 تنوير وإصلاح

تـجـــديــــد الـخــطـاب الــديـنـي

hasan zayedتردد كثيراً في الأونة الأخيرة، علي ألسنة العديد من المفكرين والمنظرين ورجال الإعلام والصحافة، مصطلح: "تجديد الخطاب الديني". دون أن يوضح لنا أحد ماهية هذا المصطلح، وماذا يعني في مفهوم المتلقي له؟. هل يعني ذلك أن الخطاب الديني قديم، ولم يعد يتواكب مع العصر، فلزم تجديده؟. وهل يشتمل ذلك الخطاب علي القرآن الكريم والسنة المطهرة أم أنهما خارج سياق الخطاب الديني فلا يشتمل التجديد عليهما؟. الأمر ينطوي علي قدر هائل من الإلتباس والتشوش الذهني . وهنا ينقسم الناس إلي ثلاثة أصناف:

صنف يرتمي في أحضان الخطاب الديني القائم دون طلب للتجديد، ويعلقها في رقبة عالم ويمضي، طلباً للراحة والدعة التي تصبوا إليها النفس، دون الدخول في متاعب البحث، ومكابدة الفهم، ومشاق التنفيذ لمتطلبات هذا الفهم . وصنف يلتبس عليه فهم هذا الخطاب، ويجد خصومة بينه وبين العصر الذي يعيش فيه، فيجد أنه من الأيسر عليه تطليق هذا الخطاب طلاقاً بائناً، فيبني بينه وبين هذا الخطاب حاجزاً، بل وقد تتطور العلاقة بينهما إلي عداوة لها تبعاتها فيما بعد .

والصنف الثالث هو الصنف الذي استقل بنفسه في فهم الدين بعيداً عن الأدوات اللازمة لضبط الفهم وفقاً للأسس العلمية المتعارف عليها، وكَوَّن لنفسه فهماً خاصاً، تصور أنه الفهم الصحيح، وما دونه باطل وقبض الريح، ومن هنا جاء فريق الجماعات المتطرفة التي نشأت في المجتمع، ونَمَتْ وترعرعت، وأثمرت الحنظل الذي يتجرعه المجتمع إرهاباً . ووجدنا نماذج بشرية معاصرة قد استدعت نماذج تاريخية من عصور غابرة لتعيش بها في العصر الحديث، وتسعي لفرض هذه النماذج علي مجتمعاتها باعتبار أن هذه النماذج هي الدين الإسلامي، وما عداها يعد كفراً وجاهلية وزندقة . وهو كلام علي خلاف الحقيقة، لأن الإسلام لم يأت ليقف بالبشرية عند القرن الأول فكراً وسلوكاً، وإنما جاء لكل العصور، حتي قيام الساعة، وعلي الخطاب الديني أن يسعي للبحث في الدين الإسلامي ليجد فيه بذور الإسلام التي تصلح لهذا العصر، فيجري بذرها حتي تنبت، وتنموا، وتترعرع، وتؤتي ثمارها إنساناً مسلماً ابناً لهذا العصر. والإشكالية بالنسبة للإنسان المسلم المعاصر تتمثل في فكرة غاية في البساطة دون تعقيد، هذه الفكرة هي رغبة المسلم أن يعيش مسلماً، وأن يعيش عصره، دون أي تناقض أو تعارض، مسلماً غير منقوص الإسلام، وألا يُحْرَم من العيش في عصره، والتمتع بما فيه في آن واحد . والخطاب الديني هنا يقف عائقاً بين المسلم وعصره، لأن هذا الخطاب موروث من عصور سابقة، وهو فهم رجالات الفكر في كل عصر للنص الديني فهماً يتواكب مع روح وطبيعة هذا العصر الذي يعيشون فيه . وبالتالي فإن استدعاء هذا الخطاب، وتقديسه، ومحاولة إلباس العصر إياه، هو ظلم بيِّن للعصر الحالي، وكذا ظلم لهذا الخطاب، لأن الجمع بينهما فيه من التعسف ما فيه، وفيه ظلم للإسلام وإساءة بالغة له . حتي محاولات بعض المفكرين المحسوبين علي الفكر الإسلامي إدماج الإسلام في العصر الحالي، كانت محاولات بائسة، لأنها قد أخذت منتجات الفكر الغربي، بدعوي أنها بضاعتنا التي ردت إلينا، وصبها في قوالب اسلامية، ويجهد نفسه في الإستدلال علي صحة ما ذهب إليه ، فظهرت كتابات مثل الإقتصاد الإسلامي، وعلم النفس الإسلامي، والمحاسبة الإسلامية ، وهكذا . وقد وضعنا أنفسنا في حالة خصومة مع منتجات الفكر الإنساني، وكأنه قد حرم علينا الإستفادة من هذا الفكر . بل إن التناقض قد ظهر جلياً حتي في السلوك، فتجد الرجل يرتدي جلباباً قصيراً، وبنطالاً، ولحيته متدلية علي صدره، والسواك في يده، والهاتف النقال في يده الأخري، ويغطي شعره بقماشة بيضاء، ثم يقود سيارته إلي المطار، لأنه سيركب الطائرة، ذاهباً إلي حج بيت الله الحرام .وللخروج من هذا التناقض، وهذه الإزدواجية، لابد من تجديد الخطاب الديني . والخطاب الديني كما نفهمه هو فهمك للدين علي ضوء معطيات العصر، بما يضمن وجود الإنسان المسلم المتصالح مع عصره، والمشارك فيه بفاعلية وكفاء، دون أن يشعر أنه كافر أو زنديق، وبذات القدر دون أن يشعر أنه جاهل أومتخلف، يكسب الآخرة، ولا ينسي نصيبه من الدنيا . فهل هناك من هو مؤهلاً للقيام بهذا الدور؟ . المسألة في غاية البساطة أن تكون مسلماً يعيش عصره .

حــســـــــن زايــــــــــد

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2978 المصادف: 2014-10-31 22:43:29