majed algarbawiaبات الارهاب باسم الدين والاسلام خطرا حقيقيا يهدد أمن العالم وسلامة الامم، وصارت الحركات الاسلامية المتطرفة عبئا اثقل كاهل

العاملين والمصلحين. ففي كل يوم تفيق الشعوب على جريمة نكراء، يذهب ضحيتها  النساء والرجال والاطفال. وكلما حاولت الذاكرة نسيان الماضي ايقظها انفجار هنا او جريمة هناك. وكلما ارتكز الانسان الغربي الى التسامح في التعامل معنا جرته دماء الابرياء الى التعصب والانكماش والرفض، وكلما اعتذر المسلمون عن جريمة افسدتها جريمة اكبر. ان ما تقوم به الحركات الاسلامية المتطرفة يتطلب مزيدا من التنقيب في الاسس الفكرية والعقدية التي يصدر عنها العمل الارهابي، ولا يكفي الانشغال بدراسة وتحليل الاسباب الظاهرية للحدث، فثمة سبب اعمق يدفع الفرد باتجاه التضحية بالنفس. لا نريد التقليل من اهمية الاسباب النفسية والسياسية والاقتصادية، الا انها اسباب ثانوية. اما السبب المحرك فهو سبب ايديولوجي، ديني. فعقيدتي ان الاتجاهات الاسلامية تحركها دوافع دينية ايديولوجية، او دينية – سياسية، وليست سياسية خالصة. واذا لم تصدق هذه الرؤية على التيارات الاسلامية الجديدة، فانها لا شك تصدق على التيارات السلفية والتكفيرية والحركات الاسلامية المتطرفة. نعم ربما تستغل هذه الروح من قبل قادة التنظيم او غيرهم، الا ان الحافز الحقيقي لتضحيات القواعد والافراد تبقى حوافز عقدية دينية.

وعندما ينتسب الارهابيون الى التيار الاسلامي، نكون قد وضعنا ايدينا على مصادر العقيدة الاسلامية، وهما الكتاب والسنة، اضافة الى تاريخ طويل من الحروب والمعارك التي جرت باسم الدين والاسلام، بدءا من الصحابة حتى يومنا هذا. وهنا بالذات تبدأ المشكلة، مشكلة النص الديني وقدرته الفائقة على تلبية حاجة الايديولوجيات والاتجاهات الفكرية والسياسية. النص الديني يتصف بمرونته العالية، ومراوغته، وسهولة الوقوع في شراكه. لذا فكل الاحداث الدامية التي مر بها المسلمون جرت باسم الدين، وكل الويلات التي ذاقتها شعوبنا كانت باسم الاسلام. نشبت الحروب باسم الدين، واريقت الدماء باسم الدين. شرعنة القتل، ومصادرة الحقوق، والاستحواذ على السلطة، وتكفير الآخر المخالف، بل حتى تكفير الآخر الداخلي الذي ينتمي الى ذات الاسلام، كل ذلك جرى ويجري باسم الدين. فلا حجة اقوى من الدين، ولا سلطة اكثر فاعلية كسلطة الدين، فكان الدين وما يزال ملاذا لتبرير الممارسات الارهابية، والسياسات التعسفية. من هنا كان النص الديني اكثر النصوص حاجة الى منهج علمي رصين، يلاحق مناسبات الحكم والموضوع، ويحدد دلالات النص قياسا الى نصوصه الاخرى. سيما بالنسبة الى القرآن الكريم، الذي تميّز على غيره من الكتب السماوية، بكثافة نصوصه التحريضية على القتال والحرب، او الارهاب بالمنطق الحديث. والسبب ان القرآن دخل المعركة الى جانب الرسول، فكان الموجه، والهادي، والمخطط، والامر، والناهي. وكان يتابع فصول الدعوة، ويلاحق مشاهد المعركة بين الاسلام والكفر. فضبط لنا النص تفاصيل الغزوات والمعارك التي خاضها المسلمون بمعية الوحي الالهي. وهي احداث مرتبطة بعصر الرسالة، ومن خصوصيات الرسول، كما هو واضح في كثير من الاوامر الموجه الى شخص النبي (ص). وكان الخلفاء الراشدون يعلمون ذلك، لذا اعترض الخليفة الثاني على حروب ما يسمى بحروب الردة، وساءل ابا بكر عن مبرراتها الشرعية!! بينما تنحى الامام علي جانبا. الا ان السياسية ومتطلبات الحكم كانت المبرر الاساس  لتوظيف النص وتفعيله ثانية رغم خصوصياته. والمؤسف ليست هناك محاكمة صريحة وعلنية لمرحلة الخلفاء، وليس هناك من يناقش في شرعية المعارك والحروب التي جرت باسم الدين والاسلام. بل العكس اصبحت سيرة الخلفاء حجة شرعية يستدل بها على شرعية قتال الآخر، لاي سبب كان!!.

اذن اضافة الى مشكلة النص، التي هي مشكلة ذاتية، هناك مشكلة الاتجاهات  والنفعية، التي وظفت النص لخدمة مصالحها السياسية والأيدلوجية. وربما كتاب معالم في الطريق لسيد قطب مثالا واضحا لهذا الاتجاه. فقد ألهب الكتاب مشاعر الشباب المتدين المؤمن وزجهم في اتون المعركة باسلوب ادبي اخـّاذ. فلم يختر سيد قطب من النصوص سوى ما يخدم هدف الكتاب. وهو الثورة المستمرة ضد الآخر، ايا كان اتجاهه. وفق معادلة تضع الانسان امام خيار واحد، لضمان مرضاة الله تعالى، وهو الشهادة في سبيل الله.

وبعبارة اوضح، ان الخطاب الديني اعاد تشكيل العقل الحركي على اساس هجاء الحياة وعشق الموت، كراهية الآخر وتمجيد الذات، اهمال الدنيا وتعمير الآخرة، كسب رضا الله تعالى بالتضحية والفداء لاي سبب كان. فلم يثقف الخطاب الديني قواعد الحركات الاسلامية على تبني العفو والرحمة والتسامح والمغفرة مع الآخر، وانما تثقف على كره الآخر، والتخطيط لقتله واستئصاله. ولم يتثقف الفرد على سعة رحمة الله ومغفرته، وانما تثقف على ان الله جبار السماوات والارض، لا يمكن ادراك رحمته بالايمان والعمل الصالح، وانما بالتضحية والشهادة في سبيله. فالفرد الحركي ليس مخلوقا لاعمار الارض، وادارة الحياة، وانما مخلوق للآخرة، يتمنى كل يوم ان يرزقه الله الشهادة ليتخلص من عبء المسؤولية وينال رضا الله ويحظى بالنعيم الابدي. ليست الدنيا سعادته، وانما الآخرة، وليست المرأة انسه، وانما الحور العين. وليس الانسان رفيقه وانما الملائكة المقربون. انها ثقافة لا تمت الى القيم الانسانية التي نادى بها القران بصلة. بينما تؤكد النصوص على فوز الانسان في الآخرة من خلال اعمار الارض، والاهتمام بالحياة، والنجاح في تجربة الدنيا، والنجاح في كيفية تحول مفاهيم الخير الى قيم حقيقة بين الناس، وكيف يكون الانسان المؤمن اول من يتحلى بالروح الانسانية، ويحترم قيم الانسان، لا ان يستهين بحياته وحياة الآخرين، ويستسهل قتل العزل والابرياء.

  بهذا الطريقة تشكل العقل الحركي، فحافزه الى الموت هو كسب رضا الله تعالى. فيكون عنوان الشهادة بذاته مطلبا دينيا لضمان مرضاة الله، بقطع النظر عن جدوى الموت بهذه الطريقة، وجدوى العمليات الانتحارية، وما هي تداعياتها، وكيف ينعكس الموقف على الجاليات الاسلامية المنتشر في انحاء العالم، وكيف سينظر المجتمع الدولي لنا. كل هذا ليس مهما امام الجهاد وخوض المعركة ضد الآخر المختلف دينيا. والذي يساعد كثيرا على تنشيط العمليات الانتحارية ويستقطب اعدادا كثيرة، هو وجوب طاعة اولي الامر، وعدم جواز مناقشتهم او التمرد على اوامره (يا ايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم). فالخطوة الاولى على الطريق ان يتحول الداعية الى دمية بيد قائد الخلية، ويرتهن اليه مصيره ومستقبله. وهي صفة اساسية طالما اكد عليها قادة التنظيمات الدينية المتطرفة، بل هي رأس مال هذه الحركات. شاب مؤمن بالشهادة في سبيل الله، ومطيع لامر القيادة الى حد الخضوع والتذلل. سيما هو يعتقد حقا انما يطيع الله تعالى باطاعة هؤلاء، لذا لا شك بصحة ما ينقل من ابتهاج وفرح وبكاء قبل وبعد العمليات الانتحارية، فمن لم ينتدب لعملية قتالية، يبكي ويتألم ويعتقد ان الله تعالى ساخط عليه، فلم يوفقه للشهادة، بينما يفرح ويبتهج عندما يكلف بمهمة، فانه دليل الفوز بالجنة. انها مشكلة الوعي ومشكلة تمييز الحقيقة، ومعرفة الصواب. للاسف ان المؤمن ادمن التقليد والانصياع فينفذ ما يملى عليه رجل الدين، وقادة التنظيم.

فكيف نعالج هذا النمط من التفكير، والنص الديني مستعد لتلبية كل الطلبات، حينما يتعامل معه الفرد بطريقة انتقائية تخدم مصالحه الايديولوجية؟. وهل ستنفع فتوى التحريم؟ اعتقد حتى الافتاء بحرمة هذا العمل لا ينفع، لان اصحابها مدانون بنظر الحركات الاسلامية المتطرفة، بل متقاعسون عن الجهاد يستحقون العقاب. وليس صعبا عليهم اقناع قواعدهم بذلك، بل النص الديني زاخر بالتقريع والوعيد لكل من يتخلف عن الجهاد!!. كما ان فتاوى دينية جاهزة لتبرير العمليات القتالية في أي وقت ومكان، و لا يبقى على الحركة سوى اقناع الداعية بفعلية الموضوع. فهل يا ترى ينفع اجماع مئة وثمانين عالما دينيا على حرمة هذه الاعمال في المؤتمر الاسلامي الاخير المنعقد في الاردن؟ كلا، لا ينفع لكن ربما يساهم في زيادة الوعي مستقبلا. ان هؤلاء وجدوا في العلميات الانتحارية فرصة تاريخية طالما راودتهم في احلامهم. والشهادة جاءتهم اليوم على طبق من ذهب، سيما اذا كانت ضد المصالح الغربية، الذي ساهم الخطاب الاعلامي الديني والوطني في تشويه جميع معالمه، حتى بات شرا مطلقا يجب القضاء عليه اجلا ام عاجلا.

من هنا ينبغي الاسراع في بلورة ثقافة دينية جديدة، ترسم حدود الاحكام الشرعية في القرآن، وتحدد ما هو مختص بحياة الرسول، وتبين متى وكيف يكون الحكم مطلقا في كل زمان ومكان. وهل جميع ما في القرآن فعلي. ثم يجب تكثيف الحديث عن النسخ، وهل صحيح ان آية السيف نسخت كل رحمة وعفو ومغفرة بالقرآن؟ يجب علينا اكتشاف حقيقة مسألة النسخ، يجب علينا كشف الاهداف السياسية وراء ترسيخ مفهوم نسخ آيات الكتاب. يجب التعامل مع المسلمين الاوائل باعتبارهم بشرا لهم مشاعرهم واحاسيسهم وغاياتهم واهدافهم السياسية. يجب الاطاحة بالساتر التاريخي الكبير بيننا وبين الوقائع، يجب ان نبدأ بالخلفاء الراشدين لنتبين مدى رشدهم، نكتشف اهدافهم وغاياتهم وخططهم. لقد تحول التاريخ الى حجة شرعية وهو بعد لما يكتسب شرعيته. يجب ان نفضح كل الذين وظفوا الدين والنص الديني من اجل مصالحهم السياسية والاجتماعية. بهذا الاسلوب فقط يمكن انتشال ما تبقى من قواعد الحركات الاسلامية المتطرفة. ونثقف ابناءنا على مفاهيم قرآنية تنتمي الى ثوابته وغاياته ومقاصده.

لا شك ان شرائح واسعة من الحركات الاسلامية اليوم بدأت تعي الواقع وتكتشف ملابساته، واخذت تسير بطريق آخر بعيدا عن العنف وثقافة الموت، وهو نقلة نوعية في تفكير الحركات الاسلامية، لكن تبقى وظيفة الوسط الثقافي والاعلامي مواصلة خطاب الوعي حتى يعود المتطرفون الى رشدهم ويعوا الحقيقة، ويكتشفوا اهداف قادة التنظيمات المتطرفة، وبهذا الاسلوب يمكن تحجيم العنف ثم القضاء عليه، لكن متى؟ نحتاج الى خطط فورية واخرى طويلة الامد ربما تستمر لسنين طويلة تطال الكتب والمدارس والمؤسسات والاعلام والتبليغ الديني، وتلاحق الوعي في كل مكان بغية القضاء عليه في مهده، لكن دائما باسلوب سلمي يقارع الحجة بالحجة والدليل بالدليل ومن داخل المنظومة الفكرية الدينية وليس من خارجها.

 

المقال منشور في ايلاف بتاريخ

الجمعة 8 يوليو GMT 5:00:00 2005 

 

.....................

ملاحظة هامة

كتب الكاتب الامريكي (Charles Paul Freund | July 30, 2005) مقالا بعنوان: Nailed to the Mosque Door  

تحدّث فيه عن افكار الكاتب ماجد الغرباوي حول الحركات الاسلامية والارهاب، معتمدا بشكل كامل على هذا المقال، لكن للاسف الشديد تقوّل الكاتب الامريكي على الكاتب الغرباوي ما لم يقله لذا اقتضى التنبيه، من اجل الحقيقة فقط

للاطلاع على المقال باللغة الانكليزية.

http://reason.com/blog/2005/07/30/nailed-to-the-mosque-door

 

يمكنم الاطلاع على المقال بنسخته الاصلية في صحيفة ايلاف على الرابط ادناه:

الحركات الاسلامية والارهاب

 

تابع موضوعك على الفيس بوك  وفي   تويتر المثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2224   السبت  8/ 09 / 2012)

mohamadsaed alamjadفي‌ ضوء القراءات‌ المتعددة‌ للواقع‌ الراهن‌، يبقي‌ الوعي‌ هو الاسّ في‌ معادلة‌ الصراع‌ القيمي‌ الحاضر، والذي‌ يجب‌ علي‌ كل‌ باحث‌ اسلامي‌ ان‌ يستلهم‌ اشعاعاته‌ ويتمثل‌ أبعاده‌ ويعيد صياغته‌ من‌ أجل‌ القضية‌ الاساسية‌ التي‌ يواجهها في‌ مهمته‌ الشاقّة‌، وهي‌ مهمة‌ التجديد والاصلاح‌ والنهوض‌ بالواقع‌ الذي‌ يعيشه‌ الشرق‌ والعالم‌ الاسلامي‌ ازاء مقولات‌ كابحة‌ وتقليعات‌ مدّمرة‌ لا زالت‌ في‌ توالد مستمر تكرّس‌ نزعة‌ الهيمنة‌ وتستعين‌ بتطورها المادي‌ الهائل‌ من‌ أجل‌ استعباد الشعوب‌ وتغليب‌ الاحادية‌ والفردانية‌ في‌ التفكير والمنهج‌ السياسي‌.

وبهذا الصدد يجي‌ كتاب‌ الاستاذ الباحث‌ ماجد الغرباوي‌: اشكاليات‌ التجديد، كدراسة‌ تتوغل‌ في‌ عمق‌ المشكلة‌ وتغوص‌ في‌ القاع‌ لتكتشف‌ وتثير وتحاور من‌ أجل‌ تحليل‌ داخلي‌ معرفي‌ للاسس‌ النظرية‌ التي‌ تتعكز عليها كل‌ من‌ الرؤية‌ الاخري‌ النازعة‌ للهيمنة‌ والتفرد، والرؤية‌ المقاومة‌ المتمثلة‌ للوعي‌ وعقلنته‌ لاثبات‌ الوجود والهوية‌ المعاصرة‌.

تتوزع‌ الكتاب‌ فصول‌ ثلاثة‌:

الوعي‌ الراهن‌.

احياء الفكر الديني‌.

الموقف‌ من‌ الاستبداد.

 

الوعي‌ بالتجديد

يتطرق‌ المؤلف‌ في‌ الفصل‌ الاول‌ الى‌ محورية‌ دور الوعي‌ في‌ التجديد مشخصاً الواقع‌ الراهن‌ علي‌ ضوء تداعياته‌ الخطيرة‌ المماثلة‌ لتداعيات‌ الواقع‌ التأريخي‌ السابق‌ على‌ عصرنا، فيكتشف‌ المؤلف‌ المماثلة‌ في‌ ارهاصات‌ ذلك‌ التداعي‌ وعلله‌ الاساسية‌ والمتمثلة‌ في‌ غياب‌ حالة‌ الوعي‌ تجاه‌ الفكر والعقيدة‌ والحكم‌ الشرعي‌ والمنبسطة‌ سلباً في‌ اتجاهين‌ رئيسيين‌: عدم‌ التمييز بين‌ ماهو الهي‌ وما هو بشري‌، وعدم‌ التمييز بين‌ ماهو مقدّس‌ وماهو غير مقدّس‌. وهو بذلك‌ يتوخى‌ طريقه‌ لرسم‌ آلية‌ منهجية‌ بعيدة‌ عن‌ افرازات‌ الذهن‌ البشري‌ المحدود او الملغوم‌ بظروفه‌ الخاصة‌ وصولاً الي‌ (اسلوب‌ الامام‌ علي‌ (ع‌) في‌ تعميق‌ الحس‌ النقدي‌ لدي‌ آحاد الامة‌، الذي‌ بعث‌ فيها الحياة‌ وأعاد لها شخصيتها حتي‌ قال‌ معاوية‌ بن‌ ابي‌ سفيان‌ في‌ وصف‌ هذه‌ الحالة‌. مخاطباً أهل‌ العراق‌: (لقد لمظكم‌ علي‌ بن‌ أبي‌ طالب‌ الجرأة‌ علي‌ السلطان‌ وبطي‌ ما تفطمون‌).

وهذا عند المؤلف‌ هو الكفيل‌ بالارتقاء الفكري‌ للفرد بعد ان‌ تتجسّر العلاقة‌ بين‌ الامة‌ ومصادرها الفكرية‌ والعقيدية‌ من‌ الكتاب‌ والسنّة‌ ليتشكل‌ بعد ذلك‌ تيار ضاغط‌ يهدد النزعات‌ الشخصيّة‌ ويرسم‌ اتجاه‌ حركة‌ الدولة‌ والقيادة‌.

ثم‌ يدخل‌ في‌ صلب‌ موضوعة‌ الكتاب‌ (التجديد) ويتوجس‌ من‌ مخاطرها لانها عبارة‌ عن‌ تقويم‌ الواقع‌ و(اعادة‌ صياغة‌ بنية‌ الفرد المعرفية‌ وفقاً لمتطلّبات‌ الحاضر وضرورات‌ المستقبل‌، وفي‌ اطار الثابت‌ والمتغير من‌ الدين‌) .

وهو ـ مع‌ هذا ـ يحثّ المفكر الخبير لخوض‌ غمار المعترك‌ وايقاد شعلة‌ الهّم‌ التجديدي‌ في‌ دواخل‌ ضمير الامة‌، لانه‌ ـ التجديد ـ حاجة‌ يتطلبها طبيعة‌ الظرف‌ الراهن‌ وهو يحوي‌ هذا التحول‌ المعرفي‌ الهائل‌ الذي‌ كلما تقدم‌ يوضح‌ بصورة‌ أكبر معركة‌ متبنيات‌ وآليات‌ التجديد والنهوض‌ لدى‌ الشرق‌ حيث‌ ينقسم‌ الى‌ متغرّبين‌ وسلفيين‌ واصلاحيين‌، وهنا تلتقي‌ مقولة‌ التجديد بالثقافة‌، فيعرّج‌ المؤلف‌ لمصطلح‌ المثقف‌ ويحدد عناصره‌ بثلاث‌:

1 ـ المعرفة‌: وهو الخزين‌ الثقافي‌ الضروري‌ لنقد الواقع‌ واصلاحه‌ يمكنّه‌ من‌ قراءة‌ التراث‌ الاسلامي‌ والنص‌ القرآني‌ قراءة‌ كاشفة‌ عن‌ الابعاد والمداليل‌ والايحاءات‌ والفروقات‌ بين‌ ثوابته‌ ومتغيراته‌.

2 ـ الوعي‌: وهو غير المعرفة‌ المتراكمة‌، بل‌ اضاءة‌ لفضائه‌ المعرفي‌ تحركّه‌ لنبذ المظاهر المتخلّفة‌ والمفاهيم‌ المقلوبة‌ وبكلمة‌ هو ادراك‌ الواقع‌ ومحاكمته‌، وبدون‌ الوعي‌ ـ كما يقول‌ ـ لا تتحرك‌ في‌ المثقف‌ دواعي‌ التجديد وهموم‌ الاصلاح‌. ثم‌ يذكر الامام‌ الخميني‌ كنموذج‌ انتج‌ وعيه‌ ادخال‌ عنصري‌ الزمان‌ والمكان‌ في‌ العملية‌ الاجتهادية‌ ارتقت‌ به‌ الي‌ مستوي‌ عصري‌ راقٍ.

3ـ الموقف‌: وهو العنصر الاساس‌ في‌ بلورة‌ مفهوم‌ المثقف‌ في‌ العصر الحديث‌، وهنا يتساءل‌ المؤلف‌ بشجاعة‌: ماذا يترتب‌ على‌ المعرفة‌ والوعي‌ اذا لم‌ يتحولا الى‌ موقف‌ شجاع‌ يعلن‌ علي‌ رؤوس‌ الاشهاد، وينفع‌ في‌ اصلاح‌ واقع‌ الامة‌؟

ويخلص‌ من‌ ذلك‌ كله‌ الي‌ ربط‌ المسألتين‌ معاً (التجديد والثقافة‌) ربطاً جدلياً منتجاً، يتجه‌ نحو اصلاح‌ الانساق‌ الثقافية‌ بعد تفكيك‌ مكوناتها ثم‌ مراجعتها بغية‌ تقويمها وفق‌ صياغة‌ تخدم‌ مصالح‌ الدين‌ والامة‌ معاً.

وكنموذج‌ للتجديد يتطرّق‌ المؤلف‌ لمدي‌ اهمية‌ الصياغة‌ الجديدة‌ لعلم‌ اصول‌ الدين‌ الذي‌ تطوّر نتيجة‌ بعض‌ السجالات‌ الفكرية‌ حول‌ العقيدة‌ الى‌ علم‌ كلام‌، والذي‌ أفرز جملة‌ من‌ السلبيات‌ اختزلتها مقولة‌ عزلة‌ الانسان‌ وعقيدته‌ عن‌ حياته‌ ومنهجه‌ السلوكي‌ في‌ المجتمع‌، فصار الانسان‌ بفعل‌ هذه‌ العزلة‌ غريباً عن‌ منهجه‌ القرآني‌ وفطرته‌ وصارت‌ العقيدة‌ تدور حول‌ مجموعة‌ من‌ المفردات‌ والابحاث‌ الكلامية‌ التي‌ انتجت‌ شرخاً كبيراً في‌ ما بين‌ اصحاب‌ العقيدة‌ الواحدة‌ فتشكّلت‌ الفرق‌ وتقاطعت‌ الافكار، وادّى‌ ذلك‌ كله‌ الي‌ رفد بوتقة‌ السياسات‌ المستبدة‌ واعانة‌ اصحاب‌ الاهواء والمصالح‌.

ويناغم‌ الكاتب‌ بطريقة‌ ايحائية‌ اطروحة‌ علم‌ الكلام‌ الجديد الذي‌ يهدف‌ الي‌ اكتشاف‌ جوهر العقيدة‌ الاسلامية‌ وحقيقتهاالمتمثلة‌ بالعودة‌ الي‌ المنهج‌ القرآني‌ الذي‌ يمنح‌ الانسان‌ دوره‌ الفاعل‌ في‌ بناء الحياة‌ ومواكبة‌ التطوّر الحضاري‌ لتبقي‌ العقيدة‌ واقعاً متحركاً مبدعاً يواجه‌ التحدّيات‌ ويواكب‌ المستجدّات‌ ويشبع‌ التطلعات‌ ويسمح‌ بالاجتهاد وتبادل‌ وجهات‌ النظر وفق‌ منهج‌ علمي‌ منتج‌ ومبشّر بكل‌ ماهو جديد.

وفي‌ ذات‌ الفصل‌ يستعرض‌ الاستاذ الغرباوي‌ الجذر التأريخي‌ لاشكالية‌ الحوار مع‌ الا´خر كمرحلة‌ اولي‌ تهي‌ الوسط‌ الناقل‌ للفكر والفكرة‌، فيقول‌: ولم‌ يواجه‌ الحوار الحضاري‌ الاسلامي‌ في‌ مراحله‌ الاولي‌ تحدّياً الا من‌ قبل‌ شعوب‌ كانت‌ تحتفظ‌ بانساق‌ فلسفية‌ وسياقات‌ فكرية‌ تتحكم‌ باداء العقل‌ وتمنع‌ اي‌ مراجعة‌ من‌ شأنها تقويض‌ البني‌ الفكرية‌ له‌ .

ولكن‌ هذه‌ الشعوب‌ في‌ الحقيقة‌ بقيت‌ تعاني‌ من‌ افرازات‌ انتماءاتها الخاصة‌ علي‌ فهم‌ النص‌ الديني‌ نفسه‌، الا ان‌ المسلمين‌ تمكنوا من‌ خلال‌ الحوار الجاد والمثمر من‌ التواصل‌ معهم‌ والتأثير بهم‌ وبناء الدول‌ الاسلامية‌ في‌ اماكن‌ متناثرة‌ من‌ العالم‌ الاسلامي‌ حتى‌ حقق‌ الاسلام‌ رفع‌ شقّي‌ الاشكالية‌ المتقدمة‌، الاعتراف‌ بالا´خر، والقدرة‌ علي‌ الانفتاح‌ والتفاعل‌ الثقافي‌ معه‌. وعن‌ الشق‌ الاول‌ تحدثت‌ التجربة‌ الاسلامية‌ وفتوحاتها، واما عن‌ الشق‌ الثاني‌ فيقول‌ المؤلف‌ أنه‌ مبدأ قرآني‌ رسخه‌ جمله‌ من‌ الآيات‌.

وحول‌ مدى‌ حجم‌ الاشكالية‌ المتقدمة‌ في‌ الحوار الحضاري‌ الراهن‌، فاننا نؤيد الاستاذ الكاتب‌ في‌ ابتلائه‌ بالاشكاليتين‌ المتقدمتين‌ (شقّي‌ الاشكالية‌، (فليس‌ وعي‌ الغرب‌ للاسلام‌ يساعد علي‌ الحوار وليس‌ الانفتاح‌ الثقافي‌ لواقع‌ المسلمين‌ يؤيده‌)، فالاسلام‌ في‌ وعي‌ الغرب‌ هو المنافس‌ الآيديولوجي‌ الاول‌ بعد انهيار الاتحاد السوفياتي‌ للاطروحة‌ الغربية‌ المعاصرة‌ التي‌ تشير مصادر دراستها (نهاية‌ التأريخ‌ لفوكوياما وصدام‌ الحضارات‌ لهانتغتون‌) لانها هي‌ خلاص‌ البشرية‌ ونهاية‌ جهدها الفكري‌ وحركتها الابداعية‌، وسعي‌ الغرب‌ لعولمة‌ هذه‌ الفكرة‌ مهمّشاً بها ايديولوجيات‌ العالم‌ وانساقه‌ الفكرية‌ الخاصة‌، ومادام‌ الغرب‌ لم‌ يعترف‌ بالآخر فسوف‌ لن‌ يتم‌ اشباع‌ هاجس‌ الحوار معه‌، وهذا يفرض‌ علينا ـ كما يذهب‌ المؤلف‌ ـ امتلاك‌ اللغة‌ التي‌ يفهمها الغرب‌ وهي‌ ـ عنده‌ ـ (لغة‌ القوة‌ والتطور التقني‌ والتعددية‌ والديموقراطية‌ في‌ الحكم‌ والحرية‌ في‌ ابداء الرأي‌ والصراحة‌ في‌ التعبير عن‌ قناعاته‌) كما (علينا نحن‌ أيضاً ان‌ لا ننغلق‌ على‌ الذات‌ الى حدّ نرفض‌ فيه‌ كل‌ مالدي‌ الغرب‌ من‌ ثقافة‌، لان‌ الآخر المختلف‌ من‌ شأنه‌ ان‌ يطوّر الثقافة‌ من‌ خلال‌ اشكالياته‌ واستفهاماته‌ التي‌ يثيرها باستمرار .

وفي‌ نهاية الفصل‌ الاول‌ يتعرّض‌ المؤلف‌ لبعض‌ هموم‌ المجتمع‌ الاسلامي‌ ودور المثقف‌ في‌ الدولة‌ الاسلامية‌، فتراه‌ لا يستعرض‌ النشأة‌ التأريخية‌ لمقولة‌ المجتمع‌ المدني‌ بقدر ما يشغله‌ تسليط‌ الضوء على‌ مفهومها وفرزها بشكل‌ دقيق‌ عن‌ ملابساتها من‌ الطروحات‌ الوضعية‌ والتقليعات‌ المستجدّة،‌ اذ يركّز على‌ هدفية‌ الطرح‌ الذي‌ يتوائم‌ مع‌ المبادي‌ الاسلامية‌ والقيم‌ الدينية‌، فليس‌ هذا الطرح‌ بمتقاطع‌ مع‌ وجود الدولة‌ الاسلامية‌ او يمتد مقابلاً لحقوق‌ المجتمع‌ المرسومة‌ شرعاً، بل‌ يهدف‌ هذا الطرح‌ الى‌ اعطاء الفرد في‌ الدولة‌ الاسلامية‌ فضائية‌ ومساحة‌ اكبر لممارسة‌ دوره‌ في‌ النقد والدفاع‌ عن‌ حقوقه‌ من‌ خلال‌ طوعية‌ الانتماء واستقلال‌ الشخصية‌ وحريّة‌ الرأي‌.

واما عن‌ دور المثقف‌ في‌ الدولة‌ الاسلامية‌ وتكوين‌ البنية‌ الفكرية‌ للمجتمع‌ والمساهمة‌ في‌ تجديد هويته‌ الثقافية‌، فيعقد الحديث‌ اولاً عن‌ الاشكاليات‌ التي‌ تواجه‌ دور المثقف‌ غير الاسلامي‌، فيقول‌: فالمثقف‌ غير الاسلامي‌ أما ان‌ يتخلّي‌ عن‌ كل‌ شي‌ء ليلتحق‌ بالآخر (الغرب‌) بدواعٍ (حداثوية‌) وحينئذ يعيش‌ غربة‌ حقيقية‌. او يحاول‌ ان‌ يجد صيغاً توافقية‌. بين‌ الاسلام‌ والآيديولوجيات‌ الآخري‌، فينتج‌ لنا اسلاماً مشوّهاً، وحينها سيعيش‌ هذا الفرد تناقضاً مريراً في‌ مجتمعه‌ .

اما المثقف‌ الاسلامي‌ ـ وهذه‌ التفاتة‌ جوهرية‌ رائعة‌ من‌ المؤلف‌ ـ فانه‌ فرغ‌ من‌ مسألة‌ المرجعية‌ الثقافية‌، فلا غربة‌ ولا تكاسل‌، لان‌ مرجعيته‌ الثقافية‌ تشع‌ له‌ بالرؤي‌ والافكار والطموحات‌ التي‌ ليس‌ لها حدّ. وهذه‌ المصادر الاشعاعية‌ تزودّه‌ بطاقة‌ حركية‌ تجعله‌ في‌ عمل‌ متواصل‌ لانجاز مهامه‌ التي‌ يلخصها المؤلف‌ بـ: بث‌ الوعي‌، النقد، تبني‌ قضايا الامة‌ .

 

احياء الفكر الديني‌:

وفي‌ الفصل‌ الثاني‌ يتناول‌ المؤلف‌ جذور فكرة‌ الاحياء الديني‌ بالبحث‌ والكشف‌ والتحليل‌ مستفيداً من‌ التجربة‌ الاسلامية‌ التي‌ كانت‌ حيّة‌ في‌ مبدأ أمرها بفعل‌ العبقرية‌ الفكرية‌ والسياسية‌ للرسول‌ الاعظم‌ (ص‌) وعدم‌ ظهور تيارات‌ تخريب‌ قوية‌ في‌ عهده‌، فأرسى‌ ملامح‌ الفاصلة‌ الضرورية‌ بين‌ الدين‌ والحياة‌، ثم‌ اجتاحت‌ الامة‌ الاسلامية‌ موجة‌ من‌ التخريب‌ الفكري‌ والسياسي‌، ووجدت‌ لها صدىً في‌ ثلاث‌ حروب‌ ثارت‌ الاولى‌ علي‌ العدل‌ والثانية‌ علي‌ الشورى‌ والثالثة‌ على‌ العقل‌.

وجر الدين‌ من‌ خلال‌ ذلك‌ لمصلحة‌ معاوية‌ وغيره‌ من‌ المتفعين‌، وانفصل‌ عن‌ السياسة‌ بل‌ تبعها، فكان‌ ذلك‌ من‌ اكبر حملات‌ التخريب‌ الديني‌ .. وهكذا يستعرض‌ المؤلف‌ تلك‌ الحملات‌ المتوالية‌ والممتدة‌ (13) قرناً حتى‌ جاءت‌ مرحلة‌ ما بعد الاحياء والمتمثلة‌ باشكالية‌ النأي‌ عن‌ مقاصد الشريعة‌ فتحمل‌ الاصلاحيون‌ الدينيون‌ مهمتهم‌ ابتداءً من‌ السيد جمال‌ الدين‌ الافغاني‌ الي‌ حين‌ قيام‌ الجمهورية‌ الاسلامية‌ في‌ ايران‌ .. ومرّ المؤلف‌ بمناسبة‌ الحديث‌ عن‌ التيار الاصلاحي‌ برموز الاصلاح‌ في‌ العالم‌ الاسلامي‌، السيد جمال‌ الدين‌ ودوره‌ في‌ مناهضة‌ الاستبداد واشاعة‌ تركيز الوعي‌ ومحاربة‌ الاستعمار ومشروع‌ الجامعة‌ الاسلامية‌ وتنقية‌ الفكر الاسلامي‌ من‌ الشوائب‌، والشهيد محمد باقر الصدر واسهاماته‌ الفريدة‌ والمتنوعة‌ في‌ الاصلاح‌، فكرياً وحركياً ومرجعياً، والامام‌ الخميني‌ واصلاحاته‌ الحوزوية‌ والسياسية‌ والاجتهادية‌ التي‌ أكدّت‌ دور العلماء وحجّمت‌ فقهاء السلاطين‌ وأتت‌ على‌ شاهنشاهات‌ ايران‌ وأذّنت‌ بانتهاء التبعية‌ للدول‌ الاستعمارية‌ وأعادت‌ للامة‌ دورها المغيّب‌ وانتهت‌ باقامة‌ دولة‌ اسلامية‌ على‌ أرض‌ الواقع‌ محققة‌ حلم‌ الانبياء والمصلحين‌.

والمؤلف‌ من‌ خلال‌ ذلك‌ يركّز على‌ مفاتيح‌ العبقرية‌ الاصلاحية‌ واسرار التحرّك‌ الاصلاحي‌ الواعي‌ مدّللاً بذلك‌ على‌ امكانية‌ اعادة‌ دراسة‌ وتمثّل‌ تلك‌ المشاريع‌ وضرورة‌ استكمالها نهوضاً بالواقع‌ الراهن‌ الي‌ أقصي‌ مديً ممكن‌، وكل‌ ذلك‌ عبر لغة‌ معاصرة‌ كان‌ يلوّح‌ بها المؤلف‌ من‌ خلال‌ ثنايا الكتاب‌ وطبيعة‌ توجه‌ بحثه‌ ودراسته‌.

 

الموقف‌ من‌ الاستبداد

ويدرس‌ المؤلف‌ الاستبداد في‌ الفصل‌ الثالث‌ ويبيّن‌ ماهيته‌ ومناوئيه‌ من‌ الاصلاحيين‌ كما يدرس‌ بشكل‌ مقتضب‌ جذره‌ التأريخي‌ ومعاناة‌ الامة‌ منه‌ ومن‌ اشكاله‌ التي‌ تتحدد بثلاثة‌: رضوخ‌ الفرد لتحدّيات‌ المستبدّ، الاستجابة‌ الطوعية‌ للمستبد وتسخير رجل‌ الدين‌ للشرعنة‌ وتطويع‌ الناس‌، الرفض‌ والتمرد وعدم‌ الاستجابة‌ لارادة‌ المستبد.

والحقيقة‌ ان‌ الاستبداد هو العقبة‌ الكؤود امام‌ التجديد والنهضة‌، اذ يقضي‌ الاستبداد سواء كان‌ سياسياً ام‌ دينياً علي‌ دور الا´خر الفرد او الامة‌، ويعطّل‌ قدرته‌ الذاتية‌ على‌ التحرك‌ الرسالى‌، وينتج‌ نسخاً مستنسخة‌ عن‌ المستبدّ ورأيه‌، ولكن‌ مع‌ المستبد دائماً يوجد أسّ آخر في‌ معادلة‌ الصراع‌ وهو المصلح‌، (فلا يمكن‌ للاستبداد ان‌ يستمر مادام‌ هنالك‌ دعاة‌ مصلحون‌، ولا يسود الاصلاح‌ وهناك‌ جذر للاستبداد).

ومن‌ هنا شرع‌ المؤلف‌ بدراسة‌ الخطوات‌ التي‌ اتبعها المصلحون‌ في‌ محاربة‌ الاستبداد:

1 ـ فضح‌ الممارسات‌ الاستبدادية‌ ومثل‌ لذلك‌ بالسيد جمال‌ الدين‌ والشهيد الصدر وعبد الرحمن‌ الكواكبي‌ وغيرهم‌، وما لاقوه‌ في‌ سبيل‌ ذلك‌ من‌ محن‌ وابتلاءات‌ وصور شتّي‌ من‌ الاضطهاد والتنكيل‌.

2 ـ تبني‌ مبدأ الشوري‌ والديموقراطية‌ كطرفي‌ النقيض‌ للاستبداد، وتطرّق‌ لآراء الكواكبي‌ ومحمد عبده‌ ومحمد حسين‌ النائيني‌ منظّر الحركة‌ الدستورية‌ في‌ ايران‌ والامام‌ الخميني‌.

وفي‌ هذه‌ النقطة‌ جعل‌ المؤلف‌ المعارضة‌ وحرية‌ الرأي‌ علامة‌ صحّة‌ تكشف‌ عن‌ قوة‌ النظام‌ وجدارته‌ واقصاء المعارضة‌ دليلاً علي‌ الاستبداد والقمع‌ لارادة‌ الجماهير ودّلل‌ علي‌ ذلك‌ بأقوال‌ للامام‌ الخميني‌ وهو ينظّر للدولة‌ الاسلامية‌ وعلاقتها بالامة‌.

3 ـ سيادة‌ القانون‌، القانون‌ الذي‌ يبدأ الاستبداد بانتهائه‌ واحتقاره‌ من‌ قبل‌ المستبد، وراح‌ المؤلف‌ هنا يتتبع‌ كلمات‌ الامام‌ الخميني‌ وهو يمنح‌ القانون‌ السيادة‌ العليا على‌ الجميع‌ كخطوة‌ اساسية‌ لمحاربة‌ الاستبداد، ويوضّح‌ العلاقة‌ بين‌ ولاية‌ الفقيه‌ واحترام‌ القانون‌ او مناهضة‌ الاستبداد وانه‌ لا تضاد بينهما بل‌ توافق‌ وانسجام‌ لان‌ هدف‌ ولاية‌ الفقيه‌ هو احترام‌ القانون‌ ومنح‌ الامة‌ دورها وحجمها الطبيعيين‌ كما فعل‌ النبي‌ والائمة‌ حينما تصدّوا لقيادة‌ الامة‌ وبناء الدولة‌.

واخيراً فكتاب‌ "اشكاليات‌ التجديد" الذي‌ بين‌ ايدينا هو نافذة‌ تقرأ من‌ خلالها وعي‌ المؤلف‌ المستمدّ من‌ وعيه‌ للواقع‌ على‌ صورته‌ التي‌ ينبغي‌ لكل‌ باحث‌ ودارس‌ ومثقف‌ أن‌ يعيه‌ ويعي‌ أسس‌ تشكّله‌ واشكالياته‌، تطلّعاً لنهضة‌ اسلامية‌ تعيد الرؤية‌ الاسلامية‌ الي‌ نصابها الواقعي‌ في‌ خضم‌ حملات‌ التشويه‌ والتهميش‌ وتمنحها مساحتها المرجّوة‌ من‌ لغة‌ العصر وشكله‌ الحاضر.

 

الغرباوي، ماجد، اشكاليات التجديد، ط2، 2001م، بيروت، لبنان، دار الهادي.