 تجديد وتنوير

مراد غريبي: مجتمعاتنا ووعي التجديد.. من تصحيح الثقافة الى تأسيس التمدن

مراد غريبيمفتتح: إن التحولات التي تشهدها المنطقة العربيّة منذ العام2011، تؤشر لعدة إشكالات ومشكلات جوهرية، تتطلب نفض الغبار عنها وفتح البحث والحوار والنقاش حول عدّة قضايا،. ومن بين القضايا التي تستحقّ في نظرنا، إعادة دراستها، هي مسألة الثقافة ومشكلاتها أو وظائفها في مشاريع الإصلاح والتجديد والتغيير المنشودة عربيا وإسلاميا. لماذا يتوجب علينا تصحيح الثقافة؟ وهل الوعي الثقافي عربيا مأزوم فعلا أم مجرد أوهام الجدل الثقافي؟ هل الراهن الثقافي يختزن بذور التمدن؟ أم أنّ أزمة الثقافة أعمق مما يفقدها إمكانية بعث التمدن؟

في الحقيقة، تتزاحم الأسئلة وتتدافع عند طرح إشكاليات ومشكلات، موضوع الثقافة في تجديد الوعي بقضية التمدن عربيا وإسلاميا من جهة لأنّ مفهوم الثقافة ليس محدد ومضبوط حيث هناك تداخل مفاهيمي ومنهجي، فالحديث عن تصحيح الثقافة في مجالنا العربي اليوم، هو حديث عن مسألة، متداخلة الأنساق والأبعاد والآفاق، ومن جهة أخرى وعي التجديد كعملية ثقافية استراتيجية في توفير الإجابات الأساسية والمركزية في مشوار تصحيح الأخطاء الثقافية وتجاوز الأزمات المنهجية وتفعيل الحركة الثقافية..

عن مطلب الوعي:

أزمة الوعي تمثل إشكالية إنسانية تاريخية لا تكاد تنفك عن كل ماهو تطلع ورغبة ومقصد في ماهية الإنسانية أفرادا وجماعات وأمما، هذه المشكلة تعتبر أم الأزمات لأنه بدون تجاوزها وتفعيل آليات الوعي وتعبيد الطريق أمامها ومد الجسور لها على طول وعرض آفاق الواقع لا يمكن لأمة أن تراوح مكان سباتها الحضاري بل على العكس ستزداد استغراقا في أوحال ضعفها واستغلالا من لدن مستثمري وهنها، هكذا كان حال الغرب الذي تبهرنا نظمه وانظمته ومنتجاته وتقنياته وحضارته وثقافاته..

كما يعبر بول هازار عن تاريخ خروج الغرب من نفق التخلف والانحدار على كل مستويات الحياة الإنسانية في بحثه حول أزمة الوعي الأوروبي 1680-1715، من خلال رصده المحددات الكبرى لذلك والتي أنهت حقبة الغرب القديم وأنظمته الفكرية والثقافية والاجتماعية. وقد بين بول هازار كيف أسهمت أفكار القرن ١٨ في ترتيب الواقع لميلاد مجتمع جديد، تحكمه مبادئ الحركة مقابل الثبات، وقيم النسبية في التعامل مع الظواهر بدل المقاربات اليقينية والقطيعة، مع تمكين قيم العقل والحرية والمواطنة من صياغة البنى الثقافية العامة، هذا الطرح لهازار يعتبر نافذة مهمة في فهم سنن التاريخ القريب والاشد تأثيرا في حيثيات واقعنا بل هو مركز انبعاث الجدليات المتطايرة في جنبات يومياتنا، مما يعني حاجتنا لنزعة وعي خاصة وموضوعية قادرة على إنهاء مخاض الواقع بميلاد مجتمع عربي واسلامي جديد بقيم إنسانية حضارية..

مشكلة الوعي وإشكاليات الثقافة؟؟

الوعي كمفهوم بحد ذاته يشكل إشكالية لدى رواد التبرير التاريخي مما يجعله مشكلة في الواقع تتغذى من انتكاسات على مستوى حقول ثقافية متعددة ترتبط بالثبات المعرفي للمفاهيم الاستراتيجية في هندسة شروط النهضة، من قبيل مفاهيم التاريخ، العدالة، الحرية، الدين، الاصلاح، التغيير، القيم، بالمختصر حزمة مولدات الوعي كنواة أساسية لميلاد مجتمع متمدن ليس بمفهوم الغرب وإنما إنسانيا بما يبرز ماهية الدين كحاجة حضارية للإنسان في مشوار تطلعاته نحو الطبيعة والكون والمطلق...

تلك المفاهيم وغيرها يعتبر تجدد فهمها بما يعالج جدليات واقع ثقافتنا العامة كأفراد وشعوب وقبائل وأمة، مفتاح فك طلاسم مشكلة الوعي، فالتاريخ مثلا يشكل حضوره في ثقافتنا العامة مأزق ليس لدى العامة بل لدى بعض الأكاديميين ورواد الخطاب الديني، لأن منطلق التداول الثقافي لهذه المفاهيم مؤسس في الغالب الأعم على تناقضات منهجية تطبيقية حيث التاريخ كمثال سابق لم يضبط منهجيا فلسفة وعلما ونظما، مما يجعل فوضى المفاهيم تشكل ضبابية معرفية اجتماعية تنحرف بالوعي عن تصور الأولويات والواجبات والحقوق والقيم العادلة والإيجابية الإنسانية وهكذا دواليك..

انسداد مجرى الوعي مرده أساسا كمشكلة للثقافة في شتى تمثلاتها وسياقاتها الاجتماعية، وهذا ما حفلت به مسيرة المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي رحمه الله، بدءا من المفهوم وعبر حرب الأفكار التي انتبه لها مبكرا من خلال بحثه للصراع الفكري في البلاد المستعمرة ثم التصنيف الدقيق لمنظومة الأفكار وآثارها ومقاربة شروط النهضة ومعادلة الحضارة كمفهوم دون مفهوم الثقافة وتابع للأخيرة ونتاجها، مع رسم المعالم الكبرى للوجهة الإسلامية من طنجة إلى جاكرتا، كل ذلك عبر عملية صناعة الوعي التجديدي كمعامل في سنن التاريخ، وعكس بمشروعه التفكيكي الإصلاحي للثقافة صورة المثقف المجتهد في دوره، كما هناك أيضا مقاربات الدكتور مهدي منجرة التي ناقشت التحولات الثقافية الكبرى، مستشرفا أهم المسارات ومآلاتها وتأثيراتها على مصير الإنسان والمجتمع في الجغرافية العربية والإسلامية دون أن ننسى المشاريع الإصلاحية الدينية التي حاولت رسم معالم التغيير والإصلاح على ضوء قراءات متعددة لآفاق النصوص الإسلامية من الكتاب والسنة وكذا الحضارات المعاصرة منها ما كان بخطاب وأخرى بلغة علمية نقدية أكثرها يشخص دون التعمق في صلب المشكل الثقافي بجدية ودون مجاملة، ولعل أهمها انطلقت من الحاجة للوحدة بين تنوعات الأمة مركزا على تنمية وعي الإنسان بضرورات الحوار والتسامح والتعايش والتجديد والانفتاح الثقافي الإنساني ومن ابلغها خطابا وادقها منهجية واوسعها آفاقا مشروع السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله الذي كان مفكرا إسلاميا مجددا بإمتياز عبر مزاحمة العلماني بكل رحابة في تقرير النزعة الانسانية والتمدن على ضوء الفهم المتحرر للإسلام كدين للإنسان والحياة...

مستخلص:

هناك عدة مشاريع تجديدية على طول طنجة-جاكرتا تتقاطع مع جل الإسهامات النقدية التصحيحية للثقافة وتفعيل الوعي بالدور الحضاري للفرد والمجتمع في أمتنا على المدى الإنساني وعلى ضوء القيم الدينية والإنسانية العادلة، بعضها بقي حبيس التنظير وأخرى تزايدت مع مطلع الألفية الثالثة والى يومنا من خلال تفكيك مشكلة الوعي التجديدي، حيث سنحاول من خلال سلسلة مقالات تسليط الضوء على أهم المواضيع ذات العلاقة بمطلب وعي التجديد الثقافي عبر عدة رؤى لنخبة من الفاعلين في الحقل الفكري والفلسفي والديني حتى لا نبخس الناس أشياءهم وكل مرادنا العرض والمناقشة والتقريب بين وجهات النظر كلها بما يكفل التصحيح الأدق والسليم لأخطاء البناء الثقافي وعلاج مشكلات الثقافة العالقة بسبب الأمزجة والمصالح والمغالطات وأملنا الكبيرتجديد ثقافتنا العربية والإسلامية تأسيسا للتمدن الحضاري الأمثل المحتضن للإنسان بما كرمه الله بعيدا عن الأغلال المبتدعة والتي ما نزل الله بها من سلطان...

 

مراد غريبي - كاتب وباحث في الفكر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5451 المصادف: 2021-08-08 11:52:33


Share on Myspace