 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (6): الحركات الإسلامية والمرأة

محمود محمد علينعود في هذا المقال السادس ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول : تنظر الحركات الإسلامية والناشطات والداعيات الإسلاميات بوجه عام إلي مفهوم النسوية نظرة استهجان وازدراء؛ لأنهم ينظرون إلي النسويين كعلمانيين، بينما يعتقدون في المقابل بضرورة متابعة حقوق المرأة عبر تطبيق الشرع الإسلامي بشكل كامل وشامل لكافة قضايا المجتمع بما فيها قضية المرأة فما هي وجهة نظر الأستاذ هنا؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: تعلم أن كل موقف يرتهن لمحدداته ومرجعياته الفكرية والعقدية. والسؤال عن موقف الحركات الإسلامية والدعاة المسلمين والداعيات المسلمات من النسوية، سؤال عن تلك المحددات والمرجعيات، لذا يختلف الموقف من المرأة باختلاف زاوية النظر. وعندما (تنظر الحركات الإسلامية والناشطات والداعيات الإسلاميات بوجه عام إلى مفهوم النسوية نظرة استهجان وازدراء)، فلأنها تستمد موقفها من مرجعيات تختزل المرأة وتصادر إنسانيتها وحقوقها، تحت شتى العناوين، أخطرها الدين وشريعة سيد المرسلين، وهي حدود أغلبها تنظيرات فقهية، وتأويلات ذكورية للنص الديني، غير أنها مقدسة بالنسبة للعقل التراثي، لذا دأبت الأدبيات الإسلامية، بما فيها أدبيات الحركات السياسية على التشهير بموقف الحضارة المادية وغير الدينية من المرأة، متهمة إياها بالخيانة عندما دفعت المرأة إلى متاهات الإغواء المادي والجنسي حتى فقدت كرامتها وعزتها، وباتت خطرا يهدد مستقبل البشرية. وهي أحكام قاسية، سببها مخالفة الشريعة، بغض النظر للقيمة الإنسانية التي تختزنها القيم النسوية الجديدة. والواقع خير شاهد، بينما لم تتطور المرأة المسلمة في ظلّ الحركات الإسلامية (على صعيد مجتمع أو دولة)، إلا على المستوى الشكلي. بينما تعتبر حقوق المرأة انتكاسة إنسانية في ظلّ تطبيق الشريعة على يد بعض الحركات الإسلامية كما جرى في أفغانستان وفي ظل قياد داعش وأخواتها.

بل ولم تحقق المرأة على الصعيد الإنساني في ظل الحركات الإسلامية كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي ، قياسا بما حققته في ظل مبادئ حقوق الإنسان، وما زال  وضع المرأة المسلمة كما هو قبل وبعد ظهورها، ولم يطرأ على تفكيرها ما يؤكد مصداقيتها. فلا تغيير ملموس في وضعها الفكري والثقافي والإنساني، بل انكفأت المرأة تساعد الرجل على تحجيمها، وتبديد حقوقها، بعد انقلاب تذمرها إلى قناعة راسخة تتعالى على التمرد والرفض. فلا نخطئ إذا قلنا إن الفكر الحركي كان بالنسبة للمرأة أفيونا حقيقيا فاقم مشاعر النقص والتضاؤل أمام سلطة الرجل، بعد أن أسست تلك الحركات لسلطته وأكّدت الفارق النوعي بينه وبينها في ظلّ فهم خاص للآيات والروايات. فكانت تلك النصوص سلاحا ماضيا أغرت الرجل في طغيانه واستبداده. فما زالت الأدبيات الحركية تلهج بتساوي المرأة والرجل بالواجبات في الدنيا، والمساواة بينهما يوم الجزاء، بينما تقوم بتأويل حقوقها بطريقة تسلبها إنسانيتها، وبالفعل انطلى الزيف الفكري عليها لذا بقيت المرأة، كما سابقا، في ظلّ الأعراف والتقاليد، وما زالت المرأة تأنس كونها: ناقصة، نصف إنسان، عورة، منبوذة في أيام عادتها، شيطانا مغريا، تحتاج إلى مدبّر، وصغيرة تروم قيـّما عليها، لا يجوز لها الحديث مع الرجال خوفا من إغرائهم أو فسادها، لا يحق لها مخالطة الآخرين مخافة أن تفقد شرفها وعفتها، لا يسمح لها بمجالسة الناس لأنه خلاف الأعراف والتقاليد، لا تؤتمن على دين، ولا تؤتمن على شرف، دائما في دائرة الشك والريبة، ودائما عليها أن تُثبت نقاءها وعذريتها. لا ثقة بها في أداء عمل سوى عمل البيت وحُسن تبعلها، ولا يُطمأن لها على سرّ لعدم الثقة بها. يجب أن تسير خلف زوجها، وتتعهد بتربية أطفاله وتدبير بيته، والصبر على نزقه والسكوت على فعاله. ومشاركته أحزانه دون أفراحه وملذاته. ليس لها حق مساءلته، وله حق التحقيق معها في كل شيء، لا تعرف شيئا عن سلوكه، لكن ليس لها حق الخروج من الدار إلا بإذنه. نظرتها ريبة، وابتسامتها شبهة، وضحكتها خيانة!، وتودّدها لزوجها وحبها له ضعف، لذا ليس للمرأة سوى بيتها ومن ثم قبرها، حتى أن بعض الأوساط الاجتماعية ما زالت تتباهى بالمرأة المخدّرة، وتعتبرها فضيلة لا تدانيها فضيلة، فالمرأة لا تخرج من بيتها إلا مرتين، واحدة إلى بيت زوجها وأخرى إلى قبرها. هكذا تؤسس قيمنا الاجتماعية للتخلف وتعطيل طاقات المجتمع، وتشيع الكآبة والبؤس والجهل والأمية والكبت والانحراف المستتر، وتحمل المرأة مسؤولية الخطيئة التاريخية للرجل.

ويعتقد الأستاذ ماجد الغرباوي أن الخلل الرئيس هو في وعي الإشكالية، وطريقة معالجتها. أما عن وعي الإشكالية، فإن الحركات الإسلامية كما هو التيار الإسلامي، بل والأوساط الاجتماعية التقليدية، لم تع إشكالية موضوع المرأة كما هو واقعا، وإنما حصرت نفسها في زاوية الحجاب، الذي يرتبط في أكثر تفصيلاته بالعادات والتقاليد، حتى  اختلط الأمر بين الديني والعرفي، بين الشريعة والتقاليد. وبات من الصعب على بعض الناس التمييز بينهما. ولا نبالغ أن البعض يجد في الحجاب كل مقومات الكمال، فيقيس مثلا حشمة المرأة بعدد قطع الملابس التي ترتديها، ليكون التناسب طرديا، حتى إذا بلغت درجة النقاب دخلت حصن الله الحصين، وانهالت عليها كل أوصاف الكمال والعفة والشرف، وإن لم تكن الأوصاف واقعية، أو كانت خلاف ذلك سلوكا وأخلاقا في بيتها ومع الناس، فليس الدين سوى الحياء كما يقولون.  وأيضا فإن بعض الأوساط النسوية وبعض دعاة حقوق المرأة يلخّص حقوقها في مسألة الحجاب، ويعتقد أن سبب تخلفها حجابها، وإنها لا تنال حقوقها الا بالتخلي عن الحجاب. بينما المسألة لا ربط لها بالحجاب، باعتباره أمرا وقناعة شخصية، قد يلتزم به أناس باعتباره حكما شرعيا، بينما يلتزم به آخرون باعتباره تقليدا اجتماعيا، وثالث لا يجد أي غضاضة في ذلك.

إن مسألة حقوق المرأة في نظر الأستاذ ماجد الغرباوي تتوقف على الاعتراف بإنسانيتها أولا وقبل كل شيء، ومن ثم الاعتراف بحقوقها السياسية والاجتماعية في موازاة حقوق الرجل، الذي لا تختلف عنه بيولوجيا وإنما ثمّة رؤية ثقافية حجمت سلطتها واختزلت إنسانيتها. فكل الحقوق تترتب على الحق الأول، وهو: (المرأة إنسان). لذا يجب تمكين المرأة من نفسها، وإعادة ثقتها بإنسانيتها، بقدرتها على منافسة الرجل. كما يجب أيضا ضخ المجتمع بخطاب ثقافي يطيح بمنظومة التصورات الخاطئة عن المرأة وضعفها، كي يتجاوز الرجل تصوراته الخاطئة عنها ويرقى إلى مستوى الشعور بالمسؤولية تجاه حقوقها الأساسية.

وفيما يخص المرجعيات الفكرية والثقافية يقول الأستاذ ماجد الغرباوي: رغم صدقية ما تقدم لكنه لم يمس جذر الإشكالية بشكل يفضح الممنوع والمتستر عليه في الفكر الديني، تحت غطاء القداسة التي تقمع السؤال، دفاعا عن متبنياتها. وبرأيي أن النصوص التراثية وبعض النصوص الدينية كانت وراء تكريس النظرة الدونية للمرأة. خاصة أن العقل المسلم، سواء الحركي أو التراثي، كلاهما ينتمي لذات المرجعيات: التراث والنص المقدس. والأول يمثل رؤية الإنسان عبر التاريخ، وهي رؤية تراكمية، لا تتعالى على تاريخيتها، وتتأثر بجميع الظروف، والانقلابات الأيديولوجية، والتطور الفكري والعقدي، حداً لا يمكن فصل التراث عن أيديولجيته، وهو سبب تعدد وجهات النظر حول جميع القضايا باستثناء بقع تتلاقى فيها وجهات النظر على استحياء. ويكفي نظرة أولية لتقصي موقف التراث من المرأة، لتقف على حقيقة مركزية الرجل وهامشية المرأة، يؤكد ذلك حجم المرويات التي تكرّس دونية المرأة، ونقصها التكويني، وضعفها الإرادي، ومحدودية عقلها وسذاجة عقلانيتها وحكمتها. وهي الشيطان الأكبر، والخطيئة الأولى، والمتهمة بالإغراء، بل لم تكن إنسانا مستقلا، وأخرجت من الضلع الأعوج لآدم.  وظلت أوربا قرونا مشغولة هل المرأة من الإنس أم من الجن؟ رغم اتفاقهم أنها خلقت للرجل وخدمته، ووعاء لشهوته. أو أنها مخلوقة للحمل، رحم ومبيضان، مجردة من أية مشاعر إنسانية.

وقد تقدم في بعض البحوث كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي أن مركزية الرجل وهامشية المرأة، تنتمي لقيم العبودية، ولم تغادر المجتمع في العصر القَبلي، بل وحتى في العصر الإسلامي، تسربت تلك القيم، رغم ما طرأ على المرأة بعد نزول الوحي من تطور على مستوى الحقوق والواجبات. والشاهد أن أغلب النصوص التي تكرّس دونية المرأة تنتسب لعصر الخلفاء، بعضها يروى عن النبي وبعضها سلوك شخصي أو اجتماعي متعارف: (ناقصات العقول، كن من خيرهن على حذر، شاوروهن وخالفوهن) وغير ذلك من النصوص التي تمثل فجيعة العقل التراثي، وغربة المرأة في داخله. وبالتالي فإن النظرة الدونية للمرأة راهنا، ونظرة الحركات الإسلامية والدعاة والداعيات، تنتمي لقيم العبودية، بل وقامت بشرعنتها، وتأصيلها قرآنيا. وبات تجاوز النظرة التراثية تجاوزا لقيم الدين وحدود الشريعة، ومخالفة لكتاب الله. وهو حد الكفر بالله. فالنظرة القاصرة للمرأة اليوم تكتسب شرعيتها من الدين، وتحتمي بأحكام الشريعة، وتحافظ على زخمها من خلال تبنيها من قبل المسلمين أنفسهم. ونخلص أن التراث رغم كل التحولات في بعض قيمه غير أن بعضها الذي ينتمي لقيم العبودية والقيم القبَلية، حافظ على فعليته مستترا بالدين والنص الديني، ومستفيدا من رثاثة الوعي وانحطاطه.

وحول القرآن.. قراءة مغايرة يقول الأستاذ ماجد الغرباوي:  لكن ماذا عن القرآن، المصدر الأول للتشريع، ونبع المفاهيم والقيم الأخلاقية والإنسانية؟ كيف تعامل مع إنسانية المرأة؟ وهو سؤال يتطلب التأني من خلال تحليل النص، سواء الدلالات المباشرة أو الغير مباشرة. أما الأول، فلا خلاف حول الصريح منها، وأيضا طرح المجمل، غير أن توقف تفسير الظاهر من النصوص، وهو غير الصريح والمجمل، على القرائن الحالية والمقالية، سمح باختلاف تفسيره تبعا لاختلاف قبليات المفسّر، حداً حجبت النصوص الثانوية النص القرآني، وغدت مصدرا للتشريع، رغم بشريتها وتاثرها بأيديولوجيتها وقبلياتها. وهذه التفسيرات خضعت لقوانين العبودية، القائمة على مركزية الذكر وهامشية الأنثى، فهي ضمن المقولات التأسيسة لبنية الوعي البشري، التي ترسو مبكرا لا شعوريا، من خلال التلقي المباشر والتربية والإيحاء، وما تتضمنه العادات والتقاليد. فالقرآن لم ينص على دونية المرأة، ولم يتحدث عن ثنائية النوع الإنساني، إلا من خلال الجانب الوظيفي، فتارة يشرع لكليهما، وأخرى يخصها بحكم تكوينها البايلوجي واختلاف الوظيفة الحياتية. غير أن المفسّر / الفقيه هو الذي يقولّه، من وحي قبلياته المرتهنة لقوانين العبودية. فمثلا عندما تقول الآية: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، ينصرف ذهن الفقيه إلى الرجل. رغم أن الآية لم تصرّح. وقد بينت هذا عند تفسير الآية. وأيضا: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)، تجد الفقيه يتفنن في تفسير الأفضلية ويمنح الرجل خصائص يتفوق بها على المرأة، رغم أن الآية قد بينت شروط القوّام ضمنا، وبيان تفسيرها ودلالاتها قد مرَّ مفصلا في كتاب" المرأة والقرآن.

كما أن الفقيه كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي يتمسك بالإطلاق الأحوالي والأزمان لآيات الأحكام، ويصر على تطبيقها، مهما تغير الموضوع، "حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة"، ويجهل الفقيه أن موضوعات الأحكام تؤخذ على نحو القضية الحقيقية وليست الخارجية، أي القضية التي تتوقف فعلية أحكامها على فعلية موضوعاتها. كما بالنسبة لحكم الحج: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلً)، فلا يكون الحج واجبا فعلا ما لم يكن الشخص مستطيعا، فمتى استطاع وجب عليه الحج ضمن شروطه المعروفة. وأحكام المرأة من هذا القبيل، فالمرأة الآن تختلف عنها في زمن الوحي، وقد اختلفت الظروف التي اقتضت تشريع أحكامها.

إن المرأة كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي ليست مجرد كائن جسدي، بل تقاس بثقافتها ووعيها ورجاحة عقلها وحكمتها، وهذه القضايا تؤثر في الحكم الشرعي. وإلا ما الفرق بين المرأة الحرة والمرأة الأَمة جسديا وعقليا سوى أن الأولى حرة، وحرية الثانية بيد سيدها، لكنهما اختلفا حكما وتشريعا، فمثلا حكم تعزيرها نصف حكم المرأة الحرة. وهكذا بين الشخص المؤمن والكافر، فكلاهما كائن بشري، لكن أحكام المؤمن تختلف عن أحكام الكافر، باعتبار الكفر عقيدة وثقافة وفكر تترتب عليها أحكام شرعية. وكذا المرأة، فقد طوت مرحلة التهميش، وبات حضورها أقوى من الرجل أحيانا. لكن الفقيه لا يفهم هذه الحيثيات، ويصر على تطبيق الأحكام الشرعية، كما صدرت، بغض النظر عن تغيّر موضوعاتها.

وحول الوحي والتأويل يقول الأستاذ ماجد الغرباوي: يعود ثراء النص إلى إلى ثراء دلالته، وإمكانيات تاويله، فيما يضمره ويستبعده، من خلال تقنيات اللغة وقدرتها على توظيف المجاز والتورية. كما تلعب قداسته دورا كبيرا في توجيه فهم النص، بحكم سلطتها وهيمنتها، حداّ يستبعد المتلقي كل ما يتقاطع معها، ويغفل عن كثير من الدلالات التي يمكن استدعاؤها لولا قداسة النص. وعندما نقرأ الآيات التالية، نقف عند إيحاءاتها الغير مباشرة، وحجم رهاناتها على قبليات المتلقي:

- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى) .

- (لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى).

- (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى)

- (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ) .

- (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ).

- (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ)

في جميع هذه الآيات يقول الأستاذ ماجد الغرباوي يتقدم الذكر على الأنثى، فيوحي بتقدمه لا شعوريا، مما ينعش نرجسيته، ويكرّس دونية المرأة لا شعوريا أيضا، حداً تتلاشى استقلاليتها ويؤثر على وعيها لذاتها، فتجد نفسها دائما خلف الرجل، وهذا يشبه حديثي المتقدم عن وعي الفرد في نظام العبودية، حيث لا يمكنه وعي الذات مستقلة عن سيدها. وهكذا بالنسبة للمرأة التي تجد قدسية في هذا النوع من الوعي. والغريب لم يقدم القرآن الأنثى على الذكر في آياته، بل دائما ثمة تقدم موحي بدلالاته، يذعن له الجميع.

ويبقى السؤال عن السبب الحقيقي وراء هذه الظاهرة كما يقول الأستاذ ماجد الغرباوي، وهو ما علاقة الوحي بها؟ وهنا إما أن يكون النبي مجرد واسطة في نقل الرسالة، فالخطاب هنا خطاب إلهي، يترتب عليه قدسية المنطق الذكوري. وإما إذا كان فهم الوحي ولغته فهما ولغة بشريا فهنا تلعب ثقافة النبي وقبلياته دورا في فهمه وتأويله، فيكون الوحي إلهيا، وفهمه وتأويله بشريا، كما يذهب لذلك حامد نصر أبو زيد: (أن النص منذ لحظة نزوله الأولى، أي مع قراءة النبي محمد، له لحظة الوحي، تحول من كونه "نصاً إلهيًا" وصار فهمًا "نصا إنسانيًا" لأنه تحول من التنزيل إلى التأويل). وقبلياته تستمد وجودها من ثقافته، وهي ثقافة الوسط المكي، القائمة على مركزية الذكر وهامشية المرأة.

ويخلص الأستاذ ماجد الغرباوي بأن مرجعيات الحركات الإسلامية، سواء التراث أو النص الديني، هي وراء منطق تكريس دونية المرأة، ومعاداة النسوية الداعية الى تحرير وعي المرأة، واستعادة حيثيتها الإنسانية، كي تواصل حياتها من خلال استقلاليتها بعيدا عن عقدة المظلومية والانكسار.... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4859 المصادف: 2019-12-25 03:09:26