتداول يضع الرواية إلى جنب الآية على مستوى الحجية، بينما المنهج المختار يقتصر دور الرواية على البيان والتفصيل، وفقا للفهم القرآني، ويرد المتشابه من الآيات إلى المحكم منها. وأن المورد وإن لم يخصص الوارد لكنه يساعد على فهم مناسبات الحكم وقرائنه، ويعيننا على تحديد فعلية موضوع الحكم. وغير ذلك من فوارق منهجية.

- أثر قبليات الفقيه على فهم النص: وهي قضية معقدة، يصعب تداركها إلا بتجرد كامل، وموضوعية تنظر للأدلة بعيدا عن التحيزات العقدية والثقافية. والقبليات ثقافة تستمد وجودها من تراثه وعقائده وبيئته وأعرافه وتقاليده، فتكون سلطة تؤثّر على فهم النص، عندما تفرض عليه محدداتها، فينحاز الفقيه / القارئ لها في فهم مقاصد النص / الآية / الرواية. لذا تجد المنطق الذكوري يؤكده التشدد في فتاوى الحجاب. بل أن الفقيه يتأثر بعقائده، فتكون قراءاته متحيزة دائما. مثال ذلك عندما يسقط الفقيه الشيعي موقف عائشة من الإمام علي، ويقيس جميع النساء عليها. فخطأها بالخروج على إمام زمانها، جعل من جميع النساء ناقصات العقول، غير حكيمات، فيحث الفقيه على تجنب المرأة والتعوذ منها، باعتبارها شيطانا، تكيد وتمكر، وتستدرج الرجل لارتكاب المحارم والتمرد على أحكام الله وشرائعة إلى غير ذلك. وأتمنى الاطلاع على صورة المرأة في التراث الديني في جميع الأديان والمذاهب، لترى فاجعتها في العقل الفقهي. فالفقيه ما لم يتجرد عن قبلياته الأيديولوجية، لا يتحلى بالموضوعية المطلوبة.......... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثاني والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نبرز موقف الأستاذ ماجد الغرباوي من قضية الحجاب ولكن بشكل مختلف تماما عما ذكره في كتابه المرأة والقرآن، وذلك من خلال السؤال التالي: سعادة المفكر المبدع ماجد الغرباوي: هناك سؤال نسيته بسبب زحمة العمل وكنت أود أن نخصص له حلقة ضمن حلقات الفلسفة النسوية، وأرجو وأنا أعلم أنك مكبد بالمشاغل، لكن لابد ألا نتجاهله، وهذا السؤال يتعلق بحجاب المرأة:

والسؤال هو: حجاب المرأة موضوع كان وما زال محط تركيز وعناية داخل المجتمعات الإسلامية ومحط اهتمام وتساؤل خارج تلك المجتمعات. الزي بشكل عام يعبر عن هوية.. عن مرجعية حضارية أحيانا.. عن رؤية للإنسان، فأحيانا نستطيع استخلاص معلومات عن الإنسان بمجرد النظر إلي الزي الذي يلبسه، ولذلك كان د. عبد الوهاب المسيري يقول: "اهتم بمتابعة تطور الأزياء، لأنها تعبر عن تطور رؤية الإنسان". .وفي السنوات الأخيرة أُعيد طرح حجاب المرأة من داخل المجتمع الإسلامي بعد أن ظهرت حالات كثيرة لنزع الحجاب لا ندري إن كانت ترقى لمستوى الظاهرة بالمعني العلمي للظاهرة، أم أنها مجرد حالات تم تسليط الضوء عليها بقوة، لكن من الواضح أن هناك ازديادا في حالات خلع الحجاب وإن لم يكن هناك ازدياد فإن هناك اهتماما كبيرا بإعادة قراءة هذه الشَعيرة وإعادة التساؤل أحيانا بما يشبه الاعتراض أو التشكيك بكونها من الإسلام، لماذا؟ ... هل هناك غموض فقهي في هذه المسألة؟...أم أنه عدم استيعاب لفلسفة هذا الزي ومعرفة لمراميه وغاياته؟....أم لأسباب اجتماعية تعود لإجبار بعض الأسر لبناتهم على ارتدائه؟.... أم لأسباب سياسية تعود للحرب على ما يعرف بالصحوة أو الإسلام السياسي والذي ارتبطت وعوده بانتشار غير عادي للحجاب بين مختلف الفئات والأعمار؟... أم بسبب التقدم الكبير الذي تشهده وسائل الإعلام الحديثة والتي تعطي اعتبارا كبيرا للاستعراض والتباهي في مواقع التواصل الاجتماعي؟ أم بسبب جميع ما سبق مجتمعة؟

ويجيبنا معالي الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: كما تفضلت، يشكّل الزي مائزا يفترق به الإنسان بمعية العقل والإدراك عن الحيوان. وفي التفاتة باهرة  في قصة الخلق في القرآن الكريم، جعل الزي مؤشرا على الوعي والإدراك العقلي، ودليلا على التميّز البشري: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ)، يفهم هذا من رمزية قصة آدم وحواء، والأجواء التي عاشاها خلال تجربة الجنة، وهي تجربة أولية أشبه بمرحلة الحضانة وبداية نضوج الوعي رويدا. حيث توفر لهما كل ما يشتهيان ويرغبان: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ). أنظر لدقة التعبير ورمزية القصة، حيث جعلت الاستغناء دلالة على الخمول العقلي، وأما الحياة فتقتضي الحركة والنشاط لسد الجوع والعري. لكنها مرحلة حضانة، تتطلب مراناً على تشخيص الصحيح من الخطأ وتدارك الثاني، فكان العري والزي، أول استفزاز لمدارك الإنسان. آدم وحواء ما كانا عاريين عندما أكلا من الشجرة المحرّمة. لكنهما ارتبكا حينما بدت سوآتهما، ولم يجدا سوى الزي لاستعادة توزانهما، فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة. فالزي أكثر من مجرد غطاء لستر سوءة الإنسان، وأكثر من ثوب يحتشم به، إنه أداة لإعادة توزانه وتماهيه مع وسطه الاجتماعي. قد يتجرد المرء من ملابسه وأزيائه في بيته وخلواته، لكنه لا يغامر بمصداقيته الاجتماعية، فيحرص على الظهور بمظهر لائق، ويرتدي ما يناسب مقامه ليكون لباسه دالا على شخصيته. فالزي يحقق معنى الانتماء الذي يحرص عليه الإنسان أشد الحرص، وقد مرَّ في بحوث سابقة، أن ارتهان القيمة الاجتماعية لقوة انتماء الشخص، كان وراء التصاقه بقبيلته، وعدم مغامرته في التمرّد على قوانينها، مهما كانت تعسفية. فالزي أحد تمظهرات الانتماء، عندما يكرّس قيم المجتمع ويحافظ على تراثه، حدا تجد الزي دليلا على قومه وبلده. وللزي تقاليده، وهناك حد أدنى يحاسب عليه قانونيا واجتماعيا إذا تجاوزه، مما يعطي للزي نوعا من القداسة، عندما يرتبط بكرامة الإنسان ومكانته الاجتماعية. فالتجرد المطلق من اللباس والحشمة هدر لكرامة الإنسان.

ثمة نقطة أخرى يؤكد عليها الأستاذ ماجد الغرباوي وهي أن الزي يعكس هوية الفرد وخصائص مجتمعه، يتمسك به للتعبير عنها، وكأنه يستجير بالأزياء لاسترداد مكانته، حينما يعيش أجواء الاغتراب بعيدا عن مجتمعه. فهو جزء من هويته وانتمائه، ومظهر فولكلوري ينتمي من خلاله إلى تراثه وعاداته وتقاليده. فالزي مُشبع بدلالاته الرمزية. وقد لاحظت حرص الأقليات على ارتداء أزيائهم المحلية، مهما كانت غرائبيتها، لتعكس هويتهم، في المناسبات العامة. ويتحول الزي إلى شعار ومطلب إنساني وسياسي بالنسبة للأقليات المضطهدة. وهذا يؤكد ما جاء في السؤال أن الزي بشكل عام يعبّر عن هوية.. عن مرجعية حضارية أحيانا.. عن رؤية للإنسان، فأحيانا نستطيع استخلاص معلومات عن الإنسان بمجرد النظر إلى الزي الذي يلبسه، وهذا ينطبق على الحجاب الديني عامة والحجاب الإسلامي خاصة، عندما يختزن رؤية عقدية، ونظرة فلسفية للعالم، بشكل يحيل المشاهد على مرجعياته ومنظومته القيمية والأخلاقية. فحجاب اليهودية المتدينة يحيل على التوراة والتلمود. والراهبة المحجبة تحيل على تعاليم الدين المسيحي وموقف الكنيسة منه، إضافة لدلالات الالتزام الديني. وذات الأمر بالنسبة للحجاب الإسلامي فإنه يعيد المشاهد إلى تعاليم الدين، وموقفها من حرية المرأة. والأمر أكثر وضوحا عندما تمتنع المرأة المحجبةعن مصافحة الرجل الغريب. فإنها تعلن صراحة عن انتمائها وعقيدتها ومدى التزامها بفتاوى الفقهاء.

كان الحجاب في زمن الرسالة كما يذهب الأستاذ ماجد الغرباوي يمثل مفهوماً بسيطا، يراد به الاحتشام، فشمل غض البصر والمحافظة على الفروج والحد من التبرج، في إطار مجتمع الفضيلة الذي يسعى له الإسلام. غير أنه تطوّر من الاحتشام إلى كونه شَعيرة دينية وواجبا يتوقف عليه صحة عبادات المرأة، فلا يجوز لها الصلاة دون حجاب حتى في خلواتها وهي فتاوى استمدت شرعيتها من المنطق الذكوري وتفسيراته الجنسية، وتقويل آيات القرآن ما لم تقل. ثم تطور في المرحلة الثالثة من كونه مجرد شعيرة دينية إلى كونه طقسا دينيا أو دينيا -اجتماعيا  يرمز لمكانة الأسرة وشرفها الاجتماعي، تخضع له المرأة دون إرادتها. ولم يكن  الطقس الاجتماعي بعيدا عن التراث الذي يوبخ المرأة وينهرها ويطالب بتكبيلها وسترها باعتبارها عورة وعبئا يجب التخلص منه بالحجاب، بل يستمد منه ما يعزز موقفه دينيا، ويستعين بالفقيه الذي وظف الحجاب لإثراء رأسماله الرمزي. فثمة مساحات تشريعية  تتفاقم بالفتوى لتعزيز الرصيد الرمزي للفقيه، تلعب على مساحات الإباحة بأحكام ثانوية تتراوح بين الاحتياط والكراهية. فهي وإن لم تكن بمنزلة الوجوب والحرمة، لكنها تُلزم المكلف ولو نفسيا فلا يتخلى عنها. فمثلا تجد فقيها يكتفي بغطاء الرأس والجسد لصدقية الحجاب، يأتي فقيه يتشدد أكثر ويلزمها بلون آخر من الحجاب، يدخل في تعزيز رمزيته، ولا يهمه حجم المسؤولية النفسية التي تقع على المرأة، فيقال عنه كم هذا الفقيه يخشى الله ويحتاط لدينه؟ وهو بالحقيقة لا يحتاط لدينه، لأن الاحتياط بالدين يستدعي السعة والرحمة، وهذا هو المنطق القرآني. ويطالب ثالث بالنقاب لضمان الحجاب الشرعي. ورابع حينما لا يجد ما يبرر رغبته في قمع المرأة يلجأ لمفاهيم الصلاح، فعندما سُئل أحد الفقهاء عن حجاب المرأة، هل تكتفي بالحجاب المعروف، الذي يستر جميع بدن المرأة، فكتب: مع هذا، الحجاب بالعباءة أصلح. فانظر كيف يتحايل الفقيه على الفتوى لتعزيز رأسماله الرمزي، علما أن (أصلح) ليس من الأحكام الخمسة، لكن وظّفه ولو لا شعوريا لهذا الغرض. والرأسمال الرمزي هنا ليس أكثر من التزام المكلف بفتاواه، التي بعضها زائد عن الأحكام الخمسة (الوجوب، الحرمة، الكراهية، الاستحباب أو الندب، الإباحة)، فأضاف لها الفقيه الأحوط، والأحوط وجوبا، والأحوط استحبابا، والأفضل، والأصلح. وغيرها من مصطلحات تعزز مهيمن الفتوى وسلطتها، عندما تحتكر مسؤولية حدود الحجاب وشكله بعيدا عن المدونة الأولى للأحكام الشرعية. فمساحة الحجاب وحدوده وشكله تحددها فتوى الفقيه، حينما يُرتّب عليها أحكاما ثانوية، ويحيطها باستحبابات ومكروهات، لا دليل عليها سوى روايات لا يمكن الجزم بصحة صدورها، وفهمه الذكوري لما يجب عليه حجاب المرأة. وحتى لو جزم بصحة صدورها، فليس من حق الرواية التشريع، لأنه منحصر بالله تعالى، كما تقدم.

وهنا يعلنها صريحة الأستاذ الغرباوي فيقول: لقد غادر الحجاب مفهومه القرآني البسيط، ودخل بورصة المزايدات الفقهية والفولكلورية، وارتبط بعادات وتقاليد، تنتمي للنظام البطريركي، والقهر العبودي الأبوي. وهذا يكفي للتمرد والتحايل والرفض بإصرار. فدعوات المطالبة بإعادة قراءته، ومقاربته فقهيا في ضوء آيات الكتاب، وظرف نزول النص، دعوات مشروعة. وبهذا الاتجاه، ونحن نتحدث عن فلسفة النسوية، ونسعى إلى مفهوم نسوي "عرب إسلامي" في إطار مجتمع الفضيلة أجد أن أسباب التمرّد على الحجاب، هي في نظر الأستاذ الغرباوي:

أولاً - البعد الاختزالي للمرأة: واعتبارها عورة من رأسها إلى أخمص قدميها، يجب عليها ستر بدنها، كإجراء إحترازي، لضمان عدم ارتكاب الرجل خطيئة النظرة المحرّمة، باعتباره كائنا مقدسا ينبغي أن نوفر له أحكاما احترازية لتفادي أي خطيئة محتملة، قد تحط من قداسته وفقا للمنطق الذكوري. والاختزال شعور دوني لا تطيقه المرأة التي تعي إنسانيتها، ولا تعاني عقدة الدونية، فتمرّدها على الحجاب تمرّد على المنطق الذكوري الاختزالي، والاصرار على انتزاع اعتراف حقيقي بها. فهي تريد تأكيد وجودها من خلال إنسانيتها، لا من خلال قطعة قماش تلتحف بها، اعترافا بدونيتها وأنها عورة، كما يفهم العقل التراثي ذلك.

ثانياً – اللوازم القهرية للحجاب: حيث تفرض العادات والتقاليد على المرأة المحجبة سلوكا عرفيا متشددا، فكونها محجبة تجد نفسها أمام قائمة من المحرمات الاجتماعية التي تُحرمها متعة الحياة، ومساواتها بالرجل في التطور. أو فرض عليها ما يناسب حجابها حسب تقديرهم، وقد تحرم من مجالات عمل ترغب بها وتبدع. وعليها مراعاة نفسها في جلستها وحديثها وضحكتها وحرمة الحديث مع الغرباء، والتحفظ بكلامها مع الأهل والأقرباء. وكل هذا يجعل من الحجاب عبئا، تتحين الفرص للتخلص منه، واستعادة حريتها واستقلاليتها. الحجاب القرآني لا يسلب المرأة حريتها واستقلاليتها ومساواتها. ولا يطالبها بأكثر من الاحتشام، ومراعاة خصائصها الجسدية، خاصة المجتمعات الشبقية الشرهة، من أجل مجتمع فاضل، لا مجتمع عبودي. حجاب الفقهاء يكرّس عبودية المرأة، ويخلق لديها شعور مرير بالدونية، عندما تكون المرأة واعية يقظة، ويعمق روح العبودية في غيرها من النساء. بينما حشمة الكتاب المجيد تُشعر المرأة بكرامتها وحيثيتها، وتجنبها الابتذال، تحت أي عنوان كان.

ثالثاً - عدم وجود قناعة بالحجاب: وهي حالة تختلف عن سابقتها، والمرأة هنا قد تلتزم بالحجاب متى تشكلت لديها قناعة تامة به، فهي لا تعتبره عبئا، لكنها تستدعي قناعة قائمة على فلسفة عقلائية. وترفض التعبد المجرد. وهذا الكلام يحيلنا على إشكالية عميقة، تتقاسمها نظريتا العبودية والإنسان. نظرية العبودية تعتبر الأحكام الشرعية والفتاوى الفقهية، معطى جاهز من الأعلى إلى الأسفل، من المقدس إلى المحايث، فيقتصر دوره على الطاعة، وحرمة التمرّد. فسواء كانت أسباب التشريع واضحة أم لا، يجب عليك طاعتها. بل حتى لو قطعت وملاكات الأحكام فربما هي حكمة وليست علة، وهناك  ملاكات في علم الله لا تعلمها. وهو اتجاه يؤمن بإطلاق الأحكام الشرعية إطلاقا أزمانيا وأحواليا، والحكم بالنسبة له فعليا متى ما استوفى شروطه. ففعلية الحكم عندهم لا تتوقف على معرفة ملاكاته، وماهي المصالح والمفاسد، فيكون الحكم فعليا بفعلية موضوعه، ولا يكون كذلك مع عدم فعلية موضوعه. وهذا على الضد من نظرية الخلافة أو نظرية الإنسان التي أسعى لتأصيلها، وكتبت كثيرا عنها. فإن فعلية الحكم مرتهنة لملاكاته وأسباب تشريعه. وعند تعذر تشخيصها نلجأ لما أسميته بـ"ملاكات الجعل الشرعي". والتفصيل مرَّ في محله. ملاكات ترتبط بالهدف الأساس وراء وجود الإنسان على الأرض، وهي: (تحقيق التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، المتوخاة من أحكام الشريعة)، وهذه تختلف عن مقاصد الشريعة.  فالحجاب اليوم مفروض بقوة العادات والتقاليد، المتمردة تنتظرها عقوبات جمة، أقلها التوبيخ والمقاطعة الاجتماعية، فيكون الحجاب نوعا من الخلاص، لكنه لا يشكل لها قناعة ولا يكسبها مناعة من ارتكاب الرذائل. وهنا يواجه الداعية إحراجا شديدا عندما يريد إقناع البنت بالحجاب مع الإبقاء على ذات المفهوم الفقهي المتداول. ويظهر هذا جليا في أوساط الجاليات المسلمة. حيث من الصعوبة إقناع المرأة بالحجاب، ما لم تجد مبررا لسلوكها، وأغلب النساء ترتدي الحجاب كجزء من تقليد العائلة. ومن يرد إقناع المرأة بالحجاب ويضمن استجابتها فليبدأ بتقديم فهم مختلف له. ابتداء من سلبية دلالة الاسم، ويقدم تفسيرا مقنعا بعيدا عما هو متداول: "يجب احترام عاداتنا وتقاليدنا". أو "يجب احترام ديننا، والإلتزام بتعاليمه". والأخطر استخدام خطاب الترهيب والوعيد بالنار، حيث يبدأ الداعية بآيات الجحيم، وروايات القبر،  ومصير المرأة غير المحجبة، فيخلق لها عقدة، قد تتطور إلى كراهية الدين، عندما لا تواجه أي محظور في سفورها. وهذا لا يقتصر على الحجاب، بل على جميع العبادات. ينبغي للمكلف أن يعي ماذا يفعل، وبإمكانه أن يقنع غيره بالهدف الأساس من عمله. لست مع الترغيب والترهيب، فتلجأ المرأة للحجاب خوفا ورهبة، مما يعمق دونيتها دون كرامتها كما يعتقدون. الحجاب هوالاحتشام والتوازن السلوكي من أجل مجتمع فاضل. ولا أبالغ بحكم وجودي في مجتمع غربي أن ما تتمتع به غالبية النساء من أخلاق رفيعة ومعاملة طيبة، تجعلك تخجل من تصرفات كثير من المحجبات عندما يسئن الأدب مع الآخرين........ وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الحادي والعشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: إذا كانت النسوية حركة سياسية اجتماعية ظهرت في الغرب للمطالبة بحقوق المرأة، تعتمد على فلسفة تجاه الرؤية الذكورية التي شكلت وجودها القيمي، فهل يعتقد الأستاذ أن النسوية - كإطار فكري وفلسفي وحركة سياسية - تمثل توجها يدافع عن حقوق المرأة، ووضع حد لأشكال التحيز والتمييز التي عانت منها المرأة على مدى التاريخ؟.

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا شك أن الأطر الفكرية والفلسفية التي تم التنظير لها، ارتقت بالنسوية من مستوى حركة سياسية – اجتماعية ترفض الذكورية التي شكّلت وجودها القيمي، وتطالب بحقوق المرأة ومساواتها به إلى وضع أطر نظرية وفلسفية تتحرى الأسباب الحقيقية وراء دونية المرأة، ومعالجتها من خلال طرح بدائل فكرية وفلسفية، تسمح برؤية الهوية الحقيقية للمرأة، وأبعاد شخصيتها التي تستقل فيها عن الرجل، رغم اختلاف النتائج.

المستوى الأول من رؤية النسوية يكتفي بمعالجة البنى الفوقية، من خلال تحسين واقع المرأة، بعد نيل حقوقها. وهذا لا يضمن لها استعادة إنسانيتها، وكرامتها المهدورة بفعل منطق الذكورة، والنظام الأبوي، الذي يرتكز إلى مركزية الذكر، فتكون الأنوثة حتمية بيولوجية. ويكون الرجل معيارا لحقيقتها. دون معالجة جذرية لإشكالية الذكورة والإنوثة وطبيعة العلاقة بينهما، التي ترتبط بقضايا أعمق هي أساس النظرة الدونية. فثمة فرق في انتزاع المرأة حقوقها على أساس التماثل الإنساني والعقلي بينها وبين الرجل. وانتزاعها على أساس حقوقي فقط. في الحالة الأولى تفهم المرأة أن الحرية والمساواة لازم وجودي، لا تخضعان للجعل والهبة، فتطالب بحقوقها بثقة تامة، وهي مستعدة للتفاوض على مستوى الممارسة الاجتماعية وفقا للعقد الاجتماعي، وتكافح لهدم التابوات والسلطات الفوقية الساعية لقمعها بدعوى الفوارق البيولجية والدونية والنقص العقلي وغلبة العاطفة. وأما الثانية، فتفهم حريتها ومساواتها ولوازمهما هبة وتكرما. فترتهن إرادتها لواهبها أو من ينوب عنه. وهذا اللون من الوعي يسعى الخطاب الديني لتكريسه، لقمع المرأة والحد من وجودها الفعلي.

أما في موجتها الثانية / ما بعد الحداثة، فقد ارتقت النسوية إلى مستوى "النظرية والفلسفة الصريحة والسؤال الإبستمولوجي وفلسفة العلم".  لتضع بديلا للنظام البطريركي. مما يعني أن النسوية اكتسبت نضجاً فكرياً، تبحث عن إطار نظري أعمق وأشمل من مجرد المطالبة بالمساواة مع الرجال وطبقًا للنموذج الذكوري / الرجل. وعندما تصل النسوية مستوى النظرية، يصبح لديها موقف نقدي، لمعرفة منشأ المنطق الذكوري، وما علاقة الظروف الاجتماعية والسياسية، ومدى تأثير الفكر الديني والميتافيزيقي بالمرأة وهويتها. والتعرف على موقفها من خلال تشريعاتها ومبادئها. ولا يخفي حجم التأثير الديني في وعي المجتمع. وهذا المستوى من الوعي يربط بين الفكر والواقع، ويسعى لطرح بدائل للنظام الأبوي، والحتمية البيولوجية، ويستعيد المرأة كائنا إنسانيا، سحقته قيم العبودية. إن الأطر الفكرية والفلسفية، تدافع عن حقوق المرأة وتضع حداً لأشكال التحيز والتمييز التي عانت منها على مدى التاريخ. بمعنى أن مناشئ التمييز والتحيّز تتطلب تأملا فلسفيا ومعرفيا، للوقوف على منطلقاتها، ومن ثم معالجتها وفق نسق قيمي وأخلاقي يستبعد سلطة الذكر، ويؤسس لمركزية الأنثى بجوار مركزية الرجل. فالفلسفة والأطر الفكرية تساعد على تشييد بنية معرفية مغايرة، في موازاة البنية السائدة. بنية تتجلى من خلالها المرأة بكامل تاريخها ومنجزاتها ومختلف آثارها، التي تؤكد إنسانيتها وكمال عقلها وحكمتها، وبذلك تفكك مركزية الذكر، وتستبدلها بمركزية أنثوية بجوار المركزية الذكورية، وردم الهوة بينهما.

الفلسفة تسمح بمساءلة كل شيء، والحفر عميقا في بنية الوعي، لتقصي جذور إشكالية المرأة وثنائيات الجندر / النوع. وقد تعمقت البحوث الفلسفية مع الراديكالية، وراحت النسوية تسعى لاستبدال الذكورة بالأنوثة، من خلال ثنائية صلبة، مفادها التمركز حول الأنثى باعتبارها نوعا آخر، وعلى هذا الأساس بدأت بطرح بدائل للتخلص من سطوة الرجل، حتى دعت إلى هدر الأسرة، والاستغناء عن الذكورة بالسحاق والشذوذ، والاستعانة بتقنيات الإنجاب الحديثة. ورغم أننا ضد هذا التوجه، لكنه مثال لتطور فلسفة النسوية، ومديات التفكير النسوي. مما يشجع على تبني رؤية فلسفية تحقق كامل أهدافها، بعيداً عن تفكيك الأسرة والاستغناء عن الرجل. كما فعلت النسوية الراديكيالية الثقافية.

ينبغي للنسوية المسلمة العمل على وضع أطر فكرية وفلسفية، تساعدها على فهم جذر الإشكالية، وعدم الاكتفاء بنيل حقوقها. فثمة ثقافة تؤصّل النظرة الدونية، وتشرعنها، وعليها معرفة حقيقة المقولات المتوارثة، والتي اختلط فيها الديني بالاجتماعي، والمقدس بالمدنس، وأفضى إلى استغلال المرأة واضطهادها، وتكريسها أنثى لخدمة الذكر. حتى وإن أقتضى الأمر مساءلة النصوص الديني، للكشف عن وعي العصور الأولى،  ومدى شرعيتها، وما هي حقيقة إطلاقات أحكام المرأة في الشريعة الإسلامية. إذ أن النسوية المسلمة اليوم، تكتفي باستنطاق النصوص والتراث، وإعادة قراءتها بما يخدم حقوقها. وهذا منهج قاصر  فربما النص والتراث سببان رئيسيان وراء دونيتها. وفي هذه الحالة يمكن للنسوية المسلمة توظيف المبادئ الإنسانية في النصوص المقدسة، وإعادة فهم الدين ودور الإنسان في الحياة، كي تقوم فلسفة النسوية على أطر فكرية وفلسفية، تستمد شرعيتها من بعدها الإنساني، ويختفي منطق المنّة والتفضل واليد العليا، لتحل محلها مساواة عادلة قائمة على مبادئ إنسانية. وللحديث بقية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال العشرين ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: ماذا نعني أن المرأة كوجود طبيعي أي مثلها مثل الرجل تخضع لقوانين الطبيعة. وما يميز المرأة عن الرجل أن الطبيعة خصتها ببنية تشريحية تسمح لها بالحمل والإنجاب، كما خصت الرجل ببنية تشريحية أخري تسمح له بالإخصاب هذا الفارق البيولوجي هو فارق طبيعي؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: ثمة قصدية وراء هذا الكلام، مفادها إرتهان أدوار المرأة في حدود الأسرة والأمومة للفارق البيولوجي، فتبدو الأنوثة حتمية بيولوجيَّة مفروضة عليها، ومسألة خارجة عن إرداتها. ولازمه نفي مسؤولية النظام الأبوي والمنطق الذكوري. والأمر يعود للطبيعية التي كيّفتها مع مهام الأمومة بما يناسب أنوثتها. وكما أن وظائف الرجل مرتهنة للعامل البيولوجي فكذلك المرأة. فهي ليست مجرد بنية تشريحية تختلف بها عنه، وإنما بنية تشريحية ملائمة لأنوثتها، التي تفرض عليها المرابطة داخل أسوار العائلة. وهذا ما يؤمن به قطاع واسع من نساء العالم. بينما منحت الطبيعة الرجل خصائص مختلفة، كالقوة الجسدية والخشونة، كي تتلاءم مع وظيفته الحياتية، ومقارعة الخطوب والأهوال المحيطة به، والقدرة على تدبير المرأة، بفضل حكمته ورجاحة عقله، وله حق التسيّد والتسلط، بحكم العامل البيولوجي. وبالتالي لا يوجد ظلم وقهر في تحديد الأدوار الاجتماعية لكليهما.

ويتعين أيضا فهم الكلام المتقدم وفقا لمتبنيات النسوية الراديكالية المتطرفة، التي تجد في الفواق البيولوجية التي هي فوارق طبيعية، مبررا للتمركز حول الأنثى، والدعوة لإقصاء الذكورة، وإحلال الأنوثة محلها. وبالتالي ثمة اتجاهان حول فلسفة الفارق البيولوجي، أحدهما يؤصل دونية المرأة، والثاني يبرر تمركزها حول الأنثى.

والحقيقة، لا توجد حتمية تحاصر المرأة، سوى حتمية المنطق الذكوري، التي تقتضي تكريس المرأة لخدمته، وإقصائها عن ساحة وجوده. الرجل لا يقبل بندية رجل مثله، فكيف يقنع بندية المرأة التي تحدت نرجسيته، وجرحت كبرياءه، حينما عجز عن الاستغناء عنها، فكانت شرطا لوجوده بمعنى التجلي والتحقق خارجا. وأصلا لوجوده أنطلوجيا. وما الحتمية البيولوجية سوى ذريعة لشرعنة استعبادها، رغم أدوارها الإنسانية الرفيعة، وهي معه وإلى جنبه وخلفه.

إذا كانت المرأة شريكا في بناء الأسرة، فديمومتها رهن بوجودها، فضلا عما تتمتع به من  خصائص إنسانية راقية، كالحنان والإخلاص والعاطفة والحب والدفء الروحي والأمومة والشعور بالمسؤولية. فهذه الرقة وهذه الإنسانية لا تبرر اضطهادها وقهرها ومحاصرتها بين جدران أربعة، بشكل تصبح مسؤولة عن كل شيء، وتتحمل تداعيات أي خطأ أو تهاون ولو لم يكن مقصودا. الأسرة تتطلب تعاونا من قبل جميع أفرادها. وما تقوم به المرأة داخل أسرته له قيمة مادية، تتنازل عنها طوعا وحبا، لذا لم يفرض الإسلام على المرأة أي عمل، باستثناء حقوق الزوجية، ولها حق المطالبة بكل جهودها، بما فيها رضاعة أطفالها. غير أن العرفَ عرفٌ استبدادي، أبوي، يخضع لإرادة ذكورية صارمة وظالمة، فصادر كل حقوقها، وقمعها في داخلها، وأعاد تشكيل وعيها، بشكل تجد دونيتها جزءا مقوما لوجودها. وعلى الضفة الأخرى حلقت بها الراديكالية المتطرفة حدَ الاستلاب النفسي والثقافي. وجعلتها تعيش اغترابا حقيقا عن شريكها الإنساني وإن كابرت وتنكرّت.

المهم عندي هو وعي المرأة وعيا إنسانيا، وعدم اتخاذ العامل البيلوجي ذريعة لفرض أدوار حياتية محددة عليها، حتى وهي تكرّس جهدها أسريا. فهناك فرق بين من يعتقد أن الأنوثة حتمية بيولوجية، وقدرا وجوديا، وقد خلقت لتكون أنثى، تمارس دورها الأمومي داخل أسرتها. وبين من يرفض الحتمية البيولوجية، ويركّز على الجانب الوظيفي، فرعاية الأسرة ليس قدرا للمرأة، وإنما وظيفتها عندما تفرض الظروف الحياتية ذلك، وقد تتغير تلك المسؤوليات، باستثناء خصائصها البيولوجية في الإنجاب.

لقد عانت المرأة اضطهاد الرجل، وعاشت محنة الأنوثة، التي جعلتها مرتهنة للذكر وإرادته، حتى غدت الأمومة قدرا في وعي العقل الجمعي، يتفق عليه الجميع، لذا واجهت المرأة رفضا من قبل المجتمع في أول  ظهور لها خارج أسرتها. ثم بشكل تدريجي فرضت نفسها، بعد نجاحات متواصلة نافست الرجل إبداعاته.

ما كان للمرأة أن تنافس الرجل، في أعماله الشاقة كالحروب، الوظيفة الأساسية للمجتمعات الأبوية القائمة على القوة والغلبة، فتكون إدارة الأسرة وظيفة طبيعية لها، لا بسبب خصائصها البيولوجية فقط، كما هو الموقف الأبوي منها، ولكن لندرة فرص التنافس، ولأنها عرفاً تابعة للرجل، وحكم التبعية والانقياد أن يختص الذكر بتدبيرها ورسم أدوارها. وهذا النوع من الأدوار فرضتها الظروف الحياتية والأسرية، وليس العوامل البيولوجية، وهو أمر طبيعي لتقاسم مسؤوليات الحياة، رغم ما فيه من ظلم وجور. وعندما خرجت المرأة، ونافست الرجل، فأيضا يمكن توزيع الأدوار، وتقاسم أعباء الأسرة، فيكون الأصل هو التعاون، وليس الحتمية البيولوجية. للأسف طالما نسمع الرجل وهو يرد على المرأة حينما تعترض أو تتمرد: "هذه وظيفتك في الحياة"!!. إن محنة المرأة أنها مخلوق ذكوري. بمعنى أن الذكر قد تولى تشكيل وعيها، وتحديد وظيفتها، وفرض عليها سلطته وقيمومته، وبيّن هامش حريتها، وحقوقها وواجباتها.

وعندما اؤكد على الوعي الإنساني للمرأة، أقصد به وعي الذات مجردة عن أية مؤثرات خارجية، بما في ذلك المؤثرات البيولوجية، لتعي أنها إنسانة لها حقوق وجودية باعتبارها كذلك. وعندما ينمو هذا اللون من الوعي، سوف لا تستنكف المرأة من عملها الأسري، وتعتبره وظيفة إنسانية لديمومة الحياة بمعية الرجل. وستختلف نظرتها لذاتها والآخر، إذا تأثرت بالعامل البيولوجي وإيحاءاته. فتجد في قيمومة الرجل مقوما لوجودها، وأن وظيفتها الأنثوية قدرها في الحياة الدنيا...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال التاسع عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: هل تؤيد سيادتكم فكرة الثورة النسوية التي قامت على فكرة التفوق الذكوري وبناء المجتمع البطريريكي الأبوي، وهذا الشكل وهذه الصورة للمرأة هي التي أدت إلى حدوث ثورة نسوية طالبت فيها النساء التساوي مع الرجال في كافة الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ومن هنا تمت المطالبة بتحرير المرأة من سلطة الرجل حتى إطار العلاقة الجنسية وهذا كان وجهة نظر المدرسة الراديكالية؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لست مع جميع مطالب النسوية، خاصة ما تتبناه النسوية الراديكالية المتطرفة، بتفصيل: أتعاطف مع الثورة النسوية المتوازنة، التي قامت ضد تداعيات التفوق الذكوري، الذي أفضى إلى تهميش الأنثى. فهي دعوة لاستعادة إنسانية المرأة أساسا للمطالبة بحقوقها. إنسانيتها التي سحقها النظام البطريركي، والثقافة الأبوية التي أسست لدونيتها. وهو اتجاه يسعى لوضع الأنوثة بجوار الذكورة. مما يتطلب، وهذا هو معنى الثورة التي أتبناها، تفكيك الأنساق الفكرية للوعي، وإعادة بناء مهيمن ثقافي يستمد وجوده وشرعيته من إعادة تشكيل الوعي. وهذا يتطلب تحري الأنساق المضمرة في الوعي والثقافة الشفهية والتحريرية، والتعرّف على مرجعياتها وبيئتها وسلطتها المعرفية، ودورها في بناء الوعي. بما فيها النسق الثقافي المهيمن، ومستوى معاناة المجتمع من إكراهاته وسلطته. فالنقد الثقافي يعمل بمنهج نقدي إركيولوجي، مستفيدا من معطيات العلوم الإنسانية، على تقصي تلك الأنساق ضمن المنسي واللامفكر فيه والمهمّش والمهمل والمحرّم والممنوع وما ترسب في أخاديد الوعي، وصولا للكشف عن كيفية تشكل مفاهيمها ومقولاتها المؤسسة، ومدى تأثيرها في بناء النسق الدلالي للمفاهيم. وهذا يعني أن الثورة النسوية التي أتحيّز لها هي ثورة فكرية وثقافية، نستعيد من خلالها إعادة تشكيل الوعي على أسس إنسانية، وفهم واقعي لطبيعة العلاقة بين المرأة والرجل، بعيدا عن ثقافة التفوق عند الرجل، وعقدة الدونية عند المرأة، على أمل الوصول إلى مهيمن ثقافي يتولى موازنة العلاقة بينهما، بما يحفظ حريتهما ومساواتهما في الإنسانية، وفيما بعد مساواتهما في الحقوق على أساس المساواة العادلة التي تأخذ بنظر الاعتبار خصائصهما، وأدوارهما في الحياة، وعدم إرهاق أي منهما خارج وظيفته الاجتماعية.

وأقصد بالمهيمن، كما بينته في كتاب الهوية والفعل الحضاري: "نسق أو مجموعة أنساق معرفية مهيمنة، تعمل كموجّه يستوحي من مقولاته الأساسية، المضمرة داخل بنية العقل وفضائه المعرفي، فيرتهن لها وعي الفرد، وطريقة إشتغاله لا شعوريا".

وبهذا يتضح أن فهم المهيمن يتوقف على فهم أنساقه ومقولاته ومفاهيمه الأساسية، ومناشئ وجودها، ومدى صدقيتها. وهي مقولات تأسيسية، مكتسبة، تترسب لا شعوريا في بواكير الوعي، عبر التربية والتعليم والبيئة والعقل الجماعي والأجواء الثقافية المحيطة به. وتسمى اصطلاحا بـ(الفترة الحرجة - critical period). فيتعامل معها العقل كحقائق رغم عدم وعيه لمدى مطابقتها مع الواقع ونفس الأمر. وهذا النوع من المقولات يتعذر نقدها وتفكيكها بسهولة، لأنها تنتظم ضمن أنساق مضمرة، فتكتسب مناعة ذاتية، وهو سرّ مقاومتها للنقد. إنها قناعات لا شعورية، يحار المرء في اكتشاف سببها، ويعاني في استعادة وعيه، ما لم يرهقه القلق والتردد والشكوك والاستفهامات. وتقاس فعلية كل مهيمن بقوة حضوره، حينما يباغت الوعي ويطفو لا شعوريا، يضع الفرد في موقف حرج أمام صدقية وعيه. وقدرته على التحرر من سلطة مهيمناته وأنساقه المعرفية. وقد بينت في ذات الكتاب، وكتاب النص وسؤال الحقيقة، أن سبب رسوخ المقولات الأساسية، مرجعيتها الذاتية، ولا مرجعية فوقية يمكنها نقدها ومراجعتها، وفي هذه الحالة نحتاج لنقد يزلزلها، ووعي يتقبل النقد الجذري.

غير أن الراديكالية المتطرفة ذهبت بعيدا، ولم يعد النظام الأبوي في نظرها هو جذر عبودية المرأة، وراحت ترتكز على أساس بيولوجي تمثل خصوصية المرأة، وتجعلها أرقى منه بتفردها بالإنجاب!!. والمغالطة هنا واضحة، فلا إنجاب بمعزل عن الإخصاب الذكري. حتى لمن تتمرد عليه، تحتاجه. وبهذا الاتجاه راحت تؤسس لمنحى جديد في مفهوم النسوية، يرتكز لثنائية صلبة، حتى دعت "شولاميت فايرستون" إلى التحرر من الحمل والإنجاب بالاستفادة من تقنيات الإنجاب الحديثة، وأطفال الأنابيب، وإستئجار الرحم، لتتحرر من عبودية الإنجاب، ومن ثم التحرر من عبودية المجتمع الأبوي، وإحلال مركزية المرأة بدلا من مركزية الرجل.

وطالبت النسوية الراديكالية المتطرفة بحق الاجهاض، وممارسة الجنس خارج أسوار الأسرة، وحق المرأة في ممارسة السحاق، لفك ارتهانها بالرجل على أساس حاجاتها الجنسية. بل ذهب فريق منهن - كما ذكرت يمنى طريف - إلى أن (السحاقيات فقط هن النسويات حقا، القادرات فعلًا على تحدي الذكورية والإعراض عن عالمها). وشكلّنّ النسوية السحاقية التي تدافع عن الجنسية المثلية والأسرة السحاقية، وبالتالي الأسرة اللواطية، كنموذج للأسرة. والمعروف أن  الراديكاليات التحرريات هن أصحاب دعاوى سحق الأسرة. وكل هذا ترفضه النسوية الراديكالية المثقفة. إنه تخبط لا عقلاني، مشحون بعقدة الرجل، وتصويره غولا لا همَّ له سوى استعباد المرأة، وارتهان إرادتها.

وبالتالي لا أتعاطف مع النسوية الراديكالية المتطرفة، التي تنطلق من عقدة متأصلة من الرجل، لا شك أن لها أسبابها الوجيهة، غير أن الحلول جاءت متطرفة. فانتشال المرأة من تخلفها، واستعادة حقوقها، في الحرية والمساواة، لا يتحقق بالسحاق والإباحية والشذوذ الجنسي. ولا بهدر الأسرة، وإسقاط الذكر أو الاستغناء عنه، وربما الحالات الشاذة تخلق عاهات نفسية واجتماعية جديدة، وتترك فراغا لا شعوريا، ينعكس على المجتمع وعلاقاته العامة. ولا دليل أن الاتجاه الراديكالي المتطرف ساعد على تطور المرأة. فالدعوة النسوية الراديكالية المتطرفة، تهدد على المدى البعيد بانقراض النوع الإنساني.

إن الحلول التي تطرحها النسوية الراديكالية المتطرفة، يمكن استبدالها بحلول ثقافية واجتماعية، تمارسها وسائل الإعلام كافة، وتتبناها المؤسسات التربوية والدينية، لانتزاع ذكورية الرجل، وتأسيس العلاقة على أسس إنسانية، وتعاون أخلاقي بين أفراد الأسرة. نحن ندعو لمجتمع فاضل، ونسوية فاضلة، تسوده قيم الإنسانية وقيم الفضيلة، لخلق وازع داخلي لكل من الرجل والمرأة، من خلالها نحافظ على توازن العلاقة، دون التفريط بأي منهما. فالنوازع الداخلية للإنسان يمكن السيطرة عليها أخلاقيا، أو من خلال التقوى التي تدعو لها الأديان جميعا. التقوى هنا لا تعني الخوف من الله بلا سبب، بل تعني الخوف من الله حينما يرتكب الإنسان ظلما وعدوانا ضد الآخرين.

تأسيسا على ما تقدم، بدلا من الثنائية الصلبة التي تسعى لها النسوية الراديكالية المتطرفة، وتمييز الإنثى على أنها نوع أرقى من نوع الرجل، أن نعود لوحدة النوع الإنساني، وتعدد أدوار كل من الرجل والمرأة بما تقتضيه طبيعة الحياة، واستمرار العيش المشترك، بعيدا عن الظلم والقهر. وهذا ما أدعو النسوية المسلمة إلى تبنيه، بدلا من التطرف النسوي، وعليها أن تنبثق من واقعها وقيمها وثقافتها، لتأسيس وعي نسوي مختلف، ينهي هيمنة تراكمات النظام الأبوي، وسلطة التراث الديني المرتهن للنظام البطركي. وعلى المجتمع أن يتفهم إنسانية المرأة، ويعي دورها ونشاطها الحياتي الفاعل، إلى جانب الرجل، والتمسك بقيم حقوق الإنسان العادلة، وتبني قضايا المرأة من خلال إجراءات تؤكد مساواتها، وفسح المجال للطاقات النسوية، تمارس دورها في بناء مجتمع الفضيلة، ومجتمع الإنسان. وعليها الاستفادة من جميع التجارب النسوية في العالم، شريطة عدم نسيان خصوصيتها.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثامن عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: النسوية الإسلامية كما يزعم أنصار النسوية الأوربية تعاني من مشكلة التمييز بين الرجل والمرأة، حيث يتصورون بأن الإسلام هو من أكد على أن الذكر هو من حدد ما يجب أن يمنح للمرأة وما يجب أن يصادر منها ومشكلة التمييز تظل مشكلة عالمية حيث بدأت في العالم ككل حيث عانت منها النساء في كل العالم وتبلورت من خلال نظرة دونية للمرأة وتم تنميط لدور المرأة داخل الزواج والأمومة، حيث توجد حالة من تنيمط الدور الأمومي والزواجي وحالة من الاقصاء والتهميش للمرأة؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: وبالتالي لا خصوصية للإسلام، مادامت القضية عالمية تاريخيا. المنطق الذكوري هو المنطق الذي ساد الحياة البشرية، ولا قياس على الأمثلة النادرة. ولا أدري مدى صحة تفصيلات مرحلة الأمومة، ولو صحت فأيضا الذكر كان وراء تقديس المرأة، لأن بنية الوعي كانت  وما زالت بنية ذكورية، مادامت المسألة أبعد من الجانب الوظيفي وأدوارهما في الحياة.

الإسلام ينتمي كدين وثقافة وعقيدة وروابط اجتماعية لبيئته وثقافته. هدفه مكافحة الشرك، والتصدي للكفر، وانتشال الوعي من لوثة عبادة الأوثان والأصنام، وسيادة العدل والإنصاف بين الناس، وبالفعل شرّع أحكاما للفرد والمجتمع، وبين حدود الأنا، وعلاقة الذات بالآخر. وعندما تولى قضايا المرأة لم يقدم فهما للأنوثة، يبتعد بها عن الوعي المألوف، وأدوارها المرسومة مسبقا "المنزل ورعاية الأطفال وخدمة الرجل". وإنما طالب الرجل بالرفق والعدل والانصاف ورعاية خصوصياتها في تعامله معها، باعتبارها رهنا لقيمومته بما فضل الله، ووفاء لعقدة النكاح. وحثها على طاعته، وتعزيز سيادته، دون المساس ببنية المجتمع القَبلي، ولم يعمد لتغيير أولوياته القائمة على مركزية الذكر وتهميش الأنثى. ولم يطرح مفهوم المساواة بمعنى تكافؤ الفرص في الحقوق والواجبات، كما هي مطالب الحركة النسوية راهنا. فكأن التمييز معطى مقدس، تتوقف عليه بنية المجتمع، وتوازن الحياة. وهذا ظاهر تاريخ الرسالات كما هو مدون، وتشهد لبعضه آيات الكتاب. ومن يقرأ آيات أحكام النساء، خاصة إلى من خلال فتاوى الفقهاء، وعبر الخطاب الديني الذكوري، لا يتوانى في اتهام الدين بتكريس دونية المرأة. لذا يقوم مشروعي على قراءة مختلفة للدين ودور الإنسان في الحياة. وفي ضوئهما أفهم آيات الأحكام، ومقاصد التشريع، وأتمسك بمنهج أصولي يأخذ بنظر الاعتبار متطلبات الواقع ودور الزمان والمكان في تحديد فعلية موضوعات الأحكام، ومن ثم تحديد فعلية الأحكام الشرعية.

لست ضد ثنائية الذكر / الأنثى، والعلاقة تشاركية وتكاملية في آن واحد، لكنني ضد مركزية الرجل وتهميش المرأة. "تفوق الرجل / تخلّف المرأة". "إنسانية الرجل / نقص المرأة". وكل ما يترتب عليها من لوازم، تهدر كرامتها وتهضم حقوقها. وعليه، فإنسانية المرأة / كرامتها / حيثيتها أولا. ويبقى البناء الفوقي من حقوق وواجبات رهنا للظروف المحيطة بهم، فتكون دالة على طبيعة الوعي وجذره الثقافي.

الخطاب الديني لم يخرج المرأة من بيتها، وعالج قضاياها في إطار أدوارها. لا لأنه يرفض تطورها، ودخولها مسرح الحياة، إذ لا دليل على هذا، بل لأن طبيعة الحياة، وقلة فرص العمل آنذاك تفرض أدوارا منزلية عليها. وبالتالي فإن استغناء المجتمع عن المرأة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وقياديا، فرض تهميشها، لكن لا بمعنى الظلم والعدوان، كما هو حالها في سياق الوعي القَبلي قبل البعثة. يشهد لذلك الآيات التي أكدت إنسانيتها من خلال خطاباتها وتشريعاتها. وبالتالي إذا لم يكن التهميش قدرها كما تفهم الأعرف القَبلية، فإن ظروف الحياة حكمت بتهميشها، وحصر أدوارها في حدود المنزل وخدمة الزوج. غير أن من جاء بعد النبي فهمَ سياسة الإسلام مع المرأة وفق قبلياته الذكورية: مركزية الرجل / هامشية المرأة. فجاء التراث زاخرا بروايات  تتحدث عن منزلة المرأة المطيعة المنقادة، في مقابل المرأة العاصية المتمرّدة. وحددت أخرى واجباتها وفروض طاعتها للرجل، خاصة في فراشها: (تقحبّن لأزواجكن)، وزينة المرأة بيتها، وحسن تبعلها، وحرمة عدم الاستجابة لشهواته ونزواته، مهما كانت مشاعره وسلوكه. وكل هذا يؤيد مضمون السؤال. لكن للأسف بلا تمييز بين النصوص الأولية والنصوص الثانوية، التي تمثّل رغبات ذكورية خالصة.

وفقا لهذه المقدمة، التمييز إرادة ذكورية ظالمة. يُتهم بها الدين لقدسيته ومكانته في المجتمعات العربية، عندما يعتقد أن التهميش قدر مصير للمرأة.

مشكلة القرآن هي ذات المشكلة اللغوية المتهمة بتحيزها الذكوري، فكما يضع المرأة في مصاف الرجل في الواجبات والثواب والعقاب، يقدمه عليها في خطاباته. وللتقديم دلالات سلبية لدى النسوية. سيما إذا كان القرآن وحيا، لفظا ومعنى. وتختلف النتيجة إذا قلنا ببشرية الوحي على صعيدي التلقي والأداء. النبي ابن بيئته  وثقافته، ويفهم الوحي وفقا لقبلياته وثقافته. وهذ ليس خاصا بالإسلام، بل جميع الرسالات كانت رسالات ذات بعد واحد، تعتبر المرأة تابعة للرجل. لذا تطالبه الرسالات بالرفق والإحسان مع عبيده ونسائه. لأنهما ضمن ممتلكاته (منطق الاستملاك)، ولا تدعو للثورة على سلطته، فيكون الذكر سلطة عليا دائما، له حق تحديد حقوق المرأة، وما يجب أو لا يجب عليها. ويمكن لهذا القائل الاستشهاد بآيات المواريث، والقيمومة، وعقدة النكاح، وحق الزوج في ضربها، وتقديم الذكر عليها في الخطاب القرآني. وحق تعدد الزوجات للرجل، وفتحت له باب الزواج المنقطع والتمتع بالجواري والإماء. حداً يصدق أنها إباحية مشرعنة. بينما يضع المرأة بين خيارين، الإكتفاء بزوجها، أو الطلاق وفسخ العقد.

لا أجيد التبرير والدفاع، ولست أيديولوجيا في مقاربة آيات الكتاب، بل أعتقد عدم حاجته للدفاع، عنه، وشرطه الوحيد أن تفهم النص ضمن ظروفه، وشروطه التاريخية، وأن تميّز بين النصوص الأولية والثانوية، وتقرأ الآيات قياسا على ما سبق البعثة، من عادات وتقاليد وقوانين عرفية ظالمة. وما الإطلاق الذي يستميت الفقهاء من أجل ثبوته وفعليته، إلا رغبات ذكورية، وطموحات أيديولوجية، وضبط أداء المرأة لتبقى ضمن ملكه وإرادته.

منهجي واضح في فهم فعلية الأحكام، وأجد أن كثيرا منها بات غير فعلي، لعدم فعلية موضوعاتها، المتوقفة على فعلية جميع القيود والشروط. فلا أقول بإلغاء النصوص، وهي محترمة ومقدسة، لكن ثمة قوانين ومنطق داخلي للنص القرآني ينبغي مراعاتها. فقضية إنسانية المرأة لم تكن مطروحة ليتناولها القرآن بشكل  مستقل، والكلام كان يدور حول حقوقها المادية، وما ينبغي للرجل من موقف أخلاقي اتجاهها. إضافة إلى تأكيد إنسانيتها وحرمة هدر كرامتها، كما جاء في بعض الآيات المحكمات: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا). والاطلاق هنا يفيد الشمول للذكر والأنثى وكل نفس محترمة. وهذا دليل على احترامه للنفس، بغض النظر عن خصوصياتها. وأيضا تكشف عن ذلك جملة أحكام قرآنية تشريعية. وتشملها كل الآيات التي تخاطب الإنسان والناس.

هناك عدة مستويات لتعامل القرآن الكريم مع المرأة، كما بينت في كتاب المرأة والقرآن، استدعي للضرورة بعض المقاطع.  منها، مخاطبتها كأنثى تشارك الرجل في تكوين المجتمع، أنثى لم ينقص إنسانيتها، ولم يعتد على شخصيتها، كقول:  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) . فالذكر والأنثى نواة النسيج الاجتماعي برمته. وجاء بلفظ الذكر والأنثى لأنهما الأساس في تكوين الشعوب والقبائل. وعندما رتّب الأحكام في نهاية الآية رتّبها على كليهما من غير تمايز: "التعارف" في الحياة الدنيا، و"الجزاء" في الآخرة على أساس التقوى. وهذا اللون من التعامل أوضح مصاديق المفهوم الإنساني للذكر والأنثى. وتعضّد هذا المعنى مجموعة أخرى من الآيات القرآنية. بهذا نكتشف كذب الحكايات والمرويات التراثية التي تنتقص باسم الدين والنص الديني إنسانية المرأة، استنادا الى نصوص دينية منحولة. أو تنسب لله عزوجل ما لم يصرّح به. أما نظرة المجتمع للمرأة فشيء آخر، قد تقترب من الرؤية القرآنية أو تجافيها، حسب الظروف الاجتماعية، والعادات والتقاليد، فلماذا دائما تحسب على الدين وهو براء منها. فليس هناك آية تسلب المرأة إنسانيتها. والتفاوت في بعض آيات التشريع لا يعني نقصا في إنسانيتها عندما تُقرأ ضمن سياقها وخلفيتها التاريخية والاجتماعية، بل ربما تعد ميزة وإنصافا وتكريما لها. ولا أقصد (بهذا الكلام) التبرير، ولكن هذا ما أفهمه من سياق الآيات ضمن خلفياتها وما اكتنفها من ظروف، وليس منقطعة عنها كما هو المنهج السائد لدى الفقهاء للأسف الشديد.

فالنسوية المسلمة اليوم أمام خيارات أكثر، يمكنها فهم النص مباشرة، بعد هدر الوسائط المقدسة، التي تحجب النص الأولي، وتملي إرادتها عبر نصوص ثانوية، شارحة أو مؤولة. وهذا يتطلب نقد النسق العقدي المألوف، واستبداله بنسق قائم على العقل والدليل والبرهان، وفهم ظروف النص وملابساته، في  ظل فهم جديد للدين ودور الإنسان في الحياة. إن دور وظيفة الدين وما يزال إضفاء معنى للحياة، وترشيد وعي الفرد والمجتمع، ورعايتهما حتى يبلغا النضج. وما ختم النبوة إلا إجلال للعقل والعقلانية، واعتماد الإنسان على نفسه، في تدبير شؤون حياته، بعيدا عن أية ولاية وقيمومة وسلطة فوقية، تدعي قدسيتها. فيمكن للمرأة التحرر من  قبلياتها، وفهم أدوارها ضمن وظيفتها الحياتية، سواء داخل أو خارج المنزل. فالمسألة مسألة وعي قبل كل شيء، كي لا تستكين للظلم باسم الدين والتشريع. وتكون مصداقا للظالمين أنفسهم.

إن بعض الآيات تؤسس لمركزية الرجل وسطوته وتفوقه، عندما تجعله قيما على المرأة، وللذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا هو ظاهر الآيات في النظرة الأولى، وهنا يصدق التمييز بلا ريب. غير أن النظرة التفصيلية تبددها، في ضوء الإطار العام للدين وأهدافه المركزية،  فثمة ظروف فرضت هذه الأحكام ينبغي لنا تحريها، لعلاقتها بفعلية الأحكام، ومع انتفائها تنتفي فعلية الحكم. فيصدق أن الدين في جانبه التشريعي مرحلي، رافق الإنسان حتى يبلغ مرحلة النضج العقلي. بهذه الطريقة نحفظ للدين مكانته، ويمكن توظيفه لتعزيز قيم الخير والمحبة والوئام. إن معاناة الخطاب الدين في تراثه، وما حمله من قيم تعسفية فرضت نفسها. وبالتالي فالتشريعات كانت ناظرة للجانب الوظيفي، مع تأكيد إنسانيتها وحرمتها. فلا تمييز حينئذٍ، إذ يمكن تشريع أحكاما جديدة للمرأة وفقا للعدل والانصاف ومراعاة القيم والأخلاق الإنسانية، والأخذ بنظر الاعتبار توازن المجتمع وعدم التفريط بالعائلة أو هدر قيمها باسم الحرية والمساواة.

ومن يرد التمسك بظواهر الآيات، بعيدا عن منطقها وإطارها العام، يمكنه ذلك. والمشكلة ليست مع الرجل، لكن المشكلة مع المرأة عندما تتمسك بآيات تكرس دونيتها، دون تحري حقيقتها ضمن سياقاتها التاريخية. إن عدم تجريد النص من تاريخيته تسبب في كارثة فقهية، أبقت المسلم يراوح في العصر الأول للبعثة النبوية، وسيبقى ما لم ينتفض على إرادته...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال السابع عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: لاحظت في حديثكم في كتاب المرأة والقرآن بأن النسوية الإسلامية تعاني معاناة شديدة من تفسير ذكوري للقهر على المرأة حيث كثيرا ما أبرزتم لنا بأن ليس هناك مشكلة في النص الديني وإنما المشكلة في سوء الفهم الذكوري لها فالدين قد تم تفسيره بنظرة ذكورية بعيدا عن النظر للاحتياجات النسوية؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: إن التفسير الذكوري للنصوص الدينية، تؤكده خطابات دينية، وفتاوى فقهية، ومرويات مازالت مؤثرة، تتحدث عن كائن دوني اسمه المرأة، قياسا بنموذج اختص بجميع خصائص الشخصية المثالية: عقل، حكمة، شجاعة، مروءة، عفة، وتدبير. فكانت مركزيته استحقاقا لمثاليته، وهي نظرة تعسفية. الرجل فيها الخصم والحَكم، فثمة صفات تتفوق فيها عليه، ولو أتاح الاستبداد الذكوري ممارسة حريتها، فقد تتفوق عليه أيضا بما يعتقد أنه اختصاصه دونها. وقد أثبتت الأيام تفوقها حتى في مجال السياسة، وحققت الدولة التي اعتلت النساء مركز القيادة فيها تقدما اقتصاديا وثقافيا.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي  فيقول: إن نرجسية الرجل، وتحدي الأنثى في أعماقه يدفعان باتجاه تهميشها، وتولي تشكيل وعيها، وتحديد مسؤولياتها. وعندما نتحدث عن المنطق الذكوري قبل البعثة النبوية، لا نضيف جديدا، فهو واقع النظام الأبوي للمجتمع العربي والعالم أجمع. وهذا لا يعني تجاهل العوامل الأخرى، كالاقتصاد مثلا. خاصة أن فرص تأكيد الذات وتعزيز الانتماء الاجتماعي كانت محدودة، لا تسمح بمنافسة الرجل، مع وجود وظائف أخرى يمكنها القيام بها. مما يدفع هو الآخر باتجاه إقصاء المرأة، من خلال إعادة برمجة وعيها، ضمن مصالحه ومقاصده، فثمة أعمال تتوقف عليها حياته ووجوده وعزته، ليس لها سوى المرأة. غير أنه بدلا من تقديرها وإجلالها وتقديم آيات الشكر لها، يحتقرها، لأنه يشعر بعمق جُرح التحدي الوجودي. هي أصل وجوده، وديمومة بقائه، وضرورة وجودية، عندما يرتهن لها وجوده، ولا معنى لرجولته بعيدا عنها.

والسؤال الذي يؤرق الأستاذ ماجد الغرباوي: رغم التحولات في الشخصية العربية بعد البعثة النبوية، لكن التحول الرادكالي، لم يمس قيم المجتمع الأبوي، مع أن القرآن رسالة إنسانية وعالمية طموحة حسب الفرض، فلماذا لم يعالج منظومة قيم العبودية بشكل أكثر جذرية، بل ويظهر من بعض نصوصه انحيازه للذكورة على حساب الأنوثة، كما يفهم  ذلك المنطق الفقهي الذكوري؟.

لا أريد إعادة ما كتبته مفصلا حول هذا الموضوع الحساس. لكن المؤكد أن المنطق الذكوري كان يفرض وجوده على فهم النص وفتاوى الفقهاء، حداً، حجبت النصوص الثانوية النص الأول / النص القرآني، فتسربت قيم النظام الأبوي، متسترة بلباس الدين، كالتركيز على ولاية الأمر، ووجوب طاعته على الصعيد السياسي، وحرمانها  من جملة مسؤوليات لا يحق لها توليها: كالولاية والخلافة والقضاء وإمامة الجماعة، وقيادة الجيش وغيرها. أو مواصلة دورها الثانوي برعاية دينية، مما يؤكد أنها لم ترق إلى مستوى الكائن الإنساني في نظر الصحابة، والسبب عدم تناول التعاليم الدينية جذر المشكلة النسوية بشكل صريح، واكتفت بمعالجات حقوقية ووصايا أخلاقية. ويمكنك الاستشهاد بسرب من روايات المنطق الذكوري في فهم المرأة وقضاياها. وقد استعان المنطق الذكوري بظواهر بعض الآيات، كالآيات التي توصي بالوالدين، فإنها تأكد قيم النظام الأبوي، حينما تحرّم على الابن التأفف فضلا عن الاعتراض والتمرد. وهناك آيات حق المرأة في الميراث، والشهادة أمام القضاء، ومنح الرجل حق القيمومة والتأديب بالضرب، وفرض الحجاب عليها، وحرمانها من الفضل بسبب نقصها البيولوجي، كالحيض والنفاس.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي  فيقول: لا أدعو لإحلال الأنوثة محل الذكورة، ورأي أن العلاقة قائمة على التشارك الإنساني، فثمة فرق حينما يتفهم كل منهما وظيفته على أسس إنسانية، وبين أن يتعامل معها بمنطق القيمومة والإقصاء، باعتباره قدرها، وقصور عقلها وإرادتها. في الحالة الأولى يمكن لهما التعاون في الحياة في شتى المناحي، باستثناء ما اختصتهم به الطبيعة البشرية. لكن في الحالة الثانية، تكون التبعية والانقياد قدر المرأة، من وحي أنوثتها والفوارق التي ابتلت بها. وأي تقصير لأي سبب كان، عليها تحمّل تبعاته، كالضرب في الفراش، والتحكم بحريتها، وتقييد إرادتها.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لم يصرّح القرآن بوجوب انقياد المرأة للرجل، ولم يطالبها بالتنازل عن حيثيتها وكرامتها ثمنا لرعايته لها، بل يحث على العدل والانصاف معها. غير أن الصحابة لم يتفهموا الرعاية من باب التسامح الحقيقي ووحدة الجذر الإنساني، بل فهموها وفقا لمنطق العبودية، بأنها سمة أخلاقية وعمل صالح يثاب عليه المرء، ويكون متكرما عليها. وما نقرأه في كتب الفقه والتفاسير تقويل للكتاب، وإملاء لفراغات تأويلية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:

- لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا

- وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ

- وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).

فهذه الآية كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي يفترض أنها آيات محكمة تفسّر في ضوئها الآيات المتشابهة، كما هو المنطق القرآني: (...مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)، غير أن المنطق الذكوري يتسرب لا شعوريا، عبر أنساق الوعي القَبلي، عندما يتصدى لتفسير آيات القيمومة والضرب بالفراش، وحدود طاعتها له. ولم يمعنوا النظر في الآيات، وفلسفة الكتاب، ضمن مركزية الإنسان في الحياة. فاعتبروا آية القوامة مثلا أمرا شرعيا، بينما التمعن فيها وفي سياقها، يفضي أن الآية بصدد بيان علة وسبب القوامة، فتنتفي بانتفائها، وليس لها ديمومة كما يصرّ  الفقه على ذلك.

يقول الأستاذ ماجد الغرباوي  لا شك أن القرآن أنصف المرأة قياسا بما قبل البعثة، وأعاد لها إنسانيتها المهدورة، تحت وطأة قيم العبودية والاستبداد الذكوري، عندما وضعها على قدم المساواة في التكاليف الشرعية، وما يترتب عليها من ثواب وعقاب. وأنصفها حقوقيا قياسا بما سبق أيضا، في مسألة الإرث، ووجوب النفقة على الزوج، وحقها في الرضاعة. لكن على الصعيد الاجتماعي لم يسند لها النبي أي منصب يعزز مكانتها خارج حدود الأمومة ورعاية منزلها، وقد حث على ذلك، رغم مواقفه الإنسانية معها، وتعاطفه مع قضاياها. ولو الحد الأدني باعتبار أن الظروف آنذاك كانت تستدعي حضور الرجل، لخوض الجهاد، ومقاومة غارات خصوم الرسالة ومواجهة صعاب الحياة بما أوتي من بسطة في الجسم. فمثلا لم نقرأ عن النبي أنه أكد على مرجعيتها الاجتماعية، كأن تكون قارئة أو فقيهة أو راوية، رغم أن لبعض النساء روايات معتمدة في كتب الحديث. وهكذا الأمر في زمن الخلفاء، وكل دولة الخلافة فيما بعد. وهذا يؤكد سيادة المنطق الذكوري، واستمرار فهمه للنص / آيات الكتاب. وأدل دليل انحياز الفقيه  للذكورة عند تأويل النصوص، كما بالنسبة للقيمومة، فثمة تأويل منصف من داخل النص، على أساس أفضيلة المسؤولية الاقتصادية والاجتماعية، وقد تناولته مفصلا في كتاب المرأة والقرآن، لكن التفسير الذكوري يصرّ على منطقه، ويمنح نفسه قيمومة شرعية عليها، فيتحكم بها، باعتبارها جزءا من متاعه. بهذا نفهم أن "تشيئة المرأة"، هو ذات المنطق العبودي، وكأن الرسالة لم تكافحه، وحافظت على قيمه، مع بعض التعديلات. بل أن التعامل معها أسوء من التعامل مع العبيد، فالعبد يستعيد رجولته وإنسانيته بتحريره، أما المرأة فتبقى كائنا ناقصا، تتحمل مسؤولية الخطيئة الأولى، وتداعيات أنوثتها، خاصة عندما يتعامل معها الرجل كجزء من متاعه، فيخاف عليها كخوفه على أي قطعة من أثاثه وممتلكاته وفق منطق الاستملاك. ويخشى إغراءاتها، وطمع الذكورة فيها، فتجده يترقب حذرا، خائقا من عارها وشنارها.

وبالتالي فالتفسير الذكوري كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي ، كرّس سلطته وفوقيته واستبداده، ومنحها بعدا شرعيا، سلب المرأة قدرة التحرر الذاتي، التي هي شرط أساس لتطور الحركة النسوية، خاصة المسلمة. فثمة أسيجة مقدسة، منح الرجل نفسه حق صيانتها والدفاع عنها، باعتبارها دفاعا عن الذات، وقد تولى الفقيه تعزيزها بفتاوى تستمد شرعيتها من ذكوريته، وليس أمام المرأة المسلمة سوى التمرّد على فتاوى النسوية، والعودة لآيات الكتاب، وفقه المرأة في ضوء مبادئ حقوق الإنسان، وما هو ثابت ومحكم من آيات الكتاب. بعد تمزيق ثقافة التهميش، وأدواتها من عادات وتقاليد وأعرف، كبلت إرادة المرأة...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال السادس عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: هل هناك ثمة قيم وثمة ثقافية ومبادئ تم الصاقها بالمرأة بالاعتماد على هذا الفارق البيولوجي أو الجنسي؟. أي أن ثمة قيم مكتسبة تعتمد على الوظيفة البيولوجية للمرأة والوظيفة التشريحية التي خصتها بها الطبيعة وهي قدرتها على الحمل والانجاب؟.

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا يخفى أن الوظيفة البيولوجية للمرأة كانت وراء تصنيفها. فهي بالنسبة للرجل جسد وطبيعة بيولوجية مغايرة. وثمة اختلاف في تفصيلات جسديهما. المرأة تحمل وتلد وتحيض وتعترضها حالات نفسيه خلال حملها وولادتها. وينتابها ضعف وإرهاق. مشدودة للعواطف والرومانسية. كما يجدها مرتهنة لقوته وإرادته جنسيا، يمكنه قهرها أو تجاهلها. وهنا هو لا يفسر الاختلاف تفسيرا إنسانيا، أو تكامليا كما نفهمه بعد تطور مختلف العلوم، ولا يجد سوى الاختلاف البيولوجي علة لذلك. وتبقى المرأة بالنسبة له رَحَمَاً ومبيضين. فالدونية قدر طبيعي، وليس ظلما أو عدوانا ضدها. بل أن أنوثتها تقتضي اختصاص الرجل بتدبيرها، وتحديد وظيفتها.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي  فيقول: إن ضعف الوعي وسذاجة العلوم آنئذٍ، لم يسمحا بتقصي جوهر الاختلاف بين الجنسين، وحقيقة الفوارق الجسدية والبيولوجية، خاصة ما قبل الأديان التي نسبت فيما بعد كل شيء لله تعالى. فكان من الطبيعي تعليلها في ضوء بيئته وقبلياته الثقافية. وكان الإنجاب أول ما أدهش الرجل، حتى رفعها لمقام الإلوهية، باعتبارها إلهة النسل والإنجاب، أو تكريما لأمومتها، غير أن تطور الحياة، ووسائل الانتاج، ودخول الفكر الديني على الخط، سلب المرأة قدسيتها، وهبط بها إلى دونية مقيتة، حتى كان اليهودي يحمد الله الذي لم يخلقه امرأة، وهي تردد الحمد لله الذي خلقني كما أنا!!. وكان الإسلام أول من قال بوحدة الطبيعة البشرية، (تفسير آية: (... اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة). ومجّد الاختلافات الوظيفية، حينما شرع أحكاما لحمايتها، وفهمها فهما إنسانيا: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).

وبقت الخرافة تفسيرا ملائما لجميع الظواهر في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي، خاصة أنها وليدة مخيال بشري غارق باللامعقول ودهشة الغيب. ويمكنه إعادة صياغتها وتشكيلها وفقا لمصالحه. فهي صورة متخيلة مرنة.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: كما كان الفارق البيولوجي وراء ثنائية: "رجل / امرأة". "ذكر / أنثى". غير أنه لم يفهم الثنائية على أسس إنسانية، ووظيفة تكاملية للنوع البشري، بل أرسى ثنائية صلبة، ولّدت أحكاما قاسية، وأفضت إلى مركزيته وتهميشها، ورميها بنقص العقل والاستغراق بالشهوة وضعف المشاعر الإنسانية، والدونية وكل سلبية تخطر في باله. فهو مخلوق للآلهة، وهي مخلوقة من ضلعه، فتكون لا شعوريا، مرتهنة لوجوده. ثم نسب المرأة للجن، وللشيطان عندما تكون سبب خطيئته الأبدية، وسسبب غوايته، وابتعاده عن الفضيلة. تصور أن الثقافة الأنجيلية ظلت تتساءل ردحا طويلا من الزمن: هل المرأة بشر أم حيوان أو شيطان، وكان هدف مؤتمر "ماكون" حسم الجدل حول حقيقتها.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي  فيقول: وبالتالي، فكل الأحكام السلبية التي ألصقها الرجل بالمرأة كانت من وحي الفارق البيولوجي أو الجنسي. سواء في أصل وجودها أو اختلاف وظائفها وطبيعتها. وكان أرسطو يقول: علينا أن نعتبر خصائص النساء عيبا خلقيا!!. وأرسطو فيلسوف، تنسب له جميع العلوم، فكيف بالإنسان العادي؟. غير أن الأمر اكتسب أبعادا جديدة، بعد تطور العلوم الإنسانية، وراحت الأنثربولوجيا والفلسفة وعلوم التربية وعلم النفس والهرمنيوطيقا، تبحث عن الأسباب الحقيقية وراء الأحكام الجائرة، واكتشفت أن وراءها نظاما أبويا صارما، ومنطقا ذكوريا قاسيا، وليس للفوارق البيويولجية دور أساس فيها. رغم أنها حتى أوقات قريبة كانت الأصل في تفسير الاختلافات. ويمكن إدراك جميع الأحكام السلبية، التي كانت وراء ثنائيات الجندر: "قوة الرجل / ضعف المرأة". "ذكاء الرجل / بلادة المرأة". "حكمة الرجل / شهوانية المرأة". "عقل الرجل / عاطفية المرأة". وغيرها.

وما يؤكد اصراره على الاختلافات البيولوجية تعامله معها خلال فترة الولادة والحيض، فكانت المرأة كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي تعزل أيام دورتها الشهرية، ويجب مقاطعتها، خوفا من غضب الأرواح والآلهة، كما هو المعروف عن سلوك القبائل البدائية في أستراليا وغيرها. بل أن ثقافة الاستنكاف من المرأة يعود لأسباب بيولوجية، فهي فتنة، تغري الذكر، وتجلب العار حينما تنزلق بالخطيئة: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا شك عندي أن مكابرة الرجل هي التي تجعله يتشبث بالفوارق البيولوجية، لتبرير الاختلاف، ومن ثم شرعنة سلبية مواقفه وتعامله معها. أو شرعنة دونيتها. وأما في أعماقه فإن المرأة تحدٍ مستمر لنرجسيته وتعاليه، وتحدٍ لافتقاره لوجودها، فهي المكمل الشعوري والبيلوجي، وهي الآخر التي يتوقف عليها تجلي وجوده. فيكون وجوده مفتقرا لها. وهذا أحد أسباب رفضه الاعتراف بإنسانيتها، فيجد في الفوارق البيولوجية ما يبعد عنه شعور الضعف الداخلي لقوة تحديها، ويلقي باللائمة على الفوارق البيولوجية...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الخامس عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: منذ ستينات القرن الماضي تم تحديد ثلاث أطر نسوية، وهي:

أ- النظرة النسوية الاصلاحية: وهي تركز بشكل رئيس على عمل النساء في الأسرة والاقتصاد ككل، ومحاولة التوصل لأشكال الاستغلال المختلفة التي تتعرض لها المرأة في سياقات العمل المختلفة وذلك من أجل تحسين ظروفها والارتقاء بأوضاعها المعيشية.

ب- النظرية النسوية المقاومة: وهي تركز على العنف والقهر الجنسي الموجه ضد النساء وعلى استخدام خبرات النساء بوصفها عنصرا مركزيا بالنسبة للمعرفة والثقافة المجتمعية، أي نقلها من حيز التداول النسائي لتمثل عنصرا مجتمعيا هاما يعيد تشكيل المعرفة العامة والثقافات المختلفة المشكلة للمجتمع؟

ج- النظرية النسوية المتمردة: وهي تركز على العمليات والرموز التي تؤسس وتحافظ علي نسق النوع، فالاهتمام ينصب على ما تقوله المرأة ذاتها ومحاولة الإعلاء من شأنها مجتمعيا بحيث لا تخضع للخطاب الذكوري السائد والمهيمن...

وهنا نتساءل أين تكمن رؤية الأستاذ إزاء تلك المدارس؟ وهل هناك نوع من التكاملية إزاء تلك المدارس من وجهة نظركم؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا يخفى أن قضايا المرأة متشعبة ومركبة، تقضي تسويتها تفكيك أنساقها، والبحث عن جذر القهر والاضطهاد، وكل واحدة من هذه المدارس ركزت على السبب الذي ينسجم مع أيديولوجيتها ومتبناياتها الفكرية، وبهذا يفترق البحث الموضوعي المجرد، فإنه يتقصى جميع الأسباب ثم يقوم بتحليلها للوصول إلى جذر المشكلة النسوية. والفرق أن الأول يحشّد ما يدعم نظريته، بينما يتوخى الثاني الحقيقة من خلال الواقع، وما يحيط به من أنماط ثقافية واجتماعية. فهدف المدرسة الأولى: "النظرة النسوية الإصلاحية"، إصلاح أحوال المرأة المعيشية والاقتصادية، فيكون الاستغلال وجهتها، لدراسة أسبابه والتعرّف على أشكاله. وهذا النوع من التشخيص لا يمس جذر المشكلة، ويعالج قضايا فوقية، رغم الأهمية الاقتصادية. ويكفي دوره الكبير في تحرير المرأة من سطوة الرجل، كما هي المجتمعات الغربية، التي من السهل على المرأة الاستغناء عن الرجل ماديا، لوجود ضمان اجتماعي وصحي يكفلان لها مستوى معقول من الكرامة، لا تضطر معهما لهدر كرامتها أمام الرجل. لكن هل المشاكل الاقتصادية بديل عن الوعي ودوره في تعزيز القيم الإنسانية؟. وهل سيحرر المرأة من مشاعر الدونية البيولوجية؟. فثمة مشاعر سلبية لدى طيف واسع من نساء المجتمعات الارستقراطية والثرية. فالمال لا يحقق لنا وعيا حقيقيا بإشكالية المرأة، ويقف عند الحقوق الفوقية.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: هكذا ركزت النظرية النسوية المقاومة، على العنف والقهر الجنسي الموجه ضد النساء، وهي قضية مهمة. وأجدها أكثر تطورا من النظرية الأولى، لأنها تريد "نقل خبرات النساء بوصفها عنصرا مركزيا بالنسبة للمعرفة والثقافة المجتمعية، من حيز التداول النسائي لتمثل عنصرا مجتمعيا هاما يعيد تشكيل المعرفة العامة والثقافات المختلفة المشكلة للمجتمع". فهي تراهن على إعادة تشكيل الوعي، من خلال حضور المرأة ذاتها. وتستبطن رفضا لسلطة الرجل وتفرّده في فهم الإشكالية وتسويتها، وتطالب مشاركة النساء مشاركة فعلية، فلها وجهة نظرها، ورأيها الذي تختلف فيه معه. وبالتالي فهي  كالنظرية الأولى ركزت على جانب العنف والقهر الجنسي.

وأما النظرية النسوية المتمردة في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي، فهي أكثر عمقا وتشخيصا، عندما تركز على "العمليات والرموز التي تؤسس وتحافظ علي نسق النوع"، فثمة ثقافة وأنساق فكرية تتخفى وراء ثنائياته، وهي ثنائيات وليدة نظام بطركي متأصل، وتفكيكها وإعادة تشكيل النوع، يساهم في زعزة الإشكالية، ويساعد على نهوض النسوية. ومن هذا المنطلق ينصب اهتمامها على "ما تقوله المرأة ذاتها ومحاولة الإعلاء من شأنها مجتمعيا بحيث لا تخضع للخطاب الذكوري السائد والمهيمن".

وهنا يسجل الأستاذ ماجد الغرباوي ملاحظة، أن مشكلة المرأة ليست مشكلة أنثوية خالصة، ولا ذكورية متسلطة، بل مشكلة ثقافية عامة، يشترك فيها الفرد والمجتمع. فلايكفي التركيز على حضور المرأة، رغم أنه شهادة عملية تعزز إنسانيتها، لكن ينبغي أيضا إعادة تشكيل الوعي من خلال تفكيك الأنساق الثقافية والمهيمن الفكري، وتشكيله على أسس إنسانية، ينظر للمرأة نظرة إنسانية عادلة، خالية من الدونية والنظرة السلبية. بعيدا عن خصوصياتها، التي تفرضها طبيعتها. لكن الخصوصية لا تعني الدونية بأي شكل من الأشكال. فهي ليست نقصا تكوينيا، بل كمالا ينسجم مع دورها الحياتي. فكما لا يكتمل الرجل إلا بخصوصياته، فكذا المرأة مع خصوصياتها.

وبالتالي فثمة تكامل بين هذه الاتجاهات في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي، رغم تفاوت التشخيص وأساليب الحلول. وتبقى وجهة نظري، كما يقول الغرباوي، أن المشكلة بالنسبة لقضية المرأة مسألة ثقافية، ومسألة وعي، والحل يبدأ من وعي المرأة والرجل. وعي المرأة لإنسانيتها، ولوازم وجودها، وتشخيص مطالبها، وفقا لمبدأي العدل والمساواة العادلة. ووعي الرجل يبدأ من هدر ثنائيات النظام الأبوي، وإرساء وعي إنساني يقيم علاقاته مع المرأة على أسس إنسانية خالصة، تتكامل فيها جهودهما لبناء حياة حرة سعيدة، تمكّن المرأة من تأكيد حضورها، بعيدا عن مطلق التمييز والعنف والاضطهاد..... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

محمود محمد علينعود في هذا المقال الرابع عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ فنقول: هل النسوية نظرية ذات بعد سياسي يؤكد على أن للدولة وللسياسات العامة وللمؤسسات تأثيرا على العلاقات بين الجنسين، وبالتالي هناك فارق بيولوجي طبيعي بين الجنسين؟.

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لا شك بوجود فارق بيولوجي بين الجنسين، لكن هل يلزم من الفارق البيولوجي:

- تفاوت القدرات العقلية والقيمة الإنسانية حداً يقتضي مركزية الرجل ودونية المرأة، وهو ما تؤكده منظومة القيم الأبوية؟.

- أو هل يلزم من الفارق البيولوجي تبرير صلابة ورسوخ ثنائية الجنسين، وعدم هدرها. والتمركز حول الأنثى في مقابل التمركز حول الذكر، والسعي لإحلال الأنوثة محل الذكورة، وهو ما تتبناه النسوية الراديكالية المتطرفة؟.

فالنظرية المشار لها في السؤال وليدة النسوية الراديكالية المتطرفة، حيث تستدل لتأكيد رؤيتها، بتأثير الدولة ومؤسساتها وسياساتها على العلاقات بين الجنسين، حينما تتحيز للذكر دون الأنثى. ولا يخفى حجم التطرف في هذه النظرية وهي تصر على الفصل بين الجنسين، لكن لا ينكر دور الدولة وتحيزها للذكر دون الأنثى في دوائر القرار، وإدارة مؤسساتها.

ويؤكد ماجد الغرباوي: إن ما يبرر هذا الكلام سيادة النظام الأبوي وقيم الاستبداد جميع مفاصل الحياة، وما حصل في الـ(50 - 100) سنة الأخيرة تحوّل فرضته تداعيات الحروب والكوارث الطبيعية، ونقص الكادر الإداري والمهني، مع تزايد دوائر الدولة. ولما اخترقت المرأة، بكفاءاتها وقوة حضورها، المؤسسات التعليمية والمهنية، فرضت نفسها، وغدت رقما صعبا وأمرا واقعا، تعاملت معها الحكومات بجدية، واضطرت إلى تعديل بعض القوانين، وسن قوانين إضافية، لاستيعاب وجودها، ودمجه ضمن الأنظمة المرعية.

وعليه، فإن تفرّد الرجل بجميع مفاصل الدولة، وخططها وسياساتها في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي، يكرّس الوعي الذكوري ومركزية الرجل، فينعكس سلبا على المرأة، ويؤكد دونيتها عملا. إذ لا معنى آخر لإقصائها عن دوائر ومؤسسات الدولة، فضلا عن دوائر القرار، سوى الشك بحكمتها وقدراتها العقلية والإدارية والقيادية. مما يخلق لديها عقدة نفسية من أنثوتها التي تخسر بسببها حق المشاركة في الحياة العامة. وهذا بحد ذاته يخلق حاجزا بين الجنسين، يوحي بمسؤولية العامل البيولوجي، وراء دونيتها، مما يبرّئ ساحة الرجل. فثمة تعالٍ ذكوري يؤمن بنقص المرأة وافتقارها للحكمة والتدبير السليم، وضعف إرادتها، وغلبة عواطفها على عقلها. ليعطي لنفسه حق تحديد وظيفتها، وحصر أدوارها بالأسرة وتدبير المنزل، كإجراء ملائم لشخصيتها البيولوجية، التي تتسم بالدونية.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: والأمر أخطر بالنسبة للقضايا السياسية، حينما تحرم من حق الترشيح والانتخاب. ويتفرّد الرجل بالمناصب العليا، واحتكار سنّ وتشريع القوانين والأنظمة واتخاذ القرارات، التي تعكس رغبته وموقه من المرأة، وتعبّر عن وعي الرجل للمرأة ودورها في الحياة. فمثلا، كان "جيمس مل"، والد "جون ستيوارت مل"،  ينكر في كتابه "مقال عن الحكم" حاجة النساء والطبقة العاملة إلى حقِّ التصويت الانتخابي؛ معللا ذلك: (لأن مصالحهن مدرجة مع مصالح أزواجهن ومصالح الطبقة العاملة مدرجة مع مصالح أصحاب العمل، فالرجل هو المسؤول عن مصير المرأة). وهو اعتراف صريح بدونيتها وتبعيتها، لتأصيل حرمانها من حقوقها السياسية. وقياسا على هذا فإن الدولة الذكورية تنتج خطابها المنحاز لمركزية الذكر، وتكرّس ثقافة الفوارق البيولوجية بين الجنسين. غير أن ولده الفيلسوف "ستيوارت مل" كان نصيرا للمرأة وحقوقها بامتياز. وقد رفض بشدة تبعية أحدهما للآخر قانونيا. وطالب بمساواة كاملة تسمح باستقلالهما، بعيدا عن الهيمنة الذكورية. وليس للرجل وفقا لـ "ستيوارت" أي حق قانوني يسمح بتحكّمه بمصير المرأة. ولازم كلامه رفض القيم الذكورية، وسيادة المساواة التامة. ثم بشكل تدريجي وبعد نضال مرير استعادة النسوية مكانتها، ورسخت وجودها الفعلي، من خلال قوة حضورها على الصعيد السياسي أيضا. لكن هذا لا يبرر الراديكالية المتطرفة التي تروم تفكيك المجتمع، وإلغاء المرجعية الإنسانية المقوّمة للشراكة الحياتية، ووحدة المصير الإنساني.

تبقى ملاحظة يؤكد عليها الأستاذ ماجد الغرباوي وهي: أن التأكيد على وجود فارق بيولوجي طبيعي بين الجنسين مرده لعقدة الذكر من الأنثى، ومعاناته المريرة من تحديها الوجودي، وهي مشاعر نرجسية مطموره في أعماقه، تتحرك لا شعوريا، وتنعكس على مواقفه وقراراته. ويصدق أنها نتاج سلطة فوقية، الأعم من سلطة الدولة والنظام الأبوي، لتشمل سلطة النص والتراث والعقل الذكوري. وهي قناعة سائدة قديما، ونظرة متوارثة، مصدرها قيم العبودية والاستبداد، وما نظّر له الفلاسفة، كأرسطو الذي يعتقد " أن الأنوثة نقص وتشوُّه، وأن المرأة امرأة لأنها ينقصها ما يجعلها رجلًا.. فيجب أن يكون هو الحاكم وهي المحكوم". فلا توجد حتمية بيولوجية فرضت على المرأة وضعاً أدنى إلا في وعي الرجل. بل أن هيمنة الرجل استدعت التفسير البيولوجي. أما الواقع والتجربة الحياتية فقد نفت الدور البيولوجي، وأكدت الدور السلبي للثقافة والعادات والتقاليد. تقول سيمون دي بوفوار: "المرأة لا تولد امرأة، بل تصبح امرأة". فالنسوية مدعوة لمواصلة تفكيك الخطاب الذكوري، ورصد انحيازاته حتى وهو يدافع عن المرأة وحقوقها. لم أجد اتجاها نسويا حديثا، يتعاطف مع هذا الاتجاه، إلا الاتجاهات الدينية المتشددة، التي استطاعت بفعل هيمنة النص الديني إقناع المرأة بوجود فارق بيولوجي يقتضي دونيتها، وأنه قدرها، وستعوض عنه في اليوم الآخر. وحسبنا اكتظاظ التراث بنصوص تختزل المرأة، وتثلم إنسانيتها. وبالتالي إن تأثير الدولة ومؤسساتها على وعي العلاقة بين الجنسين لا يلزم منه حتمية الفارق البيولوجي، بل تكريسه من خلال تشريعاتها، وسياستها المتحيزة لمركزية الذكر وتهميش الأنثى. وهذا هو المنهج الصحيح في مقاربة الإشكالية، ولا معنى للتطرف الراديكالي سوى عقد نفسية، وشذوذ لا تخفى عواقبه، فلا يمكن تأييد هذه النظرية على إطلاقها، ودائما مع النسوية الراديكالية المثقفة أو الحضارية..... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثالث عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: يري البعض أن دراسات الأنوثة تنطلق من الفرضية القائلة بأن المرأة عضو فاعل في المجتمع، غير أنها لا تحصل على حقوقها المفترضة، ولذا سعت المرأة بأن تقوم بتغيير مظهر سطح الأرض وتعديله (اللاندسكيب Landscape) بطريقة تختلف عن طريقة الرجل، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في مكونات اللاندسكيب تبعا للطريقة التي تم فيها إعادة بنائه أو تعديله، ولذا اضطر الجغرافيون من باحثي الأنوثة إلى القول بأن مفهوم النوع يتغير بتغير الزمان والمكان،  وهذا الأمر الذي يستدعي إعادة تعريفه وتقصي طرق بنائه، والتعريف الاجتماعي له والذي يختلف تبعا لهذه الفلسفة عن التعريف البيولوجي له.. فما رأي الأستاذ في هذا الأمر؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: يشتمل السؤال على مقدمات، ينبغي تحري صدقيتها، وأين نتفق أو نختلف معها، للتوفر على نتيجة موضوعية. المقدمة الأولى: (المرأة عضو فاعل في المجتمع). وهذا لا غبار عليه. ولا يمكن لأحد إنكاره إلا من كان ظالما لنفسه، معتدٍ أثيم. بل ليس في الكون سواهما. وهما يقتسمان مصيرا واحدا، وحياة مشتركة. أحدهما يكمّل الآخر، ولا يمكن الاستغناء عن بعضهما. ويكفي أدوار المرأة في الأمومة، وخدمة العائلة، ومشاركتها له في كثير من الأعمال. فضلا عن مسيرتها الحياتية في جميع المجالات. وتاريخها ومنجزاتها تشهد لمسيرتها. وهي مسيرة تاريخية. فالمرأة مضطهدة، مهضومة، وهذا معنى المقدمة الثاني: (غير أنها لا تحصل على حقوقها المفترضة). بفعل النظام الأبوي الذي يهمّش الأنوثة، ويمجّد الذكورة، بدوافع نرجسية واستعلاء جنسي. وقهر لتحديها الوجودي، المتمثل بتوقف وجوده على وجودها. مما حدى بها بعد مسيرة طويلة من المعاناة، استعادة شخصيتها من خلال المطالبة بحقوقها وانتزاع اعتراف إنساني بها.

(ولذا سعت المرأة بأن تقوم بتغيير مظهر سطح الأرض وتعديله (اللاندسكيب Landscape بطريقة تختلف عن طريقة الرجل). وهي المقدمة الثالثة.

ويراد باللاندسكيب، "المظهر الحضاري لسطح الأرض". والمقدمة تضمر شكوى مريرة من الاقصاء والاضطهاد، حداً غدا المظهر الحضاري لسطح الأرض اللاندسكيب حكرا على الرجل دونها، بينما الفعل الحضاري فعل مشترك، مدين للمرأة والرجل، لولا مصادرته لجهودها. حتى في الحالات التي يتفرّد فيها الرجل وهي الغالبية في جميع أنحاء العالم، تكون المرأة شريكة له في العمل والانتاج والبناء العلمي والحضاري. وذلك أن الرجل لا يمكنه إنجاز كل ما أنجزه مع حجم متاعب الحياة وتداعيات الأعمال، لولا وجود كائن يتوارى خلف جبروته وطغيانه. كائن بشري، يتولى حزمة أعمال يوميا تتوقف عليها مواصلة حياته واستمرار منجزاته، وأمنه النفسي واستقراره. فإذا لم يكن للمرأة إنجاز مباشر من خلال منجز فعلي، نظري أو تطبيقي، فهي شريكته بهذا المعنى. وهو معنى يتم إقصاؤه وتهميشه بفعل المنطق الذكوري. غير أن استعادة حقوقها المهضومة من وجهة نظر الجغرافيا النسوية (يتطلب إعادة النظر في مكونات اللاندسكيب، تبعا للطريقة التي تم فيها إعادة بنائه أو تعديله). أي إعادة النظر في الوجه الحضاري لسطح الأرض، ومكوناته التي هي مشاهد عمرانية وإنجازات بشرية، لتقصي آثار المنجز النسوي من جهة، والتعرّف على الكيفية التي احتكر فيها الذكر اللاندسكيب، وعندما تضع يدها على جذر الإشكالية يمكنها تغيير زاوية النظر، بعد تقويم ثنائية النوع / الجندر. فثمة مهمتان إذاً، رصد الجهد النسوي في المشهد الحضاري. وإعادة بناء اللاندسكيب، وزاوية النظر، لتفادي طغيان الذكورة على الأنوثة. حيث أدمنت زاوية النظر تذكير المنجز الحضاري من وحي مركزية الرجل، وهامشية المرأة، حداً تلتبس الحقيقة وتتوارى جهودها، بفعل المنطق الذكوري، وسيادة قيم البطريركية. وهذا ظلم وقهر لها. وبشكل أوضح ثمة مقولات أساسية تستوطن المرجعيات الذكورية، ينبغي نقدها وإعادة تشكيل وعي إنساني بدلا من الوعي الذكوري، الذي أدمن إقصاء الأنثى. بشكل يسمح له نفسيا بتقبّل وجود منجزاتها إلى جانب منجزاته، والاعتراف بالحقيقة كاملة حينما تستقل هي بمنجزها. والأكثر حينما تتفوق عليه، دون مصادرة جهودها أو الالتفاف عليها. فضلا عن الاعتراف بالمنجزات المشتركة. مما يعني نقد الوعي الذكوري ليكف عن تبادر مركزية الذكر وتهميش المرأة في تقيم المنجز الحضاري. ويسمح له بلحظة تأمل لمعرفة حقائق الأمور. والكف عن سؤال  "مَن هو صاحب هذا المنجز"؟ إلى "مَن صاحبه؟، لتتساوى النسبة بين "مَن هو صاحبه"؟ و"مَن هي صاحبته"؟!!!. إن الواقع التاريخي، ولو في القرون الأخيرة، يشهد أن الذكر لا يحتكر الإنجاز، وهناك أنثى تبدع بشكل مباشر أو غير مباشر. وعليه هناك مبادئ ومقولات وأطر ثقافية تتوارى خلف الخطاب، ينبغي نقدها وإعادة تشكيلها. وهذا ما تقصده عبارة: (يتطلب إعادة النظر في مكونات اللاندسكيب، تبعا للطريقة التي تم فيها إعادة بنائه أو تعديله). فاعادة النظر ممكنة فقط بالنقد والمراجعة، وتأسيس وعي إنساني، يقصي مركزية الذكر وهامشية الأنثى، ويعيد تشكيل الوعي على أساس وحدة الهوية الإنسانية: أنثى أو ذكر. وشراكة المنجز الحضاري، وتقاسم المصير البشري. نعم الأعمال الشاقة يتفرّد بها الرجل، لكن كيف يمكنه ذلك ما لم تكن خلفه امرأة، تدبّر شؤون حياته، خاصة المنزلية منها، وما يحتاجه من سعادة ودفء لمواصلة أعماله؟. وأما في عالم اليوم. عالم تقنية المعلومات، فالحاجة لها ربما أشد وأكبر. لست مع تأنيث أو تذكير المنجز، لكن يجب التنويه بمنجز المرأة، لتغيير نظرة المجتمع عنها.

وبالتالي، فثمة منجزات تخص المرأة، تم تهميشها وفق النظرة الذكورية كما يري الأستاذ، واستعادتها تتطلب أولا إعادة تشكيل الوعي الذكوري، واستبداله بوعي إنساني، يهدر ثنائياته الصلبة، من أجل الحقيقة الموضوعية ورد الاعتبار للمرأة. وثانيا فرز الإنجاز الأنثوي والتعريف به وبتاريخه. بل ويضيف الأستاذ فيقول: ينبغي أن يعي العقل الجمعي الدور اللامباشر للمرأة في منجزات الرجل كما تقدم بيانه. غير أن قيم العبودية والنظام الأبوي سادت مفاصل التاريخ، بما في ذلك تاريخ الرسالات السماوية، فلم تأخذ المرأة دورها الحقيقي. وكل ما حصلت عليه إنصافها ماديا، وانتشالها جزئيا من النظرة الدونية. أو شرعنة جزء من دونيتها. لكنها على الصعيد العملي لم تتول، ما يؤكد ثقة الرجل بها، خارج حدود أدوارها: الأسرة وما يتعلق بها، من خدمات عبودية فُرضت عليها. خاصة منظومة القيم والقوانين العرفية، التي تبجل الذكر، وتمتهن الأنثى، يظهر ذلك جليا من طريقة الخطاب، وكيفية تعاملها وانصياعها للزوج، وأسلوب تأديب الأطفال على طاعة الذكورة دون الأنوثة، مما يكشف عن وجود مرجعيات ذكورية راسخة، تستمد المرأة منها مشاعر الدونية البايلولوجية.

ثم يستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: "وعلى هذا الصعيد قامت النسوية بأرشفة منجزات النساء، بعد تقصي التاريخ، ومساءلة العقل الذكوري عن تهميشاته المتعمدة لمنجزات النساء عبر التاريخ. وقد صدرت كتب وموسوعة بذلك. حيث أكدت الكشوفات الأرشيفية حضور المرأة في المجالات كلها: الفن، الموسيقا، المسرح، علم النفس، العلاج النفساني، الاقتصاد، واقتصاد المرأة، الذي هو علم حديث، التعليم، الدارسات والبحوث الأكاديمية، النقد الأدبي، الفلسفة، الطب، مختلف العلوم الإنسانية والعلمية، وأخيرا الفضاء. وهدف ذلك، كما تقول يمنى طريف: "لتثبت الرؤية النسوية التي جرى تهميشها طويلًا، وفعاليتها وجدواها". وليس هدفها التنافس أو التناد مع الرجل. وقد تطور موضوع الجغرافيا النسوية من دراسة المرأة في الجغرافية / المكان، ومدى تأثرها به، إلى تحري دورها في بناء اللاندسكيب. لذا في هذا السياق (تركز "الجغرافية النسوية" على تقصي أثر النوع، والخلفية الثقافية والاجتماعية للإنسان في تشكيل وعي المكان.

وفي ضوء هذه المقدمات يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: (اضطر الجغرافيون من باحثي الأنوثة إلى القول بأن مفهوم النوع يتغير بتغير الزمان والمكان، الأمر الذي يستدعي إعادة تعريفه وتقصي طرق بنائه، والتعريف الاجتماعي له والذي يختلف تبعا لهذه الفلسفة عن التعريف البيولوجي). كما جاء في السؤال.

إن من أساسيات الجغرافيا النسوية في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي دراسة العلاقة بين النوع / الجندر Gender، ومظهر الأرض / اللاندسكيب، وتقصي أثر النوع، والخلفية الثقافية والاجتماعية للإنسان في تشكيل اللاندسكيب. وما هي طبيعة الجغرافيا التي ينتجها؟. إن مهمة الجندر نقد وتحليل النظرية التي تعتقد أن الفوارق الاجتماعية بينهما، تم تزويرها لتعزيز السلطة الأبوية، وخلق قناعة لدى المرأة بأدوارها المحصورة بالأمومة والمنزل. فالجندر / النوع يرصد ما يتوقعه منهما اجتماعيا من أدوار وسلوك، مع رصد أثر البيئة على بناء النوع، وثنائياته، المتحيزة للذكورة: "قوة الرجل / ضعف المرأة". "حكمته / عاطفيتها". فإعادة تشكيل "النوع / الجندر"، إعادة وعي المرأة لإنسانيتها، بعيدا عن مشاعر الدونية البايولوجية. فالجندر ينظر إلى ما هو أبعد من الحقوق المادية. أو ما هو أبعد من البناء الفوقي للحقوق والواجبات، ليلامس جذر الإشكالية، المتمثل باستعادة وعي المرأة، وتحريره من مشاعر الدونية بفعل العوامل البايولوجية. وهو شعور موروث بفعل البيئة الاجتماعية والمهيمن الثقافي المضمر. فالمرأة والرجل خُلقا من نفس واحدة، وحقيقة واحدة، ولهما ذات المشتركات الإنسانية، ولا يختلف عقل المرأة عن عقل الرجل، إذا لم تتفوق عليه، حينما يتاح لها المجال. فليست المرأة أقل إنسانية، ولا أقل عقلا، ولا أقل حكمة. ينبغي لها أن تعي هذا جيدا، وتنطلق من هذا المنطلق للمطالبة بحقوقها. فإحدى مهام الجندر: تأسيس وعي مختلف، يستعيد إنسانية المرأة بعيداً عن الدونية البايولوجية. ويساعدها على وعي ذاتها وعلاقتها بالآخر، ويمكنها من الوقوف إلى جنبه بثقة عالية. لكن للأسف نجد أن شعار النسوية السائد في بلادنا هو استعادة حقوق المرأة، دون المساس بدونيتها، باعتبارها قضية خارجة عن إرادتنا. فيسود التسامح الشكلي، منّة وتفضل من الذكر على الأنثى، وليس اعترافا حقيقيا بلوازم وجودها: الحرية والمساواة المطلقة. إن شرعنة دونية المرأة والاعتراف بنقصها البايولوجي، وعي ساذج رث، أنتجته نظم معرفية تنتمي لقيم النظام الأبوي البطريركي.

ولا شك أن النوع بهذا المفهوم كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي يتغير من بيئة وثقافة إلى بيئة وثقافة أخرى، لكن تبقى إنسانية المرأة قضية مركزية. ولا يخفى أثر المكان في وعي المرأة، فليس المكان سوى ثقافة، عادات وتقاليد ومفاهيم أخلاقية وعرفية. ولكل بيئة من البيئات الجغرافية أنساقها الثقافية، ومهيمنها الذي يتولى بناء الوعي. فالبيئة الدينية ضمن مكان محدد تؤثر في فهم أسباب الظواهر الاجتماعية، وتقدم لها تفسيرا دينيا وغيبيا، بينما يختلف الأمر مع تهميش الدين في بيئة ثانية. فالبيئة الأولى قد تشرعن دونية المرأة دينيا، بفعل خطابَي الترغيب والترهيب. غير أن الأمر سيختلف عندما نُرجع تلك الثنائيات للنظام البطريركي. فالأولى يصعب معالجتها، إلا بفهم متجدد للدين ودور الإنسان، بينما يمكن للثاني إعادة تشكيل تلك الثنائيات من خلال مكافحة قيم الاستبداد والنظام الأبوي، وإعادة بنائها على أسس إنسانية، وهذا ما تطمح له الجغرافيا النسوية. وبالتالي  فثنائيات النوع / الجندر ترتهن للبيئة والثقافة، وتختلف من مكان لآخر، مما يسهّل إعادة تشكيلها.

بشكل عام الجغرافيا النسوية تسعى في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي لاستعادة المرأة الإنسان إلى جوار الرجل الإنسان، من خلال البراهين والحجج ووضعه أمام الأمر الواقع، لانتزاع اعتراف إنساني، يتجلى في وعيه وسلوكه وثقافته.

والملاحظ أن النسوية كما يري الأستاذ ماجد الغرباوي تنطلق من بيئة الرجل الأبيض وغطرستها، وقيادته للحروب العدوانية ضد الشعوب، والسبب الرئيس وراء الاستعمار وإزهاق الأرواح، وما يترتب عليها من تداعيات نفسية وسلوكية واقتصادية. فينبغي للنسويات العرب إسلاميات، الأخذ بنظر الاعتبار الواقعين العربي والإسلامي، والتعامل مع الوافد النسوي بروح النقد والمراجعة، وتحليل كل الفرضيات. فمثلا، لا على سبيل الحصر. تجد المرأة العربية والمسلمة تتمتع بحقوقها، حينما تستبد الأخلاق في سلوك الرجل، ويلتزم بأحكام الشريعة، التي لا تُلزم المرأة بأي عمل أسري، باستثناء حق معاشرة زوجها. ولها حق المطالبة على ما زاد من خدماتها الأسرية وتربية الأطفال، إضافة لنفقتها كاملة عليه. وهذا يؤكد ما يحول دون تفسير بعض المفاهيم كالقيمومة والضرب على المعنى الحقيقي لها، وينبغي حملها على المعاني المجازي، بما يتوافق مع مبادئ الدين والقيم الإسلامية. وهذا ليس تبريرا بل لأن اللغة الدينية عموما لغة رمزية، تتجلى معانيها ضمن الأطر الفكرية والعقيدية. ومسيرة النسوية الحديثة لا تتوقف على إلغاء الدين، بل يمكن توظيفه لصالحها من خلال وعي مغير لنصوصه، خاصة وأن المرأة العرب إسلامية تعيش في بيئة مسكونة بالدين والغيب، بل ويشكلان هويتها.... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثاني عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نبرز موقف الأستاذ ماجد الغرباوي من الفلسفة النسوية عند كل من عبد الوهاب المسيري ويمني الخولي .

ونبدأ بموقفه من عبد الوهاب المسيري حيث يقول الأستاذ الغرباوي:" مع د. عبد الوهاب المسيرة، مفكر وعالم اجتماع مصري (1938-2008)، ننتقل إلى مرحلة جديدة من تاريخ النسوية العربية في كتابه: (قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى)، الذي يرفض فيه ترجمة feminism إلى النسوية ويختار بدلها "التمركز حول الأنثى"، ليشي بموقف سلبي من مطلق الحركة النسوية، وهو ينقد اتجاهات نسوية ما بعد الحداثة. ومؤلف الكتاب معروف بموقفه من الغرب، وهو مؤلف موسوعة: "اليهود واليهودية والصهيونية".

إن كل مفهوم ينتمي لجذره الثقافي، وسياقاته التاريخية، ومختلف الأنساق التي أفرزته، فيتعين قراءته ضمن هذه الإحداثيات، وهذا ما فعله المسيري، وهو صحيح. لكن تمت محاكمته بمرجعيات لا تمت له بصلة ثقافية، فسلب العنوان الجديد مصداقية النسوية، كحركة مجتمعية متدفقه، تتعالى في قيمها الإنسانية على خصوصيتها. وآخذ جميع الاتجاهات بما قررته النسوية الراديكالية المتطرفة. والحقيقة رغم ضجيج هذا الاتجاه، لكن في مقابله اتجاهات نسوية معتدلة ومتوازنة، كالنسوية الراديكالية الثقافية أو الحضارية. وهناك قيم إنسانية مشتركة لا تتنكر لها، وتحث على التماسك الاجتماعي، والتأكيد على مركزية الأنثى بجنب مركزية الذكر، لا مصادر مركزيته، وإلغائه. إنطلاقا من المشتركات الإنسانية، التي يؤكد عليها نفس المسيري في مشروعه النسوي.

ثم يستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: في القسم الأول من الكتاب يعمد مؤلفه الى تفكيك المفهوم، عبر مراحله التاريخية، وبيان دلالاته ما بعد الحداثة، وما انتهت إليه النسوية إلى تمركز الأنثى حول ذاتها، وتمركز الرجل حول ذاته، لينشب بينهما صراع دائم. وهي فلسفة تقوم على وجود طبيعة مختلفة للمرأة، وتؤكد استحالة اللقاء بينهما، مع عدم وجود مرجعية مشتركة، التي هي الإنسانية، كما نفهمها وتفهمها الحركة النسوية في مرحلة الحداثة وما قبلها. والآن هي تطالب بإعادة صياغة كل شيء: التاريخ، اللغة، الرموز، وإعادة تعريف المفاهيم والمصطلحات وتحييد اللغة لتكون مشتركة حتى بالنسبة للخالق، وتطبيع الشذوذ الجنسي، فلم تعد المرأة بحاجة إلى الرجل لا في اللذة ولا في الإنجاب. وينقل المسيري شاهدا على فهمه قولا لإحدى النسويات: "إذا كانت الفيمينزم هي النظرية، فالسحاق هو التطبيق". وبالتالي يرفض عبد الوهاب المسيري feminism، بمفهومه النسوي، ابتداء من فهم الإشكالية حتى نتائجها، مرورا بالتنظير الفلسفي والاجتماعي والمعالجات الفكرية، التي تعمّق الهوّة الفاصلة بينهما. فانقلبت حركة التمركز من حركة تدور حول فكرة الحقوق الاجتماعية والإنسانية للمرأة، إلى حركة تدور حول فكرة الهوية. ويقيم مشروعه بعيدا عنها. ويذهب أن حركة الفمينزم تصرّ على إزاحة الإنسان من مركز الكون، وهيمنة الطبيعة / المادة عليه. ويضيف: "إذا كانت حركة تحرير المرأة تدور حول قضية تحقيق العدالة للمرأة داخل المجتمع فإن حركة التمركز حول الأنثى تقف على النقيض من ذلك فهى تصدر عن مفهوم صراعي للعالم حيث تتمركز الأنثى على ذاتها ويتمركز الذكر هو الآخر على ذاته ويصبح تاريخ الحضارة البشرية هو تاريخ الصراع بين الرجل والمرأة وهيمنة الذكر على الأنثى ومحاولتها التحرر من هذه الهيمنة".

وهنا يري الأستاذ ماجد الغرباوي بأن المسيري يطالب في مشروعه تناول قضايا المرأة في إطارها التاريخي والإنساني، لأن مشكلة المرأة بالنهاية مشكلة إنسانية، وينبغي اقتراح حلول (من نماذجنا المعرفية ومنظومتنا القِيَمية والأخلاقية، وإيماننا بالمشترك الإنساني بيننا؛ الإنساني الذي يسبق الفرد، كما يسبق الإنسان المادة، وبهذا يمكن أن نستبدل الحديث عن حقوق الإنسان الفرد، وحقوق المرأة الفرد، وحقوق الطفل الفرد، بالحديث عن حقوق الأسرة كنقطة بداية يتفرّع عنها حقوق الأفراد داخل منظومة الأسرة؛ وبهذا نتجاوز فكرة تحقيق الذات بشكل فردي مطلق إلى تحقيق الذات داخل إطار الأسرة).(يراجع المصدر المتقدم)

ويتلخص مشروع المسيري والحلول المقترحة لحل إشكالية المرأة، كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي ، بما يلي:

1- أزمة المرأة جزءٌ من أزمة الإنسان في العصر الحديث.

2- الانطلاق من الأسرة كنقطة مركزية

3- انفتاح كل طرف على الآخر بدلا من تمركز المرأة حول ذاتها وتمركز الرجل حول ذاته.

4- إعادة تعليم الرجل ليكتسب بعض خبرات الأبوّة، والعيش داخل الأسرة والجماعة.

5- تطوير نظم تعليمية جديدة للمرأة

6- التأكيد على الأمومة، ودورها في تربية أطفالها، وتدبير منزلها. وعدم تشجيعها على العمل إذا حصل تزاحم بينها وبين وظيفتها الاجتماعية الإنسانية، أي الأمومة.

وهنا أسجل بعض الملاحظات:

1- لا إشكال حول جدوى منهج المسيري النقدي في تفكيك الـ " feminism"، وإرجاعها إلى أصولها الغربية، وقراءتها ضمن سياقاتها التاريخية. حيث كشف جملة حقائق تتخفى وراء العنوان، أخطرها تمركز الأنثى حول ذاتها، بعد إسقاط الإنسانية كمرجعية واحدة وفقا للحركة النسوية، وانحلال قيم الأسرة والقيم الاجتماعية التي تتقوم بإنسانية الفرد، ليحل الشذوذ بدلا من الزواج. والمادة بدلا من الروح. والفرد بدلا من الأسرة. والمرأة في مقابل الرجل. والأنثى في مقابل الذكر. وتسعى نسوية ما بعد الحداثة للتنظير إلى جدار عازل بين الرجل والمرأة، ليستمر الصراع بينهما بعد اضمحلال مساحات التلاقي الإنساني.

2- يحسب للميسيري اهتمامه بالأسرة، وتأكيد الأمومة، كفضاء إنساني لتربية الأبناء، والمحافظة على الأجواء الأسرية. وهنا أختلف معه، فإن مهام الأسرة لا تجعل منها نقطة إنطلاق، رغم أهمية العلاقات الأسرية في مجتمعاتنا. ويجب أن يكون الفرد هو نقطة الإنطلاق، أنثى كانت أم ذكرا. ومتى صلح الفرد صلُحت أسرته. لكن صلاحها لا يضمن صلاح جميع أفرادها وعلى الدوام، باستثناء مرحلة الطفولة. بينما التمرّد على قيم الأسرة متوقع جدا، مهما كانت فاضلة. كما أن إزدهار قيم الفضيلة في إطار الأسرة مرتهن لصلاح جميع أفرادها. لذا لا يؤاخذ الفرد بجريرة أسرته، والعكس صحيح. وكل فرد مسؤول عن سلوكه وفقا للمنطق الديني، ولا يؤاخذ بما فعلت أسرته.

3- ينبغي للمسيري الحديث عن النسوية، كحركة مجتمعية، تسعى لترشيد وعي المرأة، وإعادة الاعتبار لإنسانيتها، كي تعي ذاتها ومن حولها. وعندما تعي ذاتها، لا تنزلق للتمركز حول الأنثى، ذلك المحظور الذي جعله مبررا للانطلاق من الأسرة دون الفرد. فوعي الذات شرط لتفادي التمركز حول الأنثى، وليس مجرد وجودها داخل الأسرة. وكم من أنثى تعيش إغترابا حقيقيا داخل أسرتها. وكم من امرأة تتمكز حول أنوثتها، وهي تعيش أجواء يسودها المنطق الذكوري. وربما تعيش مع نسوة يقدسن دونيتهن، باعتبارها تقديرا إلهيا يجب التماهي معه، وعدم التمرّد عليه.

4- لم يتحدث مؤلف الكتاب عن وعي المرأة، والأسباب التي أدت لاضطهادها تاريخيا، وما هو دور التراث والنصوص المقدسة؟. وكيف يمكن صياغة مشروع نسوي لا يتقاطع مع المقدس وأحكام المرأة في الشريعة الإسلامية. مشروع يستعيد إنسانية واستقلالية وحرية ومساواة وحقوق المرأة؟.

5ـ- إن وجود المرأة داخل أسرة لا يضمن لها وعيا متطورا يدرك جذور الإشكالية، ما لم تمارس النقد مباشرة، وتعيد النظر في وعيها للذات، وهذا عمل فردي، لا يتحقق إلا داخل بيئة اجتماعية، تكون فيه المرأة فاعلة ولو نسبيا كي تكتشف ذاتها أكثر من خلال الاحتكاكات الوظيفية، والعلاقات العامة. أما داخل الأسرة فمحاصرة بقيم أسرتها،لا ترى أكثر مما تراه الأسرة، فلا يتحقق الوعي المطلوب لحركتها باتجاه تحقيق حقوقها الإنسانية التي تقع الحرية على رأسها، بل سترى في الحرية، إذا كانت تنتمي لعائلة محافظة، هتك لحرمتها وحيثيتها حتى على مستوى المطالعة والتفكير واتخاذ القرار.

6 - أفهم من كلام د. عبد الوهاب المسيري كأن وعي المرأة معطى جاهز تتلقاه عبر الأسرة، وحينئذٍ يكون وعيها مرتهنا لوعي أسرتها، وطبيعة فهمهما لدور الأنثى، سلطة الذكر، الاختلاف الوظيفي، تأثيرات التراث والدين إلى غير ذلك. وإذا صدق هذا في مراحل حياتها الأولى فهي ليست كذلك عندما ينضج وعيها، وتنفتح على الحياة.

7- إن وجود المرأة داخل أسرة، كالرجل، لا يضمن لنا عدم تمركزهما حول ذاتهما، وبالتالي فهاجس التمركز يبقى، ما لم تتحصن المرأة بوعي حقيقي لذاتها وإنسانيتها. وعي منفصل عن سلطة الرجل والأسرة. بل قد يتطور الأمر إلى تمركز الأسرة حول ذاتها، وينتهي الأمر بالمجتمع إلى أُسر متصارعة، وفقا لرؤيته.

8- لا نأمن مع مشروع المسيري عدم تفاقم قيم النظام الأبوي داخل الأسرة، ما لم تعِ المرأة ذاتها واستقلاليتها، وتدرك كيف تتعامل مع قيم هذا النظام، الذي يؤكد عليه التراث، وفتاوى الفقهاء، بل وحتى النصوص المقدسة، ما لم تقرأ بمنهج مختلف، ينتشلها من فخاخ الإطلاقات، والتحايل عليها من قبل الفقهاء.

9 – ليست مشكلة المرأة في وجودها أو عدم وجودها داخل الأسرة، إنما مشكلة المرأة في كيفية وعيها لذاتها، وعدم تبرير دونيتها بحكم سطوة التراث والعادات والتقاليد. المسألة الأساس كيف نحرر وعي المرأة من التبعية والانقياد الوجودي للرجل؟. وكيف نجعلها تنظر لذاتها والآخر، من زاوية وحدة الجنس البشري، ووحدة لوازم وجودهما: الحرية والمساواة؟ وكيف نجعل المرأة تعيش باستقلالية تامة، حتى وهي داخل أسرتها، فوجود المرأة داخل الأسرة ليس عيبا، بل شرفا وعزة لمجتمع الفضيلة. فمشكلة المرأة مشكلة وعي أساسا. وحينما تتمتع بوعي مستنير، سيضمن لنا عدم تمركزها حول الأنثى. وستسعى للوقوف بجانب الرجل، بعيدا عن أي تحيزات نفسية.

10- التمركز حول الأنثى فهم مغاير لجذر الإشكالية النسوية، تتوقف معالجته بالعودة للمرجعية الإنسانية المشتركة، ونزع فتيل الصراع والتصادم، بين المرأة والرجل. ولا يتوقف هذا على بقاء المرأة داخل أسرتها، وتخليها عن باقي وظائفها الحياتية، عندما تكون عنصرا مؤثرا ضمن اختصاصها.

وأما عن موقف الأستاذ ماجد الغرباوي من يمنى طريف الخولي فيقول: ليس للدكتورة يمنى طريف الخولي مشروعا مستقلا عن النسوية العالمية، ولا يفهم من كلامي سلبها خصوصيتها الفكرية وبصمتها المتميزة ضمن حركة النسوية العرب إسلامية، بل أقصد أنها ميّزت وتبنت بوعي مستنير، وعززت تلك الأفكار من داخل تراثها. وقد امتازت في كتاباتها بموسوعيتها، وتقصيها للمفهوم وفلسفته وموضوعه وهدفه، وكشفت عن تعدد اتجاهات نسوية ما بعد الحداثة. إذ ليست ثمة صيغة نهائية، كما يبدو من عبد الوهاب المسيري، الذي راح يؤكد على اتجاه واحد في فلسفة النسوية لينتهي إلى هاجس التمركز حول الأنثى، ويتخذ منه ذريعة لتكريس الأسرة بمفهومها التراثي، الذي يمنح الذكر القيمومة وسيادة القرار والمصير، مع بعض التحسينات. وفي الوقت الذي يرفض فيه المسيري مفهوم نسوية ما بعد الحداثة، ويستبدل الفيمينزم بتمركز الأنثى حول الذات، تؤكد يمنى طريف، في كتابها: "النسوية وفلسفة العلم": (إن ما بعد الحداثة هي فقط التي أتاحت للنسوية في موجتها الثانية أن ترتفع إلى مستوى النظرية والفلسفة الصريحة والسؤال الإبستمولوجي وفلسفة العلم، هذا من حيث أعادت ما بعد الحداثة طرح السؤال الإبستمولوجي)، مما يؤكد تعدد الاتجاهات داخل نسوية ما بعد الحداثة، وهو ما تشير له: النسوية الراديكالية الثقافية أو الحضارية التي هي ذات طابع أكاديمي رصين، فرضت نفسها على برامج الدراسة في جامعاتٍ شتى. وترى أن الراديكالية الثقافية تعني أن النسوية، عكسا للراديكالية المتطرفة، اكتسبت نضجاً فكريّاً، فهدفت إلى البحث عن إطار نظري أعمق وأشمل من مجرد المطالبة بالمساواة مع الرجال وطبقًا للنموذج الذكوري السائد للإنسان - الرجل.

ويمكن تلخيص أهم أفكارها في هذا المجال كما يري الأستاذ ماجد الغرباوي علي النحو التالي:

- إن ما تريده النسوية حقّاً هو نقد القطيعة بين الذكورة والأنوثة، كي لا يستقل أحدهما عن الآخر.

- إن عدم المساواة الذي ساد الأسرة في الماضي لا يحول دون العمل على تحقيق أسرة تتسم بالمساواة في المستقبل.

- إن مشكلة الأعباء المنزلية لا تُحل بسحق الأسرة والإعراض عن الإنجاب، بل فقط بالتعاون في أدائها وإعادة توزيع الأدوار لتحل مسئولية الوالدين محل الأمومة.

- الخبرة المعرفية للمرأة هو ربط المعرفة بالأخلاق.

- إنَّ النسوية فلسفة ضد الاستعمار والإمبريالية.

- للنسوية مبررات الزعم بأن مشكلة البيئة من خصوصياتها.

- إن فلسفة العلم النسوية بعد الحداثية بعد التنويرية قد تحرَّرت من النظرة التقديسية للعلم.

- تنقد يمنى طريف الخولي الاتجاه الراديكالي الآخر، وتطرح بدائل عن الإبستمولوجيا التي تقطع علاقتها بالميتافيزيقا وبالقيم التي تكون علمية على الأصالة، تريد الإبستمولوجيا العلمية النسوية أن تكون تحريرية، تمد علاقة بين المعرفة والوجود والقيمة، بين الإبستمولوجيا والميتافيزيقا؛ لتكشف عن الشكل العادل لوجودنا في العالم.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي وترى د. يمنى طريف أن الفلسفة النسوية بسائر فروعها تعمل على خلخلة التصنيفات القاطعة للبشر إلى ذكورية وأنثوية والفكر النسوي بشكل عام أنساق نظرية من المفاهيم والقضايا والتحليلات تصف وتفسر أوضاع النساء وخبراتهن، وسُبُل تحسينها وتفعيلها، وكيفية الاستفادة المُثلى منها.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: أجد في طرح د. منى طريف الخولي طرحا عقلانيا، يستعيد وعي المرأة بإنسانيتها، ودورها التاريخي، ويؤكد على عضويتها وفاعليتها، رغم تعمد الذكر تغييبها. خاصة النسوية الراديكالية الثقافية أو الحضارية.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي ورغم خصوصيتنا كعرب ومسلمين لكن هذا لا يبرر القطيعة مع المعرفة الغربية، والاستفادة من التجربة الكبيرة للحركة النسوية. والاستفادة من الاتجاهات التي تتلاءم مع ثقافتنا، ولا مانع أيضا من تطوير ثقافتنا ورؤيتنا لترقى لمستوى النسوية في جانبها المشرق.

ومن جهة أخري يقول الأستاذ ماجد الغرباوي أنا ضد التلفيق، والبحث عن تأويلات تؤكد أصالتنا، لكن النسوية كما طرحتها د. يمنى طريف تؤكد تعدد الاتجاهات، خاصة "النسوية الراديكالية الثقافية أو الحضارية"، التي تؤكد على الأسرة والأمومة والحفاظ على البيئة والشراكة الإنسانية، وترتبط بالقيم والأخلاق، فكما تحدث المسيري عن اتجاه راديكالي، سوداوي، ثمة اتجاه يمكن تبنيه وتطويره، من غير المساس بأسسه. وعليه لا أجد ما أعترض به على طرح السيد يمنى طريف هنا. لكن اؤكد على أهمية وعي المرأة لذاتها وإنسانيتها، ليكون أساسا لها في حركتها المجتمعية وبلوغ أهدافها، مع تأكيد ذاتها، وتأكيد شراكتها الإنسانية، مهما حاول الذكر طمسها، والاستعلاء عليها. فمشروع النسوية عندي يبدأ من الفرد، أنثى وذكر، ومن ثم الانطلاق إلى المجتمع.... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الحادي عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نبرز موقف الأستاذ ماجد الغرباوي من الفلسفة النسوية عند كل من رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده .

ونبدأ بموقفه من رفاعة الطهطاوي حيث يقول الأستاذ الغرباوي: "تكمن قيمة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1801 – 1873م) في جرأته، وتخطيه للممنوع والتابو الديني والاجتماعي وقدرة مشروعه على الصمود في زمن كان يعتبر الحديث عن المرأة تجاوزا للقيم الدينية والاجتماعية وهتكاً لحرمتها وشرفها. من هنا يُعد الطهطاوي رائد حركة تحرير المرأة، وأول من تبنى نهضتها، وتعليمها على قدم المساواة مع البنين. وأكد مشروعه عمليا بفتح مدرسة للبنات ثم مدرسة الألسن لنقل العلوم الغربية إلى اللغة العربية فور عودته إلى مصر قادما من فرنسا التي قصدها مرشدا دينيا مع البعثات الطلابية. وهو في  كل خطوة يقدم تفسيرا لها، ويبين أهدافها، وفوائدها، متخذا من الغرب / فرنسا  نموذجا له. لذا تناولت كتابته جميع النواحي، حتى قارن بين الرقص الغربي والشرقي، فراحت الأقلام تدينه بهتك حرمة الدين، واعتباره داعية تغريب، هدفه الفتك بالدين وتسميم الثقافة الإسلامية. ومازالت بعض الأقلام تنهش به.

يمكن تلخيص المشروع النسوي للشيخ رفاعة رافع الطهطاوي من خلال كتبه التي خص بها المرأة أو التي تضمنت قضاياها، كما يفهمها هو، والتي فرضها الواقع: تلخيص الإبريز في تلخيص باريز، مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، المرشد الآمين للبنات والبنين:

1- فهم مختلف للدين وأحكام الشريعة يسمح للمرأة ارتياد المدارس والعمل واعادة النظر في مفهوم الحجاب والعلاقات الاجتماعية.

2- التربية والتعليم، حيث اعتبر التعليم شرطا لتطور وعي المرأة وانتشالها من الجهل والأمية، ومن ثم انفتاحها على القيم الحضارية. لذا عوّل كثيرا على تربيتها الأسرية، واعتبر التحاقها بالمدرسة فرضا واجبا. وما لم تتعلم المرأة يبقى التخلف نصيبها.

3- المساواة بين المرأة والرجل مساواة مطلقة على جميع المستويات. فهو لا يخشى عليها، ويثق بها، قياسا على المرأة الفرنسية. ويعتبر المساواة اعترافاً حقيقياً بإنسانيتها. ولا يجد ما يبرر عدم مساواتها به.

4- التأكيد على احترام المرأة وإنسانيتها، أسوة بالنساء الغربيات. وفي كلامه إدانة واضحة للقيم والعادات والتقاليد التي تتعامل مع المرأة بدونية، وهو السائد آنذاك. بل وفيه إدانة غير مباشرة لأحكام الفقهاء، ممن يتعاملون معها بدونية. ولم تهن الشريعة المرأة، وإنما أهانها التراث، والفهم المبتسر لآيات الأحكام.

ثم يؤكد الأستاذ الغرباوي يقول: في قمة الشجاعة أن يتكلم رجل دين مثل الشيخ رفاعة الطهطاوي بقضايا المرأة قبل مئتي سنة داخل مجتمع محافظ،، ويستفز شيوخ  الأزهر قبل غيرهم. ولا يخفى مستوى الوعي وثرائه، رغم قصر المدة التي قضاها في فرنسا، (6) سنوات. غير أننا أمام شخصية واعية، طموحة، بذر أول بذرة وعي بشأن المرأة وحقوقها. وعليه، لا يمكن التنكّر لجهود الشيخ الطهطاوي في مجال النسوية. وليس لدي اعتراض على مشروعه، خاصة استدلالاته بالآيات التي تتحدث عن السعة والرحمة، وما تلاها من روايات وأخبار، وتوظيفها لصالح مشروعه النسوي التربوي، لتفادي أي تقاطع معهما. و رغم حساسية موضوع الحجاب في المجتمعات المحافظة، لكنه تناوله من زاوية العفة، وبين حدود الحجاب في الكتاب والسنة. والحق أن الأصل عفة المرأة قبل حجابها، ومدى تمثلها للقيم الأخلاقية والدينية.

قد يبدو مشروع الشيخ بسيطا، ومطالبه عادية، وهذا خطأ في نظر الأستاذ الغرباوي، حيث ينبغي في نظره قراءة مشروعه ضمن ظرفه، وما هو المتاح والممكن آنذاك، فمستوى وعي الناس، لا يطيق تعليم المرأة فضلا عن عملها خارج المنزل، فكيف أقنعهم بأفكاره، وكيف نجحت مشاريعه التعليمية؟. ينبغي عدم مقارنة مشروعه فيما نحن فيه بعد قفزات وعي كبيرة. وينبغي لنا دمج أفكاره بعد تنقيحها، بما يتلاءم مع مشروع نسوي منتج، يقوم على العقل والقيم الإنسانية.

إن الهدف الأساس لخطابات الشيخ الطهطاوي كما يقول الأستاذ الغرباوي إقناع الناس بمشروعه، القاضي بفسح المجال لتنال المرأة حقها في التربية والتعليم والعمل، وتمارس حياتها أسوة بالرجل. ونخلص من كلامه أنه مع حرية مطلقة للمرأة، حينما تحدث عن الغناء وأسلوب تقديم المرأة وتقبيلها. أو من خلال إشادته لأعراف وتقاليد المجتمع الفرنسي، وإعجابه بالمرأة ومكانتها. كما أنه مع مساواة مطلقة، وقد سبق برأيه حتى المعاصرين من الفقهاء الواعين. لأنه يفهم المساواة بينهما: (هي مثله سواءً بسواء، أعضاؤها كأعضائه حاجتها كحاجته، وحواسها الظاهرة والباطنة كحواسه وصفاتها كصفاته حتى كادت أن تنتظم الأنثى في سلك الرجال). وبالتالي نستنتج، أن لها ما له من حقوق، على مستوى الحرية والمساواة. لكنني معه ما لم تمسا مقومات مجتمع الفضيلة، الذي أراهن عليه في مشروع المجتمع المدني، ودولة المؤسسات الحضارية، وأجد في قيم الفضيلة والأخلاق رهانا فعليا لاستقرار المجتمع، واستتباب السلم الأهلي. وهذا لا ينقص من حرية ومساواة المرأة التي هي لوازم لوجودها، وإنما يدخلان ضمن العقد الاجتماعي، أو الاجتماعي الديني. والذي يعني إلتزام بمفاد العقد، مادمت قد وافقت عليها ولو ضمنا. وبإمكان مغادرة المجتمع أو الدين للتخلص من إشراطاتهما. وينبغي التمييز بين الحرية والمساواة كقيم وجودية، ومن حيث الأصل، فهما لازمان لوجود المرأة والإنسان، لا تخضعان للجعل والحرمان. وبين الحرية والمساواة كممارسات اجتماعية، فتخضعان للمجتمع وسلطاته الأخلاقية. فثمة اختلاف بين الحرية والمساواة في بعديهما الوجودي والاجتماعي. بين المفهوم والممارسة.

ويستطرد الأستاذ الغرباوي فيقول: ولم يقدم الشيخ فلسفة أعمق لمبانيه ومنطلقاته الفكرية. كما لم يطوّر من أفق مشروعه على الصعيد الفقهي، ولم ينظّر لأحكام المرأة فقهيا وأصوليا، رغم معارضته للرأي الفقهي السائد حول تولى المرأة مناصب عليا، وقال بإمكانية توليها "الولاية الكبرى". فالشيخ استوحى من الحضارة الغربية نموذجها التطبيقي، وراح ينظّر لمشروعه في إطار دراساته الدينية. ولم يكرّس جهده لدراسة أسباب اضطهاد المرأة، وطبيعة وعيها لذاتها والآخر. فهو يعلم أنها مرتهنة لإرادة الذكر، لا يمكنها تقرير مصيرها بنفسها. لكن بشكل عام أشار إلى حقوق المرأة، كالحرية والمساواة، ووجوب احترامها وتعليمها وتربيتها، وهي قضايا أساسية.

وأما عن موقف الأستاذ الغرباوي من الشيخ محمد عبده ، حيث يقول  يمثّل محمد عبده مرحلة جديدة في تاريخ النسوية العربية – الإسلامية، بعد استيعابه وتأثره بالآراء الإصلاحية والنهضوية لأستاذه جمال الدين الأفغاني، ودراسته في الغرب، وعمله في لبنان، واطلاعه على المرأة ومسار النسوية. وهو فقيه ومجدد ومن رواد النهضة (1266هـ – 1323هـ / 1849م – 1905م). وقد عمل على مشروعه بجد وكتب رسالة التوحيد منهجا في التربية الإسلامية، ونشر في جريدة الوقائع مبشرا برؤى وأفكار، يواصل من خلالها مشروع الشيخ الطنطاوي، ويضيف له اجتهادته باعتباره فقيها معروفا. وساهم في إنشاء الجمعية الخيرية الإسلامية التي دشنت مشروعها بافتتاح أول مدرسة سنة (1878م).

ويستطرد الأستاذ الغرباوي فيقول: بدأ الشيخ محمد عبده مشروعه من داخل الفكر الإسلامي ومنظومة الفقه والأحكام الشرعية السائدة، حيث وجد في إصلاحها إنصافا للمرأة وقضاياها، خاصة أحكام الفقهاء المبنية على آراء اجتهادية وفق فهم شخصي للنصوص المقدسة، فراح يعيد النظر في تلك المسائل، كتعدد الزوجات، الحجاب، التربية، التعليم، حق المرأة في الطلاق. وكان هدفه لا يقف عند حدود شرعنة المسائل الفقهية  الخاصة بالمرأة، بل من يتابع كتابته يجد أن منهجه قائم على إعادة فهم النصوص وفق مقتضيات العصر وحاجاته. ودعا على هذا الصعيد إلى فتح باب الاجتهاد، واعادة فهم النصوص وفقا للمتغيرات الزمانية والمكانية، لمعرفة أثر الواقع على فهم النص، وطالب باعتماد فقه مقاصدي يتحرى مقاصد الشريعة في تشريع الأحكام، وأكد على ضرورة الانفتاح على المذاهب الإسلامية لتكوين رأي فقهي، يراعي عدم التشدد في الأحكام. وهو منهج متطور، ضمن مشروعه الإصلاحي. وقد خلص إلى آراء منفتحة حول قضايا المرأة، وطالب بالانفتاح على الحضارة الغربية، فـ(ليس في ديننا شيء ينافي المدنية المتفق على نفعها عند الأمم المرتقية)، كما يقول. وانتهى إلى رفضه لتعدد الزوجات، والحجاب السائد، قائلا: إن الشريعة لم تنص على الحجاب المتعارف عند المسلمين، وهذا يعني أنه عاد إلى ذات الأدلة، وهي النصوص التشريعية، وأعاد فهمها وقراءتها، ليستنبط منها آراء فقهية، ترتكز للسعة والرحمة ويسر الشريعة. وقد أكد كسابقه على التربية والتعليم، ورفض أن تبقى نصف الأمة أمية، ودعا إلى انتشال الفتيات، بالتربية والتعليم، لنضمن جيلا متعلما.

أما على صعيد المساواة، فيرى كما يقول الأستاذ الغرباوي: أن الإسلام لا يفرّق بين الرجل والمرأة من حيث الذّات والاحساس والشعور والعقل، فيمكن بالتالي وبناء عليه أن تتحقّق المساواة الكاملة بين الجنسين. وقد يفهم من هذه العبارة المساواة المطلقة بين المرأة والرجل، غير أنه في باب القوامة يعتقد أن الرئاسة يجب أن تكون للرجل، إذ أوجب الإسلام على المرأة شيئاً، وعلى الرجال أشياء. ولا نعرف ما هي حكمة الخالق بذلك. وعليه فالشيخ محمد عبده مع العدالة الناظرة إلى البعد البايولوجي في المرأة، الذي يستبطن دونيتها بشكل وآخر، مهما كان تبريرها، ولا يؤمن بالمساواة المطلقة، التي آمن بها سابقه الشيخ الطنطاوي. ولعله كان ناظرا للجانب الوظيفي في تبنيه العدالة دون المساواة المطلقة، لكنه لم يصرح بشكل واضح.

بهذا نفهم أن مشروع النسوية على يد الشيخ محمد عبده، قد حقق تقدما على صعيد التأصيل الفقهي، الذي ترتهن له أغلب الأحكام السائدة حول المرأة بل وأكثر المواقف الاجتماعية مستوحاة منه. وقد لامس بنجاح قضايا المرأة من زاوية تشريعية: كتعدد الزوجات والحجاب والقوامة وحرية التعليم والانفتاح.

ثم يؤكد الأستاذ الغرباوي فيقول: وهنا أيضا لم يتحدث الشيخ عن  فلسفة النسوية، ولم يعالج قضاياها جذريا، بل واصل مشروعه العملي، ليخطو خطوات سجلت فتحا جديدا لصالح المرأة، وهو شيء كبير قبل مئة وخمسين سنة. والسبب أن الشيخ عبده كغيره من الفقهاء يبقى مرتهنا للنص الشرعي، مهما كان مستوى اجتهاده، ولا يمكنه الخروج عليه، لأنه مرتبط بنسق عقدي، يحد من تفكيره. وأكتفى بإصلاح الفقه وأصوله، وتجديد النظر في منظومة العقائد الدينية، وامتدادتها على صعيد السيرة النبوية وسيرة الصحابة. وهذا هو الفارق بين الباحث المتحرر والباحث الديني. الأول حرّ، والثاني تحاصره قداسة النص وقلق المساس بها. وقد تحدثت في مناسبة سبقت، عن سلطة النص وإمكانية هدرها لصالح المقاصد الكبرى للدين وأهمها مركزية الإنسان. وهذا يعتمد على فهمٍ مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. فهمٌ مؤسس على نظرية الخلافة، في مقابل نظرية العبودية. وهو ما أعمل عليه ضمن مشروعي الفكري.

ويستطرد الأستاذ الغرباوي فيقول: وبالتالي تلتقي بعض آرائي مع الشيخ محمد عبده حول المساواة، لكن بالفهم الذي تقدم، وأطالب بالمساواة العادلة لكن أيضا بذات الفهم. المساواة العادلة لا تعني مساواة ناقصة بفعل دونية المرأة أو تكوينها، فهي كمساواة الرجل، من لوازم وجود الإنسان، وإنما أقصد بالعدالة، العدالة الإنسانية، وعدم جواز إقحام المرأة بأعمال شاقة أو تمتهن كرامتها باسم المساواة. نعم ثمة خصائص ينبغي مراعاتها، وهذا صحيح لكنها ترتبط في الجانب الوظيفي لا بالجانب البايولوجي. لا يلزم من الاختلاف البايولوجي دونيتها وعدم مساواتها مع الرجل. وأما على الصعيد الفقهي، فإن المعالجات الفوقية لا تكفي، ما لم يعاد النظر بالنسق العقدي المألوف أولاً، وإحلال منظومة عقدية تستمد من فهم جديد للدين ودور الإنسان ومركزيته في الحياة. ثم فهم الهدف البعيد للتشريع، ومدى فعليته، للتحرر من سطوة الفقهاء والآراء الاجتهادية التي تجمد على حرفية النصوص، وتصرّ على إطلاقاتها الأحوالية الأزمانية، للاقتداء بالسلف والتراث. ومن هذه الناحية أختلف مع الشيخ محمد عبده في المنهج الفقهي وقيمة النصوص، ومدى إطلاقاتها. إن الحلول التي يقدمها الشيخ محمد عبده من داخل الشريعة، والتي هي تجديد في استنباط الأحكام، لا يقدم حلولا جذريا للمسألة النسوية. وتبقى جهوده في دائرة البناء الفوقي.

وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال العاشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: ما هو مفهوم النظام الأبوي وما مصدقاته؟ وماهي الأصول الفلسفية لتبعية المرأة في هذا النظام؟ وما فلسفة النظام الأبوي في تربية المرأة؟ وذلك من وجهة نظر الأستاذ انطلاقا من الأيدولوجية التي يتبناها؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: يقصد بالنظام الأبوي اصطلاحا، نظاما اجتماعيا عموديا، يقوم على سلطة الأب ويتقوّم بالتبعية والانقياد واستعباد المرأة. ومازالت قيمه تسري، ضمن الأنظمة المتذبذبة بين الحداثة وقيم الآباء. والنظام الأبوي وليد شرعي لقيم العبودية، التي ارتهنت وعي البشرية ردحا طويلا من الزمن.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لكن أسجل عليه عدم شموله لمصاديق أخرى للهيمنة، التي لها ذات السلطة الأبوية، فالتعريف ليس جامعا مانعا بالمفهوم المنطقي، لذا أفضّل تعريفه: "النظام الأبوي: نظام الهيمنة الفوقية والانقياد الطوعي"، الذي يتقوّم بكل انقياد غير مبرر يفضي للاستعباد. فيكون شاملا لسلطة الأب، بما فيها السلطات الدينية والسياسية والاجتماعية. وكل ما يرمز له الأب من تعالٍ سلطوي وفوقي. كما يشمل تعالي الفكرة، عندما تفرض سلطتها بفعل قدسيتها وتعاليها على النقد والمراجعة، فتقمع إرادة الفرد، وتفضي إلى استلاب الوعي حينما تتولى توجيهه وفقا لمرتكزاتها الأيديولوجية. واستلاب الوعي يحقق بدوره شرط صدقية النظام الأبوي / البطريريكي، عندما ينجح في تكوين قناعة نفسية وفلسفية، تبرر الانقياد. وبهذا الشرط يخرج المغلوب على أمره، والمضطر، من التعريف، ويكون قدر التمرّد الاغتراب، مهما كانت عقلانية ومبررات تمرده. ومصاديقه اجتماعيا: نظم العبودية والقَبلية ونظام العائلة الذي تتجلى فيه قيم هذا النظام من خلال سطوة الأب واستبداده ونفاد قراراته وصلاحياته المطلقة، التي تنتقل للذكر دون الأنثى، باعتبارها جزءا من متاعه، الشامل للثروات الزراعية والحيوانية وأدوات الإنتاج والإماء والعبيد. لذا يفهم الزواج انتقال المرأة من متاع ولي أمرها "الأب / الجد / الأخ، أو أي ذكر يتولى شؤونها"، إلى متاعه، فتدخل تحت تصرّفه، يمكنه استبدالها، أو الزواج عليها، وله حق ضربها وتأديبها فتخضع العلاقة لقيم الاستملاك والاستعباد، لتنتج لنا عبوديات تتجدد في مظاهرها.

ومصاديقه السياسية: أنظمة الحكم الاستبدادية والدكتاتورية والأنظمة الشمولية، وكل نظام ترتهن سيادته لإرادة شخص الحاكم.

ومصاديقه الدينية: كل مؤسسة تحكم باسم الإله، وترى لنفسها ولاية على الناس، وتتصرف وفقا لاجتهاداتها الشخصية، التي تغدو قوانينا وأنظمة وقرارات نافدة.

ومصاديقه العقدية والفكرية: كل أيديولوجيا تستوطن الوعي، وتصادر استقلاليته، بعد شلّ إرادته، من خلال ذات الفكرة، عندما تفرض هيمنتها، وتعاليها بفعل قدسيتها، ورثاثة وعي المتلقي، الذي يساهم بدوره في تحصين قداسة ثغورها، وحمايتها بالانقياد، والذّب عنها على حساب حريته. فالفكرة هنا تتمثل سلطة الأب، في هذا النظام.

وثمة نقطة مهمة تتعلق بالأصول الفلسفية للتبعية ، يقول عنها الأستاذ ماجد الغرباوي: اختلفت الآراء حول الأصول الفلسفية لتبعية المرأة في هذا النظام، وثمة تفسيرات لبدايتها، جميعها تكهنات، لعدم وجود حقائق تاريخية يمكن الاستناد لها، ولا يكفي ما كشفت عنه الآثار والأبحاث الأنثربولوجية وعلم الأجناس، وأغلبها قياس الماضي على النماذج البشرية البدائية في أستراليا والأمازون وغيرهما، فهي استنتاجات تخمينية واستقراءات ناقصة، وهذا سبب تعددها. فقد أوعز أنجلس في كتابه "أصل العائلة" اضطهاد المرأة  إلى الصراع الطبقي والملكية الفردية، فيكون العامل الاقتصادي وراء هذه الظاهرة، لذا يعوّل على الاشتراكية وزوال العائلة لتحرير المرأة. والحقيقة لا دليل على تفصيلات مرحلة الأمومة، وهل حقا كانت المرأة تفرّد بالإنتاج النافع باستثناء الإنجاب ، كي تكون إحدى طبقات الصراع. وأيضا لا دليل على أن الملكية الفردية كانت سببا وحيدا لاضطهاد المرأة. فأنجلس منقاد لقبلياته في تفسير ظاهرة اضطهاد المرأة. وينقل البحث من صفته العلمية، إلى تفسير أيديولوجي، لا يقارب الحقيقة. وكان الجنس المؤثر الوحيد لتفسير الاضطهاد لدى فرويد، وشعورها بالنقص التكويني أمام الأعضاء الذكرية للرجل، فالجنس يكرّس التبعية والاضطهاد. وهذا كسابقه لا يفسّر بشكل علمي ظاهرة اضطهاد المرأة، كما أن الواقع يؤكد حقائق تتقاطع مع رؤيته الجنسية. ثم كيف يفسّر فرويد الوضع في المجتمعات الاباحية، التي تتيح للمرأة ممارسة الجنس، حدا تتحرر من سطوته، وتفتح للمرأة خيارات كبيرة لتلبية رغباتها الجنسية، فيكون الإشباع سببا في تضاؤل قيمته، ولا ينقلب إلى عامل صراع اجتماعي. وبالتالي التركيز على الجنس عاملا وحيدا مؤثرا في حياة الفرد، دون العوامل الأخرى، يضع مصداقيته العلمية  موضع الشك. وأيضا التفسير النفسي الذي يوعز اضطهادها إلى موقف نفسي وموقف تاريخي من الذكر. وبشكل عام لا يمكن لنظرية العامل الواحد تفسير هذه الظاهرة، وكل عامل من العوامل المتقدمة يؤثر نسبيا لا مطلقا فلا مبرر للتعميم. بما فيها الرؤية الماركسية التي ترى أن الجنس يعكس وضعها الاقتصادي. وكذا رؤية سيمون دي بوفوار، التي تعتقد أن دافع السيطرة اضطر أحد الأطراف للتنازل أمام صاحب الامتياز، من أجل عيش مشترك، بعيدا عن العنف.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي بأن:" جميع الآراء المتقدمة أهملت الجانب الإنساني في فهم العلاقة بينهما، ودوافع الرجل للسيطرة عليها. الرجل والمرأة كلاهما كائن بشري، له غرائزه وحاجاته الفطرية، وكلاهما يسعى لتأكيد الذات. وكل من المرأة والرجل تصارعهما قيم الخير والشر. الحب، البغض، الحسد، الأنانية، التضحية، الإيثار، وولع السيطرة... إلى غير ذلك. وهي ذاتها تشكل الخصائص الذاتية للإنسان، فثمة طبيعة خيّرة وأخرى شريرة. وهناك طبيعة جشعة في مقابل طبيعة قنوعة. ثم يأتي القلق المصيري الذي هو قلق وجودي، فيدفع باتجاه سلوك يتناسب مع حجمه. وهي باختصار مكونات الشخصية البشرية. وعندما نتوغل أعمق لتقصي حقيقة دافع اضطهاد المرأة من قبل الرجل، نجد أمامنا حب الذات الذي يصل حد الأنانية، ولو على حساب الآخر، رجلا كان أم امرأة، الحلقة الأضعف. لكن لا أجده سببا كافيا لتفسير الاضطهاد، وهناك سبب أعمق يتعلق بالطبيعة البشرية. وهذا يتطلب فهمَ العلاقة بينهما مع الأخذ بنظر الاعتبار خصائص النفس البشرية، وتجليات الروح الإنسانية التي تظلل علاقتهما، فقد عاشا معا وعمّرا الأرض معا، رغم مكابرات المنطق الذكوري. فأجد في "نرجسية الذكر" وصورة المرأة في وعيه، القائمة على ضعفها ونقصها التكويني، ما يبرر تفسير اضطهادها. إن مشكلة الذكر لا يفرق بين نوعين من الضعف، التكويني، الذي ينسبه لها ظلما وجهلا. وهناك ضعف يجلي البعد الأنثوي ويذكي رغبة الذكر فيها، ويعمّق روح المحبة، تجد فيه أسلوبا لتحريك روحه الإنسانية والتماهي معه. فجهله بها وبطبيعتها الأنثوية كان عاملا مؤثرا في تسلطه.

وبالتالي النرجسية في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي هي سبب طغيان الذكر، وتماديه، حينما يجد في المرأة تحديا لوجوده، وضعفه أمام قوة حضورها، باعتبارها مصدر وجوده فهي الأم. والطرف المنفعل في العملية الجنسية، فهي الزوجة. وشريكة حياته، فهي نده، حيث لا ند له سواها. مع هذه الحقائق ليس أمامه لصيانة نرجسيته، سوى ضبط إيقاع العلاقة على مبدأ الغلبة للقوة، في حياة تحكمها القوة وشرعة الغاب، يساعده على ذلك صورة الأنثى في وعيه، التي هي صورة مغلوطة، لكن يوجد ما يبررها، عندما يساء تفسير الضعف. فهو لا يفهم الضعف باعتباره لازما لوظيفتها النسائية، وعاطفة الأمومة، وجمال الأنثى الذي يتجلى عبر مشاعر إنسانية ورومانسية معبّرة: ابتسامة رقيقه، نظرة عاطفية حنونه، ميوعة وتغنج مقصود. أو الحنين لحضنه عندما يخفق قلبها شوقا، وتجد في حنانه ما يبدد مخاوفها، من وطأة الحياة ومصائبها، خاصة أن المعروف عن قلب المرأة لا ينشغل إلا بفرد واحد، يهمها رضاه، وإعجابه واهتمامه بها. غير أن الرجل يفسّر كل هذا تفسيرا تبريريا، ويرميها بالنقص التكويني، والضعف الوجودي، ويفرض عليها تبعيته. ويستغل هذه التبعية لإشباع نرجسيته التي تجرحها تحدياتها الوجودية، فيتحداها بتحدٍ أقوى، وهو منطق الوصايا والسيطرة ووجوب طاعتها وانقيادها له. المرأة ينتابها ضعف بحكم ما يطرأ عليها أيام طمثها وحملها وولادتها وهموم الأمومة التي يفترض عليها في أحيان كثيرة التضحية بمصالحها، لكنه لا يفهم طبيعتها البشرية، ويتشبث بتهمة النقص التكويني، ليبرر سلوكه الذكوري. ولكي يمعن في إذلالها يتهمها بالخطيئة الأولى، التي أخرجته من الجنة وأذلت كبريائه وغطرسته، ويصفها بالشهوانية التي يجب كبح جموحها، ويتخذ منها شماعة لجميع أخطائه، حيث لا تسمح له غطرسته الاعتراف بها أمامها، لتجعل منها نقطة ضعف يقوّي موقفها. والحقيقة لا فرق بين الرجل والمرأة في هذا المجال، وما توصف به المرأة يوصف به الرجل، لكنه منطق التبرير. وأما النوازع الإنسانية فواحدة، وقيم الخير والشر مغروسة في أعماقهما الإنسانية، لذا رغم اتهام الإنسان بالعنف تاريخيا، ولاستشهاده بقصة قتل قابيل لهابيل، غير أن روح التسامح دائما في مقابل العنف: (لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ). نفس طيبة مسالمة، في قبال نفس شريرة، متغطرسة.

وما يؤكد الدوافع النرجسية، التي تعني الغطرسة والتكبّر والتعالي في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي ، أنهما معا، يكافحان من أجل ديمومة الحياة، واستمرار النوع الإنساني. ولا يمكن لأحدهما التخلي عن الآخر، فضلا عن الاستغناء عنه. وكما تعامل المرأة الرجل بحنان وحب، وتفتخر بقوته وشخصيته، كذلك تفعل الروح الإنسانية في أعماق الرجل، رغم مكابرته وعدم اعترافه، لكنها حقيقة بشرية، فهو يحنو عليها ويحبها ويتفقدها، كلما اقتربت من روحه، ومن هذا المنطلق يبرر سلطويته، من باب رعايتها لا لأنها في صراع طبقي معه، ولا لأن الجنس هو سبب التوترات النفسية، ولا العوامل الاقتصادية، رغم أن كل هذا يؤثر على المزاج العام لكلاهما. لكن لا يتخلى أحدهما عن الآخر، وتجد الرجل يستميت في الدفاع عن أهله وزوجته. المشكلة حينما تشكل المرأة تحديا لذكوريته ونرجسيته وغروره من خلال ضعفه أمام ارتهانه لها. وهو ارتهان إنساني تتحكم به غرائزه البشرية، وكمالها وحكمتها وهي تمارس نشاطها أمام عينيه، وتارة يأخذ بكلامها ونصائحها دون الاعتراف لها بذلك. وهنا يأتي دور الأخلاق والدين، عندما يمنحان التضحية من خلال الأخلاق الحميدة معنى، تلين به عريكته، وتحد من سطوته. وهذ سر اختلاف تعامل الرجل مع النساء.

وعليه فحب الذات كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي ، تجلي فوقي لهذه النرجسية الغائرة في اللاشعور، وتفرضها قوته الجسدية وغروره وجشعه. وما ذكر من عوامل هي الأخرى تجليات لحب الذات. وتبقى النرجسية سببا أعمق، لذا يدفعه "قلق النرجسية" لاختباره في كل مرة يقع احتكاك بينه وبين المرأة، بل ويتصرف بدافع من هذا القلق عندما يستبيح عددا أكبر من النساء، أو يضطهدهن ويبخس أجورهن. فالمرأة أمام الرجل لا شعوريا تحدٍ مرير لنرجسيته وغطرسته. لا ينجو من ذلك حتى رجل المجتمعات الراقية، حينما تُجرح نرجسيته بتحديها من خلال قوة حضورها،  التي تشعره بالتضاؤل، فيثأر لنفسه بجرح مشاعرها. فشخصية الرجل مع المرأة مرتهن لنرجسيته التي هي جزء مقوّم لشخصيته. وإذا لم تكن من ذاتياته فهي من أخص خصائصه. فيصدق تعريفه: "الرجل كائن نرجسي"، بالحد أو الرسم. وقد فرض لنفسه حق الوصايا والتملك والتحكم بها. فكما تشكل المرِأة تحدٍ لنرجسيته هي أيضا جزءا من ملكيته، فيستشيط غضبا لمنازعته وتحديه وخيانته. ويقبل على مضض آراءها، عندما يجدها صائبة، ولا يعترف لها بفضل خوفا على تصدع نرجسيته، التي تستمد حقيقتها من قوته الجسدية وغروره وقدرته على اقتحام الطبيعة. في حين تعجز المرأة بحكم وظيفتها وتكوينها الأنثوي. وتشهد الحروب التي خاضتها المرأة عبر التاريخ، أن مساواتها مع الرجل حق بشري، وما نكوصها وضعفها إلا بسبب وظيفتها وما يترتب عليها من تعطيل لقدراتها. وهناك عوامل كثيرة لا تقل أهمية من العوامل التي ذكرتها الآراء المتقدمة، فمثلا كثرة النساء بسبب الحروب قلة الرجل، يعمد الرجل إلى إشباع رغباته بشراهة، ويراكم ثروته من خلال ضم الحريم لمتاعه.

وفيما يخص سؤال فلسفة النظام الأبوي في تربية المرأة فيقول الأستاذ ماجد الغرباوي:” بات واضحا أن صورة المرأة في وعي الرجل هي التي تحدد أساليب وطرق تربية المرأة، وفق مادة دراسية تعزز قيم العبودية، وتتناسب مع طبيعة العلاقة القائمة على التبعية والانقياد للذكر، وتكوين قناعة قائمة على الفضيلة والقيم الدينية والأخلاقية، وقيم المجتمع وعادته وتقاليده. لتكون طاعتها وانقيادها طاعة وانقيادا طوعيا، عن قناعة تامة باعتباره قدرها بحكم طبيعتها الأنثوية وتكوينها الجسدي. كما تحرص نرجسية الرجل وروح التسلط والاستبداد الثاوية في أعماقه، حجب المرأة عن كل مادة تربوية تفضي إلى تمردها على طاعة الرجل، لذا تأخر تعليمها وارتيادها المؤسسات التعليمية.

ثم يستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لقد تولى المنطق الذكوري القيمومة على شأن المرأة، واستعان بقيم الدين والقيم الاجتماعية لضبط سلوكها، وضمان طاعتها وعدم تمردها. فتجد التراث زاخرا بما يعمق روح التبعية المقدسة للرجل. وأعني بالقداسة صرامة عقوبة المرأة المتمردة على بيت الطاعة أو أي تابو يفرضه المنطق الذكوري، فتجد النصوص، بما فيها النصوص المقدسة، ترفد وعي المرأة بكل ما يقدس تبعيتها وانقيادها، حينما تفرض لطاعتها جزيل الثواب، وتعتبر تمردها وإن كان حقا خروجا على طاعة الدين، التي هي طاعة الرجل في هذه الحال. فيصبح الدين هو الرجل، والرجل هو الدين. ولهذا يهتم المجتمع الذكوري بتعليم المرأة ما يحفظ عفتها واعتكافها لخدمة زوجها وبيتها وأطفالها، ويبث روح الرعب من التمرد على طاعته ومخالفة أوامره.

إن رهانات الرجل أمام المرأة باتت محدودة في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي ، فتطور العلوم والتكنولوجيا والفتوحات العلمية والإلكترونية كما يقول، مهّدت لحضور أقوى، وأكثر فاعلية، وما عادت القوة العضلية عامل امتياز للرجل، وبات الرهان على العقل، وقدرة المرأة على التواصل مع تطور أدوات الإنتاج، واليوم بإمكان المرأة أن تمارس دور القيادة من خلال جهاز الحاسوب، وتشارك في أغلب الوظائف المجتمعية حينما تمتلك كفاءة العلم والمعرفة، ونجدها تسجل حضورا على أعلى المستويات، بعدما دحرت المنطق الذكوري بقوة حضورها وفاعليتها، واستعادت إنسانيتها وحريتها التي كبلتها عنجيهة الرجل، والمنطق الذكوري. فالرهان على العلم والمعرفة، سيضمن فتوحات أوسع للمرأة، وستفهم جيدا أن المساواة لا تعني دائما التساوي في كل شيء، وأن الفوارق، خاصة البيولوجية، تستدعي المساواة العادلة. ولا تعني المساواة أبدا اقحامها في مجالات مرهقة، من أجل إثبات صدقية المساواة، من خلال العمل اليومي.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: وهكذا حررت الحداثة المرأة من رهاب الفقر والعوز وارتهان إرادة المرأِة التي تصل حد الإهانة والازدراء بكرامتها وحيثيتها، من أجل شريك يهين حيثيتها، وكرامة عائلتها، فتضطر لكظم غيظها وغضبها، من أجل الاحتفاظ به، وعدم الاضطرار لهدر مستقبلها في ظل ظروف قاهرة لا ترعى حرمة المرأة ومكانتها. والجدير بالذكر، والذي لا يمكن تجاهل دور التطور الحضاري وقيم الحداثة السياسية والثقافية، التي فتحت آفاق التطور النسوي، كما يقول ماجد الغرباوي، من خلال نظام ديمقراطي وقيم حضارية، تؤسس لاحترام العقل والعقلانية وعدم التمييز العنصري، وتشجع على التسامح والعيش المشترك. فثمة تحولات جذرية سبقت تحرر المرأة، ينبغي العمل عليها داخل مجتمعاتها، من أجل خلق رأي عام يتعاطف مع أهداف النسوية بوعي وتفهم، لإنسانيتها واحتراما لعقلها وعقلانيتها وحكمتها، وباب وجودها في أعلى هرم السلطة في عدد من الدول، تتمناها لبلدانها التي تعاني من الاستبداد والقهر والحرمان.

إن ما تقدم لا يعفي مسؤولية المرأة في إعانة الرجل على اضطهادها وتهميشها، كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي:عندما يخذلها الوعي في فهم سيكولوجيته وعقده النفسية، الناتجة عن طبيعة مسؤولياته، التي فرضت بعضها خصائصه الجسدية. وضجره من الحياة، ومواجهته المستمرة للطبيعة وكوارثها، التي تفرض عليه صرامة القيادة وعدم التراخي مع زوجته وعائلته، وقد تطرأ ظروف يتخلى عنهم مرغما، عندما تجتاحهم أهوال العواصف والفيضانات والزلازل، أو القحط والحرمان. المرأة، يهمها اهتمام الرجل بها، وحينما لا تتفهم ظروفه، تسيء فهمه، وقد تزل قدمها، بسبب تهورها. والمرأة تعيش هوس الاعجاب والثناء، لا تفهم ما يعتري الرجل من حالات نفسية، فتؤول سلوكه على الكراهية والملل والشعور بالنقص، وقد يفضي إلى فك الشراكة الزوجية....... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال التاسع ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: يعتقد البعض أن الفلسفة النسوية تقوم على وجود وجهة نظر خاصة بالمرأة، فهي تنظر إلى الاختلاف بين الجنسين، لا باعتباره اختلافاً بيولوجياً فحسب بل يتجاوز ذلك إلى المعاني ذات الصلة بعلاقات القوى بين الجنسين، والاختلاف من وجهة النظر النسوية لا يكون أبدا مبررا للقهر، ولذا ترى النسوية أن الهدف من الإطاحة بالمركزية الذكورية هو إثبات الأنوثة بجوار الذكورة وليس إحلال الأنوثة محلها، وتطوير المؤسسات التقليدية لرفع الظلم عن المرأة بما يحقق بنية حضارية أكثر تكاملا وأكثر عدلا، وإذ كانت النسوية توصف بأنها مقاومة للنظام الأبوي ونضال لإكساب المرأة المساواة في دنيا الثقافة التي يهيمن عليها الرجل إلا أنه لا يوجد حتى الآن مشروع نسوي متفق عليه... فما هي وجهة نظر الأستاذ الغرباوي في ذلك؟

ويجيبنا ماجد الغرباوي فيقول: من الطبيعي أن لا يكون هناك مشروع نسوي متفق عليه، فالمسألة غير محسومة، بسبب تعدد وجهات النظر، والأطر النظرية التي تحكمها، والجذر الفلسفي لكل منها. وثمة اختلاف حول قيم الحداثة: ما هي حدود حرية المرأة؟ وما هي حدود المساواة بينها وبين الرجل؟

- هل المساواة ناظرة إلى الجانب البيولوجي،  فتكون منقوصة الحرية والمساواة بحكم الفوارق البايولوجية. وليس في هذا ظلم لها، مادام الأمر خارجا عن الإرادة البشرية. وهي نظرة ذكورية، تستبد بالعقل التراثي، الذي يحتكم لروايات السلف فهم المرأة، وهي روايات تعاني  نرجسية ذكورية، تنتمي لقيم العبودية والمجتمع الأبوي، وماازل الفقه أو أغلبه يرتكز لها في فتاواه، وتنعكس على فهمه للآيات.

- أم أن المساواة ناظرة إلى البعد الوظيفي فيجب أن تكون عادلة تراعي المرأة وتكوينها النفسي والجسدي؟. وهذا فهم إنساني وديني (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ). يعترف بإنسانية المرأة كاملة إسوة بإنسانية الرجل، غير أن الاختلاف يفرض العدالة، وعدم إقحامها باسم المساواة بأعمال شاقة وفق قابلياتها الجسدية أو النفسية، أو إقحامها بأعمال تمتهن كرامتها، وتهدر إنسانيتها.

- أم أن العدالة ناظرة إلى البعد الإنساني، بعيدا عن الجانب الوظيفي؟. فهي كإنسانة بغض النظر عن الفوارق البايولوجية، يستلزم من وجودها مطلق الحرية والمساواة مع الرجل، لتواصل طريق الرقي من حيث وعي الذات واستقلاليتها وكمال إنسانيتها ومساواتها معه في الحقوق والواجبات، ومديات الحرية وغيرها. أي ارتهان تطورها بحريتها ومساوتها مطلقا. حرية ومساواة تامتان.

ثم من الإشكاليات المختلف حولها أيضا: هل نطيح بالأمومة لصالح المساواة أم يمكن تداركها عبر مؤسسات خاصة؟ وهل تعني المساواة إستغناء أحدهما عن الآخر بالضرورة، أم هذا تطرف وخروج عن الطبيعة البشرية؟ وهكذا أغلب قضايا النسوية المرتهنة للتقلبات النظرية، والتأثيرات الأيديولوجية. فلا يمكن الخلاص إلى مشروع نسوي واحد.

ثم يؤكد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: برأيي لا يمكن حسم الموضوع إلا من قبل المرأة نفسها، شريطة أن لا تنطلق من عقدة المظلومية والشعور بالنقص والدونية وتحدي الرجل وسلطته، رغم مشروعية مطالبها، ورغم الاعتراف بما لحق بها من قهر وتنكيل. يجب على المرأة أولا أن تعي ذاتها وإنسانيتها واستقلاليتها، وتعي حدودها، كي تتعاطى مع مطالبها تعاطٍ موضوعي، إنساني متوازن، يأخذ بنظر الاعتبار خصائصها الوظيفية والنفسية والجسدية، بحكم أنوثتها وتكوينها النفسي والفوارق البايولوجية، التي من ضمنها فارق القوى بينها وبين الرجل. وعدم هدر قيم الأمومة، التي هي حاجة نفسية واجتماعية. شرط أن لا تتحول العلاقة الزوجية والأسرية والأمومة حائلا أمام تطلعاتها. فهناك من يدعو لإقصاء الرجل بالسحاق والمثلية الجنسية والاستغناء عن الإنجاب بأطفال الأنابين، كشرط للتمركز حول الأنثى في مقابل التمركز حول الذكر، في المجتمعات الذكورية / الأبوية، الذي هو شرط لاستقلاليتها وتأكيد ذاتها. وهذا الاتجاه يريد إحلال الأنوثة محل الذكورة، وليس وجود الأنوثة إلى جنب الذكورة، فتعمل على إقصائه لعدم وجود ما يدعو للاحتفاظ به. وهذا تفكير خطير، يمزّق النسيج الاجتماعي، وينتهى إلى انقراض الإنسان على المدى البعيد. بإمكان المرأة أن تحقق المساواة العادلة. المساواة التي تأخذ بنظر الاعتبار وظيفتها الحياتية وخصائصها الجسدية والنفسية. المساوة التي تمنح المرأة حقها بما هي امرأة، لا تريد مصادرة الرجل، ولا تكون ندا له، بل علاقة متوازنة تفرضها الحياة المشتركة للنوع الإنساني. والسؤال يعزز هذا الكلام، حيث يقول: (أن الفلسفة النسوية تقوم على وجود وجهة نظر خاصة بالمرأة، فهي تنظر إلى الاختلاف بين الجنسين، لا باعتباره اختلافا بيولوجيا فحسب بل يتجاوز ذلك إلى المعاني ذات الصلة بعلاقات القوى بين الجنسين، والاختلاف من وجهة النظر النسوية لا يكون أبدا مبررا للقهر). وبالفعل لا يقف الاختلاف عند حدود الفوارق البيولوجية التي تفرض محدداتها أيضاً، بل ثمة اختلافات أخرى، هي سبب مركزيته، وتهميشه للمرأة. اختلافات تعود لتباين ميزان القوى. منطق ذكوري، يلوّح بعضلاته وقوته، وقدرته على القمع. وامرأة أنثى رقيقة، تفتقده في حالات ضعفها. وبالفعل أيضا أن الاختلاف بين الجنسين يبرر اضطهاد المرأة وقمعها، فما عادت القوى الجسدية مقياسا للتفاضل، وحل الآن العقل بفضل التطور التقني، وباتت المرأة تحتل مواقع متقدمة بعقلها وحكمتها، مواقع لا تحتاج لقوى جسدية بقدر حاجتها لقوى عقلية، ذكية، تتمكن من توظيف التقنيات الحديثة لخدمة البشرية.

فالنسوية وفقا لهذه الفلسفة كما يرى الأستاذ ماجد الغرباوي، تهدف إلى تأكيد ذاتها ووجودها، من خلال الإطاحة بالمركزية الذكورية. وليس إحلال الأنوثة محلها، فهي تعي قيمة ثنائية الرجل / المرأة، وعدم استغناء أحدهما عن الآخر. ولا تريد إحلال الأنوثة محلها. وهذا هو معنى المساواة الإنسانية، أي تهشيم مركزية الرجل، وتطوير مؤسسات تتعهد برفع الظلم عن المرأة بما يحقق بنية حضارية أكثر تكاملا وأكثر عدلا.

ويخلص الأستاذ ماجد الغرباوي إلي أنه: يمكن تعريف مفهوم النسوية - Feminism، وفقا لمفهوم الفلسفة المعاصرة، القائمة على النقد والعقلانية: (تحرير وعي المرأة وإعادة تشكيله وفق رؤية إنسانية عادلة، ليكون موضوعها: (نقد مكونات الوعي وارتهانات تشكيله).

وهنا لابد من أن أسأل سؤالاً باعتباري محاوراً للأستاذ ماجد الغرباوي، وهي إذا كانت النسوية في الفلسفة المعاصرة تقوم على النقد والعقلانية من خلال تحرير وعي المرأة وإعادة تشكيله وفق رؤية إنسانية عادلة، فهل النسوية في رأي الأستاذ ماجد الغرباوي تعني الاعتقاد أن المرأة لا تعامل على قدم المساواة في المجتمع الذي ينظم شؤونه ويحدد أولوياته حسب رؤية الرجل واهتماماته. وتتعدد نقاط النسوية بحسب تعدد تياراتها، فمن طلب المساواة بين الجنسين في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إلى المساواة التامة على كل الأصعدة، وبعضها يدعو للتمركز حول الأنثى؟

وهنا يجيبنا ماجد الغرباوي بأنه لا يمكن ضمان مساواة مرضية للمرأة في ظل سلطة الرجل، وتفرّده بتنظيم شؤون المجتمع. المساواة الحقيقية تستدعي حضور المرأة على مسرح الحياة وتقرير مصيرها بنفسها، وهذه هي منطلقات النسوية التي تبلورت لاحقا، وعلى هذا الأساس بُذلت جهود كبيرة للتعريف بالمرأة ومنجزاتها وقوة حضورها كشخصية مستقلة. وهنا ستصطدم النسوية المسلمة بالمقدّس، المكوِّن الأساس لوعي الرجل، فثمة نصوص تكرّس سلطته، وتمنحه حق القوامة والتمادي حدَ الضرب، في مقابل نصوص تكرّس دونية المرأة مهما كانت عناوينها، حداً بات مجتمع النساء في بعض المناطق، تفتخر بتبعيتها وانقيادها وقبولها بتعدد الزوجات باعتبارها قضايا مقدسة، يجب التماهي معها، وحرمة التمرد عليها. وليس أمام النسوية المسلمة سوى تفكيك هذا التراث، والعودة إلى ركائز الكتاب الكريم القائمة على العدل والإنصاف وحقوق الإنسان العادلة، للتخلص من تبعة ثقافة ذكورية، استبدادية، تنتمي للبنية البطريركي، وعيا وثقافة، عبر قراءات نقدية تأخذ بنظر الاعتبار الظروف الزمانية والمكانية للأحكام الشرعية، ومدى فعلية موضوعاتها شرطا لفعلية أحكامها.

ويستطرد الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: النسوية لا تعني فقط الاعتقاد أن المرأة لا تعامل على قدم المساواة في المجتمع الذي ينظم شؤونه ويحدد أولوياته حسب رؤية الرجل واهتماماته. النسوية تعني ثمة شخصية مندثرة، ينبغي استعادتها، ومركزية إلى جانب مركزية الرجل يجب الاعتراف بها. يؤكده ذات التنوع الذي يكشف عن جذر إشكالي للمساواة، يرتبط بالمرجعيات الذكورية للمجتمع. وما لم يحصل انقلاب مفاهيم، ويعاد تشكيل وعي الرجل، لا يمكن انتشال المرأة من مفاهيم الدونية والنقص التكويني والحتمية البيولوجية، لتفادي الحلول المبتسرة، التي تريد الاكتفاء بمشاركة المرأة في الحياة العامة، دون استعادة وعيها وإنسانيتها. بل أعتقد لا يكفي حتى مجرد انتزاع اعتراف من الرجل بمساواتها، ما لم ترتكز تلك المفاهيم والمساواة لرؤية فكرية وفلسفية، تبعدها عن منطق المنّة والتكرّم والاستعلاء التكويني. من هنا طالما أكدت على أن تأخذ المرأة زمام الأمور، وتحدد مطلبها بنفسها، وكل ما يجري الآن، لولا جهود الحركة النسوية، هو تقديم رؤية ذكورية لمفاهيم الحرية والمساواة. فتكون متهمة بالتحيز، والاستعلاء، والتأصيل وفق نزعة ذكورية مهما كانت متعاطفة معها.

ولم يكتف الأستاذ لذلك بل يقول: لقد غادرت النسوية الفهم الأولي بحثا في أعماق بنية الوعي حتى وضعت يدها على جذر النظرة الدونية وأسبابها، التي تذهب بعضها إلى الحتمية البيولوجية، وأن المرأة خُلقت بشكل تتكيف مع وظيفتها داخل أسيجة الأسرة وأعرافها وقوانينها. وآخر يعتقد بالنقص التكويني للمرأة عقلا وحكمة، ويرفض التبريرات الثقافية. وبالتالي فثمة اختلاف جذري في فهم المساواة التي تطالب بها الاتجاهات النسوية، اختلافات قائمة على أسس فلسفية، لا تكتفي بالتفسيرات الظاهرية، وتسعى لملامسة جذر الإشكالية، لهذا تنوعت المطالبة بالمساواة بين الجنسين في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إلى المساواة التامة على كل الأصعدة، وبعضها يدعو للتمركز حول الأنثى.

وبالتالي فإن عدم المساواة في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي ليس مبررا كافيا لانتشال المرأة من واقعها المرير، والمهم اكتشاف جذر الإشكالية والفلسفة التي تتستر خلفها. فثمة رؤية فكرية وفلسفية، وطبقات وعي ينبغي الحفر في أعماقها، لتحري ذاتيات وأعراض النفس البشرية، وترصد جميع الظروف التي كرّست دونية المرأة. وما المستويات الثلاثة للمطالبين بالمساواة إلا دليل على مستوى وعي الإشكالية. فمن يطالب بالمساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا يمكنه اتنزاع الوعي الذكوري، ما لم يتم معالجته جذريا عبر ثقافة مختلفة، تقوم على أسس إنسانية، تستبعد الحتمية البيولوجية. لقد توغلت النسوية الراديكالية عميقا، فاختارت التمركز حول الأنثى، على حساب مستقبل البشرية، والحياة المشتركة، ولو أنها اختارت حلولا أكثر ملائمة للمرأة، كما فعلت النسوية الراديكالية الثقافية، لما آلت الأمور إلى الاعتراف بزواج المثليين، وشرعنة السحاق والاجهاض، وغيرها من الظواهر السلبية والمضرة في الاجتماع البشري.

على النسوية العربية والإسلامية الاستفادة من التنظير الفكري والفلسفي لاتجاهات النسوية العالمية، واختيار ما يناسبها من حلول، وهي لا تعني الترقيع بين ثقافتين، فثمة اختلاف مرجعي يفرض نفسه. فالمساواة، كما أكدت سابقا لازم وجودي مثلها مثل الحرية، حدودهما حرية ومساواة الآخرين وفق للعقد الاجتماعي، غير أن المنطق الذكوري زحف عليها وصادرها. وعليها أن تكافح من أجل ثقافة أعمق لتفهّم إشكالية المرأة، وصياغة مفاهيم للحرية والمساواة وحقوق المرأة تأخذ بنظر الاعتبار البيئة الثقافية والاجتماعية، لا بمعنى أن تتعالى بسلطتها، وتستقل بمرجعياتها الفكرية والثقافية، بل ينبغي لها الآخذ بنظر الاعتبار الوضع الثقافي والبيئة الحاضنة له في  الجانب التطبيقي، من أجل عبور سهل للأزمة في ظل مجتمعات ذكورية أبوية. ويجب أن تكون الأخلاق وحقوق الإنسان معيارا لها، دون المجتمع الذكوري، والسلطة الأبوية التي تروم المرأة أنثى على مقاساتها. وبهذا نفهم أن جميع السياقات الثقافية للمجتمع يمكن العمل على تغييرها لصالح المرأة، من خلال نقد التراث والواقع..... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثامن ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: يعد القهر الذي تتعرض له المرأة موضوعا عالميا وليس موضوعا عربيا، فكيف تقهر المرأة من وجهة نظركم؟

ويجيبنا ماجد الغرباوي فيقول: يراد بالقهر لغة: (قهَرَ يَقْهَر، قَهْرًا.. وقهَر الشّخصَ: احتقره ، تسلّط عليه بالظّلم)، وتعني اصطلاحا: "حالة نفسية سلبية تتعرض لها المرأة من جراء مواقفها أو مواقف ذكورية ظالمة". وأقصد بالحالة النفسية السلبية: "ردة فعل لا شعورية، تخلق أجواء نفسية لدى المرأة من جراء مشاعر أو سلوك أو موقف، يثير حالتها النفسية والعصبية". خاصة ما يمس كرامتها ويختزل إنسانيتها، وهي جميع موارد التهميش التي تصادر حريتها واستقلاليتها، في ظل مركزية مطلقة للرجل، وسيادة منطق ذكوري متعسف، يكرّس تبعيتها ودونيتها.

إن أساليب قهر المرأة في نظر ماجد الغرباوي متعددة؛ بعضها ذاتي يرتبط بها، وبعلاقاتها الشخصية. والآخر موضوعي، خارج عن إرادتها، فيكون الاضطهاد سببا رئيسا لقهرها وتحطيم نفسيتها. ويقصد باضطهاد المرأة: معاملتها معاملة سيئة تسلبها حريتها وحقوقها وتضعها تحت ظروف قاهرة. وهو قريب للمعنى اللغوي: (اِضْطَهَدَ خَصْمَهُ: عامَلَهُ مُعامَلَةً قاسِيَةً، أَيْ قَهَرَهُ وَجارَ عَلَيْهِ، آذاهُ). فقهر المرأة سيكون نتيجة طبيعية لاضطهادها بهذا المعنى.

وفيما يخص الأسباب الموضوعية  لقهر المرأة يبرزها الأستاذ ماجد الغرباوي علي النحو التالي:

1- الحروب والإبادة والتهجير: حيث تتعرض المرأة لظروف غير طبيعية تنعكس على نفسيتها وسلوكها، مما يتسبب في قهرها وظلمها. وقد تنعكس تبعات هذه الحالات على علاقتها بعائلتها ومجتمعها وزوجها. وتضعها أمام مسؤوليات تستنفد طاقتها،  وتقمع تطلعاتها.

2- الأنظمة السياسية: الاستبدادية والأنظمة الشمولية، التي تفرض أحكاما وقوانين، تصيب تداعياتها النساء بالقهر والظلم. سيما النساء الطموحات سياسيا. أو التي تفرض عليهن قوانين دينية متشددة، تصادر أبسط حقوقها، كإنسانة، وقد لاحظت أن المرأة التي تعيش في أجواء دينية متطرفة، تؤمن بدونيتها كقدر سماوي مقدّس، وتتماهى مع جميع الأحكام الفقهية التي تكرسها. على العكس من المرأة الواعية فإنها تعاني الاغتراب داخل هذه المجتمعات. وبهذا الاتجاه تدان الحكومات التي تحد قوانينها من حرية المرأة، ولا تمنحها حق التعليم والعمل، وتسلبها حرية الاختيار، وعدم مكافحتها لقوانين العمل التي تهضم حقوقها، وتبخس جهودها، وتمنحها أجرا أقل، مهما كانت كفاءة عملها. لا يخفى أن الفضل في تطور الحركة النسوية في الغرب يعود للدولة، ومدى إلتزامها بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، ومراعاتها لقيم الحرية والمساواة.

3- العادات والتقاليد: التي تحتقر المرأة، وتسلبها إنسانيتها، وتحرمها حق التعليم والمشاركة في الوظائف العامة. فالمرأة ترث القهر عندما تقارن بينها وبين مجايلاتها، ممن يتمتعن بحقوقهن أو أغلبها. وتعيش  حالة بؤس وحرمان، وتعاني جُرحا عميقا في ظل تقاليد، تتحكم بإرادتها، خاصة في مسألة الزواج، أو حينما تمنح بدلا عن "دية" مقتول لأهلها، فتساق لرجل لا تعرف عنه شيئا، يتعامل معها بنظرة دونية، وعالة اجتماعية فرضت عليه، فيكرس وجودها لخدمته، وتلبيت نزواته، وهذا قهر مضاعف لها. وهي حالات شائعة في مجتماعاتنا القَبلية، خاصة في حالات الزواج المبكر، والمرأة لم يكتمل رشدها، ولم تنضج بعد. يوما سألت رجلا زوج ابنته بالتاسعة: من سيقدم لهذه الطفلة حليب الصباح؟ فاتهمني بمعاداة الشريعة، والاستهزاء بسنة رسول الله.!!!!

4- المنطق الذكوري: الذي يتقوم بمركزية الرجل وهامشية المرأة. يحاصرها بتقاليد وأعراف تكرّس تبعيتها وانقيادها، لسلطة الرجل مهما كانت عنجهيته ونرجسيته وتعاليه. وفي كل هذه الحالات قهر للمرأة وظلم لحقوقها. خاصة عندما يسلبها إرادتها، ومثالها الواضح إكراه المرأة على الزواج من شخص لا تريده. أو حرمانها من آخر تحبه. العادات والتقاليد قوانين ذكورية، أخذت بنظر الاعتبار هامشية المرأة وتبعيتها للرجل، وهي ترسم خارطة علاقته مع المجتمع، ويكفي في هذا المفهوم قهرا لها، واعتداء جسيم على حقوقها وكرامتها وإنسانيتها.

5- العنف الأسري: وهو حالة شائعة لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وقلما تنجو منه المرأة، ولا تصاب بالقهر وبخيبة نفسية، تؤدي إلى انفصالها في الظروف المواتية، وتبقى مقهورة حينما تحاصرها الظروف، وتبقى أسيرة لعنف الرجل أو العنف الأسري.

6- التحرش الجنسي والاغتصاب: الذي تشعر معه بانتهاك كرامتها. بما في ذلك سلوك الزوج مع  زوجته، حينما يكرهها على ممارسة الجنس خلافا لرغبتها، فيضطر للعنف والقسوة لإشباع نزواته. وعندما يرغمها على ممارسة جنسية تهدر قيمتها كزوجة شريكة له، تشعر بامتهان ودونية، تفاقم روح الكراهية، وتعيش بسببها غربة حقيقية. وقد تثأر لنفسها، فيتفاقم العنف الأسري. وعندما تقاوم إكراهاته الجنسية يحكم عليها بالنشوز، لا أحد يتفهمها، ويحاول الاتقراب من مشاكلها، فيهجرها، ولا يمكنها التخلص من إرادته إلا بطلب الطلاق بعد التنازل عن حقوقها، بينما يمكنه الاستغناء عنها، وتبقى مرتهنة لإرادته، ويذهب يواصل حياته الزوجية مع امرأة غيرها. والأشد ألماً على المرأة الفتاوى الفقهية التي تكرّس سلطة الرجل ومركزيته، وتمنحه حق ضربها وهجرها والاستهانة بها، بتعدد زيجاته الدائمة والمؤقة بلا حدود. وأيضا الفتاوى والتشريعات التي توجب عليها طاعته، وعدم التمرّد على إرادته. إن ما يصيب المرأة بسبب فتاوى فقهية تقوم على نظرية العبودية والطاعة المطلقة، أكثر من العادات والتقاليد، بل أن الجذر الحقيقي لبعضها جذر ديني فقهي، لا فقط عادات وتقاليد قَبلية. والأدهى الفتاوى التي تبيح نكاح المرأة في التاسعة من عمرها، دون مراعاة لمشاعرها، وعدم نضوجها. وأما فتاوى جواز تفخيذ الصغيرة دون التاسعة، بل وحتى الرضيعة، ففاجعة، يندى لها جبين الإنسانية، لم يرتكبها حتى الحيوان؟، أي أبٍ وأمٍ ترضى بتفخيذ طفلتها لولا فتاوى ذكورية شهوانية، تنتمي لقيم المجتمع العبودي، الذي يستبيح المرأة دون رادع أخلاقي. لا ننسى أن الفقيه ينتمي لمجتمع ذكوري يتسيد فيه الرجل، ويتفرد بإدارة المجتمع، وليست المرأة سوى جزء من متاعه، خاضة لإرادته. بل حتى التوصيات الأخلاقية بالمرأة لا تعني تحريرها، وإنما رعايتها كي تواصل خدمتها للرجل!!.

7- زج المرأة في أجواء التطرف: في أي مجال من مجالات الحياة، باسم الحرية والمساواة أو باسم الواجب الشرعي والدعوي، أو لأي داعٍ كان، قد يعود عليها بالقهر والظلم، حينما تستفيق وتكتشف خطأ ممارساتها، وخطورة الاستدراج الذي هوى بها دون إنسانيتها، وهي تريد تحقيقها. وهذا سبب لا يمكن إدراكه إلا بوعي مستقبلي، قادر على فهم حقيقي لإشكالية المرأة.

ولا يمكن الاستهانة بالأسباب المتقدمة، ويوجد غيرها، حيث تتزايد الحالات النفسية للنساء، في جميع بؤر الحروب والكوارث والتهجير والمعاملة الاجتماعية السيئة المحكومة بثنائية الرجل / المرأة. القوة / الضعف. النجاح / الفشل. الحكمة / الغباء.

وعن الأسباب الذاتية لقهر المرأة يقول الأستاذ ماجد الغرباوي :هذه الأسباب تتعلق بالمرأة وشريكها، سواء كان زوجها أو حبيبها. يمكن الإشارة لأهمها:

أ- اللا مبالاة: تتوسم المرأة في الرجل اهتمامه بها وبجمالها... يطربها الثناء والاهتمام بشخصيتها وأنوثتها ومفاتنها. وهي طبيعة أنثوية لا علاقة لها بمستوى إنسانيتها وعقلها. واللامبالاة نكبة تقهرها وتحطم نفسيتها. المرأة كائن شفاف، يستدعي مداراة مشاعرها ورقتها، لكسبها وتفادي أي انحراف نفسي أو سلوكي. فتارة يَقهَرها زوجها حتى في حبه لها بسبب لا مبالاته وخموله أوعدم اهتمامه بملبسه ونظافته وعدم التكيف مع الأجواء الرومانسية. اللامبالاة أحد أسباب الخصام الأسري، وفتور العلاقة الزوجية، يثير الشكوك حول صدقية حب الرجل لزوجته.

ب- ضعف المرأة: تقول سيمون دي بوفوار: (رغم مطالبتها بالمساواة فإن المرأة لا تحب سوى الرجل القوي الذي يكشف ضعفها إلى جانب قوته). فثمة حالات ضعف لدى المرأة، تحتاج معها لوجود زوج، تراهن على حبه وحمايته والركون له في حالات الشدة، وعندما يتخاذل، أو يواجه ضعفها بضعف أكبر أو لا مبالاة لا مسؤولة، تصاب بالقهر واليأس، وتخيم عليها مشاعر سلبية.

ج- الثقافة الجنسية: تختلف المرأة عن الرجل في رغبتها الجسدية، فبينما يستطيع الرجل ممارسة الجنس بوقت قصير، مع أدنى مستويات الإثارة، إلا أن إثارة المرأة تتطلب وقتا كافيا، لتفجير رغبتها وشهوتها. وعندما يتخلى عنها زوجها في أوج الرغبة، تنصدم نفسيا، وتفضي إلى كراهيته، ما لم يتداركها. وهذا أحد الأسباب الرئيسة وراء المثلية الجنسية، حيث تبحث المرأة عن مثليتها التي تشبع رغباتها، وتنهي سطوة الرجل الذي يتلاعب بمشاعرها. فالثقافة الجنسية تؤثر سلبا وإيجابا على العلاقات الزوجية.

ثمة حقيقة غائبة يؤكد عليها ماجد الغرباوي وهي أن المرأة تجد في اهتمام شريكها تأكيدا لذاتها ووجدوها، ولا يخفي هاجس تأكيد الذات مع فقر المرأة لخيارات تأكيدها، عكسا للرجل الذي هو سيد المجتمع والحياة، يتمتع بفرص كبيرة لتأكيد الذات وإشباع نرجسيته وغروره. وحينما يحطم الرجل كبرياء المرأة بلا مبالاته وعدم اهتمامه، وبلاهة مشاعره، يصوب سهامه القاتلة لثقتها بنفسها، ويجعل منها امرأة مهزوزة، تبالغ في خدمة زوجها، وأمومتها، لتعويض مشاعر الاهتمام التي تفقدها. لذا تسعى دائما أن تكون أماً مثالية، لتحقيق ما تصبو له من اهتمام الآخرين، خاصة زوجها.

د- تنمّر الأنثى: مصطلح أطلقه على ردة فعل المرأة، الذي منشأه انطباع سلبي عن الرجل. فبعض النساء تعيش حالة توثّب مستمرة عندما تفسّر سلوك ومشاعر الرجل تفسيرا سلطويا، وتعتقد إما حقيقة أو وهماً، أنه يهدف من جميع مواقفه وسلوكه السيطرة على المرأة وامتلاكها، وهذا هو السبب القامع خلف موقفها المستفز الذي يصل حد التنمّر والانفعال غير المنضبط، فتعيش حالة من الكآية والقهر، دون الاعتراف بدورها في وجوده. خاصة عندما تتدهور العلاقات الأسرية، وتنعكس على علاقتها الخاصة بزوجها. وهي حالة تراكمية يفرزها التباس الوعي، بسبب ضبابية الرؤية عندما تغتال العاطفة العقلَ، ويصبح الانفعال سيد الموقف، فيتجاهل كل الأسباب الموضوعية المؤثرة. ولا معنى لتفسيرها وفقا لنظريات فرويد، أي عقدتا أوديب واليكترا. فثمة ما ينقضهما.

هـ- الوعي السلبي: وذلك أن حدود وعي الرجل للمرأة محدود، بما فيهم المثقف. وثمة أسرار في شخصية المرأة، ما لم يدركها الرجل يصيبها بالقهر والخيبة النفسية، بسبب تفسيراته الخاطئة وانطباعاته الموروثة عنها. فمثلا تذكر سيمون دي بوفوار أن المرأة عاجزة بطبيعتها عن متابعة عدة أمور في آن واحد، وتقدم تفسيرا لهذه الحالة ترتبط بنفسيتها ورغباتها. وعندما يصدر لها أوامر، تلبي بعضها، وتتراخى أو تهمل بعضها الآخر، وفي هذه الحالة يظلم الرجل المرأة عندما يفسر سلوكها بالبلادة والضعف الأنثوي، لأنها حالة طبيعية لدى المرأة. إن سعادة الشراكة الزوجية تتوقف على فهم مشترك لطبيعة الزوجين. فثمة انطباع موغل في ذكوريته، يدين شهوانية المرأة، ويسكت عن جشعه الجنسي، الذي قد يخرج عن اللياقات الإنسانية. كما ينبغي للمرأة أن تفهم ظروف الرجل، وما يمر به من حالات نفسية خلال اليوم من جراء عمله ونشاطاته، وعدم التسرع بالحكم ضده واتهامه دائما باللامبالاة...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال السابع ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: ما هي المنطلقات الفكرية في نظر الأستاذ لنسوية ما بعد الكولونيالية؟

وهنا يجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول تارة يراد بـ"ما بعد الكولونيالية" -(Postcolonialism): مرحلة تاريخية تأتي بعد مرحلة الاستعمار، فيشار لها بهذا الاعتبار. وأخرى يراد بها تقصي آثار وتداعيات الاستعمار على الثقافات والمجتمعات، التي عانت من سطوة الحكم الكولونيالي. ويمكن تعريفها أيضا: "نقد الهيمنة الإمبريالية وتداعياتها على الوعي الثقافي والاجتماعي". وهذا يتطلب، ضمن مسؤوليات النسوية، التي هي حركة وعي مجتمعي، تفكيك الخطاب الاستشراقي، ونقد مرجعياته والتمثلات التي ساهمت في تكوينه، لتحرير الثقافة النسوية من اسقاطات الثقافة الغازية. فمسؤولية نسوية ما بعد الكولونيالية ملاحقة آثار الاستعمار على الوعي الفردي والجماعي، من خلال نقد جميع المقولات والقيم الثقافية التي تأثرت بالوافد الإمبريالي، ونقد الأنساق المؤسسة التي اتخذت من الفكر الاستشراقي مرجعية لوعي ذاتها ومجتمعها. وأهمها منظومة القيم النسوية، عبر مقارنة عقلانية ترصد فارق الوعي لمفاهيم النسوية، ما قبل وما بعد الاستعمار. فمثلا تدرس لماذا راحت المرأة تستنجد بقيم الغرب لتحريرها، بينما كانت تستنجد بقيمها وتراثها؟ وما علة استلاب الوعي؟. وهل حقا أن المرأة بوضع يبرر استعمار بلادها، لتحريرها من سطوة التراث والدين والنظام الأبوي كما يدعي الخطاب الكولونيالي؟ وغير ذلك. شريطة أن يمارس النقد وفق منطلقات فكرية ومناهج عقلانية، لفرز الثقافة الإمبريالية التي تستهدف مقومات الشعوب، وتفكيك منظومتها القيمة، لترسيخ قيم بديلة، تستمرئ التهميش، مادام حول مركز الحضارة الغازية. والإبقاء على جميع القيم التي تعزز الوعي الحداثوي، وتثري قيم العقلانية، ومبادئ حقوق الإنسان العادلة.

وهنا يشير ماجد الغرباوي إلى بعض المنطلقات الفكرية التي تساهم في فهم الهيمنة الكولونيالية على بنية الوعي، وقدرته على التحرر والانعتاق من سطوة التفوق الحضاري، المتمثل بالغرب، قياسا بشرق متخلف اكتشف نفسه متأخرا، عند أول احتكاك بين الغرب والشرق، تلك الصدمة الحضارية التي أفاق على أثرها الوعي، وراح يتحرى أسباب تخلّفه وانحطاطه، فكان قدره الانقسام إلى ثلاثة إتجاهات: الأول: دعا إلى مقاطعة التراث والماضي والتخلي عن جميع قيمه الموروثة، وتمثل الغرب في لحظته التاريخية، التي بدأت بموقف سلبي وعدواني من الدين، وقيمه وأخلاقه. والثاني: ارتد سلفيا، يعيد تشكيل العقل التراثي، هدفا أساسا للخلاص من الانحطاط، وإقامة دولته الدينية. بينما راح الثالث، وهم رواد الاصلاح، يستلهم من التراث قيمه ومن الغرب فتوحاته العلمية. غير أن الجميع لم يحقق شيئا ملموسا، ومكثت الشعوب في تخلفها، فكانت أرضية خصبة لتغلغل الخطاب الكولونيالي. وكلما تقدم العلم وحقق  فتوحات حضارية جديدة، كلما اتسعت نظرة الإزدراء للدين والتراث والماضي، حدا حملوا الفكر الدين مسؤولية التخلف والانحطاط الحضاري، وغفلوا عن دور رثاثة الوعي المجتمعي والاستعمار والاستبداد وقيم النظام الأبوي وسيادة قيم العبودية، وغيرها من أساب، فالتبس الوعي، وأخفق في تحديد أسباب تخلفه، وراح يتهم بعض العادات والتقاليد كالحجاب مثلا، الذي هو تقليد اجتماعي أكثر منه ديني، لا يؤثر على استخدام العقل، ولا يعيق القيم العقلانية، غير أن سذاجة الوعي أودت بمقوماته. كما ارتهنت أصوات نسوية التطور الحضاري إلى تحرر المرأة من سطوة العادات والتقاليد.

إن المنهج النقدي لتفكيك الخطاب الكولونيالي، في نظر ماجد الغرباوي يستدعي الأمور التالية:

1- تأسيس مرجعيات نقدية تستمد صدقيتها من ثقافتها وقيمها وعقلانيتها، بعيدا عن التعصب والتحيز السلبي. وبعيدا عن وعي الذات من خلال الآخر. أو رؤية الشرق بمرايا الغرب.  وممارسة النقد من خلال تفكيك الخطاب الكولونيالي، وطرح الأسئلة الاستفزازية لفضح أهدافه الاستعمارية، وهي أهداف تكرّس مصالح الدول المعتدية. وهذا يتطلب مراجعة نقدية مستمرة، ومنهجا تفكيكيا يفضح مراوغات اللغة الإمبريالية، التي تستبعد أسئلة ملحة حول الهدف الحقيقي للاستعمار، واستخدامه للقوة المفرطة، وهيمنته على مقاليد الأمور وإحكام السيطرة على سياسة الدولة، والجهود المكثفة لتهميش الشعوب المستَعمرة، لتبقى مقموعة منبوذة تدور في فلك المركز، ومدى صدقية سياستها الكولونيالية مع مبادئ حقوق الإنسان، وحرمة الدول والشعوب الأخرى، وهي تستغل ثروات البلدان المستعمرة، وتستبيح دماء الوطنيين والأحرار. إذ سبقت الغزو الإمبريالي جهود فكرية وثقافية وأنثروبولوجية ونفسية هائلة لدراسة الشرق قبل اجتياح الدول المستَعمرة، وهي تمثلات للشرق عبر صورة منتزعة من النصوص الأدبية وأدب الرحلات التي إرتهنت صورة الشرق للعنف والجنس والهمجية وتعثر منطق العقل والعقلانية ومظلومية المرأة بفعل الدين والنظام الأبوي، كمبررات تتستر على الأهداف الحقيقية للاستعمار.

2- تهشيم الوعي المستلب، القائم على مركزية الغرب المتفوق حضاريا وتهميش الآخر المتخلف حضاريا. مركزية الأول باعتباره نموذجا حضاريا قائما على مبادئ حقوق الإنسان، والعقل والعقلانية، بعيدا عن الخرافة والسحر والابتذال الجنسي، في مقابل الآخر نموذجا للانحطاط الحضاري، مسكونا بالعنف والجنس والتخلف والخرافة والسحر. واستبدالها بوعي يستمد حقيقته من القيم الإنسانية والعقلانية معيارا للحداثة والتقدم الحضاري. إذ عمد الاستشراق إلى رسم صورة الأنا من خلال الآخر، فكان نصيبه جميع الصفات الإيجابية، المضادة للصفات السلبية التي ألحقها بالآخر /  الهامش / الشعوب المستعمَرة. وهي صورة شريرة استهدفت استفراغ الوعي من جميع مقوماته، ليعيش التبعية الطوعية. أي محاولات رسم الشرق وفق مرجيعات تخدم استراتيجيته الاستعمارية، عمد رسم صورة الغرب، كي ترى الشعوب الشرقية ذاتها من خلال الغرب لا من خلال واقعها وثقافتها. والتعرّف على الآخر / الغرب من خلال إدانة الذات. وفقا لصورة استشراقية كولونيالية تستهدف الشخصية الشرقية وتفكيك مقومات وعيها. بهذا الوعي ينبغي للنسوية التعامل مع قضاياها، التي يشكل الخطاب الكولونيالي إشكالية حقيقية لقوة هيمنته، بفعل خمسين سنة أو يزيد من الاستعمار البغيض الذي لا هم له سوى قمع الشعوب المستَعمرة، ورضوخها لمصالحه.

3- تحري الأهداف الحقيقية للاستعمار، الأبعد من الهيمنة السياسية واستغلال ثروات البلدان المستَعمَرَة، إلى أهداف تبشيرية، وأخرى ثأرية تعود لأيام الفتح الإسلامي، واندحار المسيحية أمام الإسلام. ولا يمكن الاستهانة بالتبشير باعتباره واجبا دينيا في الديانة المسيحية، وهدف الحملات الصليبية التي سبقت الاستعمار. فضعضعت ثقة الشعوب بدياناتها وعقائدها وثقافتها كان ومايزال هدفا أساسا للحملات التبشيرية التي رافقت جيوش الاستعمار، فهناك تخادم سياسي ديني بينهما. وتحرير المرأة وفق مبادئ وقيم غريبة يصب في خدمة تلك الأهداف التبشيرية والاستعمارية. وبالتالي على الحركة النسوية وعي ما وراء المعلن من الأهداف، وتحري حقيقته، ومدى انسجام دعاوى تحرير المرأة من سطوة العادات والتقاليد والثقافات الطقوسية والخرافية، والتبشير بحقوق الإنسان؟.

4- التمييز بين الإنساني والإمبريالي في تقييم الوافد الثقافي. فثمة جهود كبيرة للمستشرقين، ممن سبق الغزوات الاستعمارية ومن رافقها، في مجالات تحقيق التراث ووضع مناهج لدراسته. كما بعض الاهتمامات الإمبريالية، خاصة في مجال التعليم والصحة والإدارة، جهود إنسانية، لا تنكر قيمتها، أو التعامل معها على أساس عدوانية الكولونيالية. مما يستدعي منهجا للنقد يتقوم بوعي مجتمعي وثقافي ونفسي يساعد على فرز ذلك الواقد الثقافي.

5- عدم اللجوء إلى سياسة التلفيق التي تبناها رواد الاصلاح في بدايات النهضة العربية والإسلامية. والذي أثبت فشلة، وتأصيل ثقافة ومنهج وفق قيم عقلية وإنسانية، تنسجم مع البيئة الاجتماعية ومقوماتها الثقافية والعقدية. أي يجب على النسوية ما بعد الكولونيالية اعتماد منهج تأصيل المعرفة العلمية والعقلية والفلسفية، والاستفادة من القيم الايجابية في التراث لتعزيز قيم التسامح والاستقرار السياسي، والوقوف بوجه الخرافة والتسيب الأخلاقي.

وحول المنطلقات الفكرية لنسوية ما بعد الكولونية يجسدها ماجد الغرباوي في النقاط التالية:-

النقطة الأولي: الحرية: رغم أن الحرية قيمة وجودية للإنسان، بعيدا عن ثنائيات المنطق الذكوري. غير أن وعي الحرية يستدعي وعي الذات في استقلاليتها، وعدم ارتهانها للآخر / الذكر. بشكل يمكن للمرأة وعي حدودها الوجودية، بمعنى التحقق لا بالمعنى الأنطولوجي. وبشكل تدرك حدود الحرية والاستقلال. فثمة قدرة للهيمنة على إعادة تشكيل الوعي، وإعادة صياغة المفاهيم، وفق منطقها الذي يكرّس الانقياد والتبعية، وتصبح العبودية قيمة إيجابية تعزز مفهوم الحرية، خلافا للمنطق العقلاني. فمن جهة يعتبر – أي منطق الهيمنة - حرية المرأة تمردا وخروجا على المألوف، ومن جهة ثانية يمجّد المرأة التي تجد في وجودها امتدادا لوجود الآخر، فينقلب الاستلاب إلى فضيلة. وهذا مكمن الخطر الذي يتطلب إدراك الحقيقة، وليس كالنقد والمراجعة وطرح الأسئلة الاستفزازية أداة لاستعادة الوعي، ولازمه وعي الحرية في استقلاليتها.

والوعي الوجودي للحرية يمنح المرأة استقلالية تأبى العبودية والانقياد الأعمى، وترفض قيم المنطق الذكوري ومنطق التملك. الحرية لازم لوجودها كما هي لازم لوجود الرجل، لا منّة ولا تفضّلا من أحد، لهذا عولّت الأديان على حرية الإنسان في الثواب والعقاب، وتركت له مهمة خلافة الأرض، بمعنى الارتقاء الحضاري. وحينما تعتقد المرأة بارتهان حريتها لطرف ثانٍ، تبقى أسيرة سلطته وتعاليه، خاصة حينما تعتقد بقدسيته، فتعيش فوبيا الحرية، وتخشى المطالبة بحقوقها. وحينما تتمرد قد تعيش ردة فعل نفسية وشعور عميق بالذنب، يلازمها طول حياتها، وهذا يفسّر إصراري على وعي الذات وحدودها أولاً، كشرط أساس لاسترداد إنسانيتها، وانطلاقها لانتزاع حقوقها من المبدأ الوجود لمعنى الحرية. ولازم هذا الكلام حرية المرأة في الاعتقاد والرأي وحق التعبير عن آرائها خارج سلطة الذكر. وتكون وفقا لحريتها ملزمة بالقوانين والأنظمة من حيث الأساس، باعتبارها تعاقد ديني أو اجتماعي. فقيود الحرية لا يحددها وجودها بما هي أنثى كما يرى النظام الأبوي. وإنما اختيارها بحرية، وإذا كان الأمر متعتذرا في بداية وعيها، فهو متاح لها بعد اكتماله ونضوجه. فعندما تؤمن بدين ستكون ملزمة بتعاليمه بحريتها وإرادتها، مهما كان هامش الحرية الفعلي. وبإمكانها عدم الإيمان به، فتكون حرة من حيث الإلتزام، باستثناء ما تفرضه القيم الاجتماعية. المشكلة أن الخطاب الديني يوحي بالمنّة والتفضل بالحرية من قبل الله، ويعتبر إملاءاته الفقهية أوامر إلهية، وهو خداع، يستفيد من سلسلة العلل، فينسبها لله باعتباره الخالق وأخر العلل، ويقفز على سلسلة العلل، بينما الحقيقية أن القرآن لا ينكر تسلسل العلل، ويعترف بالقوانين والأنظمة، ويركّز على حرية الإنسان، كمبدأ يحاسب الإنسان وفقه. فالحرية لازم وجودي للمرأة. وعلى المرأة العرب إسلامية أن تعي هذه الحقيقية، وتعتبرها مرجعية لها وهي تناضل من أجل انتزاع حقوقها. الحرية إذاً ليست هبة من أحد، ولا جعل جاعلٍ، وإنما هي لازم وجودي، يجلي البعد الإنساني في الإنسان، وسلب الحرية يعود للعقد الاجتماعي أو الأنظمة الاجتماعية والسياسية المتعسفة.

النقطة الثانية : الوعي: المؤسس على القيم العقلية والمبادئ الأخلاقية والالتزام بحقوق الإنسان العادلة منطلقا فكريا لفهم الوافد الثقافي، وأداة ماضية لخلخلة الثقافة الكولونيالية، التي تعمدت زج المرأة وحقوقها كمبرر للغزو، من خلال مظلوميتها، تلك المظلومية التي رسمها الخطاب الكولونيالي، وفقا لمصالحه، وقدمها كخلاص لوضع المرأة، متخفيا عن مرجعياته، التي هي تمثلات لشرق مرتهن للجنس والعنف والحريم والنظام الأبوي ومظلومية المرأة، وهي مرجعيات تعمد توظيفها دون المسح الميداني كما يفعل داخل بلاده، حينما يريد معالجة قضية اجتماعية، بناء على أحدث مناهج الاستبيان والاحصاء. والغرب لا يؤكد على إنسانية المرأة  كمبرر لغزوه، بل أكد على مظلوميتها، وكأنها معطى نهائي، لا يطاله النقد والمراجعة. والسبب أن المظلومية توفر له مبررات التدخل الإمبريالي، بينما استعادة وعي المرأة لذاتها لا يتطلب  أكثر من برامج تثقيفية تستعيد الثقة بالنفس، وتوفير مستلزمات الوعي. وكما أن الغرب في تبني مظلومية المرأة يقارن وضع المرأة الشرقية بوضع المرأة الغربية التي اجتازت مراحل كبيرة، فثمة نظام ديمقراطي يضمن مشاركتها في الانتخابات والمناصب الحكومية، وثمة ضمان اجتماعي يحررها من تبعية الرجل / مصدر رزقها، وهناك نظام التقاعد، وهناك حرية المرأة القائمة على مبادئ وقيم الغرب، وهناك ثقافة وحواضن اجتماعية تساعدها. وقد تسبب هذا المنهج الخطير في التباس الوعي، فصارت المرأة الشرقية تطالب بحقوقها وحريتها وفقا للصورة التي رسمها الغرب عن مفهوم الحقوق والحريات، التي هي صورة تنتمي لبيئة ثقافية واجتماعية وسياسية مختلفة، حتى دعت المرأة بسبب التباس الوعي أو رثاثته، إلى مقاطعة جميع قيمها ومبادئها، ودعت إلى قطيعة تامة مع التراث ومنظومة القيم المجتمعية فضلا عن الدينية، على أمل اللحاق بالغرب وحضارته. فكان الاغتراب نصيبها داخل وطنها، إذ لا يمكن استنبات قيم أجنبية داخل بيئة مختلفة، وتعيش تشوهات في تعاطيها مع واقعها الاجتماعي والثقافي وازدراء جميع العادات والتقاليد، باعتبارها جزءا من الانحطاط والتخلف. والأشد غربتها في محاولات الاندماج بقيم الغرب في منافيها. فالمجتمعات الغربية التي تتحدث عن حقوق الإنسان ترفض استيعاب الآخر، لكن تتعايش معه على أساس مصالحها القومية، وهذا سبب نشأة الجاليات العربية والإسلامية.

ثالثاً: العقلانية: في التعاطي مع التراث وثقافة المجتمع، فالنسوية ما بعد الكولونيالية معنية بنقد الذات بقدر عنايتها بالآخر. فليس الوافد الثقافي فقط من يتطلب نقد أنساقه الثقافية، وتفكيك خطابه الكولونيالي، بل أن التراث أشد حاجة لتحري مستويات العقلانية فيه، وتوظيفها لإثراء قيم الفضيلة والعلم، بعد تخليصه من الخرافة واللامعقول والارتهان للمنطقين الأبوي والذكوري. وبالتالي أمام النسوية ما بعد الكولونيالية مهمة تأصيل منظومة قيمٍ، وفق قيمِ العقل ومبادئ حقوق الإنسان العادلة، بما فيه الفكر الديني، باعتباره مرجعية أساسية بالنسبة لمجتمعات مسكونة بالدين والغيب والتراث والحنين للماضي. بل ينبغي الارتكاز للعقلانية في تحديد مفاهيم النسوية ما بعد الكولونيالية، لتخدم الهدف الأساس من وجودها، وتحقق المرأة كامل حقوقها، من منطلقات إنسانية، فثمة فارق بين وعي استقلالية الذات باعتبارها مقوم أساس لإنسانيتها، ووعيها المرتهن لوعي الآخر. فالأولى تطالب بكامل حقوقها التي تجسد إنسانيتها، واعتبارها شريكا للرجل، وليس تابعة تدور في فلكه، بينما الثانية تطالب بحقوق مهضومة لكائن خُلق ناقصا دونيا. كما أن العقلانية ضمان لعدم انحراف النسوية عن مبادئها الإنسانية، والقيم الإنسانية للحرية ومبادئ حقوق الإنسان، فقد تسبب مجافاة العقلانية إلى ظهور نسوية متطرفة، تراهن على وجود حرية مطلقة للمرأة في إحداث نقلة حضارية وتطور مجتمعي. كما ظهرت "نسوية داعشية"، فهمت المساواة، تحمل المسؤوليات الجهادية وحمل السلاح، والقبول بكل قيم منظومة فقه الجهاد، حتى انزلقت المرأة للزنا بعنوان النكاح الجهادي". برضى وقناعة تامة بشرعية ممارساتها، وأنها تنتظر الثواب في اليوم الآخر..... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال السادس ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول : تنظر الحركات الإسلامية والناشطات والداعيات الإسلاميات بوجه عام إلي مفهوم النسوية نظرة استهجان وازدراء؛ لأنهم ينظرون إلي النسويين كعلمانيين، بينما يعتقدون في المقابل بضرورة متابعة حقوق المرأة عبر تطبيق الشرع الإسلامي بشكل كامل وشامل لكافة قضايا المجتمع بما فيها قضية المرأة فما هي وجهة نظر الأستاذ هنا؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: تعلم أن كل موقف يرتهن لمحدداته ومرجعياته الفكرية والعقدية. والسؤال عن موقف الحركات الإسلامية والدعاة المسلمين والداعيات المسلمات من النسوية، سؤال عن تلك المحددات والمرجعيات، لذا يختلف الموقف من المرأة باختلاف زاوية النظر. وعندما (تنظر الحركات الإسلامية والناشطات والداعيات الإسلاميات بوجه عام إلى مفهوم النسوية نظرة استهجان وازدراء)، فلأنها تستمد موقفها من مرجعيات تختزل المرأة وتصادر إنسانيتها وحقوقها، تحت شتى العناوين، أخطرها الدين وشريعة سيد المرسلين، وهي حدود أغلبها تنظيرات فقهية، وتأويلات ذكورية للنص الديني، غير أنها مقدسة بالنسبة للعقل التراثي، لذا دأبت الأدبيات الإسلامية، بما فيها أدبيات الحركات السياسية على التشهير بموقف الحضارة المادية وغير الدينية من المرأة، متهمة إياها بالخيانة عندما دفعت المرأة إلى متاهات الإغواء المادي والجنسي حتى فقدت كرامتها وعزتها، وباتت خطرا يهدد مستقبل البشرية. وهي أحكام قاسية، سببها مخالفة الشريعة، بغض النظر للقيمة الإنسانية التي تختزنها القيم النسوية الجديدة. والواقع خير شاهد، بينما لم تتطور المرأة المسلمة في ظلّ الحركات الإسلامية (على صعيد مجتمع أو دولة)، إلا على المستوى الشكلي. بينما تعتبر حقوق المرأة انتكاسة إنسانية في ظلّ تطبيق الشريعة على يد بعض الحركات الإسلامية كما جرى في أفغانستان وفي ظل قياد داعش وأخواتها.

بل ولم تحقق المرأة على الصعيد الإنساني في ظل الحركات الإسلامية كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي ، قياسا بما حققته في ظل مبادئ حقوق الإنسان، وما زال  وضع المرأة المسلمة كما هو قبل وبعد ظهورها، ولم يطرأ على تفكيرها ما يؤكد مصداقيتها. فلا تغيير ملموس في وضعها الفكري والثقافي والإنساني، بل انكفأت المرأة تساعد الرجل على تحجيمها، وتبديد حقوقها، بعد انقلاب تذمرها إلى قناعة راسخة تتعالى على التمرد والرفض. فلا نخطئ إذا قلنا إن الفكر الحركي كان بالنسبة للمرأة أفيونا حقيقيا فاقم مشاعر النقص والتضاؤل أمام سلطة الرجل، بعد أن أسست تلك الحركات لسلطته وأكّدت الفارق النوعي بينه وبينها في ظلّ فهم خاص للآيات والروايات. فكانت تلك النصوص سلاحا ماضيا أغرت الرجل في طغيانه واستبداده. فما زالت الأدبيات الحركية تلهج بتساوي المرأة والرجل بالواجبات في الدنيا، والمساواة بينهما يوم الجزاء، بينما تقوم بتأويل حقوقها بطريقة تسلبها إنسانيتها، وبالفعل انطلى الزيف الفكري عليها لذا بقيت المرأة، كما سابقا، في ظلّ الأعراف والتقاليد، وما زالت المرأة تأنس كونها: ناقصة، نصف إنسان، عورة، منبوذة في أيام عادتها، شيطانا مغريا، تحتاج إلى مدبّر، وصغيرة تروم قيـّما عليها، لا يجوز لها الحديث مع الرجال خوفا من إغرائهم أو فسادها، لا يحق لها مخالطة الآخرين مخافة أن تفقد شرفها وعفتها، لا يسمح لها بمجالسة الناس لأنه خلاف الأعراف والتقاليد، لا تؤتمن على دين، ولا تؤتمن على شرف، دائما في دائرة الشك والريبة، ودائما عليها أن تُثبت نقاءها وعذريتها. لا ثقة بها في أداء عمل سوى عمل البيت وحُسن تبعلها، ولا يُطمأن لها على سرّ لعدم الثقة بها. يجب أن تسير خلف زوجها، وتتعهد بتربية أطفاله وتدبير بيته، والصبر على نزقه والسكوت على فعاله. ومشاركته أحزانه دون أفراحه وملذاته. ليس لها حق مساءلته، وله حق التحقيق معها في كل شيء، لا تعرف شيئا عن سلوكه، لكن ليس لها حق الخروج من الدار إلا بإذنه. نظرتها ريبة، وابتسامتها شبهة، وضحكتها خيانة!، وتودّدها لزوجها وحبها له ضعف، لذا ليس للمرأة سوى بيتها ومن ثم قبرها، حتى أن بعض الأوساط الاجتماعية ما زالت تتباهى بالمرأة المخدّرة، وتعتبرها فضيلة لا تدانيها فضيلة، فالمرأة لا تخرج من بيتها إلا مرتين، واحدة إلى بيت زوجها وأخرى إلى قبرها. هكذا تؤسس قيمنا الاجتماعية للتخلف وتعطيل طاقات المجتمع، وتشيع الكآبة والبؤس والجهل والأمية والكبت والانحراف المستتر، وتحمل المرأة مسؤولية الخطيئة التاريخية للرجل.

ويعتقد الأستاذ ماجد الغرباوي أن الخلل الرئيس هو في وعي الإشكالية، وطريقة معالجتها. أما عن وعي الإشكالية، فإن الحركات الإسلامية كما هو التيار الإسلامي، بل والأوساط الاجتماعية التقليدية، لم تع إشكالية موضوع المرأة كما هو واقعا، وإنما حصرت نفسها في زاوية الحجاب، الذي يرتبط في أكثر تفصيلاته بالعادات والتقاليد، حتى  اختلط الأمر بين الديني والعرفي، بين الشريعة والتقاليد. وبات من الصعب على بعض الناس التمييز بينهما. ولا نبالغ أن البعض يجد في الحجاب كل مقومات الكمال، فيقيس مثلا حشمة المرأة بعدد قطع الملابس التي ترتديها، ليكون التناسب طرديا، حتى إذا بلغت درجة النقاب دخلت حصن الله الحصين، وانهالت عليها كل أوصاف الكمال والعفة والشرف، وإن لم تكن الأوصاف واقعية، أو كانت خلاف ذلك سلوكا وأخلاقا في بيتها ومع الناس، فليس الدين سوى الحياء كما يقولون.  وأيضا فإن بعض الأوساط النسوية وبعض دعاة حقوق المرأة يلخّص حقوقها في مسألة الحجاب، ويعتقد أن سبب تخلفها حجابها، وإنها لا تنال حقوقها الا بالتخلي عن الحجاب. بينما المسألة لا ربط لها بالحجاب، باعتباره أمرا وقناعة شخصية، قد يلتزم به أناس باعتباره حكما شرعيا، بينما يلتزم به آخرون باعتباره تقليدا اجتماعيا، وثالث لا يجد أي غضاضة في ذلك.

إن مسألة حقوق المرأة في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي تتوقف على الاعتراف بإنسانيتها أولا وقبل كل شيء، ومن ثم الاعتراف بحقوقها السياسية والاجتماعية في موازاة حقوق الرجل، الذي لا تختلف عنه بيولوجيا وإنما ثمّة رؤية ثقافية حجمت سلطتها واختزلت إنسانيتها. فكل الحقوق تترتب على الحق الأول، وهو: (المرأة إنسان). لذا يجب تمكين المرأة من نفسها، وإعادة ثقتها بإنسانيتها، بقدرتها على منافسة الرجل. كما يجب أيضا ضخ المجتمع بخطاب ثقافي يطيح بمنظومة التصورات الخاطئة عن المرأة وضعفها، كي يتجاوز الرجل تصوراته الخاطئة عنها ويرقى إلى مستوى الشعور بالمسؤولية تجاه حقوقها الأساسية.

وفيما يخص المرجعيات الفكرية والثقافية يقول الأستاذ ماجد الغرباوي: رغم صدقية ما تقدم لكنه لم يمس جذر الإشكالية بشكل يفضح الممنوع والمتستر عليه في الفكر الديني، تحت غطاء القداسة التي تقمع السؤال، دفاعا عن متبنياتها. وبرأيي أن النصوص التراثية وبعض النصوص الدينية كانت وراء تكريس النظرة الدونية للمرأة. خاصة أن العقل المسلم، سواء الحركي أو التراثي، كلاهما ينتمي لذات المرجعيات: التراث والنص المقدس. والأول يمثل رؤية الإنسان عبر التاريخ، وهي رؤية تراكمية، لا تتعالى على تاريخيتها، وتتأثر بجميع الظروف، والانقلابات الأيديولوجية، والتطور الفكري والعقدي، حداً لا يمكن فصل التراث عن أيديولجيته، وهو سبب تعدد وجهات النظر حول جميع القضايا باستثناء بقع تتلاقى فيها وجهات النظر على استحياء. ويكفي نظرة أولية لتقصي موقف التراث من المرأة، لتقف على حقيقة مركزية الرجل وهامشية المرأة، يؤكد ذلك حجم المرويات التي تكرّس دونية المرأة، ونقصها التكويني، وضعفها الإرادي، ومحدودية عقلها وسذاجة عقلانيتها وحكمتها. وهي الشيطان الأكبر، والخطيئة الأولى، والمتهمة بالإغراء، بل لم تكن إنسانا مستقلا، وأخرجت من الضلع الأعوج لآدم.  وظلت أوربا قرونا مشغولة هل المرأة من الإنس أم من الجن؟ رغم اتفاقهم أنها خلقت للرجل وخدمته، ووعاء لشهوته. أو أنها مخلوقة للحمل، رحم ومبيضان، مجردة من أية مشاعر إنسانية.

وقد تقدم في بعض البحوث كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي أن مركزية الرجل وهامشية المرأة، تنتمي لقيم العبودية، ولم تغادر المجتمع في العصر القَبلي، بل وحتى في العصر الإسلامي، تسربت تلك القيم، رغم ما طرأ على المرأة بعد نزول الوحي من تطور على مستوى الحقوق والواجبات. والشاهد أن أغلب النصوص التي تكرّس دونية المرأة تنتسب لعصر الخلفاء، بعضها يروى عن النبي وبعضها سلوك شخصي أو اجتماعي متعارف: (ناقصات العقول، كن من خيرهن على حذر، شاوروهن وخالفوهن) وغير ذلك من النصوص التي تمثل فجيعة العقل التراثي، وغربة المرأة في داخله. وبالتالي فإن النظرة الدونية للمرأة راهنا، ونظرة الحركات الإسلامية والدعاة والداعيات، تنتمي لقيم العبودية، بل وقامت بشرعنتها، وتأصيلها قرآنيا. وبات تجاوز النظرة التراثية تجاوزا لقيم الدين وحدود الشريعة، ومخالفة لكتاب الله. وهو حد الكفر بالله. فالنظرة القاصرة للمرأة اليوم تكتسب شرعيتها من الدين، وتحتمي بأحكام الشريعة، وتحافظ على زخمها من خلال تبنيها من قبل المسلمين أنفسهم. ونخلص أن التراث رغم كل التحولات في بعض قيمه غير أن بعضها الذي ينتمي لقيم العبودية والقيم القبَلية، حافظ على فعليته مستترا بالدين والنص الديني، ومستفيدا من رثاثة الوعي وانحطاطه.

وحول القرآن.. قراءة مغايرة يقول الأستاذ ماجد الغرباوي:  لكن ماذا عن القرآن، المصدر الأول للتشريع، ونبع المفاهيم والقيم الأخلاقية والإنسانية؟ كيف تعامل مع إنسانية المرأة؟ وهو سؤال يتطلب التأني من خلال تحليل النص، سواء الدلالات المباشرة أو الغير مباشرة. أما الأول، فلا خلاف حول الصريح منها، وأيضا طرح المجمل، غير أن توقف تفسير الظاهر من النصوص، وهو غير الصريح والمجمل، على القرائن الحالية والمقالية، سمح باختلاف تفسيره تبعا لاختلاف قبليات المفسّر، حداً حجبت النصوص الثانوية النص القرآني، وغدت مصدرا للتشريع، رغم بشريتها وتاثرها بأيديولوجيتها وقبلياتها. وهذه التفسيرات خضعت لقوانين العبودية، القائمة على مركزية الذكر وهامشية الأنثى، فهي ضمن المقولات التأسيسة لبنية الوعي البشري، التي ترسو مبكرا لا شعوريا، من خلال التلقي المباشر والتربية والإيحاء، وما تتضمنه العادات والتقاليد. فالقرآن لم ينص على دونية المرأة، ولم يتحدث عن ثنائية النوع الإنساني، إلا من خلال الجانب الوظيفي، فتارة يشرع لكليهما، وأخرى يخصها بحكم تكوينها البايلوجي واختلاف الوظيفة الحياتية. غير أن المفسّر / الفقيه هو الذي يقولّه، من وحي قبلياته المرتهنة لقوانين العبودية. فمثلا عندما تقول الآية: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، ينصرف ذهن الفقيه إلى الرجل. رغم أن الآية لم تصرّح. وقد بينت هذا عند تفسير الآية. وأيضا: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)، تجد الفقيه يتفنن في تفسير الأفضلية ويمنح الرجل خصائص يتفوق بها على المرأة، رغم أن الآية قد بينت شروط القوّام ضمنا، وبيان تفسيرها ودلالاتها قد مرَّ مفصلا في كتاب" المرأة والقرآن.

كما أن الفقيه كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي يتمسك بالإطلاق الأحوالي والأزمان لآيات الأحكام، ويصر على تطبيقها، مهما تغير الموضوع، "حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة"، ويجهل الفقيه أن موضوعات الأحكام تؤخذ على نحو القضية الحقيقية وليست الخارجية، أي القضية التي تتوقف فعلية أحكامها على فعلية موضوعاتها. كما بالنسبة لحكم الحج: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلً)، فلا يكون الحج واجبا فعلا ما لم يكن الشخص مستطيعا، فمتى استطاع وجب عليه الحج ضمن شروطه المعروفة. وأحكام المرأة من هذا القبيل، فالمرأة الآن تختلف عنها في زمن الوحي، وقد اختلفت الظروف التي اقتضت تشريع أحكامها.

إن المرأة كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي ليست مجرد كائن جسدي، بل تقاس بثقافتها ووعيها ورجاحة عقلها وحكمتها، وهذه القضايا تؤثر في الحكم الشرعي. وإلا ما الفرق بين المرأة الحرة والمرأة الأَمة جسديا وعقليا سوى أن الأولى حرة، وحرية الثانية بيد سيدها، لكنهما اختلفا حكما وتشريعا، فمثلا حكم تعزيرها نصف حكم المرأة الحرة. وهكذا بين الشخص المؤمن والكافر، فكلاهما كائن بشري، لكن أحكام المؤمن تختلف عن أحكام الكافر، باعتبار الكفر عقيدة وثقافة وفكر تترتب عليها أحكام شرعية. وكذا المرأة، فقد طوت مرحلة التهميش، وبات حضورها أقوى من الرجل أحيانا. لكن الفقيه لا يفهم هذه الحيثيات، ويصر على تطبيق الأحكام الشرعية، كما صدرت، بغض النظر عن تغيّر موضوعاتها.

وحول الوحي والتأويل يقول الأستاذ ماجد الغرباوي: يعود ثراء النص إلى إلى ثراء دلالته، وإمكانيات تاويله، فيما يضمره ويستبعده، من خلال تقنيات اللغة وقدرتها على توظيف المجاز والتورية. كما تلعب قداسته دورا كبيرا في توجيه فهم النص، بحكم سلطتها وهيمنتها، حداّ يستبعد المتلقي كل ما يتقاطع معها، ويغفل عن كثير من الدلالات التي يمكن استدعاؤها لولا قداسة النص. وعندما نقرأ الآيات التالية، نقف عند إيحاءاتها الغير مباشرة، وحجم رهاناتها على قبليات المتلقي:

- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى) .

- (لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى).

- (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى)

- (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ) .

- (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ).

- (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ)

في جميع هذه الآيات يقول الأستاذ ماجد الغرباوي يتقدم الذكر على الأنثى، فيوحي بتقدمه لا شعوريا، مما ينعش نرجسيته، ويكرّس دونية المرأة لا شعوريا أيضا، حداً تتلاشى استقلاليتها ويؤثر على وعيها لذاتها، فتجد نفسها دائما خلف الرجل، وهذا يشبه حديثي المتقدم عن وعي الفرد في نظام العبودية، حيث لا يمكنه وعي الذات مستقلة عن سيدها. وهكذا بالنسبة للمرأة التي تجد قدسية في هذا النوع من الوعي. والغريب لم يقدم القرآن الأنثى على الذكر في آياته، بل دائما ثمة تقدم موحي بدلالاته، يذعن له الجميع.

ويبقى السؤال عن السبب الحقيقي وراء هذه الظاهرة كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي، وهو ما علاقة الوحي بها؟ وهنا إما أن يكون النبي مجرد واسطة في نقل الرسالة، فالخطاب هنا خطاب إلهي، يترتب عليه قدسية المنطق الذكوري. وإما إذا كان فهم الوحي ولغته فهما ولغة بشريا فهنا تلعب ثقافة النبي وقبلياته دورا في فهمه وتأويله، فيكون الوحي إلهيا، وفهمه وتأويله بشريا، كما يذهب لذلك حامد نصر أبو زيد: (أن النص منذ لحظة نزوله الأولى، أي مع قراءة النبي محمد، له لحظة الوحي، تحول من كونه "نصاً إلهيًا" وصار فهمًا "نصا إنسانيًا" لأنه تحول من التنزيل إلى التأويل). وقبلياته تستمد وجودها من ثقافته، وهي ثقافة الوسط المكي، القائمة على مركزية الذكر وهامشية المرأة.

ويخلص الأستاذ ماجد الغرباوي بأن مرجعيات الحركات الإسلامية، سواء التراث أو النص الديني، هي وراء منطق تكريس دونية المرأة، ومعاداة النسوية الداعية الى تحرير وعي المرأة، واستعادة حيثيتها الإنسانية، كي تواصل حياتها من خلال استقلاليتها بعيدا عن عقدة المظلومية والانكسار.... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط