المثقف - نصوص أدبية

على حوافِ الجنون

يوسف حناعابرٌ بِخِفَّة الهَـواءِ

في المُدُنِ البَعيدَةِ المَجهولَة

في الحاناتِ الغامِضةِ

في المَقاهي البَحرِيَّة

في الأَرصِفَةِ التي يَضرِبُها

البَرقُ والرعدُ والمَطَر..

مُنهكٌ، لا أَملكُ من زادي

سِوى المَعاني الكَبيرَة ..

أُطاردُ الشعرَ في محطاتِ العالم ..

مِنَ الشرفاتِ المُطِلَّةِ

على الشمسِ والفِتنَة ...

لِيَختَرِقَ مَنفى الماضي والحاضرَ

إلى وطنٍ مَحلومٌ به

بلا حدود ...

*

أَجلْ !

بالشِعرِ وحدُه يحيى الإِنسان.

أُقيمُ في أحشائِهِ إِقامةً دائمة ..

أَستعيدُ عَبْرَهُ الدهشَةَ

والطفولةَ البَعيدة..

والتِلالَ الراكِعَةَ، تَحتَ ضَبابِ المَجهول..

والنسيمَ الهابَّ مِنَ الأَساطير،

يُحَـوِّل الأُسطورةَ إِلى واقع،

هذا الواقع قد يكونُ أنت ..

أَنتَ المُتَحَدِّرُ مِن ترابِ الغموضِ والأَبدية.

تُصغي إِلى دبيبِ الأَزمِنَةِ

وهي تجولُ في دورَتِك الدمَوِيَّة

فيُحيلُكَ إِلى نَفسِك .. دونَ أَن تَدري..

قد تجدُ نفسَك مُباشَرَةً، في حَدائِقِ بابل،

مُخْتَرِقاً شارِعَ المَوكِب(*)،

محاطاً بالسحرِ وعَبق الميثولوجيا،

تُؤَجِّجُ عبيرَها

قُربَ أَسوارِ أوروك (**) ومحيطِ إريدو(***).

رَجفةٌ تَسري في المُخَيَّلَةِ،

حينَ أَذكرُ تلك التلالِ الأولى..

أُواجِهُ تيهَ الحضارةِ،

عِندَ حَوافِ الجُنون..

وأَشهدُ ما قدَّمَهُ الدُخلاءُ لِبِلادي

مِن ضَياع...

*

تَجاوَزَ الكَلامُ وظيفَةَ "القول"

إِلى وظيفةِ "الصمت"،

صَمْتُ الصورَةِ

بتَلاوينِها وخُطوطِها ومساحاتِها..

كلُّ ما لَدينا هُنا، صُوَرٌ

تَحوَّلتْ إِلى غيومٍ بلا قَوام ..

ربما ما بَقِيَ مِن تِركَةِ الحَياةِ

زوّادَةٌ للفارسِ القادم

المَقذوفِ خارجَ أَحلامِهِ المُرتَبِكَة،

لِيَخوضَ حُروبَ التمَرُّدِ وَحيداً

مُمتَطِياً حصاناً من غيم

وَسَيفاً من وَرَق !

***

 

د. يوسف حـنّا - الناصرة 

..............................

(*) شارع الموكب البابلي : يصل الى قلب المدينة فيمر امام القصر الملكي ويقسم المدينة البابلية الى قسمين. ذات بنايات كبيرة اطلق عليها الحصن وبينهما تمثال الاسد المعروف. يبلغ عرضه (63) قدم مبلط بالواح من حجر الكلس الابيض. يوحده من الجانبين جداران سميكان في روعة الجمال. وينتصب على كل جانب منهما (60) أسداً ترمز الى عشتار.

وكانت المواكب تدخل من بوابة عشتار، وهي البوابة الرئيسة لسور المدينة الداخلي، والبوابة الرئيسة إلى شارع الموكب الذي يعد الشارع الرئيس لمدينة بابل والطريق المقدس الذي يربط المدينة ببيت الأحتفالات الدينية المعروف ببيت" أكيتو"

(**) أوروك : هي مدينة سومرية قديمة، تقع على الضفة الشرقية لنهر الفرات، على القناة الجافة القديمة للنهر، على بعد 30 كم تقريباً شرق مدينة السماوية المعاصرة.

ظهرت بها حضارة ماقبل التاريخ حيث كان يصنع بها الفخار الغير ملون علي الدولاب (عجلة الفخار). كما صنعت الأوعية المعدنية. إختُرِعت بها الكتابة المسمارية وكانت عبارة عن صور بسيطة للأشياء علي ألواح طينية وكانت تحرق. إتُّبع فيها الخط المسماري. كان خامس ملوكها كلكامش وكانت موئلا لعبادة الإله أتو حيث لعبت دوراً هاماً في ملحمة كلكامش. وكان بها معبد (أيانا) الأبيض. واشتهرت بالأختام الغائرة. وكانت المدينة عاصمة لإقليم بابل السفلي. إلا أنها فقدت أهميتها بعد ظهور دولة أور.

(***) إريدو: وتُسمّى اليوم تل أبو شهرين هي مدينة تاريخية في العراق تبعد 7 اميال عن جنوب غرب مدينة أور، هناك اعتقاد سائد من قبل علماء الأثار ان اريدو كانت من أوائل مدن السومريين وربما يرجع تاريخ بناءها إلى 5000 سنة قبل الميلاد. كانت إريدو عند السومريين بمثابة مركز للاله ئينكي والذي عرف فيما بعد عند البابليين باسم ئيا الذي كان إله الماء وحسب الأساطير السومرية كانت مملكة الإله ئينكي المياه التي تحيط بيابسة الكون. استنادا على الأساطير البابلية فان الإله مردوخ هو الذي بنى المدينة إريدو.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير
روعة الوصف الشعري , لهالة الحضارة في ماضي المجد , لكي يدلل على كارثة الزمن الحاضر , الذي عصف بنا في التيه والضياع , تصوير شعوري منفتح الافاق , الذي يرجعنا الى ايقونة الاحتفالات الماضي الحضاري , بابل وسومر , كيف تخترق مواكب المجد في الشوارع والحدائق , مكللة باريج الفرح والبهجة , هذه احتفالات المجد الحضاري , التي تسير في حدائق بابل وسومر , بهذ المخيلة الجمالية في تصوير مشاهد ايقونة الاحتفالات الماضي الحضاري , لتؤكد على مجدها الانساني , والتي حطمناها بارادتنا واخترنا طريق التيه والضياع , لذلك نتشوق لها في الحلم نمتطي حصانا من الغيم .
قصيدة تملك ذائقة الجمال في التصوير المبهر للمواكب البابلية التي ترفل في اعياد المجد بأيقونة الانتصارات , وليس بهزائمنا اليوم . كأني بهذا الوصف التصويري المبهر , كأني اقرأ روايات الكاتب الكبير نجيب محفوظ , في التصويري الجمالي لمواكب الاحتفالات الفرعونية , كما دونها في رواية رودوبيس , ورواية كفاح طيبة , بالوصف الايقوني الجمالي لهذه المواكب الاحتفالية . ولكن نجد في هذه القصيدة روعة الوصف للاحتفالات الاعياد في المواكب البابلية والسومرية , ماضي المجد والعزة , التي طلقناها بالثلاثة .
ابدعت بحق في الوصف الشعري الجميل
تحياتي لكم

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب والأديب والناقد القدير الأستاذ جمعة عبدالله

في البدء أحييكم وأشكركم على تفضلكم بالمرور البهي والتعليق الشامل الجميل، أسعدني جداً تقييمكم الطائي للقصيدة
وللجوانب الجمالية فيها فزدتموها ثراءً
شكرا لكرمكم استاذنا المتألق ، لكم مني كل تقدير وود ، سلامي لكم.

يوسف حنا
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4374 المصادف: 2018-08-27 12:01:16