 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (8): قهر المرأة

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثامن ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: يعد القهر الذي تتعرض له المرأة موضوعا عالميا وليس موضوعا عربيا، فكيف تقهر المرأة من وجهة نظركم؟

ويجيبنا ماجد الغرباوي فيقول: يراد بالقهر لغة: (قهَرَ يَقْهَر، قَهْرًا.. وقهَر الشّخصَ: احتقره ، تسلّط عليه بالظّلم)، وتعني اصطلاحا: "حالة نفسية سلبية تتعرض لها المرأة من جراء مواقفها أو مواقف ذكورية ظالمة". وأقصد بالحالة النفسية السلبية: "ردة فعل لا شعورية، تخلق أجواء نفسية لدى المرأة من جراء مشاعر أو سلوك أو موقف، يثير حالتها النفسية والعصبية". خاصة ما يمس كرامتها ويختزل إنسانيتها، وهي جميع موارد التهميش التي تصادر حريتها واستقلاليتها، في ظل مركزية مطلقة للرجل، وسيادة منطق ذكوري متعسف، يكرّس تبعيتها ودونيتها.

إن أساليب قهر المرأة في نظر ماجد الغرباوي متعددة؛ بعضها ذاتي يرتبط بها، وبعلاقاتها الشخصية. والآخر موضوعي، خارج عن إرادتها، فيكون الاضطهاد سببا رئيسا لقهرها وتحطيم نفسيتها. ويقصد باضطهاد المرأة: معاملتها معاملة سيئة تسلبها حريتها وحقوقها وتضعها تحت ظروف قاهرة. وهو قريب للمعنى اللغوي: (اِضْطَهَدَ خَصْمَهُ: عامَلَهُ مُعامَلَةً قاسِيَةً، أَيْ قَهَرَهُ وَجارَ عَلَيْهِ، آذاهُ). فقهر المرأة سيكون نتيجة طبيعية لاضطهادها بهذا المعنى.

وفيما يخص الأسباب الموضوعية  لقهر المرأة يبرزها الأستاذ ماجد الغرباوي علي النحو التالي:

1- الحروب والإبادة والتهجير: حيث تتعرض المرأة لظروف غير طبيعية تنعكس على نفسيتها وسلوكها، مما يتسبب في قهرها وظلمها. وقد تنعكس تبعات هذه الحالات على علاقتها بعائلتها ومجتمعها وزوجها. وتضعها أمام مسؤوليات تستنفد طاقتها،  وتقمع تطلعاتها.

2- الأنظمة السياسية: الاستبدادية والأنظمة الشمولية، التي تفرض أحكاما وقوانين، تصيب تداعياتها النساء بالقهر والظلم. سيما النساء الطموحات سياسيا. أو التي تفرض عليهن قوانين دينية متشددة، تصادر أبسط حقوقها، كإنسانة، وقد لاحظت أن المرأة التي تعيش في أجواء دينية متطرفة، تؤمن بدونيتها كقدر سماوي مقدّس، وتتماهى مع جميع الأحكام الفقهية التي تكرسها. على العكس من المرأة الواعية فإنها تعاني الاغتراب داخل هذه المجتمعات. وبهذا الاتجاه تدان الحكومات التي تحد قوانينها من حرية المرأة، ولا تمنحها حق التعليم والعمل، وتسلبها حرية الاختيار، وعدم مكافحتها لقوانين العمل التي تهضم حقوقها، وتبخس جهودها، وتمنحها أجرا أقل، مهما كانت كفاءة عملها. لا يخفى أن الفضل في تطور الحركة النسوية في الغرب يعود للدولة، ومدى إلتزامها بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، ومراعاتها لقيم الحرية والمساواة.

3- العادات والتقاليد: التي تحتقر المرأة، وتسلبها إنسانيتها، وتحرمها حق التعليم والمشاركة في الوظائف العامة. فالمرأة ترث القهر عندما تقارن بينها وبين مجايلاتها، ممن يتمتعن بحقوقهن أو أغلبها. وتعيش  حالة بؤس وحرمان، وتعاني جُرحا عميقا في ظل تقاليد، تتحكم بإرادتها، خاصة في مسألة الزواج، أو حينما تمنح بدلا عن "دية" مقتول لأهلها، فتساق لرجل لا تعرف عنه شيئا، يتعامل معها بنظرة دونية، وعالة اجتماعية فرضت عليه، فيكرس وجودها لخدمته، وتلبيت نزواته، وهذا قهر مضاعف لها. وهي حالات شائعة في مجتماعاتنا القَبلية، خاصة في حالات الزواج المبكر، والمرأة لم يكتمل رشدها، ولم تنضج بعد. يوما سألت رجلا زوج ابنته بالتاسعة: من سيقدم لهذه الطفلة حليب الصباح؟ فاتهمني بمعاداة الشريعة، والاستهزاء بسنة رسول الله.!!!!

4- المنطق الذكوري: الذي يتقوم بمركزية الرجل وهامشية المرأة. يحاصرها بتقاليد وأعراف تكرّس تبعيتها وانقيادها، لسلطة الرجل مهما كانت عنجهيته ونرجسيته وتعاليه. وفي كل هذه الحالات قهر للمرأة وظلم لحقوقها. خاصة عندما يسلبها إرادتها، ومثالها الواضح إكراه المرأة على الزواج من شخص لا تريده. أو حرمانها من آخر تحبه. العادات والتقاليد قوانين ذكورية، أخذت بنظر الاعتبار هامشية المرأة وتبعيتها للرجل، وهي ترسم خارطة علاقته مع المجتمع، ويكفي في هذا المفهوم قهرا لها، واعتداء جسيم على حقوقها وكرامتها وإنسانيتها.

5- العنف الأسري: وهو حالة شائعة لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وقلما تنجو منه المرأة، ولا تصاب بالقهر وبخيبة نفسية، تؤدي إلى انفصالها في الظروف المواتية، وتبقى مقهورة حينما تحاصرها الظروف، وتبقى أسيرة لعنف الرجل أو العنف الأسري.

6- التحرش الجنسي والاغتصاب: الذي تشعر معه بانتهاك كرامتها. بما في ذلك سلوك الزوج مع  زوجته، حينما يكرهها على ممارسة الجنس خلافا لرغبتها، فيضطر للعنف والقسوة لإشباع نزواته. وعندما يرغمها على ممارسة جنسية تهدر قيمتها كزوجة شريكة له، تشعر بامتهان ودونية، تفاقم روح الكراهية، وتعيش بسببها غربة حقيقية. وقد تثأر لنفسها، فيتفاقم العنف الأسري. وعندما تقاوم إكراهاته الجنسية يحكم عليها بالنشوز، لا أحد يتفهمها، ويحاول الاتقراب من مشاكلها، فيهجرها، ولا يمكنها التخلص من إرادته إلا بطلب الطلاق بعد التنازل عن حقوقها، بينما يمكنه الاستغناء عنها، وتبقى مرتهنة لإرادته، ويذهب يواصل حياته الزوجية مع امرأة غيرها. والأشد ألماً على المرأة الفتاوى الفقهية التي تكرّس سلطة الرجل ومركزيته، وتمنحه حق ضربها وهجرها والاستهانة بها، بتعدد زيجاته الدائمة والمؤقة بلا حدود. وأيضا الفتاوى والتشريعات التي توجب عليها طاعته، وعدم التمرّد على إرادته. إن ما يصيب المرأة بسبب فتاوى فقهية تقوم على نظرية العبودية والطاعة المطلقة، أكثر من العادات والتقاليد، بل أن الجذر الحقيقي لبعضها جذر ديني فقهي، لا فقط عادات وتقاليد قَبلية. والأدهى الفتاوى التي تبيح نكاح المرأة في التاسعة من عمرها، دون مراعاة لمشاعرها، وعدم نضوجها. وأما فتاوى جواز تفخيذ الصغيرة دون التاسعة، بل وحتى الرضيعة، ففاجعة، يندى لها جبين الإنسانية، لم يرتكبها حتى الحيوان؟، أي أبٍ وأمٍ ترضى بتفخيذ طفلتها لولا فتاوى ذكورية شهوانية، تنتمي لقيم المجتمع العبودي، الذي يستبيح المرأة دون رادع أخلاقي. لا ننسى أن الفقيه ينتمي لمجتمع ذكوري يتسيد فيه الرجل، ويتفرد بإدارة المجتمع، وليست المرأة سوى جزء من متاعه، خاضة لإرادته. بل حتى التوصيات الأخلاقية بالمرأة لا تعني تحريرها، وإنما رعايتها كي تواصل خدمتها للرجل!!.

7- زج المرأة في أجواء التطرف: في أي مجال من مجالات الحياة، باسم الحرية والمساواة أو باسم الواجب الشرعي والدعوي، أو لأي داعٍ كان، قد يعود عليها بالقهر والظلم، حينما تستفيق وتكتشف خطأ ممارساتها، وخطورة الاستدراج الذي هوى بها دون إنسانيتها، وهي تريد تحقيقها. وهذا سبب لا يمكن إدراكه إلا بوعي مستقبلي، قادر على فهم حقيقي لإشكالية المرأة.

ولا يمكن الاستهانة بالأسباب المتقدمة، ويوجد غيرها، حيث تتزايد الحالات النفسية للنساء، في جميع بؤر الحروب والكوارث والتهجير والمعاملة الاجتماعية السيئة المحكومة بثنائية الرجل / المرأة. القوة / الضعف. النجاح / الفشل. الحكمة / الغباء.

وعن الأسباب الذاتية لقهر المرأة يقول الأستاذ ماجد الغرباوي :هذه الأسباب تتعلق بالمرأة وشريكها، سواء كان زوجها أو حبيبها. يمكن الإشارة لأهمها:

أ- اللا مبالاة: تتوسم المرأة في الرجل اهتمامه بها وبجمالها... يطربها الثناء والاهتمام بشخصيتها وأنوثتها ومفاتنها. وهي طبيعة أنثوية لا علاقة لها بمستوى إنسانيتها وعقلها. واللامبالاة نكبة تقهرها وتحطم نفسيتها. المرأة كائن شفاف، يستدعي مداراة مشاعرها ورقتها، لكسبها وتفادي أي انحراف نفسي أو سلوكي. فتارة يَقهَرها زوجها حتى في حبه لها بسبب لا مبالاته وخموله أوعدم اهتمامه بملبسه ونظافته وعدم التكيف مع الأجواء الرومانسية. اللامبالاة أحد أسباب الخصام الأسري، وفتور العلاقة الزوجية، يثير الشكوك حول صدقية حب الرجل لزوجته.

ب- ضعف المرأة: تقول سيمون دي بوفوار: (رغم مطالبتها بالمساواة فإن المرأة لا تحب سوى الرجل القوي الذي يكشف ضعفها إلى جانب قوته). فثمة حالات ضعف لدى المرأة، تحتاج معها لوجود زوج، تراهن على حبه وحمايته والركون له في حالات الشدة، وعندما يتخاذل، أو يواجه ضعفها بضعف أكبر أو لا مبالاة لا مسؤولة، تصاب بالقهر واليأس، وتخيم عليها مشاعر سلبية.

ج- الثقافة الجنسية: تختلف المرأة عن الرجل في رغبتها الجسدية، فبينما يستطيع الرجل ممارسة الجنس بوقت قصير، مع أدنى مستويات الإثارة، إلا أن إثارة المرأة تتطلب وقتا كافيا، لتفجير رغبتها وشهوتها. وعندما يتخلى عنها زوجها في أوج الرغبة، تنصدم نفسيا، وتفضي إلى كراهيته، ما لم يتداركها. وهذا أحد الأسباب الرئيسة وراء المثلية الجنسية، حيث تبحث المرأة عن مثليتها التي تشبع رغباتها، وتنهي سطوة الرجل الذي يتلاعب بمشاعرها. فالثقافة الجنسية تؤثر سلبا وإيجابا على العلاقات الزوجية.

ثمة حقيقة غائبة يؤكد عليها ماجد الغرباوي وهي أن المرأة تجد في اهتمام شريكها تأكيدا لذاتها ووجدوها، ولا يخفي هاجس تأكيد الذات مع فقر المرأة لخيارات تأكيدها، عكسا للرجل الذي هو سيد المجتمع والحياة، يتمتع بفرص كبيرة لتأكيد الذات وإشباع نرجسيته وغروره. وحينما يحطم الرجل كبرياء المرأة بلا مبالاته وعدم اهتمامه، وبلاهة مشاعره، يصوب سهامه القاتلة لثقتها بنفسها، ويجعل منها امرأة مهزوزة، تبالغ في خدمة زوجها، وأمومتها، لتعويض مشاعر الاهتمام التي تفقدها. لذا تسعى دائما أن تكون أماً مثالية، لتحقيق ما تصبو له من اهتمام الآخرين، خاصة زوجها.

د- تنمّر الأنثى: مصطلح أطلقه على ردة فعل المرأة، الذي منشأه انطباع سلبي عن الرجل. فبعض النساء تعيش حالة توثّب مستمرة عندما تفسّر سلوك ومشاعر الرجل تفسيرا سلطويا، وتعتقد إما حقيقة أو وهماً، أنه يهدف من جميع مواقفه وسلوكه السيطرة على المرأة وامتلاكها، وهذا هو السبب القامع خلف موقفها المستفز الذي يصل حد التنمّر والانفعال غير المنضبط، فتعيش حالة من الكآية والقهر، دون الاعتراف بدورها في وجوده. خاصة عندما تتدهور العلاقات الأسرية، وتنعكس على علاقتها الخاصة بزوجها. وهي حالة تراكمية يفرزها التباس الوعي، بسبب ضبابية الرؤية عندما تغتال العاطفة العقلَ، ويصبح الانفعال سيد الموقف، فيتجاهل كل الأسباب الموضوعية المؤثرة. ولا معنى لتفسيرها وفقا لنظريات فرويد، أي عقدتا أوديب واليكترا. فثمة ما ينقضهما.

هـ- الوعي السلبي: وذلك أن حدود وعي الرجل للمرأة محدود، بما فيهم المثقف. وثمة أسرار في شخصية المرأة، ما لم يدركها الرجل يصيبها بالقهر والخيبة النفسية، بسبب تفسيراته الخاطئة وانطباعاته الموروثة عنها. فمثلا تذكر سيمون دي بوفوار أن المرأة عاجزة بطبيعتها عن متابعة عدة أمور في آن واحد، وتقدم تفسيرا لهذه الحالة ترتبط بنفسيتها ورغباتها. وعندما يصدر لها أوامر، تلبي بعضها، وتتراخى أو تهمل بعضها الآخر، وفي هذه الحالة يظلم الرجل المرأة عندما يفسر سلوكها بالبلادة والضعف الأنثوي، لأنها حالة طبيعية لدى المرأة. إن سعادة الشراكة الزوجية تتوقف على فهم مشترك لطبيعة الزوجين. فثمة انطباع موغل في ذكوريته، يدين شهوانية المرأة، ويسكت عن جشعه الجنسي، الذي قد يخرج عن اللياقات الإنسانية. كما ينبغي للمرأة أن تفهم ظروف الرجل، وما يمر به من حالات نفسية خلال اليوم من جراء عمله ونشاطاته، وعدم التسرع بالحكم ضده واتهامه دائما باللامبالاة...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4861 المصادف: 2019-12-27 03:53:45