 تنوير وإصلاح

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري (19): موقف الغرباوي من النسوية الراديكالية المتطرفة

محمود محمد علينعود في هذا المقال التاسع عشر ونستأنف حديثنا عن الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري، حيث نسأل الأستاذ ماجد الغرباوي فنقول: هل تؤيد سيادتكم فكرة الثورة النسوية التي قامت على فكرة التفوق الذكوري وبناء المجتمع البطريريكي الأبوي، وهذا الشكل وهذه الصورة للمرأة هي التي أدت إلى حدوث ثورة نسوية طالبت فيها النساء التساوي مع الرجال في كافة الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ومن هنا تمت المطالبة بتحرير المرأة من سلطة الرجل حتى إطار العلاقة الجنسية وهذا كان وجهة نظر المدرسة الراديكالية؟

ويجيبنا الأستاذ ماجد الغرباوي فيقول: لست مع جميع مطالب النسوية، خاصة ما تتبناه النسوية الراديكالية المتطرفة، بتفصيل: أتعاطف مع الثورة النسوية المتوازنة، التي قامت ضد تداعيات التفوق الذكوري، الذي أفضى إلى تهميش الأنثى. فهي دعوة لاستعادة إنسانية المرأة أساسا للمطالبة بحقوقها. إنسانيتها التي سحقها النظام البطريركي، والثقافة الأبوية التي أسست لدونيتها. وهو اتجاه يسعى لوضع الأنوثة بجوار الذكورة. مما يتطلب، وهذا هو معنى الثورة التي أتبناها، تفكيك الأنساق الفكرية للوعي، وإعادة بناء مهيمن ثقافي يستمد وجوده وشرعيته من إعادة تشكيل الوعي. وهذا يتطلب تحري الأنساق المضمرة في الوعي والثقافة الشفهية والتحريرية، والتعرّف على مرجعياتها وبيئتها وسلطتها المعرفية، ودورها في بناء الوعي. بما فيها النسق الثقافي المهيمن، ومستوى معاناة المجتمع من إكراهاته وسلطته. فالنقد الثقافي يعمل بمنهج نقدي إركيولوجي، مستفيدا من معطيات العلوم الإنسانية، على تقصي تلك الأنساق ضمن المنسي واللامفكر فيه والمهمّش والمهمل والمحرّم والممنوع وما ترسب في أخاديد الوعي، وصولا للكشف عن كيفية تشكل مفاهيمها ومقولاتها المؤسسة، ومدى تأثيرها في بناء النسق الدلالي للمفاهيم. وهذا يعني أن الثورة النسوية التي أتحيّز لها هي ثورة فكرية وثقافية، نستعيد من خلالها إعادة تشكيل الوعي على أسس إنسانية، وفهم واقعي لطبيعة العلاقة بين المرأة والرجل، بعيدا عن ثقافة التفوق عند الرجل، وعقدة الدونية عند المرأة، على أمل الوصول إلى مهيمن ثقافي يتولى موازنة العلاقة بينهما، بما يحفظ حريتهما ومساواتهما في الإنسانية، وفيما بعد مساواتهما في الحقوق على أساس المساواة العادلة التي تأخذ بنظر الاعتبار خصائصهما، وأدوارهما في الحياة، وعدم إرهاق أي منهما خارج وظيفته الاجتماعية.

وأقصد بالمهيمن، كما بينته في كتاب الهوية والفعل الحضاري: "نسق أو مجموعة أنساق معرفية مهيمنة، تعمل كموجّه يستوحي من مقولاته الأساسية، المضمرة داخل بنية العقل وفضائه المعرفي، فيرتهن لها وعي الفرد، وطريقة إشتغاله لا شعوريا".

وبهذا يتضح أن فهم المهيمن يتوقف على فهم أنساقه ومقولاته ومفاهيمه الأساسية، ومناشئ وجودها، ومدى صدقيتها. وهي مقولات تأسيسية، مكتسبة، تترسب لا شعوريا في بواكير الوعي، عبر التربية والتعليم والبيئة والعقل الجماعي والأجواء الثقافية المحيطة به. وتسمى اصطلاحا بـ(الفترة الحرجة - critical period). فيتعامل معها العقل كحقائق رغم عدم وعيه لمدى مطابقتها مع الواقع ونفس الأمر. وهذا النوع من المقولات يتعذر نقدها وتفكيكها بسهولة، لأنها تنتظم ضمن أنساق مضمرة، فتكتسب مناعة ذاتية، وهو سرّ مقاومتها للنقد. إنها قناعات لا شعورية، يحار المرء في اكتشاف سببها، ويعاني في استعادة وعيه، ما لم يرهقه القلق والتردد والشكوك والاستفهامات. وتقاس فعلية كل مهيمن بقوة حضوره، حينما يباغت الوعي ويطفو لا شعوريا، يضع الفرد في موقف حرج أمام صدقية وعيه. وقدرته على التحرر من سلطة مهيمناته وأنساقه المعرفية. وقد بينت في ذات الكتاب، وكتاب النص وسؤال الحقيقة، أن سبب رسوخ المقولات الأساسية، مرجعيتها الذاتية، ولا مرجعية فوقية يمكنها نقدها ومراجعتها، وفي هذه الحالة نحتاج لنقد يزلزلها، ووعي يتقبل النقد الجذري.

غير أن الراديكالية المتطرفة ذهبت بعيدا، ولم يعد النظام الأبوي في نظرها هو جذر عبودية المرأة، وراحت ترتكز على أساس بيولوجي تمثل خصوصية المرأة، وتجعلها أرقى منه بتفردها بالإنجاب!!. والمغالطة هنا واضحة، فلا إنجاب بمعزل عن الإخصاب الذكري. حتى لمن تتمرد عليه، تحتاجه. وبهذا الاتجاه راحت تؤسس لمنحى جديد في مفهوم النسوية، يرتكز لثنائية صلبة، حتى دعت "شولاميت فايرستون" إلى التحرر من الحمل والإنجاب بالاستفادة من تقنيات الإنجاب الحديثة، وأطفال الأنابيب، وإستئجار الرحم، لتتحرر من عبودية الإنجاب، ومن ثم التحرر من عبودية المجتمع الأبوي، وإحلال مركزية المرأة بدلا من مركزية الرجل.

وطالبت النسوية الراديكالية المتطرفة بحق الاجهاض، وممارسة الجنس خارج أسوار الأسرة، وحق المرأة في ممارسة السحاق، لفك ارتهانها بالرجل على أساس حاجاتها الجنسية. بل ذهب فريق منهن - كما ذكرت يمنى طريف - إلى أن (السحاقيات فقط هن النسويات حقا، القادرات فعلًا على تحدي الذكورية والإعراض عن عالمها). وشكلّنّ النسوية السحاقية التي تدافع عن الجنسية المثلية والأسرة السحاقية، وبالتالي الأسرة اللواطية، كنموذج للأسرة. والمعروف أن  الراديكاليات التحرريات هن أصحاب دعاوى سحق الأسرة. وكل هذا ترفضه النسوية الراديكالية المثقفة. إنه تخبط لا عقلاني، مشحون بعقدة الرجل، وتصويره غولا لا همَّ له سوى استعباد المرأة، وارتهان إرادتها.

وبالتالي لا أتعاطف مع النسوية الراديكالية المتطرفة، التي تنطلق من عقدة متأصلة من الرجل، لا شك أن لها أسبابها الوجيهة، غير أن الحلول جاءت متطرفة. فانتشال المرأة من تخلفها، واستعادة حقوقها، في الحرية والمساواة، لا يتحقق بالسحاق والإباحية والشذوذ الجنسي. ولا بهدر الأسرة، وإسقاط الذكر أو الاستغناء عنه، وربما الحالات الشاذة تخلق عاهات نفسية واجتماعية جديدة، وتترك فراغا لا شعوريا، ينعكس على المجتمع وعلاقاته العامة. ولا دليل أن الاتجاه الراديكالي المتطرف ساعد على تطور المرأة. فالدعوة النسوية الراديكالية المتطرفة، تهدد على المدى البعيد بانقراض النوع الإنساني.

إن الحلول التي تطرحها النسوية الراديكالية المتطرفة، يمكن استبدالها بحلول ثقافية واجتماعية، تمارسها وسائل الإعلام كافة، وتتبناها المؤسسات التربوية والدينية، لانتزاع ذكورية الرجل، وتأسيس العلاقة على أسس إنسانية، وتعاون أخلاقي بين أفراد الأسرة. نحن ندعو لمجتمع فاضل، ونسوية فاضلة، تسوده قيم الإنسانية وقيم الفضيلة، لخلق وازع داخلي لكل من الرجل والمرأة، من خلالها نحافظ على توازن العلاقة، دون التفريط بأي منهما. فالنوازع الداخلية للإنسان يمكن السيطرة عليها أخلاقيا، أو من خلال التقوى التي تدعو لها الأديان جميعا. التقوى هنا لا تعني الخوف من الله بلا سبب، بل تعني الخوف من الله حينما يرتكب الإنسان ظلما وعدوانا ضد الآخرين.

تأسيسا على ما تقدم، بدلا من الثنائية الصلبة التي تسعى لها النسوية الراديكالية المتطرفة، وتمييز الإنثى على أنها نوع أرقى من نوع الرجل، أن نعود لوحدة النوع الإنساني، وتعدد أدوار كل من الرجل والمرأة بما تقتضيه طبيعة الحياة، واستمرار العيش المشترك، بعيدا عن الظلم والقهر. وهذا ما أدعو النسوية المسلمة إلى تبنيه، بدلا من التطرف النسوي، وعليها أن تنبثق من واقعها وقيمها وثقافتها، لتأسيس وعي نسوي مختلف، ينهي هيمنة تراكمات النظام الأبوي، وسلطة التراث الديني المرتهن للنظام البطركي. وعلى المجتمع أن يتفهم إنسانية المرأة، ويعي دورها ونشاطها الحياتي الفاعل، إلى جانب الرجل، والتمسك بقيم حقوق الإنسان العادلة، وتبني قضايا المرأة من خلال إجراءات تؤكد مساواتها، وفسح المجال للطاقات النسوية، تمارس دورها في بناء مجتمع الفضيلة، ومجتمع الإنسان. وعليها الاستفادة من جميع التجارب النسوية في العالم، شريطة عدم نسيان خصوصيتها.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4872 المصادف: 2020-01-07 01:16:08