المثقف - أقلام حرة

التضحية وإشكالية التطبيق

عندما نطالع بجدية تراث الرواد من الفلاسفة والمفكرين الغربيين، سينكشف لنا دون عناء حجم التفوق الذي إحتفلت به اوروبا من سنين طويلة، مدعاة ذلك التفوق أن فلاسفتها ومثقفيها رسموا الخطوط العريضة لمشروع الحياة، او كيفية العيش في هذه الحياة . فتراهم دائماً ما ينظرون الى المستقبل على انه الامل دون الاخذ بالماضي الذي ينتابهم منه قلق النكوص والرجوع . مشروع الحياة يعني ان يعيش الانسان، لا ان يضحي فيموت لكي يعيش إنسان اخر .

التضحية، هذه المفردة التي تتجاذبها المجتمعات العربية بوعي وبدونه عادةً ما تكون مدخلاً حسناً للحديث عن الوفاء والشهامة ودلالة على أصالة المُتحدث عنه . لم ينجز استيعابها في مجتمعاتنا العربية بقدر توظيفها لأغراض ثانوية منتحلة صفة الدفاع عن: الدين، الحزب، الطائفة، القبيلة ..

لا أنكر اني أحد الذين تجاذب كلمة التضحية يوماً ما، على أنها نافذة الانعتاق من ظلم بشري الى بوابة إشراق ومفهوم بشري اخر ! الى ان قدحت في ذهني فكرة التأمل والمراجعة، خاصة بعدما قرأت في سيرة المضحين ومعاناتهم وكيفية استغلالهم واستخدامهم. قرأت عن التضحية بالنفس وبذلها في سبيل قضية او فكرة او من اجل الاخرين دون مقابل كما تكون التضحية بالمال والمصلحة، لكني لم أعثر على ترشيد او تقنين لهذه الكلمة التي يسهل إغواء الشباب بها وسوقهم كالقطيع الى الموت .

اذن نحن بحاجة الى بث وعي مغاير لمعنى التضحية لكي لا يساق العدد الاكبر من شبابنا الى مقاصل الموت او محارق السياسة .

يجب إعادة هيكلة وبناء مفهوم دقيق لمعنى التضحية وتعزيز وعي الشباب بالتحديد وترسيخه في أذهانهم، لا شيء يستحق الفناء في هذه الحياة . وكإنموذج للتضحية غير المقننة، تكون الاحزاب العراقية بشكل خاص والشعارات الاسلامية بشكل عام مثالاً حياً للإستخفاف بأرواح الناس وعدم الاكتراث بما يعقب موت الافراد او الجماعات .

وكما يقول الفيلسوف الالماني ألبرت شفايتزر، الانسانية هي ألا يتم التضحية بإنسان في سبيل غاية .

قدمت الاحزاب الاسلامية واليسارية في العراق جحافل من الشباب، قدمتهم قرباناً لكي يرفع شعار او لكي تنتصر فكرة على فكرة مغايرة ! صراع سياسي غلف أحياناً باسم الدين فزهقت به ارواح وانتهكت به انفس وكرامات، الخاسر الوحيد هو الانسان (المقتول ومن يلوذ به ) الرابح، هو المتخفي خلف الجحافل ثم يظهر لكي يتسلق على جثث الموتى فيرتقي ويصعد على اجسادهم لكي يقدم خطابه المجحف وكلما كثرت الجثث كلما صار للخطاب دوي واتساع وشياع اكثر .

لا اريد الخوض في التجربة العربية او العراقية وكيفية استغلال الشباب وجعلهم مشاريع موت تارة ًباسم الله وتارة ًباسم ماركس او عفلق، بقدر ما أريد ان أكتب تجربتي لعل هنا من يستفيد منها او من يرد علينا ويصحح لنا ما اعتقدناه .

فأقول بخطوة الواثق، ان التضحية معنىً نسبيا فهي تحتمل المرونة أكثر مما تحتمل التصلب، وليس هناك من فكرة او عقيدة او مشروع او طائفة يستحق التضحية بالنفس . لا شيء اغلى من النفس البشرية او اثمن منها، مفردة التضحية التي سيق بظلالها الشباب يجب ان تكون حدودها النفس الروح وان لا تتعدى ذلك أبداً .

كل شيء خلق من أجل الانسان فلماذا يموت الانسان من اجل غيره . دققوا في أعمار المنتحرين الذين يفخخون اجسادهم لكي يقتلوا الناس، لاحظوا ان معدل أعمارهم الخامسة والعشرين فما دون، تم إغرائهم وتحويلهم الى مشاريع موت، بكذبة اسمها التضحية من اجل الدين !

كذلك الحال عندما كان يُعتقل الشباب في سجون الحكومات العربية، يُمارس بحقهم التعذيب والجلد والاهانة وغالباً ما يكون الموت هو النهاية الحتمية، لكنهم عندما يخرجون من المعقل يفتخرون بما نالوه من تعذيب ويمتدحون رفيقهم الذي ضحى بنفسه لكي لا يبوح بسر ! ولا أعرف مدى خطورة هذا السر الذي اودى بحياة انسان ويتم أطفال ورمل نساء . ذكر احد الاشخاص الذي كان ينتمي الى احد الاحزاب الاسلامية العراقية، انه كان يعرف أحد المسؤولين الحاليين وانه كان يعمل معه إبان حقبة المعارضة، كان يخطب بهم ويحرضهم على الجهاد والاستشهاد والتضحية وان النفس يجب ان تكون تواقة للعروج الى السماء أكثر من مكوثها في الارض، يدعوهم لكي يستقطبوا الشباب من جيلهم، مرت السنين وإلتقى صاحبنا بصاحبه، واذا به مسؤول وثري جداً، لكنه يرغب المكوث في الارض مفضلاً دفع الشباب الى السماء ! مهزلة استخدام الناس كقرابين للتضحية مهزلة قديمة حديثة لا يمكن الخلاص منها الا عندما نوجد معنىً حقيقياً لقيمة الانسان والنفس البشرية عموماً. ذكرت ان التضحية مرنة، لكن هذه المرونة تتوقف عند حاجز الموت او القتل . مهما كانت الفكرة التي في ذهنك لا يجوز قتلك بسببها ولا يجوز إعتدائك على الاخر المختلف معك مهما كان حكم الاختلاف .اذن الفكرة الرئيسية ان النفس البشرية هي أقدس وجود في هذا الكون ولا تستحق اي ايدلوجيا التغلب على دماء الناس او استباحتها .

 

مصطفى العمري                                   

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3802 المصادف: 2017-02-01 14:07:12