المثقف - أقلام حرة

إهزوجة: "طركاعة اللفت برزان"

tariq alkinaniهذه الاهزوجة لطالما رددها اهلنا في الجنوب بكثرة وهي بالتأكيد لم تأت من فراغ بل كانت ناتجة عن معاناة كبيرة من جراء الحرب التي غالبا ماتكون في شمال العراق وقد اطلقت عدة تسميات على القائمين بهذه الحروب المستمرة في البداية  كانت التسمية (متمردون، عصاة، مخربون) حيث اخذت هذه الصفة بالتطور حتى وصلت إلى كلمة (مخربون) بعد ان تم منحهم الحكم الذاتي ولكنهم لم يهدؤا .

كان الجندي العراقي القادم من الهور ومن جنوب العراق لايفهم طبيعة هذه الحرب ولايفهم اسبابها وهو مجرد رقم في القائمة يدفع به الساسة إلى هذه المنطقة الوعرة حيث ينبهر في اول دخوله اليها لجمال طبيعتها وجمال اهلها ونوعية البضائع الموجودة بها، التي تدخل عن طريق التهريب حيث لم يعتد على رؤية هذه المناظر في منطقته وهو بطبعه محب ويمنح ثقته بسرعة لكل من يبتسم بوجهه، لاأنكر قد أكون واحدا من هؤلاء وقد بهرتني تلك الأجواء وذلك الخلق الرائع الذي غمرني به الناس الذين تعاملت معهم وجعلني اطمأن بشكل كلي فما ان يتعرف عليَّ واخبره بأني من كربلاء حتى يفتح لي قلبه. لم اتذكر يوما بأني اشتركت بعملية ضد أي كردي خلال فترة خدمتي العسكرية علما بأن اغلبها قضيتها في اربيل وكلار بل بالعكس نشأت لي علاقات طيبة مع اهلنا هناك حيث كان مرحب بنا في أي مكان نذهب إليه، وكثيرا ماكان يحذرني اصحابي من خطورة النزول إلى اربيل والمبيت في فنادقها البائسة (انذاك) ولكني كنت اتحداهم واذهب لوحدي لمعرفتي بطبيعة البشر هناك، لكنهم قالوا لي اننا لانخاف عليك من السكان العاديين ولكن هناك المخربون والعصاة قد يبدو لك بثوب الصديق ولكنه سيغدر بك حتما في لحظة امان ،وهذا ماكنت اراه بين الفينة والأخرى .

كان هذا الاطمئنان وطيب العلاقات التي تنشأ مع الأهالي يستغله بعض المتمردين أو المخربين كما يطلق عليهم للغدر بهؤلاء الجنود وأسرهم وربما قتلهم ،عندما كنت صغيرا كنت اسمع ان (فلان محبوس عند البارازاني) (أو اسير عند ملا مصطفى) كنت اتساءل من هذا البرزاني الذي يؤذي جارنا الفلاني؟ وماذا يريد حتى يكف عن هذه الحرب؟ .اسئلة عندما كبرت عرفت اجابتها أو هكذا تصورت على الأقل فكل ماكنت اعتقده بأن البرزاني كان يدافع عن حقوق الأكراد المسحوقين علما بأني لم اجد مايميزني عنهم ففي مدينتي كان المسحوقون اكثر وبلائهم اكبر ولكن مع ذلك كنت متعاطفا حتى ينال هؤلاء القوم حقوقهم .

بعد التغيير توقعت بأن الأمور اصبحت اجمل وافضل من ذي قبل على الأقل للكرد حيث حصلوا على اقليم هو بمثابة دولة والدخول إليه اصعب من دخلونا إلى اية دولة اخرى ،لقد تهت في اربيل عندما وصلتها بعد العام 2003 ولم اتعرف على معالمها التي طالما حفظتها وبدوت غريبا في مدينة طالما احتضتني وصرت اسأل عن القعلة ولم اتأكد من انني باربيل حتى رأيت القلعة وتعرفت عليها حينها ادركت كم هو شاسع الفرق بين ماكانت عليه وماصارت إليه اربيل وكل ذلك باموال وواردات العراق التي صارت حصتهم منها حصة الاسد ولم تحصل على تلك الحصة المدن التي تنتج البترول في العراق ،قلت في نفسي اننا وصلنا إلى نهاية المطاف وسيكون الشمال عامل تغيير قوي ودافع مهم للمدن الأخرى لتحذو حذوه لتصبح مدننا بهذا الشكل الجميل، واعتقدت للحظة ان ذلك الاحتراب القومي سينتهي وسيبدأ العراق صفحة جديدة في التعايش السلمي طالما الاكراد نالوا حقوقهم كاملة بل اكثر من ذلك فالحدود لايجتازها القادمون من بغداد وبقية المحافظات الا بموافقة الجهات الامنية ويحددون اقامتك في مدنهم ويرصدون تحركاتك بواسطة اجهزتهم الامنية وكأنما انت غريب عنهم .

لم تكن تلك التخيلات التي بدت لي منطقية في حينها سوى وهم ينبع من غريزة فراتية فالأمور ليست كما تخيلت ،فبرزاني مازال موجودا وينفخ بالنار بنفس المنفاخ القديم الذي نفخ فيه ابوه، ومازالت الطموحات اكبر مما توقعت ومازالت ارواح اهل الجنوب مستباحة عنده ومازال يرفض ان يمد يده للمصالحة وبقي على عناده القديم ولايرضى بالعراق وطنا حتى يستحوذ عليه كله من شماله إلى جنوبه فرسم خارطته التوسعية والتي يطالب بانشائها حتى مدينة بدرة وجصان في الكوت .

ولم يهدأ يوما واحد في سبيل الحصول على هذا المطامع بل قام بالتعاون مع كل ماهو عدو للعراق وجلب علينا الجيوش من كل اصقاع الارض ليقاتل بها العراقيين تحت عنوان داعش وتحالف مع الصهيونية العالمية لتقويض دولة اسمها العراق ليؤسس دولته الحلم الذي لم ولن تكون في يوم من الأيام.وتذكرت حينها مصداقية الاهزوجة الجنوبية (طركاعة اللفت برزان بيَّس باهل العمارة)

من طركاعه اللفتك يامسعود على هالطمع

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ طارق الكناني المحترم
السلام عليكم
ان هذه الاهزوجة ارتبطت بحدث معين، ففي عام 1961م واثناء تمرد الملا مصطفى البرزاني بعد ان اعاده المرحوم عبد الكريم قاسم الى العراق من الاتحاد السوفيتي ، واثناء استبدال الفوج الثالث للشرطة السيارة والذي اغلب شرطته من اهل العمارة مع فوج اخر، واثناء مرور الفوج من خلال مضيق كلي علي بك تمت محاصرته من الكرد المتمردين وابادته ابادة تامة ، حصل تشييع جماعي للمغدورين في مدينة العمارة فخرجت النسوة خلف التشييع يلطمن ويرددن الاهزوجة (طركاعة اللفت برزان بيس باهل العمارة ) .

صباح شاكر العكام
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4069 المصادف: 2017-10-26 02:55:45