 تجديد وتنوير

مراد غريبي: صور مثقف التخلف في المجال العربي المعاصر

مراد غريبيمفتتح: لاشك أن راهن المشهد الثقافي العربي يعكس العديد من مظاهر التخلف الشاملة لكل مناحي الفعل الثقافي وضمور العقلانية وحركية التجديد وخطاب التنوير وما هنالك من أساسيات التمدن الثقافي، وهذا الواقع يبرز ويتحدد في أشكال ثقافة التخلف في الفضاءات السوسيوثقافية والتي يمكن التقاطها في صور المثقف ضمن هذا التخلف والمساهم فيه بصفة مركزية وإجرائية في أغلب الصور مما جعل التخلف ظاهرة ملازمة للاجتماع الثقافي العربي والإسلامي المعاصر، ونظرا لارتباط مشكلة الثقافة عموما ومسؤولية المثقف تحديدا بأي أزمة أو مأزق سوسيوثقافي، يتوجب علينا تسليط الضوء على صور مثقف التخلف لمحاربة دوره في تعطيل أي تقدم أو تفكيك وتشخيص لأزمات الواقع العربي والإسلامي العام، كما أن الحاجة لتعرية المثقف المزيف تعد ملحة وأساسية في مسارات الإصلاح والتجديد والتغيير وفتح المآزق وحلحلة الأزمات، لأنه أي ظاهرة ترتبط بصور زائفة وتمويهية يكون تحليلها وتجاوزها عصيا بدون تمحيص بنيتها ونظامها وآلياتها وانساق نتائجها، وبالتالي لابد من تحديد صور مثقف ظاهرة التخلف حتى لا تلتبس علينا الامور ولا تستحكم فينا مطارحات واشعار مثقف التخلف وأفكاره الميتة والقاتلة التي لا تزال ترسخ قيم الرجعية والاستبداد والتمويه والتسقيط وبرمجة العقول على موجات التبعية والطائفية والتكفير والاحاديات الأيديولوجية وتلميع صور الطغاة والظالمين والعابثين بالأديان والمذاهب والاوطان والإنسان في عالمنا العربي والإسلامي..

معنى التخلف:

التخلف ليس ظاهرة اجتماعية فقط وإنما ذات علاقة بماهية الثقافة والآخر وصراع الهويات والإرادات فكما جاء في قراءة تحليلية نقدية للاستاذ محمد المحفوظ لظاهرة التخلف الثقافي بصحيفة الرياض

التخلف يعني لغويا: القعود أو العجز عن مسايرة الركب، وفي المعنى الاصطلاحي، هو التأخر الزمني والقيمي والسلوكي عن ركب الحضارة. فالإنسان أو الجماعة، حينما تكون القيم السائدة في حياتهما، تدعوهما إلى التكلس والجمود والرتابة، ويبرر لهما واقعهما المتأخر والسيئ يطلق على هذه الحالة مصطلح التخلف.

نكتفي بهذا القدر من قراءة الأستاذ المحفوظ، حيث المستفاد من مفهوم التخلف في دلالته الإصطلاحية في بعدها الثقافي، هو كل مظهر من مظاهر الرجعية والتأخر والعجز عن التقدم في مجالات التمدن والتحضر أو إعاقة وتعطيل وتشويه وتسقيط مشاريع الإصلاح والتجديد، مما يعني أن التخلف يكون شاملا وشموليا فيصبح المجتمع تابعا وقابلا للاستحمار (مصطلح للدكتورعلي شريعتي) والاستدمار(مصطلح للدكتور الجزائري مولود قاسم نايت بلقاسم) وللاستعمار (كما نظر لذلك المفكر مالك بن نبي في تحليله لمشكلات الثقافة والحضارة)، اي أنه كل مثقف يعمل على تكريس ظاهرة من ظواهر التخلف أو تبريرها أو محاولة تزكيتها وتغليفها بغلاف التحضر والوعي والإصلاح أو تقديسها عبر تحوير وتوجيه عكسي لمقاصد ومعاني النصوص الدينية، يصنف ضمن نادي مثقفي التخلف..

التمييز بين ثقافتي التخلف والإختلاف:

يجب التمييز بين ثقافة التخلف كتركيبة سلبية تكرس الخلاف بكل أشكاله، وثقافة الاختلاف تفاعل إيجابي يهدف إلى تنمية الوعي والتعاون والنهوض والابداع والتكامل، لذلك فإن المجتمعات العربية والإسلامية، لا يمكنها النهوض والتطور والتقدم اذا استمرت بالخضوع إلى تأثيرات ومفاعيل التخلف الثقافي ولم تنتبه وتكتشف مقومات التغيير وأدبيات الاختلاف واستراتيجيته في مشوار التجديد والتنمية الثقافية..

نشأة مثقف التخلف:

من الطبيعي أن تعرف المجتمعات القابعة في أوحال التخلف الثقافي على جميع المستويات أنماط من مثقفي خدمة هذا التخلف، بحيث تشهد تدني وإعاقة في قيمة النمو بشتى تمثلاتها في الفكر والأدب والعلوم والصحة والقانون والإقتصاد والرياضة والفهم الديني والفنون وما هنالك من ميادين الحياة، نظرة وممارسة، أشكال من المثقفين على منوال هذا التردي وضمن خط طول مسار التخلف وليس عكسه، خدمة لمصالح ذاتية وخاصة، تستفيد من هذا الانسداد في حركة التغيير والتجديد والتنوير والتحرير والعقلانية، عبر ترسانة أفكار وخطابات وعلاقات وصحف ومقالات وكتب وإعلام ومنابر مأجورة دينية وسياسية، لا تعرف سوى تلميع العفن وشيطنة التجديد والإصلاح والتنوير وتبرير أشكال الهيمنة والتمويه والتعطيل لعجلات الوعي والنهوض والمدنية والمعاصرة..

ومثقف التخلف ينشأ ضمن أطر منظومة ثقافية فاسدة جذورها تعود : إما لخلل تربوي بالأساس، أو صدمة اجتماعية او رهاب سياسي او سمسرة أيديولوجية او تبعية ثقافية، وهذه الحالة تتعاظم مع تضخم شخصيته بحيث تصبح تلازمه في إدارته لمصالحه وعلاقاته وتتطور الحالة بأن يصبح هذا المثقف عميلا تحت الطلب لدى رواد أسواق الرداءة والأسطرة والخرافة والادلجة والاستبداد..

صور مثقف التخلف:

بادئ ذي بدء لابد من القول أنه ليست هناك مفارقة بين الثقافة وصور المثقف، بل هناك حالة تطبع حيث تمثلات المثقف هي انعكاس في جوهرها لمقتضيات ثقافته الحقيقية. وحينما تبرز المطابقة بين ثقافة ما ومروجها، تتشكل طاقة تسويقية للمادة الثقافية تتوقف على مدى فاعلية مثقفيها في الترويج ودرجة الاستثمار لهذه الثقافة ومن خلال هذه المقاربة نحاول التقاط صورا لمثقف التخلف مع العلم ان مثقف التخلف في أغلب صوره انتهازي ونفعي وإيديولوجي وتحيزي يتقلب حسب الطلبات والرهانات والمصالح:

المثقف الهيجموني**: هذا أخطر مثقفي التخلف لأنه يؤسس أنظمة التخلف وخبير في فلسفة التخلف وكل الصور الأخرى بشكل أو بآخر تتحرك ضمن ثقافته الفاسدة واللااخلاقية والأقرب إليه هو المثقف الطائفي إما عن إدراك أو دونه، علما ان التخلف كثقافة مبرمج ضمن أنساق ثقافية محددة وخيارات ووسائل ومؤسسات تم توظيفها ضمن تقنيات دقيقة لنشر ظاهرة التخلف وقيادتها..

المثقف المهني: تعج به المؤسسات التعليمية والجامعات العربية أكادميين بدرجة أساتذة وباحثين، هم والبحث العلمي اثنان، حيث بيع النقاط والمناصب ورسائل التخرج وأطروحات الدكتوراه والمقالات العلمية وملاحقة الدرجات دون ادنى نتاج او فعل ثقافي مؤثر وللعديد منهم سرقات كلية او جزئية عبر الترجمة او مباشرة واستيلاءات على بحوث ودراسات لطلبة تحت إشرافهم، هؤلاء يصنعون ضمن ثقافة التخلف مساحة واسعة لأننا نجد حضورهم ليس في أماكن الوظيفة والعمل فقط ولكن حيثما وجد السخاء التخلفي ويبررون الواقع بحيادهم الممنهج ويتشدقون بالقيم والمبادئ ..

المثقف التبجيلي: وهذا ثقافته تلميع العفن وتزيين الشناعة وتضخيم الأقزام وتبييض السواد وقلب المفاهيم وتزييف الحقائق، يتمركز في دوائر الإعلام ومنابرالسياسة والتدين..

المثقف الخرافي: هذا ميدانه الخصب هو الديماغوجية سواءا في فضاءات التدين أو مجالات الأيديولوجية، يجتهد في عقلنة الأساطير، إضفاء القداسة عليها وتأصيل الخرافة وتمكينها اجتماعيا في سبيل تجفيف منابع الوعي السليم واستمرار الاستحمار وفي الغالب هذا المثقف يكون متمكن من أساسيات سيكولوجية الجماهير ونظم قيادة القطيع..

المثقف الطائفي أو العدواني: ثقافته الأساسية تجميع السلبيات والزلات والانحرافات الشخصية والفئوية وخاصة التاريخية، يمتاز بالنزق وقلة الحياء والتجلبب بمظاهر التدين أو الاوسمة المبتاعة من أروقة الجامعات والمنظمات والمجاميع والحوزات وما هنالك، كثير البروز في الاعلام الفتنوي، يستخدم في بعض الأحيان الخطاب الحداثي وفنون الاقناع التمويهي، مادته الدسمة تشويه الآخر المغاير وأخطر تمثلاته، العقائدي الذي ينافح في تبرير الإرهاب وتسقيط الآخرين دينيا عرقيا ومذهبيا وسياسيا..

جماع المقال: دون الخوض في هرطقات -بحسب تعبير المرحوم جورج الطرابيشي- التمويه التي يتقنها مثقف التخلف حول جدلية فردية التخلف او جماعيته، المثقف او الشعب، هذه لعلها أبرز صور مثقف التخلف التي تحرض على محاربة خطابات الإصلاح والتجديد والتمدن وقيم التسامح والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في المجال العربي المعاصر.

والمفترض أساساً أن تفكيك ظاهرة مثقف التخلف ومواجهته هو من أولويات المثقف المهتم بحاجات شعبه وأمته العادلة والحضارية، لأن المحرك الأساسي لثقافة التخلف إجتماعيا هو المؤطر لهذه الثقافة والقائم على حيويتها وتفشيها، فلا يمكن اختراق ظاهرة التخلف قبل تحييد القائمين عليها والعاملين من أجل استمرارها، هذه بعض التصورات الأولية في تحديد أنماط مثقف التخلف. وأهم ما كشفت عنه هذه التصورات هو انتظام مثقف التخلف إما في أنظمة الاستبداد كلها والسباحة وفق تياراتها، أو الحيادية السلبية، أو القابلية للاستحمار.

 

مراد غريبي: كاتب وباحث في الفكر

.........................

(**) نسبة للهيجمونيا، أي أنظمة الاستبداد والغَلَبة بحسب ابن خلدون، ونماذج مثقفين واجهوا الهيجمونيا (فرانز فانون وألبير كامو وإدوارد سعيد وإيمانويل تود).

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5474 المصادف: 2021-08-31 03:02:02


Share on Myspace