المثقف - نصوص أدبية

أَسـوارُ الـذاكِـرَة

يوسف حنافي غَبَشِ الفَجرِ ..

تَتَكاسَلُ أَسرابُ الشِّعر..

تدُقُّ أَبوابَ السَّماءِ

وَتَأتي كَالمَطَرِ المُتَأَخِر...

أَذكُرُ نَشيدَ السيّابِ لِلقَطَراتِ

الحُبلى بِأَجِِنَّةِ الزَّهر ...

وَمَطَرَ "درويش" الناعمِ

في "خَريفٍ بَعيد /

وزُرقِ العَصافير/ وَالأَرضُ عيد" .

أَذكُرُ وهل لي ألّا أَذكُر

زَفَراتِ قيثارِهِ الزَّاهِدِ

في مَعابِدِ بِلادِهِ التي

"سَقَطَت مِن زُجاجِ القطار"،

غَيرَ "مَنديلِ أُمّي/ وَأَسبابِ مَوتٍ جَديد".

.

مَشاهِدٌ .. ما زالَتْ شاخِصَةً

تَنمو في تَضاريسِ الذّاكِرَة

وَأَخيِلَةِ الطُفولَةِ الساحِرَة ..

أَيامٌ تَسحَرُني ..

بنبيذِ أَفكـارِها العُذرِيَّة

تُعيدُ عافِيَةَ زَمَنٍ انقَضى

في نَشوةِ الحُبِّ النَّدِي

وَتأَمُّلِ الحَقائقِ الأَزَليَّة ...

مشاهدٌ أُخرى .. بائِسةٌ.. رَمادِيَّةٌ

سُـرعانَ ما تَمُرُّ كَالسُحُب

وتُنسى خَلفَ الأُفُق ..

تَكَدَّسَت في عُزلَتِها موحِشَةً

تَنتَظِرُ اقتِحامَ طِفلٍ نَزِق ..

يَمتَطي الريحَ لتُحَلِّقَ روحُهُ

فَوقَ الأَماكِنِ التي عَشِق ..

يَرثي طُقوسَ الأُرجُوانِ (*)

تَكَسَّرَتْ عَلى نِصالِ القَهرِ

وَباتَتْ رُكاماً يَشي بالوَجَع

لا تُستَعادُ مِن رَمادٍ احتَرَق !

سَـفرٌ لِلماضي الأَليمِ

ألمُحَمَّلِ بِمَشاعِرِ الغُربَة..

يَحكي دُموعَ العابرينَ

بِصَمتِ الخاشِعِ وَهَمسِ العاشِق ..

رَغبَةٌ جارِفَةٌ تَشُدُني إليه،

كَلهفةٍ على قارِعَةِ الزَّهرِ

المُتراكمِ على ضِفافِ الأَرَق..

.

ذاكِرَةٌ صَلَبناها عَلى جُدرانِ الأَمسِ

تُوَلِّدُ الحُزنَ والألمَ والتَّفَكُّر..

"جادَكَ الغَيثُ إذا الغيثُ هَما

يا زَمانَ الوَصلِ في الأَندَلُسِ"

حَمراءُ غِرناطة رَصَّعت بِياقوتِها

تاجاً يَعلو هامَةَ الفِردَوسِ(**) ...

خَبَت أَعراسُ مُدُنٍ،

كانَت تَمتَهِنُ صِناعَةَ الفَرَح..

فيها أَقاصيصُ الطُفـــــولَةِ

وَالذِّكرَياتُ البيضُ وَالأَسـرارُ..

باتَتْ تُلوِّحُ لِلسَّماءِ بِدَمعِهـا

فَقَسَتْ عَليها كُـلُّ الجِهاتِ

وَضاقَتْ بِنا مِن هَولِها الدّارُ...

 ***

 

يوسف حـنّا - الناصــرة

.................

(*) الأُرجوان نسبة للكنعانيين، حيث اشتهروا بصناعة الأصباغ الحمراء الأُرجوانية، ويرى بعض المُؤرخين أن الفينيقيين هو الأُسم الذي أطلقه الإغريق على الكنعانيين حيث تعني كلمة (phoinikie) عند الإغريق: ذو اللون الأَحمر الأُرجواني.

(**) الفردوس المفقود: تسمية لبلاد الأندلس، بعد انكسار وخروج العرب منها.

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

كانَت تَمتَهِنُ صِناعَةَ الفَرَح..

فيها أَقاصيصُ الطُفـــــولَةِ

وَالذِّكرَياتُ البيضُ وَالأَسـرارُ..

باتَتْ تُلوِّحُ لِلسَّماءِ بِدَمعِهـا

فَقَسَتْ عَليها كُـلُّ الجِهاتِ

وَضاقَتْ بِنا مِن هَولِها الدّارُ


د . يوسف حنا
الأديب والشاعر المرموق ، مساء الدحنون والزعتر ، والنعنع والميراميه ..

من الناصرة تنشب سهام الذكريات ، تعتلي أسوار الذاكرة ، تمتطي أشجار الكينا والدُفلى ، تضمد جراحها باسبيرتو البرتقال والليمون في تراب القلب وبيارات الروح .

أسوار الذاكرة ، نتسلقها مع سبق الإصرار والترصد ، نتسلقها هروبًا من واقع ملطخ بالنعيق والنعيب والدم والعار ، نتسلقها لنرانا بعفوية طفولتنا قبل أن تفرز جلودنا عرق الوجع وملح الآه ، نتسلقها ونقول : قل الزمان إرجع يا زمان !!
هل سيعود الزمان ويعود بنا وبهم وببساطتنا وحريتنا وأحلامنا ؟؟
صعبة يا دكتور حنا صعبة ، أثرت حفيظة أشواقي ، ويا ليت الزمن آلة نعود منها إلى ذكرياتنا ولو لمعانقة زغلول عصفور صغير وعش منسول مهجور !!

تقديري لحرفك العميق ، ولشخصك الكريم ، ولسيدة الشجن وأم الابطال والشهداء فلسطين العربية الأبية ، لك تقديري واحترامي وسلامي ..

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعرة المُلهَمَة والقديرة فاتن عبدالسلام بلان

تحياتي لمرورك الزاهي فوق جسور ذاكرتي
تعتّق الوجع فينا وطفحت مآسينا حتى استبد هولها .. كم أصبحت موجعة حتى أحلامنا أن نقطف الورودَ لحبيباتنا بدل أن نضعه على أضرحة الشهداء .. فما تلك الإبنة فلسطين، الجريحة الصابرة والصامدة إلا من تلك الأم البطلة الرابضة والراسخة على أرض الحضارة والشهامة والإباء .
لك مني أرق التحايا لهذا المرور الطيب ولكلماتك الشفافة التي تصيب شغاف القلب والروح.

This comment was minimized by the moderator on the site

( ذاكِرَةٌ صَلَبناها عَلى جُدرانِ الأَمسِ
تُوَلِّدُ الحُزنَ والألمَ والتَّفَكُّر..
"جادَكَ الغَيثُ إذا الغيثُ هَما
يا زَمانَ الوَصلِ في الأَندَلُسِ )

بالأمس البعيد ضاعت الأندلس ـ وكان يجب أن تضيع لأنها أصلا ليست بلادا عربية ، فخسارة العرب لها أمرٌ لابد من حدوثه ..
شخصيا لم أحزن لخسارة العرب الأندلس ، فكراهتي مؤبدة للإحتلال بكل أنواعه ومبرراته ..

الذي يحزنني تخاذل العرب ـ حكومات وجيوشا وجنرالات ـ حيال فلسطين وهي تُبتلع قرية فقرية وبستانا فبستانا من قبل خنازير الكيان الصهيوني ..

هذا زمن بات عصيّا فيه التمييز بين " الحاكم العَرَبي " و " الحاكم العِبري " ـ بل ثمة أنظمة عربية ليست أقل خطرا على فلسطين من نظام الكيان الصهيوني ... ومع ذلك : لن تكون فلسطين أندلسا جديدة ، ولسببين جوهريين أولهما أنها عربية أساسا ، وثانيهما أن أطفال الحجارة سيصبحون ذات غد رجالا حقيقيين وليس أشباه رجال كالذين سمحوا للعلم الإسرائيلي أن يرفرف في فضاء عواصمهم العربية !

*
أعجبني تناصّك مع قصيدة الخالد محمود درويش " مطر ناعم في خريف بعيد " .

أحييك شاعرا قديرا مبدعا .

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير يحيى السماوي
تعجز كلماتي عن شكركم لهذا المرور الطيب ولمداخلتكم القيّمة والتي لامست لبَّ الحقيقة حتى وإن كانت موجعة
تقييمكم الكريم سأضعه إكليلاً من غار ووساماً أفتخر وأعتز به
دام لي عبق حضوركم بين حروفي مع فائق تقديري واحترامي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4322 المصادف: 2018-07-06 08:53:26