 تجديد وتنوير

فوبيا ضياع الهوية يضيّع التفكيرَ الفلسفي

abduljabar alrifaiتتجلى وظيفةُ الفلسفة في حماية العقل من أن تبدّده الأوهام، وتسكنه الخرافات، وما تفضي اليه من تشوهات في رؤية العالم. ولعل من أهم ما نترقبه اليوم من الفلسفة في مجتمعات عالم الاسلام أن تكتشف خارطة ما هو دنيوي وما هو مقدس، وترسم الحدودَ الخاصة بكلّ منهما، وتبين المجالات التي يتحقق فيها الدنيوي، والمجالات التي يتحقق فيها المقدّس، والآثار الناجمة عن اختلاطهما واجتياح أحدهما للآخر، فلو ابتلع المقدسُ الدنيوي يحتجب العقلُ ويدخل في حالة سبات، ويضيع الانسانُ في ظلمات بعضُها فوق بعض، ولو ابتلع الدنيوي المقدسَ تحتجب الروحُ وتدخل في حالة سبات، ويضيع الانسانُ في القلق واللامعنى.

لكن "فوبيا ضياع الهوية" والحنين حدّ الشغف بالماضي يضيّع التفكيرَ الفلسفي، لأن هذا الخوف وذلك الحنين يفضيان للمزيد من الغرق في مشاغل التراث والغرق في مداراته، وتقليد القدماء في كل شيء، ومع التقليد يكفّ العقلُ عن أن يكون عقلاً، ويكفّ التفكيرُ عن أن يكون تفكيراً.

من يريد أن ينتمي للعصر خيارُه واضح، و من يريد أن ينتمي للماضي خيارُه واضح. أما إسقاط كل ما يغوينا ونتمناه اليوم على نصوصِنا الدينية وتراثِنا البعيد والقريب فهو ضرب من ضياع العقل واضطراب التفكير.

 لا تحديثَ من دون تفكير فلسفي يخترق كلَّ الأسوار التاريخية للعقل، ويتحرّر من أية إسقاطات لاهوتية، وأنساق راسخة تقلّد الماضي كما هو. التفكير الفلسفي الذي يخرج من أسوار العقل التاريخية يهزم ممانعةَ التقليد، ويكفل إنتاجَ رؤية تواكب صيرورةَ العالم، ويفكّر في آفاق الغد أكثر مما يفكّر في استئناف الماضي، ذلك ان نموذجه الملهم يترقب أن ينبثق في صورة الغد، لا أن يتكرر في صورة الماضي. يعتقد هيغل: "ان ما يميز الحداثة: انها مرحلة تاريخية جديدة، لا تبحث عن أصول لها في حقب سابقة مثلما فعل فكر النهضة، ولا تربط نفسها بأي حادثة سابقة تجد فيها ما يبرر وجودها، بل تأخذ الأحداث الحاضرة على انها نقطة الانطلاق، التي ينظر بها إلى كل من الماضي والمستقبل".

أخشى على عقول التلامذة من الاضطراب والتذبذب والتلبيس في تلقي وفهم الفلسفة والعلوم الانسانية الحديثة الغربية، عندما نصرّ على تعليمهم الفلسفةَ والعلومَ الانسانية الحديثة الغربية عبر قوالب وأوعية مقولات وكتابات مفكري الاسلام. الفلسفةَ والعلوم الانسانية الحديثة تتحدث لغةً لا تنتمي لأفكار ماضينا وأكثر ما يتحدث به حاضرنا.

أيّ ضرب من التبسيط في التعاطي مع الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة لهو تواطؤٌ مع الجهل. تعلّمُ الفلسفة والمعارف والعلوم يتطلب الدخولَ من أبوابها، فلا يمكن أن تكون طبيبياً بمطالعة عشوائية للمقررات التعليمية في كلية الطب، وإن طالعت ألف كتاب مرجعي في الطب، وهكذا لا يمكن أن تصبح متخصصاً في الفارابي وابن سينا وابن رشد وملا صدرا، وكانط أو هيغل أو هوسرل أو هيدغر بمطالعات عشوائية لكتاباتهم.

 لو اعطينا الفلسفةَ كلَّ عمرنا لا تعطينا إلّا بعضَها. استغرق كانط 12 سنة فى كتابة "نقد العقل المحض". يصف موسى مندلسون أحد زملاء كانط هذا الكتاب بأنه: "عمل موتر للاعصاب". وقد كتب كانط  إلى موسى مندلسون في 16 أغسطس 1783 يقول: مع أن الكتاب "ثمرة تأمل شغلني على الأقل اثني عشر عاماً، فإنني أكملته بأقصى سرعة في أربعة أشهر أو خمسة، باذلاً أبلغ العناية بمحتوياته، ولكن دون اهتمام يذكر بالعرض أو بتيسير فهمه للقارئ وهو قرار لم أندم عليه قط، وإلا فلو تباطأت وحاولت صياغته في شكل أكثر شعبية لما اكتمل العمل إطلاقاً في أغلب الظن".

الفلسفةُ الغربية، والألمانية منها خاصة منذ كانط، دقيقةٌ، شديدةُ التركيب، حتى إن بدت بسيطةً فهي بالغة العمق، وربما الغموض، لا تبوح بأسرارها بقراءة عابرة، أو نظرة عاجلة، بل يتطلب الفهمُ والاستيعاب الدقيق لأحد اتجاهاتها سنوات طويلة من الدراسة على يد متخصصين خبراء، والكثير من المطالعات المتبصرة والنقاشات الصبورة.

التباس فهم الاسلاميين لهذه الفلسفة يعود إلى أنها تنتمي إلى عالم مفاهيم مفارق لعالم مفاهيم الفضاء المعرفي لعالمنا. هذه الفلسفة ولدت في سياقات فلسفية ولاهوتية أخرى، تفكر خارج أسوار المنطق الأرسطي الذي يفكّر فيه مفكرونا، وتتحدث لغة خارج مواضعات لغة فلاسفة الاسلام ولاهوته. يقول د. مهدي حائري يزدي، وهو يتحدث عن دراسته وتدريسه للفلسفة الغربية في كندا، وبيان موقفه الايجابي منها: "من يقتصر على دراسة واحدة من الفلسفتين، لن يفهم الأخرى؛ لأنهما موضوعان منفصلان، فلو درس الطالبُ الفلسفةَ الإسلامية ووفّاها حقَّها، من دون أن يطّلع على الفلسفة الغربية اطلاعاً منظّماً دقيقاً، لم يفهم كنهَ الفلسفة الغربية، والعكس صحيح أيضاً. مثال ذلك ترجمات أعمال كانط إلى الفارسية والعربية، التي أعتقد أنه حتّى حبراً كالعلامة الطباطبائي لن يستطيع تكوين فكرة جليّة عن فلسفة كانط من هذه الترجمات، ناهيك عن الأشخاص العاديين"1 .

ربما يتعذر فهمُ الفلسفة الغربية الحديثة بعقلية أرسطية، وهو ما سقطت فيه محاولاتُ فهم جماعة من دارسي هذه الفلسفة ممن تعلموا المنطق الأرسطي وتشبع وعيُهم في مدارات براهينه وأشكال قياساته، وتمرّسوا في استعمال أدواته في محاججاتهم الفلسفية والكلامية والفقهية والأصولية. لأن كلَّ محاولة للفهم تفكر في إطار معرفي لا ينتمي لعالم مفاهيم الفلسفة الغربية الحديثة سيفضي فهمها إلى نتائجَ تفرضها مقدماتُ براهين وأشكالُ قياسات المنطق الأرسطي. 

 يحدّثنا د. إمام عبدالفتاح إمام، عن تجربته مع هيغل، وهو أبرز متخصص في فلسفة هيغل ومترجم الكثير من أعماله وما كتب عن فلسفته للعربية، انه بعد أن تخرّج ونال شهادة الليسانس فلسفة قرّر أن يدرس في الماجستير الجدلَ في فلسفة هيغل، لكن تعذّر عليه فهمَه لعامين متواصلين، ويفصح هو عن السبب في ذلك بقوله: (هكذا بدأت أدرس هيغل، فبدأت أجمع مؤلفاته من ثلاثة مصادر: المكتبات، مكتبة جامعة القاهرة وعين شمس. الزملاء من الخارج. وشراء ما أجده. وأدرس اللغة الألمانية. كان أول كتاب عثرت عليه هو: "ظاهريات الروح". شرعت أقرأ نصوص هيغل لمدة عامين دون أن أفهم شيئاً، فلجأت إلى التفسيرات والشروح، لكني لم أتقدّم خطوة واحدة. ولم تكن صعوبةُ الفهم راجعةً إلى وعورةِ المصطلحات، وهي وعرة فعلاً، ولا الى صعوبةِ الفلسفة الهيغلية، وهي صعبة فعلاً، ولا إلى اللغة، وإنما كانت تعود إلى عامل لم أتبينه بوضوح إلا بعد فترة طويلة، وهو أنني أقدمت على قراءة هذا الفيلسوف بعقلية أرسطية. بمعني أنني كنت أفهم جميعَ المصطلحات الفلسفية التي استخدمها هيغل على نحو ما فهمها المعلّم الأول، ومعاجمنا الفلسفية مدينة للفلسفة اليونانية، ولأرسطو خصوصا، بالشيء الكثير).

 أسوأ تزوير للفلسفة أن يُستعمَل اسمُ الفلسفة ضد الفلسفة، وأسوأ تشويه للعقل أن يُستعمَل اسمُ العقل ضد العقل. مثلما ان أسوأَ انتهاك لقيم السماء والأرض أن يُستعمَل: اسمُ الله ضد الله، واسمُ الأخلاق ضد الأخلاق، واسمُ القانون ضد القانون، واسمُ الحرية ضد الحرية، واسمُ الدولة ضد الدولة، واسمُ الوطنية ضد الوطن.

تجاوز الحدود أنتج الكثيرَ من مشكلات حياتنا. لا يمكن الوثوق بخارطة طريق لبناء دولة وتطور مجتمع: لا يعرف الدينُ فيها حدودَه، ولا تعرف الفلسفةُ فيها حدودَها، ولا يعرف العلمُ فيها حدودَه، ولا تعرف الأسطورةُ فيها حدودَها، ولا يعرف الفنُ فيها حدودَه، ولا تعرف الدولةُ فيها حدودَها، ولا تعرف السياسةُ فيها حدودَها... الخ.

 

عبدالجبار الرفاعي

..............

مقطع من حوار مطول معه سينشر في ملف خاص بنقد الفلسفة الاسلامية يصدر في عدد قادم لمجلة قضايا اسلامية معاصرة. مع العلم ان مهدي حائري يزدي حاصل على درجة الدكتوراه في المنطق الرياضي من كندا، وكان أستاذاً لكتاب الأسفار الأربعة لملا صدرا الشيرازي في حوزة قم، وأستاذاً للدراسات العليا في كلية الالهيات والمعارف الاسلامية بجامعة طهران. وحاصل على اجازة بالاجتهاد من المرجع الشهير السيد حسين البروجردي في حوزة قم، قبل أكثر من نصف قرن.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

(أسوأ تزوير للفلسفة أن يُستعمَل اسمُ الفلسفة ضد الفلسفة، وأسوأ تشويه للعقل أن يُستعمَل اسمُ العقل ضد العقل. مثلما ان أسوأَ انتهاك لقيم السماء والأرض أن يُستعمَل: اسمُ الله ضد الله، واسمُ الأخلاق ضد الأخلاق، واسمُ القانون ضد القانون، واسمُ الحرية ضد الحرية، واسمُ الدولة ضد الدولة، واسمُ الوطنية ضد الوطن.) كلام وعبارات الدكتور الرفاعي تعبر عن معاناة ومشاعر موجعة وملتهبة لتجربة فلسفية وفكرية ذاتية بصبغة روحية وعرفانية عالية استمرت لسنوات طويلة ولا يزال يكشف عن تلك الاسرار الموجعة لتصحيح مسارات معرفية وفكرية وثقافية مر بها الرفاعي في تجربته وعرضها على القاريء والمتلقي الكريم ليقف على أرض صلبة متينة ينطلق منها لبناء افقه الفكري والمعرفي، ان الرفاعي في كتاباته يقدم لنا دروساً كبيرة في الحياة والفلسفة وطرق التفكير التي نحتاجها في حياتنا وممارساتنا العلمية والعملية...شكراً لك دكتور لاثارة تلك القضايا الفلسفية المهمة ولرونق الموضوع وتجلياتك الفكرية والروحية.
د. رائد جبار كاظم

د. رائد جبار كاظم
This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق العزيز د. رائد، ألف شكر لمطالعتك المقال، تبوح كلماتي هنا بمتاعبنا وأحلامنا معا، من أجل تفكير فلسفي يواكب ايقاع عالمنا السريع التحول والشديد الالتباس.

عبدالجبار الرفاعي
This comment was minimized by the moderator on the site

توهم التفكير
خارج أسوار المنطق الأرسطي
""نحن لسنا معنييين بالرد على كل من قال قولا، أو فكر فكرة، بل معنيون بمن قال قولا برهانياً "
المعلم الأول أرسطو

في الحقيقة إنّ الالتزام بهذا القول الحكيم، في زماننا هذا، قد أصبح من أصعب الأمورعلى قلب الإنسان وضميره العلمي، حيث أضحت الأقاويل غير البرهانية شائعة في كل مكان في مراكزنا، ومنتدياتنا العلمية، سواء الأكاديمية منها أو الدينية، بعد أن فقدت الأمة مناعتها الفكرية، وأضحى لهذه الأفكار من المعجبين، بل من الأتباع والأنصار مايفوق الحصر، ممن يؤمن بها، ويروج لها، ويدافع عنها...الأمر الذي صعّب علينا الالتزام بمثل هذه الحكمة الراقية، لاسيما إذا تطرق الأمر إلى تحريف وتشويه منطق العقل والفطرة الإنسانية، المعروف في الغرب بمنطق أرسطو، بناء على نظرتهم التاريخية السطحية للعلوم العقلية والإنسانية، ونزعتهم الشديدة إلى شخصنة كل فكر، وكل قيمة إنسانية، واختزالها في الأشخاص، حتى أضحت المبادئ والقيم الإنسانية كشعارات الأحزاب السياسية، الأمر الذي حط من قيمتها العلمية، هذا المنطق العقلي الذي أنقذ العلم والمعرفة الإنسانية، وقطع دابر الشك والسفسطة، وفتح أبواب التعليم في المدرسة.
أقول هذا الكلام، وأنا في صدد التعليق على كلام أحد كبار المفكرين العرب، والذي أكن له كل المحبة والاحترام، وربما أشاركه في بعض أفكاره الإنسانية، لاسيما في مواجهة التعصب والتطرف الديني، والسعي للبقاء على نهج الاعتدال ....ولكن كل هذا لايمنعنا من النقد العلمي الموضوعي، لبعض آرائه وأفكاره، لاسيما إذا تجاوزت حدود الضوابط العلمية والمنطقية، أو كان لها آثار سلبية على الساحة الثقافية من وجهة نظرى ، هذا مع علمي بحلمه وسعة صدره للنقد البنّاء.
فقد اتفق أن نبهني بعض الأصدقاء الأعزاء لمقالة تحت عنوان " فوبيا ضياع الهوية"، كان قد كتبها الدكتورعلى بعض نوافذه الإعلامية على الانترنيت، وطلب مني هذا الصديق مطالعتها، والتعليق عليها....وقد كنت مترددا في بداية الأمر؛ لأنني غير معتاد على هذا الأسلوب من التعليق على المقالات الشخصية، وأؤثر غالبا العمل على تأصيل القواعد والأصول الفكرية العقلية بنحوعام وبرهاني، بعيدا عن القيل والقال، والجدالات العقيمة....هذا مع كثرة همومي وانشغالاتي.
ولكن مع إصرارالأصدقاء من جهة، وشعوري بالمسؤلية العلمية من جهة أخرى، لاسيما مع شيوع هذا الأفكار المخالفة والمشوهة للمنطق العقلي ألأرسطي، قررت أن أقوم بتعليق مختصرعلى هذه المقالة؛ من أجل وضع الأمور في نصابها الصحيح.
أقول: ماأشار إليه الدكتور في مقالته عن تقادم المنطق الأرسطي، ليس بالأمر الجديد، بل هو مجرد انعكاس لما يردد منذ قرون مديدة في الغرب.
وللأسف الشديد، فإنّ هذا هو قدَر أغلب مفكرينا ومثقفينا في العالم العربي والإسلامي، إما أن يكونوا تقليديين متعصبين متحجرين، يعيشون بعقلية الماضي، وإما أن يكونوا مجرد مرآة تعكس دائما كل مايجري في الغرب، وكأنّ التفكير العقلي المستقل النابع من هويتنا الإنسانية قد أصبح محرّماً علينا، ولذلك فإنّ انتقادي هنا لن يكون موجها لكلام الدكتور الشخصي، بل لكلامه النوعي، والذي ربما يردده أكثر المثقفين في هذا الزمان.
لقد بدأت طلائع الهجوم على المنطق الأرسطي، مع بداية الخروج التدريجي من القرون الوسطى المظلمة، التي ساد فيها الاستبداد الديني والسياسي، وذلك مع نهاية القرن الثالث عشر الميلادي من خلال جامعات اكسفورد وباريس وبادوا، كرد فعل على الاتجاه السكولائي لتوما الاكويني، وبدعم من ملوك أوروبا، والاتجاه الرأسمالي البرجوازي، وبدوافع سياسية وأيديولوجية، لاحاجة لذكرها هنا.... هذا بالإضافة إلى هجوم الاتجاه الديني المتطرف في الكنيسة الكاثوليكية على المنطق الأرسطي ، وقيام مطران باريس الأعظم بتكفيرأرسطو وجميع شُرّاحه، بمن فيهم ابن رشد، وتحريم طبع وقراءة كتبهم) هاشم صالح، مدخل إلى التنوير الأوروبي،ص53)
وقد بدأ التنظير العلمي لهذه الهجمة الشرسة على التراث الأرسطي، في القرن السابع عشر مع ظهورفرنسيس بيكون مؤسس الاتجاه الحسي التجريبي، ومن بعده جون لوك مؤسس الليبرالية، في عصر الحداثة، ثم وصلت الأمورإلى أوجها في عصر التنويرفي القرن الثامن عشر، على يدي رائد الشك والسفسطة الحديثة " دافيد هيوم"، وتبعه مريده مؤسس الفلسفة اللاعقلانية "عمانوئيل كانط"، في نقده الخيالي للعقل الفلسفي البرهاني (نقد العقل المحض )، والمملوء بالمغالطات المنطقية، والذي انعكس سلبا بعد ذلك علي مسيرة الفلسفة الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، ووطأ لظهور الوضعية المنطقية (posivitism) الحسية السطحية المتطرفة (كما وصفها كارل بوبر)، وحلقة فيينا الفاشلة، والتي مهدت بفشلها نهاية عصرالحداثة(modernism) ، ودخول الغرب إلي عصر مابعد الحداثةpostmodernism) )، والذي أعلن بكل صراحة نهاية كل القيم والمبادئ العقلية والعلمية الموضوعية الثابتة، و ادخل الغرب مرة أخرى في النفق المظلم للشك والسفسطة.


وأنا هنا لاأريد أن أشير لحجم التشويه، والتحريف، الذي تعرض له منطق أرسطو خلال هذه القرون الماضية على أيدي هؤلاء، هذا المنطق الذي لم يدرسوه، ولم يفهموه، أو لم يريدوا أن يفهموه.....وهذا أمر يدركه كل من درس أوّليات المنطق بنحو صحيح.
يقول الدكتور" يوسف كرم "عن "فرنسيس بيكون":دخل جامعة كمبردج في الثالثة عشرة، وخرج منها بعد ثلاث سنوات، دون أن يحصل على إجازة علمية، وفي نفسه إزدراء لما كان يُدَرّس فيها من علوم على مذهب أرسطو(تاريخ الفلسفة الحديثة،ص44).
ولا أدري كيف أصبح هذا الطالب الفاشل في الجامعة، منظراً للفلسفة الجديدة؟!!.. ولكنها العناية الملكية البريطانية على أي حال.
ويشيرالدكتور كرم أيضا إلى سطحية "جون لوك " في نقده للمنطق الأرسطي بقوله: إنّ بضاعته الفلسفية ضئيلة سطحية، وأسلوبه يُبين عن شيء كثيرمن السذاجة، ومن شواهد ذلك أنه يكثر من التحليل، ويسهب في تفصيل الأمثلة، كأنها المقصودة بالذات، ويسخر مما لايعرف(نفس المصدر، ص43).
وهذا هو في الواقع حال أغلب فلاسفة الغرب الذين يفتخر بهم الكثير من مثقفونا في هذا الزمان.
هذا كله بالإضافة إلى ماوقع من تحريف واسع لمعاني العقل والعقلانية والفلسفة.... حيث كل ذلك يحتاج إلى كتاب برأسه، مع مصادره الموثقة.
ماأريد أن أعلق عليه فقط هنا في مقالة الدكتورالعزيز، وبما يناسب مقام الاختصار، هو الجزء الذي يتعلق منها بإدعائة تعذر فهم الفلسفة الغربية بالعقلية المنطقية الأرسطية، وأنّ هذا هو الذي أوقع الدارسين لهذا المنطق القديم في سوء فهمها، وسوء الظن بها، وبالتالي الإشكال عليها ورفضها.
يقول الدكتور:
"التباس فهم الاسلاميين لهذه الفلسفة يعود إلى أنها تنتمي إلى عالم مفاهيم مفارق لعالم مفاهيم الفضاء المعرفي لعالمنا. هذه الفلسفة ولدت في سياقات فلسفية ولاهوتية أخرى، تفكر خارج أسوار المنطق الأرسطي الذي يفكّر فيه مفكرونا، وتتحدث لغة خارج مواضعات لغة فلاسفة الاسلام ولاهوته".
ثم أضاف:
"ربما يتعذر فهمُ الفلسفة الغربية الحديثة بعقلية أرسطية، وهو ما سقطت فيه محاولاتُ فهم جماعة من دارسي هذه الفلسفة ممن تعلموا المنطق الأرسطي وتشبع وعيُهم في مدارات براهينه وأشكال قياساته، وتمرّسوا في استعمال أدواته في محاججاتهم الفلسفية والكلامية والفقهية والأصولية. لأن كلَّ محاولة للفهم تفكر في إطار معرفي لا ينتمي لعالم مفاهيم الفلسفة الغربية الحديثة سيفضي فهمها إلى نتائجَ تفرضها مقدماتُ براهين وأشكالُ قياسات المنطق الأرسطي".
ومن ناحيتي أقول:
1. إنّ احتمال أن يخطأ الدارسون للمنطق الأرسطي في فهم الفلسفة الغربية أمر وارد، ومحتمل، فالإنسان بطبعه دائما في معرض الخطأ، ولكن هناك احتمال اخر يادكتوركان ينبغي عليكم أن تضعوه أيضاً في الاعتبارً، لاسيما مع ما أعرفه عنكم من الإنصاف وعدم الدوجماطيقية، وهو أنه ربما لم تتضح لكم بالنحو الكافي مباني ومقاصد المنطق الأرسطي الدقيق العميق، لاسيما صناعة البرهان التي هي ثمرة المنطق، وبالتالي تأثرتم بالفلسفة الغربية، وأثارت انبهاركم، وخفي عنكم ماتنوء به من السفسطة، والمغالطات المنطقية...والأمر الغريب أنكم تشيرون في نفس المقالة إلى مدي تعقيد ودقة الفلسفة الغربية، وأنها لايمكن استيعابها بمجرد القراءة الحرة، وتحتاج إلى دراسة مطولة عند الخبراء، وذلك حينما تقولون:
"الفلسفةُ الغربية، والألمانية منها خاصة منذ كانط، دقيقةٌ، شديدةُ التركيب، حتى إن بدت بسيطةً فهي بالغة العمق، وربما الغموض، لا تبوح بأسرارها بقراءة عابرة، أو نظرة عاجلة، بل يتطلب الفهمُ والاستيعاب الدقيق لأحد اتجاهاتها سنوات طويلة من الدراسة على يد متخصصين خبراء، والكثير من المطالعات المتبصرة والنقاشات الصبورة".
وأنا ـ كمتخصص في المنطق الأرسطي منذ أكثر من عشرين عاما ـ أقول لك بكل صدق : إنّ منطق أرسطو مع وضوح ومتانة مبادئه الفطرية، هو أكثر دقة ورصانة، وأعظم فهماً من إفاضات وتخيلات وأوهام هيوم وكانط وكونت، وليس مجرد صحيفة أو مجلة للمطالعة الحرة، فهل بذلتم في فهمه عشر معشار مابذلتموه في فهم الفلسفة الغربية؟، لاسيما مع ندرة الخبراء في العلوم العقلية، سواء في المعاهد الدينية الشرعية المهيمن عليها الاتجاه النقلي السطحي، أو المراكز الأكاديمية المسيطرعليها الاتجاه الحسي الاستقرائي المادي، والتي لاتعرف من المنطق والفلسفة الأولى، إلا سيرتها وتاريخها الغابر، والأقاويل الغامضة والمبعثرة.
2. أنتم تقولون إنّه لايمكن فهم الفلسفة الحديثة بالمنطق القديم!، ولم تبينوا لنا بأسلوب علمي السبب في ذلك، بعيدا عن البيانات الرومانسية الخطابية الفضفاضة، أليست الفلسفة الحديثة كأي علم، لها موضوع، ومبادئ ومسائل، ومنهج بحثي، وهو لايخرج عن كونه منهجاً عقليا تحليليا، أوحسيا تجريبيا، أواستقرائيا، أو نقليا....وكلها مناهج موجودة بقواعدها التفصيلية في المنطق الأرسطي، وصناعاته الخمس، وبالتالي يمكن تقييمها على ضوء نفس هذا المنطق، بعد الوقوف على مصطلحاتهم الجديدة التي استحدثوها، وحرفوا بها المصطلحات القديمة، بلا أي غرض علمي.
3. هل يمكن للمنطق العقلي الفطري أن يتقادم، وينتهي مفعوله العلمي؟!!، ولماذا ينبغي علينا أن ننظر إلى المنطق والفلسفة كموديلات الأزياء التي ينبغي أن تتجدد في كل عام؟!.
نحن تعلمنا في منطق أرسطو كيفية الانتقالات الذهنية من المعلوم إلى المجهول على النحو الطبيعي، أي كيفية انتخاب المعلومات الصحيحة الواضحة عند العقل، ثم ترتيبها على الصورة الصحيحة المنتجة للنتيجة بنحو واضح....ولم يخطر ببالنا أبدا، أنّ هذه القوانين الفطرية الواضحة بذاتها متعلقة بشخص دون شخص، أو أنها متوقفة على التاريخ والجغرافيا...
4. إنّ العقل الإنساني يا دكتورنا العزيز، ليس هو الثقافة والتراث النسبي المتغير، كما يستعمله الغربيون ،ومقلدوهم في الشرق، بل هو قوة طبيعية مميّزة عند الإنسان، والذي طالما عبر عنه "اسبينوزا" بالنور الفطري(رسالة في اللاهوت والسياسة)، وحاله كحال أي عضو من أعضاء الإنسان، له وظائفه الفيزيولوجية الطبيعية التي يعمل على مقتضاها، وكما اكتشف الأطباء وظائف أعضاء الجسم ودونوها في كتبهم الطبية، لتكون معياراً للصحة الجسمية، كذلك اكتشف أرسطو وظائف العقل الطبيعية، ودونها في كتاب المنطق، لتكون معياراً للصحة العقلية.
5. إنّ السر في استحكام المنطق الأرسطي وخلوده، هو أنه مبتني على مبادئ بديهية أولية موضوعية مطلقة، واضحة التصور والتصديق، كأصل امتناع اجتماع التقيضين، أو ارتفاعهما، وأصل الهوية، والسببية، وغيرها...والتي بإنكارها، نقع في مستنقع الشك المطلق والسفسطة، كما حصل للكثير من فلاسفة الغرب الأشاوس، وحينها لن نتمكن من التيقن أو حتى الظن بأي حكم من الأحكام.
6. إن منطق أرسطو يادكتور ليس فكرا فلسفيا أو علميا حتى يمكن نقده وتفنيده؛ لأنه بكل بساطة متعلق ببيان قواعد التفكير الصحيح (جرامر التفكير)، حيث نتعلم فيه كيف نستدل وننقد الاراء المختلفة، ولذلك نجد أنّ كل من حاول نقده، استعمل نفس أدواته وآلياته المنطقية، فيسعى لإبطال القياس بالقياس، والاستقراء بالاستقراء، والبرهان بالبرهان!، وهو أمر يضحك الثكلى.... ويمكنكم أن تستكشفوا هذا بسهولة من خلال مطالعة الحملات النقدية على المنطق الأرسطي على مر التاريخ لجميع هؤلاء المتطفلين ، من أحمد بن تيمية الحراني(كتاب نقض المنطق)، إلى جون لوك الليبرالي (كتاب محاولة في الفهم الإنساني ) .
وعلى الرغم من المحاولات المستميتة التي بذلتها أكثرالمؤسسات الدينية المتعصبة والمراكزالأكاديمية المُسيّسة في الغرب؛ للقضاء على منطق أرسطو الإنساني، أو تهميشه، أومحاولة استبداله ببدائل مفبركة أخرى خلال القرون السالفة، فها نحن نرى الان المحاولات الكثيرة للعودة التدريجية لإحياء منطق أرسطو من جديد في الجامعات الغربية المشهورة كاكسفورد، ونيويورك، وکالیفورنیا، بعد شعورهم بالضياع والعبثية، وبعد أن عمّت النزعة السفسطائية أغلب المحافل الفكرية في الغرب، وأوصلتها إلى طريق مسدود

• Retrieving Aristotle in in an age of crisis, David Roochnik, (جامعة نيويورك)
• Aristotle on methods and metaphysics, Edward Feser ( (جامعة كاليفورنيا
• Aristotle on knowledge and learning, David Bronstein, (جامعة اكسفورد)
7. وفي الختام ماأطلبه وأرجوه من الأخ الدكتور العزيز، أن يبيّن لنا ماهي إشكالاته العلمية على المنطق الأرسطي، ودليله على انتهاء عمره الافتراضي، وماهو المنطق البديل عنده الذي يمكن أن نعتمد عليه للفهم الصحيح للفلسفة الغربية، أو بعبارة أخري يبيّن لنا بحسب تعبيره في المقالة" كيف يفكر خارج أسوار المنطق الأرسطي؟"...ولكن بشرط ألا يعتمد في استدلالاته، أو نقده، على أدوات المنطق الأرسطي الكلاسيكي من قياس أو استقراء، وبشرط ألا يستند على المبادئ العقلية البديهية الأولية التي اعتمد عليها أرسطو نفسه، وعندها سنكون له من الشاكرين.


الدكتور أيمن المصري

محمد البغدادي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3996 المصادف: 2017-08-14 13:30:30


Share on Myspace