عدنان حسين احمدصدرت عن "دار الآداب" ببيروت رواية "بيت السودان" للقاص والروائي العراقي محمد حيّاوي، وهي روايته الخامسة في رصيده السردي. وقد قُوبِلت هذه الرواية باهتمام النقّاد والقرّاء على حدٍ سواء ولعل السبب الرئيس يعود إلى الشكل الفني وليس المضمون على الرغم من أهمية هذا الأخير، فالفن الروائي مثله مثل الفن التشكيلي الذي يراهن على الأشكال ولا يعوّل كثيرًا على المضامين ذلك لأنّ الأفكار مُلقاة فعلاً على الأرصفة وهي مُتاحة للجميع وبإمكان أي كاتبٍ مغمور أو مشهور أن يلتقطها ويبني عليها متنه السردي المُرتَقَب.

يمتلك محمد حيّاوي مخيّلة مُجنّحة تأخذ القارئ إلى المضارب الفنتازية المُدهشة مُعتمِدًا في ذلك على لغته العذبة التي تخلو من الأخطاء، وعلى أسلوبه السلس الذي يأسر القارئ ويأخذ بتلابيبه منذ مُفتتح النص حتى منتهاه. يعرف الذين تمثّلوا قصص حيّاوي ورواياته السابقة أنه يكتب عن التفاصيل الصغيرة التي تفضي إلى كشف المكان، وتعرية عناصره ومكوِّناته الأساسية بعدسة شيئية لا يفلت من دقّتها أي جُسيم مهما كان صغيرًا. فـ "بيت السُودان" هي رواية مكانية بإمتياز يتسيّد فيها الخسف، والبيت، والمقبرة، والبستان، وزقورة أور كمعطيات أساسية للفضاء الروائي الذي يتسع شيئًا فشيئًا ليمتد إلى بغداد، والبصرة. ما يميّز هذه الرواية تقنيًا هو بنيتها الدائرية حيث تبدأ القصة من نهايتها ثم تروي ما سبقها من وقائع وأحداث لتعود إلى نقطة انطلاقها من جديد. وهذه البنية ليست جديدة لكنها أنقذت النص الروائي من طرائق السرد الخطيّة المتعارف عليها ولعبت على ثنائية الاستباق والاسترجاع التي خلّصت هي الأخرى النسق السردي من رتابته الإخبارية وجعلته يحلِّق بين الحقيقة والحُلُم بطريقة عفوية لا أثرَ فيها للصنعة والافتعال.

تتمحور الرواية على بنيتين ذاتية وموضوعية حيث تركِّز الأولى على "بيت السُودان" وهو توصيف يُطلقه العراقيون على ذوي البشرة السوداء الذين وفدوا إلى بغداد حينما كانت عاصمة للخلافة الإسلامية، واندمجوا في نسيج المجتمع العراقي. أما البنية الموضوعية فهي تقوم على اجتياح الكويت، والانتفاضة الشعبية، والحصار الاقتصادي، والاحتلال الأميركي للعراق، وسقوط صدام، وتغوّل القوى الإسلامية، والانهيار المخيف لبنية المجتمع العراقي.

تصلح "بيت السودان" لأن تكون أنموذجًا لرواية شخصيات وثيمات في آنٍ معًا، فالقارئ العضوي يجد ضالتهُ في شخصيات إشكالية تبدأ بالمثلث الذي يتكوّن من علي وياقوت وعفاف ويمتدّ إلى شخصيات مؤازرة لا تقل أهمية عن سابقاتها مثل ضُمد، والدكتور رياض، وسيد مُحسن، وتقيّة، ونانسي الأميركية وسواها من الشخصيات الفاعلة التي ظهرت في المتن السردي وتوارت بعد أن أدّت الأدوار المُسنّدة إليها.

تعتمد البنية الذاتية على وجود "علي" ذي البشرة البيضاء في بيت السودان المؤلَف من سبع نساء سوداوات حفّزنه على التساؤل منذ الصغر: ماذا يفعل هذا الطفل الأبيض في بيت السودان؟ وهل أن "عجيبة" هي جدته الحقيقية، و"ياقوت" هي أمه البيولوجية فعلاً؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا وقع في حبّها، بل أصبح معطوبًا من دونها ولا يستطيع التفاعل مع امرأة أخرى بما في ذلك "عفاف" ابنة زيدان الحوذي، الشابة اليسارية البيضاء التي درست القانون في جامعة بغداد، وأصبحت ناشطة سياسية لها دور واضح في الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في الناصرية غِبّ هزيمة الجيش العراقي وانسحابه من الأراضي الكويتية عام 1991؟ لا يمكن قراءة هذه الرواية بمعزل عن الصراعات الداخلية المحتدمة للشخصيات الثلاث ويكفي أن نشير إلى لوعة "علي" وهو يصوّر طبيعة العلاقة التي تربطه بياقوت قائلاً:"فهي أمّي وليست أمّي، وحبيبتي وليست حبيبتي، ومُلهمتي الغامضة وحارستي الأمينة وأسيرتي الملهوفة التي تأسرني بدورها. . . فلا هي تفكّ أسري، ولا هي تُطفئ ناري، ولا هي تسمح بإطفاء تلك النار التي باتت تأكل أحشائي وتمزقِّني من الداخل". يتفاقم صراع "علي" حينما يحبّ "عفاف" لكنه لم يجد غضاضة في الاعتراف بأنه معطوب من دون "ياقوت" التي تحب الرقص والغناء والموسيقى، ولعل بيت السودان برمته قد كرّس نفسه لهذه الجوانب الفنية التي تسرّي بها هموم الفقراء والكادحين الذين يفرّغون نهاراتهم الساخنة في الليالي الباردة. لابد من الوقوف عند المعطى الثقافي لشخصية "علي" الذي درس اللغة الإنكَليزية في جامعة بغداد وانفتح على آدابها وصار يفكِّر بطريقة مختلفة عن أقرانه الآخرين لكن ذلك لم يمنعه من الارتباط بواحدة من فتيات بيت السودان أو الإعجاب بهن في الأقل كما فعل مع "تقيّة" التي أحبّته لكن ياقوت منعتها فأقدمت على الانتحار وماتت غرقًا، وأخذت تتجلى له على هيأة غزالة حزينة العينين في أماكن شتى من النص السردي.

يتفاقم الصراع النفسي للشخصيات الثلاث حينما تقع عفاف في غرام ياقوت أيضًا وهي تعترف بهذا الحب من دون أي شعور بالحرج حينما تقول:"أتمنى لو كنت رجلاً قويًا وآخذها في حضني وأقبّلها في كل بقعة من جسدها وأذوب فيها".

ترصد الرواية الانتفاضة الشعبية فتضطر ياقوت لأن ترسل "عليًا" إلى زقورة أور التاريخية فنتعرف من خلاله على شخصية "ضُمد" الغرائبية الذي يدعّي بأن الرُقُم الطينية تُنبئهُ بكل شي بما في ذلك "عاصفة الصحراء" حيث يُخبره أحد الرُقُم بالنبوءة الآتية:"يا بوم العاصفة عُدْ إلى صحرائك"! أما عفاف التي اشتركت في الانتفاضة، وساهمت في إخلاء سبيل السجناء، وتشويه جدارية الرئيس بالصبغ الأسود فقد تمّ اعتقالها وترحيلها إلى سجن البصرة حيث تتعرض للتحرّش والتعذيب على يد النقيب سلمان، الشخصية الجبانة، الناقصة، التي تتعاون مع المحتل.

يحاول محمد حيّاوي في هذه الرواية أن يلامس انهيار منظومة القيم الأخلاقية في المجتمع العراقي من خلال سيد محسن الذي كان مواظبًا على زيارة بيت السودان، وتناول المشروبات الروحية، واندماجه مع الشخصيات الأخر التي ترتاد هذا البيت الذي يوفر لزبائنه متعة الرقص والغناء فقط لكن سوف تبيّن لاحقًا أن هذا السيد الشبق الذي كان يروم الزواج من "نعيم"، إحدى فتيات بيت السودان، كان يرشد أزلام النظام إلى الثوار والمنتفضين الذين طروده من إحدى الحفلات الغنائية الراقصة الأمر الذي دفعه في وقت لاحق للهجوم على المنزل الذي احترق وتقوّض على منْ فيه. وعندها نفهم أن "ياقوت" هي التي ساعدت "علي" لاعتلاء السياج والقفز على أكداس الحطب حيث تلقّفه رجال السيد محسن وأوسعوه ضربًا حتى أُغمي عليه وحينما أفاق في صباح اليوم التالي خرج لنا بحكاية "فندق الهناء" في البصرة ومداهمة الشرطة لغرفته.

تنتهي الرواية نهاية مدروسة حينما يتأكد علي بأن ياقوت قد ماتت، وأن جدته قد رحلت هي الأخرى، وأن الفتيات قد احترقن جميعًا حينما يدهمه طيف عابر ويهمس في أذنه بنبرة حنون:"اذهب مع عفاف يا حبيبي. لاتَخَف". ثمة حكايات جانبية تُنوع إيقاع السرد مثل حكاية الدكتور رياض مع الراقصة المصرية مُنيرة، وقصة "نانسي" المجندة الأميركية التي وقعت في الأسر ثم أعيدت إلى القاعدة الجوية في الناصرية. وسواها من القصص المؤازرة للثيمة الرئيسة. نخلص إلى القول بأنّ محمد حيّاوي يكتب عن موضوعات يعرفها جيدًا ولعله يعشق بطلات رواياته كما حصل مع "هند" في "خان الشّابندر" و ياقوت وعفاف في "بيت السودان".

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

93 atarتشكل هذه المكرمة الشعرية The butterfly effect للشاعر خالد بلخالفي نقطة تقاطع بين الثقافة المغربية العربية الإسلامية وبين الثقافة الإنجليزية الأمريكية. وهي عبارة عن ديوان قسمه صاحبه إلى أربعة أبواب، عنون كل باب باسم إله من الآلهة الأسطورية اليونانية القديمة في إطار رمزي، لتطال هذه الرمزية محتوى القصائد في كل باب. وقد اجتمعت في الباب الأول قصائد لها خصائص مشتركة، ولها طابع خاص يجمعها كلها، وهي عبارة عن حياة مظلمة، وحزن وفراق، وانفصام في الشخصية. ولذلك عَنون الشاعر الباب بإله الغضب والفوضى. وفي الباب الثاني نجد الشاعر قد شكل القصائد على بناء تشاؤمي وأشر على ذلك في عنوان الباب الذي ارتبط بإله النار وإله الموت، وهو انتقال من الرمادي إلى القتامة وهو في واقع الحال انتقال إلى نتيجة سودوية، أي من الغضب إلى الموت. لكن الشاعر سرعان ما ينفتح على عوالم أخرى ليكترع من فيوض الحب قيما جمالية ينفتح بها على الأمل، فعَنون الباب الثالث بإله الحب، ليُبحر بقصائده في حب عذري على شكل أمل يبعث على التفاؤل في تمجيد صريح للحب وتقدير فائق للحياة، لذلك تمظهرت هذه القصائد في حلة تدعو إلى الطمأنينة والتناسق وتدعو إلى الحياة. فشكل هذا الباب انفتاحا على مساحة خصبة من الأمل والتفاؤل والعودة إلى الحياة بنظرة أكثر إيجابية. ومن هنا ينتقل الشاعر إلى الباب الرابع مع الإله أبولو إله الشعر والجمال والمعرفة، فتشكلت القصائد وفق مقصديات بناها الشاعر على قيم الحكم والنصح والإرشاد والتوجيه، لينحت طريقا للسلام في ظل القرارات السليمة، وفي نطاق أكثر واقعية والتزام. وقد عرج الشاعر إلى باب خامس خصصه لشعر الهايكو لإبداء بعض الآراء والأفكار مع بعض الإلماعات التي تفتح الأبواب للتخييل وتحفز العقل للإبداع.

إن صلة ثقافة الشاعر خالد بلخالفي بمضامين القصائد هي صلة وجدانية وفكرية وثقافية، ومنبت حركة نفسية داخلية تستعرض حقائق واقعية في لباس تجريدي. وهي تكشف عن مقصديات متنوعة بأداء لغوي رائق لإبراز المعنى وفق فهم للثقافة العربية والانجليزية الأمريكية. لأن تأثير الثقافة الأمريكية في كتابة القصائد بدا واضحا. فعلى مستوى المضمون غالبا ما نجد الشعر الأمريكي يتجه نحو الحزن والتشاؤم، ويتجه كذلك نحو الأمل وصناعة الحياة من جديد. وكذلك على مستوى البناء الشعري ونوعية المواضيع. ويمكن أن نقابل الأبواب الماثلة في الديوان ببعض الأشعار الأمريكية فنجد مثلا الشاعر أودن ووه يقول:

أوقفوا الساعات كلها اقطعوا التليفون

أقيموا الحداد

دعوا الطائرات تحوم فوق رؤوسنا وتنوح

مغبشة صفحة السماء برسالة " لقد مات"

اربطوا شارة الحداد

ونجد في شعر أنجلو مثلا:

إنني مجرد نكرة

قد تطأني بقدمك تأففا

لكني تماما كالغبار.

أو في شعر إدوار ستيلن في الأمل والحب:

أي مكان أذهب تذهبين معي حبيبتي

جمالك عالمي وكل حقيقتي

وإنه أنت، كل ما يقال عن القمر

وكل الأغاني التي تغنيها الشمس

هكذا الشعر الأمريكي وهكذا الشاعر خالد بلخالفي، حيث بدا تأثير الثقافة الأمريكية متمظهرا في قصائده بصيغ متنوعة، مرة وفق عمليات تأثره بالرومانسية، أو أحيانا بالرمزية أو التصويرية أو الواقعية أو المفاهيمية، ويمكن أن نقرأه كذلك من منظور فلسفي وبأسلوب تخييلي. وعلى مستوى الشكل فقد تأثر بهندسة القصيدة الأمريكية التي تتأسس على القصر مع بعض الخصائص الفنية، وهذا طبيعي جدا لأن الشاعر كان قد قضى فترة طويلة من الزمن في أمريكا وحري أن يتأثر بالثقافة الأمريكية، وأن تتمظهر معالمها في شعره. ومن هذا المنطلق، ومن خلال عدد من التصورات والأفكار وبعض المفاهيم، يتبدى أن عملية الكتابة الشعرية في هذا الديوان موجهة إلى الانجليز، ويمكن الاستدلال ببعض المصطلحات في الديوان ككلمة دفئ مثلا وأين يتجه معناها في الثقافة الأوربية أو الأمريكية وفي الثقافة العربية، فكل يتناولها حسب ثقافته وبيئته. والأمثلة في هذا النطاق تملأ الديوان. لكن تأثير الثقافة العربية الإسلامية كان حاضرا من خلال النفحات الإيمانية التي تبدت في إيمان الشاعر القوي بالخالق عز وجل، وتجلت في ارتباطه الوثيق بأجلّ قضية وأزكى أرض من خلال قصيدة ميتروبوليس التي كتبها الشاعر حبا وتغزلا في القدس. ويتبدى الأثر الصوفي كذلك واضحا بالرغم من كون الشاعر ليس صوفيا وإنما تجلى حبه للمدينة الحمراء من خلال تناول رجالاتها السبعة حيث أبحر الشاعر في قراءة كل ولي صالح على حدة، مع ذكر ما يميز كل واحد منهم من إشراقات ربانية. وذلك من خلال قصيدة: سبعة رجال. وتظهرعموما نفحات الإيمان في الديوان من خلال عدد من الصور والكلمات: كالملائكة التي تطغى على كلمة شيطان، وكلمة جنة التي تتبدى أكثر من كلمة نار، وهناك قصيدة مستوحاة من القرآن الكريم وتتحدث عن كيفية مغادرة آدم وحواء الجنة..

والديوان وإن كان يظهر فيه بعض من التشاؤم خاصة في الباب الأول والباب الثاني، إلا أنه يضمر عكس ذلك، ويستبطن لغة أخرى من خلال إحصائيات لعدد من المصطلحات المتقابلة: فقد تم تغليب كلمة نهار على كلمة ليل وتم تغليب كلمة حرية على كلمة عبودية وكلمة جنة على نار، والأمثلة كثيرة لا يتسع المجال لذكرها كلها. ويتبين من خلال التنويع في المواضيع وفي القصائد أن الشاعر موسوعي في ثقافته ومعارفه، وقد تناول عددا من المواضيع ذات مضامين لها دلالاتها اجتماعيا وثقافيا وتربويا وأخلاقيا. لقد تحدث عن الطمع من خلال قراصنة يبحثون عن الكنز وتضمنت القصيدة نصائح وفوائد كثيرة، وقصيدة حوارية بين أب وابنته وتضمنت القصيدة كذلك نصائح وإرشادات. وتناول قصائد موجهة إلى المرأة عموما وقصائد موجهة إلى الشباب.

والقصائد جميعها لا تخلو غالبا من الوعظ والإرشاد والتنبيه. وهي قصائد تعددت وتنوعت في معانيها ودلالاتها التي رامت المجال الاجتماعي والتربوي والثقافي والنفسي. ولكل قصيدة منها طابع خاص لكن الأسلوب موحد.

أتمنى كامل التوفيق لأخي العزيز الأستاذ المهندس الشاعر الأنيق المتألق الرائق خالد بلخالفي مع المزيد من الإنتاج والإبداع.

 

د. محمد البندوري

 

 

صباح الحاج مفتنأولاً- خصائص شعر ابن الفارض: يُعَد ابن الفارض(*) الشاعر الصوفي الثاني بعد "جلال الدين الرومي"، ويقتصر شعره في الحب، وفيه معظم تعابير الصوفية، وبالأخص في قصيدته "نظمُ السلوك" المعروفة بـ"التائية الكبرى"؛ لأنَّ قافيتها تنتهي بـ"التاء" تمييزاً لها عن تائية أخرى أقلَّ أبياتاً منها، والتي تضم سبعمائة وستين بيتاً، على الرغم من بعض التكرار والغموض الذي يتخلل شعره؛ لكنه شعر عذب وأنيق في أغلبهِ، يتَّسم بالرمزية العالية وحسن الإشارة.

ظلَّت الأشعار الصوفية التي تركها ابن الفارض موضع الإعجاب والاهتمام، والتي إلى الآن تثير جدلاً وصعوبة لِمـَن أراد فهمها وفكّ طلاسمها وفهم معانيها، ولقد اهتمَّ بهذه المشكلة عدداً كبيراً من الشُرّاح المتقِّدمين والباحثين المتأخرين. وأبرز ما أُثيرَ من جدل هو ضّم ابن الفارض إلى مدرسة "ابن عربي" ومذهبها المعروف بـ"وحدة الوجود"؛ إذ إنَّ أغراض ابن الفارض تدور على الحب الإلهي الذي يقوم على "الاتحاد"، والاعتقاد بأنَّ جميع مظاهر الوجود متساوية في الشرف والقيمة؛ لأنها في الحقيقة تمثّل جوانب من الإلوهية: البحر والجبل والإنسان والطير والمسجد والكنيسة وبيت الأصنام والنار كلها تُمَثِّل الإلوهية في جانب دون جانب، فشارب الخمر في الحانة والمتعبد في بيت عبادته يفعلان فعلاً واحداً يمثّل حقيقة واحدة في مظهرين مختلفين.

يرى ابن الفارض أنَّ الله يتبدّى لكل محبّ في محبوبهِ: فمجنون ليلى قد أحبَّ الله في صورة ليلى، كما أنَّ ليلى قد أحَبَّت الله في صورة قيس. وبما أنَّ قيساً لم يحب إلاّ الله لَمّا أحبَّ ليلى، وكما أنَّ ليلى لم تحب إلاّ الله لَمّا أحبَّت قيساً؛ فأن قيس يكون قد أحبَّ ليلى في الحقيقة نفسه. فكان ابن الفارض بذلك النوع من الحب الإلهي يُعَد من أعلام التصوف الإسلامي الذي لُقِّبَ بـ"سلطان العاشقين"، لارتقائه في الانتشاء بالعشق الإلهي إلى ذروة لا يضاهيهُ احد بها ولا ينازعه فيها منازع.

ثانياً- أبرز قصائد ابن الفارض ومدلولاتها الصوفية

1- سائق الأظعان: وهي قصيدة غزلية ذات معانِ صوفية، مبنية على التغزّل بـ"الحجاز" وأهله، ومنها:

لَم يرُق لي منزل بعد النَقا               لا ولا مستحسن من بعد مَي

ما رأت مثلك عيني حسناً                 وكمثلي بك صبّاً لم تَرَي

نسبٌ أقرب في شرع الهوى               بيننا من نسبٍ من أبوي

ليت شعري هل كفى ما قد جرى           مُذ جرى ما قد كفى مقلتي

2- هو الحب: وهي قصيدة غزلية فيها إيغال وشيء من الوصول ومبدأ الاتحاد، ومنها:

هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل   فما اختاره مضنىً به وله عقل

وعش خالياً فالحب راحته عناً       وأوله   سُقم     وآخره     قتل

نصحتك علماً بالهوى والذي أرى       مخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو

أحبّائي أنتم أحسن الدهر أم أسا       فكونوا كما شئتم أنا ذلك الخُلُ

3- الفائية، قلبي يحدثني: هي قصيدة غزلية ظاهرها بعيد كثيراً عن المعاني الصوفية، وقريب من الغزل المادي الصريح. ومنها:

قلبي يحدثني بأنكَ متلفي             روحي فداك عَرفتَ أم لم تَعرِفِ

يا أهل ودّي أنتم أملي ومَنْ             ناداكم: يا أهل ودي فد كُفي

عودوا لِما كنتم عليه مِن الوفا             قِدْماً فإني ذلك الخِلِّ الوفي

وحياتكم، وحياتكم قَسَماً، وفي             عمري بغير حياتكم لم أحلفِ

4- شربنا على ذِكْرِ الحبيب: هي قصيدة خمرية معانيها صوفية. ومنها:

شربنا على ذكر الحبيب مُدامةً       سكرنا بها مِن قبل أن يُخلَقَ الكرْمُ

لها البدرُ كأسٌ وهي شمس يُديرها       هِلالٌ وكم يبدو إذا مُزجت نجم

ولولا شذاها ما اهتديت   لِحانِها       ولولا سناها   ما تصورها الوهم

يقولون لي: صِفْها فأنت بوصفها         خبير. أجل، عندي بأوصافها عِلْمُ

5- التائية الكبرى (نظم السلوك): وهي قصيدة غزلية تتضمن الصوفية اصطلاحاً، وفيها آراء ابن الفارض في "الاتحاد"، ومنها:

سقتني حُميّا الحب راحةُ مقلتي         وكأسي مُحيّا من عن الحب جلّتِ

فأوهمتُ صَحْبي أنَّ شُرْبَ شرابهم       به سرِّ سِرّي في انتشائي بنظرة

أممتُ إمامي في الحقيقة، فالورى       ورائي وكانت حيث وجّهت وجهتي

يراها أمامي في صلاتيَ ناضري       ويَشْهَدني   قلبي   إمام     أئمتي

ثالثاً- أسباب غموض أشعار ابن الفارض

يرجع أساس الالتباس والغموض في شعر ابن الفارض من أنَّ بعض الباحثين وصفه دالاً على "وحدة الوجود"، والبعض الآخر وجَدَهُ لا يمُت بصلة إلى ذلك، بل أنه في حالة وحدة دائمة متصلة قد وَصَلَ اليها ولَم يَعُد بإمكانه التكلّم بلغة غير لغة وحدة الوجود. وفي كل الأحوال نرى أنَّ شعره لا يخفى مدى الالتباس والغموض في أمثال هذه التعبيرات، فقد يتّصف بها ابن الفارض وقد لا تمت له بصلة.

أساس المشكلة في شعر ابن الفارض يمكن أن نسجّلها بنقطتين:

أولاً- هناك صعوبة لغوية بالغة؛ إذ إنَّ شعر ابن الفارض ليس سهل المنال والفهم؛ لأنه شاعر ماهر مبتكر ضليع في صناعتهِ الشعرية، والواقع أنَّ الكثير من أبياته تبدو وكأنها ألغاز تستعصِ على الشرّاح، وقد تُقْرَأ على أوجه متعددة كلّها يمكن وصفها بالصحيحة.

ثانياً- إلى جانب الصعوبة اللغوية، فهناك مشكلة مدلولات الألفاظ التي عَبَّرَ فيها الشاعر عن معاناته الصوفية، مثل: "اتحاد- وحدة- جمع- الخ. فماذا كان يعني بها؟ وقد اختلفت الآراء حولها عند الباحثين والشُرّاح.

الخاتمة

في ختام بحثنا المتواضع لا نستطيع أن نقول حسب قراءتنا لشعر ابن الفارض الصوفي أنَّ التسمية التقليدية التي أُطلِقت عليهِ "سلطان العاشقين" لا تُعَبّر عن عمق معاناته الصوفية وأبعادها بشكل كامل، بل أنَّ ابن الفارض في رأينا يعتبر شاعر "الأنا الجمعي" الذي يجد حقيقة ذاته في الاندماج بالحقيقة العليا، وهي في مصطلح الصوفية تسمى "النور المحمدي"، فليس وصْف الحب والجمال إلاّ جزءاً محدوداً ومرحلة عابرة في سفر ابن الفارض الصوفي، الهادف إلى بحار الجمع وآفاق النور الأعلى. كما أنَّ ابن الفارض حالهُ حال كل الشعراء الصوفيون الذين يعيشون معاناتهم في عمق كبير لا تُعَبّر عنها كلماتهم الملفوظة، بل تبقى تجاربهم فردية صعبة الوصف والتعبير عن كل ما يشعرون به في حالات الإفناء ووحدة الشهود. وقد أشار ابن الفارض إلى هذا السر في التجربة الصوفية حيث قال:

فالسُنُّ مَن يُدْعى بألْسَنِ عارفٍ       وإنْ عُبِرَت كل العبارات كَلَّتِ.

كما عَبَّرَ ابن الفارض أيضاً مُحَذِّراً مَن يقرأْهُ، فيقول:

وعنِّي بالتلويح يَفْهَمُ ذائقٌ               غنيٍّ عَنِ التصريح لِلْمُتَعَنِّتِ.

د. صباح الحاج مفتن

...........................

(*) وُلِدَ أبو القاسم عمرُ بن الفارض سنة 1181م في مدينة "القاهرة"، ونشأ في أُسْرَة ميسورة الحال، وكان يُكنّى أحياناً بـ"أبو حفص". وكان وادي المستضعفين في "جبل المقطّم" الواقع شرق القاهرة شاهد على اعتكافه وتعبده، لينبئ من هذا المكان بداية حياته الصوفية، لكثرة تعبده هناك وصيامه لأيام طوال.

انتقلَ عمرو بن الفارض من القاهرة إلى "الحجاز" وهو في عمر الخامسة والثلاثين، ليمكث فيها ما يقرب الخمسة عشر سنة، ناهلاً من فيض رحابها؛ إذ قضى تلك الفترة سائحاً عابداً منعزلاً عن الناس، إلى أنْ فُتِحَ لهُ، فتحقَّقَت أغلى أمانيه، ثُمَّ عاد إلى القاهرة وهو في قمّة نضوجه عُمرَاً وروحاً، ممتلئاً بتصوفه وشعره في الحب الإلهي، لتزداد مكانته عند عامّة الناس وخاصَّتها هناك، فكان إذا سار في المدينة ترى الناس من حوله مزدحمين عليه يلتمسون منه الدعاء والبركة. ولم تكن حياته الصوفية بغريبة على أسرته؛ فقد كان أبوه من أهل العلم والورع، حتى فَضَّلَ الزهد والاعتكاف على الانغماس في الشهرة والجاه. وكان جدّه شيخاً معروفاً صاحِب طريقة ومرشداً لمريديه. فليس غريبا أنْ يكون أبوه أوَّل من اعتنى بتربيته الصوفية. وكما تقول بعض الروايات أنَّ ابن الفارض تعَلَّمَ الحديث على أيدي واحد من كبار المحدّثين في عصره، وهو العلاّمة الشافعي "أبو القاسم بن العساكر" صاحب كتاب "تاريخ دمشق". وهكذا يكون ابن الفارض قد انتمى للمذهب الشافعي، فَلُقِّبَ بـ"الشافعي".

كان عمرو بن الفارض حَسِنُ الوجه مُشَرَّبٌ بحمرة ظاهرة، معتدل القامة، وإذا غلبت عليه الحال وهو في مكان ما، ازداد جمالاً ونوراً، وسال العَرَقُ من جسده. وفي أغلب أوقاته كان مندهشاً وشاخص البصر، لا يسمع مَن يكلمه ولا يراه، فكان كالميت في حاله، لا يأكل ولا يشرب ولا يتكلم ولا يتحرك. فقيل عنه أنه يبقى على هذه الحال أيام طويلة تصل أربعين يوماً أحياناً، وقيل أيضاً أنه صام في إحدى المرات واحد وخمسين يوما دون انقطاع بلا أكل ولا شراب. أما شعره فكان ينظمهُ عندما يستفيق من غيبوبته الملازمة له في حاله، فيملي ثلاثين بيتاً أو أكثر مرة واحدة.

أقامَ ابن الفارض الحقبة الأخيرة من حياته بقاعة الخطابة في المسجد الأزهر متعبّداً معتكفاً ومنعزلاً عن الناس، حتّى تُوفي سنة 1235م في القاهرة، ودُفِنَ في اليوم التالي بالمدافن بسفح المقطَّم عند مجرى السيل تحت المسجد المعروف بـ"العارض"، وهو مقام على الجبل المذكور.

 

رحيم الغرباويالقصة هي حكاية سردية تقوم بتهديم الواقع وبنائه من جديد من خلال توظيف عناصر السرد القصصي والحوار والشخصيات، فهي تقدم حياة المجتمع بعاطفة إنسانية، بوقائع تكاد تقرأ بعين الحقيقة إذا ما كانت هذه القصة تعالج قضية واقعية في عالمنا المعيش، ومهمة كاتب القصة هي وضع هذا الواقع تحت مجهر الإبداع للوقوف على بؤر الخراب الماكثة في ثناياه، ولعل بعض الأساليب التي يوظفها الكاتب في نصوصه تمنح النص عنصر التشويق الذي يهيمن على المتلقي وهو يقرأ الحادثة وما يتبعها بصبر وشوق ومن تلك الأساليب هما : أسلوب المفارقة وهي من تقنيات الأدب التي يمارسها الأديب لإحداث الدهشة في نفس المتلقي، لاسيما في المواقف، والآخر التداخل الزمني وهو ما أشار إليه، وحدده جيرار جينيت، وسار عليه كثير من الروائيين والقصصين، في الاستباق والتحول في الزمن، فقد مارسه جماعة تيار الوعي، ومنهم جيمس جويس وولف وآخرون، إذ يمنح النص السردي طاقاته التي تعد من التقنيات التي تتداخل بها الصور الحية من خلال الخروج من دائرة الملل، وهي تسرد الاحداث بزمن واحد .

ولما كان النص السردي "يرتكز في بنائه الفني للزمان على التلاعب بالمحددات الزمنية، بمعنى أننا لانركن إلى توقيت زمني محدد، ففي الوقت الذي ينطلق فيه النص من الحاضر نجد أنفسنا بإزاء ماضٍ يتسلط عنوةً على الحدث" من جانب آخر تتسلط المفارقة المعنوية على اجترار المتلقي نحو إيهام الكاتب له في إحداث تلك المفارقة التي يلعب فيها الزمن دوراً كبيراً من طريق تلك المفارقة، وهذا ما نلمسه لدى القاصة الناشئة بسمة على في قصتها (حالة ذهول) وهي تستعمل أنواعلً من الأفعال؛ لتضفي ألواناً من التداخلات الزمنية، إذ نجدها تستهل قصتها بالأفعال المضارعة " يطمئن قلبي بجانبك، ويدور فلك عيني حول وجهك الملائكي، أتنفس معك الهواء، وتستنشق أنفاسي أنفاسك العطرة "؛ لتجعل بذلك من المتلقي أنْ يعيش معها آنية الحدث؛ ثم بعد سطور تقوم بكسر الرتابة الزمنية؛ لتتحول في حديثها بالزمن الماضي؛ لتحث المتلقي أن يعيش في أمل دنياها وانبساطها في واقعها، حين تنهض من نومتها بعدما تضع الدثار على حبيبها الذي تتركه راقداً على سريرها؛ لتهيء مائدة الإفطار لكليهما، فهي تروي لنا قائلة : "طلَّ الصباح، وأنا على هذه الحال، فصوت تراتيل الكنيسة يمتزج بآذن الفجر... أكملت غسل أسناني، ثم وجهي متجهة إلى المطبخ؛ لأعد الفطور، أضرمتُ النار تحت القهوة، وأخرجت بعض شرائح الجبن وقطعتين من الكعك والزيتون واضعة إياها على الطاولة "؛ مما يدفع بالمتلقي إلى الخلاص من الرتابة الزمنية؛ لتنقله من مشهد السرير الذي أوردته في الزمن الحاضر؛ ليعيش صورة الحبيبين اللذين يرفلان بمتعة الحبِّ والوله، إلى صورة أخرى وهي الحمَّام، ثم المطبخ؛ لإعداد الطعام فيه، وهي تحكي قصتها في الزمن الماضي، إذ تنقل صورة هذين المكانين، ثم تستمر في استعمال صيغة الماضي " هَرولتُ نحو غرفة نومنا، وأنا أفتح الباب بلهفه ؛ لرؤيته استرقت النظر إلى السرير، فإذا به خالٍ !! ناديتُ مرهً ومرَّات فلا يجيب، صرختُ به لاتمزح معي، لا أطيق مثل هذةِ الألاعيب " لتحدث لنا مفارقة من خلال ذلك؛ فتشعرنا أننا في أحداث هي في الماضي وليست آنية، لتفاجئنا بالحدث الذي ترويه لنا كان جميعه من زمن الغياب، لكن حضور الحبيب جعلها تشعرنا أنه يعيش معها حين تهدأ ثورتها بأحلامها الندية وهي خارج نطاق الزمن بينما واقعها هو الزمن الماضي، فأحلامها متحققة طالما هي خارج أرض الواقع، وهو زمن مستمر، في حين أنَّ الزمن الأرضي (الواقعي هو زمن متهالك لايبقى منه إلا الذكريات العالقة في الأذهان، وأنها تعيش في غيبوبة الحرمان الذي تعيشه كثير من النساء اللواتي فقدنَ أزواجهن؛ مما يجعلهن لايطقن العيش من دونهم . وقد أحدثت المفارقة من خلال بصمة التحول في الزمن من خلال الفعلين المضارع والماضي الذي بنت من خلالهما حبكة نصها القصصي، فضلاً عن الصورة النفسية التي خلقت رابطا عاطفيا بين الشخصية والقارئ؛ لما أحدثته من شفقة؛ مما يمنح انسجاماً في الصورة النفسية للشخصية، وهو لون آخر من ألوان تقنيات السرد .

 

الدكتور رحيم الغرباوي

 

 

امجد نجم الزيديجنس الكاتب أحمد الباقري روايته (ممر الى الضفة الاخرى) بالرواية التسجيلية، وبهذا يضعنا منذ البدء في الالتباس الذي يثيره هذا التجنيس، من خلال العلاقة بين الرواية التي هي عمل متخيل (Fiction)، والتسجيلية التي تقترب من النقل الواقعي المجرد للاحداث، اي انها عمل غير متخيل (Nonfiction)، رغم ان ميشيل بوتور يقول (كون الكتاب (رواية) كفيلا بان يبعد عن الاحداث والشخصيات واقعيتها، لانها (الرواية) تضفي عليها –ضمنا- صفة الخيال ففي اللحظة التي يضع فيها الكاتب كلمة (رواية) على غلاف كتابه، فانه يعني من العبث التحقق من صحة احداث ما يرويه، وان اقناعنا بشخصياته يفتقر الى مايرويه لنا عنها حتى لو كانت موجودة في الواقع)1، ولكن هذا الجنس الكتابي –اي الرواية التسجيلية- وجد له موطئ قدم ضمن اجناس الكتابة الروائية العربية، رغم ان ما كتب فيه وعنه قليل جدا2، لذلك فلم يستطع – ربما - ان يصنع له حدوداً رصينة، ممكن ان تنقذه من الالتباس والتداخل.

ويتداخل هذا المصطلح (الرواية التسجيلية) مع مصطلح اخر؛ وهو (الرواية التوثيقية) اذ ان كليهما يرجعان الى نفس المصطلح الاجنبي (Documentary Novel) ولا يوجد اي تفريق بينهما في اللغة الانكليزية، اذ انهما يحاكيان نفس المفهوم في تلك اللغة، الا ان هذا التفريق جاء من الترجمة العربية، لذلك فانا اميل مع الروائي الى مصطلح التسجيلية بدل الرواية التوثيقية، لانه – برأيي على اقل تقدير- يقترب من الكتابة الروائية أكثر، إذ ان هناك حيزا مفترضا يحتمه فعل التسجيل لاستخدام الخيال، ربما أكثر من مفهوم التوثيق الذي يلتزم بما تمليه وتفرضه الوثيقة، مع ان هناك من حاول ان يفرق بينهما باعتبارهما مصطلحين مختلفين، وهذا ما يحدث في الكثير من المصطلحات المترجمة اذ يعاملها الناقد العربي ليس من منطلق ما تحمله من مفهوم، بل من ما يولده المصطلح المترجم، الذي هو بالتأكيد اجتهاد من قبل المترجم خاصة ان كان لا يجد لها مرادفا مباشرا في اللغة العربية، وربما نرى هذا في مصطلحات مترجمة اخرى كمصطلح الاغتراب (Alienation) مثلا، الذي ترجم مرة بالاغتراب ومرة اخرى بالاستلاب، والذي سبب لدى بعض النقاد التباسا كبيرا في كيفية التعامل معه.

إن الرواية التسجيلية وكما تظهر لنا ربما من خلال الرواية التي بين ايدينا، وهي رواية (ممر الى الضفة الاخرى) تقترب من انواع كتابية اخرى كالرواية التاريخية مثلا، او (التخيل التاريخي) فهل يكفي اعتماد الرواية على وقائع تاريخية معروفة لتصبح رواية تاريخية، لان التخيل التاريخي حسب الدكتور عبدالله ابراهيم (هو المادة المتشكلة بواسطة السرد، وقد انقطعت عن وظيفتها التوثيقية والوصفية، واصبحت تؤدي وظيفة جمالية ورمزية)3، لذلك نرى ان الكاتب جنس الرواية برواية تسجيلية بدل تاريخية، وهو اختيار موفق حتى يبقى ضمن الحيز التوثيقي الوصفي الذي يسعى اليه، والذي اختطته الرواية، ولكن هل يمكن للرواية ان تكون مخلصة لفعل التسجيل الموضوعي، الذي لا يتأثر بالعمل الروائي كعمل متخيل او كخطاب أدبي، فعلى الرغم من ان افلاطون طرد الشعراء من جمهوريته لانهم يشوهون الحقائق برأيه، الا انه كان مضطراً للاستعانة بالادب المتخيل (fiction) في تفسير طروحاته الفلسفية من خلال الاستعانة بالاساطير4، لذلك فعلى الرغم من الطابع التسجيلي الذي يصبغ الرواية، الا انها كانت مضطرة الى اتخاذ الرواية والبناء الروائي ممراً او منفذاً لتقديم ثيمتها.

فالرواية التسجيلية بالتأكيد ليست ذلك النمط من الروايات الذي يوظف الحقائق والاحداث الحقيقة لصياغة رواية متخيلة، وانما تعتمد على احداث حقيقية وتساير هذه الحقيقة، ولكنها تتلبس لبوس الروايات من حيث البناء الحكائي والحبكة ... الخ، وتترك الباب مواربا بعض الاحيان – وإن كان بصورة مقننة- للصياغات الشعرية للاحداث الى ان تطفو الى سطح خطابها التسجيلي، اي تزاوج ماهو حقيقي بماهو متخيل، مع (ان ما تصفه لنا الرواية يمثل جزءا خادعا من الحقيقة)5 كما يقول ميشيل بوتور، (فكثيرا ما يقال إن الاجراءات التي تدخل في صناعة الخيال القصصي متأصلة في كل تجربة خاضعة للاتصال، لان عملية الاتصال تتضمن الاختيار والتحرير طبقا لنماذج مسبقة)6، حيث ان عمليتي الاختيار والتحرير تجعل النص الذي يدخل عملية الاتصال غير حقيقي، اي متخيل لانه خاضع لاعادة انتاجه وفق تلك النماذج المسبقة.

• المكان في الرواية التسجيلية

يبنى عنوان الرواية (ممر الى الضفة الاخرى) ويرتكز دلاليا على المكان، حيث (ممر) و (الضفة الاخرى) وكذلك حرف الجر (الى) تدل كلها على المكان، ويخلو العنوان من الفعل الذي ربما سيعطي للرواية صبغة تاريخية، بينما تركز العتبات النصية الاخرى كالاهداء مثلا (اليك هذه الصفحات المجيدة المطموسة من تاريخ أبنائك الشرفاء، بعثت فيها الحياة كي لا تدفن في وادي النسيان)7، والمفتتح الاستهلالي (تدور أحداث الرواية في فترة الستينات وشخصياتها حقيقية إلا اني غيرتُ في اسمائها)8 على التاريخ، اي تاريخية الاحداث، وعدم اشارتها الى المكان الذي هيمن على دلالات العنوان، والذي يحيلنا الى ان تلك الدلالات المكانية؛ يمكن ان تقرأ من وجهة نظر أخرى ترتبط مجازياً بالزمان، عندما تتحول من خلال المجاز لتؤثر على جميع دلالات الرواية المرتبطة بالبنية الزمكانية، والمراوحة بينهما تحت غطاء التاريخ الذي يمكننا استشرافه من بنية المكان ايضا.

تعامل الجانب التسجيلي مع أمكنة الرواية بصورة متفاوته، تبعاً لمدى قربه وابتعاده التاريخي، اي ذلك المكان الذي يتجاوب مع الايقاع التسجيلي المرتبط بثيمة الرواية وحدثها الذي تسعى الى توثيقه والمتعلق بالسياسيين المعتقلين الذين يمثلهم السارد، والذي يكشف وجودهم التاريخي المرتهن الى تلك الاحداث التي ينقلها من وجهة نظره التسجيلية، لذلك فربما ان كل الامكنة الاخرى التي تبتعد قليلا عن هذا المركز؛ تخرج من هيمنة ذلك النقل التصويري المجرد، حيث نرى اختلاف اللغة وشعرنتها في بعض الاحيان، والذي ربما يفتح فضاءها الدلالي، مبتعداً بها عن ذلك التجريد الذي امتازت به لغة الرواية وخاصة في جانبها التسجيلي (أصابتني الحيرة، رجعت قليلا، فلم ار شيئاً، وجدت تلاً ترابياً، وعندما أقتربت من التل نبح علي كلب كان نائماً في حفرة، فضحكت لحالتي، قلت للكلب: انت أحسن حالاً مني، عندك مكان تنام فيه، وانا لا أملك ملاذاً (...) نحيت الكلب جانباً وكبرت الحفرة ونمت فيها حتى الصباح، وكان الكلب على بعد ثلاثة أمتار وقد غفى ايضاً)9، ويمكننا صياغة هذا الطرح بصورة اخرى عندما نتتبع دلالات المكان التسجيلي التي نرى انها تتوخى الارتباط بجانبها الفوتغرافي التسجيلي أكثر من ارتباطها بالجانب التخيلي وربما حتى الدلالي، اذ ان تعامل الروائي مع مفردات المكان تعامل توثيقي مجرد، ربما يخرج من هذه الصيغة التسجيلية في الاماكن التي ليس لها تأثير كبير على مجرى الاحداث، او الجانب التصويري الذي يتبعه، وهي الاماكن الصغيرة التي ربما تنجو من هيمنة النبرة التسجيلية الوصفية، حيث يمكنها ان تنمو خارج تلك الحدود، وتنحاز الى البنية الفنية الكامنة في الرواية.

وما اقصده بالاماكن الصغيرة يختلف عن ما اقصده بالاماكن الثانوية، والتي يمكننا اعتبارها أكثر مساساً بعناصر البناء السردي، وربما تؤثر تأثيرا مباشراً على الحدث السردي وتداعياته، او تجلب نوع من المنطق للاحداث التالية عليه، حيث تمثل هذه الاماكن الثانوية في أكثر الاحيان بوابة او محطة لانبثاق تغير ما في الحدث السردي، وخاصة عندما ترتبط بأشارات وأحالات مع دلالات سابقة، وهذا ربما ينطبق على الاقتباس التالي من الرواية (عرفت الكثير عن سجن الحلة، وجدت فيه مقصورة صغيرة يسمونها (ورشة السمكرة) وتحتوي على ادوات حدادة وأدوات لحام رصاص وادوات تصليح حنفيات الماء وملحقاتها)10، والذي ربطه السارد بحدث سابق له، ربما لاقناعنا بحيثيات فكرة الهروب من السجن، عندما قال (عرفت الكثير عن سجن الحلة) وبهذا فهو ينقلنا الى حدث سابق (قال حسن ياسين: نحن منقولون الى سجن الحلة المركزي ولا نعرف ظروفه، ولكن عهدا علي ان استلمت تنظيم السجن فسنهرب انت وأنا عند أول فرصة. قلت له: اعرف ظروف سجن الحلة من خلال المواجهين..)11، وهنا اضع خطين تحت كلمة (أعرف) وارتباطها بأقتباسنا السابق والفعل (عرفت)، وهذا التأكيد يوحي لنا بان هذه الورشة/المكان ستعلب دورا مهما في الحدث الرئيسي وهو الهروب، ولكنه ايضا وقع ضمن ألية التسجيل/التوثيق، التي لا تعطيه الفرصة للنمو خارجها، ببنيتها الصورية المجردة، حتى على مستوى تعزيز الثيمة، ولا يمكن اعتبار الاشارة البسيطة لهذا المكان في صناعة كلابات باب النفق، اشارة مهمة او أدخلت هذا المكان في عملية تفاعلية تجعله فاعلا دلاليا، وبتصوري لو ان الكاتب انصاع للبناء الفني من دون التسجيلي لاعطى هذا المكان مدى أكبر، او تجنب الاشارة اليه ان كان غير مشارك بصورة فعلية في الحدث الرئيسي الذي بنيت عليه الرواية، وهو حدث الهروب كما اسلفنا، او ينتظم في بنية ايقاعه، فالفعل الذي قام به السارد عندما عمل جدارا من الخشب في المطبخ (في الاسبوع الثاني من لقائي بالرفيق عباس فاضل علوان، استدعاني ممثل

السجن الى الباب الرئيسي، وحضرت هناك واستلمت الخشب المعاكس وكمية من المسامير، ونقلت الى المطبخ. في اليوم التالي بدأت مع عباس فاضل علوان، وانجزت عمل الحاجز الخشبي خلال ثلاثة ايام)12، وهنا يأخذنا الى مكان ثانوي أخر، يبتعد به عن ذلك المكان –اي الورشة- وربما اقرب تبرير يمكننا صياغته لوجود هذا المكان/ الورشة؛ وهو غير مقنع ربما، هو محاولة بناء صورة للسارد ان لديه امكانيات حرفية، تبرر لنا تاليا تمكنه من صنع الجدار الخشبي، رغم الاختلاف الكبير بين ورشة السمكرة وورشة النجارة، لذلك فنحن نتمسك برؤيتنا لهذا المكان الثانوي الواقع تحت هيمنة تلك البنية الصورية المجردة، التي بنيت عليها الرواية، رغم عودة السارد كما اشرنا سابقا الى هذه المكان الا انها عودة غير ايجابية ولم تعطيه دورا فاعلا يبرر هذه العودة او هذه الاشارة (في ورشة السمكرة صنعت كلاليب لرفع الباب من الاسلاك الحديدية التي سمكها 4 ملم وذلك لقوة تحملها)13، وهذا الكلام ربما ينطبق على تلك الامكنة الثانوية الاخرى التي شاركت بصورة جزئية غير فاعلة في الفعل السردي، الا ان السارد قطع الطريق امامها للنمو، او ان تأخذ حيزا، ممكن ان يعزز الثيمة بدل تلك التصويرية المجردة، رغم ان احد تلك الامكنة وهو المطبخ قد خرج قليلا عن هيمنة تلك السلبية، اذ كان متفاعلا مع العناصر السردية الاخرى، من خلال اندماج السجناء السياسيين في فضاءه الدلالي انسياقا من البناء الحدثي للرواية، وذلك لتمويه عملهم في الحفر، من خلال تعلم صناعة (الشوربة)، وايضا التعاطي مع المكان بصنع الحاجز الخشبي واخفاء التراب، وايضا تفاعله مع الامكنة الاخرى كالسور ونقطة الحراسة..الخ، وهذا ما لم يحدث في المكان الاخر البديل، وهو الصيدلية، الا بعد اكتشاف أصل هذه الغرفة التي اعدت لتكون صيدلية، وهي مرافق صحية، حيث نرى ان هذا المكان قد شارك بصورة فعلية في الحدث الرئيسي وتفاعل معه، وان سيطر عليه التجريد في بعض المواضع، كما مع الامكنة الاخرى، ولم يلتفت الى تفعيل الجانب الدلالي له.

إن كل مكان روائي هو واجهة لمديات أخرى، ترتبط بالانسان والوجود، حيث لا يقتصر دوره على مجرد كونه حاضنة للاحداث والشخوص، الا ان الروائي في هذه الرواية اكتفى بالاحالة التاريخية للمكان، التي ترتبط بأحداث تاريخية معروفة وهي هروب السجناء السياسيين من سجن الحلة، من خلال نفق صنعوه بانفسهم، لينظموا بعد ذلك الى ماسمي بـ(جماعة الكفاح المسلح) في الاهوار، لذلك فكل تعامل مع هذا المكان هو اعادة رسم لذلك المكان التاريخي، والانحياز الى جانبه التسجيلي التوثيقي، وهذ ما يقلل من اهمية ذلك المكان إذ ان (وراء الامكنة تكمن ازمنة معيشة، لكل لقطة منها تجربة، وكل تجربة هي معايشة في المكان، فعلى الاديب بوصفه رائيا ان يستشف الجوهر الفكري والوجداني الذي يتواصل مع التجربة الانسانية في المكان)14، فالتعامل مع المكان حتى وان كان صوريا وصفياً؛ يخفي ويضمر فعلا أخر يرتبط بعناصر البناء الروائي الاخرى، والتي تأخذ مداها من خلال صورة المكان ودلالته، رغم ان الرواية التي بين ايدينا لم تدع هذا المكان من ان يتنامى خارج الاطار الصوري الوصفي، حيث جعلت من الرواية منفذاُ او ممرا الى ضفة التاريخ او بالاحرى التوثيق التاريخي، حيث انتصرت للواقع بحقائقه المجردة على المتخيل، والصورة الفوتغرافية الوصفية على الصورة النفسية التي تفتح فضاءات للتفاعل بين هذا المكان التاريخي والبناء الروائي الذي يبني سداه من بنية التخيل باعتباره ادبا متخيلا (Fiction)، فنقل (المكان الموضوعي الى النص كما هو، نقلا يتوخى دقة الابعاد الهندسية المجردة عن الابعاد النفسية يحيلنا الى صورة فوتغرافية تجمد المكان لا أكثر، ان صورة المكان في النص الادبي يجب ان تمتلك القدرة على النفاذ من السطوح الطبوغرافية للظاهرة الى انطلوجيا المكان)15 ولكننا مع ذلك يمكننا تصور بنية المكان بالاضافة الى البنية الزمنية وطبيعة الشخصيات وعلاقاتها، فالمكان (شبكة من العلاقات والرؤيات التي تتضامن مع بعضها لتشييد مواقع الاحداث وتحديد مسار الحبكة ورسم المنحنى الذي يرتاده الشخوص)16.

(أتو بنا الى بناية واسعة ذات واجهة نصف دائرية تشبه المضيف.. كنا في سيارة التوقيف.. انزلونا أمام البناية، أدخلونا من بابها الواسع الذي ينشق من واجهة زجاجية عريضة، فمشينا بين صفوف من الكراسي التي يجلس عليها جمهور غفير، اتجهنا نحو المنصة وارتقينا سلماً صغيراً، كان ثمة على يسار المنصة قفص الاتهام، ادخلونا فيه واغلقوا بابه)17، نلاحظ هنا العملية الوصفية للمكان، تأخذ الاسلوب السينمائي وحركة الكاميرا التي تلتقط صورة المكان والحركة، وكأن عين السارد تسجل كل دقائق المكان، ولكن هذا الالتقاط خالي من المكان المتحرك الذي بامكان دلالاته ان تنمو وتتمازج مع الحدث السردي، حيث ان الفضاء الروائي المرسوم هنا، هو فضاء محدود يقتصر على الجانب التسجيلي، اذ اننا لو حللنا هذا المكان بكل جزئياته، لوجدنا انها تفتقر لحركية الفضاء الروائي الذي يتداخل فيه الواقعي بالرمزي، فمثلا التشبيه الذي استخدمه الروائي لواجهة تلك القاعة (نصف دائرية تشبه المضيف)، ربما يحيلنا الى محاولة استباط احالات دلالية تعطي لهذا المكان بعدا دلاليا، لكن وصف المكان او الواجهة بهذه الصورة هي احالة واقعية مفرغة من اي دلالة يمكنها ان تنمو خارج نسق الاحداث التسجيلية بصورتها المجردة، والتي لا تتماشى مع اي اجتراح او موائمة مفترضة مع البنية الدلالية للمضيف، وما يحمله من فضاء دلالي، بل ان اشارته تلك هي احالة واقعية مباشرة للمسرح الذي شيد على شكل مضيف القصب في مدينة الناصرية، والذي اجريت فيه المحاكمة18.

ونرى ايضا في موضع اخر من الرواية تعامل السارد مع المكان بصورة هامشية لانه لا يمثل مركزا لحدث مهم يخدم الجانب التسجيلي، لذلك ربما لم يفصل في وصفه او الاشارة اليه، كما فعل مع السجن او في مكان المحاكمة الذي تطرقنا اليها قبل قليل، بينما من الممكن لو كانت الرواية مهتمة بجانبها الدلالي والتخيلي لاستغلت هذا المكان في تعضيد ثيمة الرواية وتفعيل الجانب الدلالي للاحداث (عند وصولي المركز أخبرني احد الرفاق بان اهلي أرسلوا الي فراشا وملابس. خلعت ملابسي.. غسل بعض الرفاق جراحي.. فتحوا لفَّة الفراش، كان في طيتها مرهم خاص للجراح مع سائل للتعقيم، ضمدوا جراحي وبقيت عارياً إلا من لباس داخلي حتى حلول الليل)19، يأتي هذا الاقتباس بعد الوصف المتأني لقاعة المحاكمة، حيث تظهر الاشارة فيه للمكان في موضع واحد عندما يستخدم كلمة (المركز) وبعد ذلك وفي نفس الصفحة اشارة لنفس المكان بـ(مركز شرطة الخيالة)، وغابت اي اشارة لشكل هذا المكان او رسم صورة او حدود له، وذلك لانه مجرد مكان وسيط، لا يمتلك اي تأثير على المسيرة التسجيلية التي اختطتها الرواية، وينطبق هذا ربما على كيفية تعامل السارد مع أمكنة الهروب، فبعد ان كان تعاملا وصفيا وتفصيليا داخل السجن، نراه اصبح مقتصرا على اسماء تلك الامكنة والمدن، عدا ربما البيت الذي اختبئت فيه الشخصية الرئيسية، ولكن هذا التفصيل كان تفصيلا جزئيا يرتبط بحدث المطاردة، لذلك فلم تخرج (الخربة) مثلا او المدرسة من ربقة هذا التجريد، ولم تشكل اي اضافة دلالية، حيث يمكننا بسهولة استبدالها الى اي أمكنة اخرى من دون ان يختل البناء الدلالي، وذلك ربما لان الاهتمام كان منصبا على تسلسل تلك التنقلات وليس دلالتها، حيث ان تفاصيل تلك الامكنة والتفاعل معها ربما لا يخدم الجانب التسجيلي الذي تصر عليه الرواية، اذ ان ما يفرض وجودها ليس البناء الدلالي والفني كما اسلفنا، وانما العملية المنطقية المرتبطة بالتوثيق التاريخي لتلك الاحداث.

ان الامكنة التي استفاض السارد في وصفها وتفصيلها ترتبط بنوع ذلك المكان، وتأثيره على البنية التسجيلية لاحداث الرواية، فمثلا وصفه لاقسام السجن، كان خاضعا فيه لمحاولة ابراز بعض القضايا التي تهم بنية التسجيلية وليس الجانب الفني والدلالي، وان كان من الممكن لها ان تعززه (كان السجن يقسم الى ثلاثة اقسام:

1- القلعة: ويسكن في هذا القسم السياسيون الذين اعلنوا براءتهم من الحزب المحظور.

2- الملحق: ويسكن في هذا القسم السياسيون الذين رفضوا إعطاء براءتهم من الحزب المحظور.

3- المحجر: ويسكن فيه السياسيون الذين لا ترغب إدارة السجن في اختلاطهم بالسجناء الاخرين.

وهناك غرف صغيرة تسمى "الانفرادي" وهي مكان للعقاب والحجز الانفرادي.)20، وهذا التفصيل في وصف المكان يظهر أهميته، والذي تلعب فيه هنا بالاضافة الى التأثيث المكاني للحدث السردي؛ الدلالات المضمرة في هذا التفصيل، والتي من خلالها يمكن اعطاء صورة عن هؤلاء المعتقلين السياسيين، الذين يتدرجون فيه تبعاً لتدرج المكان ونوعه، حيث يظهر هنا وربما بصورة غير مباشرة ان هذه الاهمية التي اسبغناها قبل قليل على المكان، هي بالحقيقة اهمية لمحتوى هذا المكان، اي ان المكان لا يمارس بنفسه الفعل المتوقع منه من خلال التوصيف، الذي اسبغ عليه كمعتقل سياسي، وانما هو مجرد اطار لام، فكل الافعال التي تنتج عنه ربما هي ردود افعال لحركة لاترتبط به بالاصل، وانما ترتبط بتكوينها الخاص الذي تنتج عنه، اي لا يهيمن على الافعال التي تحدث داخله، بل يكون ارتباطه بها من خلال كونه اطاراً تزينيا لها، فصورة المكان ربما وعلى طول الرواية؛ لم تتطور بغض النظر عن كونه كبيرا او صغيرا، واسعا او ضيقا، ولم يؤثر على الشخصيات، بل اكتفى بصورته المجردة، حيث يمكننا ملاحظة ذلك ربما مع النفق مثلا، والذي لم نلمس اي تفاعل بينه وبين الشخصيات، من خلال تحريك دلالته او الاستفادة من فضائه الاحالي او ربما التأثيرات النفسية له باعتباره مكانا ضيقاً ووسيطاً للهروب، بل اقتصر التعامل معه على حدث الحفر، وهذا ينطبق ايضا على المكان الواسع كالسجن او الهور او اماكن الهروب التي تحدثنا عنها سابقاً، بينما نرى ان هناك تفاعلا مع أمكنة اخرى كالغرفة السوداء وهي زنزانة سجن (تسمرت في مكاني وسط الغرفة، كنت لا ارى شيئا، كانت الغرفة كئيبة وموحشة وتفوح منها روائح ذكريات مريرة مولمة)21، فتعامل السارد معها، ومع امكنة اخرى مشابهة لها، لا يتطابق مع امكنة أخرى مثلت وعاء تاريخياً يحتوي الحدث السردي، والذي كان هو الهدف الرئيسي لعملية التوثيق او التسجيل، بينما هذه الغرفة وان كانت محطة ضمن البنية التسجيلية، الا انها ومثيلاتها اقتربن أكثر من المشاعر النفسية للشخصيات، والالام التي تعرضوا لها، وربما وبصورة وبأخرى؛ ان هذا المكان يمثل تسجيلا لتلك الالام التي احتوتها هذه الامكنة، التي دخلت هنا بنية التسجيل ايضا، وان تماهت مع تلك الامكنة وخرجت قليلا عن البنية المجردة للسرد التسجيلي.

ان اهتمام الرواية التسجيلية وتركيزها على البنية الصورية المجردة للمكان، افقد هذا المكان الكثير من صفاته، التي ستدفع به الى ان يكون اكثر حركية وتنامي، من خلال تفاعله مع باقي العناصر البنائية للرواية، وربما لاصرار رواية (ممر الى الضفة الاخرى) على تسجيليتها، وبنيتها التجريدية؛ تقترب الى ان تكون رواية غير متخيلة (Nonfiction)، وربما هذا يمثل احد الاشكاليات التي يثيرها هذا النوع الكتابي، ولاقتصار دراستنا هذه على المكان ربما لم نشر الى مواضع اشكالية اخرى تثيرها هذه الرواية.

 

أمجد نجم الزيدي

...........................

الهوامش والاحالات

1- نقلا عن كتاب تحولات النص الروائي- عبد علي حسن- دار الشؤون الثقافية العامة ط1 بغداد 2013 ص140

2- يبدو لي ان أكثر الطروحات التي تخص الرواية التسجيلية في الكتابات العربية قد استندت على اطروحة منشورة على الانترنيت وهي (شعرية الرواية التسجيلية العربية) ولم استطع اعتمادها لانها تفتقر الى شروط التوثيق من اسم المؤلف والجهة التي قدمت لها الاطروحة وسنة تقديمها.

3- التخيل التاريخي- السرد والامبراطورية والتجربة الاستعمارية- د. عبدالله ابراهيم- المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط1 بيروت 2011 ص5

4- ينظر: Historicism: Paul Hamilton; Routlede, London 1996, p: 7

5- بحوث في الرواية الجديدة- ميشيل بوتور-ت: فريد انطونيوس- منشورات عويدات- بيروت ط3 1986 ص8

6- Fact into Fiction, Documentary Realism in the Contemporary Novel- Lars Ole Sauerberg- Palgrave Macmillan- New York 1991: p.2

7- الرواية ص5

8- الرواية ص7

9- الرواية ص96

10- الرواية ص34

11- الرواية ص31

12- الرواية ص40

13- الرواية ص56

14- انتاج المكان- بين الرؤيا والبنية والدلالة، د.محمد الاسدي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد ط1 2013 ص22

15- انتاج المكان ص33-34

16- الفضاء الروائي- جينيت وأخرين- ت: عبد الرحيم حرز- افريقيا الشرق- الدار البيضاء 2002 ص6

17- الرواية ص9

18- ينظر ص11 و ص12 من الرواية

19- الرواية ص12

20- الرواية ص13-14

21- الرواية 154

 

محمد البندورييعتبر النثر إثراء وتتابع لأفكار ما، فالنثر ينقل فكرة محدودة، ولذلك يطمح لأن يكون واضحا، عكس الشعر الذي ينقل حالة شعورية أو شعرية لذلك. والنثر هو وصفي تقريري ذو غاية معينة محدودة.

- قصيدة النثر

إن قصيدة النثر لم تكن بعيدة عن التواصل مع التراث العربي، بل أفادت منه بمقدار، وحسب د. يوسف حامد جابر (1) ربما كان للمتصوفة التأثير الأكبر على شعراء هذه القصيدة، ذلك أن كثيرا من المتصوفة عبروا بفكرهم وسلوكهم عن سخطهم على مجتمعاتهم، ومعارضتهم للسلطات الدينية والسياسية التي كانت تقوم على توجيه هذه المجتمعات والتحكم بمقدراتها وفرض القيم التي تضمن استمرار سيطرتها، في الوقت الذي لم يكن يسمح لهم بالتدخل لتغيير المفاهيم السائدة، يعبرون عن معاناتهم بما ينسجم وشعورهم تجاه الواقع، هذا الواقع المعبر عنه، كان المتنفس الذي استطاعوا من خلاله المواءمة بين ذواتهم والمثل التي يطمحون إليها بأسلوب قدم رؤيا جديدة للكون والوجود، ودعا لتغيير الواقع المستهلك. وهو أسلوب – حسب يوسف حامد جابر – يشترك مع قصيدة النثر في كونه مكثفا وفي كون تراكيبه تعتمد على الرموز الموحية وعلى الصور والمعاني العميقة الغور، في الوقت الذي تعتبر انعكاسا للتجربة الحياتية، وقد تكون هذه التجربة عند المتصوف أكثر ذاتية، بينما هي عند الشاعر أكثر موضوعية.(2)

ولعل الشاعر أدونيس من أهم شعراء قصيدة النثر الذين تأثروا بالصوفية حسب د. يوسف حامد جابر، إذ نلمس في شعره كثيرا من إشاراتهم، ومردّ ذلك ربما أكثر ما يعود إلى ثقافة أدونيس الأولى واطلاعها على الثقافة الدينية الإسلامية، وتمكنه منها، وبالأخص الصوفية. وقد تغلغلت هذه الثقافة بين ثنيات كتاباته الشعرية والنثرية.(3)

وتعتبر قصيدة النثر ظاهرة فنية، وسوسيوثقافية صاعدة باطراد في المشهد الثقافي العربي. ولتأكيد أحقية وجودها كجنس أدبي تحديدا، تتمثل بكثافة إنتاج مصحوبة بصخب تنظيري يراوح بين السجال والتبشير والتصالح. وهي نتاج صياغة لسانية متداخلة.(4)

وتكاد تجمع الآراء على أن قصيدة النثر العربية قد تأسست عام 1959 في مجلة شعر، وأن بيانا صدر حينها لأدونيس أطلق فيه الترجمة العربية (قصيدة النثر). وقد رسم مشروع قصيدة النثر بالموازاة مع بيان آخر في نفس السنة لأنسي الحاج أطلق فيه مقدمة (لن) أول كتاب شعري اعتمد أصول الشكل الشعري الجديد وجوهر التجربة الشعرية.

وقد ذهب البعض إلى أن البيانين معا لم يشكلا نظرية عربية، إنما كانا أشبه بتلخيص للنظرية التي أعدتها الفرنسية سوزان برنار في كتابها الرائد: " قصيدة النثر من بودلير حتى أيامنا".

وحتى الآن فالشعراء المؤسسون ظلوا مهتمين بتبرير كتابة قصيدة النثر ونظرياتها، ومهتمين باختبار هذه التجربة الجديدة. وقد كان لأدونيس دور في تعريب النظرية، إلا أنه، وهو الأكثر اهتماما بالشأن النظري بسبب اهتماماته بالفكر والفلسفة؛ لم ينقطع إلى وضع نظرية عربية متكاملة للقصيدة الجديدة حسب رأي العديد من الآراء، والتي ترسأ على أن قصيدة النثر العربية بحاجة ماسة إلى نظرية، أو في حاجة إلى السؤال عن خصوصياتها بين قصائد النثر في العالم، أو في حاجة على الأقل لخلاصات نظرية.

وقد فرق أدونيس بين قصيدة النثر في اللغة العربية وبينها في اللغة الفرنسية أو غيرها حين قوله: "إنهما تفترقان بخواص ومزايا يفرضهما بدئيا، فرق اللغة والعمل اللغوي." والافتراق كذلك حول طبيعة الخواص العربية لقصيدة النثر وحول ما تفقده هذه القصيدة، وما تكسبه بالترجمة.

وفي سياق الحديث عن هذه القصيدة، سأل سليمان الحكيم الشاعر أدونيس ضمن حوار معه حول قصيدة النثر، فأجاب أدونيس بأن ليس هناك شيء اسمه: " قصيدة نثر" فالقصيدة شيء.. والنثر شيء آخر.. وقال بأنه كتب نثرا شعريا، والتراث مليء بالنثر الشعري.

ولا شك أن هذه التسمية لما أطلقت، هوجمت هجوما حادا اتخذ طابعا سياسيا سنة 1960. إلا أنها اليوم تكاد تكون الطريقة التعبيرية الغالبة خصوصا لدى الشعراء. ويذهب أدونيس في أكثر من موقف إلى أن الشعر شعر، ولا يجب أن يقرر الشكل في صحة ذلك أو عدمه. ويقول:" في قصيدة النثر، إذن، موسيقى، لكنها ليست موسيقى الخضوع للإيقاعات القديمة، بل هي موسيقى الاستجابة لإيقاع تجاربنا وحياتنا الجديدة، وهو إيقاع تجدد كل لحظة، تتضمن القصيدة الجديدة نثرا أو وزنا.." (5)

ويعترف أدونيس أن قصيدة النثر تحتوي طرقا للتعبير وطرقا لاستخدام اللغة - جوهريا شعرية – وإن كانت غير موزونة.

وأدونيس يمايز بين النثر والشعر(6) ويعتبر أن الصورة من أهم العناصر في القصيدة، وطريقتها في التعبير والدلالة هي التي تحدد نوعيتها.. إنها خالية من الوصف التقريري والتتابع والسببية المباشرة والوضوح المجرد، فمن أهم الخصائص في القصيدة – ولا يهم نوعها – الإثارة والمفاجأة والدهشة.

كما أن أدونيس يعتبر كتابة قصيدة النثر ضرب من الغيب، فيقول:" والشاعر هنا لا ينطلق من فكرة واضحة محددة يعرفها هو نفسه معرفة دقيقة، ذلك أنه لا يخضع في تجربته للموضوع أو الفكرة أو الإديولوجية أو العقل أو المنطق. إن حدسه كرؤيا وفعالية وحركة هو الذي يوجهه ويأخذ بيده."

وهو يرى إمكانية كتابة الشعر بالنثر ضمن شروط معينة فيقول: " كل ابتكار يتضمن إعادة قراءة جديدة له. والمشترك في هذه القراءة هو إمكان الاستغناء في الشكل الموزون عن الكتابة شعرا بالنثر – ضمن بعض الشروط – وهذا الإمكان تمثل أساسيا فيما اصطلح على النثر " وهذا كله مشترك شكلي".

لقد قيل الكثير عن تنظير أدونيس ودراساته التحليلية، وما قدمه لقصيدة النثر، حتى إن أدونيس قد ربط بين الموسيقى الخفية في عمق البحار وقصيدة النثر التي لا تزال محط جدل منذ أكثر من نصف قرن.

 

د. محمد البندوري

..................

1- قضايا الابداع في قصيدة النثر، يوسف حامد جابر، دار الحصاد للنشر والتوزيع، ص 16

2- نفسه، ص 17

3- نفسه، ص 17

4- ضد الذاكرة، شعرية قصيدة النثر، محمد العباس، المركز الثقافي العربي، ص 23

5- مقدمة الشعر العربي، أدونيس، ص 116

6- زمن الشعر، أدونيس، ص 16

 

88 مسر سنكريتنبيه:

(الشعر ضد العقلانية)

أدونيس

غاية:

(الفن خلقٌ وإبداعٌ بهِ ألمُ     يأتي إلينا من الوجدان يرتسمُ)

سمير سنكري   

الإشارة الأولى

حالة الإبداع هي حالة لا وعي تطفر من العقل والمنطق الاستقرائي لمكونات الوجود، رائحة إلى خروج لا عقلاني عن نمطية التفكير العقلي لتكسر كلَّ أطواق التحاليل المنطقية (التي تحاول عقلنة الحياة عن طريق تفسيرها وتشريحها وفكفكتها إلى مكوناتها المادية ملغية المكونات الروحية والفكرية ... فالحياة تؤول وتعاش لكن لا تُفسّر) ... فتطلقها فاردة أجنحتها الإبداعية في عالم غير معقلن أو بالأحرى معلمن (من العلم) ..

و الشعر حالة انفلات شعوري من الوعي إلى اللاوعي الدفين في ذوات البشرية، والشعر فراشة لم تعرف سرَّ النور فراحت إلى موتها على طريق الكشف والمعرفة..

فعقلنة الجمال تكسره وتأسره وتشوه طبيعته الجمالية الخلاقة عن طريق قتل الرؤية فيه فالجمال لا يُعقلن إلا كي يُدرس ودراسة الجمال وتفكيكه ليست عملية إبداعية خلاقة بل هي استقراء تفكيكي مخرب للرؤية الجمالية للإبداع ... فالعقلنة هي ضربة قاضية على الإبداع الكوني إذ تُجرده من روحانيته الرؤيوية وتأخذه إلى مادية صامتة وجامدة في محدوديتها، فلو أنَّ المعري وضع شعره في قالب الفلسفة لاندحرت الحالة الشعرية الرؤيوية لشعره أمام منطقية الفلسفة، وفرضت الفلسفة سيطرتها على قصيدته وأخذتها إلى عدمها الإبداعي، هذا لا يعني أن الفكر الفلسفي ليس فكراً إبداعياً فهذا غير مقصدنا فالكر الفلسفي وليس هو الفلسفة ..

و كذلك فعل فيلسوف العرب ابن سينا في قصيدته الشهيرة (النفس) آخذا الفلسفة بأجنحة الشعر إلى حالة رؤيوية لا واعية بل حاسَّة وشعورية تفرد مساحات من الفكر الفلسفي كي تكتشف عن طريق الشعر كينونة النفس كما يراها الشاعر هو كشف حسي يتعامل مع المدركات والمعقولات في صياغة فنية خلاقة ..

و الشاعر سمير سنكري لا يكتب قصيدته إلا كحالة فكرية متعمدة، تحاور الواقع من خلال النظر الرؤيوي إلى مكونات هذا الواقع .. من إنسان وأشياء محيطة به ومحيط بها، ويرفض أن يكون الشعر لا فكريا وبالطبع لا خلق ولا إبداع دون فكر ؟؟!! (فالشعراء العظماء مفكرون عظماء) كما قال أدونيس ..

و العقلنة التي تحدثت عنها هي ليست الفكر فلا شعر دون فكر وثقافة وإلا تحول إلى عدمٍ لغوي مجرد من الرؤية ، والشعر إبداع فكري والفكر هو الرؤية ولا إبداع دون رؤية

من هنا تبدو قصائد الشاعر سمير سنكري في بعض الأحيان مركزة على الفكرية على حساب الحالة الشعرية وهذا ما يقصده بالفعل الشعري الشاعر نتيجة لقناعته أن الفكر هو الشعر فتخبو حيناً الرؤية أمام قصدية المضمون الفكري التي تجعل الحالة الفكرية مسيطرة على الحالة الشعرية وهذه اللحظات بدأت أراها تتلاشى كي يسرح الفكر بانسيابية مطلقة من خلال مكونات الحالة الشعرية للشاعر وقصائده الأحدث فنحن نكتب قصيدة أولاً فعلى الفكر أن يكون جزءً من الحالة الشعرية وليس العكس، فالحالة الفكرية لا تكتب قصيدة رؤيوية .

تنبه2:

(الشعر .. وميض برق، والنظم ترتيب كلام، فليس إذاً من الغريب أن يرغب الناس في الترتيب وهو في مرتبتهم، دون الوميض وهو في الفضاء)

جبران خليل جبران

غاية2:

( حجم القراءات التي قد أظهرت   روح البيان ... سرقت عيوني من غدي)

سمير سنكري

الإشارة الثانية

تعاني القصيدة العربية (بنمطيها الشكليين: قصيدة الوزن بأنماطها المتعددة وقصيدة النثر أيضاً بأنماطها المتعددة) في هذه المرحلة الزمنية من الترهل الفني الناتج عن عقدة مرضية أصابت الشعراء وانتقلت إلى الشعر وراثياً وهي عقدة (و بإمكاننا تسميتها: وباء) التقليدية الناتجة عن النقلية فمن نقل الشكل أسره اللفظ أو الفكر الذي يحمله هذا الشكل فغرق حتى أذنيه في الشكل والمضمون ورغم كل عيوب هذه النقلية التقليدية إلا أن وبائيتها المرضية تتجلى في اختيار ما ينقله ويقلده ويتنسخه هؤلاء النقلة (و بالتأكيد ليسوا بالشعراء) هو أسوأ مراحل القصيدة العربية فمن قصيدة النثر يُقلدون ( بل ينسخون ويمسخون) أسوأ القصائد لأنهم غير قادرين على تقليد ؟؟!! تجليات قصيدة النثر عند شعرائها الرواد والمبدعين بل يروحون إلى فتات قصيدة النثر ويمسخونه .. فأية قصيدة ستكون لديهم ؟؟ وكذلك في قصيدة الوزن تجد هؤلاء المستشعرين عن ( لطش) يذهبون إلى عصر انحطاط الثقافة العربية ويستنسخون نتاجاته الشعرية فيأتي استنساخهم مسخاً شعرياً لا علاقة له بالمنسوخ عنه ولا بالشعر .. وسبب استسهالهم هذا الشعر لأنه في مرحلته كان قوي البنية الشكلية وضعيف الحالة الشعرية فلم يأخذوا قوة البنية الشكلية فقط بل سيطرت عليهم حتى الحالة الشعرية فبدت ألفاظهم وتركيباتهم اللغوية غريبة عن حالتهم الزمانية وكأنهم من شعراء عصر الانحطاط المستنسخ فلا هم عبروا عن عصر الانحطاط ولا هم عبروا عن عصرهم فضاعوا في مرض التقليد الأعمى ... كما فعل بعض الذين استنسخوا الشعر الأجنبي ... ويرجع ضعف مناعتهم تجاه هذه العقدة إلى عدم قدرتهم على قراءة الجمال في نمطي القصيدة العربية وحتى الأجنبية والاستفادة منها في بناء قصيدتهم بل كان الأسهل بالنسبة لهم استنساخ الماضي والحاضر وحتى الأجنبي

دون أن نترك لرؤيتنا المجال كي تتطور فاغتربنا عن حالنا وذهبنا إلى أحوال أخرى...

فيبدو الكم التراكمي المذهل من الكتابات الموبوءة بالتقليد والاستنساخ يجعلك تهرب من القصيدة إلى أيِّ شيء آخر ...فهل يبدأ الشعراء بكشف أسباب هذا الوباء ومعالجة آثاره المدمرة على القصيدة العربية ..أم.؟؟!!

الشاعر سمير سنكري .. أحد الشعراء الذين استطاعوا أن يتجاوزوا التقليدية حتى بأبهى حللها لفظاً ومعنى، فلفظه يتميز بتراكيب لغوية متقنة البنية ومبتكرة الحساسية والبناء كي تعبر عن معنى شعري وفكري محلق في فضاءات الحالة الشعرية، ويتميز التركيب اللغوي والرؤيوي لديه بحالة من التناغم الجدي، فيحاور لفظه معناه في تواشج توأمي الحالة بحيث تكون قصيدة متوحدة اللفظ والتركيب، وهذه الميزة (وحدة القصيدة) تميز مجموعته الأولى والثانية وكل ما قرأت له من قصائد، فقصيدته تعبر عن وحدة بنائية وفكرية شاملة للحالة الرؤيوية التي تتجلى من خلال اختياره الموفق للنمط الشكلي الموآخي للحالة الفكرية للقصيدة بحيث يُغرق المتلقي في حالة جمالية مميزة.

فرغم تعدد المضامين الفكرية لقصائد الشاعر، إلا أنك تجد نفسك غارقاً في نهر شعري واحد تتغير مياهه في كل قصيدة لكن النهر يبقى كما هو ..، فعندما تنتهي من قراءة القصيدة الأخيرة في المجموعة تجد في نفسك حاجة ملحة للعودة لقراءة القصيدة الأولى فيها كي تكتشف القصيدة والشاعر من جديد... فكل قصيدة تعطيك مفاتيح أكثر لكشف قصائد الشاعر وهكذا تتراكم المعرفة الشعرية لديك فتزداد حنيناً لكشف ما لم تكتشفه عند قراءة النص لأول مرة.. مفاتيح القصيدة عند الشاعر متعانقة ومتلاحقة كمتوالية قصائدية ... فقراءة الشعر تحتاج إلى ثقافة كما هي كتابته.

تنبيه3:

(الشعر كلّ ما هو جميل، كل ما لا يُستطاع شرحه، وليس بحاجة إلى شرح)

الشاعر الإسباني خوان رامون خمينيث

غاية3:

( أنا الحريص على صدقي فوا أسفي     أن يُفهمَ العكسّ في شعري وألحاني

أحيا على قيم بالحبّ تمنحني            وعياً   أعيش به   يسمو   بأركاني )

سمير سنكري

إشارات جمالية

(1)

تعرف القصيدة كيف تأخذ الشاعر من قيلولته الفكرية إلى البكاء دموعاً من أنغام ومشاعر الاستيقاظ، وتعرف كيف ترسم بمفرداته اللهفانة وجعها بضعاً من عرقٍ يمشي نهراً من دماء الشاعر وورود روحه المعبأة في سلال من ضجر .. كي تفتح نوافذ من هواء الإبداع في قلاع قلقه وكآبته لتأخذه إلى غابات الكلمات المشرقة بالاخضرار فيلهو في بهو حقيقته المتعلقة بصباحات تخرج من كفيه إلى صفاء البوح المسافر غيوماً من الوحي العبقري إلى حالات من الأناقة الفكرية

(2)

سمير سنكري .. شاعر تروي القصيدة أوجاعه وتحكي المفردات صباحات بنفسجة قلبه التي تعطر اللحظات باللهفة والمتعة الناضجة على موقد الوعي ..

شاعر تنهزم أمام حروفه أناقة الليلك وبكاء الحمام على وليفه الذي أنزلته رصاصة من علياء الحياة إلى الموت ...

سمير ... شاعر لا يكتب إلا برؤاه وفكره ... وفي لقصائده الوفية للإنسان الجميل الساكن فيه

(3)

كي تقرأ قصيدة سمير سنكري عليك أن تعرفه .. فهو من الشعراء الذين يتماهون في قصائدهم، وقصائدهم تتماهى فيهم ...

(4)

للقصيدة عند سمير سنكري .. طعم خاص ومذاق رؤيوي يلتهب في حلقك كالنعناع ليعطيك أجنحة من توتر وقلق تأخذك إلى ينابيع من نور المعرفة والفكر لتشرب كأساً معتقة بروحه وصافية كماء العين التي تشرب من شروش اللحظة الشاعرية التي اصطفاها من حميميته ليأخذها إلى قشعريرة الولادة الأولى لزيتونة الحياة.

تنبه4:

(ليس الشاعر بأكثر من زنبقة في جمجمة)

جبران

غاية4:

(صريحٌ في التصرف، ذاك يعني

بأني واضح، فالصدق يُجدي

سأبقى ما بقيت على وضوح

بوجهٍ واحدٍ رغم التحدي )

سمير سنكري

آخر الإشارات

لم أرغب بتقديم دراسة نقدية لقصيدة الشاعر سمير سنكري ... بل حاولت أن أشير لبعض مفاتيح القصيدة عند الشاعر سمير كحالة شعرية متميزة ذات آفاق فكرية مفتوحة للتطور الإبداعي العاكس لحالة من العشق الصوفي للوقوف في محاريب القصيدة والشعر .. وهذا العشق هو أحد أهم مكونات الكتابة الإبداعية ..

وهذه المفاتيح – كما أراها – قد تساعد المتلقي حين رؤيته لقلعة قصيدته من فتح أبوابها المفتوحة أصلاً للدخول إلى عالمه الشعري الفسيح ...

قصائده ترتكب الفعل الشعري الجمالي بأناقة الربيع المحمل بغيوم الشفافية التائقة لحرية اللفظ والمعنى في تكوين المشهد الإبداعي .. فتتجلى شاعرية من مطر يهطل على القلب لتخضر أعشاب الرؤية فيه فيتعانق القلب والعقل في فضاءات الروح راقصين على إيقاع القصيدة الفكرية الرؤيوية التي تعرف ذاتها كي تدرك ذوات الآخرين .. فتبدو مشبعة بالهم الإنساني حتى في أقصى لحظات ذاتيتها وهنا الإبداع الجميل .

 

الشاعر: مهتدي مصطفى غالب

 

 

عدنان الظاهرمن هو البطل الحقيقي لرواية حيدر حيدر المطولة (وليمة لأعشاب البحر)؟؟

بهذا السؤال أبدا استعراضي للرواية متجها نحو المركز قبل أن أنصرف للفروع الجانبية الكثيرة التي أساء بعضها للرواية .

خلافا لما قد يظنه الراوي فأن بطل الرواية الحقيقي في التحليل النهائي هو ليس " مهدي جواد " ... انما هو " مهيار الباهلي " بطل القسمين الموسومين (الأهوار) و (نشيد الموت) . واذا ما كان الأمر كذلك، وهوبكل تأكيد كذلك، فما هو دور حيدر حيدر أو (مهدي جواد) في أحداث الرواية؟ سؤال صعب لكنه سؤال وجيه . أجل، شديد الوجاهة. ذاك لأن أحداث الرواية الأخرى بكل ما فيها من تفاصيل ناجحة في أغلب الأحيان، وفاشلة في الباقي من الفرص، ما هي الا أحداث حب رخيص عادي ومألوف ضحيته طالبة في مرحلة الدراسة الثانوية وفارسها مدرس استأجرته عائلة الفتاة كي يقوم بأعطائها دروسا خصوصية في بيت أهلها . فتاة مراهقة في مجتمع محافظ لا يحب الأغراب، بل ولا يحب العرب، ورجل تخطى الثلاثين من عمره جاء الى هذا البلد كي يمارس تعليم اللغة العربية في احدى مدارس مدينة جزائرية تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط . جاء هذا الرجل من مجتمع هو الأخر مجتمع محافظ فتخيل أنه في هذا المحيط الجديد قد نفض يديه وتخلى عن عقد مجتمعه مذ أن اصبح شيوعيا يريد تغيير العالم بالكفاح المسلح الذي انخرط فيه فعلا في شباط (فبراير) 1963 . جاء هذا المعلم الى الجزائر هربا من الجور والقتل والتعسف الذي ضيق الخناق على شعب العراق منذ 1968 (وحتى اليوم). جاء الى هنا حاملا شتى صنوف الحرمان والكبت . جاء متعطشا للحب والحرية المفقودتين في وطنه، متعطشا للجنس والبحر الذي لا وجود له أصلا في العراق . أن تقع طالبة مراهقة في دوامة غرام مع أستاذها الأكبر عمرا والأكثر تجربة والأعمق محنة والأعظم حرمانا انما هي مسألة عادية لا فن فيها ولا غرابة ولا اثارة تستحق الفضول . فليقل المؤلف شكرا للحرمان الذي كان يعانيه من جهة وللعائلة التي سمحت لرجل غريب مثله أن يدخل دارها . المثير للدهشة أن هذا (الأستاذ) كان يمارس تدريس الصبية في البيت في غياب رب الأسرة ورغم انفه، اذ أن زوج الأم السيد يزيد ولد الحاج لم يكن مسرورا من مجيء المدرس مهدي جواد الى بيته مهما كانت الأسباب . ما كان يطيق رؤيته والسلام عليه . لماذا اذن يصر المربي، المدرس، المعلم الشرقي أو الشرقاوي على مواصلة اعطاء الدروس الخصوصية في بيت لا يطيق رؤيته ؟ فمن الناحية الأنسانية - الأجتماعية كان لزاما على الأستاذ مهدي جواد (حيدر حيدر نفسه) أن يراعي المشاعر العامة لمجتمع يحتضنه، دعاه لتعليم أبنائه اللغة العربية لا

لتعليمه الهوى والسكر ورقص " الجيرك " والأنغمار في صاخب الحفلات

وتحدي أولي الأمر ومن هم في مقام الآباء . أين هي عناصر التراجيديا الممكن استخلاصها من علاقة ذئب شره جائع متمرس مع حمل وديع ؟ وهل تصلح مثل هذه العلاقة أن تكون موضوع رواية طويلة عريضة ؟ انني كقاريء أقول لا . انها قط لا ولن تصلح .

كتب قبله احسان عبد القدوس الكثير من قصص الحب والغرام والمغامرات الرخيصة . اذن لماذا نقرأ هذا النوع من الأدب (الواقعي جدا جدا) ؟ نقرأه بكل تأكيد لا لأنه أدب واقعي ولا لأنه أدب غرام و (بورنو) بل لأنه أدب جديد من حيث تنوع أحداث الرواية وأشتباك الغرام مع الثورة والتمرد والحرمان والتشرد هربا من البطش والعسف وأستبداد الحكام . فلأول مرة يكتب روائي من المشرق العربي - لعله سوري أو عراقي أو بين بين -

قصة أو رواية وقعت أحداثها له شخصيا في المغرب العربي . الراوي هو بطل الأحداث . سبق وأن كتب الأديب اللبناني سهيل أدريس رواية (الحي

اللاتيني) التي دارت أحداثها في باريس وليس على تراب بلد عربي .

قبل أن ألج عالم الرواية أود أن أؤكد للقاريء الكريم ثانية أن " مهيار الباهلي " - وهواسم مستعار لشخصية حقيقية - هو بطل أحداث الرواية وليس " مهدي جواد " . هو الراوي الحقيقي وهوشاهد أحداث الفصلين (الأهوار) و (نشيد الموت) . لقد احسن الكاتب حين أقحم هذين الفصلين في سياق روايته، ولولاهما لكان باقي القص اطارا من خشب الصفصاف العراقي المهلهل . انشاء جميل حينا وحشو فراغ أحيانا أخرى . يصيب الكاتب تارة ويخطيء أخرى إنْ وصفاً أو لغة أو صرفا .

الحقَّ أقولُ : لقد كان بارعا في هذا الإقحام وكان سيد صنعته إذْ مهّد لهذين الفصلين منذ بداية الرواية بحضور شاهد العيان " مهيار الباهلي " . الحضور الذي كان ينمو بشكل تدريجي طبيعي وبصبر شديد يحاكي نمو الجنين في بطن أمه في سياق الزمن غير المرئي . نتساءل هنا : لماذا اختار الكاتب هذا الأزدواج بجعله " الباهلي " يقاسمه بطولة مسرحه العريض ؟ وهل أن الأمر خيار حر أم أنه أمر مفروض عليه فرضا ؟ اني أرجح الأحتمال الثاني. نعم، كان الإزدواج مفروضا عليه بقوة سلطان الحس الفني وليس تحت ضغط قوى خارجية . وتلكم نقطة تسجل لصالح الكاتب دون ريب وتجعلنا معجبين به ومشجعين لهذا النوع من الأدب. لقد فرض الكاتب على نفسه هذه الأزدواجية - وكان موفقا - للأسباب التالية :

أولا - هو في الأصل من ذات طينة صديقه " الباهلي " في مجال السياسة والعقائد . فهما يرومان فرض التغيير الجذري على المجتمع ولو بقوة السلاح . وكلاهما رفع السلاح يوما وقاتلا نظام الحكم في بغداد .

ثانيا - اخفاق المهمات التي ناضلا من أجلها في الوطن. أنشقاق الحزب الشيوعي العراقي وأنتكاسة الثورة المسلحة في أهوار جنوب العراق وأستشهاد أحد أبرز قادتها ونفر من أعز الرفاق .

ثالثا - وأن هذه الهزيمة من العمق بحيث تركت في نفس " مهدي جواد "

أبلغ الآثار وأكثرها خطورة اذ طبعت حياته - بأعترافه هو - بطابع أسود

شديد السوداوية وشديد التشاؤم حتى أنه بات يفسر كل ما يجري حواليه

انطلاقا من نتائج التجربة الثورية الفاشلة اياها . لا يغرف الا من ذاك المعين الذي يفور أسى ولوعة وفشلا وأحباطا . كان دائم الخوف ان يقظة أو مناما كما كان شديد التطير دائم الحزن سواء أكان على ساحل البحر يتعرى مع الشابة الجزائرية (آسيا) أو وحيدا في حجرته الصغيرة . رجل بمثل هذا التركيب العصبي يتوقع دوما حصول كارثة . متى وكيف ؟ لا أحد يدري .

هل ثمة من شبه بين " مهدي جواد " وشخصيات الكاتب الروسي

" دوستيفسكي " المهزوزة (2) العصابية والمتطيرة ؟ أترك الجواب لعلماء

النفس وأطباء الأعصاب .

رابعا - جعل " مهدي جواد " إنكفاء ثورة تموز (يوليه) 1958 في العراق وكارثة انتفاضة الأهوار عام 1968 ومقتل أحد قادتها خالد أحمد زكي مبررات لقناعة راسخة فيه (وكنبوءة وقراءة الغيب) أن لا مناص من فشل علاقته ب (آسيا)، وأن فاجعة الفراق بينهما واقعة لا محالة . وكان مُهيّأً فعلا لقبول العواقب المأساوية والمصير السيء لدرجة التعايش معها آناء الليل وأطراف النهار رغم مرحه (وهو مرح نادر أصلا) ورغم مزاحه الفج مع " فلة بوعناب " والسهرات القليلة مع الأصدقاء . فهل كان " مهدي جواد " على حق في كل أو بعض ذاك ؟ وهل من الضروري أن تنسحب تجاربنا الفاشلة السالفة فتطغى وتغطي مجمل حياتنا اللاحقة وتصبغها باللون القاتم الأسود ؟ لم يقل ذلك حتى فلاسفة البؤس . وانه بذا يدخل في تناقض صارخ مع آيديولوجيته الماركسية المتفائلة أبدا . آيديولوجية التقدم والنظر أبدا الى الأمام لا الى الخلف . النظر الى الأمام له معنى واحد : التفاؤل وكشف وتبني كل ما هو جديد، فالحياة مع الجديد ومع التطور بالجديد . لم يشارك الكاتب في انتفاضة الأهوار جنوب العراق لكنه وظف فشلها بعدا رابعا وخلفية سوداء قاتمة ترتكز عليها أعصابه المتعبة ومزاجه السوداوي المريض أصلا بتأثير بيئته الأولى وطفولته المعذبة والبائسة . وبمناسة أحداث الهور يحق لنا أن نسأل : كيف نجا " الباهلي " من المجزرة التي أطاحت برؤوس كافة رفاقه الا هو ؟ وهل ألقى الأعداءُ عليه القبضَ بعد أن أصيب بإطلاقين ناريين ؟ ثمَّ، اذا كان الأمر كذلك فما هو الثمن الذي دفعه " الباهلي " لقاء اطلاق سراحه من السجن أو اعفائه من عقوبة الموت ؟ هل ضعف فخان وأندحر معترفا وفاشيا للمزيد من المعلومات التي يبتغيها العدو المقاتل ؟ لم يتطرق الكاتب الى هذه الأمور. واذا ما تجاوزنا هذه المسألة الشائكة والغامضة فاننا بصدد أن نرى " مهيار الباهلي " رجلا ايجابي المواقف والتصرف منسجما مع ذاته وأفكاره، مثاليا بقدر ما تسمح به ظروف مدينة (بونة) الجزائرية الصغيرة والمحافظة. لم يتخذ عشيقة كحال صديقه ورفيقه " مهدي " ولم يمارس مثله غراما محفوفا بالمخاطر وشذوذ التصابي . بلى، لقد مارس الجنس مع صاحبة الفندق (البانسيون) بطلب منها ومراوداتها اللجوجة عن نفسها، وكانت امرأة حُرّة ومنفتحة على الآخر وأبوابها مشرعة للشرق والغرب حسب ما ورد في نصوص الرواية . متى مارس " الباهلي " جسد (فلة بوعناب) صاحبة البانسيون ؟ مارس معها الجنس قبيل انتهاء الرواية، أي قبل أن يُطردَ الإثنان من الجزائر بوقت قصير . مارسها بعد أن سقط صريع هوس وهيستيريا ولوثة عقلية أو شيء قريب من هذا (الصفحة 307 من الرواية) وفي ظرف مَرَضيٍّ منحرف لا يطاق . حُمّى وقشعريرة وهذيان (الصفحة 324) . وكان قبل ذلك وفيا لزوجته البعيدة عنه .

" مهيار الباهلي " بطل ايجابي، مرة أخرى، لأنه تصدى لرجال مخابرات

بسمات مزورة محسوبين على هيئات التدريس في المدرسة . كما دافع مرة

أثناء شجار عن " مهدي جواد " فتلقى ضربة من زجاجة شجت رأسه ورضت أصابعه (الصفحة 318) . فما الذي فعله (البطل) " مهدي

جواد " ؟ هل تصدى للكلاب المسعورة التي افتعلت وبدأت المشاجرة وأعتدت على صديقه " مهيار الباهلي " ؟ هل ثأر لجرح صديقه الصدوق ورفيق عقيدته ؟ كلا . لم يفعل ! كان مصيرهما في نهاية الأمر واحدا : الطرد من الجزائر وإنْ تباينت أسباب الطرد . طرد " مهدي جواد " من الجزائر بسبب علاقته مع " آسيا "، فتاة لم تدخل الجامعة بعد . وطرد " مهيار الباهلي " بسبب مجاهرته بالماركسية ودفاعه عن الإشتراكية عَلناً وعلى رؤوس الأشهاد في حصة الدرس وأثناء الدوام الرسمي (الصفحات 301 - 302) . وكان ذلك سلوكا طائشا وتصرفا ساذجا ما كان من الضروري أن يأتيه وبهذا الشكل سيّما أنه يعلم حق العلم أن السياسة محرمة أثناء الحصص المدرسية .

- 2 -

هل يحق للكاتب اليوم أن يتصرف بالمصادر والأفعال كما كان يفعل الشاعر العملاق أبو الطيب المتنبي (3) حيث ناصبه النقاد العداء على قوله :

أحادٌ أمْ سُداسٌ في أُحادِ       لييلتنا المنوطةُ بالتنادي

من أين أتى بالسُداس والعرب ما عرفت غير الثلاث والرباع . وكيف جوّزَ

تصغير (ليلة) فجعلها (لييلة) ...

وعلى قوله :

واحرَّ قلباهُ مِمّنْ قلبُهُ شَبِمُ

وكان المفروض أن يقول (واحر قلبي)، ثم هو الذي جمع (البوق) على (بوقات) بدل أبواق فأقام الدنيا وأقعدها . ليس من حق الكاتب المعاصر ان يتصرف باللغة على هواه دونما مسوغ أو حجة أو سابقة تسنده . فما بال السيد " حيدر حيدر " يتلاعب بالألفاظ المعروفة فيزاوجها ويشتق منها ما لا يستوجب الإشتقاق ؟ أستطيع أن أقدم نماذج من هذا التجاوز اللغوي غير المقبول وغير المبرر : -

1- (على حافة المنحدر الغضاري)(صفحة 9) . فما هو هذا المنحدر الغضاري ؟ .

2- (الليلة التي أمحق قمرها) (صفحة 16) . العرب تقول : دخل

القمر المحاق أو دخل في المحاق .

3- (تشيل عيناه نحو الأعلى) (صفحة20) . الفعل شال يشيل فعل

متعد . نقول : شال الحصان ذيله ...

4- (المستحاثات التي تحجرت) (صفحة 20) . وما هي هذه المستحاثات؟ لا أحد يدري .

5- (ممدودة على الرمل كغزالة مراشة بسهم) (صفحة 42) . ماذا

يقصد بأنها مراشة بسهم ؟ السهم هو المراش وليست المرأة أو الغزالة .

6- (شربت فلة بوعناب حتى انخمرت) (صفحة 48) . شارب الخمرة هو المخمور وليس المنخمر . الا اذا كان الفعل جزائريا محليا .

7- (وتحت هذا الإحتلاك) (صفحة 50) . العرب تقول حلكة ولا تقول احتلاك .

8- (وهذا الصوت الجريح المرغرغ) (صفحة 50) . هل نحت الكاتب لفظة المرغرغ من كلمة غرغرة ؟ الغرغرة يستخدمها الأطباء لتنظيف الفم المريض والأسنان بسوائل طبية . اما أن يكون الصوت جريحا ومرغرغا فتلك مصيبة . أي والله مصيبة !

9- (بين آسيا لخضر ومدينة بونة وشج قديم) (صفحة 58) . الوشائج

مفردها وشيجة وليس وشج !!

10- (تحت سيالة ضحكتها) (صفحة 74) . الصحيح سيولة وليس سيالة .

11- (موج الأشعاع الداخلي طغا على وجهها) (صفحة 79) . الصحيح طغى بالألف المقصورة . قد يكون هذا خطأ مطبعيا . نتمنى ذلك .

الرواية تعج بمثل هذه التخريجات اللغوية الخاطئة أو الغريبة على اللسان العربي . لكني أود أن اختتم هذا الجزء بمثال الغلط فيه لا لبس فيه :

12- قال حيدر حيدر على الصفحة 244 من روايته ما يلي :

(عاكسا على روحها والأطفال حميا دماره الإقتصادي الوشيك) .

في حين يعلم الجميع أن الحميا انما هي الخمرة . وواضح أن الكاتب كان

قاصدا الحمى لا الحميا .

اللغة قوانين تلزم الجميع ولا تدع مجالا للتصرف الكيفي أو الشخصي أو المزاجي . وإلا سنجد أنفسنا يوما في فوضى شاملة وخراب مروع . اللغة

ضابط النفس والعقل وقالب اللسان (نافذة الدماغ على العالم الخارجي) .

وتعدد اللهجات وسيادة اللغة السوقية الدارجة كارثة حقيقية على كل العرب

من المحيط حتى الخليج .

- 3 -

ما هي أبرز خصوصيات الكاتب والكتاب ؟

أولا : خصوبة خيال القاص وقدرته الفائقة على وصف الأشياء والطبيعة ولا سيما البحر . ولقد سبقني الى هذه النقطة شاعر وأديب فلسطيني (4)

فأشار الى قدرة القاص على الوصف . فمن أين يغرف حيدر حيدر ومن أي نبع خيالي ينهل ؟ قدرته على وصف الجزئيات يكاد يضاهي فيها نجيب محفوظ . أما إذا انصرف الى عالم النبات والحيوان فأستطيع أن أجازف

بالقول أن لا مِن أحدٍ يُضاهيه بين مَن أعرف من الكتاب الجدد .

أما براعته في تصوير الأحلام وترجمة الأساطير فلا أحد يجاريه فيها .

أنظر الصفحات (110، 111، 140، 141) وظهور اللوثايان

(الصفحات 227، 228، 229، 230) . إنه عالم قائم بذاته من الألوان والأصوات والنأمات والشواهد . عالم لا حد له من الفضة والعنبر والمسك والأرجوان . قرأ " كامو " و " بودلير " كما أنه على علم تام بالتأريخ العربي القديم والمعاصر . وكان بارعا حين استشهد ببعض الأساطير السومرية وهو يتكلم عن الأهوار ... وطن السومريين في جنوب العراق . وكنت أتمنى أن يلون ملحمة " جلجامش " السومرية بريشته وألوانه الخاصة كي يمنح الأهوار والأنتفاضة المسلحة فيها وصديقه القتيل خالد أحمد زكي ... كي يمنحهم جميعا الخلود السرمدي الذي سعى جلجامش " اليه (5) . لكنه قد أجاد باعادة صياغة قصة " غوديا " (صفحة 205) ومدينة (أور) السومرية التي ما زالت قائمة في جنوب العراق محطة لقطار بغداد - البصرة.

ثانيا : وظف الكاتب في سياق روايته ألفاظا محلية عامية دارجة . بعضها

بذيء والأخر شديد البذاءة . وكانت - حسب ظني - ناجحة التوظيف بارعة الأداء يفهمها العراقي و يستوعبها الجزائري . أخصُّ بالذكر مداخلات ونقاشات " لالة فضيلة - أم الصبية آسيا " . " لالة فضيلة " إمرأة

أميّة، ونقل حديثها كما هو مسألة فنية مقبولة بل وضرورة تتسق وواقع

لوحة الحياة . كما أنه أجاد رسم شخصية المصري المتميزة ببعض الخصوصيات، والعراقي الموصلي " ذو النون " ذي الخلفية النمطية القديمة. وبلغ الذروة في تشريح مرتكزات شخصية " فلة بوعناب " ودوافعها وردود أفعالها . ما كان قلمه ليقصر أويكبو أو ينكفئ، الأمر الذي يفصح عن ثقافة عميقة ودراية بأحوال الناس وسايكولوجية مختلف البشر .

وكان المؤلف أمينا مع نفسه ولقرائه على حد سواء . أكيد أنه أفاد من اعترافات " جان جاك روسو " وربما الى أبعد الحدود . كما أرجّح إمكانية

اطلاع الكاتب على شيء من قصص القاص العراقي فؤاد التكرلي (6) الذي

استخدم قبله ألفاظا بذيئة في قصته الطويلة الأولى وسبابا مكشوفا . وقد فعل

الشاعر العراقي " حسين مردان " في ديوانه (قصائد عارية) ما هو أسوأ

من ذلك .

- 4 -

(ملاحظات ختامية)

أولا - كان الكاتب بارعا في التعرض لحياة كل من الثائر الجزائري " عمر يحياوي " الذي انتهى منسيا يحمل عاهة دائمة . والثائر العراقي " عطشان

ضيلول " (وقد أسماه الكاتب خطأ عطشان ضيوي) الذي انتهى غيلة أو

انتحارا في أحد فنادق مدينة (بون) الألمانية . مع ملاحظة هامة : ليس بالضرورة أن ينتهي الثوار قاطبة الى هذا المصير . اذا قتل " جيفارا " مثلا فقد بقي " كاسترو " حياً يرزق .

ثانيا - اذا كان " مهيار الباهلي " هوبطل القصة الأول وليس "مهدي جواد "

فان " فلة بوعناب " هي الأخرى بطلة الأحداث الأولى وليست " آسيا الأخضر " . " فلة بوعناب " هي الثورة وهي الظل وهي الشاهد الصامت

والمتكلم معا .

ثالثا - تبدو (وليمة لأعشاب البحر) مجموعة قصص محبوكة جيدا ويربطها خيط عريض محكم الفتل . فلماذا أصر الكاتب أن يسميها رواية ؟ ثم لماذا أقحم مأساة انتفاضة الأهوار في جنوب العراق في نسيج روايته ولم يكن مساهما فيها ؟ وهل يستوي ذكر البطل الشهيد خالد أحمد زكي مع سرد وقائع حب عادي (اذا كان حبا !) لفتاة جزائرية في سن المراهقة ؟ واذا ما كانت هنالك عِبرة في استشهاد خالد فما هي العبرة في ايقاع صبية مراهقة في حب يعرف (البطل !) سلفا أنه حب فاشل ولا يؤدي الى أية نتيجة سواء له أو لها ؟ هل يصلح حادث ايقاع فتاة صغيرة في غرام مشبوب أن يكون موضوع رواية مطولة استغرقت كتابتها عشرة أعوام ؟ وهل تليق قصة حب من هذا النوع بالثوار ومدعي النضال وتغيير المجتمع بقوة السلاح ؟

رابعا - ذكر كاتب الرواية أسماء كثرة من الرجال في معرض التنديد أو التشهيرأو الفضح، لكنه تجاهل ذكر آخرين هم أسوأ كثيرا من اولئك، أو أنهم ليسوا بأفضل منهم على أية حال .

خامسا - وجميل من " حيدر حيدر " أن أطلق اسم " آسيا " على فتاته الإفريقية، كأن الكاتب يريد أن يوحي للقاريء أن الإفريقي هو آسيوي في نهاية المطاف . ثم، وهو المدمن كآبة والمريض هموما، بأمس الحاجة الى من يسليه ويؤاسيه . والأسية بالعربية هي الممرضة ومن بحكم المنصرف الى العناية بالمرضى .

أما مجانسة " فلة بوعناب " اسما وطبيعة ومسلكا فذلكم أمر مدهش حقا . لكن تعميم أنموذج هذه الإمرأة على كافة النساء الإفريقيات - كما تحاول هي - أمر غير سليم . انها تمثل انحرافا عن الطبع السوي . وهذا النوع من الإنحراف معروف في بعض أوساط النساء لكنه يكاد يكون نادرا . ولقد شخص لمرحوم " نزار قباني " (7) يوما حالة شبيهة بهذه حين قال :

الجنسُ كان مُخدِّراً جرّبتهُ     لم يُنهِ أحزاني ولا أزماتي

سادسا - إختلطت أحداث القصة - الرواية بحيث لم نعد نستطيع تمييز أحداث الستينيات عن أحداث السبعينيات . فهو - حيدر حيدر - اذ يتكلم عن انتكاسة ثورة 14 تموز (يوليه) 1958 في العراق وعن قائدها عبد الكريم قاسم وانهيار خط " خروشوف " حول التطور السلمي للأشتراكية من خلال البرجوازيات الديموقراطية الحاكمة، ينتقل فجأة الى أحداث وقعت في السبعينيات كتوقيع ميثاق الجبهة الوطنية عام 1973 بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث الذي كان على رأس السلطة في العراق يومذاك . لكنه عندما تطرق الى شجار وقع في أحد المقاهي لم يشأ أن يسمّي الأشياء بأسمائها . كان لديه ميل واضح لإجتناب ذكر اسم حزب معين . لم يذكر هذا الإسم قط، ولا حتى مرة واحدة !! تُرى ما السبب ؟

سابعا - كذا كان اطلاق اسم " مهدي " على بطل أحداث الرواية السلبي والمنكفيء على ناصيته أمرا ذا مغزى . فمهدي الآن لا شيء سوى شبح ضال . هزمت ثورته وعقيدته في بغداد . وأستشهد مثله الأعلى على ضفاف أهوار جنوب العراق . غريب ومنفي في بلد لا يريده بل ولا يطيق وجوده ووجود أشباهه . هو - مع ذلك - مهدي، ولكنه ضال !!

ثامنا - الرواية جديدة وممتعة وفيها دروب لم يطرقها أحد قبل "حيدر حيدر " . فيها نكهة غريبة على الأدب العربي وفيها تحضر و(عصرنة) . فيها مكاشفة جريئة مع الذات وفيها محاولات ناجحة لسبر أغوار النفس البشرية المعقدة والغافية في سراديب وظلمات الدهور السحيقة السالفة . فيها محاولة عظيمة لرصد الظواهر وربطها ثم اخضاعها لقانون واحد مشترك . وتلك لَعَمري إحدى أبرز مزايا " حيدر حيدر " .

 

عدنان الظاهر

 

 

رحمن خضير عباسيُعرض في دور السينما المعروفة بـ(سينيبلكس) في مدينة اوتاوة الفلم اللبناني (انسلت. او القضية23).

صديقتان شابتان – أعرفهما شخصيا - أحدهما لبنانية مسيحية. والأخرى فلسطينية مسلمة، تواعدتا لمشاهدة الفلم والاستمتاع به. قبيل العرض كانتا منسجمتين، تناولتا الذرة والعصائر.

وبدأ الفلم ليؤجج بينهما جدارا من الصمت والحزن والدموع ، وكأن أوجاع الماضي قد تسللت الى الصديقتين لتجعلهما في خندقين متناقضين .

الفلم من إخراج الفنان اللبناني/ الفرنسي زياد الدويري. ومن بطولة مجموعة متميزة من الفنانين ومنهم عادل كرم وكامل الباشا.

يتحدث الفيلم عن حادثة يومية ، في أحد أحياء بيروت الشعبية، وهي ان احد سكان الشقق في حي شعبي في بيروت. واسمه طوني يندفع غاضبا لكسر الانبوب الذي أصلحه المهندس ياسر. وكرد فعل منه فقد تفوّه (ياسر) بشتيمة ضد طوني.

الى هنا تعتبر القضية عادية وكثيرة الحدوث في حياتنا اليومية. ولكن طوني إعتبرها إهانة كبيرة لانها صدرت من شخص فلسطيني. مما يؤجج الاحداث ويدفعها الى التوتر. ويطلب مدير الشركة من المهندس ياسر أنْ يعتذر لطوني. ومع أنّ ياسر لم يكن مقتنعا بالإعتذار، ولكنه إنصاع لارادة مدير العمل، فذهبا الى كراج تصليح السيارات الذي يملكه ويعمل فيه طوني. وحينما هَمّ ياسر بالاعتذار مضطرا. واجهه طوني بكلام دلّ على الكراهية التأريخية قائلا :

" ياريت شارون محاكن عن بكرة أبيكن "

وكأنه يذكّره بكل المآسي التي حدثت للفلسطينيين في تلك اللحظة التأريخية المضرجة بالدم.

مما دفع بياسر ان يضربه بقوة ، بلكمة أسقطته ،وكسرت بعض عظام قفصه الصدري. فنُقل الى المستشفى مما حوّل القضية ، من مشاحنة شخصية الى قضية رأي عام. جعلت المجتمع اللبناني ينقسم على نفسه، ودفعت الامور الى الانفجار مرة أخرى .

من خلال سير أحداث الفيلم، يبدو لنا طوني شخصا معقدا ، يعيش انفصاما في الشخصية مازال مهووسا بالماضي، وكأنه يستعيد أجواء الحرب الأهلية اللبنانية . وذلك من خلال إعتزازه ومشاهدته لخطب الرئيس اللبناني بشير الجميّل. والذي أغتيل في تلك الحرب من خلال التفجير الذي قضى عليه، وهو بين أنصاره قبيل الحرب . وكان المعروف عن بشار الجميّل أنه من الذين طالبوا بعدم تواجد الفلسطينيين في لبنان.

يتلقف بعض القوميين اللبنانيين قضية طوني. ويجعلها قضية رأي عام، تعيد لنا أحداث وأخطاء ومآسي الحرب الأهلية اللبنانية التي إمتدت لعقد ونصف من السنين. شاركت فيها كل الاحزاب والأديان والمذاهب والقوميات اللبنانية. كما تحولت الى ساحة لتصفية حساب الأنظمة المحيطة بلبنان. وقد بلغت الكراهية والحقد، تتسرب الى الجميع لمحاولة إنهاء الخصوم. وهكذا تحولت لبنان الجميلة الى ركام من البيوت والشوارع الخاوية والأسوار المسلحة ، والقتل على الاسم والهوية.

مذابح لناس عزّل وأبرياء . تقابلها مذابح مضادة.

مذبحة الدامور وضحاياها من المسيحيين .

والكرنتينة وصبرا وشاتيلا وضحاياها من الفلسطينيين.

فُوَّهات الموت مصوّبة الى صدورالجميع من قبل الجميع . لاتعرف القاتل من القتيل، الضحية من الجلاد . انها حرب الكراهية والحقد . حرب الاخوة الذين تحوّلوا الى أعداء

لقد أعاد الفيلم الماضي بكل مآسيه وأخطائه. من خلال المحكمة التي أثارت جدلا واسعا.حتى بين العائلة ذاتها ممثلة بمحامي طوني الكتائبي ومحامية ياسر ابنته ذات البعد غير الطائفي. وكان محامي الدفاع عن طوني، ليس محاميا بالمعنى المهني، بل رجل يحمل عبأ قضية سياسية ذات مضامين قومية أو لبنانية . لذلك حملت المحكمة ذات البعد الجنائي أبعادا سياسية، تنتمي الى مرحلة إندثرت من الذاكرة . تلك الذاكرة التي كانت تقتات بفضلات الالم وتأبى أن تغادره . انه تسليط للماضي من خلال لقطات سريعة، الغاية منها قضائية. ولكنها ذات مدلول تأريخي وسياسي. وذلك من خلال البحث عن دليل على ان المهندس الفلسطيني كان ذَا ماض ارهابي من خلال أخراج أحد الشهود من الأردنيين الذي شهد بان الفلسطيني قد أعتدى عليه بقسوة في ايام الحرب الاردنية الفلسطينية. او مايسمى بأيلول الاسود.

ورغم ما في الفيلم من أوجاع ، ومن بقايا تخندق طائفي او قومي. ولكننا وجدنا فيه الكثير من تجاوز هذا التخندق. وذلك من خلال المحامية الشابة. وهي ابنة المحامي المتعصب لافكاره. فهي على عكسه تؤمن بقيم الحق والعدالة الانسانية. كما ان طوني الذي يكره الفلسطينيين . حاول مساعدة ياسر نفسه، حينما توقفت سيارته. وهذا يدل على الجذور الانسانية النبيلة عند الضحايا الذين ينتمون الى إنسانيتهم قبل غيرها . وهذا ما أكده المخرج الذي تلقى نقدا بانه ذو توجهات ضد الفلسطينيين !

ولكن الحروب هي التي تحاول محو هذا النبض الانساني الجميل ، وتحيله الى حقد أعمى .

لقد قيل عن مخرج الفيلم أشياء كثيرة. ومنها أنه يحمل أجندات إسرائيلية وغير ذلك. ولكن الذي يقرأ فيلمه جيدا. يجد أنه كان محايدا في هذا الفلم على الاقل .

فقد تعامل مع قسوة الواقع كما هي، دون أن يتدخل فيها. وكأنه يرفع سبابته ضد الجميع ويقول لهم انتم من شاركتم في الجريمة. وعلينا أن نزيح عن كواهلنا هذا العبء التأريخي. صحيح أنّ هول المجازر تجعل المشاهد عاجزا عن تخيلها. (صبرا وشاتيلا) كانت ضد الفلسطينيين (والدامور) كانت ضد المسيحيين وعشرات المجازر التي يندى لها جبين الذاكرة.

لذا يأتي الفيلم وكأنه مصالحة مع الماضي ومصالحة مع الذات التي تشظت.

أما من الناحية الفنية فقد كان الفيلم جميلا من حيث حدة الزوايا والانتقالات عبر مساحات واسعة. الإضاءة الرائعة والمعبّرة. كما انه ينتمي الى الأفلام الواقعية. التي تحاول أن تتناول الوقائع والاحداث كما هي.

تقنية التصوير كانت متقنة . بحيث أن المخرج قد إعتمد كثيرا على لغة الجسد وتعبيرات الوجه. بحيث ان المشاهد أدرك طبيعة شخصية المهندس ياسر من خلال تعبيرات وجهه، وكذلك شخصية طوني وبقية الممثلين.

كما إعتمد الفيلم على الإيماء، وملامح الوجه وتعبيرات الجسد. مما جعل اللغة أكثر إقتصادا . لقد تفوّق هذا الفلم من الناحية الفنية. حتى أصبح ضمن القائمة القصيرة المرشحة لجائزة الأوسكار .

 

رحمن خضير عباس

 

عبد الجبار نوريوالصرخة المكبوتة لزمن العتمة وأستلابات الحرب وخراب البصرة

الرواية عمل أدبي يحدد وجهة نظر الكاتب بحضوره السوسيولوجي وهوفي مركز العاصفة الشعبية الجماهيرية، حينها يتفاعل مع المعطيات الواقعية لجغرافية المساحة المؤثرة في ذات الروائي، لذا أعتقد وأجزم أن الرواية "كم أكره القرن العشرين " عمل أدبي رصين، وبناء درامي وجداني ترقى إلى قمة الكمال لتحفيز الوعي في الذات البشرية ودفع أرهاصاتها إلى طلب " التغيير " في عيشٍ كريم وهاديء وسليم من شوائب عقول تجار الحروب، لذا أبدع فيها الروائي عبدالكريم بغوصه في أعماق الذات البشرية، وأنطق السرد برؤى حداثوية جريئة وأقتحامية يتلمسها المتلقي بصور واقعية متعددة ممتعة ذاتية وليس عملاً خيالياً أو فنتازياً بالمرّة ولأن واقعية الرواية وخيوط سردها النصي ترتبط بالواقع من جهة بلمسات هامشية من الفنتازيا الخيالية وخصوصاً التأريخية، ووجدتُ في قراءة الرواية :- بروز الملامح وحركية الأبداع والتجريب في الخطاب الروائي - وكذلك أعتمد الروائي المتألق العبيدي على سيمياء العنوان كما هو أسلوب أكثرالروائيين عموماً، مثل رواية ماركس في العراق للروائي فرات المحسن في أستعماله أسماً بارزاً في التأريخ، - وتميل إلى السعة والتنوع كما في رواية الرجع البعيد لفؤاد التكرلي، والنخلة والجيران لغائب طعمة فرمان، والثلاثية لنجيب محفوظ، وشرق المتوسط لعبد الرحمن منيف. - أستخدم أدواتها وشخوصها وأحداثها اللغوية ومزج في كل ما جاء في تناصه السردي في سوسيولوجية المجتمع العراقي المضطرب جراء تلك الحرب العبثية المجنونة . - حقاً أنها رواية عصيّة على الأستنساخ وحتى لقرونٍ بعيدة، لكونها أصيلة دون تقليد ومشخصنة بأسم الروائي المتألق " عبدالكريم العبيدي - ومن أدبيات الرواية : سريان اليأس في الفصول الأولى وهوشيءٌ طبيعي وارد في معظم الروايات العالمية، وهو يقول: {كثيراً ما أذلني (اليأس) من مرارة التجوال، داخل أزقة غدتْ عزوفهُ عن تقبل أي أحساس يداهمني من خارج خوائها، شاخت البصرة يا"بالاجاني"1غادرت ماضيها بلا رجعة، وتحولتْ نهاراتها إلى مترادفات مبهمة، قبيحة الوجوه، وفاقدة للوضوح أيضاً، لم يعد فيها ما سيتوجب التمعن أو يسحق أي رثاء، لقد بدأ الأمر وكأن البصرة قديمة تنزاح، مقسمة لمعاول الخراب رسم ركام دولة جديدة من دويلات أواخر القرن}، - وببراعة الروائي العالية نقل الفعل من واقعه الحقيقي إلى عمل فني تترك للمتلقي الخيال الممزوج بنوع من الأضطراب والقلق المتأتية من فوبيا جمهورية الخوف والأستدعاءات الشبه أسبوعية من قبل دوائر الأمن وليس من الضرورة أن يعود إلى البيت لحماً حيّاً أو يبتلعهُ الثقب الأسود لجمهورية الرُعبْ . - وشكّلَ العبيدي في روايتهِ الرائعة :كم أكره القرن العشرين، نسيجاً محكماً في سداه ولحمته من خلال الأحداث الواقعية على جغرافية العراق في السلم والحرب والحب والكراهية والرعب والأمان والموت والحياة خلال زمكنة الصراع الطبقي . – وأبدع ما في الرواية وجدتُ بمجمل فصولها شعبية بلغتها وأحداثها وتسلسلها التأريخي ربما متأثرً ببعضٍ من الفلسفات كالفلسفة اليونانية الأغريقية أوبالتأكيد بالفلسفة الماركسية من خلال الصراع الطبقي وحتمية التأريخ . – رواية "كم أكره القرن العشرين" مقاساً يحتذى بها في نفض الكسل والخنوع وتحويل المتلقي إلى طاقة أيجابية في الحث على "التغيير" طبقا لمقولة معلم البروليتاريا " ماركس " ليس من الضرورة وجود الفقر لأحداث ثورة ولكن توفرشعور الرغبة والأرادة في طلب التغيير، لذا لم يكن الروائي جسداً بل نموذج متمرد للواقع المرْ لأيقاض الوعي في الذات البشرية .

وأبرر كراهيتهُ للقرن العشرين وأشاطره الرؤى فيها ولأني تعايشتُ مع مآسيها ومطباتها التأريخية مثل (الحرب العراقية الأيرانية 1980ضرب حلبجة بالكيمياوي 1988 وحرب الكويت 1991 وقمع الأنتفاضة الشعبانية 1991 والحصار الأقتصادي 1991 . ودخل العراق في القرن الواحد والعشرين بأم النكبات الذي هو (الأحتلال الأمريكي) البغيض في 2003 .

وتدورأحداث الرواية في ثمانينيات القرن الماضي أبان الحرب العراقية الأيرانية، وتحكي حياة أبطالها من الشباب الغض المرغمين والمدفوعين إلى محرقة الموت ومجهولية الضياع، ويبدع الروائي عبدالكريم في تجسيد أوجاع تلك الحرب بمسلسل درامي في أستلابات الحرب وهجرة الآلاف من الأسر البصرية وما حصل من تلك الحرب العبثية الظالمة، والحصار الأقتصادي الذي فرضتهُ قوات التحالف بقيادة دولة الشر صاحبة تمثال الحرية واشنطن، ويتألم الروائي العبيدي من وجع البصرة الفيحاء وما أصابها من شظايا تلك الحرب المجنونة ولسان حاله يقول: {كنتُ أروح اللهو في دواخلهم بعد أستفحال الخراب بي، الخراب بداية الجنون؟ وكنتُ بأمس الحاجة إلى تشريع دنيوي يُبريء رعبي المهول من القزم الذي لا يراهُ أحد غيري ومن هربي المصدوع إلى ما تحت خط الضياع، فهذا التراجع المستمر في جدوى الهرب، يطلقُ في كلِ مرّة، ما لا يحصى من النبوءات عن أنهيار وشيك سأتعرض لهُ حتماً، لابدّ أن أقرُّبهزائمي، لم يعد العقل أعدلْ الأشياء توزعاً بين الناس يا "ديكارت"، في هذه المدينة المجنونة هو بيت الداء المسكون بالجن، النخل شاص مبكراً، وبات في أعنف نوبات شكوكك يا ديكارت، وتكون مسؤولاً عن أول ضربة معول في فوضى هذهِ الحواس، وهذه بعض أوجاع الروائي المستوحاة من سوداوية " القرن العشرين " :

.-البصرة المستلبة جراء هذه الحرب العبثية بخواطر تراجيدية مرّةٍ لوقوعها في محرقة الساتر الأول حيث الصراع بين قائد جمهورية الخوف وبين جمهورية أيران الفاقدة للعقلانية، كتب الروائي عبدالكريم نصها السردي ببراعة مؤرخ و(شاهد) القرن العشرين ليخط في الذاكرة العراقية بأفكارهِ النيّرةِ اليسارية التقدمية ألام وأوجاع وجنائز البصرة المذبوحة .

- الحرب العراقية – الأيرانية تلك الحرب الظالمة والمحرقة التي أكلت نيرانها أكثر من مليونين من الشعب العراقي بين مقتول ومغدور ومعوّق ومفقود وأسير، دفع العراق فاتورتها الثقيلة وكذا البصرة دماً ومالاً ونخيلاً، وقالوا في الحرب "ليس المهم أن تبدأ الحرب المهم كيف تنتهي" / كسينجر .

- الحصار الأقتصادي: والروائي عبدالكريم ببراعتهِ الفنية ومن خلال أوجاعهِ الوطنية العراقية البصرة، أقتحم بروايته المتألقة الساتر الأول حيث الثقب الأسود، وكأن بطل الرواية يصرخ كفى --- كفى أيها المجنون لقت ضيّعت خبزنا شبابنا سنابلنا بأبتلاع الجياع والعراة وكان عطاءك الموت والجنائز في قطع الدواء بتسميتك الوقحة " الحصار الأقتصادي "

(1) بالاجاني: رب أسرة بلوشية أكتوت بأستلابات الحرب تهجيراً وقصفاً

 

عبد الجبار نوري - كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

 

85 عبد الرزاق صالحالجنوبيون، ما ان يتردد صدى هذه المفردة في ذهنك، حتى تشعر بالوجع، فكل جنوب في العالم مضطهد، الجنوب ذاكرة لجسد محترق بالقهر، دلالة تسهم في تفسير المعاناة، اشارة الى جرح عميق لا يندمل، وما خفي كان اعظم من ألم وتشرد وفقر.

ان الشعر كما هو معروف تجسيد للمشاعر بالكلمات، لكننا وفي بعض الأحيان نقرأ شعراً فنجده لا يرتقي الى المستوى المطلوب، وهذا يعتبر من الفشل لدى الشاعر في ايصال صوته وما يكمنه في داخله الى القارئ المتابع، أي اننا لا نجد ما نتلذذ به وما يدخل في اعماقنا ويذوب، ثم يلتم من جديد ليؤجج احاسيسنا وانسانيتنا بمشاعر تشتعل وفق ما اراده الشاعر من سحر، يحيلنا الى عديد من العوالم تحمل في طياتها ضرباً من الانسجام بهذا المنجز، لذا فاننا نرى ان الحفاظ على جمالية النص الشعري هو ليس فقط باختيار المفردات اللغوية المنتقاة، بل بمعالجة الروح النابعة من وحي الفكرة أو الحدث الذي كتبت القصيدة بسببه، وفي هذا الابحار في مختبرات الروح الحقيقية تكمن صلابة الشاعر في اثبات نصّه في معترك الساحة الشعرية، سواء على مستوى التجربة الشخصية أو مع مجايليه، فالابتكار للذات لا يكفي لترك بصمة خاصة، انما بوجود شاعر حقيقي يجسّد الواقع بصور شعرية، تتلاقح مع الشعور الانساني، بمواقف حقيقية تلفت اليه الانظار عبر الدراسات والبحوث التي تتناول تجربته، ولكي يكتمل المشهد لابد من وجود شعر لكل المواسم، لا لموسم واحد أو مناسبة واحدة أو منبر واحد، فالشعر شعر حتى وان مضى عليه زمن طويل.

من سياق هذه المقدمة نستطيع القول باننا نحتاج الى شعر جدي ومائز لتدوين ما يعيشه بلدنا العراق حالياً من تحطيم للجسد والروح معاً، وما يتلقاه من ضربات في النزوع الفكري الثقافي والسياسي، والذي سوف يشكل مرحلة مهمة وخطيرة في مدونة تاريخ العراق بصورة عامة، ذلك فان من واجب الأديب كونه الأرقى من كل الجهات السياسية بفكره واحاسيسه ورؤياه ان يلتزم بخصائصه الانسانية كي يفشل ما يسعى اليه السلطويون من كسب مادي، وتضييع الثروات في نتائج التوتر والاضطهاد التي تحصل للشعب وكما هو معروف فان الفن الحقيقي يعد من اهم القوى الرابطة بين الشعوب.

ثراء وتميّز

حقيقة ومن خلال قراءتي لمجموعة (الجنوبيون) للشاعر (عبد الرزاق صالح) والتي طبعها في دار الينابيع/ دمشق على حسابه الخاص، وجدته يجيب على العديد من الأسئلة التي اثرتها في المقدمة اعلاه، والتي تنتابني دائماً اثناء جلسات النقاش المحتدمة مع الأدباء الأصدقاء، صراحة ان ما جاء به الشاعر لا يعتبر مجموعة شعرية وحسب، بل مدونة لحقبة زمنية عاشها العراقيون في ظل نظام دكتاتوري عفن، فالسخونة والتصادم للأفكار المطروحة جعلت من هذه المدونة مهيمناً كلياً مؤطراً بفلسفة خاصة، ارادها الشاعر ان تكون من الثراء والتميز في مولوده البكر، فعبر تسع عشرة قصيدة جمعت بين الهمّ الذاتي، الجماعي، قال عبد الرزاق صالح كلمته ومضى، تاركاً وراءه زوبعة من غبار وريح صرصر غير مستقرة، فأسلوبه في الكتابة تفرّد بوادٍ آخر عن مجايليه، سواء من ناحية مستوى الانعكاسات التأويلية أو الانتقائية الواعية في اختيار الحدث، وهو الرفض الدائم للظلم الواقع على الانسان، وايضاً على مستوى التفنن بالبناء، فقد استطاع ان يمازج ما بين روحية ومتن القصيدة بمهارة وبذلك خرجت الينا القصائد مجسدة بواقع عراقي بحت، ومن هذا المنطلق ثبّت شاعرنا وتده الخرساني ليؤشر لنا فصلاً من زمن القتلة الطغاة، ويصور لنا عذابات العراقيين.. بؤسهم وشقائهم في مواجهة الدكتاتورية الفاشية بصرخات مدوية متصلة مرتفعة تنادي :

(هناك صياح المعذبين

قاعات التعذيب وصراخ

الوافدين للموت

في المقابر المتوالية

في الثانية :

صخب انفلات المعدودين

صباحات جهنم

سوط في يد الأسود العنسي) ص 170 قصيدة الجحيم.

احساس بآلام الآخرين

نستشف من ذلك بان ذات الشاعر لم تبتعد عن الواقع المرير، فلا احزان فردية ولا طموحاً شخصياً في تأمل ما يحيط به، سلسلة متصلة من التفاعل العميق بين تجربته الحياتية الواحدة وهموم الوطن، وهو بهذا يعزز الصلة بين موضوعته التي يشتغل عليها والاحساس بآلام وفجيعة الآخرين، في الداخل حيث السجون والمقابر الجماعية والخارج حيث المنفيون في بلدان الغربة، التواقون للعودة الى وطنهم المتعب الجريح والحلم بالحرية والسلام.

(احصي المقابر الجماعية

التي بلا عدد

لأبنائك العائدين من المنافي

سيلتم شملنا ــ عما قريب

لابد ان نعود

ونزرع الورود) ص 67ـ 68/ قصيدة الناجون ـ صرخة في ليل المنفى.

سنوات القلق

يعرف المقربون من عبد الرزاق صالح انه لم يركع قط امام جبروت الطاغية، ولم يهتم لفتات هباته الرئاسية ومنحه التي كان يتصدق بها على مروجي بضاعته الفاسدة، لذلك اضطر سلوك البعض الى تجاهل نتاجه الشعري، فاضطر الى الانزواء في صومعته الرطبة في احد فنادق سوق (العشّار)، لسنوات قلقة بشظف العيش من جهة، ومطاردة زبانية الحكومة البعثية من جهة اخرى، الا انه وبعد سقوط الصنم لم يأتنا خالي الوفاض بل انجز خمس مخطوطات، تنوعت بين الشعر والدراسات النقدية وبهذا يؤكد مدى اخلاصه للخلق الأدبي مهما كانت الظروف.

ان قصائد عبد الرزاق صالح هي المرآة العاكسة لحياته الشخصية في ظل اصطداماتها المتلاحقة، مفردات تتطاير مع ريح الجنوب ليس لها مستقر، فمن حياة الفنادق الرخيصة الى سجن (الرضوانية)، ثم الاعتقال في سوريا حيث قضى في سجونها فترة من الزمن، بعد ان اجتاز الحدود بطريقة غير قانونية، نجد ان التمرد هو سمة ملاصقة له دائماً، رفض الظلم وتحمل قساوة وتبعات ما يصبو اليه في بحثه الدائم عن متنفس للحرية :

(كاد ان ينسى جناحيه

وعصاه

مدخل البوابة

التفت الى الوراء

رأى الكلاب قريبة من كاحله

الأيمن

اطلق ساقيه للريح

قفز ــ بوثبة طويلة ــ بركة ماء

التوى كاحله الأيمن

شعلة بين القرى الحدودية. (حصيبة ـ البوكمال ـ دير الزور) ص 157. قصيدة كشافات.

ان السفر في (جنوبيون) ينقلنا الى عوالم متشعبة بالكثير من الحميمية والانتماء للوطن، اذ ان هذه الثيمة شكلت الأفق السائد لمعظم القصائد، وهذه الظاهرة المخضّبة بالألم وكطرف فاعل مهيمن على الانموذج العام فتحت باباً من ابواب تجربة الشعر الذي استطاع تحويل الخصوص الضيق الى العموم المنفرج، في فضاء لا متناه عبر نصوص ابداعية حملت ابعاداً فكرية فاقت طرق التوصيل التقليدية.

 

نبيل جميل - العراق/ البصرة

 

 

كريم مرزة الاسدي1 - الشيخ محمد علي اليعقوبي (1895 - 1965م) - كتبتُ ثلاث حلقات عنه وعن طرائفه ومواقفه:الانتخابات النيابية (البرلمانية) الشغل الشاغل للانسان، وللمجتمع بقياداته الدينية والسياسية والعشائرية، وانا اتكلم على مستوى العراق وبخصوصه، وحين قامت في عشرينات القرن الماضي لأول مرة، استعد الشعراء لها، ووجدوها الفرصة المناسبة لنقد الاوضاع السائدة، وابراز الذات الشاعرة، وهل تعتقد ان الشاب المتألق الشيخ محمد علي تفوته هذه اللقطات؟ اذا اجبت بنعم، فاذن انت في خطأ مبين!! ففي بداياتها نظم مقطوعة، تلاقفتها الالسن، ونشرتها صحيفة (الرعد)، فشاعت في البلاد بين افواه العباد:

للانتخابات قـــــــــامت ***معـــــاركٌ ومعامعْ

لكلّ حزبٍ هـتـــــــافٌ ***تستك منه المسامعْ

فللشباب طمــــــــــوحٌ **و(للشيوخ) مطامعْ

سوق الضمــــائر فيها*** مابين شارٍ وبائــــعْ

ذرائعُ القـــــــوم شتى ***والمال بعض الذرائعْ

وليس يــــــــــربح الا ** من رشّحته المـــراجعْ

لم يكتفِ اليعقوبي بهذا، ولا ندري بتورية (الشيوخ)، هل عنى شيوخ الدين ام شيوخ العشائر! وكل مدعبل عند الناخبين جوز! ولو كان من طين جامد، ولسان صامت، فكان يرى الاعضاء كتماثيل منحوته، وهياكل مصنوعة، لذلك أرتجل حين سئل عنهم ببيتين قائلا:

أرى البرلمان ونـــوابه ***سكوت به سكتة الأخرسِ ِ

تماثيل ينحتها الإنتداب **وتعرض في قاعة المجلس ِ

وهل تتصور أنّه سكت عند هذا الحد؟ كلا! بل تابع أمر المجلس، وعقد جلساته، وإكمال نصابه، وأهمية قرارته، لإيقاف الخراب، والمطالبة بالحساب، نظم قصيدة نشرتها الصحف، وتداولها الجمهور استهزاء بالأمور، إقرأ وتذكر:

أرأيت في بــغداد مجلسنا الذي***أخذت مقاعدها به النــــــوابُ

نصبت على تلك الكراسي التي*** فيها هياكل كلّهــا أنصــــــابُ

نجحوا وأسباب النجــاح كثيرةٌ** في الانتخاب، وبئست الأسبابُ

رضيت نفوسهم بنيل مرارهـــا*** وجميع أبناء البلاد غضـــــابُ

ماضرّهم، وقصورهم فيما ازْ ***دهت معمورة، انّ البلاد خـرابُ

سيطول موقفهم اذا ما حوسبو***حيث الجرائم ما لهنّ حســـــابُ

ومن الأمور المستحيلة انّـــــه****ينجو القطيع، وحارسوه ذئـــابُ

لا درّ درّ مجـالس ٍ أعضاؤها **** سيّان إن حضروا بها، او غابوا

ليس بعيدا عن السياسيين، فالشيخ يحمّل هؤلاء المسؤولية الكبيرة في تردي الأوضاع الأقتصادية، وتفشي الفساد الأداري بين صفوف المجتمع، هو لايحتمل الضرر الواقع على غيره منهم، فكيف الحال اذا مسّه الضرر مباشرة، وبشكل مبين من موظف مستهين، أحكي لك: تم توزيع قطع اراضي في النجف على علماء الدين أبان حكومة الدكتور فاضل الجمالي، وعند مراجعة شيخنا إحدى دوائر بغداد المختصة لتنفيذ القرار، استغفل الموظف المسؤول الخطيب المشهور، وكان يجهله لجهله بالأمور، فأعطاه رقماً وهمياً لا أساس له، وعند ذهابه للنجف لغرض تسجيل القطعة باسمه لدى الدائرة العقارية، أخبره الموظف النجفي لا وجود للرقم المزعوم في سجلات القيد المرسوم، وما هذه الاّ حيلة، فعاد خائبا الى بغداد، ولكن توجه الى مكتب رئيس الوزراء، وكان الرئيس نفسه قد أصدر أمراً -في نفس الفترة- بغلق دور الدعارة في محلة الصابونجية البغدادية، دخل الشيخ الجليل على الدكتور الجمالي، استقبله الرجل استقبالاً حافلاً، يليق بمن مثله، وطلب منه الجلوس، رفض الشيخ اليعقوبي هذا العرض، وقال له أقرأ عليك هذين البيتين:

قالوا ببغداد الجمـــــالي قد محى****منازل قد كانت بهنّ العواهرُ

فإنْ طهرت تلك المنازل لم تكن****لتطهر من ابنائهنّ الدوائـــــُر

وعندك الجواب، ما كان الحساب!

ومما يثير الاعجاب، تناوله قضية إحالة القاضي الشرعي التمييزي، الشيخ محمد بن الشيخ طاهر السماوي (1292-1370 هج\1876-1950م) على التقاعد، بأمر صادر من السيد محمد الصدر رئيس محكمة التمييز العليا في حينه -أصبح السيد رئيسا للوزارة ولمجلس الاعيان... مرات-، وليس بناء على ذيل قانون انضباط الموظفين، فصرخ الشيخ القاضي (ما ضربني الذيل، ولكنه الصدر)، فتلقف الشيخ اليعقوبي صرخته مضمناً مورياً... قائلا:

قل للسمــــــاوي الذي***فلك القضاء به يـــدورُ

الناس تضربه الذيول***وانت تضربك الصدورُ

تورية الذيول والصدور توضحت من مقدمة الحديث، أمّا القضاء فهو تورية عن المنصب الوظيفي العدلي، وليس القضاء والقدر كما يتوهم بعض القراء.

رحم الله ما فات على شاطئ الفرات، الماء يجري، والنفوس تغلي، امّا ما هو الآن الحال، فانّه لم يمر في يومٍ على بال !!

2 - معروف الرصافي (1874م ننفرد بهذا التاريخ - 1945 م)) كتبت ثلاث حلقات عنه من شموخه حتى استكانته:

كان الرصافي يتمتع بمنزلة اجتماعية رفيعة، وقام بتدريس طلعت باشا وزير الداخلية، وكان هذا العمل على مايبدو هو سبب في اختياره نائباً في مجلس المبعوثان (النواب) العثماني عام 1912م وذلك عن لواء المنتفك، ونستنتج من شعره انّه كان عضواً فعّالاً متكلماً يبدي رأيه بجرأة، حتى انه يستهزأ من نواب بغداد الصامتين في المجلس (هو محسوب على نواب المنتفك)، فعندما يهجو رجلاً مغروراً جاهلاً يشبهه بنواب بغداد قائلاً:

وشـــــامخ الأنف ما ينفكّ مكتسباً *** ثوب التكبّر في بحبوبة النادي

قد لازم الصمت عبئأً في مجالسه *** كأنما هو من نــواب بـــــــغدادِ

كان شاعرنا الرصافي قد عركته الدنيا وعاركها، وقلبته وقلبها، وزاد على نضوجه شموخه النفسي، وثورته العارمة حتى بلغ قمة القمم، وذروة الجرأة في قصيدته التي تلاقفتها الأجيال، ورددتها الألسن من يومه الى يومنا، ونعتها بـ (حكومة الاغتراب):

أنا بالحكومة والسياسة أعرف***أألام في تفنيدها وأعنف

سأقول فيها ما أقول ولم أخف***من ان يقولوا شاعرٌ متطرف

ثم يمسك الرصافي بقلمه المعول، ليضرب هيكل الدولة المصطنع من قمة رأسه الى درك أساسه، ليجعله عصفا مأكولا، وهباءً منثورا، كأن لم يكن شيئاً مذكورا:

علم ودستورٌ ومجلس امــةٍ***كل عن المعنى الصحيح محرفّ

اسماء ليس لنا سوى الفاظها ***امّا معانيها فليس تــــــــــــعرف

من يقرأ الدستور يعلم أنه***وفقا لصك الأنتداب   مصنّف

من ينظر العلم المرفرف يلقـه ** في عزّ غير بني البلاد يــرفرف

ولا تخفى استعارته (للعلم) ويعني به الملك، ليصب جحيمه عليه،، والملك يغض الطرف عنه، ولا يبالي منه حكمة وحنكة، بدليل الآبيات التي اعقبت البيت الاخير، اذ انه يواصل بلا هوادة تمزيق الصورة المزيفة بنظره للديمقراطية:

من بات مجلسنا يصدق أنه ***لمراد غير الناخبين مؤلف

من بات مطرد الوزارة يلقها ***بقيود أهل الاستشارة ترسف

ولا نستطيع ان نواصل معك اتمام القصيدة، ذ يدعو فيها للثورة، ويهدد بزحف الجيوش، ويوعد بطول الحساب، ونتف اللحى، إن كانت هنالك ثمّة لحى يحسب لها حساب، ونختمها بما ختمه:

إن لم نماحك بالسيوف خصومنا ****فالمجد باكٍ، والعلى يتأفف

والحقيقة ان الرصافي قد مهد لهذه القصيدة بعدّة قصائد سبقتها، منها (كيف نحن في العراق)، يسخر فيها من الدولة والانكليز، ويشبه معاهدة (10 / 10 / 1922 م) بالقيد الذي يوضع في يد الاسير، وما الاسير الا شعب العراق !

أيكفينا من الدولات أنّــــــــــــا ***تعلق في الديار لنا البنـــود

و إنّا بعد ذلك في أفتقــــــــارٍ ٍ ****الى ما الاجنبيّ به يجــــود

وكم عند الحكومة من رجال ٍ *** تراهم سادة، وهم العبـــيد

أما والله لو كنـــــــــا قروداً *** لما رضيت قرابتنا القرودا !

ثم لماذا ؟ هل تريد ان ازيدك من تصنيفات شاعرنا الجريء، أم أتوقف عن سرد قصة (غادة الانتداب)، أعتقد انك معي قراءة، ومع الرصافي شاعرية وتخيلاً، فمن تخيلاته العجيبة الغريبة، تشبيهه للحكومة بفتاة كخضراء الدمن، ظاهرها جميل، وباطنها خبيث، والعياذ بالله . ويواصل الرصافي الشامخ قذائفه بكل عنفوان وجرأة، بلسان ولا أسلط، وقساوة ولا أعنف، وبسخرية ولا أهزأ، وبأسلوب ولا أسهل، يحفظه القاصي والداني، ويفهمة العام والخاص، ويجعل لعنة الله على الظالمين، فلا داعي للتخيل والتبسيط فكل ما فيها صعب بسيط، سهل ممتنع، فهذه (الوزارة المذنبة):

اهل بغداد أفيقوا من كرى هذي الغرارة

ان ديك الدهر قد باض بـبـغــداد وزاره !

هي للجاهل عزّ، ولذي العلم حـقـــــاره

حبّبت للوطنــــي الـحـرّ ان يــهجـر داره

كم وزير ٍ هو كالوزر على ظهر الوزارة

ووزير ملحق كالذيل في عجز الحمــارة

أمع الذلة كبر ا، أم مع الجبن جســـــاره

كيف لا تخشون للاحرار في البطش مهارة

على ما يبدو لنا ان الملك اخذ الشاعر بحلم الداهية، وحقد البعير، فالسياسة فن الممكن، والشعر فن اللاممكن، الشاعر يطلب المثالية، والسياسي يتشبث بالواقعية، ولا نطيل، المهم، شاعرنا لم يسلم من كيد الكائدين، وحقد الحاقدين على جرأته الغير معهودة، سواء في قصائده السياسية، او في ثورته الفكرية (فصارع خصوما ًأشّداء تألبوا عليه، وأثاروا الرأي العام مرات عديدة، وهم في كل مرة يثيرونه فيها، يضربون على وتر الدين، وهو وتر حساس جداً، يثور الناس أذا سمعوه)، حتى ان البعض أفتى بكفره، وخروجه عن الدين، ووقف معه في شدته الشيخ عبد الوهاب النائب، والشيخ مهدي الخالصي، لذلك عند وفاة الاخير في مشهد ودفنه هناك (12 رمضان 1343 هـ / 6 نيسان 1925 م)، رثاه بقصيدة رائعة فضح فيها الالاعيب التي أدّت الى ابعاد العلماء الاعلام عام (1923)، وهم الشيخ الخالصي، والسيد أبو الحسن الموسوي، والشيخ محمد حسين النائني، المهم ألقاها في الحفل التأبيني الذي أقامه نادي الاصلاح في بغداد:

أدهق الدهر بالمنية كأسه *** من قديم ٍ، وطــاف يسقى أناســــــه

انا أبكي عليه من جهة العلـ ***م، واغضي عن خوضه في السياسه

لا لأنّي أراه فيها ملومــــــاً ** بل لأني أعيب فعــــــــــــل الساسه

ليس في هذه الهنات السياسيا***ت الا ّ ما ينجلي عن خساســــــــــه

قد أبت هذه السياســـة الا ّ ***أن تكون الغشاشــــــــة الدّساســـه

من هنا بدأ يدرك شاعرنا بوضوح ان اللعبة لم تكن سهلة قط، ولابد من دفع الثمن، والثمن باهض وباهض على حساب شرف سمعته، وحط ّ كبريائه، ولقمة خبزه، واذا زاد فهو كافر مرتد وهناك من يصفق، وهناك من يردد عن جهل عابر، أو علم مقصود، لذلك اخذ شاعرنا يتأرجح صعوداً وهبوطاً، يأخذه الجزر مرة، ويعيده المدّ اخرى، فوجدت بذور القنوط في نفسه الكبيرة مكمناً ...

لنرجع الى سيرة حياته مرة ثانية، ونرى ما حلّ بشاعرنا، أذ تركناه في (أيلول 1923) موظفاً هامشياً في وزارة المعارف، وفي السنة نفسها سافر الى الأستانة على الايعود الى العراق يائساً مكسور الجناح، وبقى هناك سبعة أشهر ولم يقاوم، فعاد مضطراً الى العراق عن طريق بيروت 1923:

آب المسافر للديارٍ*** على اضطرار في إيابه

لو كان يجنح للإياب ***لما تعجل في ذهابه !!

وفي هذه السنة أصدر جريدته (الأمل) التي صدر العدد الاول منها في 1/ 10 /1923 ولم يصدر منها سوى ثمانية وستين عدداً، وتوقفت عن الصدور، وبقى مدة بغير عمل حكومي، وعندما ألف ياسين الهاشمي وزارنه سنة 1934، وكان الشيخ الشبيبي وزير معارفها، أعيد الرصافي الى الوظيفة، واصبح مفتشاً للغة العربية حتى عام 1927، ثم نقل الى تدريس اللغة العربية وآدابها بدار المعلمين، وفي سنة 1928 استقال ولم يعد الى التوظيف، ولكن لما تولى عبد المحسن السعدون رئاسته الثانية في (14 / 1 / 1928 م)، أستطاع ان يقنع الملك بترشيح الرصافي لمجلس النواب، وفي (19 / 5 / 1928) صار لأول مرة عضواً فيه، وبعد ان مرت عليه أيام عسيرة جداً، لا يجد فيها ما يلبسه الا العتيق البالي، فخاطب السعدون يشكي حاله قائلاً:

وليس العري من ثوب معيباً ***لكاسي النفس من حلل الإباء

ومــــــا ضرّ المهند فقد جفن ٍ***اذا ما كان محمود المـــضاء

فأن لم تــــدرك الايام عريي***بثوب منك يــــاغمر الـــــرداء

لبست قرار بيتي في نهاري *** ولم اخلعه الا في المســـــاء !

ومهما يكن من أمر، تعدّ الايام النيابية الاولى من أسعد أيامه، جددت لديه الطموح للمضي قدماً نحو كرسي الوزارة، ولكن يصح على طموحه المثل الشعبي المعروف (عرب وين، طنبوره وين)، كان شعر الرصافي لا يمكن له ان يسعى بصاحبه الى أعتاب الوزارة، فمن الحال المحال الجمع بين الماء والنار، والشيء ونقيضه، فلا يوجد أي انسجام بين رغبته وسلوكه (أقصد الشعري)، فما ان جاء المستر (كراين)، وأقيمت حفلة كبرى لتكريمه، ودعي الرصافي اليها، وهو نائب حتى نسى كل آآماله، فوقف في الحفل، وألقى قصيدة رائعة تفضح الحكم القائم وتعريته:

جئت يامستر كراين *** فانظر الشرق وعاين

فـهــو للغــرب أسيرٌ ***أسر مديون ٍ لدائـــــن

غاصباً منه المواني ***شاحناً فيه السفائــــن

حافراً فيه المــعادن** نابشاً فيه الدفائــــــن !

وما ان نشرت معاهدة (19 / 7 / 1930 م) حتى انقض عليها كالمارد الجبار دون ا أي حساب للعواقب، ساحقاً بقدميه العاريتين كل طموحاته الوظيفية وآماله المستقبلية:

كتبوا لنا تلك العهود وأنما *** ضعوا بها قفلاً على الأغلال

شلّّت أكف موقعيها أيـّهـم**حلّت عليهم لعنة الأجيـــــــال

فتحت له أبواب الانتخابات النيابية لمجالس أربعة اخرى، في (1/11/1930 عن لواء العمارة)، و(8/3/1932 عن لواء بغداد)، و(8/8/1935 عن لواء الدليم)، وكذلك في (22/12/1937)، وللإنصاف والحق مرة ثانية، إن الشاعر بلغ أعلى الرتب السياسية والاجتماعية في عهدي الملكين فيصل الأول، وابنه غازي (2)، لذلك عندما توفي الملك فيصل الأول (8/ أيلول /1933)، رثاه في قصيدة، كأنها وثيقة اعتراف بحنكة الفيصل وشجاعته وسداد رأيه، إقرأمعي بعض ما قال فيها:

قضى بدر المكــــارم والمعالــــي **** وحيدرة المعارك والمـغازي

بنى مجــــداًعراقيـــــــــاًجديـــــداً** فأسسه عــــلى المجد الحجازي

وسار من السياسة في طريـــــق *** بحسن الرأي معلمـــــة الـطراز

فما ترك الجهود بلا نجـــــــــــاح **** ولا فرصا تمر بلا انتــــــهاز

اذا اعتزم الأمور مضى وأمضى*** وإن سل المهند قــــال: مـــاز!

ومهما يكن،، وكانت في أوائل عام 1933 ضاقت به الأمور المالية، وضجر من صخب بغداد، وألاعيب ساستها، فهاجر الى الفلوجة بدعوة من (آل العريم)، وعاش مكرماً معززاً بينهم، وبقى في الفلوجة حتى (أيار 1941)، عندما دخل الجيش الانكليزي الى المدينة الآمنة، وبعد فشل ثورة رشيد عالي الكيلاني حيث تركها الى بغداد عائداً، وكانت حينذاك تحت سيطرة الوصي عبد الاله ومن خلفه نوري السعيد، فنزل ضيفاً في بيت صديقه السيد (خيري الهنداوي)، ومعه خادمه (عبد) حتى عثر على دار بجوار بيت صديقه، ثم انتقل بعد ذلك الى دار في محلة (السفينة) بالأعظمية، وهي الدار التي توفي فيها، وكان الرجل في عامه السابع والستين، عندما نزل بغداد (1941)، ولكن لم تهده السنوات العجاف، ولا صراعات الأيام ودسائسها، بل ظلّ شامخاً بقامته العملاقة، ولم تجرأ سنواته السبعون على النيل من هيبته ووقاره ورزانته، وفي خلال هذه الفترة الزمنية هجا نوري السعيد هجاءً مقذعاً، وخصوصاً بعد اخفاق ثورة الكيلاني:

نوحي على المجد التليد *** يانفس والحكم الرشيد

نوحي على أبطالـــــــه ***وكماته الغرّ الاســـــود

عصفت بهم ريح الطغاة ***وهدّهم حكـــــم السعيد

وفتح الرصافي دكاناً صغيراً قرب بيته لبيع السجائر فكسدت سوقها، وظل الرصافي يعيش مرارة العوز، وعذاب الفاقة، حتى باع الفرش والسجاد، ومقتيات بيته المتواضع ليستعين بثمنها على العيش، حتى رق ّ عليه أحد المعجبين بشعره ويدعى (مظهر الشاوي) فأجرى عليه راتباً، وسبب مأساته، ان صح التعبير – خلاصتها:

عاهدت نفسي والأيام شاهدةٌ ***أن لا أقــرّ على جور السلاطينِ

ولا أصادقُ كذ ّّّاباً ولو ملكاً **ولا أخالطُ أخوانَ الشياطين

فما كان الرجل قادراَ على كتم صوته، أو يهادن الآخرين، وللقول ثمن، وللجرأة ضريبة، وللخصومة أعداء، وأرى أنّ الدهر وضعه في ظروف أرحم بكثير مما سيأتى بها له ولغيره لو عاصروا سلاطين مَنْ جاء مِنْ بعد وبعد - يا بئس ما رأينا - ! !

و إليه نعود، والعود أحمد، ففي سنة 1944 وهو في عامه السبعين، يصارع الشيخوخة والأمراض والعلل، أثيرت حوله ضجّة كبيرة تتهمه بالكفر والالحاد، اثر صدور كتابه (رسالة التعليقات)، وتدخلت مديرية الاوقاف العامة لحسم الامر، فطلبت من العلامة (فهمي المدرس) أبداء الرأي في كتابه، وبعد دراسته قال:(وبالاجمال لم يظهر لنا كتاب تعليقات الرصافي ما يمس حرمة الدين، بل ظهر انه قوي الايمان بالله ورسوله، راسخ الاعتقاد بما جاء القرأن، ومن كفرّ مسلماً فقد كفر) وبالمناسبة للرصافي سبعة عشر مؤلفاً تركها للأجيال، ثم لبى نداء ربه صباح الجمعة (16/3/1945) واحسبه كان يردد:

ويل ٌ لبغداد مما سوف تـــذكره ***عنّي وعنــها الليــالي في الدواوين

لقد سقيت بفيض الدمع أربعــها ***على جوانــب واد ٍ ليــــس يسقيني

ماكنت أحسب انّي مذ بكيت بها *** قومي، بكيت على من سوف يبكيني

رحم الله الرصافي، ورحم تلك الأيام، بكينا عليه، فمن الذي سيبكي علينا يا ترى ؟!!!

3 - الشبيبي الكبيرالشيخ محمد جواد (1864 - 1944م)) كتبت عنه ثلاث حلقات، طرائفه ومواقفه:

من قبره يناجينا ويرسم صورة لعصرنا:

وانتقل بك الان الى هذه المقطوعات والنتف الاخرى، فمن وكان الشبيبي يسجل لنا فيها احداث هذا العصر، وليس احداث عصره، فمن قرصاته النقدية لمواقع المسؤولية، ومن سخرياته اللاذعة -ونحن نسخر معه -، وكما تعلم الناس اجناس، والنواب كما لاتعلم اصناف ..!ومن اصنافهم من ليس له أذن تسمع، ولا فم يردع، ومعنى هذا القول، ايها المسؤولون ليشبع من يشبع، ولا حاجة لكم بالبرقع، فليس هنالك من يد تصفع، أقرأ وتمتع:

ونائب يملآ الكرسي قلت لـــــه*** ماذا السكوت ؟ تكلّم أيّها الصنمُ

الحامل الرأس لم نسمع له اذن** والصاقل الوجه ما في صفحتيه فم

وله موقفه مع الريف المظلوم، والوطن المنهوب، يعلن نقمته، فتعلو صرخته، ولكن هل من مجيب لسؤال نجيب ؟:

الله بالوطن الذي فيه الذبــــاب علا وطنطنْ

يا ماضغين خراجه من مغرس زاك ومعدنْ

أتلفتموه، وقلتموا منا الدمار، وانت تضمن

فسلوا البواخرهل غدت من غيرهذا النهب تشحن

وسلوا القوافل ما على تلك الظهور، وما تبطن

وسلوا المناصب هل بها من أهلها أحد تعنون

وشيخنا يرى ان القحط ليس بقحط الارض، وقلة الخصب، وانما بقحط الرجال، وعدم شغل المنصب الخالي، وهذا هو حال عراقنا الحبيب اليوم

أجيالنا الماضون عزّ خضوعهم وسكوتهم لمصارع الاجيال

درجوا، وأبقوا بعدهم أفعالهم عبروا لاسمـــــــاء بلا أفعــال

تركوا البلاد، وخصبها مستوعب م،،،، ا بين أجواز الى أجيال

والخصب ليس بمسمن سكانها ان كان محفوفا بقحط رجــال

وا حسرتا خلت البلاد، فهل لها من شاغل هذا الفراغ الخالي

ولا ريب ان الشبيبي، لابد له ان يتطرق الى الصراع الازلي بين القوي والضعيف في وطن لا يستند على قانون نافذ، ولا دستور ثابت، فالى الله المشتكى

كان الضعيف اذا مد القوي يدا ***لظلم******ةٍ ردها مدفوعة بيد

واليوم ظل ضعيف القوم مضطهدا**** وارحمتاه لمظلوم ومضطهد

كم شجة ارضخته وهو معتدلٌ******* كما تعاقب طراق على وتد

يبيت مضطربا في موطنٍ قلقٍ *****كّـــــــأنّه زئبق في كف مرتعد

نعم كم من طارق تعاقب على طرق وتدنا الصابر صبر يعقوب وما زلنا نردد، صبرا جميلا. وهل هنالك موطن قلق كعراقنا الحبيب، انه زئبق في يد مرتعش! ويقول شيخنا الجليل::

واضيعة الامال بعد مناصبٍ *** حفظت مقاعدها لغيرة كفاة

من كل كأسٍ يستجد لنفسه *****حللا ولكن من جلود عراة

يامفقر العمال ان بك غيرهم***** سببا لاثراء البلاد فهات

وهل هناك اكثر بلاغة من منصف للعمال من البيت الاخير فهات! ولك هذه الابيات الاخيرة من جارة القصر وجارة الكوخ! فيا لسعادة الاخيرة ويالبؤس الاولى:

اجارة هذا القصر نوحك مزعجٌ *** لآنسة فيه اكبــت على العزف

ادرت الرحى في الليل يقلق صوتها **وجارتك الحسناء تنقر بالدف

وجاورت هاتيك القصور شواهقا**** بدار بلا بهو وبيت بلا سقف

صور من الدنيا الدنية، الصراع بين الاضداد، والتفاوت ما بين الناس، صولة القوي على صراخ الضعيف، واحتجاج الفقير على ثراء الغني، نعم الدنيا بكل متناقضاتها ما انفكت تشغل بال المصلحين، وتثير مشاعر المحتجين، لهم أن يناضلوا لما يعشقون، اويقفوا كما يشتهون، فالحياة لا تبالي بهذا، ولا بذاك، لها موقفها ...وكفى...!!

4 - الجواهري محمد مهدي (1899م - 1997م)، كتبت عنه خمس حلقات مع قصيدتي في رثائه، تحت عنوان: على أعتاب ذكرياتس:

الجواهري عاش ثائراً كالبركان في معظم حياته الشعرية، وعلى ذلك النهج تستمر حممه لاهبة على عصبة الحاكمين الذين حاولوا مساومته في أوقات سابقة على عضوية في مجلس النواب، أو الاستيزار... وحين فشلوا في مساومته والنيل من عزيمته، راحوا ينفثون غضبهم، وينفذون ما يستطيعونه من أذى ومحاصرة وتجويع له، ولعائلته. وها هو يصرّح بصرخة مدويّية دون حدود بمواقفه، كاشفاً المزيد من الحقائق، متحدياً ومذكراً بنفسه، لمن قد لا يعرف، هاك ما قذفته الأيام على لسانه بمناسبة تكريم عميد كلية الطب الدكتور هاشم الوتري سنة 1949 م بحضور الوصي على حكم العراق عبد الإله شخصياً، أيّ بعد عام ونيف فقط على وثبة كانون الثاني العراقية المجيدة عام 1948، نعم يتفجر الجواهري برائعة وطنية جديدة، هزت مختلف قطاعات الجماهير الشعبية من جهة، ونخب الحاكمين والسياسيين من جهة أخرى، على حد السواء...:

لقد ابتُلُوا بي صاعقاً مُتَلهّباً ***** وقد ابتُليتُ بهمْ جَهاماً كاذبا

حشَدوا عليَّ المُغريات ِ مُسيلة ً ***صغراً لُعابُ الأرذلينَ رغائبا

وبأنْ أروحَ ضُحىً"وزيراً"مثلَما **أصبحتُ عن أمْربليلٍ"نائبا"

ظنّاً بأنَّ يدي تُمَدُّ لتشتري *** سقط َ المتَّاع، وأنْ أبيعَ مواهبا

وبأنْ يروحَ وراءَ ظهريَ موطنٌ ***أسمنتُ نحراً عندَه وترائبا

حتى إذا عجَموا قناة ً مَرَّةً ****شوكاءَ، تُدمي من أتاها حاطبا

واستيأسوا منها ومن مُتخشِّب ٍ**عَنَتاً كصلِّ الرّمل ِيَنْفُخ غاضبا

حَرٍّ يُحاسِبُ نفسَهُ أنْ تَرْعَوي ***حتَّى يروحَ لِمنْ سواه مُحاسِبا

ويحوزَ مدحَ الأكثرينَ مَفاخراً****ويحوزَ ذَمَّ الأكثرينَ مثـــــالبا

حتى إذا الجُنديُّ شدَّ حِزامَهُ ****ورأى الفضيلة َ أنْ يظَلَّ مُحاربا

حَشدوا عليه الجُوعَ يَنْشِبُ نابَهُ**في جلد "أرقط َ"لا يُبالي ناشبا

وعلى شُبولِ اللَّيثِ خرقُ نعالِهم ****أزكى من المُترهِّلينَ حقائبا

وكما بذكرالشاعر نفسه في بعض حديث ذي صلة: "... كان الجو السياسي محتدماً، وكنت أشعر أن الواجب يقضي بأن أؤكد موقفي"، ومع موقفه الذي خطّه شعوره الواعي واللاواعي أبان لحظات الإبداع الإنسانية، رسم لنا ما يجب أن يكون عليه نائب الشعب لخدمة الجمهور، وكشفَ المستور عن المساعي المحمومة لتنصيب المأجور كنائب للشغب، والأمر لمَن غلب، وإن كان مِن لُعب ....!!

 

كريم مرزة الأسدي  

 

امحمد الكوخوإن دراسة الظواهر الأدبية والإبداعية سواء كانت شعرية أو نثرية تقتضي بالضرورة تعميق الرؤى وملامسة جوانب مختلفة من بنية الإنتاج الأدبي الداخلية والخارجية، وتتعدد القراءات النقدية حسب اختلاف المرجعيات الثقافية والمنهجية، وقد حضي النقد العربي القديم اهتماما شاسعا من طرف النقاد والدارسين القدامى والمحدثين وخصوصا في الجانب الشعري نظرا لمكانته بالنسبة للإنسان العربي فهو منذ القدم سجل يحفظ ثقافته ونمط حياته، وقد تعددت الدراسات في مشوار البحث عن انطولوجية هذا الموروث الأدبي اللامع الصورة، وفي هذا الصدد تأتي هذه القراءة لمساءلة وخلخلة المؤلف النقدي "أثر البيئة في الشعر" للدكتور جلال المرابط الصادر عن وزارة الثقافة والاتصال المغربية، والذي انطلق من إشكال عام يتجلى في إنتاج النص الشعري في النقد العربي القديم مسائلا بدوره الناقدين البارزين في النقد العربي القديم: "ابن سلام الجمحي" في كتابه" طبقات فحول الشعراء "، و"ابن قتيبة" في كتابه "الشعر والشعراء "عن أثر البيئة في الشعر.

ولاستجلاء هذا الغرض عمد الكاتب في الفصل الأول إلى وضع التحديد اللغوي والاصطلاحي للصيغة المفاهيمية المقترحة في العنوان بدء من مفهوم البيئة: فمفهومها حسب الناقد يتأرجح بين مجموعة من الدلالات اللغوية والاصطلاحية ذات المرجعيات والأبعاد المتعددة منها: البعد المكاني / الجغرافي والبعد الاجتماعي والبعد النفسي ...وذلك لما لهذا المفهوم من سلطة على الأديب تتحكم في إنتاج أدبه، فمفهوم البيئة يتجاوز المفهوم المادي المتمثل في العوامل المحيطة إلى مفهوم أكثر شمولية يتمثل في التعبير عن جل العوامل المؤثرة في إنتاجية الشعر، وهذا التحديد الشاسع لمفهوم البيئة هو ما تم تقديمه في مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة البشرية المنعقد في استوكهولم سنة 1972، ومن خلال هذه التحديدات فالبيئة دينامية وليست تابثة، فاعلة ومتفاعلة، مأثرة ومتأثرة.

وبعد تحديد الجهاز ألمفاهيمي قام الناقد بخلخلة مجموعة من الإشارات في النقد العربي القديم في مقدمتها التصورات البيئية التي تسهم في إنتاج النص الشعري ومنها:

فكرة الإلهام: والتي تقوم على فكرة مستمدة من الميثولوجيا والفكر الأدبي اليوناني القديم، والتي ترى أن عملية الخلق الإبداعي ترجع إلى ربات الشعر مستدلا على ذلك بمناشدة "هوميروس" ربة الشعر ان تلهمه في" الإليادة "

وهذا الطرح موجود أيضا عند العرب الذين زعموا أن قرض الشعر نتاج لاقتران الشعراء بالشياطين ومنه قول امرئ القيس:

تخبرني الجن أشعارها   ما شئت من شعرهن اصطفيت

ومن هنا فتفسيرات بعض النقاد والدارسين للشعر العربي وإنتاجيته ارتبطت بقوى خارقة متعالية خارجة عن عالم البشر

ومن بين الفرضيات المطروحة في الدراسة النقدية لإنتاج الشعر العربي يقف الناقد عند الجانب النفسي وتأثيره على المبدع والمتلقي على حد سواء، ومن التصورات القديمة فكرة التطهير أو ما يعرف بالكاتارسيس لدى أرسطو الواردة في تعريفه للتراجيديا باعتبارها "محاكاة فعل نبيل تام له طول معلوم بلغة مزودة بألوان من التزيين تختلف لاختلاف الأجزاء، وهذه المحاكاة تتم بواسطة أشخاص يفعلون لا بواسطة الحكاية وتثير الرحمة والشفقة وتؤدي إلى التطهير من هذه الانفعالات"[1] ومن خلال تحديد "أرسطو" فإن فعل إثارة الرحمة والشفقة يعتبر انعكاسا لنتاج الأدب (مثير / استجابة) وغاية ينبغي مراعاتها عند التأليف، فيكون العامل النفسي بذلك مستحضرا في الكتابة وحاضرا في التلقي .

وقد استحضر النقد العربي القديم المعطى النفسي في دراسة النصوص الشعرية بحديث "ابن قتيبة " عن "اللحظات الأمثل لنظم الشعر، ولا يستثنى النقد العربي الحديث من التوسل بالعامل السيكولوجي في قراءة النصوص الشعرية ومنه علم النفس المرضي.

وقد حاول الناقد تفسير الأدب تفسيرا كونيا يرتبط فيه أللإبداع الشعري ببيئة صاحبه معبرا "أن لها تأثير مباشرا وغير مباشر على الأدبية "، وعند تمحيص الدرس النقدي القديم نجد تصور البيئة وأثرها حاضرا في الإنتاج الأدبي عامة والشعري خاصة.

وبعد تسليط الناقد الضوء على مجموعة من الفرضيات والاحتمالات للإجابة عن إشكالية المتحكم في إنتاجية الشعر العربي بالتركيز على أثر البيئة انتقل الناقد في الفصل الثاني المعنون ب "أثر البيئة في الشعر من منظور ابن سلام الجمحي" نظرا لحضوره المائز في تاريخ النقد العربي وقد تم تحديد مفهوم البيئة في هذا الفصل انطلاقا من ثلاثة مباحث:

المبحث الاول: ينطلق من محاولة مقاربة مفهوم البيئة عند "ابن سلام الجمحي" انطلاقا من كتابه "طبقات فحول الشعراء"، بالرغم من أن "ابن سلام الجمحي" لم يعمد إلى تقديم مفهوم البيئة بشكل مباشر وإنما من خلال بعض الألفاظ المتمثلة في: القبيلة /البادية/ القرية/ ومنه أيضا لفظ الحي والأحياء (مفهوم مرتبط بالحروب) ومن هنا يستخلص أثر البعد المكاني في الشعر العربي القديم، وفي ذات المبحث تم الإشارة إلى مفهوم البيئة من خلال مصطلحي: الطبقات والفحولة معتبرا هذا الأخير معيارا للتمييز بين الشعراء، فالفحولة تتشكل وتختلف من بيئة طبيعية إلى أخرى .

أما بالنسبة لمفهوم الطبقات فهو في نظر "ابن سلام الجمحي" مقترن بالعامل الموضوعي الجغرافي البيئي المكاني، فالشعراء تختلف طبقاتهم باختلاف الأمكنة .

المبحث الثاني: يعتبر الناقد البيئة مكونا إنتاجيا للشعر حيث عكس الشعراء بيئاتهم وجوانب المحيط الذين عاشوا فيه، كما تطرق الناقد إلى عامل الحروب وأثرها في غزارة الشعر وأيضا عنصري الكون والحيوان في إلهامهما للشاعر العربي القديم في قول الشعر.

المبحث الثالث: اعتبر الناقد البيئة مقياسا لنقد الشعر وقد أشارت إلى ذلك العديد من النظريات النقدية في كتاب طبقات فحول الشعراء معللا ذلك بقلة الشعر في الطائف ومكة وعمان وكثرته بالمدينة [2]، كما رام الناقد الى اعتماد البيئة أيضا مقياسا لتاريخ الشعر والشعراء في حدود البعد الزمني (جاهلي/ إسلامي) بل تجاوز ذلك إلى تصنيف الشعراء حسب أمكنتهم وقبائلهم ومنه شعر شعراء هذيل وشعر شعراء قريش ...

واستمرارا في نفس السياق النقدي الذي يحاول الكشف عن أثر البيئة في الشعر العربي القديم قام الناقد في الفصل الثاني مؤلفه باستحضار مفهوم البيئة من منظور"ابن قتيبة " من خلال كتابه "الشعر والشعراء" وقد تم تناول هذا المنظور في ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: يحدد معالم في تصورات " ابن قتيبة " للبيئة، فهي مقوم أساسي في التنظير للشعر العربي القديم والتعريف بالشعراء العرب إذ لم يفت الناقد العربي القديم أللإشارة إلى أن للبيئة – كونها ظرفا زمانيا ومكانيا – أثرا في الشعر والشعراء، كما يوضح الناقد معيار الزمن عند "ابن قتيبة " حيث يوجه نقدا صريحا لاذعا لمن يعطي معيار الزمن الاعتبار الحاسم في الحكم على الشعر والشعراء بالجودة أو الرداءة، فما يمكنه أن يكون مقياسا لاستحسان الشعر أو استهجانه هو توفر الشاعرية وليس السبق الزمني وهذا فيه نوع من الموضوعية والإنصاف. وأردف الناقد تحديد فكرة المكان في تصور" ابن قتيبة" فالمكان شأنه شأن المكون الزماني لا يعتد معيارا لقوله: " لا أخص به قوما دون قوم "[3] وهنا المكون المكاني يعد مؤثرا في الشعر ولا يجب أن يؤثر في العملية النقدية .

المبحث الثاني: معنون بأثر البيئة في الشعر والشعراء يرصد الناقد من خلاله أهم جوانب البيئة في الشعر العربي القديم سواء من حيث الموضوعات أو الأغراض لإدراك بواعث الشعر ومنها ارتباط الشعراء بالميتافيزيقي وربط شعرهم بقوى متعالية عن البشر كما أن "ابن قتيبة" تجاوز هذه المسألة إلى بواعث أخرى سوسيوسيكولوجية، ويؤكد "ابن قتيبة" جلاء أثر الطبيعة في الشعراء من خلال صياغاتهم الشعرية مستدلا بقول "صلاح عبد الصبور": "قد نبت شعر الطبيعة في أثرنا الأدبي نباتا حسنا " [4]، فقد أشاد "ابن قتيبة" بجمال الطبيعة وانعكاسها على الشعر .

المبحث الثالث: استحضر الناقد رؤى نقدية حول تصورات "ابن قتيبة" انطلا قا من عقد مقارنة بين منظوره وبين منظور" ابن سلام الجمحي" كونهما يتقاطعان في تصورهما للبيئة وضرورة الانطلاق منها في العملية النقدية باعتبارها عاملا مؤثرا في العملية الإبداعية ويختلفان من حيث الأثر ووقعه، كما يدرج الناقد بعض تصورات النقاد الذين وحدوا خطابهم مع "ابن قتيبة" في الدراسة النقدية لإشكالية مؤثرات العمل الإبداعي ومنهم الجاحظ والجرجاني.

 

امحمد الكوخو

....................

1- ارسطو طاليس، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمان بدوي، دار الثقافة، بيروث، لبنان1973 ص 18

2 - جلال المرابط، اثر البيئة في الشعر، الموجة الثقافية ص58

3 - نفسه ص 81

4- صلاح عبد الصبور، قراءة جديدة لشعرنا القديم، دار العودة بيروت، الطبعة الثانية، 1982

 

82 موائد من رمادــ هل يمكن استثمارُ الزمن النفسي في الكتابة الروائية...؟

مادلالةُ هذا الزمن وهو يحفرُ ساعاته في المكان والنفس البشرية على حدٍ سواء ..؟

موائدٌ من رماد.. روايةٌ للقاص والأكاديمي (د.لطفي جميل محمد) والصادرة عن دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع 2017،، ومنذ العنونةِ أمدتنا هذه الروايةُ بما ستؤول اليه الأحداثُ وتغايراتُ الزمان والمكان في بقعةٍ تمتدُ على شكل بلاد اسمها (العراق) الذي حضر باسمةِ الصريح داخل متنِ السرد.

ترى هل كل شيءٍ معدٌ لينتظمَ في دوامة الموت التي لاتخلف غير الرماد...من هنا نفهم ان الروايةَ هي روايةُ مصائر،ولا اقول تشبيها بالعنونة او المتن لرواية (قلعة المصائر المتقاطعة) لأيتالوكالفينو.. روايةٌ حيث تحضرُ الحياة برمتها وهي تسيرُ على الحافات الخطرة، في بلدٍ تتوالدُ فيه الحروب، مصائرُ بشريةٌ تواجه حتفها وان عاشت حياتها، لكن الموت ظلالٌ سودٌ تتخفى خلف البنايات والأشجار والظنون.

وللدخول الى تفاصيل المتن السردي لروايةِ موائدٍ من رماد نجد ان ثمة جناحين تطيربهما الروايةٌ، يشكلُ (احمد الناصر/الضابط برتبة لواءٍ في الجيش العراقي السابق) الجناحَ الأول الذي تمهدُ به الروايةُ وتؤثثُ تفاصل المبنى الحكائي لسرديتها الكبرى، احمدُالناصر يعتقل على يد القوات الأمريكية اثر غزو العراق 2003. ثمةَ حكايةٌ اخرى تمثلُ الجناحَ الثاني لطيران الرواية، الا وهي قصةُ العريف( عبد الله) الجندي العراقي الجريح والمختفي داخلَ احدِ المغاراتِ بعد ان احتلت مواقعهم القوات الإيرانية...هذه الحكايةُ المولودةُ من الحكاية الأولى بدلالة كونها مخطوطة عثر عليها او هكذا....(السجل المحفوظ بحافظةٍ بلاستيكية شفافة الذي حصلوا عليه مع تلك الوثائق، وهو سجلٌ قديمٌ نوعا ما، وذلك بسبب ماتعرض له من ظروف الخزن).

ـــ اذا نحن امام مخطوطةٍ تشي لنا بحيواتٍ اخرى لمشهدية تشيرُ الى ثمانينيات القرن العشرين وتحديداً عند اندلاعِ حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية/ الإيرانية)..نقرأ (سأله ضابط التحقيق محاولا استيضاح الأمر بدقة..

ــ بوضوحٍ دقيقٍ، هل تقصدُ انها قصةُ لجنديٍ عراقي.

ــ هي تحت عنوان (عزلةُ عبد الله) كما تحملُ تاريخَ كتابتها على مايبدوالذي هو عام 1988 .

تنفتحُ الروايةُ على سردية الجندي (عبد الله) المخابر الذي تنقطعُ به السبلُ بين وحدته والواجبِ المكلف به بإمداد خطوطِ الهاتف السلكي،، صيغةُ (ضمير المتكلم) هي من قامت بهذه المهمة، وكأنّ بالروائي يزجُ بمتلقيه في عملية اشتباك لمعرفة سيرِ الأحداث،وملاحقةِ الفعل بمستوياته والذي يمثلهُ الجندي (عبدالله)، ومن ثم يؤثثُ المشهد من حوله في محاولة لإبقاء وهجِ الذكريات،او الاستنارة بوهج التذكر كلما تضيقُ عليه المسافة وهو يُحشرُ شيئا فشيئا في المغارة.

(وجدتُ ان اقطع المسافةَ المتبقية، كانت تعني لي الكثير، اذ ان خلف هذه المسافةِ تكمنُ احتمالاتٌ عدة، اولها انني سأحظى برؤيةِ وجه امي من جديد، ستتيحُ لي عدَّ اعمدةِ شارع دجلة الجميل من جديد، سأواصل لعبة( الدومينو) لساعةٍ متأخرةٍ... هذه المسافةُ وما خلفها يمكنُ ان تعيدني الى شارع التربية....).

ــ هنا يتبدى اشتغالُ الروائي على تقنية (الفلاش باك) لضخّ اكبر عددٍ من المشاعر والذكريات لرسم عوالمَ شعرية تلامسُ حيواتنا اينما نكون.. وتطعيمِ متنه السردي بمواقفَ حياتية ماضيةٍلإضاءاتها من جديدٍ في لحظة حرجة.

في مشهد للجندي (عبد الله) المحاصر في داخل المغارة، وعبر تهيوءاتهِ واشتدادِ سطوة الوحدة عليه او هكذا.. ثمة اشباحٌ ثلاثةٌ توجهَ بنادقها اليه، لكنه يستدرك (على الرغم انني على يقين بأن لااحدَ سواي يعرفُ هذا المكان)....!!! لتقدحَ الذاكرة الى وصفهم بالتتر...اي المغولِ واستباحتهم لبغدادَ دار السلام، ليعيدَ الروائي انتاج خطابه الى ان ثمة (احتلالاً) اخر يحمل الوحشية نفسها عاشته بغدادُ القرن الواحد والعشرين... (عادوا ليكملوا مالم يُكمله زعماؤهم على مسرحِ الوحشية واللاحضارة).

ــ اتخذ الروائي شكلَ التداخلِ الحكائي، اذا هي فصولٌ سرديةٌ لكل جناحٍ ممثلا بشخصيتي الرواية، معتمدا قطع التسلسل المنطقي للأحداث وخاصةً فيما يتعلقُ بمصير الجندي المخابر المحاصر... وفي هذا الأمرُ لايخلومن تشويقٍ والذي يعدُّ عنصرا فاعلاً في الكتابة الروائية. نقرأُ في صنعةِ السرد للدكتور سلمان كاصد (ان في كل روايةٍ هناك نقصاً من جهةٍ يفترض فائضاً في الجهة الأخرى، وربما هناك تقابل متساوٍفي الجهتين، وان مايحرك هذا العمل هو هذا التضاد الذي لولاه لما استمر الصراعُ على مستوى الحكاية).

ــ اشتغالُ الروائي على وصفِ الأمكنة لتأثيثِ المشهد عبر استثمارِ السرد وبمنتهى الدقة، مثالا{غرفةُ اعتقال الضابط العراقي}،،ووصفُ {المغارة} للجندي المحاصر..هذا الوصفُ الذي يوصلنا لملامسةِ الجانبِ النفسي لكلا الشخصيتين، في محاولةٍلإبراز ثقلِ الزمن النفسي واحاطته بمدياتِ حريتها، وصولا لتهديدِ وجودها كفعلٍ يتآكلُ دواخلها.... (انتابتني رغبةٌ كبيرة بالخروج من هذا الجحرِ، رافعاً يدي وانا اصرخُ واقول {اوقفوا الحربَ...اقطعوا النار} حتى وان سقطتُ قتيلا، سأقولُ للمتحاربين انتم شلةٌ من المجانين، لابل شلةٌ من مصاصي الدماء) ص61 .

فصلٌ سرديٌ يتابعُ حركةَ الجندي المخابر المحاصر يبدأُ من الصفحة 59-88 يرصدُ تحولات الوضعِ الذي ال اليه داخل هذه البيئةِ الطبيعية (المغارة) وكيفيةَ التعاملِ مع مفرداتها للوصول الى ابعد حدٍ لمعانقة الزمنِ النفسي ودفع اليأس الى تخوم بعيدة...فكانت (الكتابةُ) هذه المرة فعلا ايجابيا ينتصرُللذاتِ حتى وان كانت تواجه نزعا اخيرا... (شرعتُ بكتابة السطور الأولى لمذكراتِ عزلتي، مبتدئا باللحظات التي سبقت الهجومَ علينا، وانا اتضورُ جوعا وعطشا، وقلقا من ان يجدوني قد غادرتُ العالم الخشنَ المخنوقَ بالحروب، والمطوق بالموت، من دون ان يستطيعوا حلَّ لغز عزلتي...كتبتُ وكتبت حتى حل المساء)...ص81.

ربما يستدركُ القارئ العادي، وهو يقفُ امام هذا المشهد،، هل يصحُ ان نكونَ ونحن في اقسى حالة يأسِ، واقصى حالات حصارٍ..ان ننتجَ حياةً اخرى عبر الكتابة...؟؟ ولماذا الكتابة؟وهل هي فعلٌ تحرريٌ لحظويٌ ربما (للجندي)...؟ وهل بما توافرَ عليه وبمابين يديه (سجل المواقف/ قلم الرصاص/ قلم الحبر الجاف/ اوراقٌ فارغة)..أم ان ثمة تدخلاً للصنعة الروائيةِ لاجتراح فعل إنساني اكثر خلودا ربما، سيكوّن (ثيمةً) روائية تنتج احداثاً مضافةً، تخدمُ تحويل هذه الكتابة (المذكرات) الى مخطوطةٍ باسم (مذكرات عبد الله) والتي سوف تخدمُ ايضا مبنىً حكائيا تتصاعدُ منه احداثُ الرواية.

ــ حصارُ الجندي (عبد الله) على مدى سردية الرواية،وتضائلِ امله في الحياة عبرَ تعطل وسائل الإنقاذ،وضمور الشعور النفسي لديه بأن كلَّ ماحوله يشي بموتٍ قادم،، اقولُ له مايشابهه في الأدب العالمي وتحديدا في رواية (العطر) لزوسكيند، حيث البطلُ (قاتل النساء الجميلات)، عندما يغادرُ باريس تاركا وراءه مختبرات صناعةِ العطور، تأخذهُ قدماه الى الجبال لينحشرَ تلقائيا بين شقوقها،حد فقد آدميته وتحوله في لحظة زمنية الى نوع من الطحالب....!!! انه تشيؤُ الطبيعةِ البشرية بفعل ضغوطِ الداخل والخارج وبمختلف المسميات.

يبرزُ الخطابُ الروائي واضحا منتصرا لقيمٍ قارة، هي من عنديات الروائي وانحيازه الكامل لسمعةِ وتاريخ بلده،وكأن هناك طرفي صراع أبرزه الخطابُ الروائي ،،وطنٌ /محتلٌ...هذا ماابرزته اسئلةُ المحققين والحوارات المستمرةُ مع الضابط (احمد الناصر)... (مهما ستؤول اليه التطوراتُ في العراق، فأنالا اعتقدُ ان هناك واحدا يقبل بعرضِك هذا، لأنه يتعارضُ مع القوانين والأعراف، فضلا عن ثقافة العراقيين).ص96.

اللغةُ في رواية (موائد من رماد) خلقت مناخها العام،من السهل الممتنع، وبمستوى يكادُ يكون واحدا لجميع شخوصِ الرواية، تلك الشخوصُ المنتمية الى هويةٍ تتوحدُ في تقرير مصيرها، لغةً خلقت عوالمها من متنها السردي الروائي، كادت ان تسمي الأشياءَ والأمكنة والوقائعَ بمسمياتها حدُّ تدوينِ الأماكنِ التي نشأ فيها الروائي.

وبهذا يكون (لطفي جميل) في روايته (موائد من رماد) قد وجه خطابَ ادانةٍ واضحٍ للحروب أيا كانت مسبباتها، وانحاز الى الإنسان كقيمةٍ عليا لابد ان تعيش هناءاتها،غير متخليةٍ عن ثوابتها الأصيلة....

 

نصير الشيخ

 

 

alkabir aldasisiتفاعلا مع الرواية النسائية بالوطن العربي، وانفتاحا على التجارب الشابة والجديدة، نفتح من خلال هذه الدراسة نافدة على الرواية الفلسطينية وجيلها الجديد، بتقديم رواية " الوجه الآخر للبياض" باكورة الكاتبة الفلسطينية ريتا طه وهي رواية صغيرة الحجم حوالي المائة صفحة من الحجم المتوسط صادرة عن مؤسسة موزاييك للترجمة والنشر والتوزيع عمان 2017 .

العتبات القرائية الخارجية للرواية كثيفة الدلالات ومتعددة الإحالات، تغري القارئ بالإسراع في استكشاف المتن المحكي المختبئ بين دفتي غلاف رمادي يحمل عنوانا قائما على التقابل، ولوحة لامرأة بدون ملامح، بجسد أسود وفستان أبيض عليه ثلاث نقط سوداء في مناطق حساسة من جسد المرأة (القلب، الصرة والفرج)، وضمادة بيضاء في ذراع يدها اليسرى وشعر منفوش ... مما يوحي بتعرضها لاعتداء شنيع، وإذا أضيف إلى ذلك ما كتبه الناشر على ظهر الغلاف : " استطاعت ريتا طه أن تصوب عدستها باتجاه منطقة رخوة في المجتمع الفلسطيني منطقة لا ينتبه إليها كثيرون، أو أنهم يغفلونها عمدا، مكتفون بخوض غمار الخراب النفسي الذي خلفه الاحتلال. رواية جريئة لأنها تعاملت مع المجتمع الفلسطيني على أنه مجتمع عادي... كأنها تقول لسنا ملائكة لدينا من الأخطاء ما يكفي لوأد عروس في ليلتها، وقتل الحب بدم بارد) هذه المؤشرات الخارجية وغيرها تسلح القارئ بأدوات تجعله لا يغوص في أحداث الرواية إلا بعد وقد تزود بمعرفة أولية تؤطر توجه العام لقراءة الرواية....

عند قراءة الرواية يكتشف القارئ أن رواية (الوجه الأسود للبياض) تحكي حكايتين مختلفتين بينهما خيط رابط اسمه وفاء:

- الحكاية الأولى تدور تفاصيلها بين زوجين (خالد وسمر) : خالد طبيب أسنان استكمل دراسته بلندن، وحيد أبويه ينحدر من وسط راق، من حين لآخر يلوح له طيف صديقيه جورج وعبد الرحمان، تزوج سمر المحامية الحاملة لدكتوراه، ابنة أب معتقل سابق تنحدر من أسرة كان للأم الدور الرئيسي فيها أحبت شابا اسمه قيس لكن الأم وقفت في وجه زواجهما، خوفا من أن يكون قيس عقيما وهو المنخدر من أسرة ضعيفة النسل، عاش خالد وسمر حياة سعيدة لا يشوبها سوى عجزهما عن الإنجاب، قبل أن تكتشف في حاسوبه صورا التقطها من شرفة البيت لفتاة كان يتابع مرورها في الشارع كل يوم وأغرم بها دون أن يكلمها أو يعرف هويتها، وهو ما جعل سمر تعيش صراعا داخليا قررت على إثره وضع حد بعلاقتها بخالد.

- القصة الثانية تتمحور حول فتاة اسمها وفاء، تنطلق القصة بتحضير وفاء لعريسها دون أن تفارقها ذكرياتها مع حبيبها الذي استشهد، وفاء وسطى أخويها منال(الكبرى تزوجت من نوفل وأنجبت ثلاثة ابناء) وأحمد (الأصغر الذي سيشتغل بورشة للنجارة). وعبر وساطة نوفل سيتقدم مروان لطلب وفاء للزواج، ولم يكن لها من خيار سوى القبول به زوجا، ورغم تقدمهما في السن (مروان 30 سنة) ووفاء شابة ناضجة تجاوزت العشرين سنة فهما قليلي التجربة جنسيا : فمروان لم يعش تجربة جنسية كاملة في حياته، ووفاء(لا تعرف كيف يتم الإيقاع بالنساء)، نتيجة لذلك ولغياب أي تعالق وتجاذب بينها كانت ليلتهما مأساوية: عاشا أغرب ليلة دخلة نامت فيها العروس، سافر فيه العريس مع ذكريات قصص حب عاشها مع حبيبتين (سمية و رولا ) هجرتاه وتزوجتا غيره... رأى في نوم عروسه وتجاهلها له إهانه كبرى، فانفجر في وجه العروس النائمة محاولا قتلها بعد اغتصابها... لتنتهي هذه الحكاية بالزج بمروان في السجن، ونقل وفاء في حالة حرجة للمستشفى بعد محاولتها الانتحار ...

وفي المستشفى حيث كان خالد يستعد للتبرع بدمه لإنقاذ أم سمر قبل إجرائها عملية استئصال الرحم، وحيث كانت ترقد أيضا وفاء التي تعلق بها خالد، ينطلق تجميع خيوط اللعبة السردية في الرواية عبر عدة مفاجآت: هكذا يكتشف خالد أن معشوقته (وفاء) هي ابنة صديقه القديم عبد الرحمان الذي سيجدد به علاقته مما سيفقده الجرأة على البوح بحبه لوفاء، وتكتشف سمر أن الطبيب المشرف على عملية استئصال رحم أمها هو حبيبها قيس الذي رفضته أمها خوفا من العقم، وتحاول تجديد علاقتها به بالذهاب معه إلى المنزل لكن التردد منعها من تجديد علاقتهما بعد التعرف إلى زوجته وأبنائه.

هكذا تنتهي الرواية على إيقاع الفشل في معظم العلاقات بين شخصيات الرواية: الفراق بين خالد وسمر/ وأد علاقة مروان ووفاء/ الفشل في تجديد العلاقة بين سمر وقيس/ قتل عدد من الأبطال (أم خالد، وأم سمر، إبراهيم....) أو التخلص منهم روائيا (إدخال مروان إلى مصحة الأمراض العقلية، ودفع خالد إلى الهجرة...)

في الوقت التي تغلق بعض الروايات على القارئ منافذ ولوجها، يكتشف قارئ رواية (الوجه السود للبياض) مدى تعدد مداخل مقاربة هذه الرواية لتعدد التيمات التي تعالجها (الموت، السجن والاعتقال، العقم، القهر الذي لا تربطه الرواية بالفقر أو الاحتلال/ صراع الأجيال، الزواج في المجتمعات الشرقية والذي قد يتحول من حلم إلى كابوس للأسرة جمعاء، دون نسيان مدخل المكان (رام الله (البيت) صحراء النقب حيث سجن أنصار 3/ عين مصباح/ مخيم الأمعري ... وغيرها من الأمكنة التي يحبل كل مكان فيها بدلالات قد يطول شرحها، إضافة إلى تنصيص الرواية على اختلاف الأجيال بين جيل قديم قادر مسؤول منذ الصغر(زواج مريم لمجرد ظهور نتوءتين على صدرها ) وجيل جديد عاجز عن التواصل رغم تنوع قنوات التواصل (فشل وفاء و مروان الذي تجاوز الثلاثين سنة دون أن يعرف أية علاقة جنسية كاملة ووفاء لا تعرف كيف يتم الإيقاع بالفتيات ص61) وكل تيمة من هذه التيمات وغيرها تستحق أن تكون موضوع دراسة خاصة.

.... كل شيء في الرواية يشرع للقاري مداخل قرائية واسعة بدء بالعنوان المشحون بالدلالات والإيحاءات، والذي يفرض مقاربة تقابل الألوان، ودراسة (البياض والسواد) في الرواية لما لهذين اللونين من دلالات مشحونة في الذاكرة الجمعية العربية ولما لهما من امتدادات داخل المتن المحكي، و تجليات متعددة في النص مبنية على التقابل بين الموت والحياة، اليأس والأمل: فالرواية تتفتتح وقد (استحال فستان الزواج الأبيض رمزا للموت معادلا للكفن) فكما يكفن الميت قبل غيداعه مثواه الأخير، اختارت الساردة التركيز على البياض في تحضير العروس (وفاء) هكذا جعلت كل ملابس وفاء بيضاء (الثوب الأبيض، الحذاء الأبيض يعوض قصر قامتها/ الزهور البيضاء على الشعر الأسود/ سيارةBMW الرمادية المزينة بزنابق بيضاء) ص 37 هكذا يغطي البياض كل شيء وذلك طبيعي لأن البياض يختزل كل الألوان/ ألوان الطيف بل إن (اللون الأبيض هو ما يعتمر الروس عندما تفيض بتفاصيل السنين)، هكذا يغدو البياض مخيفا وإلا لماذا تصور أفلام الرعب الأشباح بيضاء ...

ثنائية البياض والسواد حاضرة في الرواية حتى النهاية : فالرواية تنتهي على إيقاع (عاصفة ثلجية غطى بياضها أديم الأرض وجعل وفاء (تشعر أن البياض هو أفق يتراكم خلفه الموت) أما خالد فقد قرر الرحيل بعدما آثر (تغليف لأثاث المنزل بالأبيض استعدادا للرحيل مقتنعا أن البياض عندما يكتسح الأشياء يحيلها إلى فضاء بارد موحش ينبئ بنهايات لا رجعة فيها) ص 100

وعند تجلي البياض والسواد في الرواية يخرج القارئ بخلاصات مفادها أن الرواية وإن بدا من خلال العنوان تضع الأبيض والأسود كلونين ضدين وطرفي نقيض فإن المتن المحكي يجع الأبيض هو ألوان قوس القزح جماع كل الألوان، والأسود لون واحد مسيطر يمتص سائر الألوان، دون الابتعاد عما هو متداول في الثقافة الجمعية التي تجعل من هذين اللونيين رمزين لمتناقضات لا حصر لها، منا الخير / الشر، الليل/النهار، العدل/الظلم، السعادة /الحزن، الغِنى/الفقر، الحب /الكراهية، الحياة /الموت، مع تلازم اللونيين وحاجة أحدهما للآخر فلا ضوء من دون عتمة، ولا ظلّ من دون شعاع، ولا سواد مطلق بياض مطلق، ومن تم فللبياض وجه اسود. .

ليتضح أن لعبة الألوان في الرواية دراسة خاصة، خاصة إذا أراد الدارس الوقوف على كل الألوان الموظفة في الرواية سواء في الملابس (عودة الأب من الاعتقال يرتدي زيا أخضر داكن بعد عشرة أيام من وفاة والدته) (رجال حليقو الرؤوس يرتدون زيا بنياص 31 ) أو في الأثاث (بيت عرس وفاء ومروان :مقاعد بقماش مخملي عسلي اللون/ طاولة مستطيلة بنية/مطبخ بخزائن لونها أسود. آية قرآنية بلون ذهبي)... لخرجنا بدلالات ذات قيمة وإن لم تفكر فيها المؤلفة....

ومن القضايا التي تطرحها الرواية الاختلافُ بين جيل ونضال الأمس و جيل اليوم، وكيف كان أنسان الأمس مسؤولا ملتزما يقدر العواقب... وتكريس جيل اليوم لقيم اللا- مباة التي تولدت في نفسية الأبطال فجعل من خالد (زوج سمر) مستسلما؛ سيان عنده مغادرة بيت الزوجية أو البقاء تحت سقفها، سيان عنده السفر أو البقاء إلى جانب زوجته وأمه المريضة، يدرك الحب، ويتركه على الفور ... ليس لديه الجرأة على مواجهة حبه لوفاء، ولا إعلان موقفه من فراق سمر.... لكن الساردة أبقت على خيط أمل ما دامت اختار في آخر مشهر بالرواية خروج الشباب الفلسطيني تضامنا شهداء غزة، وإعلان الساردة/ الكاتبة لموقفها من خلال تصوير (صفوف الغاضبين الذي قدموا إلى هنا إنما جاؤوا من أجل غزة وليس لاسترجاع ذواتهم الضائعة) ص 104 ساعية إلى تأكيد أن لا تراجع للقضية لفائدة المصالح الذاتية الشخصية الضيقة.

في الرواية نقط مضيئة كثيرة منها ندرة الأخطاء و سلامة وشعرية اللغة، إضافة إلى تقديم النساء رمز للكبرياء، بشخصيات قوية مترفعة غن الدناءة والانحطاط، جمعهن يحترمن خصوصيات من يتعامل معهن حتى ولو كان ابنا فالسيدة نجوى لا تتجرأ على أن تسأل ابنها خالد عن سبب زياراته لها و حتى على ما يؤرقه تقول الساردة: (تتنهد مودعة ابنها آملة أن يشفى من همه الذي ظلت تجهل أسبابه) 45... ناهيك عن قيام تطور الأحداث في الرواية على المفاجأة (طريقة التقاء خالد بصديقه ع. الرحمان/ طريقة التقاء سمر بقيس في المستشفى، اكتشاف خالد أن وفاء ابنة صديقة... التقاء عائلتي العريس والعروس في المشفى (كان من المفترض أن تكون لحظة فرح العريس مطلوب للشرطة، العروس في غيبوبة لا أحد يعلم هل تستفيق منها ) 72...

يستنتج إذن من خلال هذه المقاربة السريعة لرواية (الوجه الأسود للبياض) كمحاولة أولى للكاتبة، أن الروائية تستحق التنويه تشجيعيا لها لمواصلة العطاءـ ونرحب بها قلما نسائيا ينضاف لما تخطه نون النسوة روائيا، لكن ذلك لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات عساها تساهم في تنوير طريق الكاتبة، من ذلك كون بعض المشاهد في حاجة لتدخل الساردة للتوضيح : ففي الصفحات 54 ...57 سمر وخالد في عرس تصارحه باكتشاف خيانته له، وينتهي المشهد وهي تعود من المطبخ تحمل حاسوبها وتضع بجانه على السرير... وكان المشهد يتطلب إشارة إلى أن البطلين غيرا مكانهما...

وفي الصفحة 67 نجد مروان يقول لنوفل إنه لا يغرب (في العودة للبيت ما أثار غضب هذا الأخير الذي حاول كبثه حين فاجأه هاتف من الشرطة يستدعيه لكفالة قريبه) والقريب المقصود هنا هو مروان طبعا لينتهي المشهد بهما وهما يذهبان للبيت لتقصي وضع وفاء... دون أن يعرف القارئ كيف اختفى مروان وعوض بمنال التي ظهرت في السيارة تضع رأس أختها على فخذها...

إضافة إلى ذلك يشعر القارئ بوجود تداخل بين الساردة، الكاتبة والبطلتين وفاء وسمر عندما يطرح سؤال من يحكي الحكاية في رواية (الوجه الأسود للبياض) وقد تدرك الساردة ذلك التداخل فتستعين بضمير المتكلم الجمع نحن وأحيانا يحضر (ضمير ال نحن ص 87 ) ولنستمع للساردة كيف تتكلم بضمير ال (نحن) (ربما لفكرة العشق اللا متناهي أن تجعلنا نرزح تحت وطأتها فنحيل بدورنا مع مرور الوقت ألم الفقدان إلى عذوبة نستشعرها كلما سمحنا لذكرى ما بالصحو من غفوتها داخل عقولنا او كلما سمعنا...) ص87

وللقارئ الحق في التساؤل عمن يكون هذا ال(نحن) وما سبب حضوره في رواية تحكى بضمير الغائب في سرد موضوعي صادر عن سارد عارف كل شيء عن أبطاله، متحكم في رقابهم يبعد من يشاء ويقتل من يشاء، وكيف حول السرد في هكذا مقاطع إلى سرد ذاتي السارد فيه راو وموضوع رواية، وأحد شخصيات النص معرفته ينبغي أن تكون مساوية لمعرفة الشخصيات في تجسيد للرؤية المصاحبة (الرؤية مع) ...

هذا وقد يشعر القارئ بتداخل في بعض المشاهد : كالتداخل بين حفل زواج وفاء وحفل زواج سماح مساعدة خالد في العيادة، وتداخل في المرض بين مرض أم خالد ومرض أم سمر مع وجود وفاء في المستشفى ففي عدد من المشاهد يكون القارئ مع وفاء الغائبة عن الوعي في المستشفى ليجد نفسه واقفا يتابع الأم على السرير يسهر عليها الطبيب، أو وخالد يستعد للتبرع بدمه لأم سمر وصورة وفاء أمامه ...

إن رواية (الوجه الأسود للبياض) كعدد كبير من الروايات العربية بنون النسوة (طالع كتابي (أزمة الجنس في الرواية العربية بنون النسوة) تتراجع في القضايا القومية والوطنية لحساب القضايا الذاتية والفردية،وتنقل الصراع من الواقع إلى أعماق الذات،جاعلة أهم انكسار أو انتصار هو ما تحقق على الذات، مع رصد مظاهر من التوتر في علاقة الرجل بالمرأة لتكشف عن أزمة حقيقية في علاقتهما الحميمية، وعن اضطرار المرأة والرجل العربي إلى الارتباط بغير الحبيب والعشيق ومن يهواه القلب، هكذا ارتبطت سمر بخالد وهي تحب قيس، ومروان يتزوج وفاء وهو مقتنع أنها لم تكن يوما فتاة أحلامه، ولم يقبل بها زوجة إلا ليعوض الفراغ الساكن في الأعماق جراء حبيبته التي تركته دون إنذار سابق، كما أن وفاء قبلت بمروان عريسا- وتجاهلته ليلة دخلتها، نامت وكأس الشاي بيدها دون أدنى أشارة من الساردة إلى أن وفاء قبلت الزواج به رغما عنها- وقلبها لا زال يهفو إلى حبيبها الشهيد

وطبيعي أن تكون نتائج هذه المنطلقات مأساوية، وأن ينقلب الزفاف إلى ما يشبه المأتم، وأن ينتهي العرس بعريس في السجن، وعروس في وضعية صحية حرجة بالمستشفى،

تلك إذن بعض الملاحظات الأولية على رواية قد يجدها القارئ البسيط عصية على التصنيف، لتداخل أحداثها، تعدد شخصياتها، سرعة الانتقال بين الفضاءات التي تتمسرح فيها الأحداث مع التمرد على السرد الخطي الذي تتطور فيه الأحداث وفق خط تصاعدي، فهي رواية مركبة تتناوب فيها الساردة على الانتقال بين قصة (خالد /سمر) وقصة (وفاء/مروان ) في مكانين مختلفين من رام الله، مع توظيف بعض الإرجاعيات ( FLASH-BACK) تعود بالسرد القهقرى لأحداث ماضية .

 

ذ. الكبير الداديسي

 

عدنان حسين احمدصدرت عن "دار مِداد" بدبي رواية "أنثى غجرية" للكاتب والروائي العراقي رسول محمد رسول، وهي الرواية الثانية في رصيده السردي بعد سلسلة من الكتب الفكرية والنقدية التي أصدرها منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي وحتى الآن. وبما أن رسول مشتغل في الحقل الفلسفي فلاغرابة أن يتسرب بعض المصطلحات الفكرية إلى نصه السردي مثل النسوية، والأنثوية، والوطن البيولوجي وما إلى ذلك من أفكار فلسفية مركبّة نتقبّلها لأنها ترتدي حُلّة أدبية قشيبة.

تُعيدنا هذه الرواية إلى إشكالية "موت المؤلف" التي أثارها الناقد الفرنسي رولان بارت عام 1968 حين نفى أن يكون النص الأدبي صادرًا عن المؤلف وإنما هو إعادة إنتاج لنصوص سابقة، ويكفي أن نقتبس جزءًا من المدخل الاستهلالي لأسماء يوسُف، الشخصية الرئيسة في الرواية وهي تقول بثقة كبيرة: "أيها الراوي: توقّف عن الكلام، قل للروائيين أن يرحلوا بعيدًا عنيّ؛ ليرحلوا حتى عن غيري، قل لهم، وقبل إشهار موتهم، أن يبحثوا عن حرفة أخرى. . قل لهم بأنّ أسماء يوسُف أصبحت روايتها".وعلى الرغم من اختلافنا الجذري مع هذه الفكرة القديمة إلاّ أننا نجد أنفسنا مضطرين للتعاطي معها ضمن سياق اللعبة السردية للمبنى الروائي الذي انحسر فيه دور الراوي العليم وأسند مهمته إلى أسماء يوسُف، بطلة النص بلا منازع، كما سمح، في الوقت ذاته، إلى شخصية روائي كويتي أهدى روايته الجديدة إليها لأن يتقصى أحداث الرواية التي بدأت تكتبها أسماء بوصفها بطلة النص، وراويته، وثيمته التي تتمحور على سيرتها الذاتية المُفجعة بعد أن فقدت الأهل والأصدقاء لتجد نفسها في أوطان بديلة مثل الأردن والمغرب والإمارات قبل أن تحزم حقائبها لتستقر في باريس، حلمها الوردي الذي كان يغازلها منذ سنوات دراستها الجامعية.

تترجّح أحداث الرواية بين زمنين، هما المضارع المستمر، والماضي المُستعاد ذهنيًا، وثمة فسحة بسيطة للتأمل المستقبلي الذي تتسلل إليه عبر أحلام اليقظة الخاطفة. لا يتأخر الراوي العليم في إحاطتنا عِلمًا بأن أسماء مُعاقة، وأن ذراعها اليمنى مشلولة الحركة، ولهذا فهي تراجع عيادة الأعصاب عسى أن تتغلب على هذه الإعادقة الوِلادية. لم تكن أسماء مجرد مُترجِمة من اللغة الفرنسية إلى العربية، وإنما قارئة للأدب بشكل عام، وقد حفّزتها قراءة كتب رولان بارت والشاعرة المغربية فاتحة مُرشيد على الكتابة شرط "ابتكار الذكريات" بطريقتها الخاصة، فالمرأة بحسب بارت "هي التي تعطي شكلاً للغياب، وهي التي تُتقن روايته" خصوصًا عندما تكتب عن وجودها كشخصية من ذوي الاحتياجات الخاصة لكنها تقول:"سأتحداك يا عجزي، أنا ابنة التضحيات، ابنة المعجزات، سأفعل ذلك رغم ضعفي". يشتمل المتن السردي للرواية على لقائين، الأول لقناة تلفازية أوروبية حديثة تُعنى بالنسوية والمرأة في في حوض المتوسط، والثاني لمجلة "زهرة" أجرته الصحفية ماري الآغا، والمشاركة الثالثة لها هي مقال بعنوان "من النسوية إلى الأنثوية" لمجلة "ذوات" الإليكترونية بطلب من رئيسة التحرير سعيدة شريف، إضافة إلى مُحاضرة عن " تجربتها في العوّق" لمؤسسة تُعنى بذوي الإعاقة والعاهات الخِلْقِيّة.

تكشف المقابلة التلفازية التي أجراها الصحفي الفرنسي روني آلن عن أبرز محاور السيرة الذاتية لأسماء يوسف منذ ولادتها وحتى الوقت الراهن الذي تتهيأ فيه للسفر إلى باريس والعمل بصفة باحثة لمصلحة القناة التلفازية التي أجرت معها الحوار وأُعجبت به أيما إعجاب، وكان ذريعة تقنية لاسترجاع الماضي منذ ولادتها التي اقترنت بموت الأم البيولوجية نعيمة شمعون نتيجة التلوّث الشامل الذي اجتاح مدينة البصرة إثر اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية وشيوع الولادات المشوّهة جسميًا وعقليًا. وفي السياق ذاته نتعرف على مُرضعتها وأمها الفيزيائية "طاهرة" التي علّمتها كيف تقف على قدمين ناعمتين وتمسك الأشياء بأصابع كفها اليسرى، أما "ميري شمعون" فهي الأم الثقافية التي كانت تحثها على الاندماج في المجتمع والتفاعل معه كإنسانة غير مُعاقة، لكنها ستفقد الأم الثانية، وتُفجَع بموت أبيها الغامض الذي أُقتيد لمعالجة جرحى الجيش العراقي المهزوم الذي انسحب من الكويت عام 1991 ودفنوه في مكان مجهول على مقربة من الحدود الكويتية. وحينما تموت أمها الثقافية تلوذ بعائلة صديقتها الجامعية زينب التي لم تتخلَ عنها حتى في أثناء سفرها إلى الأردن حيث رافقها الحاج مُراد إلى عمّان وعاد بعد أسبوع ليتركها منهمكة في السفر إلى المغرب، إذ تعرّفت على "آسيا" التي تعمل في السفارة المغربية بعمّان وأعطتها عنوان شقيقتها "جميلة" التي تعمل في ملهى ليلي وسوف تبذل هذه الأخيرة قصارى جهدها لتجد لها مُهرِّبًا يوصلها إلى الشواطئ الأسبانية لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن حيث يغتصبها المهرِّب في عرض البحر لكنها تدفعه من الزورق وتضربه بالمجذاف ثلاث ضربات قوية على رأسه فيغوص في القاع بينما تأخذها الأمواج المتلاطمة إلى الشاطئ حيث تحرق الزورق وتعود إلى صديقها "جميلة" التي تعرِّفها إلى "منال" القادمة من "أبو ظبي" وسوف تجد لها هذه الأخيرة عملاً في مكتب للترجمة يضمن لها تأمين متطلبات السكن والعيش الكريم في بلد عربي مزدهر.

يُعدّ العنوان مفتاحًا للنص الروائي وفي هذه المقابلة نتعرف على الفرق الكبير بين الأنثى والمرأة، فالأولى لها رؤية ثقافية وحضارية ووجودية للحياة بينما تفتقر الثانية إلى هذه الرؤية. أما الغجرية فهي بعيدة تمامًا عن المعنى السلبي الراسخ في الذاكرة الجمعية للناس، وقد انتقى منها المؤلف مفهوم التنقل والترحال من الوطن البيولوجي إلى الأوطان البديلة، ولهذا تقول الراوية وبطلة النص:" يصح أن تصفني بأنني أنثى بدوية أو غجرية لكوني في ارتحال مُستمر كغيري من إناث هذا الذي نسمّيه وطنًا محليًا عربيًا". وقد حاول المؤلف رسول محمد رسول تعميم هذه الظاهرة المحلية التي تخص العراق إلى ظاهرة عربية تخص الشام وبلدان المغرب العربي إذا ما استثنينا البلدان الخليجية المرفّهة.

يمكن اعتبار "أنثى غجرية" رواية ثقافية بامتياز، تقوم على التسامح بين الأديان، فلا فرق بين مسلم ومسيحي ويهودي، ويكفي أن أسماء يوسُف المسيحية قد لاذت بعائلة مسلمة وعاشت مع صديقتها زينب حتى تخرجت من الجامعة، وشاءت الظروف أن تلجأ إلى جميلة أزولاي التي تبيّن أنها يهودية وتحب أغاني سليمة مراد، وسوف تحتضنها منال الأمازيغية لتجد لها عملاً في مكتب للترجمة في أبو ظبي وتحقق من خلاله الشهرة وبعض العلاقات الاجتماعية التي تخفِّف عنها وطأة الشعور بالوحدة بعد موت أبيها. ولأنها تعمّدت إماتة المؤلف والرواة فقد أخذت على عاتقها كتابة الرواية من خلال الرسائل الموجهة لأبيها وأمهاتها الثلاث، البيولوجية والفيزيائية والثقافية من دون أن نهمل تخيلاتها، وشطحاتها، وأحلام يقظتها التي قالت فيها كل شيء تقريبًا.

تضجّ الرواية بالعديد من الأسماء الحقيقية مثل الصحفية نزهة صادق، والشاعرة فاتحة مُرشيد، والإعلامية سعيدة شريف من المغرب، والشاعرة هدى الدغاري من تونس، والروائية لطفية الدليمي من العراق، وميس خالد العُثمان من الكويت. كما أورد أسماء كاتبات عربيات كتبنَ نصوصًا مهمة طرقت أبواب الأنوثة كقيمة خاصة لدى المرأة مثل روايات سلوى نعيمي، وفضيلة الفاروق، وسهام بوهلال، إضافة إلى نصوص فاطمة المرنيسي، وإيمان المُرابط، ونوال جبالي وسواهن من الروائيات اللواتي يمجدن الأنوثة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

رحمن خضير عباسعن دار فضاءات للطباعة والنشر . صدرت رواية (العين الثالثة) للكاتبة العراقية صبا مطر. وقد تكون هذه الرواية من أولى تجاربها في هذا المجال . ولكن الكاتبة، أكدت قدرتها السردية، وقابليتها على إختزان الاحداث والوقائع، ومن ثم سفحها على بساط السرد الفني، لتجعل من هذا العمل جدارا فنيًّا أو لوحة لتدوين الوجع العراقي في أحلك ظروفه التأريخية.

لقد ساهمت صبا مطر بروايتها هذه، بكتابة بعض أحزان أرض السواد، من وجهة نظر الطفولة المستباحة والمحرومة، والتي وجدت نفسها في بلد يجتر الحروب المتتالية، التي ما إن تنتهي حرب حتى تبدأ أخرى.وما أن يتنفس الناس الصعداء من محنة حتى تأتي محنة أحلك منها . في هذا الوطن الذي يعيد إنتاج أحزانه وعذاباته، وكأنه لايكتفي بتخزينه الموروث من المآسي، حتى يُضيف اليه كوارث أخرى، تستدعي أشد وسائل الحداد والبكاء.

صبا مطر الضحية والشاهدة، والتي عايشت أهم مفاصل الحزن والدمار والقتل والحصار. تتأمل كل ذلك من شرفة المهجر. من خلال عينها الثالثة والتي تعبّر عنها بقولها :

" كانت لي عينٌ سريةٌ، أرى العالم بصورة مختلفة عن الصورة التي يراها الآخرون "

فماهي هذه العين ؟

إنها التأمل للماضي بأحداثه وصوره المتسارعة من خلال شرفة اللحظة الراهنة. تأمل الطفولة المعذبة والبريئة من خلال سكون الحاضر . إنها نقل حي لأحداث هائلة وأزمات خانقة، جرت على العراقيين دون أن يشعر العالم بألمهم إنها المِحنة العراقية المنسيّة،بأزماتها الطاحنة وإنفراجاتها الموّقتة، ببشرها من الضحايا والجلادين .سواءً الذين ساهموا في تدمير البيت العراقي أو الذين حاولوا ترميمه.

الاطفال الايتام والفقراء، طلاب المدارس والجنود، المقهورون من البشر، والذين وجدو أنفسهم تحت ظلم نظام لايعرف الشفقة.

العين الثالثة : هي العين التي أرادت إعادة التوازن للأشياء والاحداث. والتي حكمت عليها بما تستحق. إنها عين إنسانية . تحاول ان لاتكتفي بالدموع، وانما تنقل الى العالم أسبابها والمسببين فيها.

لقد كانت الرواية مخاضا هائلا، تنهمر أحداثه الحقيقية لكي تصفع الضمير الانساني. ولكي تسجل بشكل فني جميل ومؤلم. مالذي حدث فعلا، ولماذا، ومن هم الذين ساهموا فيه ؟

لذا أتت روايتها، كشهادة حية تُدين قيم هذ العصر وإختلال معاييره   . هذا العصر الذي ينتصر للقوة. ولا يقيمُ وزنا للآلام الانسانية، والتي سجلتها الكاتبة بدقة وتأنٍ. . وكأنها تقوم بعملية تسجيل لذكريات الطفولة والشباب، للبشر الذين وجدوا أنفسهم في براثن القسوة والحرب، وترعرعوا على شظايا الموت وهي تمزق الاجساد المستباحة، والتي لاتمتلك من وسائل الدفاع سوى ضعفها على المواجهة المحتدمة، أمام آلهة الموت والحرب. في معارك عبثية لاناقة لهم فيها ولا جمل .

تبدأ الرواية لتؤسس مُناخا للطفولة البريئة، التي لايهمها سوى اللعب البريء. والدفء الانساني بين جدران البيوت الآمنة. وفجأة يبدأ الموت على هيئة حرب. تستعر هذه الحرب دونما توقف. وكأن الذي أشعلها قد نسي إخمادها. وتظل تأكل الحياة والانسان والمشاعر، في ظل طبول وأهازيج وأغاني وكلمات وصور تحاول أن تجعل منها شعارات جديدا للحياة.

هذا ما صوّرته الكاتبة عن حرب الثمان سنوات بعين طفلة في المدرسة. ولكن هذه الطفلة تكبر وتحيطها متاريس الحرب من خلال إعلام الدولة، الذي جنّد كل شيء من أجل معارك عبثية . ومن أجل تمجيد القائد.

الأغاني والقصائد الشعرية ووسائل الاعلام المسموعة والمرئية والمناهج المدرسية. وكل مفاصل الحياة. لقد نقلتها الكاتبة بتفاصيلها وجزئياتها ومناحي تطورها. لقد نقلت لنا صليل الحرب وإنعكاساتها على العراقيين . وكيف أنّ الدولة قد عسكرت كل منافذ الحياة . وأصبحت الحرب وحدها، هي القضية التي يعلو صوتها على كل المشاعر والدفء الحياتي، الذي يُفتَرض أنْ يسري بين الناس.

لقد إستطاعت الكاتبة أن تنقل لنا الوجه الآخر للحرب. وهو وجه متعرٍ من مساحيق التهويل والتطبيل الذي نجده في التلفزيون الوحيد الذي يمثل الاعلام الرسمي للسلطة. حيث يعيش الناس في ظلمة المعلومة الضائعة. وذلك من خلال راديو والدها الذي أطلقوا عليه (الهدهد) لانه يأتي ببعض أخبار صحيحة خارج إطار إعلام النظام.

تتحدث الرواية في لقطات سريعة أو متأنية عن شرائح اجتماعية، تعاني مرارة الحاجة والقحط. وذلك من خلال وجه الطفلة التي تأتي لاستجداء مايسد الرمق . من خلال أطفال الشوارع. من خلال الارامل والشهداء. قصة العروس التي كانت تحلم بهذا اليوم، ولكن صاروخا طائشا. اقتحم بيتها وعرسها وتركها مجرد أشلاء مضرجة بالدم.

كانت الكاتبة تتحدث بحماس عن محنة الجغرافية التي تحيط بالوطن. وكأنها تحلم بتغييرها. عن زيارتها للمستشفى وعثورها على قدم جندي مازال راقدا في سرير الانعاش ينظر اليها برعب من خلال زجاج غرفته . تتحدث عن نُصْب الشهيد والذي يزدحم بخوذ الحرب التي كانت تحتضن البشر المتناحرين. ويزدحم بأسماء الجنود المجهولين الذين ماتوا بصمت.

وحينما تنتهي الحرب الايرانية العراقية تنقل الكاتبة لوحة فنية للفرحة التي إنعكست على المشاعر العامة. ان النصر الحقيقي ليس التفوق على العدو وإرغامه على القبول بالسلام. بل ان النصرهو الخلاص من الحرب ذاتها .

ثم تنتقل الرواية الى الحرب الاخرى التي دمرت ماتبقى من النسيج الاجتماعي وأرهقه. انها حرب استنزاف حقيقية لكل النبض الانساني لبلد لايمتلك القدرة على تغيير القرار. ورغم أن الكاتبة أصرت على أن تجعل الاحداث من زاويتها الشخصية. مما جعل الخط البياني لسير الاحداث في إتجاه واحد. وهو إتجاه التجربة الذاتية. حتى يصل القارئ الى يقين أن الكاتبة. تقوم بعملية إستحضار أحداث الماضي من خلال الذاكرة وكأنها منهمكة في كتابة مذكراتها.

لذا جاءت الاحداث أكثر حرارة من حيث مطابقتها للوقائع. فقد جاءت الرواية على هيئة (سكيتشات ولقطات سريعة).

حيث أغارت ثلاث وثلاثون دولة على البلد، وها هي صواريخها تتشظى في سماء المدن العراقية. ولكن الاطفال يخرجون الى الشوارع وهم يتابعون إتجاهاتها وكأنها ألعاب نارية.

صورة محمد الشاب الذي يزعم عدم الخوف إزاء أزيز الطائرات وصوت الإنفجارات، ولكنه حينما يخلو لنفسه يبكي من الذعر.

قصص حب صغيرة تنشأ بين الشباب لتبدد وحشة الدمار، الانسجام بين الضحايا ومحاولة إشاعة الحب بينهم كمواجهة لحقد الحرب. الشهامة وتحدي الموت كموقف ابو خليل الذي يتحدى الخطر ليذهب الى بغداد كي يجلب له ولجيرانه بعض المواد الغذائية . الاستاذ الجامعي الذي التهمت الحرب مكتبته العامرة بالكتب وآلة البيانو الذي كان يعزف به لمواجهة الخوف .

ضحايا ملجأ العامرية، حيث الصواريخ التي حفرت أعماق الكونكريت لتحرق مجموعة كبيرة من الاطفال والنساء،والذين ماتوا إحتراقا في أسوأ جريمة إنسانية يرتكبها الأمريكيون في زمن بوش الأب.

الغيوم السوداء الذي تغطي سماء العراق. ويكتشف الناس من خلال راديو الأب. إنها نتيجة حرق آبار نفط الكويت.

طريق الموت والمجزرة. وقصة وهاب الذي تخلص من الموت. وكادت الصحراء ان تلتهمه. ولكنه عاد الى إمه بمعجزة.

آلام الأمهات على غياب إبنائهن. سلام الذي رأى بأم عينية كيف إستطاع النظام ان يدفن أسراه وهم أحياء في حفر عملاقة والصراخ الذي كان ينبعث منهم وهم يبحثون عن الهواء.

سياسة التجويع من خلال حصار العالم للعراق والذي إستمر سنين طويلة. وكيف أن الناس باعوا كتبهم وشبابيك غرفهم وأسرة أطفالهم. وتنقلنا الكاتبة الى قاع الحياة في ظل الحصار، من خلال عشرات الحكايات المنتزعة من الواقع . ذلك الحصار الذي أدّى الى تغيير التركيبة السلوكية للفرد العراقي، والذي وجد نفسه أعزلا مابين مطرقة نظام بشع وقاس. وبين سندان إرادة دولية لم ترحم إستغاثاته.

لقد تحدثت الكاتبة عن الصدفة قائلة :

" الصدفة هي خيط الحرير الناعم، وحبل المشنقة المخيف"

وترى ان الصدفة التي جعلت من صدام حسين قائدا. هي حبل المشنقة الذي تدلى على وريد العراق لسنين طويلة. وأعتقد ان الكاتبة كانت محقة في لوم الصدفة. لان الكاتب أريك دور تشميد قد أكّد ذلك في كتابه المعروف (دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التأريخ) والذي يؤكد فيه " كم من جيوش جرارة هُزمت بسبب غباء وعدم كفاءة قادتها، فالحرب ليست مجدا عسكريا وانما رحى الموت".

في فصل الرواية الاخير. تتأمل الكاتبة حالة المهجر بكل متع العيش ووفرته وطبيعة العلاقات السوية وذات المضامين الانسانية بكل نبلها وطيبتها وإنسانيتها. وتقارنها بالأوضاع الشاذة التي تركتها في الوطن.

هذا الوطن الذي تعرض الى غزو أمريكي أطاح بالدكتاتورية . فخلق حالة من الفراغ والفوضى وشريعة الغاب. هذا ماتقصه على القارئ، من خلال صديقتها وجارتها سناء التي عادت الى الوطن . لكنها وجدته ينزف رعبا ودما وفوضى عارمة. وكادت سناء إن تكون ضحية لانفجار هائل هز بغداد. ولكنها نجت بأعجوبة.

وهكذا تتحول العين الثالثة من الكاتبة الى شخصية سناء. ومن خلال رؤيتها للإحداث.

ورغم الصدق في سير أحداث الرواية. من خلال شخوص حقيقين عاشوا وماتوا ومن خلال الامكنة والأزمنة والاحداث. ولكنها تبتعد عن طبيعة السرد الروائي بمعناه ومبناه الفني. فالرواية ليست هي تراكمات لقصص وأحداث. وانما هي عملية بناء مواز للحدث. يعتمد على (خامته) وينأى عن تفاصيله وضروراته. العمل الروائي تقنية تتجاوز الحدث الواقعي، وتقوم بحياكته من جديد. وفق صيغة روائية معيّنة، لها عوالمها التي تعكس الواقع أحيانا وتغايره أحيانا اخرى.

ومع إختزان الكاتبة لسيل هائل من الحكايات والقصص والروايات المتداخلة. ولكن هذا الحشد الكبير الذي تم سرده والشخوص الذين ظهروا بين الاحداث يمكن أن يروي لنا مذكرات لإحدى ضحايا القهر. ولكنه في نفس الوقت لايقدم لنا رواية متماسكة من الناحية الفنية.   وذلك لان الاحداث قد ظهرت أقرب الى التدوين الصحفي منه الى السرد الفني.

ومع ذلك فان (العين الثالثة) للكاتبة صبا مطر. قد جعلتنا مسمرين على وهج الاحداث والعذابات والضحايا والجوع والدمار واليأس والضعف والقوة والتحدي. انها ملحمة عراقية تتحدث عن روح الصمود والتحدي لدى الشخصية العراقية المتمثّلة (بالعائلة) التي تحتمي بجدران لاتستطيع حمايتها وهي تواجه عالم القسوة من العدو الخارجي والعدو الداخلي.

وكأن صبا مطر تتهجى الالم فتركت الامور تنهمر بصدق. لتحكي التفاصيل الكبيرة والصغيرة.أما اللغة فكانت جميلة وشفافة تقترب من الهمس الشعري إحيانا، تجعل القارئ متمتعا بها رغم حزن وقسوة الاحداث.

لقد كانت أحداث رواية (العين الثالثة) شهادة متكاملة عن عصر سافل، لم يكترث للدموع التي تحجرت من الحزن .

لقد كانت الرواية شهادة حيّة على الجريمة.

 

رحمن خضير عباس

 

مادونا عسكرالدّاخل أرحـب

سقطتُّ في السّماء

كنت أعرجُ في أرض

بلا نافذة..

هناك على الحافّة..

أصرخُ لا يَسمعني أحد

..

أمشي ببطء كعادتي

أطلق بسملتي على البّاب

لكنّي لا أفتحه ..

..

الفكرة تقسو على العتبة

الإنصات لما تقوله الاشياء

يُكلّفني كثيراً..

..

أين الأرض..؟

الفسيلة كادت تذوي

في يدي..

لا أعرف أين أنا

غير أنّي أتّجه إلى هناك

العثراتُ أقسى

من أشواك الطّريق

**

أجثمُ في نفسي بصمت

لا محراب إلاّ في القاع الجليل

الّذي يغمرني ببياضه..

..

الدّاخل أرحب

الهذيان الذي أَغْرَقَنِي

في حكمته..

مَدَدْتُ في رحابه سجّادي

..

ما ثمّة آفاق موصدة..

وراء الغيم مباشرة

تتشرّع النّوافذ..

- القراءة:

في درجة متقدّمة من الاستنارة الشّعريّة، يرتدّ الشّاعر التّونسيّ يوسف الهمّامي إلى الدّاخل معلناً حقيقة أدركها بالفعل (الدّاخل أرحب) وكأنّي به يلج عمق المعنى القائل "وتحسب أنّك جـِرمٌ صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر". لقد دخل الشّاعر عمق هذه الحقيقة الّتي يحياها ومن خلالها يعيد قراءة ذاته ومحيطه واختباراته. ولعلّه يخطّ سيرة ذاتيّة من نوع خاصّ تنطلق من خارج إلى داخل، لا لتبيّن لنا انتقال الشّاعر من خارجه إلى داخله وإنّما يروي من خلالها يوسف الهمامي مسيرته نحو الاستنارة الفكريّة والرّوحيّة.

(الدّاخل أرحب) العنوان الحقيقة المستحوذ على الشّاعر الإنسان بمعنى أنّ الشّاعر وصل إلى رتبة خاصّة في الشّعر مكّنته من ولوج العالم الدّاخليّ الّذي عاشه بالقوّة واليوم يحياه بالفعل. الدّاخل أرحب ممّاذا؟ من الأرض أم من الكون أم من الشّاعر نفسه. ولعلّنا أمام المدخل إلى القصيدة (سقطتُ في السّماء) نتيقّن أنّ الشّاعر يعيد قراءة تاريخه على ضوء حضوره في لحظة نشوة شعريّة سماويّة فصلته عن كونه، فحلّق عالياً ثمّ سقط في المكان المعدّ لهذه الاستنارة. ويشير الفعل (سقطت) إلى ارتقاء سابق جعله في الأصل فوق العالم. فهو لم يستخدم لفظ (صعدت إلى السّماء) أو (رأيت السّماء) بل يتحدّث عن فعل سقوط في السّماء. وكأنّي به يشير إلى أنّ الدّاخل الأرحب هو السّماء. فيفهم القارئ أنّ السّماء حاضرة في كينونة الشّاعر وسقط فيها كفعل ارتحال نهائيّ وانفصال نهائيّ عن الأرض.

لم يكن الشّاعر غافلاً عن الحقيقة ولا يعرّف القارئ على حقيقة اكتشفها، وإنّما يعرّفه على القرار بولوجها. وهو يعي جيّداً أنّه كان على مشارفها فوضعنا أمام مشهدين. المشهد الأوّل السّماء الحاضرة فيه (سقطّت في السّماء) الدّالّة على التّحرّر من كلّ شيء، والمشهد الثّاني الخطوة المتعثّرة بضعف الإنسان الّذي لم يتحرّر بعد، ما يشعره أنّه مقيّد بذاته (كنت أعرجُ في أرض بلا نافذة.. ). النّافذة المفقودة في الأرض دلالة على الانغلاق الكلّيّ. ومن جهة الشّاعر هي دلالة على صعوبة العيش في منطق هذا العالم (كنت أعرج). وتكمل المعنى عبارة (أمشي ببطء كعادتي ) تدلّ على سعي دؤوب للشّاعر ولكنّه سعي تنقصه الاستنارة ليعاين الحقيقة (أطلق بسملتي على البّاب / لكنّي لا أفتحه ..).

الشّاعر أمام الحقيقة الثّابتة، يعاينها يتّصل بها بالرّجاء (أطلق بسملتي) لكنّه لا يلجها ليس لأنّه متردّد وإنّما لأنّ الوقت لم يحن بعد. الارتداد إلى الدّاخل أمر شديد الصّعوبة، ويتطلّب الكثير من التّأمّل والإصغاء إلى الصّوت العميق في قلب الإنسان. الشّاعر على عتبة الحقيقة يصغي بتمعّن إلى صوتها على الرّغم من كلّ الصّعوبات الّتي تواجهه نتيحة هذا الإصغاء الدّقيق. فالشّاعر يرى ويسمع ويعاين لكنّه محاط بأرض بلا نافذة. أي أنّه مقيّد بشكل أو بآخر بوجوده في هذا العالم. هو يحيا من جهة في السّجن الكبير/ الكون ويحيا من جهة أخرى الحرّيّة الدّاحلية/ السّماء. وهنا تتجلّى الغربة الّتي تشكّل ذروة الألم.

(الإنصات لما تقوله الاشياء/ يُكلّفني كثيراً)/ (لا أعرف أين أنا/ غير أنّي أتّجه إلى هناك) إشارات إلى وعي الشّاعر الكامل بداخله الأرحب، لكنْ لا بدّ من السّعي لاستحقاق هذا الدّاخل. كما أنّه لا بدّ من قرار يُتّخذ في اعتناق هذا الدّاخل والمكوث فيه والتّحرّر من خلاله بمعزل عن المحيط.

أجثمُ في نفسي بصمت

لا محراب إلاّ في القاع الجليل

الّذي يغمرني ببياضه..

يجثم الشّاعر في السّماء حيث سقط فنفسه هي المكان الحقيقيّ الّذي يلتقي به بالحقيقة، بالسّماء، بالله. في نفسه، في عمق العمق، حيث لا حس ولا سمع ولا بصر يسكن الصّوت الإلهيّ الّذي يغمر الشّاعر ويطهّره ويحرّره ويكتبه. في هذا العمق الجليل يتحاور الشّاعر مع محبوبه الإلهيّ معتبراً هذا العمق هو المكان الأرحب المهيّأ للصّلاة (الدّاخل أرحب / الهذيان الذي أَغْرَقَنِي / في حكمته.. / مَدَدْتُ في رحابه سجّادي).

وإذا ما جثا الشّاعر في سمائه اتّحد بالصّوت والكلمة وتحرّر وبلغ الحقيقة (ما ثمّة آفاق موصدة)، بل انغمس فيها واغتسل بمائها (وراء الغيم مباشرة / تتشرّع النّوافذ..). الغيم الدّال على فيض الماء وانسكابه يشير إلى لحظة خاصّة وربّما دامعة انقشعت بعدها الحقيقة ولعلّه في هذه اللّحظة المقدّسة أطلق بسملته على البّاب وفتحه.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

70 محمد بن جماعةمقدّمة لديوان "بلّوريات" للشّاعر التّونسي محمد بن جماعة

"بلّوريات"، الدّيوان الجامع لرؤى الشّاعر محمد بن جماعة. السّهل الممتنع المتأرجح بين الواقعيّة والسّرياليّة. المتمازج بالجسد والرّوح ليعبّر عن كينونة الشّاعر وكنه العلاقة بينه وبين ذاته ومحيطه، والعلاقة بين إنسانيّته وشاعريّته. تستفزّ الفلسفة الخاصّة بالشّاعر المتقطّرة من كلّ نصّ عقل القارئ ومشاعره، فعليه وهو يطالع هذا الدّيوان، أن ينسى كلّ ما اختزنه من ثقافة وينغمس مع الشّاعر في حياته الدّاخليّة. فيجول معه في عالمه الخاص الّذي ابتناه، فتجلّى ديواناً أقرب إلى السّرياليّة. مع العلم أنّ الشّاعر يعبّر عن واقع يستخدم به صوراً ماديّة طامحاً إلى أبعاد أخرى تتخطّى اللّغة والإنسان والشّاعر.

"سأبحث عن ألفاظ أخرى

ما بعد اللّغة،

لي حدسٌ أنّي سألمسها ذات يومٍ

لغتي الجديدة ستضيءُ رخامَ معناك

ولي عبارات سأنحتها لكِ لأصل..

يا امرأة !.."

لعلّ هذا النّص هو اليد الجامعة لكلّ النّصوص. يكشف فيه محمد بن جماعة عن تخطّيه الفعليّ للّغة وعبوره إلى القارئ من خلال الحدس. فيكتب به الجمال ليتجلّى كلّ نصّ بلّوريّة مختلفة عن الأخرى، تجتمع لتكوّن اللّغة الجديدة. في كنف هذا النّصّ تجتمع كلّ النّصوص، كأنّي به ينبوع يغرف منه ليروي ظمأ الشّعر. (اللّغة الجديدة/ العبارات المنحوتة) سبيلان للوصول إلى الحبيبة (المرأة). "يا امرأة"، العبارة الأمّ الجامعة لنصوص الدّيوان، الحاضنة لقلق الشّاعر وحركته الرّؤيويّة والفلسفيّة في الدّيوان والمانحة له سرّ وجوده وغايته. ("أنا لم أكن أنا../ وإنّما الآن أصبحتُ أنا!.. ").

تتبيّن السّرياليّة للقارئ في "بلّوريّات" من خلال تقاطع الصّور والمشاعر واستخدام الشّاعر لمنهج خاصّ يعتمد فيه دمج الصّور الحسّيّة الجافّة بالمشاعر اللّيّنة اللّطيفة كقوله:

" أخيرًا..

طوّرتُ جهازَ التّحكّم فيكَ عن بعد،

فهلاّ عرفتَ برامجي المفضّلة

للسّنة القادمة؟..

أعشقُ لقطات ما قبلَ العرض..

الشّتاءُ يملأُ عينيّ

وخجلي برائحةِ رضيع!.."

بالمقابل يفيض إحساساً خاصّاً فتأتي النّصوص متجرّدة إلّا من العواطف الجيّاشة المختزنة في أعماق الشّاعر. إلّا أنّه تجرّد عشقيّ واعٍ ناتج عن نضج واختبار شخصيّ. دلالة على عشق متأصّل فيه يتوق إلى الانفجار في سماء الجمال الأسمى، فيكون عشقاً ينطلق من الأرض إلى ما بعد الكون:

"إن رسمتُكِ بقلمي

أحتلُّ كيانَكِ..

أنشئ بخيالي حدودَكِ المغلقة

لذا..

فكّرتُ أن أقولَكِ بلغتي العاقلة

حيث ُجمالكِ المطلق!.."

الشّعر في "بلّوريّات" نسيج عقلانيّ عاطفيّ. منهج خاصّ بالشّاعر محمد بن جماعة. يحاكي به الحبّ ويناجي المرأة الحبيبة بل يتحاور معها في داخله بتفاصيل دقيقة، وكأنّها تسكنه ويسكنها. لحظات وامضة أنجبت قصائد فلسفيّة عشقيّة. طاولت السّماء بمزج الواقع بالخيال، وانسحبت إلى سطور يُقرأ بين ثناياها محمد بن جماعة الإنسان والشّاعر. فيكون الدّيوان بمجمله مرآة شفّافة صافية، تبرز أعماق الشّاعر. لكنّها بمثابة بحر عميق يلزم القارئ أن يغوصه حتّى يتلمّس الجمال.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

تعريف: إسماعيل عامود شاعر أعتبر قصيدته شهادة بأن القصيدة هي الحياة التي سكنت روحه وجسده .. لذا سأهدي الشاعر وقصيدته بعضا ً من تنبيهاتي وإشاراتي ...

تنبيه (1)

قصيدة النثر وشعراؤها لم يُقاربوا بشكلٍ نقدي يُقارب مضامين قصيدة النثر الفكرية ، بل انحصر النقد والنقد المضاد حول شكلها فقط ..

تنبيه(2)

في صفحات قليلة المساحات .. كيف لي أن أختصر مساحات ومسافات شعرية غطتها تجربة بدأت منذ عام (1942) ولا زالت تنسج مشروعها الشعري حتى الآن ..

الإشارة الأولى

على شرفات الطفولة تتسكع الأماني لتصبح نوراً يضيء وقتنا لنطير بأجنحة الوعد المأمول الذي يتكسر في كل لحظة ملايين المرات ..طفولة الصبح تعلم الشمس كيف تنظف أسنانها وترتدي مريولها وتذهب إلى مدرسة الحياة تعلم النهار كيف يخرج من ثيابه ويقف عارياً أمام الإنسان ..

الإشارة الثانية

حين ركض الوعي الأدبي في خلايا جسمي ..رأيت جدران غرفة والدي مغطاة بالكتب ورأيتها تقاسمني حب أبي لي ..فكرهتها ..و أردت أكثر مرة إحراقها إلى أن هُجِر أبي إلى غربة لقمة الخبز والفكر...باغتراب قسري فأصبحت الكتب تحمل رائحة أبي وحبره وألمه ودموعه التي رسمت كونها الذهبي ..فبدأت أبحث عني وعن أبي بين هذه الأوراق التي بدت لي جامدة عاتية قاسية كجدار من صوان الكلمات تتحطم عليها رغبتي في القراءة ..هنا يجلس التاريخ بنفاقه محاولا أن يكون كمعلم وقورٍ يعطيني درساً ويغطي رئتي بالغبار الأثري ..و هناك فلسفة متبجحة بالأخلاق والتورم والتوهم ..و إلى جانبها تراث يلبس جلباب وقاره المصطنع ويسلط سيف فتاويه على عنق المفردات والحلم ..و في زاوية أخرى يجلس طه حسين ليقلع أضراس شوقي ضيف بكماشة النحو واللغة التي تحجرت على أفواه ميتة ولكنها ترسم غد الشرق المحنط ..و في مكان أخر يحاضر عباس محمود العقاد بوقار قاطع كالسيف ..و هناك المتنبي الذي يغازل أبا العلاء المعري فيتوافقان على رسالة الغفران ولزوم ما لا يلزم ... أي عالم أنت يا عالم أبي وأين أنا منه ومنك ؟؟

أشباح من التكلف تلاحقني وأنا أهرب منها باحثا عن صدى لنفسي وكينونتي ..و فجأة وفي ركن قصي ومهمل من المكتبة التي أصبحت جدران روحي المغلقة وقفصاً حُبست فيه أحلامي ..رأيت مجموعة من الكتب المتآخية والمتكاتفة جنباً إلى جنب ما هذه ؟؟: (الفرح ليس مهنتي) .. لمحمد الماغوط (فعلا الفرح ليس مهنتي أنا) هذا الكتاب يخاطبني، وهذا ما هو (غرفة بملايين الجدران) أنه كغرفتي هذه لو كان كل كتاب جدار وهو فعلا جدار عقلي ..إنه يتحدث عني ..و (سمرنار – وشتاء لسليمان عواد) و(من أغاني الرحيل وكآبة والتسكع والمطر لإسماعيل عامود) ...و (الظل وحارس المقبرة لفايز خضور9 .. ها أنا ذا أرى نفسي في كل جملة وقصيدة من هذه القصائد إنها حقاً تعبر عني فتآخيت مع هذه المجموعات وعشت معها مكونة وعيي الشعري ..و هي التي كانت المفاتيح التي فتحت أمامي قلاع التراث والتاريخ والفلسفة والفكر .. فكانت النطفة التي لقحت بويضة روحي لتنتج طفولة وعيي الفكري

الإشارة الثالثة

وجيلنا جيل يتيم الأبوة ..نحن الذين بدأنا الكتابة والنشر منتصف سبعينات القرن الماضي ..لأن من كان المفروض بهم أن يكونوا أباءً أدبياً وثقافياً لنا تقوقعوا مشكلين طبقة كتيمة من العنجهية الأدبية والنكران الثقافي للأجيال التي سبقتهم وتلتهم - فمن قبلهم ومن بعدهم ليأتِ الطوفان -..فبدأنا النحت والتحدي بكتاباتنا محاولين كسر هذه الطبقة الكتيمة بأجنحةٍ من خيالٍ وطفولةٍ ... وفي هذا المحيط الذي كنا نتلاطم به مع أمواج النكران والتشظي ظهرت يد الأجداد ممدودة من خلال مجلة الثقافة التي كان يشرف على تحريرها الشاعر إسماعيل عامود ، كقشة أنقذتنا من عواصف عاتية .. فظهرت من خلال رعايته هذه أسماء مهمة منها : رياض صالح الحسين (خراب الدورة الدموية) وصقر عليشي (بعينيك ضعت) و عبد القادر الحصني (ماء الياقوت) وآخرون كثر .. لقد كان شاعرنا حضناً دافئاً يحمينا من التكسر والانكسار ..

الإشارة الرابعة

هكذا تعرفنا على إسماعيل عامود الشاعر المتشرد من أغاني رحيله المحملة بالكآبة والبكاء والتملص من أحلام ليست أحلامه لكنها تزوره صبحاً ومساء ..حين كان طفلاً يستيقظ على زقزقة عصافير الشهوة محدقا بشجرة سرو من شقاوة وحنين تتطاول حتى سقف السماء.. وكان يفكر أنه لو قطعت هذه الشجرة لسقطت السماء كي تعانق الأرض ..تسكعاً ومطراً يرافق مراهقته المقتولة فقراً وتشرداً على أرصفة موانئ العالم المجهول ، يغني على ربابته التي تقطعت أوتارها حنيناً لماء الوعي ..أغنيات للأرصفة البالية ... من رصيف الولادة إلى رصيف التذكر والطفولة حتى رصيف التسكع والانتظار ...لينشد قلبه أشعاراً من أجل الصيف .. الذي يتفتح سنبلةً من حنطة الإبداع ورؤية الخلق الفني المتكامل ...ليتابع تشرده ورحيله .. مسافراً في الاتجاه المعاكس .. كي يصل إلى مدينة لا يسكنها الخوف أسمها (العشق) ... وفي العشق ألقى أسلحته لكنه لم يستطع الهروب من همِّ القصيدة التي لا زالت تقلق روحه وضلوعه وهو ينتظرها أن تكتبه ..فتأتيه يمامة من ماضٍ تهدل بعمر من بكاء وشوق.

الإشارة الخامسة

الدخول إلى عالم الشاعر إسماعيل عامود يحتاج لأكثر من أداة شعرية ولغوية ، فهو لم يأخذ نمطاً أو مدرسة شعرية ويختص بها بل عايش وعاشر معظم الأنماط الشكلية للقصيدة العربية لدرجة ابتدع أنماطا خاصة به ، وذلك لمقولة يحافظ عليها وهي (إن القصيدة هي التي تفرض شكلها المناسب لها كما تظهر الوردة شكلها وعطرها الذي ترغبه ، والشعر يبقى شعراً كيفما كان شكله) هذه المقولة صحيحة وموضوعية تماماً آخذين بعين الاعتبار أن خلاف الشعر بين الوزن والنثر للآسف خلاف شكلي نمطي وليس خلاف فكري على مضامين هذا الشعر أو ذاك .. وهذا ما أفقد هذا الخلاف مضمونه ونتائجه الفكرية فهو خلاف مظهري ليس إلا..

وهذا يدفعنا لإيضاح المشروع الشعري للشاعر إسماعيل عامود من خلال أعماله .. ففي (من أغاني الرحيل) كان تقليدي الشكل وتفعيلي الصيغة إنما بمضامين تقارب الحياة اليومية بغنائية رقراقة ندية بالوجع والهم اليومي ، أما في (كآبة) فإننا نرى توأمة بينها وبين مشروع الشاعر سليمان عواد في مجموعتيه (سمرنار وشتاء) من حيث بساطة اللغة والسبك وغياب التكلف والزركشة وظهور الانسيابية لحد يقارب النثرية ويتجاوز الشاعرية .

أما في (التسكع والمطر) الذي أعتبره الولادة الحقيقية لقصيدة النثر العربية بأهم أنماطها الشكلية والفكرية فهو حرر القصيدة من الوصفية وأخذها إلى الدرامية الواقعية المتفاعلة مع أحاسيس الأشياء والموجودات كما يتنفسها الشاعر .

أما في أعماله الأخرى فلقد تشارك النمط الوزني مع النمط النثري في صياغتها وبقدر ما كان التسكع والمطر رائداً في القصيدة النثرية العربية بتمرده الشكلي والفكري ..نجد أن شاعرنا وحسب طبيعته تخلى عن وحدة الديوان الشكلية لصالح التوافقية بين الأشكال والأنماط المختلفة للقصيدة ، رغم وحدة الديوان الفكرية ، وهذا برأيي أفقد قصيدة النثر عند الشاعر تألقها ووحدتها ورياديتها فتراخت بنيتها النصية من خلال محاولته التوفيقية بين الوزن والنثر عن طريق نقل مضامين النثر للوزن والعكس ، فتراجعت قصيدة الشاعر .. لتصبح جزءً من مشروعه الشعري التوفيقي الذي يستند إلى أن الشكل والمضمون هما لغة تعبير الشعر.... مشروع الشاعر الشعري هو التآخي والتوافق والتزاوج بين الأنماط الشكلية المختلفة خدمة للفكر الشاعري الإنساني: (والشعر كالحياة كلما تطورت هذه الجغرافية الإنسانية تطور الشعر معها لأنه يستمد قوته ويأخذ معينه من أصله الأم)

توافقية الشاعر ليست إلغائية بل تعني توافق كلّ الأنماط لتصبح شعراً يماثل الحياة بأنماطها المتعددة لا صراع نمطي بل فكري خلاق ، فهو يبحث عن طمأنينة التوافق بين الأنماط لتتشارك معا في عملية الإبداع الخلاقة ، وهذا يناقض التعددية التي تعني قبولنا بكل الأنماط بشرط أن تتفاعل وتتحاور بتميزها وهويتها لتعطي حراكاً حميمياً خلاقاً مشاكسا لا مرتاحاً ، وبالتالي هذا التضاد بين الأنماط هو الذي يطور الشعر ويخلده لا التوافق ولا الإلغاء الذي يلغي الصراع الفكري المحرك الأساسي للتطور ، فحلول الشاعر التوفيقية جعلت قصيدته تتماوج بين الوزن والنثر ، فأصبح تألق الشاعر كطير ولد وعاش حراً ينتقل من شجرة إلى أخرى في غابة الحرية ...ليؤسر ويقفَّص بقضبان الوزن والقافية .

و أعود لأقول هذه محاولة قصيرة وموجزة للدخول لملامح القصيدة عند الشاعر إسماعيل عامود بالتأكيد لم أستطع من خلالها أن أكشف لكم ما اكتشفته من شاعرية وروعة لدى الشاعر في أنماط الشعر كافة وخصوصا قصيدة النثر في ديوانه (التسكع والمطر) الذي أعتبره من أنضج دواوين قصيدة النثر العربية التي عرفتها حتى الآن

تنبيه (3)

في مقدمة (التسكع والمطر) .. كان إسماعيل عامود ثائراً مع قصيدة النثر ومتمرداً على كل الأنماط التعبيرية الشعرية ، وفي إطلالته في (العشق مدينة لا يسكنها الخوف)..تظهر رؤيته التوافقية بين الأنماط الشعرية كافة .

الإشارة السادسة

أن قصيدة إسماعيل عامود بدأت مع ديوانه الأول ولم تنته فمشروعه الشعري إضافة لوحدة الديوان ..فهو مشروع وحدة الحياة والشعري فكل أعماله متناسقة ومتكاملة .. والقصيدة بأنماطها كافة تعبر أصدق تعبير عن الشاعر ففيها تراه وفيه تراها إنهما يمثلان توحد الشاعر مع القصيدة والقصيدة مع الشاعر..

و إشاراتنا هذه لنواح في قصيدته محاولة لدق باب عالمه الشعري لإضاءة بعض ما رأيناه من خلال متابعتنا لقصيدته فهو رغم كل الدراسات التي كتبت عنه لم يقرأ بشكل كاف بعد وخصوصاً بما يتعلق

بمضامين شعره الفكرية والإنسانية وانحصرت الدراسات بالشكل الفني للقصيدة ..

تنبيه (4)

شكرا لك إسماعيل عامود فأنت جزء من كليتي الفكرية والشعرية وقصيدتي الحياتية ...و لك أجنحة ترفرف بين مفرداتنا وقصائدنا.. وإن اختلفت رؤيتنا لرؤيتك لمشروعك الشعري .. فسيبقى مشروعك الشعري شجرة من عبق الحياة والإنسان يقطف منها النقاد الكثير .. الكثير إن تخلوا عن دراسة الأنماط الشكلية للقصيدة لديك واهتموا بالعلاقة التواشجية بين الشكل والمضمون في قصائدك وفي شعرنا العربي المعاصر ..و شكراً لكل الشعراء الحقيقيين الذين يكتبون القصيدة الحقيقة - كيفما كان نمطها الشكلي فالحقيقة دائما تكمن في المضمون والشكل يدل عليها - .. والذين لم يكتبوا إلا حقيقتهم وحقيقتنا..

 

بقلم الشاع : مهتدي مصطفى غالب