 تجديد وتنوير

محمود محمد علي: أبعاد الفكر النسوي عند رفاعة الطهطاوي

محمود محمد عليالحركة النسوية Feminism، تعبر عن مضمون فلسفي وفكري، برزت أفكارها في أطاريح أكاديمية، وأساس فكري (المساواة)، وأطر تحليلية متعددة تحمل الطابع الفلسفي الحداثي من النظرة المادية التجزيئية للإنسان .ترتكز علي أساس فكري، المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، وإلغاء أي بعد للأدوار والوظائف للجنسين المترتبة على الفروقات البيولوجية بينهم . تهدف من خطاباته المنظرة إلي إلغاء ثقافة التمييز، وتمكن المرأة في جميع المجالات، من خلال التغيير الجذري للأسس والمفاهيم، في العلاقات المتبادلة بين الجنسين، تحت مصطلح الجندر في جميع الأسس والبني .

وقد ظهر مصطلح النسوية في الغرب، الذي يعبر عن مفهوم نظرية المساواة بين الجنسين، في المجال السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والديني، القائم على التحليل والتنظير من وجهة نظر نسوية بحتة.

وقد ساهم رجال عصر النهضة العربية بنصيب رافاعة الطهطاوي في الاهتمام بالفكر النسوي، وهنا في هذا المقال أركز على إسهامات شيح النهضة العربية الحديثة، وهو رفاعة رافع الطهاوي، من خلال مواقفه الرائعة والجيدة تجاه قضية المرأة وتعلميها ح وهذا إن دل علي سء فإنما يدل علي السنين والأعوام تمر وتمضي بنا عبر الزمان، ولكن تبقى الأعمال خالده.. فالبرغم من مرور 148 عام على رحيل قائد النهضة العملية بمصر رفاعه رافع الطهطاوى، إلا أن أعماله وأفكاره مازالت معروفة ومتداولة ومحفورة بالكتب التى تدرس للطلاب والتلاميذ بالمراحل التعليمية المختلفة ليس فقط بمصر بل في العالم كله.

وقبل أن ندلف في عصر أبعاد المقال يمكننا القول بأنه في هذه الأيام نحتفل في مصرنا الحبيبة بالذكرى  148 على وفاة رفاعة رافع الطهطاوى، قائد النهضة العلمية فى مصر فى عهد محمد على باشا، والذى ولد بمدينة طهطا إحدى مدن شمال محافظة سوهاج بصعيد مصر، والذى يتصل نسبه بالحسين السبط ووالدته تنتمى إلى قبيلة الخزرج الأنصارية.

وقد عاش الطهطاوي بموطنه طهطا، ووجد من أخواله اهتماماً كبيراً، حيث كانت مدينة طهطا زاخرة بالشيوخ والعلماء فحفظ على أيديهم المتون التى كانت متداولة فى هذا العصر، وقرأ عليهم شيئا من الفقه والنحو.

بدأ رفاعة الطهطاوي حياته دارساً للفقه والدين في حلقة إمامه وأستاذه الشيخ حسن العطار، الذي رشحه للسفر إماماً لـ40 مبتعثاً أرسلهم حاكم مصر محمد علي باشا، للدراسة في فرنسا، ولم يكن عمره حينها قد تجاوز الـ21 عاماً إلا أن الطهطاوي انبهر بالحياة الأوروبية وتحول إلى دارس للفرنسية، ومن هنا انطلقت شرارة حلمه بنقل مفردات النهضة الحديثة في أوروبا إلى القاهرة.

ولد رفاعة رافع الطهطاوى فى 1801ميلاديه بمدينة طهطا شمال محافظة سوهاج، ويرجع نسبه من والده إلى الإمام الحسين بن على بن أبى طالب، ووالدته إلى قبيلة الخزرج الأنصارية، والتحق وهو فى السادسة عشرة من عمره بالأزهر فى عام 1817 وشملت دراسته فى الأزهر الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف، وغير ذلك، خدم بعدها "إماما" فى الجيش النظامى الجديد عام 1824، وسافر رفاعة الطهطاوى خارج مصر لأول مرة سنة"1242هـ /1826م"، إلى فرنسا ضمن بعثة عددها أربعون طالبًا أرسلها محمد على باشا لدراسة اللغات والعلوم الأوروبية الحديثة، وكان عمره حينها 24 عامًا.

وعاد رفاعة لمصر سنة 1247 هـ / 1831 م مفعماً بالأمل منكبّاً على العمل فاشتغل بالترجمة فى مدرسة الطب، ثُمَّ عمل على تطوير مناهج الدراسة فى العلوم الطبيعية وافتتح سنة 1251هـ / 1835م مدرسة الترجمة، التى صارت فيما بعد مدرسة الألسن وعُيـِّن مديراً لها إلى جانب عمله مدرساً بها وافتتحت المدرسة بالقاهرة سنة 1835م وقد كان له دوره فى الصحافة أيضا، حيث قام بتعريب الوقائع وجعلها ناطقة باللغة العربية بدلا من التركية.

وننتقل للحديث عن صلب موضوعنا فنقول الرغم من أن الدين الإسلامي قد دعا إلى تعليم كل من المرأة والرجل، إلا أن بعضهم ما زال يمنع تعليمها بسبب نظرتهم إلى أنها قد تجلب عن طريق تعليمها الفساد لها، وأصروا علي ضرورة تعليمها القرآن الكريم فقط، وبعضهم دعا إلى تعليمها القراءة والكتابة، والقرآن الكريم، والطب، وبأنها كالرجل.

ومن هنا حظيت المسائل المتعلقة بالمرأة وعلاقاتها، وموقعها الاجتماعي، وتحررها، وتعلميها، وتقديم الخدمات لها، ورغبة مشاركتها في العمل والإنتاج المادي للمجتمع، بمساحة واسعة من اهتمام الفكر والدراسات المعاصرة وإلحاحها. حتى أخذت مشاريع وخطط التنمية، وتنمية المجتمعات المحلية، تضع في رأس اهتماماتها مسألة تمكين المرأة وإدماجها في نشاطات المجتمع الإنتاجية.

وهناك من الرجال من نادى بتحسين أوضاع المرأة وتعليمها وتثقيفها وما يهمنا هنا هو إلقاء الضوء على هذه الشخصيات، وما قامت به من جهود في سبيل إصلاح المجتمع والرفع من شأن المرأة وذلك لمعرفة الأوضاع التي كانت سائدة في ذلك العصر، والإحاطة بالفكر الذي كان يسود الساحة الرجالية، ونتناول في هذا السياق شخصية رفاعة الطهطاوي، وقد قام الطهطاوي بدور بارز في استنهاض الهمم، ليتكاتف الناس وينهضوا لإعطاء المرأة حقوقها وتعليمها وواجباتها بطريقته الخاصة، وضمن حدود أفكاره وآرائه.

وقد هاجم الطهطاوي من يدعون بأنها ناقصة العقل، وبأن الله لم يخلق النساء، كالرجال، وإنما خلقت للبيت، وحفظ النسل، ورد عليهم بقوله المرأة في كتابه تخليص الإبريز" بأن مثل هذه الأقوال لا تفيد أن جميع النساء على هذه الصفات الذميمة، ولا تنطبق علي جميع النساء.

لقد كان الطهطاوي رائدا في نصرة المرأة، وبضرورة تعليمها ؛ حيث قال:" ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات، والصبيان معاً، لحسن معاشرة الأزواج، فتتعلم البنات: القراءة والكتابة، والحساب، ونحو ذلك، لإإن هذا مما يزيدهن أدباً وعقلاً ويجعلهن بالمعارف أهلاً".

ويعترض الطهطاوي على الذين يقولون بأن هناك أحاديث نبوية نهت عن تعليم المرأة، فذكر أن هذه الأحاديث مزعومة في روايتها عن رسول الله – صلي الله عليه وسلم، وشكك في صحتها، من خلال اهتماده علي أزواج النبي صلي الله عليه وسلم، كان منهن من تقرأ وتكتب، والرسول صلي الله عليه وسلم حث علي العلم . فهم ينسبون إلي الدين ما يعارض مبدائ الدين الإسلامي، الذي يرفع من شأن العلم والعلماء.

ولم يقف اهتمام رفاعة الطهطاوي علي الاهتمام بقضية المرأة في كتابه تخليص الإبريز"، بل نراه يهتم بها في كل مؤلفاته الأخرى، ففي كتابه "المرشد الأمين":"المرأة.. (مثل الرجل) سواء بسواء، أعضاؤها كأعضائه، وحاجتها كحاجته، وحواسها الظاهرة والباطنة كحواسه، وصفاتها كصفاته، حتى كادت أن تنتظم الأنثى في سلك الرجل!... فإذا أمعن العاقل النظر الدقيق في هيئة الرجل والمرأة، في أي وجه كان من الوجوه، وفي أي نسبة من النسب، لم يجد إلا فرقا يسيرا يظهر في الذكورة والأنوثة وما يتعلق بهما، فالذكورة والأنوثة هما موضع التباين والتضاد"..

وقد دافع الطهطاوي عن المرأة وفند اتهـام البعض لها بالمكر والدهاء ورفض النظر لها "كوعاء يصون مادة النسل" وناقش الأحاديث المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم بالنهي عن تعليمها فقال: "كيف ذلك، وقد كان في أزواجه-  صلى الله عليه وسلم، من تكتب وتقوأ كصفحة بنت عمر، وعائشة بنت أبي بكر، وغيرهما من نساء كل زمن من الأزمان؟ ولم يُعهد أن عددا كبيرا من النساء ابتذلن بسبب آدابهن ومعارفهن، على أن كثيرا من الرجال أضلهم- التوغل في المعارف"، ثم ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم طلب من "الشفاء" التي كانت تعلم النساء. فى عهده: "علمي حفصة رقية النمل، كما علمتها الكتابة .

لم يكتف الطهطاوي بذلك، بل اتهم أعداء المرأة بالجاهلية "وليس مرجع التشديد في حرمان البنات من الكتابة إلا التعالي في "الغيرة" عليهن من إبراز محمود صفاتهن، أيا ما كانت، في ميدان الرجال تبعا للعوائد المحلية المشوية بجمعية جاهلية (أي بمجتمع جاهلي!)- ولوجوب خلاف هذه العادة لصحت التجربة...!".

وأكد الطهطاوي على أهمية تعليم الفتاة، وحسن تربيتها، فقال:" آدب المرأة ومعارفها تؤثر كثيراً في أخلاق أولادها، إذ إن البنت الصغيرة متى رأت أمها مقبلة على مطالعة الكتب، وضبط أمور البيت، والاشتغال بتربية أولادها جذبتها الغيرة إلى أن تكون مثل أمها، بخلاف ما إذا رأت أمها مقبلة علي مجرد الزينة والتبرج، وإضاعة الوقت بندر الكلام، والزيارات غير اللائقة، حيث تتصور البنت من الصغر أن جميع النساء كذلك، فتألف ذلك في صغرها، فشتان ما بين هذه، وبين من تعتمد على معارفها وآدابها، وتفعل ما فيه إرضاء بعلها، وتربية أولادها لأنها نشأت على ذلك .

ويري الطهطاوي بأن الآداب للمرأة يحسنها، لأن في النساء الرقة والمحاسن، فبالأدب تصبح جميلة حساً ومعني، وأكد على أن من واجب ولي الأمر تعليم البنات ما يليق بهن من القراءة، وأمور المعارف، مثل إذارة المنزل، والحساب، وتعليمها الأخلاق، والآداب، وحسن السلوك لهن ... ونكتفي بهذا القدر وللحديث بقية في الأيام المقبلة.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............................

1- الطهطاوي، رفاعة رافع: تخليص الإبريز في تلخيص باريس، وزارة الثقافة والإرشاد، القاهرة، 1905.

2- ــــــــــــ: المرشد الأمين للبنات والبنين، مطبعة المدارس الملكية، القاهرة، 1872.

3- ــــــــــــــ: مناهج الألباب المصرية في مباهج الأداب العصرية، مكتبة النهضة، القاهرة، 1911.

4- محمد حسين جابر جوابرة وآخرون: الفكر التربوي عند رفاعة الطهطاوي بدوي رافع الطهطاوي: دراسة تحليلية، رسالة ماجستير غير منشورة، اجلامعة الأردنية، 2002.

5- إقبال بركة: رفاعة رافع .. الطهطاوي ونظرة قديمة جديدة إلي المرأة.. مقال..

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقال قيم لأستاذنا الدكتور محمود محمد علي عن رائد النهضة العربية رفاعة الطهطاوي الذي جاهد كثيراً في تفنيد أفكار عصر الانحطاط التي ظلت سائدة في البلدان العربية حتى نهاية القرن العشرين.
لقد أثر الطهطاوي في كثير من الكتاب والأدباء والشعراء فأخذوا يناصرون تعليم المرأة. ففي العراق نجد محمد مهدي الجواهري ينظم قصيدته " علموها" في الربع الأول من القرن العشرين ومطلعها:

علَّموها فقد كفاكُمْ شَنارا

وكفاها أنّ تحسَبَ العلمَ عارا

وكفانا من التّقهقُرِ أنّا

لم نعالج حتى الأمورَ الصغارا

تحية لمفكرنا المتألق الدكتور محمود محمد علي متمنين له الصحة والخير ودوام الإبداع.
علي القاسمي

علي القاسمي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5434 المصادف: 2021-07-22 03:13:31


Share on Myspace