ظهر في النصف الثاني من القرن الماضي عدة مصطلحات تتصل بالبناء الموسيقي، وتداخلها مع فن العربية الأول الشعر، وهذه المصطلحات هي: الإيقاع والعروض والموسيقى والوزن والتوزين … إلخ .

وبقدر أهمية المصطلح الأول - وهو هدفنا - فإننا نوضح علاقته ببقية المصطلحات؛ وذلك لإزالة الالتباس والغموض في علاقة المصطلحات، وإبرازاً للحقائق وتوضيحها.

وهذه المصطلحات ليست خارجة على الشعر تضاف إليه، بل هي نابعة منه، تفرضها أحاسيس الشاعر وأفكاره، وتبرزها عاطفته، فليس هناك تحكم في التزام نظم موسيقية معينة، تفرض على الشاعر، بل هو حر في صياغة شعره، على النحو الموسيقي المؤثر من قبل الشاعر .

فإذا ما تناولنا هذه المصطلحات فسوف تتضح الحقائق جلية، وقد ورد في المعجم: إِيقَاعٌ مُوسِيقِيٌّ: تَنَاغُمُ الأَصْوَاتِ وَتَوَافُقُهَا فِي الغِنَاءِ أَوِ العَزْفِ، أوقعَ / أوقعَ بـ يُوقع، إيقاعًا، فهو مُوقِع، والمفعول مُوقَع، أَوْقَعَ المُغَنِّي: بَنَى أَلحانَ الغِناء على مَوقِعها وميزانها، الإِيقَاعُ: اتِّفاقُ الأَصواتِ وتوقيعُها في الغناء .

وجاء في المعجم الوسيط أن " الإيقاع: اتفاق الأصوات، وتوقيعها في الغناء" وفي المعجم الفلسفي" الإيقاع: مصطلح موسيقي ينصب على مجموعة من أوزان النغم؛ فالإيقاع مركب موسيقي يشتمل على أوزان غير متساوية، وهو جانب الموسيقى في الشعر، والوزن صيغة آلية، والإيقاع إبداع جمالي"

وجاء في القاموس المحيط" الإيقاع من إيقاع ألحان الغناء، وهو أن يوقع الألحان ويبينها"

ومما نقله ابن سيده عن الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب العين" أن الإيقاع حركات متساوية الأدوار لها عودات متساوية" إن ما يجمع المعاني اللغوية للفظة الإيقاع هو النظام والتعاقب.

ويرى الدكتور شكري عياد أن الوزن ليس إلا قسماً من الإيقاع ويعرف الوزن أو الإيقاع " بأنه حركة منتظمة متساوية ومتشابهة، ويرى أن الإيقاع يقوم على دعامتين: من الكم والنبر، مهما اختلفت وظيفة كل منهما، ولا يكتفي بذلك التردد الكمي، فمن أجل أن يميز التفاعيل بعضها عن بعض لا بد من تلك الظاهرة الصوتية التي تتردد بين تفعيلة وأخرى، وعلى ذلك فتعريف الوزن عنده يتضمن الإيقاع، والمصطلحان لا يفهم أحدهما دون الآخر.

ونظرية الدكتور مندور تبني على تفريقه بين (الوزن) و (الإيقاع) فالوزن عنده هو: (كم التفاعيل مجتمعة) بغض النظر عن قياس كم كل مقطع، أما الإيقاع فهو: (تردد ظاهرة صوتية على مسافات زمنية محددة النسب).

فالدكتور مندور يعني بالكم الوزن، فلو وضعنا كلمة الكم مكان الوزن لكان ذلك داخلاً في تعريف الدكتور مندور الإيقاع كونه تردد ظاهرة صوتية على مسافات محددة

إن البحث الطبيعي كما يراه الدكتور شكري عياد هو بحث وصفي .. من شأنه أن يبين ما يتألف منه الإيقاع، وليس من شأنه أن يفسر الإيقاع، فهو إذن كالعروض التقليدي سواء بسواء، ويحاول كشف عناصر أخرى للإيقاع، لم يشملها العروض التقليدي بوسائله الأقل دقة، وإن كنت أرى أن البحث من شأنه أن يفسر الإيقاع - كلما أمكن - فالإيقاع حصيلة عناصر متكاملة، وليس حصيلة عنصر واحد، فهذه الحصيلة جماع الوزن ؛ويدعو باحثٌ آخرُ إلى " جعلهما تصوراً واحداً لظاهرة لها مكوناتها هي البيت وما يتكون منه ويؤسسه .

وهو بمعنى أخر ظاهرة تقوم على التكرار المنتظم ويلعب الزمن فيها دوراً مهماً . وهو اسم جنس والوزن نوع منه

ويرى الدكتور عز الدين إسماعيل: أن الإيقاع غير الوزن، وكثيراً ما يتعارض الإيقاع والوزن ؛بحيث يضطر الوزن إلى كثير من التغييرات، "فالإيقاع هو حركة الأصوات الداخلية التي لا تعتمد على تقطيعات البحر أو التفاعيل العروضية، وتوفير هذا العنصر أشق بكثير من توفير الوزن ؛لأن الإيقاع يختلف باختلاف اللغة والألفاظ المستعملة ذاتها، في حين لا يتأثر الوزن بالألفاظ الموضوعة فيه تقول " عين " وتقول مكانها "بئر " وأنت في أمن من عثرة الوزن، أما الإيقاع فهو التلوين الصوتي الصادر عن الألفاظ المستعملة ذاتها فهو أيضا يصدر عن الموضوع في حين يفرض الوزن على الموضوع . هذا من الداخل، وهذا من الخارج .

فالعروض لا يفرق بين الفتح أو الضم أو الكسر، على عكس الإيقاع، فالإيقاع يلون كل قصيدة بلون خاص فالأقرب لطبيعة الشعر أن يكون إيقاعياً لا وزنياً .

والإيقاع " إبراهيم أنيس " نغمة صاعدة في مقطع مبتور من المقاطع التي تتوسط الشطر وهذه النغمة بمثابة الركيزة للشطر، تنقله من مجال النثر إلى مجال الشعر .

فالإيقاع هو عزف شخصي، أي أنه من قبيل الإبداع، وبقدر ما يكون للشاعر إيقاعه الخاص وصوته الفردي يكون إبداعه وأصالته .

وقد ينقسم الإيقاع إلى جزئين: الأول:- " التناغم الشكلي " الذي يتضمن في رأيه إيقاع المفردات بالنظر إلى بنيتها المقطعية، وتبيان التناغم الذي تحدثة الظواهر الصوتية في بعض مفرداته، وإيقاع الجمل التي تقوم بنيتها على أساس التصدع، وتقوم حركتها بتقديم تشكلات مقطعية، وفاعلية نبر وفاعليات صوتية ودلالية . الثاني:- "التناغم الدلالي " الذي يضم إيقاع التواصل، أي انسجام حركة الدلالات فيما بينها ؛مما يدفع إيقاعاً يحمل خصائص متشابهة ؛مما يفيد ولادة حركات جديدة، قد تحمل خصائص مغايرة " .

فالإيقاع هو السبيل الذي يستند إليه الشاعر في حركة المعنى وإذا كانت الموسيقى "معرفة جماعية "، أي أنها من قبيل المعارف المشتركة، وكذلك العروض وزحافاته وعلله وأحوال قوافيه، والموسيقى ليست الوزن السليم، وإنما الموسيقى الحقة هي موسيقى العواطف والخواطر، تلك التي تتواءم مع موضوع الشعر، تتكيف معه

يرى غنيمي هلال الإيقاع "وحدة النغمة التي تتكرر على نحو ما في الكلام أو في البيت؛ أي توالي الحركات والسكنات على نحو منتظم في فقرتين أو أكثر من فقر الكلام، أما الإيقاع في الشعر فتمثله التفعيلة في البحر العربي .. فحركة كل تفعيلة تمثل وحدة الإيقاع في البيت، أما الوزن فهو مجموع التفعيلات التي يتألف منها البيت، قد كان البيت هو الوحدة الموسيقية للقصيدة العربية .

كما يرى الإيقاع على أنه وحدة النغمة التي تتكرر على نحو ما في الكلام أو في البيت؛ أي توالي الحركات والسكنات على نحو منتظم في فقرتين أو أكثر من فقر الكلام، أما الإيقاع في الشعر فتمثله التفعيلة في البحر العربي .. فحركة كل تفعيلة تمثل وحدة الإيقاع في البيت، أما الوزن فهو مجموع التفعيلات التي يتألف منها البيت، قد كان البيت هو الوحدة الموسيقية للقصيدة العربية .

وطبقًا لهذه الرؤية فإنَّ الإيقاع وحده نغمية صغرى على هذا الأساس، والوزن هو وحدة نغمية كبرى هي البيت وإذا كان الإيقاع تمثله التفعيلة والوزن جماع للتفعيلات، فالوزن أعم من الإيقاع " أليس من الأولى العكس ؟ فهو يرى الشعر ضرب من الموسيقى إلا أنه تزدوج نغماته بالدلالة اللغوية وهناك مصطلح آخر هو التوزين وهو مرادف الوزن فالشعر العربي لا يقف عند حد التوزين، بل ينطلق إلى ما يسمى بالإيقاع ويقصد به " تعادل أجزاء الكلام والأصوات وتساوي مقاديرها الزمنية فيما إذا قوبل بالبعض الآخر جملة " .

أما مصطلح النموذج العروضي فهو التتابع الرياضي المنتظم للتفعيلات، فيما يسمى "البحر الشعري " .

أما الشكل الموسيقي المتحقق فهو يختلف حسب الممارسة الإبداعية لكل شاعر

" والفرق بين الشكل الموسيقي المتحقق والنموذج العروضي الثابت هو طريقة الإبداع الشعري، أي ليس هناك تطابق بين الشكل الموسيقي والنموذج العروضي

إن وجود هذه الظاهرة تفرض علينا قراءة غير عروضية، فالشكل العروضي يخفي تحت أشطره وأبياته شكلاً آخر تفرزه طبيعة التركيب اللغوي وأغلب الباحثين يتفقون على أن الخليل لم يدع حصر جميع إيقاعات الشعر العربي، فلم تكن الأوزان التي استنبطها الخليل بن أحمد وما وضعه لها من قواعد هي القول الفصل في أمر موسيقى الشعر لا في عهد الخليل وعهد تلاميذه، ولا فيما سبقه من عهود أو ما لحقه منها – وقد قال الزمخشري في ذلك: " والنظم على وزن مخترع خارج على أوزان الخليل لا يقدح في كونه شعراً ولا يخرجه عن كونه شعراً " .

إن العروض العربي، ليس إلا نظرية في إيقاع الشعر العربي، وإن كانت هي النظرية التي قدر لها السيادة لأسباب يطرحها سيد البحراوي بعضها يتعلق بتكاملها المنهجي – على الأقل شكلياً – وبعضها يتعلق بالظروف التي عاش فيها هذا العروض والشعر العربي نفسه، "أي في ظل مجتمع لم ينجح في أن يخرج خروجاً جذرياً عن إطار الظروف الاجتماعية والفكرية التي أنتجت العروض " .

فليست القصيدة العربية القديمة مفككه كما قد تبدو، بل شغل العربي بموسيقاها واصبح ينفعل لكل بيت، ويستجيب لوزنه وإيقاعه، فالشاعر لشدة اعتزازه بموسيقاها قد أحل نفسه من وحدة المعنى فيها، مكتفياً بوحدة الوزن والقافية (وهذا يدل على اهتمامه الموسيقي) .

وإن تحديد الشعر بالوزن والقافية بدأ يتغير ويهتز، وأخذ يضطرب خصوصاً في الدفاع النقدي الذي قام به الصولي انتصاراً لشعرية أبي تمام وفي أراء الجرجاني وقد نشأ ميل إلى التشكيك في أن يكون مجرد الوزن والقافية مقياساً للتمييز بين الشعر والنثر .

غير أن هذا لا يعني رفض الوزن والقافية أو التخلي عنهما، إنما يعني أنهما لا يمثلان وحدهما حصراً للشعرية، وأن هناك عناصر شعرية غيرهما، و أصبحت المسالة شعراً أو لا شعراً .

وقد تنبه الفلاسفة المسلمون إلى دور الوزن الشعري، فهو عندهم ليس الذي يميز جوهرياً بين الشعر والنثر فهناك أقوال موزونة ولا تعد شعراً " فليس للوزن نفس القيمة التي تتمتع بها المحاكاة (التخييل) "

وفاعلية التخييل لا تنفصل عن البنية الإيقاعية فلا قاعدية للوزن ويرى الجرجاني أن شعرية النثر لا تجئ من الوزن والقافية بالضرورة، " وإنما تجئ مما سماه طريقة النظم، ويعني النسق الذي تأخذه الكلمات .

وهذا ما نسميه طريقة الأداء أو التغيير أو بنية الكلام . "

وهناك ملاحظة أن القدامي، في وضعهم لهذا النظام الصوتي، قد خلطوا بين الوزن والموسيقى من ناحية، وأكدوا ثبات النظام الموسيقي في صورته التي استخلصها الخليل ابن أحمد من ناحية أخرى ؛وبالتالي ابتعدت كلمات (الموسيقى – الإيقاع).

كما أن هناك ملاحظة وهي أن المحدثين قد اتخذوا من عيوب " علم العروض" وقصور مقاييسه عن الكشف عن أسرار الشعر الموسيقية، عيوباً للنظام الموسيقي للشعر القديم نفسه، في أقوال كثيرة ومتنوعة.

ووفق هذا المنظور تصبح مسألة الوزن والقافية مسألة تاريخية، ومسألة ترتبط بجانب محدود من الإبداع الشعري، لا بشموليته، أو به كرؤيا كلية . إذن من البداهة والصحة القول إن بإمكان اللسان العربي أن يتجسد شعراً في بنية كلامية غير بنية الوزن والقافية، أو إلى جانبها ؛وهذا مما يوسع في الممارسة، حدود الشعر في اللسان العربي، وحدود الحساسية الشعرية، وحدود الشعرية، فالشعر ليس حكرًا على الوزن والقافية.

والواقع أن الوزن في الشعر لا يمس الناحية الشكلية فحسب، ولكنه يمس كذلك جوهره ويرتبط بمضمونه، كما يرتبط بشكله .

ويرى "محمد النويهي " إن القصائد الجيدة يجب أن يحكم عليها بمقاييس شكلية جديدة تستمد من القصائد نفسها، وتراعي ما يستهدفه منشئها .

وقد ورد مفهوم الإيقاع عند بعض النقاد القدامى مرادفاً للوزن، فنجد السجلماسي يتحدث بإيجاز أكثر عن الإيقاع من خلال تعريفه للشعر الذي يقول فيه: " الشعر هو الكلام المخيل المؤلف من أقوال موزونة متساوية، وعند العرب مقفاة، فمعنى كونها موزونة أن يكون لها عدد إيقاعي"

 

د. عادل بدر - شاعر وناقد مصري مقيم في قطر

 

 

jawdat hoshyar2لا أميل الى قراءة أدب الحرب، أو مشاهدة الأفلام الحربية، فقد أتخمنا بمئات الروايات والأفلام عن الحروب، التي لم تتوقف يوما في التأريخ البشري، ولكنها باتت أكثر بشاعة، مع تطور آلة القتل . وضاع عمر جيلنا في أجواء الحروب، ما أن نخرج من حرب، حتى تداهمنا حرب جديدة أشد ضراوة من سابقتها، وليست ثمة حروب جيدة، وأخرى سيئة، كما تزعم البنتاجون، فهي كلها مآسي ودماء ودموع .

كانت رواية "الأشبال" هي اول ما وقع في يدي من نتاجات الكاتب الأميركي " اروين شو"

و" الأشبال " عنوان، لا تشمّ منه رائحة الحرب، ويتبادر الى الذهن، أنها ربّما رواية عن الحيوانات، أو الصيد في مجاهل أفريقيا. ولم أكن أعرف أن شو، أعد لنا – نحن الذين لا نقرأ أدب الحرب – مقلباً ذكياً ومثيراً . فما أن تبدأ بقراءة الصفحات الأولى منها، حتى تج د نفسك أمام شخصبة جذّابة - فتاة أميركية جميلة تظهر في الفصل الأول من الرواية، ثم تصحبك من جديد في بعض الفصول الأخرى، لتجد نفسك في أجواء أشرس معارك الحرب العالمية الثانية، وتتابع بشغف مصائر الشخصيات الرئيسية للرواية، وهم ثلاثة جنود –أميركيان اثنان وثالث ألماني .

ولد شو في عام 1913 في نيويورك في اسرة مهاجر أوكراني. وهو ينتمي الى الجيل التالي لجيل الكتاب الاميركيين العظام : فيتزجيرالد، وهمنغواي، وفوكنر، وتوماس ولف، ودوس باسوس . ويمكن القول إن شو، ووليم سارويان، والكاتب الزنجي، ريتشارد رايت، والكاتب المسرحي ليليان هيلمان، وروبرت بين أورين، هم في طليعة الكتّاب الأميركيين، الذين بدأوا حياتهم الأدبية في النصف الثاني من الثلاثينات، ومن اكثرهم موهبة وشهرة .كانت الولايات المتحدة تعاني في هذه الفترة من الآثار العميقة للأزمة الأقتصادية، التي هزت البلاد في أوائل الثلاثينات . وهي سنوات زاخرة بالأحداث الجسام، ليس في حياة المجتمع الأميركي فحسب، بل وفي حياة المجتمعات الأوروبية أيضاً . كان الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت يخطط لنهج سياسي جديد . وفي أوروبا كانت النازية الألمانية تحلم بالمجال الحيوي، وبوادر الحرب العالمية الثانية تلوح في الأفق – في مثل هذا المناخ بدأ شو حياته الأدبية، وسرعان ما لفت اليه انظار النقاد والقراء على حد سواء، ككاتب مبدع يمتلك وعيا عميقاً وحسا مرهفاً ازاء التناقضات الإحتماعية وهموم الملايين من الناس البسطاء .

لقد أثبت شو منذ خطواته الأولى في عالم الأدب، أنه صاحب اسلوب متفرد، وموهبة أصيلة وذلك عندما نشر في عام 1936 مسرحية ذات فصل واحد تحمل عنوان " ادفنوا الموتى "، التي سلطت الأضواء على الكاتب، وترجمت في السنة ذاتها الى اللغة الروسية ونشرت في مجلة " نوفي مير " السوفيتية الشهيرة . وهي احدى المسرحبات التي اختارها الناقد المسرحي والمنظر الجمالي الاميركي "جاستر" ونشرها ضمن كتاب " أفضل عشرين مسرحية معاصرة "

كتب شو هذه المسرحية، في وقت اخذ فيه شبح الحرب القادمة يخيّم على اوروبا. وتدور أحداث المسرحية حول خمسة من الجنود القتلى،الذين يرفضون الموافقة على دفنهم. وهي إدانة قوية للحروب على مر العصور. وقد شرح " اروين شو " هدفه من كتابتها في مقال نشره فى جريدة " النيويورك تايمز " قال فيه :

"هذه أول مسرحية يكتبها شاب لا يريد أن يقتل، ويعتقد أن هناك عدداً كبيرا من الشبان يشاركونه الرغبة نفسها، ويتمنى لو أثرت فيهم هذه المسرحية، لأنه سيأتى وقت عما قريب يطلب فيه من هؤلاء الشبان أن يغامروا بحياتهم في قتال محفوف بالمخاطر، سينتهي بأن تقضى عليهم أجهزة الحرب الضخمة التى أعدت اعدادا ممتازا" . المؤلف يعبّر هنا،عن موقفه الرافض للحرب بلسان الجنود القتلى الثائرين الذين يخاطبون الجمهور في صالة المسرح .

وفي عام 1937 نشر شو مسرحية " الحصار " وهي مسرحية مناهضة للفاشية . ثم جاءت مسرحية " حياة بروكلين الرغيدة " (1939) لتوطد مكانة شو ككاتب مسرحي مرموق . ولقد إقتفى شو في هذه المسرحية أثر الكاتب الأميركي " دشيل هاميت " الذي نشر في أوائل الثلاثينات عدة روايات سيكولوجية حادة وفاضحة عن عالم الجريمة المنظمة، منها " صقر مالتا " (1930) و " المفتاح الذهبي" (1931) .

وفي الفترة ذاتها اخذ اروين شو ينتزع الاعتراف به كقاص موهوب، فإمتدت شهرته وازدادت مكانته الأدبية رسوخاً، فأخذت كبريات المجلات ىالأميركية في ذلك الوقت مثل مجلة " نيويوركر " ومجلة " اسكواير " ترحب بنشر قصصه القصيرة . وفي عام 1939 جمع شو هذه القصص في كتاب أصدره تحت عنوان " بحار من بيرمن " وبعد ثلاث سنوات اصدر مجموعته القصصية الثانية " مرحباً بالقادمين الى المدينة الكبيرة " وفي السنة ذاتها التحق شو بالجيش الأميركي كجندي بسيط، ثم أصبح مراسلاً حربياً، وقام بتغطية سير معارك الحرب العالمية الثانية في شمال افريقيا، وفي انجلترا وفرنسا وألمانيا .

لقد تركت هذه الحرب الطاحنة آثاراً بالغة في حياة وأدب شو وأمدته بتجارب خصبة أصبحت مادة أولية لروايته الأولى " الأشبال " ( 1948) التي احتلت فور صدورها، رأس قائمة الكتب الأكثر رواجاً، وقوبلت بإهتمام عظيم، لا يقل عن الإهتمام الذي حظيت به رواية نورمان ميلر " العراة والموتى " (1948) . ويمكن القول ان هاتين الروايتين بالإضافة الى الى رواية د. جونس " من هنا الى الأبد " (1951) ورواية د.هولر الساخرة " المصيدة -22" (1961) تعتبرمن أفضل الروايات التي كتبت عن الحرب العالمية الثانية . .

وقد قارن البعض رواية " الأشبال " برواية ليف تولستوي " الحرب والسلام " مما أثار غضب النقاد والأدباء الأميركيين وبضمنهم همنغواي، الذي سخر من هذه المقارنة واطلق على شو – في احدى رسائله – اسم " تولستوي بروكلين " . فرد عليه شو قائلاً : بابا همنجواي لا يعجبه من يدخل الى ساحته الأدبية، التي يعتبرها من ممتلكلته الخاصة " . ويقصد شو بها التعليق أن همنغواي كتب ايضا عن الحرب، ولا يريد أن ينافسه أحد في هذا المضمار .

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتنافس فيها الكاتبان . فقد قال همنغواي أنه حرّر فندق " رتس " في باريس خلال الحرب العالمية الثانية. أما شو فقد كان يتفاخر بأنه حرّر مقهى " تيب توب " في مونتي كارلو " وانه اول من دخل " موناكو " مع وحدة من الجنود الأمبركببن في سبتمبر عام 1944 . وقبل ذلك بعدة أشهر، عندما كانت لندن تتعرض الى قصف الطائرات الألمانية كان شو يمر بتجربة حب حميمة مع المراسلة الحربية " ماري ويلش "، ففي أيار عام 1944 عندما كان شو، وويلش في احد مطاعم لندن، اقترب همنغواي منهما، وطلب من شو تقديمه الى صديقته الشقراء الساحرة . وسرعان ما وقع همنغواي في غرامها، وبعد أن تحررا من ارتباطاتهم الزوجية السابقة، توّجت هذه العلاقة بالزواج عام 1946، وأصبحت زوجته الرابعة والأخيرة . وفي وقت لاحق صوّر شو شخصية ويلش بسحرها المدهش في رواية " الأشبال" تحت اسم لويز .

شو- كاتب بالغ الثراء والخصوبة فقد كتب خلال الخمسينات والستينات أربع روايات أخرى هي : " الهواء المضطرب" (1950) و" لوسي كراون " ( 1956" و" اسبوعان في مدينة أخرى " (1960) و"اصوات يوم صيفي " ( 1965) . وعشر مجموعات قصصية أصدرها في الفترة ذاتها تقريباً منها : " جماعة مختلطة " ( 1950) و " رهان على ميت " (1957) و" حب في شارع مظلم " (1965)

في عام 1951، غادر اروين شو الولايات المتحدة إلى أوروبا، حيث عاش لمدة 25 عاما، لا سيما في باريس وسويسرا. وكتب شو العديد من السيناريوهات لأفلام ناجحة انتجت في هوليوود رشح بعضها لجائزة الأوسكار .

" رجل غني، رجل فقير " من أفضل روايات اروين شو، وقد صدرت عام 1970، وتتناول قصة عائلة مهاجر ألماني الى الولايات المتحدة الأميركية، دمّر أفرادها انفسهم، لأنهم آمنوا بالمثل الأميركية والقيم الزائفة، وظنوا أن المال يجعلهم سعداء . وقد حوّلت الرواية الى مسلسل تلفزيوني ناجح في اميركا عام 1976 وفي ليتوانيا عام 1982 .

وبعد صدور هذه الرواية الرائعة، كتب شو ست روايات اخرى " مساء في بيزنطة " (1973)، " عمل ليلي " ( 1975)، " و " اللص المتسول " (1977) و" قمة التل " (1979)، " خبز فوق الماء " ( 1981"، و" الخسائر المقبولة " (1982" ولكنها قوبلت ببرود من قبل النقاد رغم نجاحها الجماهيري . ويمكن القول أن النقاد لم يكونوا منصفين مع شو أحياناً، فهم ينتقدونه لأفتقاد هذه الروايات الى العمق السايكولوجي المطلوب، رغم اعترافهم باسلوبه الشائق وقصصه المتقنة البناء .

وينبغي ان لا ننسى بأن القراء هم الذين يحددون مصائر الكتب، لا النقاد أو الأكاديميين .أعمال شو كانت وما تزال تلقي رواجا كبيراً في العالم الغربي واوروبا الشرقية، وترجمت الى ثلاثين لغة من أهم لغات العالم، وصدرت مؤلفاته الكاملة في ثمانية أجزاء مترجمة الى اللغة الروسية، إضافة الى طبعات متفرقة لرواياته ومجاميعه القصصية . وبلغ اجمالي ما تم بيعه من كتبه أكثر من 14 مليون نسخة في أنحاء العالم، وعرضت مسرحياته على مسارح واشنطن وباريس وموسكو والقاهرة .

ان نتاجات شو متفاوتة القيمة والمستوى من الناحية الفنية، وربما كانت القصة القصيرة، هي أكثر الأجناس الأدبية التصاقاً بموهبته ككاتب . أما رواياته الطويلة فإنها لا تخلو أحياناً من بعض النبرات الميلودرامية، والترهل اللفظي، والإغراق في التفاصيل . بيد أن هذه المآخذ لا تقلل كثيراً من قيمة رواياته، ذلك لأن ما يشغل بال الكاتب دائماً هو القضايا الأساسية التي يواجهها الإنسان المعاصر، وخاصة في مجتمع متطور كالمجتمع الأميركي . : دور المواطن الأميركي العادي في النضال ضد الفاشية في " الأشبال " والزيف السياسي والروحي للمكارثية في " الهواء المضطرب " ومسؤولية الفنان ازاء المجتمع وإزاء موهبته في " اسبوعان في مدينة أخرى " .

وتتميز قصص شو القصيرة بمستوى فني رفيع، ودرجة عالية من الرهافة والشفافية . وليس من الصعب على القاريء أن يلحظ ان شو يستخدم هنا تجربته المسرحية على نحو بارع : الحبكة المتماسكة، والتناسب الهندسي الدقيق، والحوار المتقن، ولهذا السبب بالذات نجد ان كثيرا من قصصه القصار قد حولت الى افلام سبنمائية ناجحة . ويفضل شو – شأنه في ذلك شأن الكثير من الكتاب الأميركيين المعاصرين، اسلوب " الجبل الجليدي" الموضوعي . فالمؤلف لا يتدخل مطلقاً في القصة، بل يترك المواقف والشخصيات لتعبر عما يريد الكاتب أن يصوره لنا. وتمتلك النماذج، التي يصورها الكاتب، دفء الحضور في عالم مليء بالتناقضات، وبالقلق والحزن والتوتر أحياناً، وان كان لا يخلو من أمل غامض . وهذا الأمل هو الذي يضفي على نتاجات شو، ذلك التفاؤل الذي يساعد ابطال قصصه ورواياته ومسرحياته على التماسك والإستمرار في الحياة بالرغم من كل شيء. .

حاز ارون شو على العديد من الجوائز منها: جائزة أو. هنري، التي فاز بها مرتين،وجائزة الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب . وتوفى في دافوس بسويسرا عام 1984 .

كلمة أخيرة

إروين شو : يكاد يكون مجهولا للقاريء العربي . وقد كنا أول من ترجم احدى قصص هذا الكاتب في منتصف السبعينات، وهي قصة " الضفاف المشمسة لنهر الزمن " التي نشرت عام 1975 في العدد (14) من مجلة " الأديب المعاصر" الفصلية، الصادرة عن إتحاد الأدباء في العراق. وهي قصة طويلة نسبيا، وتعد من أجمل قصص شو، التي تحرك مشاعر القاريء وتدفعه الى تأمل الحياة بنظرة جديدة .

ومنذ نشر تلك القصة وحتى يومنا هذا، لم يترجم الى العربية سوى كتابين فقط - من اجمالي خمسين كتابا نشره شو خلال حياته الأدبية – وهما :

1 - مسرحية " ادفنوا الموتى " التي ترجمت الى اللغة العربية تحت عنوان " ثورة الموتى " وصدرت عن وزارة الثقافة المصرية في اواخر التسعينات،وتم اخراجها وعرضها على احد مسارح القاهرة في ذلك الحين، وأعيد عرضها،في ديسمبر عام 2017 على مسرح المعهد العالى للفنون المسرحية في القاهرة .

2 - رواية " خبز فوق الماء " ترجمها الأستاذ نبيل وهبي، وصدرت عن دار علاءالدين عام 2007 .

ونكاد نجزم - استناداً الى التتبع الدقيق لما كتب ويكتب عن الأدب الأميركي في العالم العربي - أن مقالنا هذا أول محاولة لتقديم صورة شاملة عن إروين شو ومجمل أعماله الى القاريء العربي .

 

جودت هوشيار

 

goma abdulahالفضاء الروائي متسع الافاق ومتعدد الجوانب في تقنياته الفنية،، وفي تركيبة الحبكة، التي امتازت باللغة السردية البارعة في التشويق والاثارة، وفي تكتيكات الفعل الروائي . الذي اظهر منصات الواقع الاجتماعي آنذاك، في العوامل التي تحرك تركيباته، وتشعباته في التناقضات الداخلية (الذات)، والخارجية (الواقع)، وكذلك عمل في ابراز روح التحدي والمغامرة، التي تحرك عقلية العراقي، بفطرته الشعورية واللاشعورية، في مجابهة الظلم والحرمان والتهميش . لذلك نجد شخصيات الرواية، تتحرك على رقعة واسعة من التجاذب، في الفعل ورد الفعل، كحالة تنفس واسقاط حالاتها الداخلية، فهي تشعر انها متعسفة ومضطهدة ومهضومة ومهمشة، من الواقع الاجتماعي غير العادل . ان رواية (نجوم الظهر) تكشف بحق بانورامية الواقع الاجتماعي، بكل تجلياته وتداعياته، السلبية والايجابية، وكذلك من ناحية وجود المرأة ضمن الاطر الاجتماعية الضيقة، التي تحددها عقلية الواقع الاجتماعي الظالم لها، في عملية تفاعلية بين الذات والواقع، ونجد بان منصات السرد امتلكت حرية التناول والتعاطي، في دلالات تعبيرية، الزاخرة في تعابيرها الاجتماعية الناطقة والمحسوسة، ضمن فترة محددة في الزمكانية، وبالتحديد في العهد الملكي آنذاك . نجد ان شخصيات الروائية وخاصة الشخصية المحورية (جسار شمخي) يعاني الاحباط والمعاناة والانهزام . تحركه شحنات الاحاسيس الانفعالية الملتهبة، بشكل شعوري، او اللاشعوري، ويتفاعل في شحناته العاطفية الهائجة، لكن يعود الى المسالمة في الروح، وليس بالعدوانية الشريرية . رغم ان الواقع يضغط عليه بشكل هائل ان يتحول الى عدواني شرير، رغم انه تخنقه اطنان من الاتهامات والشكوك من معاناة الواقع الثقيل، وكذلك يتخلص من الاقاويل، التي تتحدث عن خيانة زوجته، وافعالها الشائنة، بأنها تفتح فخذيها لكل طارق، لكن كل هذه الاتهامات بالخيانة، دون ان تكون ادلة دامغة عليها، سوى اقاويل هنا ومن هناك، ان لغة السرد اعتمدت على ضمير المتكلم، وضمير الواقع، اي بين (الراوي والمروي) لكنهما يلتقيان في بنية سردية عضوية ومحكمة ومرتبة في التنسيق خطوات الاحداث، في المتن الروائي، وصياغة افعاله المتحركة، اي اننا أمام بناء روائي متكامل في عالمه، وفي عناصره المتحركة، في افعالها التي تتحرك بالفعل المشحون بالدراما والمغامرة والمفاجأة . والحدث البارز والاساسي في النص الروائي، يعتمد على حدث سياسي بارز حدث فعلاً، هو عملية انتخاب مجلس الاعيان في عام 1954، في عهد الملكي، وفي عملية التزور الفاضحة، لصالح احزاب الحكومة، او لصالح افندية الحكومة، ضد الجبهة الشعبية المعارضة للحكومة . وكيفية استغلال جهل الناخب، الذي لا يعرف القراءة والكتابة، يصرح بأسم الناخب والقائمة، وكتبة الحكومة، يكتبون وفق ما يريدون من بطاقات لصالح احزاب الحكومة ويضعونها في صندوق الانتخاب . وحين تقدم (جسار شمخي) بأنه أمي، وطلب كتابة على بطاقته الانتخابية مرشح المعارضة، لكن كتبة الحكومة، كتبوا لصالح مرشح حزب الحكومة . وقبل وضعها في صندوق الانتخابات، سحبها من يد الافندي، وراح يقرأ ما دون فيها، بشكل مغاير لرغبته الانتخابية، وراح يعلن التزييف على الناس، الذين ينتظرون دورهم، في وضع البطاقات الانتخابية في الصندوق . وانفعل في هذا الاستهتار المفضوح في عملية التزوير، واخذ صندوق الانتخاب وركض به صوب النهر ليرميه فيه، وسط دهشة الناس، وذهول افراد الشرطة وهرب . ولكن مع هذا التزور نجحت الحبهة الشعبية المعارضة في توصيل عدد محترم من مرشحيها الى مجلس الاعيان . مما استدعى مجيء (نوري السعيد) على رأس الحكومة، وألغاء عملية الانتخابات، هذه منصات الفعل الروائي . الذي اختار تكتيك ابداعي في عملية السرد وتنسيق خيوطه، بأن تبدأ احداث الرواية من منتصف، ثم البداية، وبعد ذلك النهاية خاتمة المطاف

احداث المتن الروائي:

بعد عملية رمي صندوق الانتخابي في النهر . دخلت حياة (جسار شمخي) في مرحلة وطور جديد . من المطاردة والهروب والملاحقة، حتى يقع في قبضة الشرطة، لانه فضح الحكومة والملك، واصبحوا سخرية وتندر وتهكم على كل لسان، وحتى وصل الخبر الى الاعلام والاذاعات المصرية آنذاك، كما اخبره صديقه الوفي (يعقوب جرجيس) (- أيعقل انك لم تطلع من زاوية (حكايات الانتخابات) بجريدة الزمان، ولم يصلك كلام اذاعة (العراق الحر) و (صوت العرب) عنك في برامجها منذ أمس ؟ حادثة رمي الصندوق الانتخاب الى الفرات . أصبحت على كل لسان) ص268 . وكان يروم التخفي في ديرة الجوانب، حتى يتدبر أمره بعد ذلك، كونه دخيل عندهم، وهم معرفون في ايواء الدخيل، ولكن حين عرفوا أن قضيته سياسية، اصبح ضيف ثقيل غير مرغوب فيه، وهرب صوب البرك المائية حتى يصل الى نهر الفرات، ليعبره الى الجانب الاخر، حتى يصل الى محطة القطار، التي توصله الى بغداد حتى يضيع فيها، لحين تدبير امره من صديقه الوفي (يعقوب جرجيس) الذي وقف في محنته، وابدأ استعداده التام، في المساعدة في تهريبه الى الكويت بجواز سفر مزور . وكان صديقه يحب شقيقته (غديرة) ويتمنى من كل جوانحه، ان يوافق على طلب زواجه، والعيش معاً في الكويت . وقبل وصوله الى بغداد تصادفه المفاجأة والمطبات، اولها تفضحه بدلته السوداء الثقيلة، في قيظ الصيف الساخن، والشمس الحارقة، في لهيبها الكافر، ويصادف مفرزة شرطة الكمارك، التي تفتش عن التهريب والمهربين . فقد انتبهوا الى غرابة ارتداءه بدلة سوداء ثقيلة، في الصيف الحارق، فأجابهم، بأن زوجته توفيت قبل شهر، وهو ينوي زيارة الغجر (الكاولية) فتعاطفوا معه، واخذوه معهم الى الغجر، وهناك سرق مسدس من احد افراد مفرزة الشرطة، وهرب مسرعاً في اتجاه محطة القطار . كان (جسار شمخي) يندب حظه العاثر والمشؤوم، منذ ولادته بسن جارح، واعتبره عامة الناس من اهل البلدة وعشيرته، بأنه نذير الشؤوم والنحس، وستطالهم الفواجع والمصائب والاهوال، من هذه الولادة المشؤومة، بأنه شر مستطير يجب التخلص منه بكل الاحوال، وحاولوا ان يقنعوا والده بالتخلص منه . لكن ابيه كان يستهزئ بعقولهم وخرافاتهم، ولكن اشتد الضغط عليه، حتى اجبر في النهاية، ان يرميه احدهم من سطح البيت ويتلقفه بعباءته، فاذا نجى كتبت له السلامة، واذا مات فخيراً على خير،، ولحسن حظه أنقذه والده في احتضانه في عباءته، وفي المدرسة كان مشاغباً في سلوكه، حتى اضطرت ادارة المدرسة ان تطرده من المدرسة، ليكون بعد ذلك عامل مقهى، وحين شب عوده تعرف على (نرجس) المتزوجة، كان يراودها في غياب زوجها . ولكن بعد وفاة زوجها، كافئها بزواجه منها، رغم انها تتناولها اقاويل الناس في السلوك الشائن، بأنها تفتح فخذيها لكل طارق يطرق بابها، ويعتقد (جسار شمخي) بانها تخونه، لكثرة اقاويل الناس عنها، لكن دون اثبات دامغ على خيانتها، وتحت ضغط الناس اراد ان يتخلص منها، حتى بغسل العار، والحفاظ على شرف العائلة والعشيرة، واضطر احد الايام، أن يخنقها بيديه، وحين تيقن انها ماتت، ذهب الى مركز الشرطة، بالاعتراف بأنه خنق زوجته وماتت، دفاعاً عن الشرف وغسلاً للعار، ولكن حين رجع من مركز الشرطة، وجدها امامه ترحب به .... وفي بغداد وجد نفسه في عالم اخر، فنزع بدلته السوداء الثقيلة، وشذب شواربه الكثة، حتى بدأت ملامح الجديدة، تختلف عن ملامحه القديمة، في محاولة التكيف مع الظروف الجديدة التي داهمته وقلبت حياته تماماً، ووجد نفسه وحيداً، سوى مساعدة صديقه الوفي (يعقوب جرجيس) في محاولة تدبير تهريبه الى الكويت بجواز سفر مزور، قبل ان يشتد الحبل عليه، ولكن صديقه يقع في قبضة الشرطة، وتحت ممارسة التعذيب بقلع اظافره، اضطر ان يعترف، بأن (جسار شمخي) يروم زيارة بلدته الليلة، لتصفية حسابه مع زوجته الخائنة (نرجس) ان يقتلهاويتخلص منها . ولكن المفاجأة بأن زوجته (نرجس) تجيء اليه في سرداب التخفي في بغداد . وهناك تعترف له بالتفاصيل لتثبت براءتها من تهمة الخيانة له . وقالت له بأن صديقه (يعقوب جرجيس) اعترف عليه من شدة التعذيب واخبرهم . بأنك تروم زيارة البلدة الليلة، وقالت له حين سألتها الشرطة، في اي مكان سيختفي فيه، فقالت في الحسينية، وهي متأكدة تماماً بأنه لم يلتجيء اليها ابداً، لذلك تحركت مفرزة الشرطة نحون المكان المطلوب . واستعدت ان يقتلها بكل مقبولية ورضى، لكن عليه ان يسمع ايضاً خياناته، وان تعترف بالحقيقة، حين كان يجلب عشيقته الى البيت في زي الرجال، ويصعد بها الى سطح البيت، وجارتهم تتلصص عليهم . ثم انه يهينها ويشتمها حين لم يناديها بأسمها، بل يناديها بأسم (الجاموسة) . وصرحت له بأن افندي الحكومة المخبر (سهام سالم) حاول خداعها واغتصابها، بأن تكون خليلة فراش، لان زوجها بحكم المنتهي لا شفاعة له بعد اليوم اذا ارادت ان تعيش، ويقرر (جسار شمخي) ان يطلقها وان تكون حرة بعد الان . لا علاقة تربطه بها، وحين يعود الى بلدته، يقتنص من (سهام سالم) بعدة رصاصات قاتلة، وفي لجة الفوضى والارتباك، وتبادل النيران مع افراد الشرطة، وضمن الهيجان العام . تضيع اخبار (جسار شمخي) هل هو قتل أم انه مازال حياً ؟، وكذلك اخبار زوجته (نرجس) فقد ضاع اثرهما، ولا يعرف احداً، اين يتواجدان أم اختطفهما الموت ؟

× الطبعة الاولى : عام 1991

× 350 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

 

adnan aldhahir2مقدمة: لم أجد المتنبي الشاعر – الإنسان كما هو على حقيقته إلاّ في حالين: الغزل ثم في قلقه وحيرته مكاناً وزماناً. وعليه فإني أقترح على نُقّاد ودارسي هذا العملاق النادر أن يكفّوا عن التركيز على مدائحه المعروفة، ذاك لأنها لا تمثل الرجل أبداً ولا تعبّر إلاّ عن القليل من مشاعره وأحاسيسه الداخلية وعن همومه الخاصة وحيرته في معنى الخلق والوجود والزمن ومعنى أو كنه النفس البشرية. المديح كما يعلم الجميع كلام مجاملة مدفوع الأجر. ومديح المتنبي يكاد يكون متشابهاً غاية التشابه بصرف النظر عمن قاله فيه من الممدوحين. فهو ينحصر في أمور يكررها الشاعر دوماً من قبيل الكرم والشجاعة ونبل الأصل والعشيرة والقبيل. وقد يضيف إلى بعض ممدوحيه صفات الأدب والتعمق في فهم الشعر أو حتى فصاحة اللغة واللسان. الطريف أنَّ المتنبي لا ينسى نفسه في معرض كيل المديح لممدوحيه. إنه يكيل المديح لنفسه عامداً وفي أصرار منقطع النظير إلى إقامة نوع من التوازن النفسي والإجتماعي والإعتباري بينه وبين من يمدح (توازن ستراتيجي … بلغة العسكر). الممدوح ليس بأفضل من الشاعر. أليس هو من قال في مجلس سيده سيف الدولة الحمداني في حلب:

سيعلمُ الجمعُ ممن ضمَّ مجلِسُنا

بأنني خيرُ من تسعى به قَدَمُ

ثم قد قال قبل ذلك وهو يمدح أبا الحسين علي بن أحمد المُرّي الخراساني:

واقفاً تحت أخمَصيْ قَدْرِ نفسي

واقفاً تحت أَخمَصيَّ الأنامُ

أو:

أنا الذي بيّنَ الإلهُ به ال

أقدارَ والمرءُ حيثما جعلهْ

 

جوهرةٌ تفخرُ الشِرافُ بها

وغُصّةٌ لا تُسيغها السَفِلةْ

 

أنا ابنُ من بعضُهُ يفوق أبا ال

باحثِ والنجلُ بعضُ مَن نَجَلَهْ

 

فلا مُبالٍ ولا مُداجٍ ولا

وانٍ ولا عاجزٌ ولا تُكَلهْ

(البيت الأخير يُذكّرني بالبيت الذي قاله في مقصورته الشهيرة: وإني وفيتُ وإني أبيتُ // وإني عتوتُ على مَنْ عتا).

وقال حول شاعريته:

لا تجسرُ الفصحاءُ تُنشِدُ ههنا

بيتاً ولكني الهِزبرُ الباسلُ

 

ما نالَ أهلُ الجاهليةِ كلُّهمْ

شعري ولا سَمعتْ بشعريَ بابلُ

وغير ذلك كثير.

نعم، نجد المتنبي الإنسان والشاعر في غزله وقد قاله في مطالع أكثر من إحدى وستين قصيدة من قصائد ديوانه المتوفر بين يدي (ديوان المتنبي / دار بيروت للطباعة والنشر / بيروت 1980). تغزل في أغلب المناسبات التي قال فيها قصائده، بل وتغزّل حتى في مستهل العديد من قصائد الحرب.لم يتغزل في قصائد الرثاء وكان مُحقّاً وطبيعياً أنْ لا يقول غزلاً في مواضع الرثاء. لقد أكدَّ هو نفسه منهجه في الشعر وديدنه في إفتتاح قصائده إذ قال:

إذا كان مدحُ فالنسيبُ المُقدّمُ

أكلُّ فصيحٍ قال شعراً مُتيّمُ ؟

أراد أن يقول أنْ ليس كل شاعرٍ فصيح اللسان قادراً على قول شعر الغزل (النسيب)، فللغزل رجاله وأحكامه وقواعده. وللغزل شروطه ومقاييسه التي لا يستطيع التحكم بها إلا فحول الشعراء ممن أُوتوا الحس العالي سواء بالجمال أو القدرة على التعبير عن لوعة المحب وعمق معاناته ثم الصدق في هذا التعبير. الغزل الحقيقي صعب ونادر خاصة إذا ما عبّر عن حالة توله حقيقية وصبابة غير مصطنعة. فإنَّ أغلب ما نعرف من غزل قديم وحديث إنما هو صناعة لفظية ورصف كلام منمّق وصياغة هوائية فارغة من حرارة التعبير الصادق الذي يعكس حرارة صدق التجربة وأصالة معاناة المحب. يحضرني في هذه المناسبة غزل عمر إبن أبي ربيعة قديماً ثم غزل نزار قباني في عصرنا. غزلهما مجرد صناعة لفظية ورسوم لصور كاريكاتيرية خالية من شعور الإنسان المُعاني وتفتقر إلى أبسط شروط التعبير الأصيل عما يجول في دواخل الإنسان المحب. الأمثلة كثيرة يعرفها القاريء الكريم كما أعرفها أنا.

ملاحظة هامة: سوف لن أقوم بشرح المفردات الصعبة التي وردت في شعر المتنبي. أترك ذلك للقاريء الكريم أن يفسرها كما يشاء هو. كما يستطيع القرّاء الكرام الرجوع إلى ديوان الشاعر للإطلاع على تفسير الكلمات الغريبة والصعبة.

غزل المتنبي

قال المتنبي في صباه:

تذللْ لها واخضعْ على القُربِ والنوى

فما عاشقٌ من لا يذلُّ ويخضعُ

يمثل كما أحسب هذا البيت مفتاح نفسية المتنبي وموقفه من الحب الذي لم يتغير طوال سني حياته إلا قليلاً جداً. لم يتكبر على من يحب ولم يكابر ولم ينكر أو يصد سيل دموعه أو شحوب وجهه أو نحوله ومعاناته من ضنى الحب ومن صد الحبيب. لقد برع المتنبي كما لم يبرع سواه من الشعراء لا قديماً ولا حديثاً … برع في رصد ساعة الفراق وتصوير حاله وحال أحبابه المفارقين كما سنرى.

بمن تغزل المتنبي وكيف تغزّل ؟

سؤال يتبادر إلى ذهن قاريء شعر هذا الإنسان المتفرّد. نجد جوابه واضحاً كل الوضوح في متن الديوان. فلقد تغزل الشاعر بنوع خاص من الفتيات وخصَّ أجزاء معينة من الجسد وركّز بشكل أخص على حالات الوداع والمفارقة فأبدع:

1- تغزّل بالصبايا والفتيات صغيرات السن (الخود والكعاب)

2-  تغزل بالفتيات كبيرات الأوراك (رداح) والممتلئات الأجساد (العَبِلة والرُعبوبة والخُرعوبة والرِبَحلةْ . قال في قصيدة يمدح بها محمد بن عبيد الله العلوي: بانوا بخُرعوبةٍ لها كَفَلٌ // يكادُ عند القيامِ يُقعِدها)

3-  تغزل بالشعور السود والخصور والشفاه (اللِمى) والخدود والنحور والرقاب (الطلى)

4-  ذكر العيون كثيراً لكنه لم يتطرق إلى لون العيون إلاّ في قصيدة واحدة وربما في قصيدتين فقط (العيون الدُعْج أي السود). كما إنه أكثر من ذكر ملحقات العيون كالجفون والأهداب والمحاجر والأحداق والآماق والألحاظ والمُقَل.

5-  شبّهَ فتياته بالغزلان والظباء والجآذر والآرام والمها والرشأ والشادن.

6-  أبدع في وصف الدموع ساعة الرحيل والفراق، سواء دموعه هو أو دموع مفارقيه

7-  تغزل أساساً بالبدويات أو الأعرابيات (فإنهن الآرام) وأعرض عن الغزل بفتيات المدن والحواضر (فإنهن الماعيز). فحسن نساء الحواضر مصنوع (مجلوب) أما حسن البدويات فحسن غير مصنوع (غير مجلوب)

8- خلافاً لبعض من نعرف من شعراء الحب والغزل، ما كان المتنبي ساديّاً ولا كان نرجسياً مع من أحبَّ من صبايا وفتيات. كان هو الضحية: ضحية الهوى الجارف الممض وضحية الفرقة وساعات الوداع. كان جريئاً وشجاعاً لم يُخفِ دموعه ولا ضعفه البشري.

9-  كان أبداً عفيفاً مع محبوباته وكان حريصاً غاية الحرص على توكيد هذا الأمر.

دموع الشاعر

قلت إنَّ الشاعر لا يحرص على حبس أو إخفاء دموعه ساعة توديع من يحب. لا يخجل من ضعفه البشري بل ويعلنه نهاراً جهاراً لكأنه يستشعر الكثير من الراحة إذ يُفصح عمّا فيه من لواعج الشوق وتباريح الهوى ولوعات الفراق. يُعرب هذا العملاق صاحب (الخيلُ والليلُ والبيداء تعرفني …) عن كل ذلك وبكل ما أوتي من بلاغة معنى وفصاحة لسان. فلقد قال في قصيدة (أنا الغريق فما خوفي من البللِ):

أجاب دمعي وما الداعي سوى طللٍ

دعا فلبّاهُ قبلَ الركبِ والإبلِ

 

ظَلِلتُ بين أُصيحابي أُكفكفهُ

وظلَّ يسفحُ بين العُذرِ والعَذّلِ

 

أشكو النوى ولهمْ من عبرَتي عَجَبٌ

كذاكَ كنتُ وما أشكو سوى الكِللِ

 

وما صبابةُ مشتاقٍ على أملٍ

من اللقاءِ كمشتاقٍ بلا أملِ

مُطاعةُ اللحَظِ في الألحاظِ مالكةٌ

لمقلتيها عظيمُ المُلكِ في المُقَلِ

 

تشبّهُ الخَفِراتُ الآنساتُ بها

في مشيها فينلنَ الحسنَ بالحيلِ

جمع الشاعر في هذه المقدمة الغزلية بين آلام الفراق التي بعثتها في نفسه طلول فتاته، والدموع التي شرعت تنسفح عَلَناً على مرأى نفر قليل من أصحابه (أُصيحابي)، وأخيراً ذكر ألحاظ الحبيب ومقلتيها اللتين تستعبدان فتملكان بقية المُقل. لقد إنهملت دموع الشاعر المحب إستجابة لدعوة أو ذكرى طلول أحبابه. إنهملت ما أنْ خطرت هذه الذكرى حتى قبل تهيئة لوازم السفر وأسبابه ووسائط النقل وملتزمات قصد هذه الطلول. دموع الشاعر جاهزة دوماً وعند الطلب. لا تخونه حين يجد الجد وتتهيأ ظروف وشروط البكاء.لم يبكِ المتنبي في رثائه قط.لم يبكِ وهو يرثي جدته التي تعهدته طفلا وصبياً وقامت له مقام الوالدة (قصيدة: ولا قابلاً إلاّ لخالقه حُكما). بلى، ذكر البكاء في هذه القصيدة، ولكنه بكاء سبق موتها. بكاها المتنبي في حياتها فقال:

بكيتُ عليها خِيفةً في حياتها

وذاقَ كلانا ثُكلَ صاحبهِ قِدْما

قال الشاعر في هذه القصيدة ما هو أمرّ من البكاء والدموع. قال مثلاً:

أحنُّ إلى الكأسِ التي شَرِبتْ بها

وأهوى لمثواها الترابَ وما ضمّا

 

رقا دمعها الجاري وجفّت جفونها

وفارق حبي قلبها بعدما أدمى

 

هبيني أخذتُ الثأرَ فيكِ من العدى

فكيف بأخذِ الثأرِ فيكِ من الحمّى ؟

 

فوا أسفا ألاّ أُكبَّ مُقبّلاً

لرأسكِ والصدرِ اللذَيْ مُلئا حزما

لم يبكِ الشاعر إذن في أكبر فجيعة وقعت على رأسه في حياته. لم يعرف الشاعر أماً سوى جدته هذه لأمه. لم يضعف وهو الكثير الضعف أمام من يحب ولا سيما في ساعات الفراق أو الصد والجفاء.

في قصيدة (غريبة الزمان) غزل فريد يجعل القاريء يشعر بمعاناة حقيقية مفعمة بدفء صدق التجربة وحرارة هذه المعاناة. فيها مزيج من الذكريات والتحذير من الإستهانة بعواقب الفراق. فيها دموع مزدوجة: دموع الشاعر ودموع المفارقين:

ذكرُ الصبى ومراتعِ الآرامِ

جلبتْ حِمامي قبلَ وقتِ حِمامي

 

دِمَنٌ تكاثرت الهمومُ عليَّ في

عَرَصاتها كتكاثرِ اللوّامِ

 

ولطالما أفنيتُ ريقَ كَعابها

فيها وأفنتْ بالعتابِ كلامي

 

قد كنتَ تهزأُ بالفراقِ مَجانةً

وتجرُّ ذيلي شِرّةٍ وعَرامِ

 

ليس القبابُ على الركابِ وإنما

هنَّ الحياةُ ترحّلَت بسلامِ

 

ليتَ الذي خلقَ النوى جعلَ الحصى

لخِفافهنَّ مفاصلي وعظامي

 

متلاحظينَ نسحُّ ماءَ شؤوننا

حَذّراً من الرُقَباءِ في الأكمامِ

 

أرواحنُا انهملتْ وعشنا بعدها

من بعد ما قَطَرتْ على الأقدامِ

 

لو كُنَّ يومَ جرينَ كنَّ كصبرنا

عند الرحيلِ لكنَّ غيرَ سِجامِ.

قال متغزلاً في مطلع قصيدة (وُدهم خداع ودينهم نفاق):

أيدري الربعُ أيَّ دمِ أراقا

وأيَّ قلوبِ هذا الركبِ شاقا

 

لنا ولأهله أبداً قلوبٌ

تلاقى في جسومٍ ما تلاقى

 

فليتَ هوى الأحبّةِ كان عدلاً

فحمّلَ كلَّ قلبٍ ما أطاقا

 

نظرتُ إليهمُ والعينُ شكرى

فصارتْ كلها للدمع ماقا

 

وقد أخذَ التمامَ البدرُ فيهمْ

وأعطاني من السُقمِ المُحاقا

 

وبين الفرعِ والقدمين نورٌ

يقودُ بلا أزمّتها النياقا

 

وطرفٌ إنْ سقى العُشاقَ كأساً

بها نقصٌ سقانيها دِهاقا

 

وخَصرٌ تثبتُ الأبصارُ فيهِ

كأنَّ عليهِ من حَدَقٍ نِطاقا.

في تسعة أبياتٍ وصف الشاعر ما تركه فيه فراق الأحبة فذكركلاًّ من: دم القلوب المُراقة، والجسوم التي لا تتلاقى، ودموع العين والمآقي، والسقم، والشعر والقدمين، والطرف، والخِصر، والأبصار، ثم الحَدَق. لم ينسَ الشاعر الملتاع والمُعاني أن يطرّز مشهد الوداع بحضور الإبل، كعادته في أغلب قصائد الغزل. الفراق والرحيل لا يكونان بدون وسائط نقل. ولأنَّ حبيبات الشاعر بدويات أبداً، فلا مكان لخيل أوحمير كوسائط للنقل في البيد والقفار. لا يكتمل مشهد الوداع في طبع المتنبي وتكوينه وشاعريته إلاّ بحضور النياق والجِمال.

قصيدة أخرى إستهلها المتنبي بالغزل الجميل المسربل باللوعة والدموع هي قصيدة (وليس بأول ذي همّةٍ):

إلامَ طماعيةُ العاذلِ

ولا رأيَ في الحبِ للعاقل

 

يُرادُ من القلبِ نسيانُكم

وتأبى الطباعُ على الناقلِ

 

وإني لأعَشقُ من أجلكمْ

نحولي وكلَّ إمريءٍ ناحلِ

 

ولو زلتمُ ثمَّ لم أبككمْ

بكيتُ على حبيَ الزائلِ

 

أيُنكِرُ خدي دموعي وقد

جرت منه في مسلكٍ سابلِ

 

أأولُ دمعٍ جرى فوقه

وأولُ حزنٍ على راحلِ

 

وَهبتُ السلوَّ لمن لامني

وبتُّ من الشوقِ في شاغلِ

 

كأنَّ الجفونَ على مقلتي

ثيابٌ شُققنَ على ثاكلِ

يكادُ البكاء وتكاد الدموع أن تتوارى في هذه القصيدة وتنسحب أمام روعة وإبداع الشاعر في إختياره صيغة المبني للمجهول في قوله (يُرادُ من القلبِ نسيانكم)… لا ندري مَن الذي يريد ذلك. لكن الشاعر المطبوع على الوفاء يأبى نسيان من يحب، (تأبى الطباع) وتُنكر طلب ناقل الخبر.

الشاعر في حزن دائم متصل على مفارقيه من الأحباب. إنه يسأل خده سؤالاً إستنكارياً:

أأولُ دمعٍ جرى فوقه // وأولُ حزنٍ على راحلِ ؟؟ الجواب كلاّ، بالطبع. سفره متصل ومن يفارقهم كُثرٌ. أليس هو القائل:

على قلقٍ كأنَّ الريحَ تحتي

أُوجهها جنوباً أو شمالا

 

فما حاولتُ في أرضٍ مُقاماً

ولا أزمعتُ عن أرضٍ زوالا

صوّر الشاعر في البيت الأخير محنة الإنسان وتقلبه ما بين نارين أو أمرين أحلاهما مرُّ. صور فأبدع تردد هذا الإنسان وعجزه عن إتخاذ القرار المناسب والسليم. فإذا أقام في مكان ما فإنه لا يقيم فيه إقامة دائمة، لا يستيطع أو إنه لا يرغب في ذلك (فما حاولتُ في أرضٍ مُقاما). وإذا ما أقام في مدينة أو بلد أو مكان فإنه سوف يقيم فيه أو فيها لكأنه يقيم فيه أو فيها مرةً وإلى الأبد (ولا أزمعت عن أرضٍ زوالا). القلق وعجز المرء أمام ذاته وقصوره عن إدراك كنهها ومراميها. نفهم من كل هذا أو يريد الشاعر منا أنْ نفهم أنَّ مصير الإنسان الفرد ليس بيده، قدره مفروض عليه. المتنبي بارع في رصد الثنائيات المتضادة حتى كأنه قد إستوعب مقولات أرسطو الشهيرة. لقد جمع في هذا البيت ثنائية وتعارض الثبات والتحول، الإستقرار والحركة.

كذلك أبدع الشاعر في قوله (وإني لأعشقُ من أجلكم // نحولي وكلَّ إمريءٍ ناحلِ)… أعلى درجات السمو في العشق والإستعداد للتضحية وتحمل تبعات هذا العشق الذي يذوي جرّاءه الجسد وتعاني الروح منه. ثم لنلاحظ الدعابة المرحة والخفيفة في قوله (وكلَّ إمريءٍ ناحلِ)… لا يكتفي الشاعر المحب في قبوله وحبه لنحوله وضنى جسده جرّاء حب من أحب، لكنه يعلن إستعداده لبذل مثل هذا الحب لكل الناحلين سواءً أكانوا عشّاقاً أو لم يكونوا. أدمن فأحب النحول في جسده العاشق حتى إنه ليعشقه في كل من أصابه في الدنيا نحول.

جمع المتنبي في قصيدة (والدنيا لمن غلبا) مفرداته الرئيسة والمفضلّة وهو يتغزل بفتاة

أعرابية. لعلها واحدة من المرات النادرة التي لا يصف فيها الشاعر حالة وداع ومفارقة. لذا لم يذكر الإبل هنا ولا المطي ولا الركاب. طيف الحبيب يزوره ليلاً. وكما هو الحال مع أغلب أحلامنا، تمتزج أمور كثيرة لا تحدث على أرض الواقع: يدنو الحبيب حين يبعده المحب ويبتعد حين يُدنيه. يداعبه فيرفض المداعبة ويحاول تقبيله فيتأبى. أي مرار وأي حلم مرير يقضيه الحالم متجرعاً أكثر من غصّة. نرى في هذه القصيدة مفردات الدموع والعبرات والجفون والقد والريق وبياض البشرة ثم وصف المرأة بالغزال

(الشادن). نقرأ بعض أبيات هذه القصيدة:

دمعٌ جرى فقضى في الربعِ ما وجبا

لأهله وشفى أنّى ولا كَرَبا

 

عُجنا فأذهبَ ما أبقى الفراقُ لنا

من العقول وما ردَّ الذي ذَهَبا

 

سقيته عَبَراتٍ ظنها مطراً

سوائلاً من جفونٍ ظنها سُحُبا

 

دارُ الملمِّ لها طيفٌ تهددني

ليلاً فما صدقتْ عيني ولا كَذبا

 

أنأيته فدنا أدنيته فنأى

جشّمته فنبا قبّلته فأبى

 

هام الفؤادُ بأعرابيةٍ سكنتْ

بيتاً من القلبِ لم تَمددْ له طُنُبا

 

مظلومةُ القدِ في تشبيهه غُصُناً

مظلومةُ الريقِ في تشبيهه ضَرَبا

 

بيضاءُ تُطمِعُ في ما تحت حُلّتها

وعزَّ ذلك مطلوباً إذا طُلبا

 

كأنها الشمسُ يُعيي كفَّ قابضهِ

شُعاعها ويراهُ الطَرفُ مُقتَرِبا

 

مرّتْ بنا بين تِرْبَيها فقلتُ لها

من أين جانسَ هذا الشادنُ العَرَبا ؟

نرصد في هذه القصيدة أمرين آخرين مثيرين للدهشة: أولاهما تحرش جنسي من نوع الآيروس المكشوف (بيضاءُ تُطمع في ما تحت حُلتها)، وثانيهما إدخال الفيزياء في عالم الشعر، وتلكم ظاهرة وجدتها كذلك في أشعار أخرى قليلة للمتنبي، أعني قوله (كأنها الشمسُ يُعيي كفَ قابضه // شعاعُها ويراهُ الطرفُ مقتربا). الأمر الآخر ما ورد في البيت الأخير من مفارقة حلوة ساقها الشاعر بأسلوب رشيق حين تساءل كيف يختلط غزال (شادن) بفتيات أعرابيات ؟ أو إنه يستنكر أن يختلط غزال بأعرابيات بدويات أو كيف إستطاع هذا الغزال أن يجد له مجانسة ومؤانسة وشراكة مع من لا يشبهه في طبيعته وتكوينه وفي جنسه فإنه ينتمي أصلاً إلى عالم الحيوان لا إلى عالم الإنس. الغزال هو موضوع غزله بالطبع.

نقرأ في قصيدة (نفديك من سيلٍ ندي) نوعاً آخر من غزل الوداع المترع باللوعة والأسى. وكما هو متوقع، لا وداع إلاّ بحضور الإبل، لكأنما يبغي الشاعر الفنان أن يضيف جواً من الأبهة والفخامة لمشهد التوديع. فمنظر الناقة أو الجمل منظر لا شكَّ مهيب، فهما أضخم جُرماً وأعلى سمتاً من أي مخلوق صحراوي آخر عرفته العرب في صحاراهم و فيافيهم. وراكبها يضيف مهابة أخرى إلى مهابتها خاصةً إذا ضمَّ الهودجُ الركبَ. المتنبي فنان من الطراز الأول. إذ لديه حس فائق الجودة بمعنى ومغزى الفراغ الفيزيائي سواء في شعره أو في عالمه الخارجي. إنه يفهم فلسفة الفراغ من ثم لا يطيقه على الأطلاق… يخشاه… يخاف منه إستجابة لنوازع داخلية تتبطن أعمق أعماقه. جسد

الجمل الضخم يملأ هذا الفراغ الروحي الداخلي والفيزيائي الخارجي. يعادل هذا الإمتلاء المصطنع خوف الرجل الحقيقي مما يصف أمامه من مشهد فراق من يحب. إنه التوازن بين الذات والموضوع، بين عالمي الداخل والخارج يسعى إليه الشاعر بوعيه وبكل حواسه ووسائله الشعرية.

في هذه القصيدة، كما في قليل غيرها، يوظف المتنبي الخمرة وتأثيرها على البشر ولكن في معرض الغزل ووصف المتغزل بها كما سنرى . نقرأ غزل هذه القصيدة معاً:

جَللا كما بي فليكُ التبريحُ

أغذاءُ ذا الرشأِ الأغنِّ الشيحُ

 

لًعِبتْ بمشيته الشَمولُ وغادرتْ

صَنماً من الأصنامِ لولا الروحُ

 

ما بالهُ لاحظته فتضرّجتْ

وجَناتهُ وفؤاديَ المجروحُ

 

ورمى وما رمتا يداهُ فصابني

سهمٌ يُعذّبُ والسهامُ تُريحُ

 

قَرُبَ المزارُ ولا مزارَ وإنما

يغدو الجَنانُ فنلتقي ويروحُ

 

وفَشتْ سرائرُنا إليكِ وشفّنا

تعريضُنا فبدا لكِ التصريحُ

 

لمّا تقطّعت الحُمولُ تقطّعتْ

نفسي أسىً وكأنهنَ طُلوحُ

 

وجلا الوداعُ من الحبيبِ محاسناً

حُسنُ العزاءِ وقد جُلينَ قبيحُ

 

فيدٌ مُسلّمةٌ وطرفٌ شاخصٌ

وحَشاً يذوبُ ومدمعٌ مسفوحُ

 

يجدُ الحمامُ ولو كوجدي لأنبرى

شجرُ الأراكِ مع الحمامِ ينوح.

يضعنا الشاعر كعادته في أجواء الصحراء الخالصة فيذكر الرشأ (ولد الظبية في البوادي) ويذكر شجر الشيح الصحراوي وذكرَ الهوادج أو الإبل (الحُمُول) ثم قد ذكر شجر الآراك الصحراوي. فلِمَ كل هذا الهوى والتوله بالصحراء؟ هل هو من تأثير نشأته الأولى في بادية السماوة؟ كان الشاعر دوماً مع عالم ومناخ وأجواء البوادي. البادية للشاعر تمثل النقاء والطهارة والشجاعة، الرمال والهواء النقي، الحرية المطلقة والإمتداد الجغرافي غير المحدود، حرية الحركة وحرية الفكير والتعبير ثم الإندماج الكلي مع الطبيعة كما هي. وأخيراً الزهد في الطعام والشراب. بالمناسبة… لم يتطرق المتنبي في شعره إلى الطعام لا وصفاً ولا حاجةً ولا رغبةً إلاّ في بيت واحد من قصيدة قالها مادحاً عَضُد الدولة البويهي حين كان ضيفه في شيراز من بلاد فارس. قال المتنبي في هذا البيت (ولو كانت دمشقُ ثِنى عِناني // لبيقُ الثردِ صينيُّ الجِفانِ). ذكر المتنبي في هذا البيت ثريد الخبز وهو يُقدّم في قصاع من الخزف الصيني. أواني الخزف الجيد (نسميه في العراق فرفوري) ما زال الإنجليز يسمونه اليوم

" صيني " China .لم يصف مائدة طعام ولم يتشهَّ أيَ صنف من أصنافه المعروفة يومذاك، لا في العراق ولا في بلاد الشام ولا في مصر ولا في بلاد فارس. بلى، كان قد ذكر تفاح لبنان مُشبّهاً به خدود فتاته، وذكر العنب في بيته (فإنَّ في الخمرِ معنىً ليس في العنبِ). وذكر العناقيد في بيته

(نامت نواطيرُ مصرٍ عن ثعالبها // فقد بَشِمنَ وما تفنى العناقيدُ). كما ذكر نوعين من التمور المعروفة في العراق في البيت (فكأنه حَسِبَ الأسنّةَ حلوةً // أو ظنّها البرنيَّ و الآزاذا). قلت إنَّ الشاعر لم يشتهِ هذه الفاكهة ولم يطرِها كأحد ألوان الطعام مما يتناوله البشر، إنما ذكرها للمقارنة أو المبالعة أو في معرض إيراد حكمة طريفة غير مسبوقة. لقد أفرط قبله الشاعر إبن الرومي في تعداد الأكلات وأنواعها ومذاقها.كما حاول أبو نؤاس مثل ذلك ولكن بدرجات أقل.

قصيدة (وُلِدوا على صهواتها)

كعادته المتوقعة، وضع الشاعر أمامنا لوحةً فتّانة تتوزع على محاور ثلاثة: سرب الظباء والمها، والعيس والإبل، ثم ساعة فراق ورحيل المها والظباء على ظهور هذه الإبل ودموع الشاعر منهاراً أمام هذا الفراق. في القصيدة توكيد آخر على عفاف الرجل وطهارة ذيله وبعده عن الفحشاء. وفيها صور غير مسبوقة ولا مما قد ألفنا من شعر قديم تتوهج فيها عبقرية المتنبي وسعة وجرأة خياله الخلاّق

الذي يأسر الألباب ويأخذ بمجامع القلوب. إنه قادر على رسم صور متحركة دافئة تهز عصب القاريء هزاً وتجبره على قراءة البيت والقصيدة مراراً وبلا أدنى ملل أو تعب:

سِربٌ محاسنهُ حُرِمتُ ذواتها

داني الصفاتِ بعيدُ موصوفاتها

 

أوفى فكنتُ إذا رميتُ بمقلتي

بَشَراً رأيتُ أرقَّ من عَبَراتها

 

يستاقُ عيسَهمُ أنيني خلفها

تتوهمُ الزَفَراتِ زجرَ حُداتها

 

وكأنها شجرٌ بدتْ لكنها

شجرٌ جنيتُ المُوتَ من ثَمَراتها

 

لا سِرتِ من إبلٍ لو أنيَ فوقها

لَمَحتْ حرارةُ مدمعيَّ سِماتها

 

وحَملتُ ما حُمّلتِ من هذي المها

وحَملتِ ما حُمّلتُ من حَسَراتها

 

إني على شغفي بما في خُمرها

لأعفُّ عمّا في سرابيلاتها .

تشق إبل الأحباب رمال الصحراء ولا حاديَ يحدوها. زفرات الشاعر المحب تقوم مقام الحادي.هل تشعر الجِمالُ بعمق جرح الشاعر المودِّع ؟ هل تتضامن مع ما فيه من لوعة وحرقة كبد تتفطر ولا تطيق صبراً ولا تحملاً ؟ هكذا أشرك الشاعر عيس محبيه المفارقين بإعتبارها عناصر رئيسة من عناصر اللوحة. عناصر هي الأخرى متحركة ولكن في الإتجاه المعاكس: الإتجاه الذي يأخذ الأحباب بعيداً عن المحب. مع كل خطوة في الإتجاه المعاكس تسيل دموع. حركة دائبة ومن الحركة تأتي الحرارة وفي هذه الحرارة تكمن قوة الإقناع والإدهاش في شعر الشاعر وتصديق ما يضعه أمامنا من قول مُصوَّر. هذه القدرة على توليد الحرارة بالحركة ومن الحركة وبالصور المتحركة هي ما يرفع الشاعر إلى قمم الإبداع والعبقرية والتفرد وليس المنطق اللغوي أو الفكري وليس قوانين العقل المألوفة ولا قوانين الميكانيك الفيزيائي (قوانين نيوتن للحركة). تكمن عظمة الشاعر المبدع في قدرته على رسم صور شعرية يثبّتُ فيها الزمن المتحرك بالأفعال (تثبيت المتحرك). في حين يأخذ القاريء الإتجاه المعاكس: تحريك الزمن الثابت لحظة قراءة الشعر (تحريك الثابت). القاريء يبعث الحياة والنماء في الحبة أو البذرة القابعة تحت الأرض. إنه الحرارة والنور معاً، أي إنه الشمس. الشاعر قطب والقاريء قطب آخر تربطهما قوة تنافر وتجاذب تتجلى في محصلتها النهائية عبقرية الشاعر في خلق وفرض هذه المعادلة على قرّائه وعلى التأريخ. لكنَّ الشاعر دون القاريء القرين يكون كالزمان بدون الإنسان والإحساس الإنساني. ليس للجمادات والنباتات والحيوانات إحساسٌ بالزمن.

قصيدة (يا مُغنياً أملَ الفقيرِ لقاؤهُ)

في هذه القصيدة دموع أخرى يذرفها الشاعر العاشق لحظة فراق من يحب. دموع تضرب بل تلطم بشدة خدوده كما تضرب خفاف إبل المحبوب الصخر الأصم فيتهشم تحت هذا الضرب. مقابلة طريفة يجمع الشاعر فيها ما بين أمرين متناقضين: عالم البشر الناطق وعالم الحجر الجامد. كلاهما يتهافتان ضعفاً نتيجة لحركة إنتقال في المكان. نزول الدموع من مآقي إنسان عاشق والهٍ نزولاً قاسياً تتكسر جرّاءه عظام الخدود. ووطأ خفاف جمال النازحين صخورَ الطريق وجلاميده الصلدة فتتكسر هذه الصخور نتيجةً لذلك. إتجاه الحركتين كلتيهما إلى الأسفل تحت تأثير قوة الجذب الأرضي. تكسّر وإنكسار مزدوج سببه ومسببه واحد: فراق الحبيب. إرادة الحبيب بالمغادرة فرضت نوعين من الحركة هما هطول دموع الرجل المحب من جهة، وشروع إبل الحبيب بالحركة لمغادرة المكان. إنكسار معنوي وإنهيار روحي لإنسانٍ نتيجة الحركة الأولى، وتكسّر لمادة من الجماد جرّاء الحركة الثانية. لا غرابة في هذا الجمع بين ما هو حي وما هو جماد فالأصل واحد من مادة واحدة قابلة للإنكسار والتهشم. والمتنبي يعرف جيداً أنّ الإنسان قد خُلِق أصلاً من تراب كما جاء في القرآن الكريم في عدة سور (ومن آياته أنْ خَلَقكم من تُرابٍ ثم إذا أنتم بشرٌ تَنشِرون / سورة الروم الآية 20) ثم الآية 14 من سورة الرحمن (خَلَق الإنسانَ من صِلصالٍ كالفَخارِ). ومعلوم أنَّ الفَخار مادة قابلة للكسر بسهولة.

القصيدة والدموع المزدوجة: دموع الشاعر ودموع أحبابه المغادرين (الفعلان غادرَ وغدرَ) قريبان جداً من بعضهما… فالمغادرة نوع من الغدر.

أركائبَ الأحبابِ إنَّ الأدمُعا

تَطِسُ الخدودَ كما تَطِسنَ اليرمَعا

 

فاعرِفنَ من حَمَلت عليكنَّ النوى

وامشينَ هَوْناً في الأزمّةِ خّضعّا

 

قد كان يمنعني الحياءُ من البكا

فاليومَ يمنعهُ البكا أنْ يمنعا

 

حتّى كأنَّ لكلِ عظمٍ رنةً

في جلده ولكلِ عِرقٍ مدمعا

 

وكفى بمن فضحَ الجَدايةَ فاضحاً

لمُحبّهِ وبمصرعي ذا مَصرَعا

 

سَفَرتْ وبرقعها الفراقُ بصُفرةٍ

سَتَرت محاجرَها ولم تكُ بُرقعا

 

فكأنها والدمعُ يقطرُ فوقها

ذّهَبٌ بسمطيْ لؤلؤٍ قد رُصِّعا

 

نَشرتْ ثلاثَ ذوائبٍ من شعرها

في ليلةٍ فأرَتْ لياليَ أربَعا

 

واستقبَلتْ قمرَ السماءِ بوجهها

فأرَتنيَ القمرينِ في وقتٍ معا.

هنا كذلك قد إجتمعت عناصر اللوحة المركّبة الصور بالتقابلات وبالحركات المحتلفة، أعني: الإبل

(ركائب الأحباب) والغزال (الجَداية) ودموع الفرقة وحرقة الوداع. مع فارق واحد، لا رمال في هذا المطلع الغزلي، إنما هناك صخور. طريق مغادرة الأحباب طريق صخري وعر وليس طريقاً صحراوياً رملياً أملساً.

سأختتم مبحثي عن دموع المتنبي بالقصيدة الشهيرة التي ذكر فيها ولأول مرة إسمَ أحد خلفاء بني العباس في بغداد، أقصد الخليفة المتّقي. لم يذكر الشاعر في ديوانه إسم أي خليفة عداه وعلى وجه الإطلاق. قال في قصيدة (ومن يكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريضٍ):

بقائي شاءَ ليسَ همُ ارتحالا

وَحُسنَ الصبرِ زمّوا لا الجِمالا

 

تولوا بغتةً فكأنَّ بيناً

تهيّبني ففاجأني اغتيالا

 

فكانَ مسيرُ عيسِهمُ ذميلاً

وسيرُ الدمعِ إثرَهمُ انهمالا

 

كأنَّ العيسَ كانت فوق جفني

مُناخاتٍ فلمّا ثُرنَ سالا

 

وحجَّبت النوى الظبياتِ عني

فساعدت البراقعَ والحِجالا.

ليس عسيراً أن نلاحظ عناصر الفراق التي ألِفنا في شعر المتنبي: الجِمال والعيس والدموع

والظبيات.

كتب المتنبي كما قلت في بداية البحث الكثير من أشعار الغزل الرائعة (مطالع أكثر من 63 قصيدةً) لكنها كانت خالية من الدموع، فيما ركّزت في مبحثي الراهن على موضوعة الدموع فقط وعلاقتها بالرحيل وبوسائط هذا الرحيل (الإبل). لم يكتب الشاعر قصيدة غزلية خالصة إختص بها حبيبة واحدة بعينها كما فعل قبله الكثير من الشعراء. كان كل غزله مطالع لقصائد زمن السلم أو أوان الحروب على حد سواء.

لقد كتب الدكتور علي شَلَق قسما خاصاً طريفاً عن غزل المتنبي في كتابه (المتنبي … شاعر ألفاظه تتوهج فرساناً تأسر الزمان / الناشر: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1982) لكنه لم يتطرق إلى موضوع دموع المتنبي أبداً. وهنالك فروق أُخَر بين دراستي هذه وما كتب الدكتور شلق حول غزل هذا الشاعر الجبّار.

سؤالان كبيران:

يتبادر إلى الذهن سؤالان: (1) هل كان المتنبي صادقاً في قصص الحب والفراق أم إنه كتب ما كتب لإنه شاعر والشعراء يقولون ما لا يفعلون وفي كل وادٍ يهيمون ؟ (2) هل كان صادقاً في ما ذرفَ من دموع ساخنة حارقة ساعة فراق الأحبّة ؟ أستطيع أنْ أُقرر وأنا مطمئنٌ لما أقول إنه كان كاذباً في كلتا الحالتين. لم يعرف في حياته إلاّ زوجه أم محسّد، التي لا يعرف الناس عنها شيئاً: من هي وما إسمها ومن هو أبوها ومتى إقترن بها ومتى أنجبت له ولده الوحيد مُحسّداً ولِم لمْ ينجبا سواه ؟؟؟؟

أسئلة كثيرة لا نعرف لها أجوبة. لقد صوّر هو نفسه موقفه من المرأة والشراب في أربعة أبيات من الشعر بالغة الدلالة، قالها في قصيدة نظمها في مصر عام 349 للهجرة، أي قبل مقتله بأقل من خمس سنوات. وعندي أنَّ موقفه هذا من الجنس الآخركان هو هو موقفه الذي إلتزمه طوال سنيِّ حياته. لنستمع إلى ما قال بشأن النساء عموماً (قصيدة خير جليسٍ كتاب):

غنيٌّ عن الأوطانِ لا يستخِفُني

إلى بلدٍ سافرتُ عنه إيابُ

 

وللسرِّ مني موضعٌ لا ينالهُ

نديمٌ ولا يُفضي إليهِ شَرابُ

 

وللخوَدِ مني ساعةٌ ثم بيننا

فلاةٌ إلى غيرِ اللقاءِ تُجابُ

 

وما العِشقُ إلاّ غِرةٌ وطماعةٌ

يُعرِّضُ قلبٌ نفسَهُ فيصابُ

 

وغيرُ فؤادي للغواني رميّةٌ

وغيرُ بناني للزجاجِ رِكابُ

 

تركنا لأطرافِ القنا كلَّ شهوةٍ

فليس لنا إلاّ بهنَّ لِعابُ

أعلن المتنبي في بيانه هذا وفي غاية الدقة الوضوح موقفه من أمري الخمرة والمرأة، فضلاً عن أمانته في الحفاظ على أسرار الناس وربما أسراره الشخصية ذاتها. لقد ظل الرجل أميناً على مبادئه الخلقية ولم يحدْ عنها قيد أُنمَلة منذ مغادرته العراق ومسقط رأسه الكوفة شاباً يافعاً لم يبلغ العشرين من عمره حتى سقوطه قتيلاً في ضواحي مدينة النعمانية بين واسط وبغداد عام 354 للهجرة في رحلة آيابه إلى وطنه قادماً من شيراز (وغيرُ فؤادي للغواني رميّةٌ // وغيرُ بناني للزجاجِ رِكابُ).

على الصفحة العاشرة من كتابه مار الذكر، كتب الدكتور علي شلق ما يلي [[ روى إبن خلّكان أنَّ رجلاً إسمه حمزة بن علي " البصري… الزيادة منّي " عايش الشاعر فقال عنه (بلوتُ من أبي الطيّب ثلاث خِلال محمودة، وذلك إنه ما كذب ولا زنا ولا لاط. وبلوتُ منه ثلاث خِلال مذمومة، وذلك إنه ما صامَ ولا صلّى ولا قرأ القرآن) ]].

أما الأمر الثاني، دموع الفراق… فإنه مرتبط بالأمر الأول: إذا لم يعشق المتنبي ولم يورط نفسه في أية علاقة مع النساء، فعن أي فراق يتكلم الشاعر وأية دموع يبالغ في وصفها وإنصبابها على خديه ؟

ما بكى على وفاة جدته وحاضنته ومن رعته كأم. وما ذرف دمعة واحدة على وفاة أم رفيقه وصديقه وسيده سيف الدولة الحمداني، ولا على وفاة ولد سيف الدولة ولا على وفاة شقيقتيه. فهل يريدنا أن نصدق دعاواه في العشق والفراق ودموع التوديع ؟؟ كان الرجل رائعاً في كذبه ذاك كما، كان رائعاً في تمثيل الدور الذي لعبه عاشقاً مُتيماً مكسور الفؤاد شارد اللب ضامر الحشا نحيل الجسم شاحب الوجه. إنه ممثل عالمي يكاد يعزُّ نظيره في عالمي الشعر والتصوير والتمثيل.

المتنبي وهوس الجَمال

كان المتنبي مهووساً بجمال وجوه البشر إناثاً وذكوراً. وكان يستهويه من الرجال من كان صبوح الوجه وسيماً مشرقاً أبيض البشرة. وتحضرني في هذا المقام خمسة نماذج من هؤلاء الرجال: سعيد بن عبد الله بن الحسين الكلابي المنبجي حيث قال فيه

يلوحُ بدرُ الدجى في صحن غُرّتهِ

ويحملُ الموتُ في الهيجاءِ إنْ حملا

والثاني الحسين بن إسحق التنوخي، وقال فيه

ورِقّةُ وجهٍ لو ختمتَ بنظرةٍ

على وجنتيهِ ما انمحى أثرُ الختمِ

 

أذاق الغواني حُسنُهُ ما أذَقنني

وعفَّ فجازاهُنَّ عنّي على الصِرمِ

والثالث هو أبو الفرَج أحمد بن الحسين القاضي المالكي، قال فيه

وما حارت الأيامُ في عُظمِ شأنهِ

بأكثرَ مما حارَ في حسنهِ الطرْفُ

والرابع هو بدر بن عمّار بن إسماعيل الأسدي الطبرستاني، قال فيه

تجلّى لنا فأَضأنا بهِ

كأنّا نجومٌ لَقينَ سُعُودا

وقال في بدر في قصيدة أخرى:

أرى حُللاً مُطوّاةً حِساناً

عداني أنْ أراكَ بها اعتلالي

 

وهَبكَ طويتها وخرجتَ عنها

أتَطوي ما عليكَ من الجمالِ ؟

أما في سيف الدولة فقد قال شعراً فيه حب حقيقي سافر و (غَزل) فائق الجودة وأفرط الشاعر في تشبيه وجهه بالشمس تارةً وبالقمر تارةً أخرى. فمما قاله فيه:

من قصيدة (يا مَن يُريدُ حياته لرجالهِ)

يا أيها القمرُ المباهي وجهَهُ

لا تُكذبَنَّ فلستَ من أشكالهِ

ومن قصيدة (لا رزقَ إلاّ من يمينك)

أطعتُ الغواني قبلَ مطمحِ ناظري

إلى منظرٍ يَصغُرنَ عنهُ ويَعظُمُ

ومن قصيدة (الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني) الشهيرة

ما لي أكُتّمُ حبّاً قد برى جسدي

وتدّعي حَبَّ سيف الدولةِ الأممُ

 

إنْ كان يجمعنا حبٌ لغُرّتهِ

فليتَ أنّا بقْدر الحُبِ نقتسمُ

وقال يمدحه في قصيدة (مَلَك القلوبَ والزمان)

وبمهجتي يا عاذلي الملِكُ الذي

أسخطتُ أعذلَ منكَ في إرضائهِ

 

إنْ كانَ قد مَلَكَ القلوبَ فإنّه

ملكَ الزمانَ بأرضهِ وسمائهِ

 

الشمسُ من حُسّادهِ والنصرُ من

قُرنائهِ والسيفُ من أسمائهِ

أما في قصيدة (الشمسُ تكسبُ منك نورها) فقد قال

تكسّبُ الشمسُ منكَ النورَ طالعةً

كما تكسّبَ منها نورَه القمرُ

هذه مجرد أمثلة وما زال في الديوان منها الكثير في التغزل بجمال وجه سيف الدولة الحمداني.

قلت إنَّ المتنبي الشاعر والإنسان كان مفتوناً بجمال الوجوه حدَّ الهوس. فلقد تتبعه حتى فى وجوه الموتى إذ قال واصفاً وجه والدة سيف الدولة المتوفاة:

صلاةُ اللهِ خالِقنا حَنُوطٌ

على الوجهِ المُكّفنِ بالجمالِ .

ألانرى في هذا البيت صورة قناع الموت الذهبي للملك الفرعوني توت عنخ آمون ؟؟

 

د. عدنان الظاهر

تشرين الثاني (نوفمبر) 2004           

 

   

قراءة ذرائعية سريعة في المجموعة القصصية / سرير عنكبوت / للدكتور عصام حسين عبد الرحمن

مقدمة:

كثيرًا ما يحتج المتلقي على انغلاق النص عليه، مدّعيًا أن النص غامض أو أنه ملغّز، ويحتاج منه إلى أكثر من قراءة للنص حتى يدرك الفكرة أو المعنى الذي أراده الكاتب...! وهناك من يطلب من الكاتب أن ينزل إلى مستوى المتلقي حتى تروج بضاعته في سوق القراءة والمطالعة...! سيّما في الأسواق الأدبية التي راجت فيها النصوص الواقعية التي تعكس مجتمع الشارع والبيت والعمل، وكل ما يدور في هذه المكانية، ضمن حيّز معقول من الحرية الفكرية والأمنية، لكن ..أقولها وأكرر القول مرات عديدة:

أولًا: إن النص إن خلا من الانزياح نحو الرمز أو الخيال كان إخبارًا، تقريرًا صحفيًّا، وليس أدبًا.

ثانيًا: إن الكاتب عندما يضع نصّه أمانة بين يدي المتلقي، على المتلقي أن يصون الأمانة كما هي، فكرة الكاتب كبؤرة ثابتة ومضمون لا يحق للمتلقي أن يتعرّض لها، بل يقبلها كما هي، ما دامت لم تخرج عن المنظومة والخلفية الأخلاقية الأدبية العالمية، ويناقش بمعانيها المحتملة التي استشفها من المضمون بالدلالات الرمزية والسيميائية، وهنا مجال الناقد المتبصّر، البحث الديناميكي عن الاحتمالات المؤجلة والتي هي لا نهائية، وتختلف من ناقد إلى آخر ومن متلقٍ إلى آخر، لذلك لا أوافق المتلقي الذي يقول أن النص لم يصله كما أراده الكاتب، فهذا غير مطلوب أبدًا في النص الأدبي الحديث الذي هو أصلًا مفتوح على قراءات عديدة لا ندري عددها، فنحن لسنا أمام سيناريو معدٌّ للتمثيل بسلطة مخرج فيلم أو مسرحية أو مسلسل تلفزيوني.

ثالثًا: إلى متى يبقى المتلقي مدلّلًا، يقرأ النص وكأنه أمام وجبة جاهزة للأكل؟ أليس الأنسب أن يشارك ولو قليلًا في تحضير هذه الوجبة ؟! على الأقل بالاستعداد الفكري للتلقي؟ والتحضير لندوة ثقافية مقرّها فكر المتلقي؟! إن مطالبة المتلقي بالمشاركة الفكرية والارتقاء الثقافي لمستوى النص، أنسب وأرقى من مطالبة الكاتب بتقديم عمل سهل التناول كلقمة تسلك طريقها الطبيعي إلى (المعدة) بمساعدة العضلات اللاإرادية.

رابعًا: إن لأي نص مهما كان محكم الإغلاق مفتاح يتركه الكاتب في مكان ما، قد يكون في العنوان الذي يغفل الكثير من المتلقين عنه، وقد يكون في كلمة بالاستهلال، أو بقرين يتركه الكاتب إلى جانب العمود الرمزي، على المتلقي فقط البحث عن هذا المفتاح للولوج إلى النص وفك إغلاقه، إن لم يوجد هذا المفتاح أبدًا فهذا يعني أن النص فوضوي وبالغالب سريالي، وهنا اللوم يقع على الكاتب، إذ لا يلزم المتلقي هنا أن يدخل التيه الذي يصنعه الكاتب في فضاء لا مستقر فيه.

المجموعة القصصية (سرير عنكبوت) هي مجموعة غلبت عليها الرمزية والغرائبية في قسمها الأول، والواقعية بمسحة فلسفية في قسمها الثاني.

السيرة الذاتية:    

دكتور عصام حسين طبيب بشري، أخصائي أمراض صدر ، من جمهورية مصر العربية.

- مدير عام مستشفى قليوب المركزي ومستشفى أبو المنجا المركزي بشبرا الخيمة.

- نائب مدير مستشفى الصدر ببنها.

- روائي وكاتب.

مساميره على حائط الأدب:

ثلاث مجموعات قصصية:

- كرسي سادس خال

- امرأة تعشق الخيول

- سرير عنكبوت

ثلاث روايات قصيرة (نوفيلا):

- الكيلو 21

- أحلام رخيصة

- زحف الأرانب

بالإضافة للعديد من الكتابات النقدية الموازية والمقالات . 

البناء الفلسفي:

مازالت النفس البشرية وعلى مر الأزمان والعصور مادة دسمة للتناول من قبل الفلاسفة وعلماء النفس، و احتلت في علوم الأنثروبولوجيا حيّزًا لا بأس به باعتبارها اللبنة الأساسية التي يبدأ من عندها المجتمع الإنساني، كونها معمل لإنتاج السلوك الإنساني الذي يُعتبر العنصر الأساسي التي تتشكل منه الحضارة الإنسانية.

ورغم كل ما قيل في النفس، ورغم كل ما كشف من أسرارها، إلا أن القاع فيها مازال مَطْمرَ الكثير من الخبايا، حول هذا الموضوع بالذات دارت مضامين هذه المجموعة القصصية، التي جاءت على قسمين، عنوَن الكاتب القسم الأول ب (حرائق الروح)، كانت الأنا القلقة تحاول أن تجد لنفسها مكانًا تستقر فيه، فهي تائهة  وخائفة في (الفراغ) تعترف في يوم الحساب أنها لم تقدّم للحياة البشرية أي شيء (أثناء المحاكمة قلت: لم أر أحدًا، ولم أقم بفعل أي شيء لهما أو لغيرهما من البشر)، فكيف سيكون الحساب؟.

في (الآخر) يعرض الكاتب لجدلية العبور والخلاص، وخلط علينا الأمور بين عبور الدنيا وعبور الآخرة! فقط أعطانا فارقًا واحدًا بينهما، عبور الدنيا محكوم بالحركة والزمن والمشاركة، فهو لن يكون فرديًّا أبدًا، كما أنه مشروطٌ بالمناصفة، ذكر وأنثى، عنصرا الحياة، وإلا كان السقوط حتميّا، أما عبور الآخرة ففردي.

والقسم الثاني (سرير غريب) في هذا القسم خرج الكاتب من أغوار النفس، متوجهًا نحو المجتمع الذي ارتبط به بالسلوك الناتج كرد فعل حركي صادر عن أعماق النفس، لنرى البشر والحجر والشجر وقد قام الكاتب بتوظيفهم باتقان لإكمال المشهد والصراع الحركي المتمّم للصراع الداخلي، في قصة (وجه آخر للغواية) وصف دقيق لكل المحيط المجتمعي، وحركة البطلة ضمن هذا المحيط بدءًا من جسدها مرورًا بالجدران والصور والأطباق والملاعق والبحر والشرفة والشارع، و(هو) يتأبط ذراع أخرى، وانتهاءً بسرير أبيها وفوقه سرير العنكبوت.

الصراع بين الخير والشر، بالقدريّة التي تحكم الطبيعة البشرية، والحيرة أمام لا منطقية النتائج، بمقابل المقدّمات، كل ذلك كان بؤرة أساسية دارت حولها أحداث قصص هذه المجموعة. 

البناء الفني أو الإخباري:

نبدأ بتناوله من العتبة- عنوان المجموعة – سرير عنكبوت، عنوان قصير مؤلف اسمين نكرتين، تكرّر ذكرهما في قصتين متتاليتين في المجموعة (سرير غريب- ووجه آخر للغواية) القصة الأولى كان (هو) البطل، وفي الثانية(هي)، وفي كلا القصتين كان السرير الملجأ المنشود للراحة والسكون والحميمية، لكن للأسف ذات السريرعلاه عش لعنكبوتة حاكت خيوطه بغفلة من أصحاب البيت، لتكون دلالة رمزية على الخراب والإهمال والسوس الذي نخر العلاقة الإنسانية، ما سمح لأوهن البيوت أن يكون الأقوى.

المقدمة:

استعان بقول دوستوفسكي: إن ما يبقى في أعماق النفس من أمور أكثر كثيرًا مما يظهر في الكلمات. بذلك عرّف عن ماهية هذه المجموعة، حديث النفس بالمجمل مع إقرار بالعجز عن الإتيان بكل الحديث.

الصراع الدرامي: 

دائما هو صراع بين الشر والخير في ذات النفس البشرية، تثير تساؤلات الحيرة في محاولة لتعلّم فن العيش و الحياة، وهذا ما سيطر على قصص القسم الأول (حرائق الروح)، حيث كان الصراع في معظم قصص هذا القسم في النفس ذاتها، في محاولة لتخطّي كل جروحها، واعتماد الاسئصال والبتر الأليم  في سبيل البقاء والخلاص، أمّا الصراع بين البشر فقد ساقه الكاتب عبر العلاقات السلوكية بين أفراد المجتمع، يعرض مرة للرجل النكرة(العباءة الزرقاء) الذي لم يعرف أحد أصله ولا فصله، الذي يبني ثروة عبر دروب غير نظيفة، ليصبح رمز الفساد في البلدة، ومع ذلك عندما يواجه الموت لا يتوانى الطبيب المستقيم عن اتخاذ كل الاجراءات لإسعافه، ولعلّ مشاعر حلوة ربطته بابنة ذلك الرجل جعلته يبالغ بالاهتمام بأبيها.

اتبع الكاتب الطريقة الحديثة في بناء الحدث، حيث يعرض حدث القصة في لحظة التأزم (العقدة)، ثم يعود إلى الماضي flashback ليسرد بداية الحدث مستخدمًا تقنية مجرى اللاشعور Stream of consciousness، والذكريات memories

استحضر (في الفراغ، الأنفاس الضيقة، بديل صناعي، قصة سخيفة جدًا ....) كأمثلة.

أما فيما يخص سردية الحدث فقد استخدم طريقة الترجمة الذاتية، مستخدمًا ضمير المتكلم، متقمّصًا شخصية البطل، ومقدّمًا الشخصيات من وجهة نظره الخاصة، يحلّلها تحليلًا شخصيًّا، هناك تحفّظ على هذه الطريقة بل عيوب، من بينها أن الأحداث ترد على على لسان القاص الذي يتحكم في مسار نمو الشخصيات، ومنها أنها تجعل القرّاء يعتقدون أن الأحداث المروية قد وقعت للقاص، وأنها تمثّل تجارب حياته، وأنا شخصيّا أميل إلى هذا الافتراض في الكثير من القصص في هذه المجموعة، سيما في القصص التي يعرض فيها لعمله كطبيب.

الحبكة: خارطة الحدث القصصي، تسلسل حوادث القصة التي تؤدي إلى النتيجة، اللافت أن الكاتب كان يماشي أحداثًا خارجية حركية مع أحداث داخلية في خيالات البطل، يصنع حبكتين ظاهرة ومخبوءة، ويعقدهما في العقدة. وقد اعتمد في الحبك على تسلسل الأحداث أكثر من اعتماده على الشخصيات إلا في بعض القصص، وهذا طبيعي كون المجموعة قصصية، الشخصيات فيها قليلة، هذا إن لم تكن تعتمد على الشخص الواحد. 

العقدة: هي تشابك الحدث حتى يبلغ الذروة، وعليها أن تجيب عن سؤالين: وماذا بعد؟ ولماذا؟. في قصة سخيفة جدًا تقول البطلة: (أنا لا أقطع شعري ولا أهيم على وجهي لأنه تركني وتزوج بغيري، يحزنني أكثر أن أعرف بالصدفة، لماذا لم يخبرني؟ لماذا لم يكن متحضّرًا ويفضّ ما بيننا و يذهب).

لقد نجح القاص في عقد خيوط الحبك في كل القصص، جعل العقدة تتضمن صراعًا قدريًّا بنتيجة الظروف الاجتماعية، وصراعًا نفسيًّا في داخل الشخصيات.

النهاية التالية للانفراج: تحدد معنى الحدث وتكشف دوافعه وحوافزه وهي لحظة التنوير النهائي للعمل القصصي، النهايات التي أطلقها الكاتب كانت في بعض القصص مفتوحة أمام خيالات المتلقي، مثال عن ذلك (عتمة الأشياء، عطر الفقد ...) في عتمة الأشياء في النهاية تقول: (الآن استطيع تحمل ذاتي)، هل كانت تقصد أنها تحرّرت من عبء سرّ كشفه شريكها ؟ أم أنها تغلّبت عليه عندما أمرته بإخراج الصرصار من الحمام، وانصاع لطلبها رغم عدم اقتناعه بهذا الفعل؟

البناء الجمالي:

استخدم الكاتب الأسلوب الرمزي العميق، مبتعدًا كثيرًا عن المباشرة والتقريرية، معتمدًا على قذف مفرداته وعباراته من خارج جدار المباشرة و القص، اعتمد على اختيار دلالات تعطي معان واحتمالات مؤجلة بالرمز (السرير، العنكبوت ، زجاجة العطر، الجسر المتهالك المكون من جذعي شجرتين...)، كما اعتمد أيضا الأسلوب الواقعي، سيّما بقصص القسم الثاني فكانت مدرسة الفن للمجتمع متسيّدة.

ظهرت الصور الجمالية في النصوص، بانزياح واضح نحو الخيال وبصبغة فلسفية حاول فيها الكاتب أن يمنطق الأحوال، ما جعل مدرسة الفن للفن تلوح قليلًا بالأفق، في (حنين) كان الاستهلال: والصباح يملأ بالحروف والكلمات فجوات الليل، كنت تكتبني واصفًا إياي بأنف طويل مغروس في زجاج سيارتك الأمامي، وكنت أضع يدي على وجهي منصتًا لأحلامك الحلوة .....

الحوارات كانت تكثيفًا فلسفيًّا عدا أنها تكثيف أدبي، وتعبيرًا واضحًا عن الخلفية الثقافية للمتحاورين، في قصة (سحب سوداء) يواجه الطبيب مريضة السرطان: قلت بشخصية الطبيب: عليك أن تبدئي، اقرئي. أرجوك اقرئي وتذكري قبل أن تأكل السماء البشر.

لم ينوّع الكاتب بأساليب السرد، كان هو الراوي والمتكلم على الدوام، السرد من الداخل كان عبر الوميض الخلفي Flashback  و تدفق سيل الوعي، استخدم البديع والبلاغة، فجاءت بعض القصص أقرب ما تكون إلى خواطر متدفقة كالأحلام التي يراها النائم، فيها الرمز والتشبيه والاستعارات والتورية كما كان الحال في (حنين).

حوارات مقتضبة كانت دخيلة على المجموعة القصصية.

أتمنى أن أكون قد وفقت في قراءتي السريعة هذه، والشكر الجزيل لكل الحاضرين .

 

د. عبير خالد يحيي

 

 

دراسة نقديّة في خصائص اللغة في المجموعة القصصية "عندما يؤوب العاشقون"  للكاتبة التّونسيّة زهرة خصخوصي

مدخل

المتتبّع لما تكتبه الأديبة التّونسيّة زهرة خصخوصي سيدرك أنّها حالة أدبيّة فريدة، فرادتها تكمن في ذاك الشّغف بالمفردة في نصوصها، وفرادتها، أيضاً، تكمن في ذاك الغوص العميق في معاجم الجمال للغة العربيّة، واستلهام التّراث البيانيّ العربيّ، وصهره وإعادة تشكيله بأسلوبٍ جديدٍ يناسب  الذّوق المتجدّد، وفرادتها، من جهة ثانية، هي تلك القدرة الهائلة على استنطاق المعاني لتكون شريكاً في بناء النّصّ القصصيّ بثوبٍ غايةً في الجمال، ولتكون، بذلك كلّه، وجهاً جديداً لحداثةٍ عربيّةٍ جديدةٍ تساهم نصوصها في تشكيله.

وفي مجموعتها الجديدة: "عندما يؤوب العاشقون" ببيانها عالي النّبرة وقاموسها اللّغوي الواسع، بأصالته وجزالة مفرادته، جزالة الرّسوخ والثّقة وليست جزالة الصعوبة والتقعير، تؤكّد أنّ اللّغة عندها ليست مجرّد وعاء تضع فيه أفكارها أو تصوغ أهدافها، وكذلك تعزّز الثّقة بأنّ للبيان والبلاغة دوراً آخر في نصوصها غير الدّور الجماليّ في تجويد النّصّ وزخرفته اللّغويّة. فاللّغة في قصصها تتواشج مع البلاغة وعلم البديع، لتنهض كلّها بالدّور الوظيفي، أقصد بالضّبط: صوغ فضاء النّصّ وموضوعه وفلسفته ومقولته. فالبيان، إذن، عنصر عضويّ في موضوعاتها لا ينفصل عنها ولا ينفع، برأيي، دون هذه اللغة.

وبرأيي أيضا، فإنّ الكاتبة زهرة خصخوصي استطاعت في نصوصها الأخيرة أن تستحضر موروثنا الأدبيّ، ببلاغته وبديعه وبيانه، لتصوغ به وبلغة عصريّة نصوصاً معاصرة محايثة للإنسان وهمومه وأسئلته الوجوديّة، واستطاعت بهذه البراعة الأدبيّة، أن تحيي تراثاً أدبيّا ظنّ البعض أنّ الزّمن قد عفا عليه، وهاجمه البعض وربطه، ظلما، بحالة التّراجع الحضاري واغترب عنه، ودعا إلى الاغتراب عنه، بحجّة الولوج إلى الحداثة.

مغامرة لغويّة:

لغة الكاتبة زهرة خصخوصي في مجموعتها "عندما يؤوب العاشقون" أشبه بالمغامرة، بل هي المغامرة ذاتها، في عصرٍ ضاق فيه حجم المفردات المتداولة في الكتابة، وابتعدت عن الذّاكرة، وربّما غابت بسبب قلّة تداولها في النّصوص القصصيّة الحديثة. من هنا تأتي مغامرتها اللّغويّة، ومن هنا كان تفرّدها: أن تراهن على نصّ تقليديّ الصّنعة، من حيث البلاغة والبديع، عصريّ الطّرح من حيث الموضوع والأسلوب...

"بين السّيف والسّيف يتسلّل رمح الحنين، يعلو النّبض، يشتدّ في الوريد الأنين.

تلجّ يسراها فيها تنتفض بقايا رسم حنّاء خضّبها بها بوح لقاء" *تراتيل الحنين، النص السابع والعشرون في المجموعة

"كلّ المدينة أمست خراباً يعانقه خواء... أنّى يكون في حيّها العتيق نماء..؟" *من يسوس، القصة الثانية والعشرون في المجموعة.

خصائص اللّغة في قصص المجموعة:

سيكتشف القارئ أنّ للكاتبة أسلوباً متفرّداً في الكتابة: ذلك البيان والاحتفاء بالبلاغة، ليس غايته فقط ترصيع ثوب النّصّ بالجواهر، على جمالها، لكن للبلاغة في القصّ أدواراً وظيفيّة تساهم في بناء الحدث. فهي لا تكتفي بالدّور الجماليّ للبلاغة بل تستخدم هذه البلاغة وهذا البيان في توسيع أبعاد النّصّ وتأثيث فضائه الزّمكاني من خلال انعكاسات اللّغة وانزياحاتها وإيحاءاتها اللّامنتهية، وليخرج النّصّ قطعة فنّيّة وتحفة تراثيّة متجدّدة. تراثيّة: لشدّة تمسّك الكاتبة باللّغة نحواً وصرفاً وبياناً، ذلك التّمسّك الأرثودكسي. ومتجدّدة: لاتّساع الآفاق التي تستطيع فيها التّراكيب والمفردات أن تصلها عمقاً وامتداداً.

"عشقتُ أسماء..

غِرّة كانت تمشّط جدائل الفرح، وترسم على الغيم بطبشور الحلم قصوراً وجناناً وينابيع قصيدٍ بالصّبّ تدفق.."  *أهازيج الاحتراق، القصة الأولى.

"عيناه لا تقرّان..

نظراته تجول كتائه بين البيد والعتمة

المدفأة تشرق بالرّماد.. الفنجان الوحيد على المنضدة القريبة منها يتلمّظ بقايا قهوة جفّت وما خبت ريحها.." *أتنفّس دلالك، القصة الخامسة.

"أراقبها تنأى وهنة عن دروبي كشمس تطاردها سياط الدّجى الحائرة..

أتوه خلف ظلّها المنسكب في أقداح ذاكرتي البعيدة، ألملم أسمال طفولتي الضّاجّة فيّ كجرو حبيس يشاكسه صبية من خلف قضبان السّور" ..*اغتراب، القصة السابعة

"السّماء ترنو إلى الفرح الشّادي، تسكب إليه دنان الشّمس كؤوس الضّياء". *أيتام القمر، القصة العاشرة.

التّناصّ، سماء النص العالية:

ولع الكاتبة بالبلاغة من جهة، ودرايتها بالموروث البياني من جهة أخرى، يظهر في تلك الاستعارات من البيان القرآنيّ أو الصّوفيّ...

"في رحم الغياب عشقته..

اشتدّ المخاض.. أبت ساعة الطّلق أفولا..

همس في خافقها: لا تجزعي..

هزّ جذع النّخلة

تناثر حولها الرّطب". *احتضار، القصة التاسعة عشرة.

وكذلك في استحضار العالم الصّوفي سواء في فضاءات النّصوص أو في لغتها السّرديّة أو في حوارات الشّخصيّات بلغتهم التي تدمج الذّات بالآخر..

"طرقت أبواب سماء العزم على تصعّد جبل أناي..

ارتضعت أناة الخطو غيماتٍ غيمات

تناثرت زخّات الصّبر على نوافذ هودج العبور إليّ" *على شفا الخطو الأخير، القصة الخامسة عشرة.

أمّا في نصّ "بارقة في الدّجى" فقد كشفت الكاتبة قدرةً هائلة على تطعيم الحدث بتناصّات مدروسة، إمعانا في التّركيز على الحالة الشّعوريّة أو الوجدانيّة للشّخصيّات. فقد أعطى تناصّها مع التّراث الصّوفي، لا سيّما شمس التّبريزي، وهذا التّناوب في الحوارات بين قول الشّخصيّة الحاضرة المعاصرة، وبين قول التّبريزي، أبعادا جديدة للشّخصيّة توسّعت فيها أمداء المشاعر عمقاً روحيّا. ومن ناحية أخرى أظهرت قدرة الكاتبة على امتلاك ناصية اللّغة، تحرّكها كما تشاء، وتشكّلها كالعجينة بين يديها، في تناوب مدهش بين كلام التّبريزي وكلام الشّخصيّة، بحيث لم نعد ندري أيّ كلامٍ هو من إبداع الكاتبة وأيّه كلام التّبريزي، لولا أنّها ميّزت التّناصّ بعلامات الحصر، وكلّ ذلك بانسيابيّة دون أيّ قفزاتٍ أو ثغراتٍ أو فواصل تفصل مكوّنات النّصّ: 

"زويت بين حاجبيّ، قطّبت جبيني.. شدّت عزما على الرّحيل وهي تردّد:" لكي يعيش الحرير يجب أن تموت دودة الحرير..

 وعلى ولهي بك أن يظلّ فيّ خافقا،

وأنت يا أنا بعيداً عن مجراه أراك دافقاً.

في الحبّ يلتقي مجرى الأحلام، وأنت لاتزال عن مجرى حلمي نائيا.

راقبتها تلملم انتثاراتها وتتوارى.. تمتمتُ:

إنّ السّعي وراء الحبّ يغيّرنا، وما عدت أنت يا حبيبي مذ سعيت خلف ألوانه تسآلا". * بارقة في الدّجى، القصة العشرون

البلاغة - قاطرة الحدث:

ليس دور البلاغة في قصص هذه المجموعة القصصيّة دوراً سرديّاً تأثيثيّاً أو وصفيّاً فقط، إنّما للبلاغة فيها وظيفةٌ في ترتيب الحدث، تساهم في صياغته وتشكيله ونموّه وتطوّره.

"أتوق إلى فيء خطاها، أحملني إليها حنينا وبعض منى..".."اغتراب، القصة السابعة

"سرى في وريد الصّمت أنين الخواء.. جالت عيناه بين الصّدر والنّحر

لا نبض حياة يرقّ له الجفن

تلمّظ صقيع السّؤال..". *عَوْد، القصة الرابعة

"تهدّج صوته وهو يرنو إلى غيمة تحطّ على المئذنة الوحيدة.. أتراها لا تزال تعانق مواعيد الصّلاة؟". *عَود

وسأكتفي بصورة صغيرة من قصّة "على ضفّة الحياة":

 "هناك الفردوس يا إسماعيل، والجحيم هنا.. يهمس النّبض بغضبة البراكين "

هذه الصّورة المركّبة كم اختزلت من كلمات لتوصيف الصّراع الدّاخلي وهيئته الخارجيّة؟ ويصعد بالحدث قُدما(حكاية النّصّ تقوم أساسا على الصّراع الذي يعانيه المهاجر  المغترب عن وطنه بشكل رئيسيّ). لو حاولنا تحليل الصّورة تحليلاً بلاغيّاً سريعاً، فأيّ سرّ سنجد في كتابتها وأيّ سحر؟ 

"يهمس النّبض": استعارة مكنيّة، حذف المشبّه به(إسماعيل) واستبقى المشبّه النّبض، الهمس حالة الإنسان الخائف الحذر المتوجّس..

أمّا اختيارها للنّبض فيدلّ على الحالة الجسديّة المرافقة لتلك المشاعر السّابقة

"بغضبة البراكين": استعارة مكنيّة تكمّل الجملة وتتعلّق بالجزء الأول منها.

الغضب والبراكين من جهة، والهمس والنّبض من جهة أخرى، وكلتا الحالتين  تعبّر عن صورة واحدة هي الحزن والخوف التي يعانيها، تحمله في ثورة داخليّة كأنّها براكين تثور في روحه، وهذا سرّ النّبض المتوتّر المهتاج.

أيّة أبعاد نفسيّة وشعوريّة وجسدية اختزلتها الكاتبة في صورة جميلة من أربع كلمات فحسب؟ وأيّ صور أخرى تحضر في خيال القارئ وهو يدمج الهمس بالغضب والنّبض بالبراكين؟ وأيّة عبقريّة ناعمة أبدعت هذه الصّورة الفريدة، لتختزل كلمات كثيرة ومناورات ومداورات و… ولتصل مباشرةً إلى ما تبتغيه، وتفتح في خيالنا أفقاً لحالاتٍ عشناها وعرفناها أو قرأناها.

روحانيّة المفردة وشعريّة السّرد:

"همست لها: سأجمع للعمر فينا أكاليل الفرح، وأعود إليك نرفع عُمُد بيت يحضننا. نشجت: أنّى بملح نواك يُزهر العمر؟".

أتراني نسيتك يوما..؟ يا للشّوق إليك ملتهبا فيّ يذروني رمادا ثم يتأجّج في حطامي من جديد.. ألا تذكرين..؟" *أهازيج الاحتراق، القصة الأولى

"ألا إنّ ذاكرتي تحطّمت على سطح اليمّ.. تحلّلت في الماء، وانطفأت دخاناتها الحزينة، قبرتها، بل قبرتني وعدت أسأل فتوق هذه المدينة الوحيدة التي ظللت أذكر من خطاي القديمة، علّي بذلك ألملم مزقي الغائبة في دياجير العمر"  *ينزّ شذاها ، القصة الثانية 

هذان مقبوسان صغيران من أول قصّتين في المجموعة، و كلّ قصص المجموعة تدور في هذا الفلك اللّغويّ، رقيقة شعريّة، لذلك أقول بثقة: كي نقرأ هذه المجموعة علينا أن نغمض أعيننا، ونغلق آذاننا، ونعزل حواسّنا كلّها ونتذوّقها بأرواحنا العارية، ندخل في كلماتها، ننتشي، نتذكّر رعشة لهفٍ أصابتنا ذات شوق، غشاوة كأنّها الغيبوبة لحظة وجد، أو غشاوة دمع غلّفت أعيننا ذات فقد، نتذكّر تلك الرّعشة التي اعترتنا ذات عشق.

حتّى نفهم هذه المجموعة، علينا أن ندخل المحراب الذي كُتبت فيه، ونقرأها بالرّوح المدنفة التي كتبت بها.

كي نقرأ هذه القصص علينا أن نخلع أرديتنا القديمة، وننزع عن أرواحنا كلّ ما هو خشن، ثمّ نصعد إليها بشفافيّة تلامس شفافيّة كلماتها..

هذه اللّغة الرّقيقة الشّفّافة لا تقتصر على القصص ذات المضمون الرّومنسي، بل هي تنسحب على المجموعة كلّها وموضوعاتها المتنوّعة، من الحبّ بأشكاله وتنويعاته.. ولعلّ الحبّ هو كلمة السّرّ التي تدور حولها قصص المجموعة، الحبّ باختلاف موضوعاته وحكاياته، لذلك جاءت لغتها بعيدة عن القوالب الجاهزة والشّعارات الرّنّانة..

في النصّ الذي اختارت أن يكون عنواناً للمجموعة "عندما يؤوب العاشقون"، وهو النّصّ الثامن والعشرون من حيث ترتيبه في الكتاب، تتابع الكاتبة رحلة العشق التي ابتدأتها في نصّها الأوّل، لكنّه العشق الأسمى، عشق الوطن، الأرض التي قال عنها أحمد بطل القصّة:

"أيا أرضاً من نورٍ ونار

وزيتونٍ وزيت

وياسمينٍ وزعترٍ وغار"

الوطن الذي مازال في الذّاكرة وفي العينين، فأوبة العاشقين في النّصّ جاءت بعد هجرانٍ قسريٍّ فرضه جورٌ وجهلٌ وقتل..

وللّغة في هذا النّصّ، كما في نصوص المجموعة، حضورٌ وظيفيّ.. هي لم تستخدم تلك العبارات الجاهزة التي تعوّدنا أن نستعملها أو نقولها  أو نستحضرها في حديثنا عن حبّ الوطن، كأنّها شرط من شروط الحبّ، لا يكتمل بدونها. كانت مفرداتها هي تلك التّفاصيل التي تحيط بنا، نعيشها يوميّا، لكنّنا، كما في كلّ أمور حياتنا، لا نلتفت إلى قيمتها إلّا بعد أن نفقدها: الدّمية الصّغيرة - حذاء صغير- وبقايا أصصٍ كانت يوما جنّة - التين والزّيت والزّيتون- وقصّة حبّ نسجت خيوطها في بيتٍ أو حديقةٍ أو في عيني صبيّةٍ ترقب فارسها من خلف نافذة الانتظار، والشمس والقمر والنّسيم...

ولم تسعَ الكاتبة إلى تغيير عالمها اللّغوي البياني الشّفيف، مع ما للنّصّ من آثار موجعة تستوجب الصّراخ والاحتجاج والتّنديد والاتّهام. هي اكتفت بأن تختصر الأمر كلّه بكلماتٍ قليلة، هي تساؤل مبطّن بالاتّهام تقوله عناصر الطّبيعة/الوطن، لأنّ الطّبيعة لا تزوّر الحقيقة ولا تزيّنها:

"ارتبكت خطى الشّمس.. توارت خلف سحابة هائمة ترجوها سترا، همهمت السّحابة: أنّى يستتر بالخواء الضّياء..؟.

 تاهت بوصلة الفجر في محاجرها وجفن الصّباحات عانق سباتا شتويّا بلا منبّهٍ إلى نسيم ربيع.."

وهل هناك حقيقةٌ أسطع من شمس الوطن وبحره ونسيمه؟

الكتابة المستحيلة. خاتمة

هذا هو الدّور الوظيفيّ للّغة الذي ما فتئنا نتحدّث عنه، والذي ما فتئت الكاتبة تستثمره في توسيع آفاق نصوصها، ولتؤكّد بشكل أكثر وضوحاً كيف يكون البيان والبلاغة عنصرين عضويّين مساهمين في حركة النّصّ وتصاعد حبكته.

السرّ، برأيي، أنّ هذه القصص لم تُكتب بالحروف التي نعرفها ونتداولها...هي قصص كُتبت  بروح كاتبتها، بما اختزنته من جمال، بما نحلم به ونتوق إليه، بتلك الومضة التي خطرت في وجداننا ذات لحظة وانزلقت عن ذاكرتنا قبل أن نلتقطها، لذلك حين نقرؤها نجد فيها بعضاً من أرواحنا.

ربّما لأنّنا اعتدنا على الصّنعة في كتابتنا، اعتدنا أن نستحضر أدواتنا، ونستجمع حروفنا، ونراجع دروسنا جيّدا قبل أن نبدأ طقس الكتابة، وهي، زهرة خصخوصي، الكتابة عندها فعل حياة، مثل التّنفّس، مثل النّوم واليقظة، مثل الاعتياديّ السّهل الذي لا نفكّر فيه في حياتنا… هي قصص مختلفة تحتاج قارئاً مختلفا، لا يكتفي بالدّهشة البلاغيّة، ولا بالمقولات النّقديّة الحديثة وحدها.

لابدّ كي نقرأ قصص هذه المجموعة أن نضع في بالنا، ومنذ البداية، أنّ البلاغة فيها، وبهذه الجرعة الزّائدة، ليست مجرّد لعبٍ جميلٍ، وتنسيق ٍ لزهورٍ جاهزة، بل هي جزء من النّصّ يختلّ إن حاولنا كتابته بأسلوبٍ آخر.

ولا غرابة، حينئذٍ، من أن يصف الناقد المصري أحمد طنطاوي أسلوبها اللّغويّ بالكتابة المستحيلة.

 

منذر فالح الغزالي

بون. ألمانيا الاتحادية

 

 

moamar baktawi2تقديم: يقسم الصغير المسكيني مسرحيته (الجاحظ وتابعه الهيثم) إلى خمس لوحات دون إعطائها عناوين خاصة. وتتميز اللوحة عنده بتقديم عدد من الشخصيات والأحداث. وتحتل اللوحة مساحة ورقية أكبر من مثيلتها عند الكاتب عبد الكريم برشيد.

وإذا كان الفصل في الدراما اليونانية، والكلاسيكية لا يشكل إلا جزءا من الوحدة الكبرى للنص، ويتميز بوحدة زمنية محددة - لحظة من النهار، أو يوم كامل أو أكثر-، فإن الوحدة الصغرى (اللوحة أو الحركة أو النفس..) في مسرحيات الهواة تتحدد باعتبارها وحدة شبه مستقلة ودالة بحدثها وزمنها وفضائها. وقد جاء هذا نتيجة التأثر بالاتجاهات والمذاهب المسرحية المعاصرة..

ومن منطلق مبدإ الجدل القائم بين الفن والواقع، فإن التركيبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سادت منذ الستينات، ستؤثر حتما في البحث عن لغة تعبيرية جديدة في المسرح، وفي باقي الفنون التعبيرية الأخرى. وقد حاول المثقفون والكتاب المتطلعون إلى التغيير، ابتداء من سنة 1959 اجتياح الساحة الفنية والأدبية، ونشر نصوص ذات محتويات تستهدف التوعية السياسية والاجتماعية. وأصبحت قضايا الشعب الأساسية هي الموضوع المفضل في القصة والرواية والمسرح.

فقد أدرك الكتاب الرافضون للوضع السائد، أن المسرح أداة جماعية، وهو ألصق الفنون بالمجتمع، وأكثرها عكسا لروح الجماعة وتجاوبها معها. وعلى حدّ تعبير رشاد رشدي فإن" المسرح والمجتمع بينهما علاقة هندسية، قد تكون عكسية وقد تكون طردية... بمعنى أنه حينما تزيد الضغوط بشدة على المجتمع يظهر المسرح... ويبرز ويتقدم ليظهر دوره المهم في تغيير المجتمع."(1) 

ويقول د.حسن المنيعي "إن المسرح لم يعد يتحرك في فراغ خلال الستينات، بل عرف ازدهارا (كبيرا) بعد أن أخذ شكله المعاصر، عبر إسهامات الفرق الاحترافية التي كانت تتجول في المدن والأقاليم، إلى أن تجذّر لدى الجمهور الإحساس بأهمية المسرح وبرسالته النبيلة". (2)  فبعد أن أخذ المسرح المغربي شكله المعاصر خلال سنوات الستينات، وأصبح كل فصل في المسرحية يأخذ دلالته بناء على تأسيس عالم سينوغرافي تخلّص النص من مستوى القراءة الأدبية، ليأخذ أبعاده فوق الخشبة عبر لغة درامية جمالية توظف العناصر المسرحية في بناء عرض فنّي متكامل، يُراعي الخصوصيات الجمالية والدرامية للمسرحية، "و بتوفر العناصر الأساسية تخلص النص - سواء كان اقتباسا أو تأليفا- من وضعيته المتقلّصة، أي كمجموعة كلمات مخطوطة فوق صفحة بيضاء، ليأخذ مكانه فوق الخشبة عبر لغة درامية جمالية تقوم على الديكور بألوانه، وأشكاله الزخرفية التي تحدد إطار الحدث". (3)

وتحت تأثير مثل هذه الرؤية الثورية في الإبداع المسرحي، انطلق بعض المسرحيين في التجريب، والقيام بجولات عبر المدن والقرى المغربية لنشر هذا الفن الجديد. وقد راودهم حلم تأسيس مسرح شعبي يُقام في الساحات العامة، والميادين، وفي كل مكان ويكون قابلا على الانفتاح على الجماهير.

وتحت تأثير المسرح السياسي لبسكاتور، والمسرح الملحمي، والمسارح التجريبية المناهضة لشكل المسرح الإيطالي، سادت موجة رفض المسرح الأرسطي ببعده الميتافيزيقي، والانخراط في كتابة مسرح جدلي لا يقوم على التطهير والتوحد والمحاكاة - وهي أهم عناصر المسرح الأرسطي - وإنما يقوم على رفض الواقع الزائف وعدم التصالح معه، ومخاطبة عقل المتلقي وإحساس التمرد والثورة القابع في داخله.

وثورة بريخت على مضمون المسرح الأرسطي الدرامي، قادته إلى الثورة على "القدر المأساوي، والبطل التراجيدي وكل ما هو فردي أو بطولي، بل وكل ما هو أرسطي أو تقليدي"،(4) وعلى شكل هذا المسرح، وقوانينه وأسسه الجمالية والفلسفية، وفي مقدمتها الوحدات الكلاسيكية (وحدة الزمن، والمكان، والحدث) التي اتسمت بالاستقرار والثبات طيلة قرون عديدة، حتى ترادفت مع مسار القدر الأزلي. في حين ترى النظرية البريختية أن جماليتها، وأسسها في تغير وتجدد، يواكبان التغير في المضامين لأنها في آخر المطاف تصور حالات تحتاج دائما إلى تصحيح.

وبالفعل، فإن مسرح الهواة من خلال نصوصه الرامية إلى التوغل في الواقع، والكشف عن تناقضاته، ووسائل الإحباط فيه وفضح أساليب الاستلاب والقهر والتهميش، استطاع أن يتجاوز المحاكاة الحرفية للواقع، والابتعاد عن الواقعية السطحية. فالتجأ إلى المبالغة والخروج على المألوف في سياق الزمن، والنبش في التراث، وفي الموضوع السياسي والاجتماعي والثقافي، وإعادة تكوين ملامح الأفراد والأشياء رغبة في الوصول إلى بلورة رؤية للعالم تختلف عن الرؤية التي سادت مسرح التأسيس والمسرح الاحترافي.

وكان ظهور هذه الكتابة المسرحية المغايرة متزامنا مع صعود الجيل الجديد المتشرب بثقافة مغربية جديدة ممتدة ومتصلة بالثقافة العربية التي أفرزتها الأوضاع السياسية، والاجتماعية، والثقافية لمرحلة ما بعد الهزيمة. ويرى د .عبد الرحمن بن زيدان أن من نتائج تأسيس هذه الكتابة الجديدة في المسرح المغربي، إحداث طفرة نوعية في النتاج المسرحي. وقد تمثلت صورتها في:

*ـ نقد الموروث وتفتيت مكوناته.

* هدم ما كان قائما في جوف النصوص الموروثة، لأن الدلالات العميقة لهذه النصوص كانت إعادة واستنساخا ولم تكن إبداعا.

* نقد المؤسسة وما فرخته من كتابات.(5)

لقد بدا مسرح الهواة، منذ انطلاقته، أنه جاد في تأسيس خطاب مسرحي قوامه رفض الحاضر والدعوة إلى تغيير الواقع. وبعد أن راكَم تجاربه المسرحية أبّان تطوره الكمّي عن تطور نوعي، يثير الانتباه ف"أصبح واعيا بقوته، وتحرّر سيّاسيا من الوصاية المؤثرة للوزارة، برفض اتبّاع نموذجها، بل وبالعمل في اتجاه مناقض لذاك الذي ترغب فيه الإدارة."(6) فأعلن التحدي والتمرد بتناوله مواضيع هامة: كالظّلم الاجتماعي، والقمع السياسي، والرشوة، وتزوير الانتخابات، وأزمة التعليم، والفقر المطلق، والبطالة، والحياة في أحياء الصفيح.. وغير ذلك من المواضيع التي كان المسرح المدعوم من طرف الدولة يتحاشى التعبير عنها. 

وكانت مسألة التعامل مع الجمهور، وزاوية النظر إليه من القضايا التي خالف فيها المسرح البريختي المسرح الأرسطي. فهذا المسرح الأخير يدفع الجمهور إلى الاندماج مع الخبرة السيكلوجية للشخصيات، ويحصر اهتمامه في القضايا ذات الطابع الخلقي الفردي، وليس القضايا المرتبطة ببنى اجتماعية أشمل. أما الأول، فينظر إلى الجمهور باعتباره خبرة تستكمل أدوات إدراكها العقلي والوجداني مع كل عرض مسرحي، مما يمكن هذا الجمهور من التدخل لتصحيح ما يعرض عليه من آراء، وعلاقات وهمية خاطئة.

من المسرحيات التي سوف ندرسها للوقوف على خصوصية خطاب مسرح الهواة، ومكوناته وجمالياته النصوص الآتية: (الجاحظ وتابعه الهيثم)  المسكيني الصغير.

وقد تنبه الهواة عند اختيارهم لعناوين مسرحياتهم، إلى أن ما يبدأ به الكاتب سيؤثر في تأويل ما يليه. لذلك  فإن العنوان باعتباره عتبة النص المسرحي، يؤثر حتما في تأويل النص الدرامي."كما أن الجملة الأولى من الفقرة الأولى لن تقيّد فقط تأويل الفقرة، وإنما بقية النصّ أيضا، بمعنى أنّنا ( نفترض أن كل جملة تشكل جزءا من توجيه متدرج متراكم يخبرنا عن كيفية إنشاء تمثيل منسجم) "(7)

والجاحظ، وابن الهيثم، - باعتبارهما شخصيتين رئيسيتين - يتحكمان في الواقع المسرحي، وفي الشخصيات الأخرى، انطلاقا من العنوان الذي يعد في الدراسات السميولوجية " نصا خارجا عن النص الدرامي"( 8 ).

1- صورة السلطة وعلاقتها بالمواطن

وسنتناول صورة السلطة من زاويتين: الأولى من خلال علاقتها بالمواطن. والثانية من خلال علاقتها بالمثقف، صورة الحاكم وعلاقته بالرعية: 

أول صورة للحاكم تطالعنا في هذه المسرحيات، هي صورة الحاكم المستبّد، الذي لا يعير أي وزن للرعية. وهو الشخص الذي يجمع المال، والجاه، والسلطة معا في يد واحدة، وينغمس في مجالس اللهو والمجون، الباحث عن  اللذات، المنشغل بمجالس الأنس والخمرة عن معاناة الشعب. ويظهر الخليفة في مجلسه الخاص، طالبا أحلى الطرب لطرد الهمّ والأكدار.

الخليفة:               قد يروقك الليلة مجلسنا الخاص. (للجارية) تابعي    

                        يا زمرد.. أصلحي الأوتار أطربينا.. أزيلي عن  

                                  مجلسنا الأكدار               

الجارية:                 (تعزف وتغني) أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري

الخليفة:               (ضاحكا بهستيريا) إني والله يا جاحظ.. أغار   

                                 من هذا البعير المنحوس الذي يقلدني في الحب..

الجاحظ:             لا تخف يا مولاي.. فمقلدكم أبكم..(9)   

تفيض أريحية الخليفة في مثل هذه المجالس، فيوزع الأموال على الندماء من الشعراء والجواري بسخاء. ولا تفوته معارض العطور، والأزياء، والنساء، والحفلات التنكرية، التي تقيمها شركات.. وجهات متخصصة في صناعة الجمال في العواصم الغربية.

مبعوث الخليفة:          أيها السادة المتنكرون.. طابت ليلتكم.. بأمر من الخليفة     المستنصر بالله.. أغلقوا بورصة المزاد.. فقد اشترى الخليفة المستنصر بالله منكم دار العطر  وفروعها.

الجميع:                          (تصفيق) عاش الخليفة المستنصر بالله.. (10)

وبنفس الرؤية والإحساس بالضياع والتلاشي، يشعر الشاب المحامي في  مسرحية (الجاحظ وتابعه الهيثم). فبسبب وقوفه إلى جانب أحد العمال المطرودين، والدّفاع عنه بالحجج الدامغة ضدّ ربّ المعمل المستغِل، يتعرض للطّرد من المحكمة، ويحكم عليه هو الآخر بالسجن.

الشاب:                     .. لكن لا تنس يا سيدي وموكلي العزيز أنا لا املك   

                                    مكتبا.. مكتبي في عيون الناس.. (صمت) آه كيف أستطيع أن أهيء قضيتك ..(11)

    

وإذا كان الإحساس بالمهانة شاق على المواطن وهو في وطنه، فإن هذا الإحساس يصبح مأساة، تتضاعف مرارتها لدى المهاجر في البلاد الأوروبية. فهناك يكتشف أن حُلمه لم يكن إلا سرابا يتبخر مع الحقد والعنصرية ابتداء من الحدود. ولكي تحصل السلطة على مشروعيتها، والاتفاق العام حولها بصفته شرطا ضروريا لتحقيق التوازن العام في المجتمع - رغم ما يحتدم فيه من تناقضات وصراعات -  فإنها تلجأ إلى وسيلة الإيديولوجيا، لأن كل دولة_ كما يقول عبد الله العروي _ "لاتملك أدلوجة تضمن درجة مناسبة من ولاء وإجماع مواطنيها، لا محالة مهزومة".  (12)

وفي ظل الأوضاع المتردية للدول العربية التي تغيب فيها الديموقراطية، وتهدر فيها الحقوق الأساسية للمواطن، وتسود فيها القوانين الاستثنائية الباطشة، وينعدم فيها الحوار الاجتماعي، ولا تُحترم فيها التعددية الفكرية والسياسية؛ في ظل هذه الأوضاع التي ترزح تحت ضغط الأزمات المتفاقمة المتحكمة، أصبحت هذه النظم تحتاج إلى إخضاع الجانب الثقافي، للجانب السياسي والإديولوجي. ولذلك فهي تعمل جادّة على تدجين المثقفين، سواء أكانوا داخل السلطة أم خارجها.

2- استمالة المثقف

ومن مظاهر استمالة السلطة للمثقف، إصرار الخليفة المستنصر بالله في مسرحية (الجاحظ وتابعه الهيثم) على منادمة الجاحظ له في مجالس طربه ولهوه، وإلزامه بالكتابة عن حيل اللصوص والمحتالين والمكدين والحمقى والمغفلين وقصصهم، من أجل التسلية بها. كما يُرغمه على المساهمة في الحفاظ على الأمن والأمان، وعلى أموال الخزينة.

ويرى الكثير من الباحثين في مسألة علاقة المثقف بالسلطة (13)، أن احتكار الدولة للسلطة يعمل على تهميش المثقفين. وكل إجراء يصدر من المثقف المستقل عن السلطة لفهم الواقع، أو  لكشف ممارسات النظام القائم وإديولوجيته، يؤول على أساس إثارة الفتنة، أو دعوة إلى تهديد التوازنات الأساسية القائمة. ومن هنا نشأت ظاهرة جذب السلطة للمثقف واستمالته، من أجل إلزامه بما تحدده له من دوائر للإنتاج الفكري والثقافي والفني، بما يخدم إديولوجية السلطة القائمة ومصالحها، وإضفاء الشرعية على الممارسات السياسية السائدة.

الجاحظ:           أرى أني قائل غير الحقيقة ..  

الهيثم:                لكن الخليفة المستنصر بالله يطلب

                              منك أن تحمي الرعية والخزينة..

                              وتنظف قاع المدينة من اللصوص..

                              والمستهترين.. والمستخفين بأمن الدولة..

الجاحظ:        الرعية أكبر من سيف الجلاد ( صمت)

                             أحس أني شاهد قد ارتشى.. وأن قلمي يرسم غير ذات الحقيقة..

                             كتابتي يا هيثم إبرة من ذهب..

                              تخيط أفواه المظلومين والجائعين باسم الحكمة..(14)

  

ويكتب الجاحظ تحت طلب الخليفة، النوادر  والمستملحات والحكايات المسلية، عن المشردين والحمقى والمجانين مما يرفه عن الخليفة، ويعينه في دعم الخطاب الثقافي والسياسي والتاريخي الرسمي.

الخليفة:            كتابك المنتظر يا جاحظ.. سوف يغير أحوال الرعية..

                              سأباهي به كتاب العجم.. وأستعين به في فتوحاتي..

                               واسترجاع ولاياتي المستلبة.. لا تنس يا جاحظ أن تجعله

                               ممزوجا بالملح... (15).

ويرى د.مروان فارس أن "العلاقة بين المثقف والسلطة هي علاقة اعتراضية باستمرار. فهناك نزاع تاريخي بين المثقفين والسلطات التي ينضوون تحت لوائها"، (16) ويتكون النزاع بين المثقف والسلطة عندما يستيقظ الوعي الذاتي، أو الموضوعي، المنظم أو التلقائي لدى المثقف، ويدرك أنه موضع استغلال من جانب السلطة التي يمثلها، وأنه يوجد في المستويات الدنيا من السلم الاجتماعي رغم ما يقدمه من إنتاج فكري وثقافي وفني. وحين تصل حالة الوعي لدى المثقف الذي يقف بجانب السلطة إلى الشعور بالغربة، وانفصام الوعي بسبب التناقض الذي يجد نفسه فيه بين إنتاجه الثقافي وبين ممارسته، وبين التوظيف الإديولوجي لثقافته ومعارفه، يُعلن العودة إلى الذات والتخلص من الماضي.

يمثل الجاحظ هذا النوع من المثقفين في مسرحية (الجاحظ وتابعه الهيثم) كما يمثله ابن الرومي في مسرحية (ابن الرومي في مدن الصفيح). ففي المسرحية الأولى يستيقظ وعي الجاحظ حين يتحرر من قصر الخليفة، ويطوف البلاد بحثا عن قصص اللصوص وحكايات المشردين. حينئذ يكتشف الواقع كما يعيشه الناس؛ ويشهد الجور في المحاكمات. وينصت إلى مآسي الناس، ومعاناتهم مع رموز السلطة ووسائلـها التي تصـل إلى الجميع، وفي كل مكان.

الجاحظ:            انْقُل عنّي للناس أنّي قد ضللت الطريق..

الهيثـم:                 أنت في نهايته يا شيخي.. ويجب أن تقول كلمتك..

الجاحظ:            الخروج عن هذه الطريق نجاة يا هيثم.. دعني أكذّب نفسي..

                                 وأصحّح المسار والمدار. من شابهني فقد كتب على الماء..

                                  وأهدى للناس شواهد قبور واغتال الحقيقة..(17)

وعندما يراجع الجاحظ ما كتبه في ضوء ما اكتشفه في الواقع، يستيقظ فيه وعيه الاجتماعي ويشعر بالاغتراب، فيتبرأ ممّا قدّم للنّاس من كُتُب زائفة كان يكتبها تحت الطلب. لقد اكتشف أنه كان بعيدا عن الحقيقة، وعن معاناة الناس، وعذاباتهم ومحنهم. فهو مع الظلم، والفقر، والمرض.

لكن تغيير الظروف والخروج من قبضة السلطة ليس بالأمر السهل. فالجاحظ حين يصل إلى الحقيقة، ويعلن القطيعة مع ماضيه وكتاباته، تعتبره السلطة خارجا عن القانون، ومجرما خطيرا تطارده العدالة بتهمة التحريض، والشغب، والتطّرف، وتهريب الحشيش... وفي الحدود يطلق عليه الحرّاس الرّصاص ظنا منهم أنه يحاول الهرب فيردونه قتيلا.

3- الوعي المأسوي في الجاحظ

من بين الأشياء التي تخلق الإحساس والوعي المأساوي، حضور الشخصية في الفعل الدرامي، أي عندما تستطيع أن تختار  وتمارس حريتها. وكذلك تناقضها مع الواقع والمجتمع الذي ترفضه وتتصادم معه... وإن ما يميز الطابع التراجيدي في مسرح الهواة، أنه ليس قدريا، ولا فلسفيا، ولا أسطوريا ميتافيزيقيا كما هو الأمر في التراجيديا اليونانية ولا التراجيديا الغربية المعاصرة. فالإحساس التراجيدي في هذا المسرح يتولد من اصطدام الإنسان بالقيم الحضارية، التي سعى بكل طاقاته إلى إنتاجها، ومن قلقه الوجودي إزاء مصيره الذي كلما حاول الإمساك به، بَدا لَهُ مجهولا غامضا؛ ومن الحياة العصرية المبنية على الآلية الميكانيكية التي لم تمنح الإنسان السعادة التي كان ينشدها من وراء التقدم المادي والحضاري.                 

4- المأسوية البريختية والهواة، والشخصية التاريخة

ففي المأساوية البريختية الحياة تبتلع الحيوية والوسيلة تهزم الغاية، التي تسعى إليها وتفسدها بدلا من أن تحققها أو تنميها... ويلخصها [مستر بيتشوم] في (أوبرا بثلاث قروش) حين يقول: "من ذا الذي لا يريد أن يكون طيبا ورحيما.. ولكن الظروف لا تريد ذلك! .(18 )

ويستدعي المسكيني الصغير في المسرحية، كلا من الجاحظ، والخليفة المستنصر بالله، والهيثم، والحاجب، والجلاد ...  فالشخصيات التراثية ليست كائنات تنتمي إلى الماضي الذي انتهت وظيفته، وإنما هي مواقف، وقيّم، ورموز، وإيحاءات مستمرة في الواقع والتاريخ.

وعلى خلاف ابن الرومي، فإن خطاب الجاحظ في مسرحية (الجاحظ وتابعه الهيثم) يعبر عن رفضه لمنظومة القيم التي كبلته فترة من الزمن، كان فيها أسيرَ  وعيٍ مسالم، تابع لهيمنة نظام الخليفة. لكن إحساسه بألم الآخرين أيقظ فيه الوعي التراجيدي، ودفعه الندم إلى تخطي النظام الذي وقع فريسته في السابق، ليعلن تخليه عن ماضيه، وتبرئته من فكره وكتبه التي كانت تموه الحقيقة، وتقدم المآسي والفواجع صورا للسخرية والضحك... ومن أجل أن يتّطهر، ويبدأ الحياة من جديد، يعلن الجاحظ القطيعة مع ماضيه.

الجاحظ:           (مترددا) لا أستطيع يا هيثم أن أشرب الهزيمة مرتين..

                     لماذا تشجعني على الهروب (صمت) عدالة المستنصر بالله

                                 تطلبني... أنا الذي أعطيتها المفتاح والقيود، وباركت 

                                 أحكامها في نصب المشانق للصوص "المافيا"..(صمت)

                                 من يحررني من ذنبي (صمت) ها أنا الآن قد أدركت أخيرا

                                  من يكون فينا السماد والبذرة... (19) 

لقد أدرك الجاحظ أنه كان وسيلة السلطة وضحيتها. فبعد مرحلة الإحساس بالآخرين، بدأت عنده مرحلة الحيرة، والخوف، والتردد. وهي أحاسيس تميز الوعي التراجيدي، وتمهد السبيل لتجاوز القول إلى الفعل للوصول إلى التخطي. لقد نبهّه الواقع والحقيقة إلى خطورة المهمة التي مارسها، والوظيفة التي كلف بها... فعمت كتاباته روح الدعابة، وملاحقة النكت والمستملحات حتى زكت الظلم، فتفاقمت المعاناة التي ولدت العصيان، والتمرد، والثورة.

الجاحظ:         آه الآن يا هيثم .. أدركت لماذا كفر الزنج بالسلطان

                              في البصرة.. ولماذا ثار القرامطة، ولماذا ضاعت الأندلس

                              وبيعت ولاية فلسطين..

الهيثـم:                هذا يثير حفيظة الخليفة المستنصر بالله.. وأنت ضيفه ونديمه

                               الليلة..

الجاحظ:          ليت كتبي.. وكل الجمل المسجوعة تحولت إلى    

                               سيوف ونبال في نحور اللصوص، والأعداء حتى    

                               أعتق الناس من شبح النخاسين.. (20).

     

إن الرحلة التي قام بها الجاحظ داخل نفسه وفي محيطه، مكنته من كشف النّقاب عن حقيقة الواقع، والأشخاص المتّهمين باللصوصية والصعلكة، والخروج عن النظام. فقد جعلته هذه الرحلة يعيد قراءة التاريخ ليقف على الأسباب الحقيقية لانتفاضة الفقراء والمهمشين والمبعدين (الزنج، والقرامطة..)؛ وعلى السقوط، والتردي العربي والإسلامي. لقد وعى أن القهر  هو الذي أضعف الإنسان العربي، وعطّل قدراته حتى أصبح مثقلا بالهزائم والنكسات؛ فأهدر طاقاته دون أن يمنحه فرصة المشاركة في بناء نفسه، ومجتمعه، وحضارته.

ويصل الجاحظ إلى الإحساس التراجيدي بتجاوز حالة اليأس، إلى ضرورة الفعل. حينئذ بدأ يكشف الأستار  عن عالم الأقنعة، والزيف، والنخاسة الذي كان يزكيه بكتاباته وصمته. وأول بداية هذا الإحساس اعترافه بضلال الطريق، وبرفضه الهروب من سلطة الخليفة. ويمثل الهيثم صوت الجاحظ الداخلي وأنّاه. وفي قمة اليأس، تولد التفكير في الفعل. وعلى عكس الشاب الذي دفعه اليأس إلى التفكير في الانتحار، يرفض الجاحظ الخلاص الفردي والهروب من مواجهة الظلم. ولذلك كانت نهايته شبيهة بنهاية الشخصيات التراجيدية، التي تقف متحدية مصيرها، غير مبالية بقوة الخصم، وسلطته. وهكذا يفضل الموت على الاستسلام والانسحاب.

الهيثم:                  لنبتعد يا شيخي.. من حقنا أن نحتفظ بأنفسنا

                                 أحياء.. نتنفس هذا الهواء... (صمت)  نحن نلقي

                                 أنفسنا عزلا في فخهم..           

الجاحظ:           أنت لست أعزلا ...

الهيثـم:                    لنختف يا شيخي ..

الجاحظ:              أنت سلاح نفسك.. انفجر متى شئت. (21)

لقد حاول مسرح الهواة، من خلال النموذج الذي وقفنا عنده، تجاوز البناء الكلاسيكي، ولاسيما في بناء الشخصية الدرامية. فهم يصورون مواقف تراجيدية، لكنهم يريدونها أن تكون خاضعة لمراقبة المتلقي وفحصه، حتّى لا يقع فريسة الإيهام والاندماج. لذلك، كانوا يعمدون كثيرا إلى تكسير الحدث، والتلويح بأن المأزق التراجيدي ليس مغلقا تماما، وإنما هناك مخرج ما، وأن الرؤية التراجيدية ليست قدرا نهائيا لا مفر منه.  

لقد كان المسرح عندهم وسيلة للصراع يتحدد به الموقع الاجتماعي، والموقف السياسي. كما كان يضع الهدف التنويري قبل كل الوظائف الأخرى، وذلك بتعامله مع القضايا الشائكة والمستعصية. وقد تعرض بسبب جرأته إلى مضايقات كثيرة، لكنه كان يصمد في وجهها إيمانا من ممارسيه برسالة المسرح في التغيير. وقد استطاع هذا المسرح أن يعرض صور المآسي والمعاناة التي عانتها الفئات المثقفة، والعاملة على يد قوات السلطة، والقوات الاستعمارية الامبريالية العالمية. 

ففي مسرحية (الجاحظ وتابعه الهيثم) يموت الجاحظ برصاص حارس الحدود بعد أن رفض الهرب، رغم توسلات الهيثم، ومحاولة إبعاده عن الحدود. ويشكل الموت في هذه الحالة حافزا، طالما واجهته الشخصية في صورة مخاطر تعترضها خلال أفعالها وأقوالها. كما يشكل عقبة أساسية حينما تقف الشخصية، وتنقطع إمكانية مواصلة الجهود وتحقيق القيم الجديدة. كما نجد وجها آخر للموت، وهو الموت الناتج عن الإهمال، وعدم تدخل الطبيب في الوقت المناسب. فأخ الشاب (الجاحظ وتابعه الهيثم) يموت بين أيدي الطبيب لأن المستشفى عجز عن توفير الدواء البسيط للمريض.

ويستمر تطلع الإنسان العربي إلى الحرية والاستقلال والسيادة؛ وهو الذي عانى قسوة الاستعمار. وقد شعر بأن ثقته بنفسه وبقدراته تتعرض يوميا للاهتزاز والخلخلة، وهو يتأرجح بين الإخفاق واليأس والمقاومة حتى أصبح اليأس "داؤنا العربي المفزع، وكل شيء في محيطنا العربي الممزق يشارك في تعميق النزعة اليائسة، ومواجهة هذه الحال لا تكون بإشاعة الأمل الزائف، وإنما بتعميق المعرفة والثقة بالنفس والإيمان بالغد".(22)

وفي هذه المسرحية، يرغم الشخص1 على الصمت، والتكيف مع السجن والاغتراب، لأنه نطق بالحقيقة، والحكمة، وعشق الوطن وحب الأرض. فهو يجرم حتى يتوب، ويعلن أنه كان في الطريق الخطإ.

شخص1:        (شاردا) ما تزال الكلمة تخونني...(صمت) نبوءتي

                              وعشقي أكبر من الحروف.. (صمت) لساني تخشب..

                               كان علي أن أفعل شيئا... أخطو.. أتقدم..

                              أتعلم من بأس الفأس وهو يفصل جذر الحنظل... (23) 

5- صور المعاناة في المدينة 

 تأخذ صور المعاناة التي تتعرض لها الشخصيات في مسرح الهواة، أشكالا وأوضاعا متعددة. وهي تتفاوت في القسوة والعنف: من تعذيب ونفي وسجن وتلفيق التهم، والتسبب في عاهات وتدمير للإرادة.. وغير ذلك من أساليب القهر، وتعطيل فاعلية الجسم والنفس وإرادة الحياة.

يلخص المسكيني الصغير، وضع المدينة التي حل بها الجاحظ بأنه وضع درامي، فالمدينة محكومة من طرف عصابات المافيا والمهربين والمحتالين الكبار. 

الجاحظ:           ...فالظلم كل الظلم أن تسرق الرعية، ويظلم الحر في

                                  وضح النهار باسم العباد والثقة والعدالة...(24)   

* السجن والمحاكمة

ومن ألوان التعذيب نجد معاناة السجن. وهي تجربة تتحملها الشخصيات التي تتهم في الغالب بالخروج على النظام العام. ففي مسرحية (الجاحظ وتابعه الهيثم ) نلتقي بسجين سياسي، عاشق للأرض إلى حد التضحية. يجد نفسه في السجن بتهمة اللصوصية. إلا أنه يدرك المؤامرة ويقرر المضي في الطريق لإصلاح الأخطاء، والوصول إلى غايته. 

    

شخص1:              (شاردا) كانت يداي في القيد كحزمة من السنابل

                                   بين يدي فلاح موشومة...(صمت) ألم أقل لك إنه

                                   شقاء لذيذ.. ذلك الذي يدفعك إلى أن تحتضن

                                   تراب الأرض، وتشّم فيه دمك المسفوح عطرا ليس

                                   كباقي العطور. (25)

 ويعد موضوع العدل من أهم المواضيع التي استأثرت باهتمام المسرحيين الهواة. فالعدالة ترتبط بالحرية ارتباطا كبيرا.. وكلاهما سارا في خط تطوري واحد، مع احتياجات الإنسان العربي إليهما. وتفسر كثرة المحاكمات في هذا المسرح بدوافع إثارة الاهتمام والتنبيه إلى المحاكمات الكثيرة التي تمّت في السبعينات والثمانينات على إثر الأحداث السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب. إلا أن المحاكمات التي تتعرض لها الشخصيات هي في الغالب صورية. ويكون الحكم جاهزا حتى قبل الإدانة، ممّا يعني تبعية القضاء للسلطة الحاكمة.

ويحاكم الشخص 1 في مسرحية (الجاحظ وتابعه الهيثم) بتهمة احتراف السرقة، والاستخفاف بالأمن. لكن المتهم يقرّ أن جريمته هي حبّ الأرض. فيتدخل القاضي لإسكاته. ويحضر الشهود ليؤكدوا تهمة كتابة أشياء ممنوعة في الأماكن العمومية. ثم يحكم القاضي على الشخص 1 بقطع يده اليمنى.

وفي نفس المسرحية، يحاكم أحد العمال بتهمة قتل رب المعمل. وعندما يقدم المحامي الشاب الحجج والدلائل التي تدين رب المعمل، تتهمه المحكمة بالمروق والسلوك المشين والإساءة للعدالة، فتحكم عليه بالسجن والفصل من سلك المحاماة.

كما نجد في آخر المسرحية محاكمة أخرى وهمية، تقام على مشارف الحدود؛ يقوم فيها الحارس بدور القاضي، ويقف فيها المحامي الشاب مدافعا عن الجاحظ، محاولا تبرئة ساحته. وتأخذ المرافعة بعدا أشمل، هو الدفاع عن الحقيقة والفكر الحرّ، والقلم النزيه، والكشف عن المجرمين الحقيقيين. لكن المرافعة كانت صيحة في خلاء، فتنحاز العدالة مرة أخرى وتساهم في اغتيال الصوت والكلمة والعقل، ممثلين في شخصية الجاحظ.

6- الصراع ورؤية العالم

يؤكد د كمال عيد أن الدرامية في أي مسرحية "لا تتحقق إلا بوجود مصارع أمامها يحمل إحدى كتفي الصراع. وهو بسلوكه العنيد هذا يبعث بالحياة إلى الدراما." (26) فالشخصية الدرامية تتحمل عبء الصراع من خلال سلوكها، وخطتها، وإصرارها على موقف معين. ومبدئيا فالتعارض يختلف عن الصراع الذي تتمثل وظيفته في تجميع الشخصيات، وتوحيد التعبير عن علاقة شخصية ما بالشخصيات الأخرى. أي أن تطور العلاقات بين الشخصيات يتم حول علاقة تعارض، وعنه ينشأ الصراع.

ونجد في مسرح الهواة مستويين اثنين من الصراع:

*مستوى الصراع الخارجي وهو ذو أبعاد اجتماعية وسياسية.

*مستوى الصراع الذاتي (الداخلي) وهو ذو أبعاد نفسية.

+ الصراع في (الجاحظ وتابعه الهيثم)

 والصراع الذي يخوضه شخص1، والشاب، في مسرحية (الجاحظ وتابعه الهيثم) هو من نمط الصراع الذي خاضه كل من سرحان.. فالطرف الثاني من الصراع يبقى دائما هو السلطة، أو الدولة بمؤسساتها السياسية والقضائية والثقافية. فالصراع بين هؤلاء الأفراد وبين هذه المؤسسات يبرز على المستوى الأديولوجي. فرغم أن هؤلاء لا يمثلون طبقة، أو مجموعة، أو هيئة، إلا أنهم يتوحدون في رؤيتهم للعالم. فالعالم بالنسبة لهم معطى أفسدته سلطة المال، والقوة، ومصالح الأقوياء. وقد فقدوا كل أمل في إصلاح الواقع، لكنهم وقفوا عاجزين عن امتلاك الوسيلة لتغييره.

وفي المسرحية الثانية، يعيش الجاحظ وضعا قريبا من وضع ابن الرومي. فالجاحظ الذي عاش زمنا في كنف الخليفة، وألف كتبا كثيرة حسب الطلب، يفاجأ بحقيقة الواقع عندما يعايش الناس. ومن هنا تبدأ معاناته الداخلية. وعندما يعي المأزق الذي وضع فيه، يتبرأ من كل ما كتب. ويقبل على الموت رغبة في التطهير والخلاص.

 7ـ الفضاء الآمن (الشخصي)

وهو الفضاء الذي تمارس فيه الشخصيات سلطتها بحرية. ويكون بالنسبة لها مكانا مألوفا. ويكون للمكان هنا بعد نفسي إلى جانب الوظيفة الفنية، والبعد الاجتماعي، والتاريخي، والعقدي. وهذه الأبعاد ترتبط أساسا بالمكان ولا تكاد تفارقه.

ويشعر الجاحظ في دراما (الجاحظ وتابعه الهيثم) بالغربة، وعدم الانتماء نحو المدينة، التي يحلّ بها ضيفا على الخليفة المستنصر بالله. فبعدما يتسقط أخبارها، ويعرف أسرارها وخباياها تتغير نظرته إليها، ويبدأ في بناء مفهوم جديد لعلاقة الحاكم بالسجناء والمهمشين والمبعدين. فعن طريق معايشته للواقع أدرك المفارقة التراجيدية بين ظاهر المدينة الناصع وباطنها المتعفن.

الجاحظ:           (ثائرا) لا.. لا يا هيثم.. نحن المجرمون في حق هذا

                                الرجل..(صمت) من يمسك محراثه ومنجله.. ويحصد زرعه..؟

                               (صمت) هذه مدينة فاجرة ومستنقع كبير... (27)

ويدرك الجاحظ العلاقة بين المدينة العربية، وبين المدن والعواصم الغربية، تلك العلاقة المبنية على التبعية الاقتصادية والسياسية. فهو يرفض الفرار إلى إحدى تلك المدن، لأنه يعلم أن لا فرق بينهما في رؤيتهما للشخصية، المناهضة للتسلط والتبعية.

الهيثـم:                لنهاجر إلى بلاد العجم.. أمريكا يا سيدي واسعة

                               قد تؤيد بعض أفكارنا..

الجاحظ:         ها أنت تختار جزارك وحدك.. والنخاس الذي

                               يبيعك ألف مرة.         

الهيثـم:            فرنسا يا سيدي صديقـة..

الجاحظ:          كل هؤلاء يا بني يملكون في الخفاء والجهر خراج هذه

                               الأمة. (28)

 وهذه الرؤية التي يحملها الجاحظ عن المدينة (الدولة)، يحملها أيضا الشاب الذي يدفعه الشعور بالظلم إلى التعبير عن قهر السلطة، وامتدادها في المؤسسات العمومية: التربوية، والقضائية، والاجتماعية.

الشاب:             يهمهم أن نتجرع النسيان في المدرسة، والشارع

                              والمقهى.. أن نشربه ممزوجا بالخوف والحصار.. (29)

ويتحول مكتب التشغيل في مسرحية (الجاحظ وتابعه الهيثم) إلى مستودع للأموات والمعطوبين. فهو يصدر القوة العاملة النشيطة، ويستوردها أجسادا مشلولة عن الفعل والحركة. إن ما يهم المكتب أساسا هو العملة الصعبة. وبهذا ينتفي البعد الإنساني داخل سوق الشغل.

الأعرج:                 ..أهم شرط أن تساهم في إنعاش العملة الصعبة.. وأن

                          يكون لك ملف خاص هناك في الخارج..(30)

تقوم العلاقة في سوق الشغل على تصدير اليد العاملة إلى الخارج، واستغلالها في الأشغال الشاقة واستنزاف قوتها العضلية. ويتجلى ذلك من خلال الشروط التي يفرضها هذا المكتب على المرشحين للهجرة دون اعتبار الشروط الإنسانية. بل إن ما يحكم هذه العلاقة هو احتقار اليد العاملة المنحدرة من الدول العربية والإفريقية.

 الشاب:          مادمت أتكلم.. فالوقت طويل.. طويل.. طويل..

                           كطريق لا تنتهي، صدقني أيها النادل العزيز.. لو أن

                           هناك سلما يتجه نحو كوكب مجهول لتسلقته

                            وحدي.. نعم وحدي.. (31)

ويمتد الإحساس بالهروب من الواقع المتأزم حتى الأطفال. فهم أيضا يتطلعون إلى الفضاءات الآمنة، ويسعون إلى إيجاد العمل والكرامة، لا سيّما أولئك الذين تحمّلوا مسؤولية الأسرة وهم في سنّ الدراسة.

التلميذ1:            انقطعت عن الدراسة منذ ثلاث سنوات...أريد أن

                                  أذهب إلى البلاد التي تقع  وراء البحار.(32)

وهكذا تمتد الرؤية الهروبية إلى جميع فئات المجتمع، رجالا وأطفالا ونساء. فالطفل1 يغادر المدرسة من أجل البحث عن عمل يعول به أسرته. وهو الآخر يلتمس العمل والكرامة في ما وراء البحر.

ومن خلال بحثنا في الفضاء الدرامي، توصلنا إلى استنتاج مفاده، أن الفضاء في هذه المسرحيات يكاد ينحصر في ثلاثة أنوا ع هي: الأفضية الآمنة، كالبيت  والحي، وهي قليلة ونادرة. وأفضية عدوانية، وتكون تحت وصاية السلطة وإشرافها. وأفضية محايدة، وهي بعيدة عن تحكم السلطة ممّا يجعلها مأمونة. ولكن هذه الأفضية تكون في الغالب رمزية أو خيالية. ويستحيل الوصول إليها في الواقع.

8- الهواة والمجهود الذاتي

ويرى د.حسن المنيعي أن "ما يثير الانتباه في إنتاجاتهم، هو الرغبة في الوصول إلى قمة الإتقان، وتعطشهم للدراسة والمعرفة إلى حد تجاوز مشاغلهم اليومية وإهمالها، كأساتذة ومعلمين وموظفين وعاملين".(33). وفي غياب المؤسسات الفنية التي تقوم بدور التكوين والتأطير. فقد اعتمد الهواة على مجهوداتهم الشخصية في التكوين الذاتي، وقدّموا عروضا ملتحمة مع الخصوصية الفكرية والثقافية والوجدانية للإنسان المغربي، وقد استخدموا الحكاية الشعبية، وفنون الرقص الشعبي والتراث الغنائي وتقنيات التقطيع و(الكولاج)... إلى أن صارت أعمالهم عروضا مسرحية فنية تنطوي على عوالم متعددة. 

ويقوم الجاحظ بهذا الدور في بداية مسرحية (الجاحظ وتابعه الهيثم). وهو يشبه الراوي في الأدب الشعبي. فهو يسجل الأحداث، ويرويها للجمهور بطريقة غير مباشرة.

الجاحظ:             وأنا في رحلتي الميمونة زائرا.. وباحثا منقبا..  في الكتب..

                                  كاشفا الغطاء عن العجيب والغريب.. ونازلا بالمناسبة..

                                 ضيفا عزيزا مكرما عند الخليفة المستنصر بالله... (34)

يروي الجاحظ -الراوي- الوقائع والأخبار الغريبة والعجيبة التي سمعها عن تابعه الهيثم، عن البلاد التي توجد في أقصى الغرب. فهو يسجل كل غريب وشاذ حتى تكون المادة المنقولة مثيرة للانتباه، مستحقة المتابعة لتحقيق المتعة، والفائدة.

وعندما يتوقف الراوي، يبدأ التشخيص، فينتقل الفعل الدرامي من مستوى الحكاية، إلى مستوى الفعل. فالجاحظ يقوم بثلاث وظائف، فهو يدوّن ما يسمعه ثم يرويه للقراء، ويشهد تشخيص كل ذالك حين يبدأ التمثيل.

يجسد الراوي صوت التاريخ الحقيقي: تاريخ الضعفاء الذي لم يكتب بعد. وهو على نقيض تاريخ الأقوياء الذين يكتب وفق ما يرغبون، لا وفق ما حدث بالفعل. وينوب الراوي أحيانا عن الجمهور ويصبح صوته المسموع. فيساءل الشخصيات للكشف عن الحقائق المستورة أو المزيفة أو المخفية عن الجمهور. فهو الصوت الكاشف للحقيقة، والفكر الناقد، والوعي المتحمس للتصحيح والإصلاح والتغيير.

9- الجوقة في الجاحظ وتابعه الهيثم

والجوقة من موقعها الاستراتيجي فوق الخشبة، تستطيع أن ترى أكثر مما يراه الممثلون المشتركون في الحدث الدرامي والمتفرجون في القاعة. لذلك فهي تعلق على الأحداث بهدف تعميق أثرها. وتمهّد للأحداث اللاّحقة بهدف تسهيل استيعابها. فهي بهذه الوظيفة تمثّل همزة الوصل بين مختلف أطراف الحدث الدرامي الإيهامي، وبين ما يجري على المسرح وبين الممثلين والجمهور.

وتقوم (المجموعة) بتعميق الفعل الدرامي، وذلك بتشخيصها لأوضاع الشخصيات، ونقل الفعل التخيلي إلى واقع الجمهور، منتقلة من الخشبة إلى القاعة. وهي بذلك تلغي الحاجز الوهمي، وتكسر الجدار الرابع، الذي يفصل الخشبة عن الجمهور. فهي تكسر الإيهام المسرحي ليصبح الجمهور طرفا مشاركا في اللعبة المسرحية، لأنه معنيّ ومسؤول عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية التي تعرضها المسرحية.

يقوم هذا النوع من الخطاب في حوار المجموعة وفي تشخيصها. ويعبر عن تفكير الفئات الشعبية، وعن ورؤيتها للعلاقات الاجتماعية والسياسية، وعن موقفها من الصراع الدائر بين المستغِل والمستَغل. وتُشخصّ المجموعة هذه القيّم بعرضها لمشاهد استغلال الأطفال في أشغال شاقة، وفي ممارسة التجارة في السوق السوداء. وفي هذا المستوى يتطابق الخطاب المشهدي المنظور مع الخطاب اللغوي الملفوظ.

التلميذ الأول:             والدي قد توفي... أخاف أن أنقطع عن الدراسة

                                           لأجد عملا أعول به أسرتي الفقيرة..

المجموعـة:                    اتسيري...اتسيري.. (داخل القاعة) اتسيري..

                                           (إلى الجمهور) اتسيريوا.. (35)

وتعمد مسرحية (الجاحظ..) إلى إبراز الملامح التاريخية بتصوير الأحداث والشخصيات، وكأنها ظواهر تاريخية عابرة. فالأحداث والشخصيات (المألوفة) تفقد وضوحها وبداهتها وألفتها، وتتحول إلى عناصر تثير الفضول والاستغراب والدهشة، من خلال الجاحظ من القرن الثالث الهجري إلى القرن العشرين. فاللجوء إلى تغريب الحاضر المغربي والعربي، يمنحنا فرصة فهم التاريخ والحاضر معا وفق المنظور الجدلي الموضوعي.

ومن مظاهر تغريب الخطاب الدرامي، تحدث الشخصية عن نفسها بصيغة المخاطب. فالجاحظ يناجي نفسه وكأنها شخصية منفصلة عنه. 

الجاحظ:               ها أنا أجرّم في وضح النهار..(شاردا) آه.. يا جاحظ..

                          لم ينفعك السجع والنثر المرسول.(36)

استعمل الكاتب ضمير المخاطب في المواقف التي يناجي فيها الجاحظ نفسه، أوفي محاسبة ذاته في مواقفها القديمة. وهي بداية على يقظة الوعي لديه. وهذا الموقف الجديد سيبعث تساؤلات لدى المتلقي، تؤدي به إلى اتخاذ موقف محدّد من الجاحظ.

خاتمة

لقد أدرك الهواة ضعف اللغة الدرامية في المسرح الاحترافي، والمسرح التجاري، ومسرح التأسيس. ومن أجل تجاوز ذلك، لجأوا إلى لغة تمزج بين الواقعية والشعرية، مع الحرص على جمالية العرض وطريقة أداء الشخصيات؛ ممّا يلزم المتلقي على الإقبال على هذا المسرح. وقد وفق الكثير من الهواة في التقاط لغة الناس العاديين وتوظيفها في لغة درامية متميزة بشعريتها وجماليتها، معتبرين اللغة عنصرا جوهريا ذات وظيفة حيوية في المسرح. فهي ليست أمرا ثانويا أو مجرد تعبير ثقافي.

لقد استطاعت هذه المسرحية التي توقفت عندها، أن تؤسس شعريتها المتميزة، ولغتها الدرامية الخاصة وفق رؤية خاصة للعالم، ومن منظور جديد، يعتبر المسرح مؤسسة ثقافية، وحضارية أساسية لبناء الإنسان العربي المقهور، ووسيلة للتعبير عن روحه المنطلقة التواقة إلى التحرر من كل المعوقات، والقيود السياسية والاجتماعية والثقافية.. ومنبرا حرّا للثقافة الحيّة التي تخاطب الطبقات الشعبية، وترتقي بفكرها ووعيها، وتهيئتها لحياة أفضل.

 

د. معمر بختاوي

..................

المصادر والمراجع.

1 - عن فاطمة يوسف: المسرح والسلطة في مصر، من 1952-1970، الهيئة المصرية العامة للكتاب،1994، ص 26.

2- .حسن المنيعي: هنا المسرح العربي هنا بعض تجلياته، منشورات السفير، ط1، 1990، ص     .76.77  

3- المرجع السابق، ص 76.

4- د.أحمد عتمان: قناع البريختية والشيوعية، مرجع سابق، ص 101.

5-  د.عبد الرحمن بن زيدان: خطاب التجريب في المسرح العربي، مرجع سابق، ص155.

6- عز الدين بونيت: الشخصية في المسرح المغربي بنيات وتجليات، منشورات كلية الآداب جامعة ابن زهر، أكادير، ط 1، 1992، ص 174.

7- حسن المنيعي، المسرح المغربي) من التأسيس إلى صناعة الفرجة)، مرجع سابق، ص25 .

8 -  يرى باتريس بافيس في معجمه، Dictionnaire du théatre , Edition social , Paris , p4   أن العنوان عبارة عن إشارة مسرحية تؤثر معرفته الضرورية على قراءة العمل المسرحي.

9- المسكيني الصغير: الجاحظ وتابعه الهيثم، مسرحية مرقونة، ص7.

10 - المرجع السابق، ص17.

11- المسكيني الصغير: الجاحظ وتابعه الهيثم، مرجع سابق، ص 21.

12 - عبد الله العروي، نقلا عن المرجع السابق، ص 400. 

13- ينظر كتاب: المعرفة والسلطة في المجتمع العربي، ندوة من تنظيم معهد الإنماء العربي، ص101، 293 . 392.

14- المسكيني الصغير: الجاحظ وتابعه الهيثم، مرجع سابق، ص 4.

15- المرجع السابق، ص7.

16- د.مروان فارس، ضمن كتاب: المثقف العربي دوره وعلاقته بالسلطة والمجتمع، مؤلف جماعي، المجلس القومي للثقافة العربية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 1985، ص 45.

17- المسكيني الصغير: الجاحظ وتابعه الهيثم، مرجع سابق، ص 17.

18- د.أحمد عتمان: قناع البريختية والشيوعية، مرجع سابق، ص 94.

19- المسكيني الصغير: الجاحظ وتابعه الهيثم، مرجع سابق، ص 18.

20 - المرجع السابق، ص 6.

21- الجاحظ وتابعه الهيثم، مرجع سابق، ص 19.

22 - د.عبد العزيز المقالح: ضمن المعرفة والسلطة في المجتمع العربي، مرجع سابق، ص 14.

23- المسكيني الصغير: والجاحظ تابعه الهيثم، مرجع سابق، ص 1.

24 - مرجع سابق، ص2.

24- مرجع سابق، ص1.

26 - مرجع سابق، ص1.

27- مرجع سابق، ص4 . 

28- المرجع السابق، ص19 .

29-  مرجع سابق، ص3.

30-  مرجع سابق، ص13.

31- مرجع سابق، ص3.

32- - أحمد العراقي : الشمس في بلاد الضباب، مرجع سابق، ص45 .

33- الرش مصدر، جمعه رشاش وهو المطر القليل. ويطلق على الضرب الموجع. ورشت الطعنة: اتسعت فتفرق الدم (المنجد في اللغة والأعلام، دار الشروق، بيروت، ط27،ص 261.)

34- المسكيني الصغير: الجاحظ وتابعه الهيثم، مرجع سابق، ص2.

35- أحمد العراقي: الشمس في بلاد الضباب، مرجع سابق، ص44، 45.

36- المسكيني الصغير : الجاحظ وتابعه الهيثم، مرجع سابق، ص5.

       

1232 saatbaghdadمن حق الكاتب /الكاتبة الجيدين علينا أن نحتفي بهما وبمنجزهما ونتيح له أن يتبوّأ المكانة التي يستحقها، ذلك أن النجاح، في حقيقة الأمر هو حكاية جهد مضني مبذول تماشياً مع المقولة الرائجة؛ " ما يُكتب دون جهد يُقرأ دون متعة " .

هنا يطيب لي أن أحتفي برواية (ساعة بغداد) التي خرجت من بين أنامل روائية عراقية غير محترفة أسمها شهد الرواي استطاعت أن تدخل بها عالم الرواية بقوة وتمكن .

تتمحور أحداث الرواية في إحدى مناطق بغداد الراقية نسبياً، والمكان هنا  يحمل رمزية عالية، وانطلاقاً من كون المكان لا ينتمي لخارطة مناطق بغداد الشعبية كما هو موجود وبكثافة في روايتي "خان الشابندر" لمحمد حياوي و" فرنكشتاين في بغداد " أو رواية " كم بدت السماء قريبة" لبتول الخضيري .

المنطقة التي آثرت الروائية أن تتحدث عنها على لسان بطلتها الرئيسية يقطنها في الأعم الأغلب عدد كبير من كبار موظفي الدولة، وهذا الأمر لايقلل أو يقدح بقيمة الرواية، كونها، أي الرواية، بقيت محافظة على المنحى الإنساني ونشدان العدالة.

تشكل الأحلام، بغرائبيتها وتشظيها وتشعبها محوراً أساساً من محاور الرواية، الأحلام التي تطرأ على عقل وذهن بطلة الرواية والتي نرجّح أنها الكاتبة نفسها.

 تقول الكاتبة  شهد الراوي عن روايتها هذه وتجربتها في الكتابة؛

«روايتي عن أبناء جيلي ومدينتي بغداد التي غادرتها ولم تغادرني، عن طفولتنا ومراهقتنا وشبابنا وأمنياتنا التي حاولت أن أحميها من النسيان وأمنعها من الضياع، إنها (الرواية النظيفة) كما يروق لي تسميتها لأنها لا تتعمد أي إثارة خارج منطق الأحداث التي صنعها الواقع والحلم والذكرى والوهم، بعد الحد من دور العقل والمنطق في رسم النهايات الطبيعية المتوقعة، فهناك نهايات مفتوحة وأسئلة لم تتم الإجابة عنها وهكذا هي الحياة بمجملها».

تقول بطلة الرواية في بدايتها؛ " وأنا في طريق العودة، رأيت أمامي مقدمة سفينة عملاقة يتوسطها برج المأمون مثل سارية طويت أشرعتها، من فتحة صغيرة في جانبها، دخلت ممراتها المظلمة وتجوّلت فيها بحثاً عن أقصر الطرق نحو الحافة المحاذية للمياه، التي يصلني صوت تدافع أمواجها ويصيبني بدوار شديد يكاد يفقدني توازني ويلقيني على الأرض، أنا أسمع صوت الأمواج ويجب أن يصدقني الجميع عندما أحكي لهم عن رحلتي داخل السفينة " .

ثم  نراها تقول بعد ذلك بعدة أسطر؛ " جاء القبطان، وكان شبه نائم في هذه الساعة وسألني؛

- ماذا تفعلين هنا في مثل هذا الوقت ؟

قلت له؛ أنا أحب أن أركب السفينة وأسافر بعيداً .

تسأله من يكون، فيخبرها أنه القبطان الذي يقود السفينة، قلت له؛ ولكن هذه السفينة لا تتحرك، ضحك وقال لي؛ أنا سائق السفينة التي لا تتحرك، مهمتي الوحيدة هي أن أجعلها لا تتحرك !

وبما يشبه الفنتازيا العدمية يخبرها القبطان بما يلي؛ " اسمعي يا عزيزتي، السفينة فكرة في رأسك وأنا فكرة في رأس السفينة، الأفكار الصغيرة عادة ما يكون لديها أجنحة خفيفة وعندما تفقد جدواها على الأرض تطير في الفضاء، العالم الذي نعيش فيه هو مجرد فكرة صنعها خيال مبدع خلاق وعندما وجدها فكرة معقدة راح يشرحها من خلال أفكار أخرى، وهكذا بعد ملايين السنوات امتلأت السماء بالأفكار التي تطير بأجنحة خفيفة، إن كل ما تقع عليه أعيننا هو مجرد فكرة، لا شيء حقيقياً في الواقع، كلنا مسجونون في خيالنا وأن تجاربنا على أرض الواقع هي عبارة عن أفكار فقط، الوجود كله مجموعة من الأفكار، هذه هي الحقيقة الوحيدة " .

وفي حقيقة الأمر فأن مثل هذه الأفكار والإرهاصات لم تكن غريبة عليّ، فقد أتيح لي أن أقع على أفكار مماثلة وإن جاءت بصيغ أخرى، ومن بينها ما وجدته لدى الكاتب والروائي الأمريكي الساخر مارك توين وبصفة خاصة كتابه ( ملايين وشياطين) .

تقوم فكرة الرواية على منحنيات ومحاور متعددة، يأتي في مقدمتها محور علاقة الحب التي تنشأ في وقت مبكر بين شابتين أو طالبتين هما بطلة الرواية وصديقتها الحميمة نادية وشابين آخرين يعيشان في المنطقة ذاتها هما أحمد وفاروق وما جرى بين هؤلاء المتحابين الأربعة من وقائع مألوفة في علاقات مماثلة .

ويتناول المحور الثاني بالتفصيل الممتع ووفق خط بياني ينحدر نحو الهبوط في مرحلة تالية  وقائع حياة أحد كهول المحلة وهو عمو شوكت الذي تمتاز شخصيته بالديناميكية والطرافة وكذلك زوجته الكردية باجي نادرة . ومن الواضح أنهما لم يُرزقا بطفل يبدد وحشة أيامهما ولا سيما خلال فترة الحصار فاستعاضا عن ذلك بتفريغ شحنات الحب الأبوي على أطفال وفتيات المحلة الصغيرات الللواتي تودن أن يأتين إلى باجي نادرة من أجل أن تقص على مسامعهما بعض الحكايات الشيقة المأخوذة من إرث غقليم كردستان الحكائي .

بعد مدة من الزمن واشتداد وطأة الحصار وعبثية الرواتب المعطاة للموظفين آنذاك تترك باجي نادرة وظيفتها وتتفرغ للإهتمام ببيتها وزوجها الذي يوشك أن يحال على التقاعد، تمر أيام أخرى وتستيقظ باجي نادرة ذات صباح وتحمل حقيبتها وترحل إلى بيت أهلها في قريتهم الجبلية، تنقطع أخبارها وعندما يسأل أحدٌ من المحلة عمو شوكت عن سبب غيابها، أحياناً يقول إنها مريضة وأحياناً يقول إن أمها ماتت، ومع مرور الوقت صار يعرف كيف يعيش لوحده، وتعود الناس على أن ينسوا باجي نادرة .

تشتد وطأة الحصار على أهل المحلة على الرغم من الرخاء المادي الواضح الذي يعيشون فيه، فيستشعر الجميع صعوبة الحياة وأنه ليس هناك من أفق للحل، لا سيما وأن نذر الحرب باتت وشيكة، فتقرر عدد من العائلات الهرب بعيداً خارج العراق لتحصل من ثم على اللجوء في الدو المتحضرة .

اعتاد المغادرون أن يسلموا مفاتيح بيوتهم المهجورة إلى عمو شوكت الذي يضطلع بالمهمة على خير وجه، كان يدخل إلى هذه البيوت ويتنفس هواء السنوات التي عاشها مع الجيران الذين أحبهم، إن بيوت الجيران هي مستودع ذكرياتهم، وكثيراً ما كان يُشاهد وهو يدفع أمامه بإحدى يديه ماكنة قص العشب وصندوق العدد اليدوية، في أحد الأيام عثر بشكل غير متوقع على كلب أسود يتمدد منهكاً على الأرض ولا يستطيع الحركة من شدة الجوع والعطش، قبل أن يسأل نفسه من أين دخل هذا الكلب وكيف تسلل إلى داخل البيت مع أن كل أبوابه ونوافذه مغلقة، حمل دلواً صغيراً من الماء ووضعه أمامه، ثم خرج مسرعاً نحو بيته، تناول من ثلاجته بعض قطع اللحم والعظام وقدمها له فراح يلتهما بشراهة .

ومنذ ذلك اليوم أصبح عمو شوكت لا يُشاهد في الشارع إلا بصحبة هذا الكلب الذي عوّض بصورة جزئية عن غياب الزوجة، ولم يلبث أن أعطاه اسماً هو (برياد) تيمناً باسم كلب أليف كان يعيش في بيت جده في قريتهم التركمانية بمدينة كركوك قبل نصف قرن .

يمرّث وقتٌ آخر فيُدرك الجميع أن برياد يتمتع ببعض الصفات الغريبة، فهو على سبيل المثال يستطيع أن يتنبّأ ببعض الأحداث قبل وقوعها، فإذا وقف بالقرب من أحد البيوت ورفع ساقه ليتبول فإن ذلك يعني شيئاً واحداً هو أن هؤلاء الجيران يستعدون للهجرة قريباً، وإذا ما هرول نحو فتاة وحاول لحس كاحلها فإن ذلك يعني أنها ستتزوج قريباً من فتى أحلامها .

وأثناء ذلك يفد إلى المنطقة عدد من قارئي الطالع أو فتّاحي الفأل  رجالاً ونساءً فيهرول برياد خلفهم ويهر بوجوههم فيضطرون إلى الهرب والإبتعاد، سوى شخص واحد، وهو رجل نحيف طويل القامة بلحية مشذبة جيداً وهندام حسن، قال لهم إنه يقرأ الطالع، كان قادراً على التحدث عن أدق خصوصياتهم وشؤونهم الخاصة، ثم ما يلبث أن يخاطب النسوة اللواتي تحلّقن حوله؛ " ليس لأي منكنّ مستقبل في هذا المكان !"، ثم يُخبرهن بلهجة مسرحية منذرة؛ ستغرق بكم هذه السفينة .

احتار رجال المحلة بأمر هذا المشعوذ، فليس في سلوكه ما يدعو إلى الريبة على الرغم من تقرّبه من نسائهم وبناتهم .

وبالعودة إلى حكاية الحب التي نشأت بين بطلة الرواية وساردتها وبين فاروق الشاب الرياضي الذي يلعب ضمن الفريق الأساس لشباب العراق، تقول واصفة أحد لقاءاتهما الحميمية في حديقة الزوراء القريبة؛ " يقترب مني في حركة مقصودة، ويحرك أصابعه في الفراغ بحثاً عن أصابعي"، تقول له؛ " هيّه ﮔوّة ما أحبّك !" يضحك فاروق، يختنق من الضحك، أنهض من مكاني وأهرب أمامه لاهية يداعب الهواء ضفيرتي، يتبعني برشاقة رياضي، يتجرّأ ليُمسك أصابعي، تتمرد أصابعي لثوانٍ ثم تستسلم له، تذوب بين أصابعه ويشب الحريق في روحي، يا إلهي كم هو جميلٌ غزلُ الأصابع وهي تتدرّب على الحب " .

وكما أسلفنا فإن الحصار ينشب مخالبه في حياة هذه الشريحة المترفة، ناهيك عن حياة الناس العاديين وجموع الفقراء الذين تم سحقهم بلا هوادة .

تخبرنا الساردة أنها شاهدت بنفسها امرأة تنتحر بإلقاء نفسها في نهر دجلة من الجسر، وكان ذلك في فصل الشتاء، سمعت من يقول إن أطفال هذه المرأة لم يذوقوا الطعام منذ ثلاثة أيام وإن زوجها مسجون لأنه صار لصاً، تشكل هذه الحادثة هاجساً مزمناً بالنسبة لها، كانت تخاف أن ترى إحداهن أو أحدهم يرمي نفسه من أحد الجسور، أحياناً تتخيل الناس يقفون طابوراً طويلاً فوق أحد الجسور وهم يمارسون الانتحار مجموعة بعد أخرى .

تخبرنا أيضاً أنها كثيراً ما كانت تسمع العبارة التي ترددها مدرّسة اللغة العربية؛ " لقد خرّبوا بلدنا وأفرغوه من الطبقة الوسطى، تتساءل؛ وما هي الطبقة الوسطى، هذه واحدٌ من الألغاز التي كانت تحيرني حتى عندما سألت أبي؛ هل نحن من الطبقة الوسطى، قال لي؛ نعم، لأنني أستاذ جامعي وأمك تحمل ماجستير في الهندسة ونحن لسنا فقراء في الوقت نفسه، نحن أبناء الدولة، وإذا اختفت طبقتنا أصبحت الدولة ماكنة عاطلة، ماذا عن الفقراء يا أبي أليس هم أبناء الدولة أيضاً ؟

سكت قليلاً ثم نظر في وجهي مستغرباً من هذا السؤال، ولأن الآباء يجب أن تكون لديهم إجابة عن أي سؤال، قال لي : الفقراء أبناء الوطن !

تختلط الأمور وتتداخل بطريقة دراماتيكية فاجعة بعد سقوط النظام، وتهجم عوائل غريبة على البيوت المهجورة فيكسرون الأقفال ويحتلونها؛

" بعد أيام احتل ناسٌ غرباء بيت أم ريتا ورموا تمثال العذراء خارج المنزل وأعادوا ترميم البيت ولونوا جدرانه بألوان فاقعة وكتبوا على الواجهة؛ هذا من فضل ربي"

وتعلّق هي قائلة؛ " لقد وهبهم الربُّ بيتاً واسعاً بحديقة جميلة، إن هذا الرب الذي تفضّل عليهم بهذه النعمة العظيمة بالتأكيد ليس هو نفسه الرب الذي كانت تصلي له أم ريتا وتوقد له شموعها طلباً لغفرانه ورحمته، وليس هو الرب نفسه الذي كانت جدتي تتوسله أن يحمينا من الصواريخ، ليس هو الرب نفسه الذي كانت أم علي تقف أم علي في باحة بيتها وتدعوه كل مساء، إن ربهم الذي وهبهم من فضله بيتاً جاهزاً حتى بذكرياته، لم يمتلكوا فيه طابوقة واحدة، هو في الحقيقة إبليسهم !" .

لا مناص من القول إن الرواية جاءت حافلة بكل ما لذ وطاب من، حيث تداخل الخيال بالواقع والألم بالفرح والمعاناة بالبهجة اليأس والفجيعة بالأمل .

وبوسعنا أن نعثر على بعض الماسات على سواحلها الفسيحة، ومن بينها؛

* ما جدوى السعادة إذا لم تنبثق من ليل الألم الطويل، ما أجمل المطر حين يأتي بلا توقع من قلب العاصفة وينظف الهواء من الغبار .

* صار الناس يسبحون في فراغ زمني تختلط فيه قرون سحيقة مع سنوات حديثة، صار بالإمكان رؤية نبوخذنصر وسمير أميس يجلسان في مطعم يعمل فيه يزدجر كسرى نادلاً، هارون الرشيد بملابس عسكرية يعدي شارلمان ساعة رملية تسقط على الأرض وتتهشم، يأتي منظف القمامة ويكنسها بينما الخليفة العباسي المعتضد بالله يحمل قاذفة ويهرول من أمام زجاج هذا المطعم من أجل تدمير تمثال الجنرال مود .

أقدار حزينة

يطفو أمامنا على السطح بين آونة وأخرى أثناء عملية السرد وبصورة تلقائية  عددٌ من ثيمات الحكايات التي تتغلف بالمأساوية، فبالإضافة إلى حكاية المرأة المنتحرة بسبب الجوع واختفاء باجي نادرة من حياة زوجها الذي تتدهور أحواله النفسية والعقلية بعد ذلك، أتيح لنا أن نقع على ثيمات أخرى، نستطيع إجمالها بما يلي؛

حكاية سهير : وهي الأبنة الرابعة في تسلسل البنات الخمس لأم سالي، وهي عندما غادرت مع أهلها المحلة إلى الخارج، كانت صبية فاتنة بعينين صفراوين وشعر أسود فاحم، بخدين ورديين ورصعتين جميلتين أسفل كل خد، جبهة عريضة ولثغة محببة، كانت أكثر شقيقاتها غروراً وأكثرهن إدراكاً لقيمة جمالها، كانت دائماً تقول؛ لا أتزوج إلا من طيار وسيم، ومن أجل تحقيق هذه الأمنية، التحق أمجد ابن أم علي بكلية القوة الجوية لعله يحقق رغبته بالزواج منها، لقد أصبح بالفعل طياراً، ولكنها في هذا الوقت صارت تعيش مع أهلها في الدنمارك بعيداً عن الوطن وتخلت عن كل أمنياتها القديمة، كتب إليها كثيراً ولكنه لم يحصل على أي جواب، آخر رسالة كتبها لها كانت قبل يوم واحد من سقوط طائرته، ولم يُثر له على أي أثر حتى ساعة الكتابة هذه .

حكاية الصبية ملائكة  

اعتادت الراوية وصديقتها نادية على مناداتها بـ الشيطانة في نوع من العبث والمناكدة الصبيانية، " اقتربت منا ومن دون مقدمات قالت لنا؛ آني تركت المدرسة، فيسألنها عن السبب، فتخبرهن إن أمها تطلقت البارحة، طردها أبوها من البيت، وأنها ستبقى وأختها الصغيرة معه في البيت، سالأتها نادية؛ لماذا لا تذهبان أنت وأختك مع ماما ؟

- أمي شريرة، أجابت بشهقة عميقة وراحت تبكي .

- كيف تقولين هذا عن أمك ؟

- لأن أبي طيب ومسكين ولا يعرف عنها شيئاً، ثم تقول لهما؛

- أعرف أنكما تكرهاني منذ تلك اللحظة التي رأيتكما فيها في الملجأ، أنتما سعيدتان لأن أمي تخون أبي مع رجل غريب .

حكاية ميادة وأخيها حسام   

يقع الدكتور الشاب توفيق في حب نادية بعد أن فحصها وأعطاها العلاج على إثر شعورها بألم شديد في رقبتها منعها من النوم،  نظر في عينيها وابتسم بحنان ثم ترك لها بشكل متعمد رقم هاتفه المنزلي مع وصفة الدواء، وبد تردد طويل تقرر الاتصال به، وتنشأ بينهما علاقة حب ويتفقان معاً على الخروج في مواعيد غرام، ثم يتفقان على الزواج وحددا موعداً قريباً للخطبة، وتشاء الصدف أن يشاهدهما أخوها حسام وهي جالسة في سيارته الواقفة أمام الترفك لايت، فيأتي البيت غاضباً ويندلع شجار حاد بينهما، تحاول أن تدافع عن نفسها بأنها تحبه ويحبها وأنهما اتفقا على الزواج، يصاب حسام بنوبة هستيريا مفاجئة، ويأخذ يصرج كالمجنون ويرميها بالصحون والأقداح ثم أسرع نحو خزانة والده، يخرج المسدس من الدرج ويوجهه نحو صدرها ويطلق النار .

 

أحمد الحلي

 

 

البناء الفلسفي: تعد هذه الرواية نموذجًا لأدب المرأة، هذا الأدب الذي كثرت النقود والكتابات فيه، منهم من عد الأنثى مخلوقًا خاصًا في العواطف والأحاسيس، ومنهم من ساواها مع الرجل، ومنهم من فوّقها عن الرجل بالأمومة والأنوثة وصفات أخرى تتفوّق فيها عليه بجدارة، و حين قرأت تلك الرواية بعمق، وهي المحاولة الأولى للروائية عبير العطار، تغيّرت لديّ كلّ المفاهيم التي قرأتها في الأدب الأنثوي، و وقفت عند خطّ رسمته تلك الروائية بعبقرية وحرفنة، فهي روائية متفوقة وضعت خطًا واضحًا بين الأنوثة والرجولة، ولم تقرّ التناصف الأنثوي بعدالة القول، بل بسلوك الممارسة، والتناصف الفكري بشكل فلسفي، وجدلية تستحق الوقوف والتأمّل، كأنّها تقول: لا بدّ للمرأة من رجل، فهو قوّة في كيانها رغم تجاوزه معها الخطوط الحمراء، ذلك أمر طبيعي تبلغه المرأة، دليل إثباته فشل الأنثى في تحقيق ذلك يجعلها بؤرة للأمراض النفسية والإحساس بالنقص.... وعادت من جهة أخرى، لتقرّ هذا التناصف المفروض بقوانين الطبيعة، لكن تلك المرّة بين المرأة والأنثى، وبشكل فلسفي، فاعتبرت المرأة رمزًا ومركزًا للأنوثة، وقد تكون مرتكزًا لها في احترامها الذاتي لتلك البيئة الأنثوية بالسلوك والوعي، وفي ذلك تتفوق المرأة بالأنوثة على كلّ مخلوقات الله في ممالكه الأخرى، وفي المملكة البشرية تتفوّق على المرأة وعلى الرجل، وتمسح التناصف الطبيعي المقرور بينهما، وأعطت الروائية عبير العطار دليلاً في ذلك، الوعي وثقافة البطلة (بانسيه) كان نموذجًا أنثويًّا لهذا التفوّق، سحق السلوك السلبي للمرأة والرجل في ديمومة التخلف، وتمثّل ذلك بشخصيتين أقرّتا الصراع الدرامي المتمكن فلسفيًّا على طول خط الصراع الدرامي في تلك الرواية، وبشكل مزدوج, مرّة بين الخير والشّر، وأخرى بين الشّر والشّر، بشكل لم أره من قبل!!! فشخصية (عائشة) وهي أخت البطلة ( بانسيه)، هي رمز إنساني سلبي، يقرّ التنصُّل عن العلاقات الإنسانية ببديل المصلحة، حين ينتزع الوعي والثقافة، ويلبس جلباب التخلف والأنانية، فينتج عن هذا الصراع أن تُودِع أمّها بيت المسنين، وهذا الصراع قوامه الخير المتمثل بالبطلة (بانسيه) والشّر المتمثل ب (عائشة)، وقد حرَّكت خيوطه الدرامية والفلسفية حتى موت نبيل.... أمّا اللمحة الفلسفية الأخرى، فهي صراع ثلاثي بين الشر والشر والخير، وقد تمثّل ذلك بصراع أدارت دفّته الكاتبة الروائية عبير العطار بحرفنة متناهية، ومثّل ذلك برسم أبعاد شخصياتها بخطوط فلسفية، بقلم المصير فوق مسرح الديمومة، أبطال هذا الصراع هم (نبيل) زوج (بانسيه) خان زوجته مرارًا، وهي تعلم ذلك، لكن (بانسيه) حتى وإن استغرقتها موجات الأنوثة بمقابلة شخص آخر في شقته, وسمحت له بالمعانقة اعتبرت ذلك محاولة للخيانة، ندمت عليها جدًّا، وعادلت كفّتها بالحنين والتّوق إلى حضن زوجها ومسامحته لخطأ لم يقع، قابل هذا الصراع الغير منصف والراجح نحو الكفّة الأنثوية، الصراع الآخر، بين الشر والشر، المتمثّل بالزوج نبيل والأخت عائشة، الأول بانتهاك حرمة العلاقة الزوجية المقدسة بالخيانة، وعائشة أيضًا التي اخترقت علاقة الأمومة المقدّسة بالخيانة، فأودعت أمّها بيت المسنين، نقطة فلسفية راقية أدارتها الكاتبة بعبقرية سردية غير مسبوقة.

 البناء الفني:

بنيت تلك الرواية بشكل واعٍ ومدروس ووعي بكل التفاصيل الفنية للروي، فقد جاءت الأمور الفنية متكاملة ومتسلسلة ومتفوقة عن المألوف، من عنوان، وصراع درامي متفوّق، وعقدة (بل عقد متعددة استخدمتها الروائية لأغراض فنية أخرى) وصراعات مختلفة بين الخير والشر، والشر والشر، ومثّلت ذلك بشخصيات مدروسة، وكان الانفراج المتعدّد الأغراض، يفضي بنهاية، تقذفها الروائية بعبقرية على وعي المتلقي، فهي لم تعطِ نهاية واحدة، بل ألمحت لواحدة، وكلّفت المتلقي بأخريات، قد يضعها هو بعمقه الثقافي الذي أشارت لها هي بمقولة فلسفية بسطور، كانت الحبكة في الرواية بسيطة جدًّا كواقع إنساني، لكن الهدف من ذلك كان واضحًا، والإشارة نحو رمزية الخطأ والصواب في قضية العلاقات بين الناس، فهي إشكالية فلسفية، وليس أمرًا عاديًّا يتخطاه المرء بعد القراءة، كان الموضوع شيقًا، وهو بؤرة برغماتيكية ستتمركز عليها الروائية عبير العطار، وهي استراتيجية الدفاع عن حقوق المرأة، وهذا حق مشروع رسمته تلك الكاتبة كطريق رصين لأدب رصين في جميع كتاباتها القصصية والروائية.

البناء الجمالي:

بهرني في قراءتي المتعمّقة لتلك الرواية الموسومة (بانسيه)، رجاحة الجمال في الأسلوب الرمزي العميق، فهي لم تساكن المباشرة مطلقًا، ولا تطيقها، لذلك تقذف جميع مفرداتها وعباراتها من خلف جدار التقريرية والقص، لذلك تأتي جملها بعمق أدبي متميز، لا يتحمّل المباشرة، وقد امتاز أسلوبها بدراسة المفردات ودلالاتها ومدلولاتها ومفاهيمها الذرائعية بشكل عميق، يعرض طريقة في التعبير السردي الحقيقي، فكل عبارة منها تعطي احتمالات مؤجلة (Prospective Possibilities) بالرمز والمتابعة بالأثر التحليلي، وهذا النوع من الأسلوب يقرّ مقدرة التمكّن السردي للروائية عبير العطار، فالرواية ليست جنسًا إخباريًّا مباشرًا، بل هي عمل أدبي يحمل فكرًا و رؤية و قضية... كانت الصور الأدبية راقية جدًّا، وقد خضعت لمدرسة الجمال والفن للفن في صياغتها الأدبية، فقد أحسست في قسم منها بريشة الرسام وألوانه، وهي تبهر نواظري، وبأخرى بعزف منفرد بناي راعٍ حزين، في مسرح طبيعة خضراء، أمام شويهاته، فصورها الراقية والمدروسة تنقّل المتلقي نحو رحاب الطبيعة الساحرة وجمالها العذري، أما حواراتها، فكانت حوارات تنمّ عن دراية وتكثيف فلسفي قبل أن يكون تكثيفًا أدبيًّا، كانت تلك الحوارات تحليلاً راقيًا للشخصيات ونفسياتهم وميولهم الإنسانية.

 برعت الروائية عبير العطار بالسرد الأدبي المدروس، ونوّعت السرد، واستخدمت كلّ أشكاله، القريبة والبعيدة، والخارجية والداخلية، كانت الرواي، ثمّ المتكلم، والمخاطب، وأعطت الاثنين حضورًا، ثم انتقلت نحو الخارج، فجعلت الغائب يسرد من داخل الرواية، ومن خارجها بضمائر الغياب، فالسرد من الداخل صاغته بوميض خلفي (Flashback)، وبحوار داخلي ومحاكاة ذهنية (Stream of Consciousness)، واستخدمت البديع والجمال، والبيان وجميع العناصر البلاغية من طباق وجناس وتورية، وتشابه واختلاف وتشخيص…. التدوير : استطاعت تلك الروائية الراقية عبير العطار، في أول محاولة روائية، إجادة فن التدوير الروائي، فقد نقلت السرد الداخلي من حالة اللاوعي نحو الوعي مرتين، وجعلت أحداث الرواية متماسكة بشكل دائري، يكمّل بعضه البعض.... عسى أن أكون وُفّقت في هذا التحليل.

 

 

salam khadomfarajشاعر مثل إبراهيم البهرزي تستحق قصائده نقادا على قدر من المهنية والخبرة ويمتلكون أدواتا نقدية يشتغلون عليها لتفكيك النص وسبر غور إنزياحاته وتشفيراته ورموزه والنص الذي بين يدي (غنوا لنضحك أيها الرفاق..) يحمل ما يكفي من الانزياحات لتجعله قمينا بقاموس شعري لكل مفردة او جملة او إنتقالة ... وما أعرفه عن ضعف أدواتي ناقدا ومتذوقا  لم يمنعني من الإعجاب العالي بالنص والتفكير بإعادة ترتيله وموسقته لكي أفهمه اكثر .. وأتذوق سحر إضطرابه .. وهارمونية صوره / لواقع صادم ومضطرب.. عبقرية الشاعر تكمن هنا في نيكتيف الصورة. لا في الصورة ذاتها.... الواقع صادم بشكل مهول.. ومضطرب.. وسخيف .. سخفه قد يصل الى العبث الكلي.. لكن الصور التي يلتقطها الشاعر لهذا الواقع تحمل هارمونية عجيبة.. وتناغم بين السطر الأول .. السطر الذي جعله مفتاحا وبداية لدخول جورنيكا عراقية بإمتياز (غنوا لنضحك..) وكأنه يقول تعالوا لنبدا المشهد الأول من جحيم دانتي ..(يعتقد ان علاقته الزوجية الوحيدة مع البلاد/ حدثت صدفة في السجن....).. العلاقة الزوجية هنا متشظية الإنزياحات..وكما في قواميس اللغة تمتلك المفردة الواحدة معان عدة.. جعل البهرزي لمفردة العلاقة الزوجية معان عديدة تحار في اختيار أقربها إلى الفهم.. فما دامت هي زوجية فإنها تمتلك شرعية ما... ولكن من اعطاها هذا الشرعية؟؟

(هو) ذلك الذي يعتقد إن... وهو هنا قناع الشاعر نفسه الذي يتحدث عن نفسه بصيغة الغائب.. ثمة إبهام في الفعل يعتقد.. تجعله محل شك.. فهو مجرد اعتقاد. لا يلبث الشاعر ان يدحضه وبقوة.. ويفنده في صور سريعة ومتتالية تربك الزمان والمكان..وتعتمد الفلاش باك .. لنفهم ان هذا السجن او هذه العلاقة (الشرعية) والمكتسبة شرعيتها من مفردة الزواج تمتد في الماضي لتتجاوز الخمسين عاما..!!(هل هو منتصف تموز 1968؟... ربما..) ان قدرة الشاعر على تحويل التتابع المحض للأحداث إلى صور مدهشة تجعل الانتقال بين مفردات (الزواج..تعدد الأزواج.. ما قبل الزواج.. العشيقة.. الحبيبة.. العشيقة متعددة العشاق.. الفرق بين البلاد الزوجة والبلاد العشيقة..) أقول ان قدرة الشاعر هذه تحيلني الى فكرة غامضة أعرفها عن (لحظة الزمن المنفلق) اللحظة التي تعني دهرا..اللحظة التي يعبر عنها لاهوتيا بالقسمة التي حدثت ولا يمكن لأحد أن يغيرها حتى الإله.. فقد حدثت وانتهت.. لكنها لم تنته في وجدان الشاعر.. وهو يحاول أن يؤبدها بالحديث عنها لاغير.. (البلاد الزوجة هي ندم على البلاد العشيقة..).. الحديث هنا إذا عن بلاد ذات شأن.. ولحظة ذات شأن..ولكن البهرزي هنا يتحدث (عن شيء ملعون يتبعه آخر..) كما يقول مارش.. او ما يسميه الفرق بين (الأزمنة وإمارات تلك الأزمنة..) البهرزي هنا يتناول زمانا كان فيه العشق عبارة عن (مغامرات عابرة وغزل سخيف..أيام كانت الحبيبة تسبح عارية بلا ضفاف..) هذه الأزمنة وإماراتها تعود الى ما قبل السجن.. ما قبل الزواج.. حب بسيط ساذج.. لسيدة ساذجة..(هي البلاد.. او الأمة..). لابطولة هناك.. ولا إدعاءات فارغة.. وحتى ان كانت ثمة بطولة فهي في كل الأحوال قد تحولت إلى (دفقة دم بين الفخذين..في سجن الصدفة والتنكيل..!!) حلم الغواية الجميل القديم والقبل السريعة الهاربة.. تحول الى رؤيا ملعونة تتبعها أخرى..فمئات من صنوف الشعب تضاجع زوجة واحدة..(كان الجميع مثلي يتذكر في فراش الزوجة الواحدة..) هذا الانتقال المفجع من استعمال صيغة الغائب الى صيغة المتكلم..يماهي فوضى الانتقالات المرعبة بين أحضان الرجال..وما دامت البلاد وهي تحتفل بثورة تعقبها ثورة لابد للشاعر ان يظهر بمظهر المخادع.. والماكر.. ليعود سريعا لينقل لنا خبرا مهما.. (وحين اكتشفواإنها كانت تمحض ودا...للجميع..) ووعودا باطلة.. بالإخلاص.. اكتشفوا أية عاهرة صارت نصيبهم في السجون..

هنا لا بد من البحث عن المفردات الغائبة المختبئة في النص.. تلك التي لم ترد إطلاقا. أستطيع ان أجازف لإوردها (الأمة..المناضل.. المخدوع.. المناضل المخدوع.. الشعب.. البروليتاريا.. حثالة البروليتاريا أو البروليتاريا الرثة... السجين السياسي(سجين الرأي..) والسجين العادي(الأول والثاني والثالث والخامس والعاشر..) هنا السجين السياسي ليس مفهوما مجردا كما نعهده في كل القصائد.. البهرزي وحده وفي نص واحد أشار وكإنه إسرافيل الى أجناس متعددة ومتناقضة من السجناء السياسيين .. في أولئك الذين يعتقدون بشرعية زواجهم من تلك السيدة.. وتلك السيدة نفسها .. هي نفسها التي تهلهل الشعر والاغاني لقادة الفتوح وقادة الثورات الثلاث او الأربع أو العشر.. لافرق..

وفي صورة مرعبة وصادمة وهائلة التجريد يقول الشاعر(كان الحرس القتلة يرغمونناعلى الوقوف بالدورعلى باب المرحاض..) حيث كانت تقعي ككلبة حائض..!!!!) في السجن كانت تلك الحبيبة المتخيلة الجميلة هي التي تقعي مريضة ككلبة حائض. لا تعلم شيئا عن وجدان الشاعر ولا تعي سبب سجنه ولا تملك قدرة على فك أسره او السؤال عنه.بل هي ذاهلة عنها بحيضها الكذوب....

صورة عجيبة غير مسبوقة.. مجموعة من الرجال ينتظرون الدور لدخول مرحاض السجن وهناك رجال آخرون هم الحرس المناوب.. ولكن هناك (هي..) كانت تقعي...) الصورة (صورتها هي)هنا في ذهن الشاعر/ هي الزوجة الهائلة الأزواج.. حيث ان مفردة متعددة الأزواج تقصر عن التعبير..

لا استطيع ان أكمل قراءة هذا النص الهائل الإيحاءات.. فالإدعاء في :إستيعاب كل صوره مجازفة غير مضمونة العواقب.. لكني فقط أود أن أنوه.. ان البهرزي يمتلك القدرة كصاحب إسلوب شعري غريب وغير مسبوق في إيصالنا إلى درجة من الغرق في البحث عن مفردات لم يقلها لكنها موجودة.. (الحب العذري/ مبررات الحب العذري/ خيبة الأمل..

الضياع.. اللؤم.. الغدر.. الفتك.. الإزدراء..إخلاف الظن..تأريخ الإنقلابات..تأريخ بلدة.. تأريخ قرية.. تأريخ وطن.. أمة.. شعب.. نقاء.. عهر..أغاني.. مهازل.. جد.. تضحية.. موت.. فناء..صمت .. صمت السماء. او صمت العصافير.. او صمت شجرة السدر.. ديالى.. بغداد.. عراق.. عالم.. كل البلدان.. أرض / وجود..

وبعد/ لا أحبذ الرؤية المسطحة للنص بإعتباره هجاء مرا ...فالنص اكبر من ذلك بكثير..والمعنى الكامل للنص لا يمكن إدراكه إلا بالنظر إليه بطرق مختلفة .. وقد تكون متناقضة.. فالشاعر يتعمد التشويش.. وتغييم الرؤية.. او تضبيبها ليمعن في بث رموزه المتعددة الرؤوس لمفردة او حالة واحدة. وليمعن في تبيان حجم الكارثة او حجم الصدمة الهائلة التي تفوق صدمة المسجون من اجل شرف سيدة يكتشف لاحقا انها مباحة للجميع.. وشرعية للجميع.. وتمحض ودها للجميع.. فهي العاهرة والجائرة والغادرة. والمسكينة والمغدورة . والمستباحة.. والسجين أيضا . في تشفيرات الشاعر.. هو العاشق والمخادع والمخدوع والمغدور والمهضوم الحق.. وليتحول في آخر المشهد الى اللئيم الذي يتمنى وبلؤم رهيب. أن يقع الجميع بمثل ما وقع فيه. وتلك امنية تحمل في طياتها ما يمكن ان نسميه بتنويع الأثر وتضخيم المأساة.. التي قد تشبه وهنا قد لايكون من حقي ان أقرر الخيار الذي اختاره الشاعر لفهم خاتمة نصه.. لكني أجازف لأقول إنه يشبه في تراجيديته هذه... مشهد الرجل السوي حين يرى ان شقيقه او رفيق عمره او طفله يتمنى له الأسوأ .. هنا تبلغ الصدمة غايتها..وهنا يتسامى النص كما تتسامى نيران الجحيم لتغطي كل الفواجع.. تليدها وطريفها...

 

سلام كاظم فرج

***

 

النص غنوا لنضحك أيها الرفاق

إبراهيم البهرزي...

 

غنّوا لنضحك أيها الرفاق !

يعتقدُ أن َّ علاقته الزوجية الوحيدة مع البلاد

حدثتْ صدفة ً في سجنٍ ....

أكثر من خمسةِ عقودٍ أضاعها قبل َ سِجنهِ

في مغامرات عاطفية مع البلاد

مغامرات تتراوح بين قُبَل ٍ عابرة

وغزلٍ سخيف ٍ

وسرقة َملابسها الداخلية

أيام كانت في زمان الحروب

تسبحُ عاريةً

في نهرٍ بلاضفاف

البلاد الزوجة هي نَدَم ٌ على البلاد العشيقة :

كل تلك الرغبات الهائمة لم تعد غير دفقة دم بين الفخذين .

في سجن الصدفة والتنكيل

مئات من صنوف الشعب تضاجع زوجة واحدةً

في طهرها وطمثها

كان الجميع مثلي

يتذكر ُ في فراش ِ الزوجة الواحدة

أيام حبّه المهدورة خارج السجن

الجميع يتذكر خَفرها الممتنع وحسن سيرتها

وحين اكتشفوا انها كانت تمحض ودّا للجميع

ووعودا باطلة بالإخلاص

اكتشفوا أية عاهرة صارت نصيبهم في السجون

كانت ندبات الجَرب تتسلق ساقيها

وُشُوما تذكِّرَهُم بما صاروا اليه،

وأثر النهدين المقطوعين يعيد ذكريات الهيام الفاشل

برُمّانات ِ تشرين

كان كل سجينٍ أعزبٌ قبل مصيره هذا

البلاد تتزوجنا جميعاً حين نُسجَن ُ

بل هي تسعى لسجننا

لأجل ِ أن نكتشفَ أي َّ شعب ٍ ديوّث ٍ صرنا

فلّاحٌ لا يدري لم َ هو في السجن

ينتحرُ لان سجينا حشاشا ً يباشرُ علَنَاً

من ظنها حَرَمهُ !

جنديٌّ قاتلٌ آخرَ

كان يدري أن زوجتهُ هي زوجة الجميع

ومع ذلك يعتقد ُ انها له ُ وحدهُ

مكافئةً عن حرب ٍ خاضها مراراً لاجلها...

كان الحرسُ القتلة

يرغمونا على الوقوف بالدَور على باب المرحاض

حيث كانت تقعي ككلبة ٍ حائضٍ ،

كل الشعر والاغنيات التي يتفكرها عشاقها بالامس

صارَتْ تسيل ُ على فخذيها

بولا ً وسوائلَ زرقاء مشوبةً بالدم.

هذه الرؤيا ، رؤيا زوجة الجميع خلف القضبان

توقظنا من غربة السنينِ النائمةِ في حبّها،

ترحمُ الدولة ُ بعضا ً من شعبها حين َ تودعهم السجونَ

فلا يفيقُ المواطنُ من حلم البلاد وعسلها

إلّا ساعةَ يمُرُّ بهذا المطهرِ ..

نحن المطهّرون أيتها البلاد المأجورة

تخلَّصْنا من عبء الذكريات الجميلة

ذكرياتَ حبّك الموهوم

ننظر الان لقصائد الحب ِّ فيك

نظرة َ لئيمٍ يضحك ُ في عبّه.

هذه المعشوقة الخالدة

كانت مرَّةً عاهرتنا جميعاً

نحن ُ السجناءُ الاشرار والطيبونَ ،

أعداءُ الدولةِ لسببٍ شريف ٍ أو دنيءٍ .

لايتزوج البلادَ شرعا ً

إلا من أودعَ سجونها لمَرَّةٍ

حقّا ً أو باطلا ً

الدولة تجعلنا قواّدين على بلادنا

لأجل أن يظل الغبيُّ يغني لها خارجَ السجن

أغاني الحب العذري

ونظلُّ نضحكُ بِلُؤم ٍ وشماتة !

 

 

alkabir aldasisiعلى الرغم من كون الكويت من أقدم الدول العربية عهدا بالرواية  إذا ما قورنت ببعض دول الجوار أو دول عربية أخرى- إذ ترجع بواكير روايتها إلى النصف الأول من القرن العشرين برواية (آلام صديق) لفرحان راشد الفرحان الصادرة سنة 1948-  فقد ظل عدد الروائيين على امتداد عشرين سنة الأولى بعد  ذلك التاريخ محسوبا على رؤوس الأصابع... ومنهم عبد الله خلف برواية "مدرِّسة من المرقاب" عام 1962، وإسماعيل فهد إسماعيل  صاحب "كانت السماء زرقاء" سنة 1970، وخليل محمد الوادي برواية "إيه… أيتها الصغيرة" 1970... وإلى منتصف الثمانينيات  لم يكن متداولا من الروائيين خارج الكويت عدا اسم إسماعيل فهد إسماعيل[1] الذي أصدر إلى حدود 1985 عشر روايات هي :

رواية (كانت السماء زرقاء ) 1970

رواية (المستنقعات الضوئية) 1971

رواية (الحبل ) 1972

رواية (الضفاف الأخرى ) 1973

رواية (ملف الحادثة 67 ) 1975

رواية (الشياح)  1975

رواية (الطيور والأصدقاء)  1979

رواية( خطوة في الحلم ) 1980

رواية (النيل يجري شمالا - البدايات ) 1983

رواية (النيل يجري شمالا – النواطير) 1984

وحتى  إذا كانت المرأة الكويتية قد اقتحمت عباب الكتابة الروائية منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي،  وكان صدور أول رواية نسائية بالكويت  (عبث الأقدار) لصبيحة المشاري عام 1960 قبل أن تعقبها تجارب أخرى من طينة رواية (وجوه في الزحام) لفاطمة العلي سنة 1971. وروايتا نورية السداني  (الحرمان ) 1972 و  (واحة العبور)  سنة 1973 ... فإن عدد الروائيات هو الآخر ظل محدودا، ولم تشهد  الكويت في الثمانينيات سوى خمس روايات نسائية هي:  (عندما يفكر الرجال) لخولة القزويني، وروايتا (المرأة والقطة) و(وسيمة تخرج من البحر) لليلى العثمان إضافة إلى روايتي (مذكرات خادم ) و(الإنسان الباهت ) لطيبة الإبراهيمي.

هذا وقد ظلت الروائيات الكويتيات قبل اندلاع حرب الخليج الثانية مطلع تسعينيات القرن الماضي  مرتبطات بما هو محلي، فوجدنا معظمهن يرصد تفاعلات كويت ما قبل تدفق النفط، سواء تعلق الأمر بالروائيات الأوليات، أو اللواتي دخلن غمار الكتابة الروائية في الثمانينيات كما تجلى في ما خطته أنامل  ليلى  العثمان  في روايتها الأولى التي أطلت بها على القارئ العربي (المرأة والقطة)[2] عام 1985، مقدمة للقارئ العربي صورا عن ذلك المجتمع لا تختلف عما كان سائدا بالعالم العربي آنئذ حيث الكويت مجتمع مغلق يعيش على البحر، قائم على التسلط وبطش القوي، والمرأة  فيه مهمشة مظلومة مغلوبة على أمرها أختا كانت،  ابنة، زوجة أو حبيبة  تعاني قهر وتسلــط الرجــل.  قبل أن تؤكد ذاتها بروايتها الثانية (وسميـــة تخــرج مــن البحر)[3] سنة 1986، بالسير على نفس النهج ورصد مظاهر وظواهر المجتمع الكويتي قبل نفطي...

حتى إذا جاءت حرب الخليج الثانية - و الأدب ينتعش في الأزمات السياسية -  كان لاجتياح القوات العراقية للكويت كبير الأثر في تفجير طاقات الكويتيات اللواتي لم يجدن جنسا أدبيا يحتوي ما ولَّده  ذلك الاجتياح من إحساس  بمضاضة طعنة وظلم ذوي القربى أحسن من  جنس الرواية، واعتباره الجنس الأنسب لحجم  المعاناة، والوسيلة الأنجع للتعبير عما يختلج صدورهن؛ والرواية ملحمة العصر البورجوازي بتعبير جورج لوكاتش، والجنس الأدبي الأقدر على احتواء حروب هذا العصر...

وفي ظرف وجيز لمعت في سماء الرواية العربية بنون النسوة روائيات كويتيات راكمن تجربة قل نظيرها في الدول الأخرى فسطعت أسماء لروائيات أضحى في رصيد الواحدة منهن  أكثر مما كتب في الكويت عبر سنوات كثيرة، فألفينا كويتيات للواحدة منهن ما يزيد على خمس روايات في حوالي العقد من الزمن وتكفي الإشارة إلى:

-    - بثينة العيسى التي كتبت سبع روايات في مطلع الألفية الثالثة هي :

رواية (ارتطامٌ .. لم يسمع له دوي)  دار المدى - سوريا 2004

2.  رواية (  سعار ) المؤسسة العربية للدراسات و النشر - بيروت 2005

3. رواية (عروس المطر ) المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت 2006

4. رواية (تحت أقدام الأمهات ) الدار العربية للعلوم ناشرون - بيروت 2009

5. رواية ( عائشة تنزل إلى العالم السفلي) الدار العربية للعلوم ناشرون - بيروت 2012.

6.  رواية (كبرتُ ونسيتُ أن أنسى)  الدار العربية للعلوم ناشرون - بيروت 2013

7.   رواية( خرائط التيه) الدار العربية للعلوم ناشرون - بيروت 2015

  - فوزية شويش السالم  التي خلفت خمس روايات بعد  الاجتياح هي :

1.  رواية (الشمس مذبوحة والليل محبوس) صدرت سنة 1997 دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع في 196 صفحة

2.  رواية (مزون وردة الصحراء)  كنوز للنشر والتوزيع 2000 في 334 صفحة

3.  (حجر على حجر ) كنوز للنشر والتوزيع 2003 في 320 صفحة

4.  ( رجيم الكلام ) دار الأزمنة للنشر والتوزيع 2007

5.  (سلالم النهار) دار العين للنشر 2012 في 240 صفحة

  -  وعلى نفس الهدي سارت خولة القزويني بخمس روايات هي :

1. رواية (عندما يفكر الرجل)  تتحدث عن بطل مجاهد استشهد في سبيل مبدأ الالتزام بالدين

2. رواية (سيدات وآنسات)  تتحدث عن نماذج نسائية في المجتمع، ومعاناة هؤلاء النساء من المشاكل الزوجية

3. رواية (جراحات في الزمن الرديء) تتحدث عن قصة المجتمع الكويتي، وعن فترة الغزو التي تعرضت لها الكويت

4. رواية (البيت الدافئ) و تقدم عرضا جريئا لنماذج مختلفة من النساء، وما يختلج في صدورهن من حب، شفافية، كره، حقد، ورغبة، والتعبير عن مكنونات داخلية تلامس أحاسيس  المرأة باستعراضها ستة نماذج مختلفة من النساء في محاولة لتجسيد الواقع من خلال تجارب شخصية.

5. رواية (هيفاء تعترف لكم) طرحت فيهاالكاتبة أحوال امرأة مطلقة، كانت مبتلاة برجل فاقد الإحساس، وتحدثت فيها عن ظاهرة الإدمان وانتشارها في صفوف الشباب.

-   -  وكان لميس خالد العثمان  عدة مجموعات قصصية، ونصوص سردية إضافة إلى روايات كتبتها في السنوات العشرة الأخيرة  منها:

رواية  (غرفة السماء) 2004 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.بيروت

رواية (عرائس الصوف) 2006 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.بيروت

رواية (عقيدة رقص) 2009 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر . بيروت

رواية (لم يستدل عليه) 2011 عن دار العين . مصر

رواية (ثؤلول ) 2016  دار العين . مصر

هذه مجرد نماذج للروائيات الأكثر تأليفا دون الحديث عن روائيات أخريات لهن ثلاث أو أربع روايات...

ومن خلال الملاحظة الأولية للرواية النسائية بالكويت يبدو أن الروائيات المعاصرات[4] وإن تجاوزن ما هو محلي إلى  معالجة القضايا الإنسانية  العالمية، وقضايا القومية  العربية ... فقد ظل الكويتي المحلي  يحظى بالحظ الأوفر في إبداعاتهن الروائية... فعالجن قضايا مثل العمالة، سفر الكويتيين بحثا عن الحرية وتنفس هواء جديد عبرالسياحة أو الدراسة، معاناة رجال ونساء (البدون) في وطنهم أو خارجه، ويكفي تقديم مثالين من هذه المعاناة اشتركا في اختيار اسم ضاري بطلا لروايتيهما نقصد (ارتطام لم يسمع له دوي) لبثينة العيسى  ورواية (سلالم النهار)  لفوزية شويش السالم  وإن جعلت الأولى ضاري من البدون يعاني في علاقته بفرح واحدة من ذوات الدم الصافي، فإن الثانية جعلت ضاري من ذوي الدماء النقية في علاقته بواحدة من البدون (فهدة): يقول ضاري في (ارتطام لم يسمع له دوي) (  البدون ... وهذا يعني أن تعيش مجردا من أي أوراق رسمية تشير إلى وجودك ... يعني أن ترى العالم ولا يراك ... يعني ألا تنال أي وظيفة مهما بلغت من مراتب علمية ما دام شرط " نسخة من الجنسية" مدرجا ضمن شروط التعيين ... يعني أن تواري حضورك مثل عورة لأنك مقيم بصفة غير قانونية في مكان تفترض أنه وطنك ... يعني أن يركولك إلى الشارع ... يعني ألا تنال أي درجة فوق نطاق الثانوية العامة لأن الدراسة في الجامعة حكر على كويتي الجنسية...) مقابل ذلك كان ضاري في (سلالم النهار) يجرب في فهدة كل شذوذه، ويفعل بها مايشاء كأنها شيء من ممتلكاته الخاصة ....

لكن تبقى القضية الكبرى التي شغلت بال كل الكويتيين والكويتيات، العامة منهم والخاصة، في العشرين سنة الأخيرة وجعلها معظم الروائيات  موضوع كتاباتهن هي قضية غزو قوات صدام حسين للكويت وتأثير ذلك الغزو على الحضارة العالمية المعاصرة، وعلى الكويت خاصة جاعلات من قضيتهن قضية إنسانية، فنسجن حكايات لبعض ما ترتب عن ذلك الغزو، وتفاعل الكويتيون مع تداعيات الأحداث داخل الوطن كما في رواية (جراحات في الزمن الرديء)  لخولة القزويني، أو في ديار الغربة كما في رواية (سعار) لبثينة العيسى التي أشارت لمعاناة الكويتيين والعرب عموما بالديار الأمريكية غداة تفجير برجي التجارة العالمي في  أحداث 11 يناير كواحد من أهم الأحداث المترتبة على حرب الخليج الثانية، أو في رواية (ارتطام لم يسمع له دوي ) لبثينة العيسى حيث البطلين في السويد، ورغم الغربة والبعد تبقى البطلة مستعدة لتقديم نفسها فداء للوطن تقول ( أردت أن أثبت لك ... بأن تمة حب يستحق أن نزهق أرواحنا من أجله وأن الكويت هي ذلك الحب )[5] ...  تعاتب وتنتقد كل من يقلل من بلدها أو تفتر فيه روح الوطنية من البدون، تقول فرح معاتبة ضاري في ( ارتطام لم يسمع له دوي) بعدما رأت أنه ينتهز أية فرصة ليسدد طعنة لقدسية الوطن الجريح: (ما تعرف أنت عن الكويت ؟ إنك لم تحبها. لم تهتف في ساحة العلم، وتتسلق الصارية لكي تعلق علما بأربعة ألوان وتصرخ بالدم  نفديك يا كويت ! لم تحمل سلاحا لتقتتل مع جندي عربي  مسلم جاء ليغتصب أرضك  ويعيث فيها جورا تحت شعار (قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق) وتحرير القدس !  لم تجرب أن تنام في سرداب تهددك أصوات المدافع و "الله أكبر " تصدح من مآذن الكويت... ربما ... كل ما كنت تفعله أن تلصق أذنيك بالراديو وتسترق بعض الأخبار... هل كنت تسمعها بالعربية أم بالسويدية)[6]

وحتى وإن وجدنا من الروائيات المعاصرات من حاولن الرجوع بالسرد إلى مراحل سابقة عن تاريخ الاجتياح كما في رواية (كاللولو)[7] لحياة الياقوت التي تحكي حياة بطلة تكتب يومياتها منذ دخولها الروضة  مركزة على مرحلة ما قبل الغزو وقد  أهدت روايتها (إلى جيل الثمانينيات إلى الذين نشأوا على مسحوق الكاكاو ...)[8]، فإنها  اضطرت في الفصل الخامس و الأخير من روايتها  للوقوف على القضية واختارت لذلك الفصل عنوان (ريح السموم)، وإن بدا الفصل كقسم ملحق قسرا بالرواية فإن فيه إشارات لتأثير الغزو على الأسر الكويتية واضطرار بعضهم للهروب جنوبا نحو السعودية تقول الساردة ( كنت أظن أننا خرجنا وحدنا لكن الخروج كان على شكل قافلة تتقدمها سيارة أحد الخبراء في الطرق الصحراوية...)[9] ليلخص الفصل - من خلال أسرة الساردة -  معاناة شعب منذ الاجتياح، وما كابده من مشقة في تخليص نفسه والنجاة بروحه في الطرق الصحراوية، وما عاشته الأسرة في السعودية في انتظار تحرير الكويت والعودة إلى أرض الوطن.  لتنتهي الرواية بعبارة (... وأمضي في طريق الاستقلال والتحرر)[10]

أما في رواية (رجيم الكلام)  فترصد  فوزية سالم شويش نتائج الغزو  وتأثيره النفسي على الكويتي من خلال ما تحكيه الساردة نارنج عند دخولها  مكتب الشهيد التابع للديوان الأميري، لتصف توثيق شهادات وحيوات شهداء الحرب التي انتهت في ملفات تنتظر من ينتشلها من صمت الأوراق النائمة على الرفوف وأسرار سكنتها ثلاثة عشر عاماً تقول فيها (تم تحرير البلاد ولم يتم تحريري منها...) وفي الرواية إشارة لمظاهر وآثار الغزو كالمقابر الجماعية لشهداء الكويت و سقوط بغداد. ومن أذيب جسده في الأحماض... و سؤال عائلات  الشهداء والمفقودين  عن ذويهم الذين اختفوا ولم يظهر لهم أثر. لتنتهي الرواية على إيقاع  تمجيد الشهداء،  واعتبارهم القدوة وزيت احتراق الشمعة، داعية إلى استحضارهم في البرامج الدراسية ليستفيد التلاميذ والطلاب من تجاربهم ...

ولم تقتصر الكويتيات على تصوير تأثير الاجتياح على الكويتيين بل منهن من صورن تأثيره على الجاليات العربية بالكويت خاصة الجالية الفلسطينية كما كان في رواية (ورود ملونة) لعلياء الكاظمي. التي تحكي في جزئها الثاني قصة فتاة فلسطينية كانت تعيش حياة هانئة وسط أسرتها سعيدة في إحدى محافظات الكويت.  حتى إذا  ما جاء الغزو العراقي اضطرت إلى  هجرة دراستها و الهجرة إلى كندا مع أسرتها... حيث تزوجت عدة زيجات لم يكتب لأي منها النجاح... ففقدت السعادة والأمان... لم يعد لها أصدقاء سوى الهموم والأحزان والدموع والآلام النفسية والانكسارات وخيبة الأمل... وظلت تنتقل من محطة تعيسة إلى محطة أخرى أكثر تعاسة وأشد ألما. ليكون الغزو و قرار هجرة الكويت سببا في تحطيم ماضيها ومعاناة في حاضرها وتهديد لمستقبلها...

ولعل من الروائيات اللواتي خصصن  لعلاقة العراق بالكويت ما يقرب من نصف تأليفها الروائي، الرواية ميس خالد  العثمان ؛ فإن كانت قد أشارت للقضية في معظم مؤلفاتها فإنها جعلت تيمة (العراق/ الكويت) الموضع الأساس لروايتين  : فجعلت الأولى (عقيدة رقص) تدور أحداثها  في عراق ما بعد حرب الخليج الأولى حيث البطلة تعاني من الاضطهاد  ومن كثرة الحروب في بلادها فلم تجد من مخرج سوى الهرب جنوبا نحو الكويت... والثانية رواية (ثؤلول) التي تدور أحداثها في الكويت  وفيها تعاني طفلة  من الاغتصاب  الذي تعرضت له من طرف جنود  الغزو العراقي للكويت  وهي الرواية التي سنركز عليها في هذا الجزء الثاني من هذه الدراسة...

وقبل الغوص في آخر أعمال هذه الروائية نضع بين يدي القارئ تلخيصا جد مركز لروايات ميس خالد العثمان الخمسة :

1 . رواية (غرفة السماء)  أول رواية لميس العثمان صدرت سنة 2004 تحكي علاقة فتاة بشاب تكبره بسبع سنوات وهو بالكاد يكمل ربيعه التاسع عشر كان ينظر لها كأخته الكبرى التي يلجأ إليها في ضيقه وألمه وحين يشتد وجعه. كانت معه حين ودع مقاعد الدرس واستعد لأن يقرر أين يكمل مشواره العملي وكانت هي المستشار بالنسبة إليه، يأخذ برأيها الذي يعتزّ به.. هي صديقته، أخته أمه، لتكون رواية يتمازح فيها الحب بالعطف ...

2 . رواية (عرائس الصوف)[11] عبر ستة فصول تحكي البطلة/ الساردة  كيف ماتت أمها وتزوج أبوها الخادمة (عوجة) لتعيش مع (دليلة) ابنة عوجة عند الناس كشقيقتين تعرفان  ب البيضة(الساردة)  والسمراء (دليلة) وعبر الشباك يتبادلان الإشارات والتلميحات مع ابن عم البطلة، انتهت تلك الإشارات بزواجه من دليلة، كما توطدت علاقته بالبطلة في السر وأنجبا طفلا مما أثر سلبا على علاقته بزوجته وفي أجواء الخوف من التقاليد تكتشف دليلة حب زوجها للبطلة وبعد استحالة العيش معه كزوج تقرر التضحية بسعادتها في سبيل سعادة زوجها و "شقيقتها" وابنهما

3 . رواية (لم يستدل عليه):  وهي  رواية من الحجم الصغير(91 صفحة من الحجم المتوسط) أقرب إلى القصة الطويلة منها إلى الرواية صدرت سنة 2011  عن دار العين المصرية للنشر، في طبعتها الأولى، وإن تم إهداؤها للرجل الأب ورد في الإهداء إلى :( (أبي) إذ علمني الكثير/ الجميل دون أن يقصد ربما) تبقى رواية نسائية بامتياز ذلك أن بطلتها وموضوعها المرأة، جاء على الغلاف الخلفي للرواية :(هل فكّر أحدهم كيف هي الأيام خلف هذه البوابات الكبيرة الموصدة بإحكام على تساؤلاتنا ؟ نحن النسوة الفقيرات إلى البسمة / النسمة والحرية تدور أحداثها حول البطلة هند في مصحة نفسية بعد )

تفتتح الرواية التي ترويها البطلة هند بتقرير عن الأجهزة الأمنية  يقدم  خبرا مقتضبا مفاده وفاة ضابط من وزارة الداخلية (وقد تعرض لطلق ناري في رأسه، وترجح التحريات وفاته منتحراً)، لتنطلق أحداث  الرواية وقد صممت هند وحبيبها عزيز على الانتحار في نفس الساعة في يوم من أيام شهر آب 1998 وكان فشل هند في تنفيذ القرار/ الخلاص بالانتحار سببا في إصابتها ب (اضطرابات ما بعد الصدمة) لتجد نفسها في عنبر 1 ثم عنبر 2 للسيدات وفي هذه الرحلة تحكي هند تجربة ممتلئة بالتناقضات والمفاجئات برفقة المريضات والممرضات... وذكرياتها المؤلمة وتستغل وجودها في السجن/مستشفى الأمراض النفسية لتحكي عن واقع المرأة وكيف أجبر عدد منهن على دخول مستشفى الأمراض النفسية (السجن الأبدي)[12] وعن أمنيات المريضات/السجينات . وتنتهي الرواية ب (تقرير أولي ) من توقيع د.حميدة رأفت عن الطب  النفسي بجامعة الكويت يقدم قرار (اجتماع اللجنة الطبية) حول الحالة النفسية والعصبية للمريضة (هند) التي (أتعبتها مفاجآت الحياة التي لامست خد طفولتها منذ فتحت قلبها للدنيا )[13]

4  . رواية (عقيدة رقص) صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات بيروت 2009  والنشر في 145 صفحة متوسطة الحجم وهي رواية عراقية فضاء، أحداثا، شخصيات ومشاعر. وإن كانت كاتبتها كويتية. تبدأ الرواية بعدد من المقدمات : "إضاءة" تنقل فيها الكاتبة  عن قاموس المورد للدكتور روحي البعلبكي معنى "رقص". بعده مقطع  من رواية (زوربا) لليوناني نيكوس كازانتزاكي هو (لدي أشياء كثيرة أقولها لك لكن لساني قاصر عن ذلك. إذن سأرقصها لك)وتحت عنوان  "ما قبل الإهداء - كلمات من اوشو" عن الموسيقى. ليأتي الإهداء مقطعا شعريا للشاعر الكويتي  محمد هشام المغربي.... بعد  هذه المقدمات لتبدأ أحداث الرواية بداية حالمة على ضفاف دجلة ليتوقف السرد في أيلول (سبتمبر) 1989  حيث الذاكرة أعطبتها الحروب والألم والخوف والسجن والهروب المتواصل، ليتعرف القارئ على البطلة وهي تقرر الهروب من العراق بعد نضال ودخول السجن. تركب سيارتها ويتجه بها السائق جنوبا. وفي حديثها مع السائق نتعرف سبب مغادرتها للعراق بعد انتهاء حرب الخليج الأولى حيث تراكم الآلام والمآسي الناتجة عن الحرب في العراق ولبنان وغيرهما

5  وختاما رواية ثؤلول: التي سنجعلها موضوع تحليل للقضية المطروحة في هذه الدراسة.

رواية  (ثؤلول) إذن هي خامس رواية للكاتبة الكويتية ميس خالد  العثمان، وقد صدرت في طبعتها الأولى  عن دار العين للنشر بالإسكندرية سنة 2016  في 217 صفحة من الحجم المتوسط موزعة على 28 مشهدا اختارت الساردة لكل مشهد  عنوانا تحدد فيه الموسم والسنة  ليمتد زمن القصة من قبيل دخول القوات العراقية إلى الكويت، حتى صيف 2014...

وإذا كانت ميس خالد العثمان في رواياتها  قد جعلت تيمات الوطن، الحرب، الجنس، المعاناة، التسلط... موضوعها الأساس  فإن رواية (ثؤلول) قد  جمعت كل تلك التيمات لذلك اخترناها دون سواها موضوعا للمقاربة...

لعل أول ما يصدم المتعامل مع هذه الرواية هو تلك العتبات التي اختيرت فاتحة تستقبل القارئ : غلاف أسود يخترقه بشكل انحرافي حبل تتوسطه عقدة، كتابة بيضاء –تحاول عبثا تبديد سوداوية الفضاء-  تحدد العنوان (ثؤلول)، الجنس (رواية)، اسم المؤلفة (ميس خالد العثمان)  وفي الأسفل المؤسسة الناشر للعمل( دار العين للنشر)  ...

وحرصا من الكاتبة في إضاءة عتبات الكتاب استهلت الرواية بتعريف الثؤلول في أول صفحة باقتباس تعريف من المعجم الوسيط: (الثؤلول بثر صغير صلب مستدير يظهر على الجلد كالحمصة أو دونها...(ج) ثآليل)[14]، بعد ذلك تهدي الكاتبة روايتها  (للأنثى، التي تولد وبين عينيها وسم مصيرها القادم، بلا معجزةٍ تغيّره)[15]  وهو ما يبشر بأن الرواية قد تكون  نسائية بامتياز ما دامت ( كاتبتها امرأة/ إهداء للأنثى/ ساردتها وبطلتها امرأة...)، ويجعل القارئ انطلاقا من تلك المؤشرات الخارجية يفترض أن النص قد يكون مثل مختلف الروايات التي تبنت قضايا المرأة المستهلكة والمتداولة، كرفض المرأة للقهر والتسلط، وسعيها لتغيير واقعها... لكن ما يكاد القارئ ينهي الصفحة الأولى  من المتن الروائي حتى يجد نفسه أمام رواية من طينة خاصة يصدمه حادث مفجع : اغتصاب فتاة في عمر 13 سنة أمام أنظار أبويها وأخيها وجدتها. اغتصاب نتج عن حمل وإنجاب طفل اضطرت الأسرة نسبته لأم البطلة حفاظا على سمعة العائلة  فشب وكبر لا يعرف شيئا عن حقيقته وقد حول الحدث الأم  الحقيقية إلى كائن يتجاهله كل أفراد الأسرة، كائنا غير مرئي، يعيش على الهامش  مثل  (ثؤلول)  (شق له مكانا على جلد عائلتي الصغيرة فالتصق بهم متطفلا واحتاروا كيف يدارون هذا التشوه البارز عن الآخرين دون ألم)[16]...

تعود تفاصيل الحكاية إلى سنة 1988 حيث كانت سلوى بالمدرسة مع زميلاتها ومعلمة الدين تعلمهن معنى الله والقدرة الإلهية وتأكيد المعلمة على أن يوم القيامة سيكون يوم جمعة وإحساس البطلة بالخوف كلما صلت فجر الجمعة، (لكن النفخ جاء مبكرا ولم تقم القيامة نهار الجمعة كما أخبرتنا  معلمتنا بل فجر خميس 90) [17] لتضعنا الرواية منذ البداية في أجواء اجتياح القوات العراقية للكويت وما أصاب السكان من ذعر شديد،  جعل عددا منهم يفضل الهروب خارج الكويت خوفا على أعراضهم وأسرهم، منهم أسرة صديقتها سحر، تقول الساردة ( سافرت سحر وأسرتها لأن والدها  خشي عليها. وبقينا نحن نحرس هذا التراب ونجاهد لحماية قلوبنا، وما خاف أبي علي بل كان خوفه على الكويت أكبر)[18]  وفي أجواء الاجتياح تتعرض سلوى ابنة 13 ربيعا لاغتصاب من طرف جندي عراقي هاجم غرفتها تقول (كسر عنوة باب غرفتي وسقطت اللوحة المعلقة عليه... ركن الجندي سلاحه على حائطي بهدوء وما استخدمه ضدي... دفعت غطاء سريري متأهبة لأفهم ما ينوي بينما نزع هو لباسه التحتي بسرعة  وأوجع أنوثتي جدا ... غبت بعدها في حلم شاذ وحين صحوت كنت محاطة بوجوه أعرفها ولا تحمل التفسير...)[19] وظل كابوس اغتصابها يطاردها طيلة فترة حملها ( كان مشهد الجندي بلباسه الأخضر وهو يهرس أنوثتي يتكرر في أحلامي فأصحو منزعجة)[20]... طيلة فترة الحمل لزمت سلوى البيت لا تبارحه ترصد التحولات التي طرأت على جسدها وعلى الكويت التي تحولت من دولة ذات سيادة إلى المقاطعة رقم 19 التابعة للعراق وما أصاب المجتمع من تفكك ونقص حاد في المؤن والغذاء تتجاذبها أحاسيس الخوف على الجنين والخوف من المستقبل الذي ينتظرهما هي وجنينها (أخاف من جنيني وأخاف عليه، فأي ارتباك هذا)  خاصة بعد أن طالبتها الأسرة بالتستر على الحمل وتظاهر أمها به... وعند اقتراب الوضع سافرت بها أسرتها إلى مصر حيث ولد المولود وقيد على أنه ابن أمها وأبيها (النتيجة التي أفرزت جابر وأحالتني إلى ثؤلول غير محبوب)[21]، وتكون تلك النتيجة معاناة سلوى وتصدعها بين  الأم الطبيعية، والأخت في الوثائق الرسمية، دون أن تفارقها غريزة الأمومة، تقول (سأحيـى أنا وأنت متلازمين / متلاصقين كطالع الجوزاء، دوما أحد اثنين أو كلاهما ابني / أخي)[22]...  اختير للمولود اسم جابر، تربى وترعرع في أحضان الأسرة، ترعاه سلوى وتجيبه على استفساراته على أنها أمه/ أخته، وعلى أنه أبنها/ أخيها، مما أصابها باضطرابات نفسية، لكنها رفضت الاستسلام، و قررت مواجهة الواقع بالتردد على طبيب نفسي، ويعيش القارئ من خلال جلساتها مع الطبيب (يوسف) تفاصيل حياة سلوى وما كان يجول بين جوانحها من كوابيس وأفكار، ساعدتها تلك الجلسات على تجاوز أزمتها والالتحاق بالجامعة، والعمل في إحدى المكتبات بعد  التخرج، كما كان الطبيب يدعمها ويترك لها حرية اتخاذ القرار في الأمور التي كانت تعترض سبيل حياتها، يشاركها أفراحها وكل ما يشغل بالها ... وتدريجيا يتحول الطبيب إلى صديق فحبيب لتنتهي الرواية على إيقاع الارتباط بين سلوى ويوسف من خلال أساليب إنشائية تعكس انفعالاتهما وتفاعلهما منها قوله: ( لا تقولي شيئا، لنشرب قهوة فرحتنا المشتركة)[23]، وقولها: (ما ذا لو رقصت ستائر غرفتنا وتناثرت علينا زهورها الحمراء المطرزة؟؟)[24]...

يبدو من خلال أحداث رواية (ثؤلول) إذن أنها تعكس أكبر أزمة سياسية عرفها العالم العربي المعاصر ذلك أن ما يعيشه العرب اليوم من تطاحن وتخريب يرجع في نسبة كبيرة منه لاجتياح القوات العراقية للكويت، لكن ما ميز (ثؤلول) جعل الأزمة ذاتية فردية، الجنس أكبر قوة فاعلة في أحداثها، فعملية جنسية على عجل استغرقت دقائق معدودة تناسلت منها أزمات و أحداث مأساوية أثرت سلبا على حاضر ومستقبل أسرة بكاملها، فالرواية لم تركز على عملية الاغتصاب واكتفت بإشارة صغيرة لها في الصفحة 18، ولا على تأثيرها  النفسي والجسدي على الفتاة (سلوى) ذات الثلاثة عشر ربيعا فلا إشارة  لرد فعلها، ورد فعل أهلها قبيل وأثناء وبعد الاغتصاب، وباستثناء تلك الإشارات إلى  الكوابيس التي تراود سلوى في أحلامها سلطت الرواية أضواءها على ما ترتب عن تلك الواقعة... مما جعل من الفتاة  وطنا بأكمله، والاغتصاب معادل للاجتياح فكان ما وقع لسلوى، وما وقع للكويت وجهان لعملة واحدة:

تعرضت سلوى للاغتصاب كما اغتصب الوطن، دام الاحتلال سبعة أشهر وهي نفس المدة التي قضاها الجنين في بطن أمه تقول الساردة (خرجت مستعجلا قبل أن تكمل شهرك الثامن)[25]  ولنوضح بعض أوجه ذلك التشابه بين سلوى والكويت نقترح هذا الجدول التوضيحي:

سلوى

الكويت

- سلوى فتاةصغيرة

-  تعرضت للاغتصاب من طرف عسكري عراقي أمام صمت أهلها

-  كان الاغتصاب سريعا

-  الاغتصاب زلزل كيان الأسرة الصغيرة

-  الاغتصاب حول سلوى( مدللة الأسرة)  إلى ثؤلول يشوه جلد الأسرة،

-  الاغتصاب جعل سلوى أما تقبل لعب دور الأخت المنبوذة داخل أسرتها

-  حمل دام سبعة أشهر

-  تم وضع الجنين في بلد أجنبي

-  خلال مرحلة الحمل  عاشت سلوى على أمل الخلاص

-  استطاعت سلوى تجاوز أزمتها ومواجهة مصيرها

- الكويت بلد صغير

- تعرضت لاجتياح القوات العراقية  أمام صمت الأشقاء العرب

- كان الاجتياح سريعا

- الاجتياح زلزل الأسرة الكبيرة

- الاجتياح حول الكويت (أغنى بلد عربي) إلى مقاطعة تابع للعراق

-  الاجتياح جعل الكويت تكسب تعاطف دول كثيرة في العالم

- احتلال دام سبعة أشهر

- تم دحر القوات العراقية بمساعدة دول أجنبية

-  على نفس الشعور والتطلع عاشت الكويت خلال الاجتياح

-  تمكنت الكويت من استرجاع عافيتها وسيادتها

هذا التماهي بين المرأة والوطن كان مدروسا من طرف الكاتبة، وإلا ما السر في دفع الجندي العراقي إلى اغتصاب الفتاة سلوى، فإذا كان الهدف هو إشباع الرغبة الجنسية، و إذلال الأسرة كان اغتصاب الزوجة أمام زوجها وأبنائها أكثر تحقيقا للهدف، لكن  الروائية اختارت العزف على وتر براءة الأطفال، وتكريس فكرة وجود أزمة الجنس في الفكر الذكوري العربي، أزمة تجعل من الرجل العربي في علاقته بالمرأة  ميالا للاغتصاب، بيدوفيل مغرم بانتهاك الطفولة، واعتبار المرأة المسؤولة عن كل ما ينتج عن أي علاقة جنسية. هكذا رغم اغتصاب سلوى أمام أعينهم وجدنا أسرتها تحملها مسؤولية إثم  لم ترتكبه، ولم تع كيف وقع ولا لماذا وقع، بل لم تدر سبب صمت الأسرة ووقوفها عاجزة عن الدفاع  على ابنتهم الوحيدة وحمايتها...

ومثل مختلف الروايات النسائية لم تخرج (ثؤلول) عن تلك الثنائية المستهلكة في روايات النساء  المتمثلة في تقديم الرجال في صورة سالبة، والنساء في صورة إيجابية: فمقابل صمت الأب  وهروب الأخ وجعلهما شخصيات ثانوية  لا دور لهما في تطور الأحداث، وجودهما مثل عدمه،  قدمت الرواية البطلة طفلة صغيرة في السن ناضجة في السلوك، لم تستسلم ولم تنهار بل ظلت متفائلة بالمستقبل، لم تر يوما في الجنين عارا ما دامت غير مسؤولة عما وقع، ولم تذكر مغتصبها بسوء...  وبقرار انفرادي توجهت للطبيب النفساني، تصارحه بكل ما يختلج صدرها وتقول له ما لم تستطع قوله لأسرتها وابنها مما مكنها من كسب وده وبناء الثقة بينهما...

الرواية إذن تنتصر للمرأة المناضلة المقاومة الأبية الرافضة للاستسلام والصمت والهروب ويتضح ذلك جليا من خلال المقارنة بين سلوى التي بقيت في الكويت لتواجه مصيرها، وبين سحر التي (هربت رفقة أسرتها أهلها الذين خافوا عليها / على أنوثتها من الانتهاك) [26] ولم تعد للوطن إلا بعد دحر القوات العراقية. الانتصار تجلى في المظهر الذي ظهرت به كل شخصية، والمستقبل الذي رسمته الكاتبة لكل واحدة منهما، فإذا كانت سحر قد عادت للكويت مغلفة بالسواد (بإطلالة جديدة لم تعجبني... تغطت بالسواد وبلكنة "تسعودت " كثيرا  لهجة لا تشبهنا ...)[27] متزوجة برجل (بلحية كثة صعبة بحرارة الصيف، ووجه لا يتذكر الابتسامة ...)[28] فإن سلوى رغم تعرضها للاغتصاب، وتجاهلها من طرف أسرتها... انتهت امرأة مثقفة حاصلة على شهادة عليا، وعمل محترم وظفرت بولد ناجح وارتبطت بدكتور نفساني مما يبشر بحياة تتمناها كل فتاة عربية...

وفي الوقت الذي كانت سلوى تصارح طبيبها/ حبيبها بكل شيء يبدو أن سحر لم تكن تصارح زوجها بما يضرها ويشغل بالها، ولم تكن تجد سوى سلوى لتستمع لها، فعندما سألت سحر سلوى (أنت ليش ما تتزوجين؟؟) كان جواب سلوى ( لن أتزوج كي لا اذوي كما تفعل بك العلاقة مع زوجك وحتى لا أضطر لفضح خيبتي في حضن صديقتي فيحزنها تعبي...)[29]

وعلى الرغم من مقاربة الرواية لموضوع حساس بالنسبة للكويتيين، تمتزج فيه الذات بالموضوع فقد تمكنت من حكي قصة، متجردة من الذاتية، و بعيدة عن الانفعال فلم تصدر أي حكم سالب ضد مغتصبها، ولا ضد بلده، وهيأت الكاتبة كل الظروف لجابر (ابن سلوى) ليتعلق بفتاة عراقية ويجد أمه التي اغتصبها عراقي أكثر المدافعين والمؤيدين لزواجه بها... فقد كتبت له رسالة منتقدة تدخل الأسرة في اختيارات الأبناء تقول فيها: ( اتركونا نختار هذه المرة، أنا الأم / الأخت الآن وأنا سأختار لولدي / أخي)[30]وجالست عشيقة ولدها / أخيها العراقية  وشجعتهما على الاستمرار في علاقتهما (باركوا هذا الاختيار ولا تحقنوا في أوردتي المزيد من الأمصال المرة)[31].  واقفة في وجه أمها التي اقترحت تزويج جابر من عائلة في المستوى (من باكر أدور لك على بنت من مواخيذنا)[32] فلم يكن من سلوى إلا الاستهزاء من أمها والدعوة إلى ترك المعنيين بالأمر يختارون حياتهم (يا أم نجية ما مناسبة استخدامك ل من مواخيذنا؟.. أظن يكفينا كذبا على أنفسنا ... أرجوكم دعونا نحترم ما تبقى من علاقاتنا التي هتكتها الحرب والخشية منها دعونا،  هو وأنا نقرر أن نعيش )[33]

رواية (ثؤلول)  بنيت في الأساس على الأزمة التي تخلخل الكيان العربي، أزمة هيكلية تمس كل البنيات والهياكل المكونة للمجتمع العربي، لكن الكاتبة أبت إلا أن تركز على أزمة الجنس وأزمة العقلية الذكورية؛ فلم تولِ كبير اهتمام للاقتصاد والسياسة وإنما وجهت سياط نقدها لطريقة التفكير الذكوري الذي يدعي الفحولة والأنفة لكنه سرعان ما يفضل الهروب والانسحاب عند أول امتحان يواجهه. فقد انزوى الأب للخلف وترك الجندي يفعل ما يريد بابنته الوحيدة، وهرب الأخ وترك أخته الوحيدة تعرق وقد كان بإمكانه أن يمد لها يد النجاة، أو يواسيها في أزمتها وذلك أضعف الإيمان، بل لقد ترك الجمل بما حمل وتزوج فتاة أمريكية حتى يقطع صلته بالكويت وما يأتي من الكويت...  دون أن ينال ذلك من صلابة وقوة شخصية سلوى التي  صمدت رغم أزمتها،  وبطريقة الحكماء كانت عندما تشتد بها الأزمة وتضطر للتراجع تهرب للكتب لتنهل وتستفيد منها تقول مقارِنة  بين هروبها إلى الكتب، وهروب أخيها من الكويت :

(أهرب منكم جميعا نحو الكتب، نحو حكايات الناس وتاريخهم، ولأتعرّف بمن هم أكثر شقاءً مني أقرأ تاريخا محتشدا بالأعاجيب التي أصدقها وحدي، وأعيد تشكيل وقائعها أحيانا بالمقلوب، لأنني ألوذ بالمكتبة كلما تعثّرَتْ خطاي نحو الخارج، وأدّعي بأن هناك بحثا عميقا ينتظرني لأنهيه! أجمع كل العناوين التي تصب في لُبّ "البحث المتخيّل" وأتنقّل بين المعارف وأغيبُ في عوالم ما كنتُ أعرفها،أعيد سَرْد التفاصيل لجابر الصغير حين يتعذّر عليه النوم،فيخلد للراحة ممتلئا بالقصص،فهل أحلى من الكتب؟ على الأقل، هربي حميد ويمتّعْني. أما هربك يا سالم، فلا معنى له إلاّ التّواري).

على الرغم  من كل تلك الطاقة الإيجابية التي وهبتها الكاتبة للبطلة وجعلتها تتفوق على كل ما يعترضها وتكسب كل رهان تركبه ، فإنها لم تؤسطر البطلة، ولم تمنحها قوى خارقة وإنما ظلت البطلة واقعية، يحس كل قارئ كويتي أنه يعرف مثلها في حيه أو مدينته، بل تمكنت من أن تجعلها شخصية نمطية يمكن أن توجد في أي مكان من المعمور، فكثير هن النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب وتنكر لهن الأهالي والمقربون وتمكن من مواصلة حياتهن وتخطي خيباتهن. وزاد من تنميط الشخصية تعويم وتعميم المكان، ذلك أن الرواية اكتفت بالإشارة إلى أن الأحداث تدور في الكويت دون أن تؤثث هذا المكان العام بأمكنة خاصة كذكر أسماء الأحياء والأزقة  عدا إشارات محتشمة لأحياء كالأحمدي، الجابرية، كيفان... بل حتى البيت الذي قضت فيه كل حياتها لم ترسم أبعاده،ولم تدقق في وصف مرافقه وعدد غرفه...

ولتصوير عمق الأزمة اختارت الكاتبة لغة مناسبة لحالة سلوى/ الكويت، لغة مأزومة في صورها، عباراتها وتركيبها،  ولعل من أكثر الظواهر اللغوية إثارة لفضول القارئ إكثار الكاتبة من إدخال (ال) على الفعل، لدرجة قد تبدو الظاهرة صادمة للقارئ، لكن الملاحظ أن الروائية قرنت هذه الظاهرة اللغوية باجتياح الكويت واغتصاب سلوى، فحضرت في المقدمة عند قولها (ويوم شعرت بعجزي عن العود إلى الوراء ... أعود سلوى ابنة أبيها المدللة ... المجنونة بأسئلتها الكبيرة عليها ال أشعلها الفضول للوصول لمعنى معقول للحياة)[34]  لتغيب طيلة الصفحات الموالية حيث سلوى في المدرسة قبيل الاجتياح ويكون ثاني حضور لفعل مقترن بال في الصفحة 17  ليلة الاغتصاب/ الاجتياح في قول الساردة (اكتفينا كأسرة تضم جدة وأما و أبا وأخا بتكوين معجمنا الخاص الممتلئ بالحرب والخوف والخشية والدعاء والمقاومة والدم والخبز والمعلبات وأكياس القمامة ومنع التجوال والمنشورات والرصاص و"يقولون " وال لا أدري )[35]  وتطرد الظاهرة بعد ذلك  مقترنة بفعل المضارع أكثر من اقترانها بأفعال الماضي ولتقريب الصورة نقدم بعض الأمثلة التي اقترنت فيها ال بالفعل:

- ال قبل الماضي:

- مواقيتنا ال كنا نضربها ص 28

- فأم نهار السيدة الداية ال كف بصرها ص 41

-  السنة ال ضاعت في مهب الحرب ص76

- غاب الصوت ال كان ساطعا ص 202

-  ال  قبل المضارع

- عينيه ال تخبئان مستقبلا مغبشا ص 32

- صوت ... الكويت ال تبثها السعودية ص 38

- غضب الدنيا ال يسكنني  ص 40

- للعيون ال تتفقد آخر الخسائر ص 44

- الحزن هو الطاقة ال تسترني ص 45

- صوت الشاطئ ال يمشط أذني بصفيره ص57

- وتربك جابري ال تختلط فيها المشاعر ص190

- بين شتلات أبي ال تنتظر الغرس  ص 191

- هذا الهدوء الاستثنائي ال يسكن الشوارع ص76

- الأيام محشوة بالدقائق ال تنساب.. ص 77

- الوطن ال يتنصل من محبة أبنائه ص 101

يبدو من خلال هذه الأمثلة أن اقتران (ال ) بالفعل لم يرد له ذكر لما كانت سلوى بالمدرسة، وأن أول حالة سجلت ليلة الاجتياح، وفي نفس الصفحة الذي ذكر فيها اغتصاب سلوى... كما يلاحظ أن معظم الأفعال التي سبقتها (ال) جاءت مشحونة بدلالة سالبة مما يدل على أن ذلك لم يكن عفويا واعتباطيا وإنما لغاية في نفس الكاتبة، ولهدف تريد الكاتبة إبلاغه للقارئ... اعتقدت في البداية أنه خطأ مطبعي أو زلة لم تنتبه لها الكاتبة، لكن ما أن توغلت في الصفحات حتى أمطرتني الرواية بعشرات الأفعال المسبوقة ب(ال) فتيقنت أن العملية مقصودة مع سبق الإصرار والترصد، وهو ما حتم علينا العودة للنبش في الحالات التي تدخل فيها (ال) على الفعل...

لقد كان في الذهن حالات قليلة من الشعر القديم أدخل فيها الشعراء (ال) على الفعل، نقدمها تلقائيا كلما دقت الضرورة  لطلابنا كقول الفرزدق:

وما أنت بالحكم الترضى حكومته ⚝⚝⚝  ولا الأصيل ولا ذي الرأي الجدل

لكن أثناء البحث وقفنا على نماذج كثيرة من الشعر تناولها علماء اللغة العرب القدامى وجعلوا منها موضوع نقاش، وإن ربطوها بالضرورة الشعرية فإن أغلبهم يجيز دخول أل على الفعل المضارع دون غيره من الأفعال مع الإجماع على أن (ال) من علامات الاسم وإدخالها على الفعل ضرورة قبيحة ومستهجنة...

لكننا نرى الظاهرة في هذه الرواية جرأة لغوية وتحديثا يضفي حركية على السرد، خاصة وأن معظم الأفعال المسبوقة ب(ال) يمكن تعويضها باسم فاعل أو اسم مفعول، وهذين الاسمين من الأسماء المشتقة الدالة على الاستمرارية،الاستقرار، الديممومة  والثبات، وهي صفات لا علاقة لها بمقصدية الكاتبة ولا بحال سلوى/ الكويت التي كانت متقلبة متذبذبة كل يوم هي في شأن، مع توالي النكبات والمصائب وما يعتصر في أحشائها من غليان وانفعال، لذلك كان الفعل المسبوق بال أدق تعبيرا من الاسم المشتق،  وبذلك يكون اقتران الفعل ب(ال) قد أدى وظيفة دلالية لها علاقة بالرسالة المراد تبليغها،  وتعبيرا عن عمق الأزمة التي استشرت في كل أوصال جسد سلوى/ الكويت وتكسيرا للبنية التركيبية التقليدية، يوافق تكسير الرواية للاعتقاد السائد، فإذا كان طبيعيا أن ما وقع لسلوى/ الكويت لن ينتج إلا الحقد والكراهية والرغبة في الانتقام ... فإن الرواية كسرت كل ما كان متوقعا وقدمت  سلوى بطلة في قمة التسامح والتمرد، أصرت على تزويج ابنها/ أخيها من امرأة عراقية داعية للحب والتسامح رافضة  أن يبقى المجتمع الكويتي، الخليجي والعربي عامة مجتمعا (ٌيضم المخادعين ويقربهم للفوز بالمتع كلها، تمامًا كغيره من المجتمعات التي تستمرئ فعل البشاعات في الخفاء وتهوى التواري وراء شمّاعات الظروف وتنتشي بشنيع فعلها المعفّر بألف رغبةٍ كاذبةٍ في الطهر)  لـتكون الرواية صرخة نسائية  تعلن بصوتٍ عالٍ رفضها لكل التصرفات اللاسويّة .. وللتناقض والخداع المعشش في العقول التي ترى فيه سبب كل مصائبنا وأزماتنا ... وكما كان مضمون الرواية متمردا، اختارت الكاتبة لغة متمردة وكان من تجليات ذلك التمرد إدخال (ال) على الفعل ماضيا ومضارعا.

يستنتج إذن أن رواية (ثؤلول) تعتبر بمثابة استخلاص لأكبر أزمة هزت أركان العالم العربي المعاصر، لكن الكاتبة ابتعدت عن المقاربة السياسية، التاريخية ... فلم تقدم رواية تسجيلية أو تاريخية، وإنما خلعت على المأساة بعدا فنيا جماليا، من خلال بطلة أصابتها شظايا الأزمة فسقطت من ضمن الضحايا، لتجد نفسها مع عمق أزمتها ضحية عصية على التصنيف (فالشهيد مات وكرم، والأسير غاب واستذكر، فماذا عني أنا تحت أي التصنيفات يمكن أن أدس/ أُداسُ بتجربتي / كارثتي وأذاي)  [36] وعمق الأزمة عنفها وقوتها  العميقة حول الفتاة سلوى إلى (امرأة نسيت كل مباهجها)[37] تقول( نسيت تاريخ ميلادي تغبشت ذكرياتي مع الحياة نسيت البكاء كطفلة/ والغناء كشابة فقد تفلت قلبي من كل هذا وذاك)[38]، فهي أزمة يشيخ لها الوِلدان جعلت سلوى (طفلة لبست ثياب السيدات على عجل بل... على حين سقطة)[39]، وما ثؤلول إلا نموذج للرواية بنون النسوة في الكويت التي حاولت رصد بعد تجليات أزمة الغزو العراقي للكويت، وما ترتب عنه من مآسي مست الأفراد، الأسر، الدول مما جعلها تتربع على عرش أكبر أزمة عرفها العالم المعاصر لا زالت تبعاتها تتناسل ولا أحد قادر على التنبؤ بنتائج كل ما يتفاعل في رحم هذه الأزمة وخارج رحمها بعد تدويلها .

الروايات المعتمدة في هذه الدراسة :

رواية (سميحة تخرج من البحر)  ليلى العثمان . شركة الربيعان للنشر والتوزيع .  ط1.  الكويت 1986.

رواية (كاللولو ) حياة الياقوت . ط1.  عام 2012 بالكويت، دون الإشارة إلى دار النشر .

رواية (جراحات في الزمن الرديء) . حولة الفزويني . ط1 .  دار الصفوة  2002

رواية (ارتطامٌ .. لم يسمع له دوي) بثينة العيسى . دار المدى. ط1 . سوريا2004.

5. رواية (  سعار ) بثنية العيسى .  المؤسسة العربية للدراسات و النشر . ط1 . بيروت 2005.

6. رواية (الشمس مذبوحة والليل محبو) فوزية شويش السالم . دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع. ط1 .دمشق 1997.

7. رواية (المرأة والقطة)  ليلى العثمان . المؤسسة العربية للدراسات والنشر . ط1.  بيروت 1985 .

8. رواية ( رجيم الكلام ) فوزية شويش السالم . دار الأزمنة للنشر والتوزيع  ط1 . 2007 .

9. رواية (سلالم النهار) فوزية شويش السالم . دار العين للنشر. ط1 .  2012 .

10. رواية  (غرفة السماء) المؤسسة العربية للدراسات والنشر.بيروت.

11. رواية (عقيدة رقص) المؤسسة العربية للدراسات والنشر . بيروت 2009.

12. رواية (عرائس الصوف) المؤسسة العربية للدراسات والنشر.بيروت 2006.

13. رواية (لم يستدل عليه) دار العين. مصر2011.

14. رواية (ثؤلول )  دار العين . الإسكندرية 2016 .

[1]  - للكاتب  إسماعيل فهد إسماعيل اليوم أزيد من 20 رواية

[2]  -  صدرت الرواية في طبعتها الأولى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر . بيروت. 1985

[3] -  صدرت رواية (سميحة تخرج من البحر)  في طبعتها الأولى  عن شركة الربيعان للنشر والتوزيع  .  الكويت 1986

[4]  - نقصد هنا بالرواية الكويتية المعاصرة  رواية ما بعد  الغزو العراقي للكويت

[5]  - رواية ارتطام لم يسمع له دوي . بثينة العيسى. مكتبة آفاق. ط 2 . الكويت .2013

[6]  - رواية ارتطام لم يسمع له دوي . ص  57

[7] -  رواية كاللولو . حياة الياقوت . صدرت عام 2012 بالكويت، عدد صفحاتها 271 صفحة دون الإشارة إلى دار النشر

[8]  - المرجع نفسه . ص 9

[9]  - المرجع نفسه . ص 235

[10]  - المرجع نفسه . ص 367

[11]  رواية عرائس الصوف .ميس خالد العثمان  .المؤسسة العربية للدراسات والنشر .ط 2 . بيروت. 2006

[12]  - لا يسمح القانون الكويتي بمغادرة المريضة للمشفى دون موافقة ولي أمرها، وغالب ما يكون ولي الأمر سبب وجودها في هذا المشفى (حسب الرواية)

[13]  رواية  لم يستدل عليه  .ميس خالد العثمان. دار العين .ط1. الإسكندرية  2013.

[14]  -  رواية ثؤلول . ميس خالد العثمان. دار العين الإسكندرية. 2016 .ص 5 (وهي صفحة غير مرقمة)

[15]  - المرجع نفسه.

[16] المرجع نفسه.ص

[17]  - المرحع نفسه . ص 14

[18]  -  المرجع نفسه . ص 16

[19]  -  المرجع نفسه . ص 18

[20] -  المرجع نفسه . ص 19

[21]  - المرجع نفسه .ص 72

[22]  -  المرجع نفسه . ص 62

[23]  - المرجع نفسه .ص 215

[24]  - المرجع نفسه .ص 216

[25]  - المرجع نفسه ص 59

[26]  -  المرجع نفسه ص 32

[27]  -  المرجع نفسه ص 67

[28]  -  المرجع نفسه ص 89

[29]  -  المرجع نفسه ص 118

[30]  - نفس المرجع . ص  205

[31]  - - نفس المرجع . ص  211

[32]  - نفس المرجع . ص 204

[33]  - نفس المرجع . ص 212

[34]  - المرجع نفسه ص 10 وهي ثاني صفحة في المتن

[35]  - المرجع نفسه. ص 17

[36]  - المرجع نفسه  . ص 99

[37]  - المرجع نفسه . ص  210

[38]  -  المرجع نفسه ص 211

[39]  - وردت الجمل في الرواية وعلى ظهر غلافها الخارجي

 

khoulod albadriعندما تتساقط الأوراق، تبدو جميع الأشجار متشابهة .

 أفتتح الروائي وارد بدر السالم روايته بعدة أقوال عن سنجار وأهل سنجار، وكان له أن يختار لكاتب أيزيدي أسمه نواف خلف السنجاري المفتاح الأول للولوج إلى عوالم روايته " عذراء سنجار". قبل الدخول إلى عوالم الرواية لا بد أن نعرف ما هو مفهوم الأدب ما بعد الحداثي ولماذا سميّ بهذا الاسم ومتى ظهر ؟ كل تلك الأسئلة سنجيب عنها تباعا : الأدب ما بعد الحداثي يكتب عنه الناقد، د.جميل محمداوي " حيث يقول في كتابه المسمى " نظريات النقد الأدبي والبلاغة في مرحلة ما بعد الحداثة " : الذي ينبني على التعددية، والتناص وإعادة الاعتبار، للمؤلف، والقارىء، والسياق الخارجي والمقصدية، والاهتمام بالاختلاف، والتركيز على المهمش والمدنس، مع استعراض ثنائية الذكورة والأنوثة، والاستعانة بمنهجيات التفكيك، والتقويض والتأويل .في قراءة الكتب المقدسة، وتشريح النصوص والخطابات الأدبية وغير الأدبية " ص9

 وأيضا " قد جاءت ما بعد الحداثة لتقويض الميتافيزيقا الغربية، وتحطيم المقولات المركزية التي هيمنت قديما وحديثا على الفكر الغربي، كاللغة والهوية، والأصل والصوت والعقل، وقد استخدمت في ذلك آليات التشتيت والتشكيك، والاختلاف والتغريب، وتقترن ما بعد الحداثة بفلسفة الفوضى والعدمية والتفكيك واللامعنى واللانظام،" ص17

فهل أنتهى مشروع ما بعد الحداثة ؟ " لقد ناقش الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أن مشروع الحداثة لم ينته أبدا بعد، حيث يواصل سعيه لتحقيق أهدافه ( وبهذا يقصد هابرماس قيم تنوير العقل والعدالة الاجتماعية ") ص18

من كل هذا نتوصل إلى أن ما بعد الحداثة وهذا ما تعد بالنسبة للكثيرين " عدمية على نحو خطير فهي تقوض أي معنى للنظام والسيطرة المركزية للتجربة. فلا العالم ولا الذات لهما وحدة واحدة " وحسب دافيد كارتر فأن ما بعد الحداثة تزعزع جميع المفاهيم التقليدية المتعلقة باللغة والهوية "

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهر ما يسمى بما بعد الحداثة . لم يكن ظهورها أولا في الأدب وإنما كان في التشكيل والرسم والعمارة والهندسة المدنية قبل أن يكون لها نصيب بالأدب وباقي العلوم الأخرى المختلفة .

وقد اخترنا رواية الروائي وارد بدر السالم " عذراء سنجار " لأننا وجدنا أنها تتحلى بكل ما ذكر من خصائص أدب ما بعد الحداثي، طبعا هذا لا يمنع أن تكون للرواية قراءات أخرى تحت مدرسة من مدارس النقد الأدبي، فكل قارىء له وجهات نظر تختلف عن غيره، لكنني عند قراءتي للرواية توسمت فيها ذلك . طبعا الروائي السالم في روايته هذه قد عزف بشجنٍ وحزن المأساة السنجارية والتي ستظل شاخصة في الذاكرة الجمعية العربية والعالمية، أنها الاستباحة الإنسانية للإنسان كقيمة عليا وكنفس حرم الله قتلها، لكنها الأفكار التي تسلطت على العقول فجعلت من وحوش بشرية ضارية أكثر وحشية من وحوش الغاب، يأخذنا السالم معه في رحلة عجائبية تشيب لها الرؤوس، فيبدأ سيمفونية الحزن المتجذر على هذه الأرض بحديث للطير والحيوان ومعهم المرأة الحامل، الغراب متحدثا والصقر طائرا ومتحدثا كذلك، والكلب يرد بالحركات والمرأة الحبلى التي تُثقل بالجنين والعمل , الأمطار التي تهطل في تلك اللحظات، هي البداية ليس إلاّ .. أن تقرأ بمتعة لحزن قاتل فتلك مهمة عسيرة على أي كاتب لكن للسالم مقدرة خاصة على أن تجعلك تستمتع بما تقرأ، وصراحة أقرأ الصفحة ولا أستزيد إلاّ بالعودة لها مرة أخرى، ليأخذني الأسلوب الشاعري معه من جديد، وكما قلت أنها متعة أن تقرأ لكاتب ولا تريد أن تفارق سطور روايته وتعود للسطر أكثر من مرة فأنت لا تريد أن تنتهي من هذه التحفة إلاّ وأنت قد تأملتها كثيرا . لفت انتباهي لغة الرواية التي سُبكت بمهارة وحرفية. يقول كاتبنا السالم : "انغلقت السماء بغيوم داكنة ونزل المطر خفيفا ومتقطعا تخالطه أغصانٌ من بروق ضوئية سريعة، فانتشر ظل رمادي سميك على السطح جعل من المرأة الحامل أن تُسارع بتجميع الثياب القليلة المنشورة على حبل الغسيل، ومن حولها الكلب الأبيض يدور حول أرضية السطح .

الغراب مضموم الجناحين على السياج المثلوم ينظر إلى السماء ثم إلى الكلب، فيما ظل الصقر ينظر إلى المرأة بعينين فاحصتين متضايقا من الوقت القصير الذي سينتهي ما أن يهطل المطر بغزارة .

تساءل الغراب : _ أراك قلقا سيدي الصقر.

قبل أن يحط، كما رآه الغراب، خطف برشاقة على رأس الحامل وخفقت أطراف ريشه على شعرها المنسرح على كتفيها ومسّ وجهها هواءٌ بارد فتبسّمت وهي ترفع يدها بقُبلة صغيرة طارت اليه مكوّرة من أصابعها الطويلة ." ص12

عدم المنطق والتغريب والتشكيك والتأويل بالنسبة للكاتب والقارىء، فأنا كقارىء سأقوم بتأويل ما حصل بين المرأة والغراب والكلب وسأتوصل إلى أن السالم رمز لحياة ما في تلك البقعة من الكون بالمرأة الحامل المثقلى بحملها وبعملها الشاق نوعا ما، بحركة الكلب على أرضية السطح، بكلام الغراب، بحركة الصقر الرشيقة وهي تبث بروح المرأة الحامل هواء منعشا، وبالقبلة التي تهبها إياه من أصابعها الطويلة، ونحن هنا لا بد لنا من أن نختصر فلا نريد أن ندخل القارئ معنا في تأويل سطور الرواية ونحن في الصفحات الأولى وألاّ لأخذت منا هذه الدراسة صفحات طويلة . يقص علينا السالم قصة الحب العجائبية التي تربط بطل الرواية سربست بمحبوبته نشتُمان والذي يعود متكبدا المخاطر للبحث عنها في ليلة ماطرة " لكنه كان على يقين أن حلا ممكنا سيعيد إليه نشتُمان، فتخاطرت الرؤى والأحلام والكوابيس تحت راية الحب العجائبي الذي يغمر روحه ويفيض عليه كلما تمر لحظة وتمضي ساعة وينتهي يوم وينطوي أسبوع بشعور ندم لا يفارقه ويقتص منه كل تلك الأوقات التي طوت أشهرا ثقيلة بكل فصولها المتعاقبة وألوانها التي مرت عليه في تلك العزلة ".

 وما دمنا بدأنا بالتأويل وشرح وتبيان خطوط الرواية الرئيسية فنحن مطالبون بمعرفة مرتكزات ما بعد الحداثة، وهي بشكل مختصر لا بد لها من : التقويض وفض الأيديولوجيات المختلفة، التفكيك واللاانسجام، التشكيك، هيمنة الصورة كما عند جيل دولوز _ الأدراك، والصورة _الانفعال، والصورة الفعل، الغرابة والغموض والشذوذ، الانفتاح والتناص على كتابات أخرى، تحطيم الحدود بين الأجناس الأدبية، أعادة الاعتبار للسياق والنص الموازي، التخلص من المعايير والقواعد .وقد حفلت الرواية بكل من هذه المرتكزات التي وسمت الرواية برواية أدب ما بعد الحداثي . وهنا سأدرج بعض المقاطع من الرواية مبينة بشكل ما تلك المرتكزات " الرجال الأربعة المتشابهون في الزي الأسود توزعوا حول السيارة وأبعدوا الصّبية بأسواط طويلة، فيما صعد أحدهم بلحية حمراء ووجه أسود مجدور إلى الحوض، حيث فتيات الصّفّين العاريات، وبيده عصا طويلة وأخرى تمسك رأس ميكرفون، بينما تقسم ظهره بندقية كلاشنكوف نصف أخمص إلى قسمين متساويين ..." ص 40

عيدو المجنون وتصرفاته غير المنضبطة والذي يغير من مزاج جمهرة الناس رغم الألم المر الذي يتعرضون له بالضحك أحيانا .

" يا ابن العذاب الطويل .. يا ويلك يا ذا الأسمين والمكانين والزمنين .. ماذا فعلوا ببنات التين والزيتون ..لعن الله كل شيء هنا ..أنت ملعون يا سربست ..أنت ملعون يا آزاد . كنت ابن الدين واليوم صرت ابن الخنزير "ص 62 الرواية كانت حافلة بالوثائق والأسماء الأيزيدية وكذلك لبعض من لغتهم، الفرمانات التي كانت تصدرها دولة الخلافة المزعومة بحق هذه الطائفة التي قدر لها أن تستباح لمرات كثيرة، السبي وحلاقة الرؤوس وتشويه الجمال قطع الأيدي واستباحة الطفولة والأعراض، إصدار أحكام وقوانين جائرة تعود للقرون المنصرمة والتي بليت وأكل عليها الزمن وشرب، تخريب البنى التحتية وتدمير التراث الحضاري والعمراني للمنطقة المستباحة، فرض الإتاوات وإجبار الفتيات على التجرد من الملابس وعرضهن في سوق النخاسة، والكثير الكثير الذي لا يستوعب ذكره ها هنا .

على غلاف الرواية الأخير كُتب " هذه ملحمة أيزيدية شاءت أن تقف على مرحلة مهمة وحرجة من تاريخ الأيزيديين في العراق في زمن صعب من الأزمان التي مر بها الأيزيديون على مدار تاريخهم لتسجل داعش الاحتلال رقم 75 لهذه الطائفة المسالمة وتنتهك حرماتهم في أسوء احتلال عرفه التاريخ لتبيع نسائهم في أسواق النخاسة وتقتل رجالهم وأطفالهم تحت راية مشبوهة التي يرفعها المرتزقة باسم الإسلام ."

نكتفي بهذا القدر من الكتابة عن الرواية وقد بيّنا وجهة نظرنا بأدب ما بعد الحداثي وبالنموذج الذي اخترناه رواية " عذراء سنجار " ونترك للقارئ التمتع بقراءة هذه الملحمة الفريدة من نوعها.         

 

 

adnan aldhahir2لماذا لبى سيد شعراء العربية الدعوة التي وجهها له الوزير البويهي ابن العميد؟

وهل للملك البويهي

دور في توجيه هذه الدعوة؟

سرا ترك أبو الطيب المتنبي مصر وكافورها الأخشيدي هربا من حالة تشبه السجن من وجوه كثيرة . غادر مصر تاركا فيها أشهر قصيدة ذم قالتها العرب حتى اليوم . وصف فيها كافورا وكان عبدا أسود كما يلي:

جود الرجال من الأيدي وجودهم

من اللسان فلا كانوا ولا الجود

 

صار الخصي امام  الآبقين  بها

فالحر مستعبد  والعبد  محمود

لا  تشتر العبد  الا والعصا  معه

ان   العبيد   لأنجاس  مناكيد

 

من علم الأسود المخصي مكرمة

أقومه البيض أم اجداده الصيد

 

أم أذنه  في  يد  النخاس  دامية

أم قدره وهو بالفلسين  مردود

الى آخر القصيدة الشهيرة التي يؤاخذ الشاعر عليها من وجهة نظر عصرية غير منصفة تدينه بالميز العنصري والموقف المتعسف من السود كما هو واضح في الأبيات السالفة .

لست في وضع الناقد لمضمون القصيدة ولست قاصدا تقويمها فنيا لكني أسوقها كمدخل لفهم الظروف التي كان عليها الشاعر المتنبي حال قبوله الدعوة المعروفة لزيارة بلاد فارس والإقامة فيها حوالي نصف عام منعما بحفاوة الوزراء واكرام بعض ملوك فارس البويهين مثل عضد الدولة .

قبل أن يترك المتنبي مصر في عام 348 للهجرة كانت قد سجلت نفسية الشاعر ومعنويته هبوطا ملحوظا تحت وطأة حمى شديدة أصابته وقد تم تشخيصها على أنها أحد أطوار مرض الملاريا حيث تتواتر الحمى والرجفة كل أربع وعشرين ساعة وهذا ما حصل له وحسب وصفه لأعراض مرضه:

وزائرتي كأن بها حياء

فليس تزور الا في الظلام

وزائرته هي بالضبط هذه الحمى وارتفاع درجة حرارة جسده . أجلْ، فتحت وطأة هذا المرض تسربت الشكوى التي لم يكن يجرؤ على الإفصاح عنها علنا خوفا من بطش وغدر كافور الإخشيدي الذي أحاطه بالعيون والمخبرين وحدد اقامته في دار معينة خصه بها . ولم يكن كافور حسن الظن بهذا الشاعر الكوفي الذي غير مواقع ومواضيع الألتزام كثيرا في حياته العقائدية منها والسياسية . فاذا صحت الرواية فان المتنبي كان قد ادعى النبوة في بادية السماوة وسجن . وبعد اطلاق سراحه من السجن تعاطف مع القرامطة في الكوفة ثم خانهم فمدح أبا الفوارس دلير لشكروز .

ترك الكوفة ليتصل ولينقطع الى بلاط سيف الدولة الحمداني أمير حلب مادحا ومنادما وصديقا في السراء والضراء وفي السلم وفي الحرب . ثم يضيق به المقام لدى أمير حلب الشهباء فيقرر التوجه الى مصر مكاتبا أميرها كافور الأخشيدي منفذا سفرة ما أشد ما ندم عليها , اذ ظل يتحسر على حقبة مقامه في حلب بقية حياته . ولقد قارن مرة بين الحمداني والأخشيدي فقال:

وذاك أن فحول البيض عاجزة

عن الجميل فكيف الخصية السود

فالريبة وسوء الظن والشك المبطن كانت كلها مبررة ومتبادلة ما بين الإثنين .

عرف الإثنان كيف يداريان وكيف يلطفان من نتائج الجفوة هذه وتخفيف آثارها . لكن كافورا كان الأكثر قدرة على المناورة والمداراة بحكم كونه رجل سياسة وملك وما يتطلبه ذلك من دهاء . وكان في هذا على النقيض من صاحبه

المتنبي . فأبو الطيب شاعر وليس برجل سياسة . نشأ قريبا من البادية فتخلق بأخلاقها إباء وصرامة فكان دأبه المباشرة والتعامل مع الحقائق والمعطيات دونما مواربة أو مداراة . وقد لخص هو نفسه كل هذه الخلال والسمات التي جبل عليها ببيت شعري بالغ الدلالة:

وإذا كانت النفوس كباراً           تعبت في مرادها الأجسام

لقد تأزمت الأمور مع كافور لدرجة يستحيل معها على المتنبي البقاء في أرض مصر . فلا طموحه  يسمح ـ وكان كافور قد وعده أن يوليه امارة العراق أو أن يمنحه اقطاعا ولم ينفذ ـ ولا شاعريته الفذة تسمح بالمزيد من قول شعر النفاق والتكسب . فاللون الأسود أضحى بشعره شمسا سوداء , وعفن الآباط أمسى رائحة المسك , والجاهل بات أستاذا . فأية مهزلة وأية مقامرة تأباها النفس الشاعرة ويمجها الطبع الكريم والخلق الأصيل . الهروب إذا ً !! الهرب بالجلد والنفس الأبية:

أقمت بأرض مصر فلا ورائي          تخب بي الركاب ولا أمامي

يقول لي  الطبيب  أكلت  شيئا          وداؤك  في شرابك والطعام

وما   في  طبه   أني    جواد           أضر بجسمه  طول الجمام

فأمسك  لا   يطال له  فيرعى          ولا هو في العليق ولا اللجام

هكذا اذا كان حاله في مصر . لقد نفث هذه الآهة البينة واقعا تحت تأثير المرض . وحاله هي حال الحصان المكبل لا يسمحون له أن يرعى بحرية ولا يؤمنون له مؤنة العيش بامداده بما يحتاج من علف وعليقة للعلف . ثم انه الحصان الذي أمرضه طول الأستجمام القسري بمنعه من الجري كباقي الخيول الحرة وحرمانه من الميدان المناسب ومن اعداده للأسهام في المعارك والحروب . لقد أبطرته فأمرضته نعمة محددة مفروضة عليه . لقد حيل بينه وبين الدور الذي يريد أن يلعب فلماذا لا يمرض؟ ومرضه لا ريب مرض نفساني وليس جسديا داهمه عن طريق ما يأكل وما يشرب .

المقصورة

بعد أن نجح في الهرب من مصر قال في ربيع الأول عام 351 الهجري وهو في الطريق الى الكوفة واحدة من عيون الشعر العربي التي استخدم فيها الألف المقصورة والممدودة رويا للقصيدة لذلك اشتهرت بالمقصورة . في هذه القصيدة نفس جاهلي - بدوي أهاجه دنوه من مسقط رأسه الكوفة والبادية والصحراء والبيئة الأولى حيث أمضى سني عمره المبكرة . لنستمع اليه يشير الى كافور غمزا ولمزا غاية في البلاغة والحجة:

لتعلم مصر ومن بالعراق                  ومن بالعواصم  أني  الفتى

واني  وفيت واني  أبيت                   واني عتوت على  من عتا

ونام  الخويدم  عن  ليلنا                  وقد نام قبل عمى لا كرى

وكان  على  قربنا  بيننا                   مهامه  من جهله  والعمى

وماذا بمصر من المضحكات           ولكنه    ضحك    كالبكا

وأسود مِشفرُهُ نصفهُ                     يُقالُ له أنتَ بدرُ الدُجى

الأبيات واضحة المعاني والإشارات بحيث لا تحتاج الى شروح . والخويدم هوكافور نفسه وكان الهروب ليلا على ما يبدو. وأسود المشافر هو كافور كذلك

حيث كان الرجل عبدا أسود كما تقدم .

المتنبي في كنف آل بويه في بلاد فارس

خرج أبو الطيب المتنبي من الكوفة عام 354 للهجرة ملبيا دعوة الوزير الفارسي أبو الفضل بن العميد حيث مكث لديه في مقاطعة أرجان مادحا ومستعذبا الحياة الجديدة ومستمتعا بطبيعة لم ير مثيلا لها من قبل بأستثناء بعض المناطق التي شهدها في بلاد الروم (تركيا حينذاك) وقتما كان يرافق سيف الدولة الحمداني في غزواته لتلك البلاد أو في صده لغزوات الروم وهجومهم على المدن والثغور العربية كما حصل في عام 344 الهجري حيث حاصرت الروم ثغر الحدث الذي بناه سيف الدولة قبل ذلك بعام . ثم وصفه البديع لجبال لبنان وقد أضطر يوما أن يقطعها في الشتاء وكانت الثلوج تغطيها .

لقد مدح ابن العميد في قصيدتين أو ثلاث فنال منه الهدايا النفيسة والجوائز السخية. وكان يستحق كل ذاك المديح والإطراء فلقد اشتهر (أو شَهُر) الوزير ابن العميد بالأدب وحفظ القرآن ودواوين شعراء الجاهلية والأسلام . وكان طويل الباع في الهندسة والمنطق والفلسفة وغيرها  (2) .

قال المتنبي يمدحه في قصيدة (أرجّان أيتها الجياد):

صغت السوار لأي كف بشرت

بابن  العميد  وأي عبد كبرا

 

بأبي  وأمي  ناطق  في  لفظه

ثمن تباع به القلوب وتشترى

 

من مبلغ الأعراب أني  بعدها

جالست رسطاليس والإسكندرا

يشبه ابن العميد بالحكيم أرسطوطاليس وبالإسكندر المقدوني في شجاعته وعلمه واتساع ملكه . ومن قصيدة أخرى يهنئه فيها بعيد النيروز الذي يوافق عادة اليوم الأول من السنة الهجرية:

عربيٌّ   لسانه    فلسفيٌّ          رأيه   فارسية   أعيادُه

خلق الله أفصح الناس طرا           في مكان أعرابُه أكرادُه

والأبيات أفصح في مجملها من أن تحتاج الى شروح وتفاسير .

فهل كان أبو الطيب المتنبي منافقا في مدحه وكاذبا متملقا أم أنه كان مقتنعا بما قال؟؟؟  الكل يعلم أن المتنبي يبالغ ويطنب في كيل المديح لممدوحيه ويجود فيما يقول لدرجة يتعسر معها القطع أصادق الرجل أم إنه يفتري ويكذب . واذا مدح  استوى لديه الممدوح سواء أكان ملكا كسيف الدولة الحمداني أم عبدا أميرا مثل كافور الإخشيدي أم زعيم قبيلة مغمور أو قائد عسكري غير عربي . وديوانه يطفح بالأمثلة على ذلك . فقد مدح قائد الحملة  العسكرية التي نكلت بالخوارج في الكوفة (العراق) دلير بن لشكروز في واحدة من روائع قصائده المعروفة قال فيها:

تريدين لقيان المعالي رخيصة

ولا بد دون الشهد من إبر النحلِ

ولقد صار هذا البيت مضربا للمثل .

فاذا كان الأمر كذلك في وطنه وفي الكوفة مسقط رأسه فما الذي يحول بينه شاعرا وبين أن يمدح الوزراء والأكابر من غير العرب في أو على أراضيهم . كانت الأمور واضحة لديه: عرض وطلب ! وجهت له الدعوة أن يرى بلدا لم يره من قبل وأن يقابل أناسا طبقت شهرتهم الآفاق علما وأدبا وثراء ثم هم مثله مسلمون .

وما كانت للشاعر من صنعة أو موهبة خلا الشعر فرسه ورمحه ولسانه الذي قتله في نهاية المطاف . وكان في ظرف نفسي حاد وخيبة أمل غاية في التطرف بعد أن فشلت له تجربتان  واحدة في حلب من بلاد الشام والأخرى في أرض الكنانة مصر . معزول في الكوفة مدحور ومأزوم نفسيا بعد أن راهن فخسر كل شيء . وفجأة تأتيه دعوة الوزير الفارسي ابن العميد لزيارة أرجان وشيراز وباقي أنحاء دولة بني بويه . وداعيه رجل معروف أديب ألمعي موهوب ولديه المال والأحجار الكريمة والدر والذهب ، فضلا عن جمال الطبيعة في بلاد فارس . فما عساه يروم أكثر من ذلك؟؟؟ ليس من سبيل أمام الشاعر لرد الجميل الا الشعر . وكيف يكون الرد اذا لم يكن مديحا ومديحا فوق العادة وغير المسبوق . وشاعرنا فارس ميدان المديح بلا منازع .

المتنبي وعضد الدولة

ترك الشاعر الوزير العلامة والأديب ابن العميد متوجها الى شيراز اذ ورد عليه كتاب الملك البويهي عضد الدولة يقترح عليه أن يزوره . وكان ذلك في عام 354 الهجري , أي في عام وصوله بلاد فارس . أقام الشاعر ضيفا لدى عضد الدولة فنظم فيه وله ثمان قصائد في مناسبات شتى , احداها كانت لمناسبة وفاة عمة الملك .

على أن أروع ما قال المتنبي في عضد الدولة هي القصيدة التي أسماها (أبوكم آدم سن المعاصي) . ففيها الرد على ملاحظات المرحوم طه حسين حول خلو شعر المتنبي من وصف الطبيعة وابراز مفاتنها . وكذلك فيها رد على بعض الأقلام التي أساءت فهم الرجل وشوهت عن قصد خبيث معاني ومغازي هذه القصيدة العصماء . فالتغزل بجمال طبيعة بلاد فارس واضح وضوح الشمس في رابعة النهار . وانسجام الشاعر مع هذه الأجواء هو الآخر واضح . والنعمة التي رفل بها في ظلال آل بويه لا غبار عليها . والقصيدة جاءت خلوا من أي لمز أو اشارة أو تضمين يمكن أن يفهم منه أن للشاعر ملاحظات على الفرس أو أن لديه مآخذ عليهم أيا كانت (3) كان في ذروة النعيم وقمة النضج الفني واكتمال الموهبة بشهادة طه حسين في كتابه (مع المتنبي) حتى أنه قال فيه (لو عاش بعد ذلك لأتى بالأعاجيب)  (4)

افتتح المتنبي هذه القصيدة بوصف الوادي الخلاب المسمى (شِعب بوّان) قائلا:

مغاني الشعب طيبا في المغاني

بمنزلة الربيع من الزمان

ومن ذا يجهل قيمة فصل الربيع بين بقية فصول السنة بالنسبة لسكان العراق وسوريا ومصر الوادي هو الربيع بعينه طقسا وورودا وريحانا . إن الشاعر يأسف ويتوجع بصراحة لأنه غريب على هذه المناحي ولأنه من بلد آخر وطينة أخرى وطقس آخر

ولكنَّ الفتى العربيَّ فيها

غريبُ الوجه واليد واللسان

غربة اللسان واضحة اذ لم يتكلم الشاعر اللسان الفارسي ولم يفهمه . ولكن ما مغزى غربة الوجه واليد؟ أكانت وجوه ملوك فارس حليقة خلاف وجوه العرب؟ أكانت أيديهم خالية من الوشم الأزرق أو أنها خالية من الشَعر؟ أم أنه قصد لون البشرة الأسمر مقارنة مع بشرة العجم الحمراء؟ وماذا عن غربة اليد؟ هل قصد غرابة الخط الفارسي الذي لم يكن يعرف قراءته؟ جائز .

يقول الدكتور علي شلق  (5) في كتابه (المتنبي) :

(ان هذه البقعة التي يصفها الشاعر لا يماثلها جمالا في بلاد الشرق الا تلك الغابة التي تستقبل المسافر بين اللاذقية وانطاكية) .

والمتتبع لهذه القصيدة يدرك بيسر صدق وحرارة انفعال المتنبي رغم مبالغاته المعروفة عنه التي يكيلها جزافا  لممدوحيه سعيا وراء كشوفات شعرية وسبق في النظم الفني سواء في المعاني أو في دلالات الألفاظ . أو ربما انجرافا مع حمم براكين تفجر اللحظات الملهمة للعبقرية الفنية التي يضؤل أو يختفي في ظلالها وأثنائها عقله الواعي . وعندما تبرد الحمم لا يستطيع التراجع فلا يهمل ما قد قال من مبالغات مصنوعة . ففي ختام هذه القصيدة قال المتنبي في عضد الدولة:

ولولا كونكم في الناس كانوا

هراء كالكلام بلا معان

فهل هذا صحيح؟ وهل الشاعر نفسه مقتنع بهذا الكلام؟ كل البشر كلام فارغ لا معنى له ولا طعم

ولا مغزى لولا وجود عضد الدولة وطفليه في هذا العالم .

سبق وأن قال المتنبي شيئا قريبا من هذا أو حتى أكبر منه في سيف الدولة الحمداني . وعليه لا نستغرب منه ذلك سوى أن الأمر الجديد هو أن الممدوح فارسي الأصل والفصل وليس عربيا كالحمداني سيف الدولة .

 

عدنان الظاهر

..............

مصادر البحث

1- ديوان المتنبي . دار بيروت للطباعة والنشر . بيروت 1980 .

2- الدكتور محمد سويسي . (أدب العلماء في نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجري) . منشورات الدار العربية للكتاب . ليبيا - تونس 1977 .

3- محي الدين صبحي . (من كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه) . منشورات وزارة الثقافة والأرشاد القومي . دمشق 1978

4- الدكتور طه حسين ( من تأريخ الأدب العربي) الجزء الثالث . دار العلم للملايين . بيروت . شباط (فبرابر)   1980 . الطبعة الثالثة .

5- الدكتور علي شلق . (المتنبيء شاعر ألفاظه تتوهج فرسانا تأسر الزمان) .

المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . بيروت . لبنان 1982 .

 

satta aljumailiالشعر ولادة طبيعية للإرهاصات نائمة موجودة سلفآ في عباب الموهبة الشخصية الراسخة لدى حجم  جسد  ما تكشف عن روحها فترة الهم والألم المشيد على وقع تزاوج الظواهر المنتجة في الوسط كنتيجة  للتجديد والتعبير، فهي أي الموهبة من تكشف عن همها ووجودها وليس الموهوب . اذ هو حامل لها ليس الا، وهكذا لكل الفنون وأجواء ألمكان هي من تثير اجواء البناء الابداعي وذلك بالبدء في طرح التساؤلات حول ما يحصل  من حوادث أوماسوف تقود الى القلق وبث روح الأفكار للتمهيد وطرح الفن الابداعي أو أي فن أخر .

البيئة العراقية تتصف بأجواء زاخرة بالأفكار والمتغيرات على المستوى الشخصي والمجتمعي وبالنتيجة هذا الابداع المتواصل لشعراء كثيرين تجشموا عناء الصدق اي صدق المشاعر والالتزام لمجتمعهم ليكونوا أدلاء لمستقبل الاجيال القادمة الشاعر هلال كوتا واحد من هؤلاء الشعراء الشباب الذين شكلوا المشهد الشعري الشبابي الحديث،اصدر مجموعته البكر بعنوان رصاصة ليست للحرب عن دار بابل للطباعةوالنشر والتوزيع أثرت قراءتها وبنيت على ذلك تلك  الانطباعات : تتكون المجموعة من خمس وعشرين قصيدة بعضها فصير مختزل الصورة،

أولى قصائد المجموعة قصيدة يتعبهم  الجنوب وهي بمثابة استعراض لتاريخ وحياة الانسان الجنوبي المتخم بالاسى والحرمان والحب والحزن وهم الذين لم يصل اليهم خراج الخليفة، لقد اجاد الشاعر في اعطاء الدور الوظيفي للغة في القيمة التعبيرية والقصد هنا التعبير عن الاحساسات أو المواقف العاطفية فهو يذكر في ص7 من القصيدة :

يحبهم الله

أكثر من حبهم الى مواشيهم

من عرفوه

أدمنوا الارض

ألثموها بالمعاول

هؤلاء أخوتي

أتعبهم الجنوب كثيرآ

هم أخر ما تبقى

بعد أن نفد الرصاص .....

يوميات بائع صحف قصيدة شاملة ضمت نوعيآ لما حل بوطن الشاعر من ويلات بدلالة بائع أو رجل أمتهن بيع وعرض قصة البلاد الجريحة على مر التاريخ الحديث يتعاقب أنظمة حكم عديدة لم تستفد من الاخطاء فهو يذكر في ص1.

1228 kh(كل شيء أقسم أن لا أعود الى أخطائي المكررة ...)

يمضي الرجل في عرض مشكل الوطن الذي لا ينتهي والذي شكل الحزن

عنوانآ للنفس الانسانية حتى صار واقعآ أدمن  عليه فهو يقول فيص11:

(أفتح نوافذ النور لمدينتي

أوقظ شوارعها

قبل ان تصحو

على شخير عرباتها المسنة

(اشم روائح الحرب قبل اندلاعها....)

في قصيدة غواية وقصيدة النبي والنمل .

ثمة مشتركات في المعنى وما يخص الوجود تحديدآ وهو تساؤل مهم وله دلالات كثيرة تخص وتعكس مدى ثقافة الكاتب وسعة تطلعه فمن الثقافة وملحمتها الازلية صاغ الشاعر هلال كونا صورة الشعرية المدججة بالأسئلة حول حقيقة البنية الوجودية وصراعاتها فهو يقول في قصيدة  غواية

لأننا سرقنا التفاح

من شجرته الوحيدة

وهو

على يقيين

بأننا مؤهلون

لسرقة كل ما على الارض ....

لقد كشف الشاعر عن استهلاكية الوجود منذ بدءه فجديد الوجود  ادعاء ليس الا.

في القصيدة الأخرى (النبي الثمل) يؤكد الشاعر إنسانية الانس فهو نبي ذاته المؤسسة للوجود والذات الانسانية التي هي اثمن تفاصيل الارض وما تمخض، ونبي الشاعر هو مجمل نشاطه الانساني الذي مر بثلاث محطات نزل في الاول من السماء والثانية كانت  بمثابة ممارسة المحنة والتسليم بها والثالثة الحركة الى العالم الاخر اي العلوي فهو يقول في ص23

وهو ثمل قال لي

السماء تلبدنا بالظلمة

كي لا ترى الليالي

ملائكتها (الحمراء)....

لقد فتح الشاعر هلال كونا امام المتلقي الكثير من الابواب للتأويل وفتح أفق مهم لتوظيف الاسطورة  وردود افعال الشاعر في التحقيق والاستمرار في مساحة الانفعال المتمثلة في القصيدة الثالثة والتي أكتفى بأن جعل عنوانها علامة استفهام والتي عكست بطلان الاجوبة المزمعة عن لعبة الوجود المفقودة اذ يؤكد في ص25 :

لن يسمح لي بالتحدث الى الله

قيل أن ينهوا

حديثهم وأسئلتهم

عن لعبهم المفقودة ....

في قصيدة (اصغاء البليغ) كان نقطة المثابة هو السطر الاخير الذي يؤكد ويقفل السؤال مجيبآ أن للبيت رب يحميه اذ كانت القصيدة اشارة للروح الكبيرة المقدسة التي هي معبد للإنسانية فهو يؤكد في ص31

جئتك بالحب كله

وانت

أيها البليغ

أخجلني اصغائك

أخيرآ الشاعر هلال كوتا برع في النقاط الحدث والصورة وقدمها على طبق شعري بأبهى صورة وقد وضع على عاتق الشعراء والمثقفين مهمة اذكاء الشعور الوطني الانساني ومقارعة افة الجهل وتفاقمه من خلال اغلب القصائد التي شاطر فيها معاناة الأخرين كما وضع قضية الانسان من اولويات الاغراض الشعرية ....

 

ساطع الجميلي

 

 

goma abdulahلا بد ان اقدم جزيل الشكر الى الاديب القدير الاستاذ سلام كاظم فرج، الذي فتح شهية تبادل الاراء والنقد البناء، الموضوعي، عبر تحليله النقدي بقلمه الثري والقدير لقصة (حافات قلقة) لماجد الغرباوي، والتي نشرت في صحيفة المثقف، بعنوان:  المفكر عندما يكون قاصا*.

وهذه القصة تستحق التوقف والتمعن وتحليل ادائها الفني والتعبيري، من خلال تقنيات السرد وتكتيكاته الفنية، وما فيها من حمولة التعبير الدلالي، والايحاء والمغزى والرمزية، المشبعة بإشعاعات متنوعة في رؤيتها الفكرية، وعملية تناص فعلي وملموس مع مسرح الحدث. وصياغة منطقية لثيمات الواقع. وكذلك لغة النص وحبكته المركبة، التي اعتمدت على تحريك الحدث وتصعيد انطلاقاته الفاعلة، من خلال براعة عنصر التشويق والاثارة، وهو يكتشف دواخل الشخصية المحورية (سعاد)، وسيكولوجيتها التي تدفعها للفعل والفعل المضاد. وقد اتصفت القصة بقوة التعبير عن الحدث المركزي، حدث القصة. وقد نهجت اسلوبية تركيبة، في ثنائية فعل السرد، والفعل الدرامي، لابراز قوامه، القائم داخل منصات التحليل والتمعن، حينما ينمو ويتطور الحدث خلال تحريك شخصية الفاعل، او الشخصية المحورية، وابرازها لمكونات صناعة البطل السلبي، الذي يتعامل بلا مشروعية بدلا من المنطق السليم. ويستغل ثقوب وثيمات الواقع الموجودة، ويتجنب التعامل الموضوعي والمعقول، في المنازلة والصراع والمنافسة . وما شخصية (سعاد) إلا مثالا للبطل السلبي، الذي يركض بلهاث وراء الوهم، ليصدقه كحقيقة قائمة بذاتها: (ما علينا إلا ان نصدق أوهامنا، ونجد من يدافع عنها، حينئذ ستكون هي الحقيقة في أعين الناس، أليس أصدق الحقائق أكذبها ؟؟)

لذلك سنتناول الشخصية المحورية في حدث النص القص (سعاد) في جوانب التعاطي، الذاتي والموضوعي، كحقيققة قائمة يتعامل معها الواقع بفعله المأزوم، المنحرف عن جادة الصواب، في كل الميادين ومنها الشأن السياسي والثقافي. ونتحدث عن لا شرعيته في التعامل والتعاطي، خاصة في المنازلة والصراع والتنافس الذي ينقش حروفه على ثوب الخديعة والمكر والاغراء بشراء الذمم، والدسيسة والخبث، عبر جوقة الطبالين الذين يعرضون بضاعتهم المنافقة، للبيع والشراء. لذلك نفخوا في اصنام الواقع، حتى دبت فيها الروح الالهية المزيفة، لتفرض وجودها على الواقع . ولكن حبل الزيف قصير، فسرعان ما تواجهه الحقائق الدامغة، لترجعه الى حقيقتها الصنمية الحجرية (لكن ... صعقها خواء حلمها) هذه الحقيقة المستخلصة من رؤى الحدث والنص، بأن الزيف سرعان ما يتهدم عاجلاً أم اجلاً . والتي عبرت عنها في دلالية البناء الدرامي، والمضمون الفكري، وتعاملت في توزيع فعل الحدث، بالفعل الصاعد بالتدرج نحو ذروة الصراع، ويمكن توزيع الفعل الدرامي على اللوحات التالية :

1 - اللوحة الاولى: ساحة العرض.. الكل في انتظار الى اعلان نتيجة. الفائزين او المتفوقين من قبل عميد القرية. وتحلم (سعاد) ان تكون في مقدمتهم .

2 - اللوحة الثانية: لحظة اعلان الاسماء، تصاب (سعاد) بالخيبة والاحباط والفشل، فلم تكن ضمن اسماء الفائزين والمتفوقين، كما كانت تحلم

3 - اللوحة الثالثة: تعود الى بيتها تجر اذيال الخيبة والحيرة والفشل .

4 - اللوحة الرابعة: تخطط للانتقام كرد فعل سلبي على الفشل والحيرة والخذلان، بأن احلامها تحطمت بالخيبة .

5 - اللوحة الخامسة: استلهام سلوك الخداع والمكر والخبث والدسيسة، حتى تجبر عميد القرية لتغيير قناعاته لصالحها .

6 - اللوحة السادسة: تتناول كيفية صناعة البطل السلبي والبطولة المزيفة والمخادعة، من خلال اغراء جوقة الطبالين ومدحهم المزيف، المدفوع الثمن، حيث الاغراءات وشراء الذمم بكل الحيل الماكرة، من أجل إعلاء بعض من لا يستحق المقام والشأن، إلا بالزيف والانحراف.

7 - اللوحة السابعة: نهاية المنازلة والصراع والمنافسة، التي أدت الى الخيبة والفشل (ولما حان وقت التحدي، ارادت ان تحمله . لكن .... صفعها خواء حلمها) .

إن الحكمة وراء فكرة القصة، هي ان الحقيقة والجوهر الاصيل لا ينهزم امام الاصنام المزيفة، عاجلاً أم اجلاً، هل تتنافس الزهرة الاصطناعية برائحتها البلاستيكية، الزهرة الحقيقية بعطرها الفواح الريحاني؟

 

جمعة عبد الله

..................

للاطلاع

المفكر يكون قاصا / سلام كاظم فرج

 

حافات قلقة / ماجد الغرباوي

 

 

salam khadomfarajقد يضطر المفكر أحيانا الى اللجوء الى تبني فن القصة القصيرة ممرا لتسريب بعض أفكاره الى الناس لما في هذا الفن من إمتاع وتشويق.. حتى افلاطون حين وضع كتابه الفلسفي الشهير (الجمهورية)..كتبه من خلال سرد ما جرى لسقراط وغلوكون ذات ليلة من ليالي الاحتفال بالعيد..برتراند رسل كتب مجموعة قصص قصيرة تناول فيها أحلام مجموعة من الرجال المشهورين في عالم السياسة وفي عالم الرياضيات والفلسفة.. المفكر غالب الشابندر له رواية قصيرة تنتمي الى هذا النوع من الفن الذي يحاول ان يمرر رؤية سياسية او فكرية...

ماجد الغرباوي مفكر إسلامي تقدمي.. ينتمي الى جيل المفكرين التنويريين المتأثرين بإطروحات عبد الكريم سروش وعلي شريعتي في الفلسفة والفكر.. إطروحاته في كتاباته الفكرية تتسع لتكون منظومة إنسانية شاملة تبتعد عن إطروحات الإسلام السياسي الشائعة والتقليدية.

ولكني هنا اكتب عن نص قصصي للأستاذ ماجد كتبه قبل سنوات.. تحت عنوان (حافات قلقة ..)..

من السهل الادلاء بشهادة نقدية بسيطة كالقول.. ان هذا النص رائع.. وذاك النص عميق.. فهذا الحكم وصفي بحت ليس فيه اية رؤية للتقويم.. ان وظيفة الناقد الحقيقية تشبه وظيفة الدليل السياحي.. لابد ان يكون الدليل على دراية بكل المثابات التي توصله الى اكثر الاماكن المثيرة للإبهار. فالقاريء العابر قد لايلتفت الى مطبات النص ومناطقه الممتعة والمخيفة معا. دون الاستعانة بدليل حاذق يرشده الى تلك المناطق..

والنص الحديث قد يحمل إنزياحات مركبة. ودلالات وإحالات متنوعة.. ولكي تصل كلها الى المتلقي.. لابد لها من كاشف مستكشف.. حاذق ونبيل. لا لكي يصحح مسارات الكاتب كما هو شائع او الاقتصار على الإشادة او الذم.. او المدح او القدح... بل للأخذ بيد المتلقي لاستكشاف الجديد والمثمر معا.إن كان في الأساليب السردية او المضامين الفكرية..

يثير نص ماجد الغرباوي مسألة قلما يجري الالتفات اليها من قبل كتاب القصة القصيرة الباحثين عن الجدة والابتكار. فتراهم يلوذون أحيانا بالغموض والتغريب حتى يستعصي فك ترميزات نصوصهم على كبار النقاد. ناهيك عن القاريء العابر.. وترى فئة غيرهم ما زالت تراوح في مضمار السرد التقليدي الذي تجاوزه كبار كتاب فن القصة في العالم..

نص الاستاذ ماجد واقولها بدون مجاملة.. حاول ان يضرب المثال لعبور هذه الاشكالية في طرائق السرد..فلم يركن الى الاسلوب التقليدي التعليمي الذي تجاوزه الزمن. ورغم حمولة النص باكثر من قيمة اخلاقية. لم ينسحب الى مطب الوعظ الاخلاقي الصريح والذي تحفل به بعض النصوص فيخرجها من دائرة الفن الى دائرة الكلام السائد..وهو بالمقابل . لم يقع تحت إغراءات التغريب الغامض العويص. ولم يجعل تأويلات نصه ممتنعة.. عصية..

أن جهدا نقديا بسيطا يمكن له ان يستكشف رسالة النص ..إن في المضمون. أو السرد...يمكن لما يسميه الناقد درايدن.. شهامة النقد.. (نقد الظاهرة) لا نقد النص او (شخوص النص..) الأستاذ ماجد هنا.. لم يفكر بإدانة بطلة نصه سعاد. رغم الصورة التراجكوميدي التي رسمها لها.. بل هو يضرب في عمق الظاهرة التي افرزت وتفرز عشرات الابطال السلبيين مثل سعاد. ظاهرة تحشيد الاتباع وإن بالمكر والخيانة والدسيسة والايقاع بالآخر.. كذلك نقد ظاهرة صناعة الاصنام في المؤسسة السياسية و الدينية والاجتماعية.. فهناك الاف الاشباه الذين يصنعون ما صنعته سعاد من خلال الزيف والتزييف لتوكيد سطوتهم. وتأثيث خرابنا..

قد تكون سعاد موهوبة وقد تستحق جائزة ما. وقد يكون المجتمع قد فرط بتقييمها..لكن اساليبها اللاحقة. قد تتحول الى وبال عليها.. قبل ان تكون وبالا على غيرها. عندها سيغادرها حتى هؤلاء الأتباع الذين انتفعوا مؤقتا من هداياها وإغراءها...

النص وفق رؤيتي.. ابعد ما يكون عن الشخصنة. بل هو يعالج ظاهرة. اجتماعية سياسية..موغلة في العمق تخومها..

هي بإختصار ظاهرة إختلاق الاتباع المزيفين في الفن والسياسة والمجتمع من اجل مصالح انوية عابرة تنتهي دائما بخراب روحي وحضاري وسياسي للفرد والمجتمع على حد سواء..

 

- حافات قلقة لماجد الغرباوي، نشرت في المثقف في 13 – 1 – 2012، لمناسبة اصدار العدد 2000 من صحيفة المثقف

http://www.almothaqaf.com/k/majedalgharbawi/898300

سلام كاظم فرج

............

للاطلاع

حافات قلقة / ماجد الغرباوي

 

 

abdullah alfifiفي جدل الشاعر مع الجماهير تَحدَّثنا في مقالٍ سابقٍ عن موقف الشُّرَّاح وبعض النقَّاد من أحد أبيات (أبي الطيِّب المتنبِّي)، وهو قوله:

يَتَرَشَّفْنَ مِنْ فَمِيْ رَشَفَاتٍ * * هُنَّ فيهِ أَحْلَى مِنَ التَّوْحيدِ

وما أنكروا عليه من المفاضلة بين قُبلات النِّسوة «اللاتي قطَّعن أيديهن» من حبِّه وبين عقيدة «التوحيد»، بل تفضيل القُبلات على العقيدة.  وما تنقضي تلك المآخذ التي يراها المتلقُّون على شِعر الشُّعراء، ولا تقف عند حدٍّ معلوم. 

قال صاحبي: وإليك ما جاء حول (فكرة الدَّهر). أ لم يقل الرسول الكريم «لا تَسُبُّوا الدَّهر، فإن الله هو الدَّهر»(1)، أي أن الله هو المتصرِّف، والمبدئ والمعيد؟  فما بال (المتنبِّي)(2) يقول:

ولَولا أَياديْ الدَّهرِ في الجَمْعِ بَينَنا ... غَـفَـلنا فَلَم نَشعُـــرْ لَهُ بِذُنوبِ

ولَلتَّــرْكُ لِلإِحســــانِ خَـيــرٌ لِمُحسِــنٍ ... إِذا جَعَلَ الإِحسانَ غَيرَ رَبيبِ

فإمَّا أن يكون قائل هذا دهريًّا، يؤمن بما قاله الدَّهريُّون: «وقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ ونَحْيَا ومَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْر»، [الجاثية: 24]، وعندئذ يكون كلامه السابق مقبولًا من معتقدٍ مثل عقيدته، أو أن يتقبَّل إنكار المنكرين عليه في ما قال.  ذلك أن المؤمن بالله، المجلَّ لأقداره، لا سلطان لديه للزمان، في ذاته، ولا فعل له في الحقيقة، وسيبدو مثل كلام المتنبِّي هذا اعتراضًا على الله لا على الدَّهر؛ فالأدب مع الله كان ينبغي أن يَحُوْل بينه وهذا الهذيان من أجل تعزية (سيف الدَّولة الحمداني) في موت عبدٍ من عبيده. 

ــ قلتُ: هَوِّن عليك، هو شاعر، وليس بناسك، وإنما الأعمال بالنِّيات.  ونَهْيُ الرسول عن سبِّ الدَّهر، هو بابٌ من أبواب التأدُّب، لا بابٌ في التكفير.  وهو كلامٌ قائمٌ على المجاز، معناه: لا تسبُّوا الدَّهر، قنوطًا، ويأسًا من رحمة الله، فإن الله هو مصرِّف الدَّهر، لا بمعنى أن الله هو الدَّهر نفسه، تعالى عن ذلك.  وقول أبي الطيِّب: «ولَولا أَيادي الدَّهرِ في الجَمعِ بَينَنا»، إنما يعني: ولولا أيادي الزمان... أم تُراك ستنهج نهج (الآمدي) في «الموازنة بين الطائيَّين»، الذي عاب كثيرًا من استعارات (أبي تمَّام) ووصمها بالقُبح، كقوله:

يا دَهرُ قَوِّم مِن أَخدَعَيكَ فَقَد ... أَضْجَجْتَ هذا الأَنامَ مِنْ خُرُقِكْ

فإذا تأمَّلتَ ما عابه، وجدتَ كثيرًا منه استعارات حول «الدَّهر».(3)  فبدا بذلك يصدُر عن تحرُّجٍ دِينيٍّ، لا نقدي.

ــ قال: لا، بل استنكر الآمديُّ استعمال «الأخدعَين» فقط؛ ولذا قال: «كان يمكنه أن يقول: «قَوِّم من اعوجاجك»...»، مثلًا. ولكن دعنا من أبي تمَّام، فمَن قال إنه كان في أبي الطيِّب أدبٌ طيِّبٌ أصلًا، أو تألُّهٌ، أو تحرُّجٌ دِيني. 

ــ قلتُ: تلك مسألةٌ أخرى.

ــ قال: بل هي هي.  لقد كان بصفاقته، المشهود لها، لا يستحي أن يلقِّب (النبيَّ، عليه الصلاة والسلام) بـ«التِّهامي»، إذ يمدح (طاهر بن الحسين العلوي):

وأَبْهَرُ آياتِ التِّهاميِّ أنَّهُ ... أبُوكَ وإحْدَى ما لَكُمْ مِنْ مَنَاقِبِ(4)

وليت شِعري، أيُّ سفاهةٍ في الرجل حين يقول هذا وهو يمدح طاهر بن الحسين العلوي بمحامد جَدِّه، متزلِّفًا إليه بالمديح العائلي، فإذا هو لا يوقِّره، وإذا هو يُزري بالشِّعر وبالمديح معًا، حتى إنه ليوشك أن يهجوه من حيث أراد أن يمدحه. هذا إلى ما فاضَ به في البيت من مستكِنِّ ذاته من الناحية التديُّنيَّة. وهو في أحسن تأويل إنما يرى محمَّدًا جَدًّا، وإحدى المناقب القَبَليَّة للممدوح؛ لأنه من نسله، كأيِّ شيخٍ قَبَليٍّ، أو فارسٍ عشائري.  وتلك غاية التحضُّر الجاهليِّ في رأس المتنبِّي ونفسه. ثمَّ ليت شِعري، وبعيدًا عن العواطف الدِّينيَّة، ما ميزان شاعر كأبي الطيِّب- على جلال قدره الشِّعري- إلى ذلك التِّهامي الذي صنع أُمَّةً وغيَّر من تاريخ البشريَّة، قيميًّا وحضاريًّا.

ــ قلتُ: القَبَليَّة نزوعٌ عُربانيٌّ قديم. أ ولا تراه قد عاد بشِدَّة في السنوات الأخيرة، في الجزيرة العربيَّة بخاصَّة، مع الفضاء القَبَلي الإعلامي.  فبعد أن قطعت الثقافة الوطنيَّة والتمدينيَّة شوطًا لا بأس به، ترى اليوم الرِّدَّة إلى القبائليَّة على أشُدِّها.  وبات كلٌّ يعلِّق اعتزاءه القَبَلي مع اسمه، حتى لدَى مَن لم يُعرَف بذلك من قبل.  وهذا ليس معيبًا، في ذاته، لكن الظاهرة لافتةٌ جِدًّا، وذات دلالات اجتماعيَّة خطيرة.  بذا أصبحنا أمام صحوةٍ أخرى: «صحوة قَبَليَّة»، بعد ما سُمِّي في العقود الماضية «الصحوة الإسلاميَّة».  فأيُّ الصحوتَين أعمق سُباتًا وأضلُّ سبيلًا؟!    

ــ قال: دعك من المراوغة والصحوات، وعُدْ بنا إلى المتنبِّي!

ــ قلتُ: أمَّا بيت المتنبِّي، فله تخريجٌ ينفي عنه تلك الشناعة أو بعضها التي ألمحتَ إليها؛ فلعلَّه إنما يعني بالتِّهامي (عليَّ بن أبي طالب)، وهو جَدُّ الممدوح.  وأمَّا «الآية»، فالآية في اللغة: العلامة الباهرة، ولا تعني بالضرورة: المعجزة الإلهيَّة. واللغة تتطوَّر من الحقيقة إلى المجاز، مشتقَّةً من الحقيقيِّ المتخيَّلَ، ومن الطبيعيِّ المعنويَّ، ولا سيما في لغةٍ اشتقاقيَّةٍ كالعربيَّة. ثمَّ إن الشاعر يقول في القصيدة نفسها:

هُوَ ابنُ رَسولِ اللَهِ وابنُ وَصِيِّهِ ... وشِبهُهُما شَبَّهتُ بَعدَ التَّجارِبِ

فالممدوح من نسل (عليٍّ) و(فاطمة).  نعم، كان في المتنبِّي نَزَقٌ، يُطِلُّ برأسه كثيرًا من أبياته، لكنَّ رحابة الشِّعر تحتمل له المنادح.

ــ قال: هو تخريجٌ يفسد الشِّعر ليُصلح الدِّين! وهل يُصلح التخريج ما أفسد الشِّعر؟!

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

 

khoulod albadriصدرت المجموعة الشعرية عن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع ضمت ثمان وعشرين قصيدة.

وهنا محاولة لقراءة قصائد هذه المجموعة حيث يقول بارت عن القارئ :" إن هذا "الأنا" الذي يقترب من النص هو نفسه سلفا متشكَل من تعدَد نصوص أخرى، وأنساق لا نهائية "

والقراءة ليست فعلا عرضيا " طفيليا "على كتابة نمنحها كل امتيازات الإبداع  والأولوية "

في البدء كان الإهداء حيث أهدى الشاعر ديوانه إلى امرأة ما

يقول في الإهداء

" ألفيتني افرد أشرعة الصمت

إبحارا نحو سواحلك

فوحدك من يدرك معنى الصمت

ووحدك من تدرك إني أحبها

لعينيك اللتين تلوحان لي عن بعد

أهديك فضاءاتي ":ص5

 من البديهي أول ما يلفت انتباهنا هو عنوان المجموعة الشعرية ,"فلسفة الطين " هنا نسأل هل للطين فلسفة ؟ ماذا أراد الشاعر ..هل هي فلسفة الأرض أم فلسفة الإنسان ؟

يقول في قصيدته فلسفة الطين

"دامع

كالعوز في عين يتيم

صباحي !

مؤجل فيه الندى

والنسيم

ووجهك "ص24

هنا الطين الإنسان الذي يشعر بالعوز والفقد للآخر

وفي "حينما اشتقت إليك"

يقول :

" لست أول العابرين على ضفافك

ولاشك

لست الأخير

فأنا من مدينة

الكل فيها عابرون "ص54

وهنا فلسفة الأرض .. فما حكاية هذه الأرض, المدينة ذات الضفاف لماذا تودعنا دائما ضفافها, إلا تشتاق لنا ؟.. إلا ترأف بأحلامنا ؟.. لماذا علينا دائما أن ندفن تلك الأحلام على ضفافها ونعدو تاركين أماكننا ؟

الفلسفة لماذا؟

"الفلسفة لفظة يونانية مكونة من جزأين " فيلو "بمعنى حبَ و" سوفيا "بمعنى الحكمة أي أنها تعني _ في الأصل اليوناني _"حب الحكمة "وليس امتلاكها" *

في قصيدته " أرصفة الجوع "

يقول:...........

"يا وطني الذي اعتدته

حتى أحار كيف أبحت لتوجعي

أن يكدر خاطره !" ص63-64

 هل هناك صورة أجمل من هذه يخاف من الوجع والألم الذي يكابده لألا يكدر خاطر وطنه أي حب هذا ؟!هنا فلسفة الحب حب الإنسان لأرضه

ألم نقل أن الفلسفة حب !

في قصيدته

"لافتات

3

"لأنك،

فرح

أيقنت رحيلك!

ووجعي لا يعني أحدا

وحزني

لا يلبسه عني صديق

فما جدوى عينيك

وأوراقي خاسرة

فأنت أبحت لهذا الليل يماطل أحلامي

وأنت أوهمت فصولي ربيعا

.........."ص84

فلسفة البعد، الغياب، الشوق، الحب المفقود، فلسفة الأنا الخاسرة ، فلسفة الوهم ، فلسفة الحزن .

الشاعر هنا يناجي الفرح، وهم الفرح بالربيع، فخسر حتى أوراقه.

من" قصائد" اخترت هذه القصيدة القصيرة

_ 2 _

"وحدي،

أفكر

ومن دون شك

أنت من أفكر فيه

فكيما ألقاك

أحتال على البعد

بأغماضة عين "ص91

يقول الشاعر جورج جرداق في قصيدته "هذه ليلتي

......

" لسؤال عن الهوى وجواب .. وحديث يذوب في شفتينا

قد أطال الوقوف حين دعاني .. ليلم الأشواق عن أجفاني

فأدن مني وخد إليك حناني   ..  ثم أغمض عينيك حتى تراني"

وهنا أعود إلى البداية، إلى القارئ لأني عندما قرأت قصيدة الشاعر تبادر لذهني هذا المقطع من قصيدة أخرى لشاعر آخر وهنا أقول أن القارئ هو إبداع متراكم لقراءات متراكمة تنتج ذاكرة خصبة.

تراوحت قصائد المجموعة الشعرية بين طويلة وأخرى قصيرة كومضة.

 

 

goma abdulahالشاعر غني عن التعريف، فهو طاقة أبداعية متعددة المواهب والقدرات الابداعية المتنوعة . في (الادب والمسرح)، وينشغل في توظيف ابداعه الشعري، في التجدد والابتكار في تجربته الشعرية الطويلة، في ابداع متميز في اسلوبيته . وهذه المجموعة الشعرية، ضمن انجازاته الابداعية في الشعر، بتقنيات راقية في الاداء الفني والتعبيري . وفتح جناحيه ليحلق في اشراقات الحب والعشق. بكل احساس وشعور وجداني، ليفرغها بهذا الفيضان العذب في اطياف الحب، اشراقاته وافاقه المفتوحة والمتعددة في تجلياته، من الاشباع الغريزي والشعوري المتدفق ليسكب ابجدية الحب بهذه الرؤى الشعرية، ليعطي اهمية للحب في الدلالات التعبيرية البليغة . ليعطي للحب الوجه المضيء الناصع والمشرق، في الهام عاشق محلق في الفضاءات البعيدة لابجدية الحب، التي تترنم في تراتيلها مع تدفق خفقات القلب المنسرحة في تيار الحب والعشق، في الالهام والاشتهاء والرغبة والقدسية في التوحد، في الصوفية العشقية المنيرة في اشراقاتها الجامحة، للحب الصافي والنقي، فهو يجنح بالحب بكل افاقه ومجالاته ويغوص بها، بما فيها اللذة الفرودية، لكنه، لكنه ينظر الى الحب بطقوس تصل الى القدسية والعبادة والتوحد، اي ان الحب تحركه اشراقات روحية وغرائز ووجدانية مضيئة، تسمو بالحب بالسمو العالي، ولا تنزل به ان يكون شهوة شبقية وغريزة باللذة الاشتهاء فقط، اي انه في الحب يتوسم الروح، قبل ارتشاف مفاتن الجسد الانثوي، يغوص في النقاوة الروحية، التي تعطي للحب وزن وقيمة للحياة والواقع، كأنه الملاذ الذي يكسر العزلة الروحية، ويفتت هموم الغربة والمنافي . هذه الاشراقات المضيئة حملتها قصائد مجموعته الشعرية، في دلالاتها بليغة في الايحاء والمغزى . لنفتح كتاب الحب ونتصفح اطيافه، من ابجدية العشق الرومانسية:

1 - الحب بديل لخسارات الواقع الجاثم: اطياف الحب تضيء اشراقات الروح، وتضمد جراحها، بعطر القرنفل، لتخفق له جوانح القلب والوجدان، ولكي تلجئ اليه اكثر واكثر، كملاذ آمن، ليعوضه عن خسارات الزمن الرديء . زمن المنافي والحروب

أبدأ معك وفيكِ نص الصباح

وأغانيه وقبلاته وقر نفله

فتشرق شمس قلبي

وأحبكِ اكثر فأكثر

وانسى ما خسرته ُ

في المنافي والحروب / من قصيدة (صباح النيسيان)

2 - الحب الايروسي: في مرآة اللذة الفرويدية، التي يحلم بها في شوق واشتياق، ان يكون في حضرة هالة المحبوبة، ليرتشف من ثمارها اللذيذة، في الاحضان الملتهبة، التي ترتعش وترتجف له جوانح الوجدان، امام هالة مفاتن المعبودة، في قوام جسدها، لتبدأ طقوس الحب، ولكن هي مجرد حلم عذب وشفاف يقدح في الذهن

جسدكِ ..؟

مجرد الحلم بأحتضانكِ

يجعلني ارتجف

من اللذة

 في مرآيا الطقوس / من قصيدة (اللذة في المرآيا)

3 - قدسية الحب: الذي ينساب في اعماق الذات، بانواره المضيئة في جوانح القلب، في معبد الاشتهاء، التي تسخن في رضابها في الروح، ليسافر معها الى معبد الصلاة لينهمر المطر الحب القدسي . مطر الحياة بأشراقاتها، التي تجعل الرؤية في هالة الابتهال الرباني، في طقوسه القدسية، حتى تختلط عنده الرؤية بالدموع . هل هي دموع الله؟ أم دموع العاشقة، التي افتقدت حبيبها في متاهات بلاد الضياع؟

المطر يتساقط بضراوة

أهذه دموع الله؟

أم دموع العاشقة

افتقدت حبيبها

 في متاهات البلاد؟ / من قصيدة (متاهة بلاد)

4 - حب سومري: العاشق يتحمل عبء معاناة الحياة الوخيمة، في قلب مدمن بالعشق، لكن معاناة وقسوة الواقع، تجعله يخرج عن طوره ويتمرد على الواقع المشحون بالشجون والاشجان والاحزان والخراب . . حتى انه في هيجانه لهذه الحالات المأزومة، يتصور نفسه كالطفل والمجنون اوالحكيم . او العاشق الذي يحمل صخرة الواقع على ظهره، ويتوجع لمرارة الوطن القاسية، الوطن المصلوب والمهضوم والمباح والمكسور، لتدمل جراحه قيحاً، على بلاد الامهات . الارامل . بلاد الذكريات التي تخنق الوجدان، بلاد الخسارات، هكذا وصل اليه بلاد سومر من المعاناة، معاناة تتشضى بالجراح، في بلاد سومر الجليلة . بلاد أمنا الحنونة، بلاد المستحيلة .

وأنا معني

بقلبكِ العذب .... الطفل

المجنون .. الحكيم .. العاشق

المشاكس ... المقهور

والمهضوم على البلاد

البلاد - الامهات

البلاد - الارامل

البلاد - الخسارات

البلاد - الذكريات

البلاد - القاتلة - القتيلة

البلاد - أمنا الجليلة

البلاد - المستحيلة / من قصيدة (تجليات السومري وانثاه النافرة)

5 - الحب ملاذ ومأوى: الانجراف في تيار الحب باشتياق وشوق، من اجل قطف تفاحة الاشتهاء، التي ترتعش لها جوانح الروح، وتجعلها تغوص الى اعماق، بالاشتهاء بقطف ثمارها اللذيذة وعسلها الشهي، لتكون رغبة الاشتياق والملاذ، ليطفئ نيرانه الملتهبة، ليقيم عليها كالوطن الحنون

" اللذة ..... انتِ "

سأشم وردتكِ الساطعة

واقضم تفاحتك الشهية

وارتشف عسلكِ الاشقر

وعميقاً ... عميقاً

اوغل في نهركِ الساخن

ثم أقيم فيك كوطن حنون

اللذة ..... أنتِ / من قصيدة (نصوص الحب والخلاص)

6 - التوحد الروحي في الحب: حين تنغمر روحه في نهر روح المعشوقة، لتتجلى في روح واحدة بالتوحد الروحي . تجعل فواحة الحب تزهر بالرياحين والحنين والشوق، ليرى روحه تتقمص بروح المعبودة، في ابتهالات الحب في ترانيمها الصافية في خفقاتها . كأن الحب هبة من رب العالمين، والمعشوقة خلقها الله ليمنحها للعاشق كهبة من بركاته، ليتجلى النور في الحب بهالة الاشراق الجميل الساطع، لينغمر في فردوس العشق كروح واحدة متوحدة، في التشابه والانسجام التام، كأن الله خلق روح واحدة تجمع العاشق بالمعشوق في تكامل روحي .

إلا مع الله

الذي اصطفاكِ لي

فغمرني بكل هذا الشغف

وهذه المسيرة الساطعة

التي هي انتِ

أنت التي تشبهينها

في ضحكتها وفي قامتها أيضاً

ولكنكِ ......

 لاتشبهين إلا روحك البرية

 التي تجلى الله

وخلقها من اجلي

 كما لو أنه يقول لي

- خذ يا أنتَ

خذ هبتي هذهِ

لتكون قصيدتك

وانثاك الفردوسية

التي هي في رؤيتي ورؤياي

لا تشبه إلا نفسها

وتشبهكَ انتَ ايضاً / من قصيدة (أنتِ تشبهينني تماماً)

7 - للحب وطن أخر: حين تسد نوافذ الوطن الام، ويتحول الوطن الى سوط معاناة واضطهاد وقسوة، في انكار ابويته الى ابناءه الاوفياء . ليصبح الوطن الملعون بالعذاب والاحزان والرعب، فما على العاشق إلا ان يبحث عن وطن اخر بديل، وطن العشق والمعشوقة، فهي وطن الملاذ . الوطن الحامي

لان وطني

مرعب ومتلبس

وقاسٍ حتى في حبه

 في أبوته

أخترتك ِ انتِ

كي تكوني

وطناً لي / من قصيدة (وطن اخر)

8 - الحب للام: هذه الروح الطاهرة في نقاوتها، التي خلقها الله من عطر الرياحين والزعفران والحنين . هذه الام في قدسيتها و في رائحة الطيبة والمسك، انها روح من نور . قلب من شهد وحنان قروي، بندى الحنين . هذه الام ينبوع الذي ينضح بالنور والحب . الام التي تذوب روحها في فلذة اكبادها . تذوب في الانين المؤلم، حين تصهل صهول الحروب والموت وغياب الاحبة . انها روح الله تمشي على الارض . انها آله الحب والحنين وحارسة فردوسه بالنقاء الروحي

كلما أتذكرك ِ

أشم رائحة الدمع

ومن أصابعكِ المضيئة

أشم رائحة الحنين والزعفران

لدمعكِ.....

رائحة الضيم

وله رائحة السواقي

ولانفاسكِ .......

رائحة النعناع / من قصيدة (رائحتكِ حنين وزعفران . الى روح أمي)

 

جمعة عبدالله

 

 

إستورياس فهو كاتب ولد في غواتيمالا عام 1899، وعمل كصحفي ثم تفرغ للأدب والشعر حتى أصبح دبلوماسيًّا غواتيماليًّا في وقت متأخر من حياته، وبسبب معارضته للحكم الديكتاتوري في بلاده وتناوله لموضوع الاستبداد في عددٍ من كتاباته نفي خارج وطنه وعاش في أمريكا الجنوبية وأوروبا فترات من حياته. استحق إستورياس جائزة نوبل للآداب عام 1967 عن روايته السيد الرئيس التي ألفها عام 1946، وله رواية أخرى لا تقل أهمية تسمى “الريح القوية”. توفي إستورياس في مدريد عام 1974

تدور أحداث هذه الرواية حول أحوال الناس وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في غواتيمالا في أمريكا الوسطى، وذلك في ظل حكم ديكتاتوري، وفيها يصور أستورياس كيف يمكن لديكتاتور أن يحكم بالإعدام على شعبه بسهولة، وكيف يمكن أن تمتلئ السجون في عهده بالمثقفين والعلماء ورجال الدين. كتبت الرواية لأول مرة باللغة الإسبانية ونفي الكاتب بسببها إلى خارج وطنه غواتيمالا، ولم تترجم الرواية إلى العربية سوى في عام 1985

رواية السيد الرئيس

السيد الرئيس اشهر رواية كتبها ميغل أنخل أستورياس عام 1946 وحصل بفضلها على جائزة نوبل في الأدب عام 1967. تعد هذه الرواية علامة بارزة في أدب أمريكا اللاتينية، ومع ذلك فقد بقيت محجوبة عن الوطن العربي حتى عام 1985 ربما لتشابه ظروف الرواية مع أحوال معظم الدول العربية.

استمد أستورياس مادة روايته من سنوات حكم"كابريرا"الذي حكم بلده غواتيمالا لعشرين سنة حكما دكتاتوريا غاشما. بيد أن المؤلف يعمد إلى الصور البلاغية الجديدة في تصوير شخصياته ويغلف روايته بستار شفاف من السخرية والواقعية السحرية وفولكلور السكان الأصليين للقارة ما جعل من هذه الرواية درة أعماله التي توجت بفوزه بجائزة نوبل للآداب عام 1967

كتبها باللغة الإسبانية لغة موطنه غواتيمالا عن حال البلد في ظل رئيس ديكتاتوري. هو مجنون مستبد طاغ شهواني، يقتل بالسهولة التي يتناول بها طعام فطوره ويصدر قراراته الدموية بالرقة والهمس الذين يخاطب بهما النساء ويستمع إلى الموسيقى. حول وطنه إلى جحيم ومرتع للصوص والقتلة المأجورين. معاونوه مسخ آدمية مشوهة، خربة، مرتشية. مواطنوه مقهورون مُهانون مُذلون يحلمون بالجمال والحق والخير والأرض والطير.

سجونه مليئة بشعراء ومثقفين ورجال دين رفضوا أن يصلوا له بدلا من الله. وفي محاكمه الصورية تغيب شعارات العدالة وترتفع شعارات أكثر قسوة وظلاماً من ظلم الدنيا، ففي هذه المحاكم من الأفضل أن تكون مذنباً على أن تكون بريئاً ولا ترضى عنك الحكومة.

تعتبر هذه الرواية من أفضل الروايات، وحروفها تنبض صدقاً وقسوةً وعنفاً، وخلف القسوة تختبئ حقول الحنطة وصياح الديك، وقطرات ندى في صباح جميل يشرق على الوطن وأكثر ما يميز هذا الأدب هو الصدق الفني العالي الذي يجعل من العمل الفني عملاً أقرب ما يكون إلى متلقيه، حيث يستطيع نقلنا من عالمنا إلى عالمه نعيش معه رطوبة السجن وعفن الخبز والموت الحي الأبدي والانتظار في زنازين مغلقة لا ترى فيها إلا وجه الموت القادم وتحلق معه في عالمه وتجري لتحتضن الشمس وتعانق طين الأرض.

يقدم استورياس قصته في قالب سريالي قوامه الأفكار والذكريات وغالبا ما يعتمد على المونولوج الداخلي ذلك الكلام الذي لا يسمع ولا يقال، و به تعبر الشخصية عن أفكارها المكنونة، وما هو أقرب للهذيان بلا تقيد بالتنظيم المنطقي، كما نجد الكلام على لسان شخصياته متقطعا مضطربا أشبه بشريط السينما معتمدا على التتابع العاطفي وليس المنطقي .

استورياس لا يقدم تلك التفاصيل التي يمكن أن تقرأها في جريدة أو مذكرات شاهد على أحداث عصر بل هو يقدم الحياة الداخلية لأفراد روايته الخوف واللهاث والقلق و ما لا تصرح به لأقرب الناس إليك وترسم الملامح النفسية والاجتماعية للديكتاتور .

عالم الرئيس

يشرح استورياس في الرواية عالمين : عالم السيد الرئيس حيث كل شئ واضح محدد وصارم كخطوات القدر فهو يأمر بالقتل ويعود ليلتهم إفطاره في وداعة ويصدر قراراته الدموية بنفس الفم الذي يقبل به النساء ويشرب به الخمر ومن حوله يرتع اللصوص والممسوخين لآلات للقتل والفناء والرشوة والقهر والذل .

ويستعرض استورياس في روايته حفنة من المهمشين تجمعهم رابطة البؤس إنهم ذلك الرمز الحسابي للاشئ للعدم إنهم تلك الجرذان التي ينبئ انتشارها بتفشي الطاعون إنهم يحملون أوجاع المجتمع و أ وباءه والمجتمع يلفظهم ويركلهم بالأحذية ويعبر استورياس عن واقعهم هذا من خلال أسمائهم الناموسة, الدمية, الصماء البكماء وغيرها.

وعلى الجهة الأخرى هناك عالم السيد الرئيس والمساواة في هذا العالم تكون في مرآه الموت وقيمتك تتحدد بمقدار اختلاف مزاجك اليومي عندما تشرق الشمس ما موقعك من الحياة؟ هل تعمل لتكسب خبزك؟ أم أنك من المنتفعين بفوائض صناعة الحظوة من أصدقاء السيد الرئيس وخاصته؟

وفي عالم السيد الرئيس يحمل القديسين إلى الكنيسة ويدفنون بينما يعيش الأوغاد ليعبثوا بمصائر البلاد في عالم السيد الرئيس المقبرة أسعد من المدينة المقبرة أكثر نظافة من المدينة رغم أنها المدينة قبر أخر!

وفي عالم السيد الرئيس لا قيمة للعلم أو العلماء "فالعلم والمعرفة لا يمكنهما أن يوفرا لك زوجا حقيرا من الجوارب..! هذه هي الحقيقة" وأي شخص هو مجرد أبله آخر في مواجهة الرئيس الذي يدور كل العالم في فلكه .

وفي عالم السيد الرئيس احذر فأنت لست في مأمن أبدا من خنجر في الظهر قد ينهي كل شئ أو يد غادرة قد تمتد لخنقك .

جريمة قتل

الرواية تقوم حبكتها على جريمة قتل، ولعل القتيل هو الأهم بأن نقترب منه فهو العقيد باراليس سوريانتى الذي قتل في حادث عرضي على يد معتوه، لكن هذا الحادث هز عالم السيد الرئيس فمن يجرؤ على قتل ذراع الرئيس الذي يبطش ويذل العباد؟

يقول الديكتاتور، الذي يعلم مدى كراهة الناس له، وأصيب بهزة قوية لمقتل رجله أنه لا يمكن لرجل معتوه أن يقتل هذا العقيد الذي يمكنه إصابة ذبابة على بعد مائة متر بطلقة من مسدسه، لا يمكن أن يموت كدجاجة كسر عنقها، لابد وأن يموت نتاج مؤامرة وتخطيط وإن لم تتم هذه المؤامرة قبل موته فلتتم وترسم خيوطها بعد موته ولتستغل كذلك في الإطاحة برجلين لا يرضى عنهم الرئيس .

ويقدم الرئيس أشخاص للمحاكمة ليسوا بالضرورة هم الجناة، وهم الذين لا تستمع المحكمة لأقوالهم، إذ المهم ليس ما يقوله المتهمون وإنما ما يود الرئيس قوله، والحادث العادي أراده الرئيس أن يتضخم ليصبح تمرد وعصيان وخيانة عظمى وتكون المحاكمة نصف طقوس ونصف تهريج لان الحكم قد صدر بالفعل، وحينما تحاول أن تدافع عن نفسك فلن يسمعك أحد، هنا فقط "الكلمات تتحلل في فمك كالخبز المبلل" .

ويجعل استورياس من الرئيس صورة أقرب لصورة الإله النيتشاوي الذي ينبغي السجود له امتنانا لأنه موجود، وعبارات الحرية، العدالة، المساواة، الديمقراطية، تفسر في عالمه وفقا لقاموسه الخاص فالحكومة رشيدة لأنه يراها كذلك والمواطنين أحرار لأنه يراهم كذلك لذا فعلى الشعب إعادة انتخابه فهو عظيم العظماء وليبرالي وديموقراطى ولن يجرؤ احد أن يقف أمامه إلا الخائن والعميل .

وأخيرا في عالم السيد الرئيس أنت لا تملك القدرة على الحلم فحتى لو امتلكت جناحين فلن تستطيع استعمالهما للتحليق ممنوع أن تعطي أمل وأنت لا تحافظ على وضعك أو وظيفتك إلا بالتنفيذ الحرفي للأوامر أيا كانت وبرغم الألم يخضع الشعب لان الخوف اقوي من الألم.

وتنتهي الرواية إلى أن الثورة على هكذا ديكتاتور مستحيلة وان كان الواقع الذي نعيشه الآن يؤكد عكس ذلك.

 

ا.م. هديل عادل كمال

 

 

laith alsandoq2ربما عُدّت الغنائية مثلبة لدى الكثير من الرعيل الأول من شعراء الحداثة العربية ومن جايلوهم من النقّاد والكتاب الذين وجدوها  مفتقدة للرؤى الفلسفية العميقة والمركبة التي عوضت عنها بيقينية ساذجة ما عادت تنسجم مع عالمهم المتغير والمتحوّل . وربما عابوا عليها ضيق حيزها السردي والحكائي بما يجعل من بنيتها الدلالية غير مؤهلة لاستيعاب العناصر الكونية والشمولية . وربما ازعج بعضهم ضجيج خطابيتها الذي يصمّ الآذان من جهة، لكنه من الجهة الأخرى يفتقد إلى الدوافع الفكرية والتصورات الذهنية التي تجعل  منها مصدراً للحكمة ومنجماً للعقل . وربما هناك فريق آخر عاب عليها عنايتها ببنيتها الخارجية المزوّقة التي تتستر على محتوى داخلي فارغ، وربما هناك اتهامات ومثالب ونقائص أخرى كثر سواها ما يهمنا منها أنها جميعاً تضافرت لتدفع المتهمين - بكسر الهاء - إلى البحث عن مهرب من الغنائية، ومن إرثها الملازم للقصيدة العربية منذ عهودها الأولى، وإيجاد النقيض المخلّص، فوجدوه في خارج منظومتهم الثقافية في القصيدة الدرامية التي جيء بها من تخوم أوربا وتراثها الثلجي العريق، ثمّ لاقحوها بما استصفى لديهم من أرثهم التاريخي والحضاري الصحراوي الحار لتخرج بعد ذلك صناعتهم الشعرية دافئة ومسبوكة بتقنيات جديدة هي مزيج من الحوار وتعدد الأصوات والأسطورة والرمز والقناع، بل وحتى المرايا (2) .

وما زال هذا الموقف من  الغنائية يُتوارث حتى اليوم لدى الكثير من الشعراء، وتُعالج تأثيراته  بنفس الحلول التقنية السابقة .  لكن الشاعر سلام دواي هو بالتأكيد ليس من هؤلاء، فهو لا يجد مسوغاً لعد الغنائية سُبّة أو مثلبة، وهو ليس مضطراً للبحث عن مهرب تقني أو موضوعي للخلاص منها، فهي منجمه الإبداعي الغني الذي يزوّده بكل احتياجاته اللغوية والصوتية والصورية . كما أنه غير معني بالرد على التهم التي توجه إليها، فهو مشغول بشعره وليس في الردود والدفوعات، إلا أنه ربما ألمح إلى المتهمين - وليس إلى التهم - في بعض قصائده ومنها قصيدة (لا تصادق نصف إله) (ص /50) التي سنأتي عليها لاحقاً .

هذا الموقف الشخصي والتقني من سلام دواي بالتمسك بأرث صار مشكوكاً في غناه، وفي بيئة معادية ورافضة له، لا بدّ أن يجعل منه أحد دعاة الغنائية الشباب المبرزين مثلما جعل منها أبرز أدواته التعبيرية والإدائية، يستخدمها ببراءته الطفولية ونقائه الروحي في أسمى صوره الإنسانية في مجموعته الشعرية الأولى (أغنية شخصية) التي هي بحق أغان شخصية يرسخ توصيفها الإصرار على أن تكون صوتاً للشاعر لا ينافسه فيها أحد، فضمير المتكلم / صوت الشاعر لا يغيب إلا عن عدد محدود جداً من القصائد . وقد اختزلت العنونة بمفردتيها حقيقة التوجهات الغنائية والذاتية لكل نصوص المجموعة بالرغم من أنّ عنوانها هو عنوان أحد نصوصها، وقد أكد هذه التوجهات وتوافق معها النص الحاف الأول المرافق للعنونة وأعني به صورة الغلاف الأول وهي لرجل وحيد مجلل بالسواد يقف أمام سلم منتصب يصل الأرض بالسماء، وفي حين تمتدّ الأرض الخلاء حتى تنتهي حافتها السفلى برغوة موجة منحسرة فأن حافتها المنتهية بأفق الأرض الكروية المحدودب أوشكت أن تتغطى تماماً بقزع من الغيوم . ويبدو وجود الرجل والسلم متقابلين وجوداً عبثياً، فليس ما بين الفراغين (الأرض والسماء) ما يُقنع منطقياً بالوصول إليه عبر السلم .

أما عناوين القصائد فهي – نسبياً – أقل احتفاءً - على عكس نصوصها – ب (أنا) الشاعر، فمن بين (82) قصيدة هي مجموع قصائد المجموعة هناك:

- تسعة عناوين تضمنت فعلاً فاعله ضميره مستتر تقديره (أنا) .

- ستة عناوين تضمنت ضمير المتكلم المتصل (الياء) .

- عنوان واحد تضمن ضمير المتكلم المنفصل (أنا) .

أما العناوين الأخرى فغياب مظاهر الأنا عنها صراحة لا يلغي حقيقة حضوره فيهاً ضمناً ما دامت متونها هي ملفوظاته، ويمكن تعليل غياب الأنا عن ثريات المتون الأنوية بأنه محاولة لاجتناب النمطية و التكرار، أو ربما هو محاولة لتغليف النص بغلالة من الريبة تُحرّف القاريء عن مقاصد الشاعر، وتحجب عنه نواياه، وبمعنى آخر أنه جزء من الحُجُب التي تغلف النص (من حيث أن للنصّ حُجُباً تُمارس فعل المراوغة والمخاتلة مع القاريء) (3)  . وباستثناءات قليلة توجهت العناوين إلى غائب أو مخاطب مجهولي الصفة بالعموم بعكس متونها المنطوقة بصوت المتكلم . أما القصائد التي غابت عن متونها أنا الشاعر غياباً تاماً فهي:

- في قصيدة (لا أمل للنباتيين) (ص / 28) حضر ضمير المخاطب، ومع ذلك فليس من قرينة تمنع من تأوّل تلبس الأنا في هذا الضمير المخصص أصلاً لشاعر ما يمكن أن يكون هو الشاعر نفسه وقد تبوّأ موقعين في وقت واحد، موقع المخاطب وموقع المتكلم الذي توارى وراء نصيحته من دون أن يترك دليلاً نحوياً يدلّ على موقعه:

(ليس جميلاً

أن تُلقي شعرك في غابة)

- قصيدة (صورة الكلام) (ص / 35) مخصصة بكاملها لغائب ما .

- في قصيدتي (في الريح الخطأ) (ص / 60) و (الحرب الأهلية) (ص / 62) استعاض عن ضمير المتكلم المفرد بصيغة الجمع (ضمير المتكلمين) .

- ألقصائد (ألوطن دودة) (ص 78) و (بنتظار الباص) (84) و (جنون) (ص / 113) و (الفوز بعزلة) (ص / 139) مخصصة بكاملها لضمير المخاطب .

مع ملاحظة أن القصائد التي غاب عنها ضمير المتكلم غياباً تاماً هي (8) قصائد وهذا العدد يشكل نسبة (8 %) من مجموع القصائد، بينما كان مجموع القصائد التي حضر فيها ضمير المتكلم (74 %) بما يشكل نسبة (89 %) من مجموع القصائد .

وبعكس اتجاه التقنيات الدرامية المتعالية يستجلي الشاعر مفهوماً بديلاً لأسطرة الذات يمنحها بموجبه بعداً سردياً تكون ضمنه لها الهيمنة على الآخر بتحجيمه أو تجريده من دوره المفترض أو بإلزامه بحدود الدور الذي وضع فيه . وفي كل الأحوال لا تطمح الذات المؤسطرة أن تلعب دوراً بطولياً خارقاً يضعها في مصاف أبطال المثولوجيات الكلاسيكية، بل أن كل ما تطمح إليه هو أن تتمكن من تحرير صوتها المجروح والمعذب أحياناً، وأحياناً أخرى الساخر والهازل، تحريره من قيود التبعية للآخر وإيصاله إلى العالم، أو ربما إيصاله إلى الآخر الذي تحرر من عبء التبعية له، والذي سبق أن أخضعه لاشتراطاته النحوية القاسية . ولذلك لا غرابة أن يجنح الشاعر في الأغلب الأعم من قصائده للاستفادة من تقنيات القصة القصيرة جداً (أو الأقصوصة) التي تتحاشى الإكثار من الشخصيات وتتجنب التفاصيل الدقيقة وتقلص الزمان والمكان إلى حديهما الأقصيين . وفي تلك القصائد تتجلى شخصية الشاعر الرائي الذي يرصد ما حوله ويحوّل العناصر المرئية إلى تكوينات سردية في بنية يحتكم بها موضوع محدد يسخّره ليكون واجهة عرض مخصوصة لذاته المهيمنة وهي تهمس مونولوجها الداخلي، بينما الآخرون هم الأصداء االفاضحة لذلك المونولوج الداخلي المهموس . ولكن هل يجوز لنا توصيف قصائده بقصائد موضوع ؟ وهل حقاً يجوز توصيف مواضيعه بكونها محددة ؟ أي أن أبعاد ومكونات بنيتها السردية مرسومة بشيء من الضبط يعصمها من الانفراط والتفتت، أم أن الشاعر بمهارته وتقنياته الذكية يوهمنا بوجود تلك الحدود ما دام يُحسن التلاعب بعناصر تلك البنية ويُحركها بحذق نسّاج ماهر لا يترك لنا فرصة نتبيّن خلالها نواياه إلا بعد أن نكون قد أنهينا القراءة واحتكمنا إلى تحليلها لنجد أن ما كنا قد توهمناه موضوعاً ذا ملامح وأبعاد سردية ليس سوى وهم . فالبدايات تنتهي بما يؤكدها بعد أن يُعاد تركيبها بصيغ مغايرة ومخادعة بذكاء، وبذلك تتخذ حركة القصائد منحى دائرياً تتماهى فيه البداية مع النهاية بما يجعل من تكرار البنى والصور والمفردات أبرز أدوات الإيقاع الداخلي للقصائد . ففي قصيدة (كيف توقظ ريحاً نائمة ؟) (ص / 95) وهي قصيدة ذات بنية دائرية من الناحيتين الزمنية والدلالية يحدد الشاعر منذ البدء زمنية نصه بالحاضر:

(أكتشفت اليوم

وعلى نحو قاطع وأكيد

لا يمكن لرجل حتى لو كان عنيداً مثلي

وتجوّل كثيراً في غابة من السنين الموحشة

أن يجعل ريحاً نائمة منذ سنين

تحت شجرة أن تتحرّك)

(ص / 95)

وبعد أن يستذكر تجاربه التي أوصلته إلى اكتشافه هذا عائداً بسلسلة الزمن إلى الوراء حيناً ومنطلقاً إلى الأمام / الحاضر حيناً آخر بدلالة صيغة الفعل المضارع (وها أنا أقف مجدداً على ساق واحدة) (ص / 95)  لتنتهي القصيدة من حيث بدأت بهذا الزمن (مثلما يحدث معي الآن) (ص / 96) . أما من الناحية الدلالية فمن الواضح أن اكتشافه الإستهلالي يتمحور حول عجزه، بالرغم من عناده، وتجاربه القاسية في (غابة السنين الموحشة) عن (أن يجعل ريحاً نائمة منذ سنين تحت شجرة أن تتحرّك) ليُنهي قصيدته بذات الريح النائمة تحت شجرة، مع تحويرات لمّاحة بشكل مدهش أعفته من تحريك الريح النائمة، وجعلته يقرّ - بعد كل التجارب المريرة التي خاضها - بجمال الحياة، بيد أن هذا الإقرار العفوي لا يشكل مصدر تأثير ونقطة حسم إلا بعد أن تتلقفه (فتاة جميلة) وتردده بعفوية مقابلة لتكون الفتاة بهذا الإقرار قد استحوذت على مصدر التأثير، ولتكون لحظة ترديدها له هي لحظة الحسم، ولينوب منطوقعا عن الشاعر بتحريك الريح النائمة، أو ليؤدي منطوقها ما كان قد عجز عنه:

(فقالت دون أن تدري

أنها جميلة، نعم بلا شك

فاهتزت الشجرة وأيقظت الريح)

(ص / 96)

وبذلك استحضر الشاعر البداية من دون أن يستنسخها، علماً أن وجود (فتاة جميلة) كان ذلك العنصر المفاجيء الذي فجرّ نمطية الصورة وتمكن عبره من تكرار البداية وتدويرها في النهاية من دون أن يشعر المتلقي برتابة الإيقاع ما دام وجود (الفتاة الجميلة) لاحق على البداية، وما دامت الريح النائمة الإبتدائية هي غير الختامية، أو هكذا أوهمتنا لعبة التكرار والتحوير، فالريح الأولى لم تتحرّك بإرادة الشاعر، والثانية تحركت بإرادة ثنائية من (ملفوظ الفتاة الجميلة + الشجرة المهتزة) دون أن تكون لإرادة الشاعر الواعية دور في ذلك، مع عدم نكران دوره اللاواعي في استثارة منطوق الفتاة الجميلة (لكنني دون أن أشعر قلت) .

هذا النموذج هو لتقنية التكرار المسنودة بقاعدة سردية ذات موضوع، أما القصائد المتحررة من أطاري السرد والموضوع فيبدو التكرار فيها أوضح، ولعل قصيدة (صلع) (ص / 130) تقدم مثالاً لذلك، فقد تكررت مفردة الصلع بصيغها العديدة ست مرات في القصيدة القصيرة المكونة من اثني عشر سطراً وكالتالي:

- مفرد مذكر (أصلع) / 1

- مفرد مؤنت (صلعاء) / 2

- جمع مؤنث (صلعات) / 1

- مؤنث مجازي (صلعة) / 2

والصلع كصفة أو وجه شبه يشمل العناصر المادية الملموسة، والعناصر المحسوسة، بل حتى المجردات على حد سواء، وقد يجمع التشبيه بين عنصرين معاً في صورة مركبة واحدة مع إلغاء أداة التشبيه ووجه الشبه للعنصر المادي، واستحضار الأداة دون وجه الشبه للعنصر المجرّد :

ألظهيرة صلعاء

مثل فكرتي

(ص / 130)

وقد يستدعي التكرار صورة من ضمن مجاله الدلالي أو قريبة منه بحسب المسافة الذوقية التي تحددها عين الشاعر، ف (البحر / أصلع) و (نساء البحر – أي المستحمات - / صلعاوات) و (الشمس / صلعاء) و (الغيمة / صلعاء) مع ملاحظة التحديد في نسب الصلع في كل من (نساء البحر بأثواب السباحة الملونة - إلى اللون) وفي (الشمس – إلى الصيف) وفي (الغيمة – إلى النهر):

ألبحر هو الآخر أصلع

ونساؤه صلعات ملونة

ألشمس صلعة الصيف

والغيمة صلعة النهر

(ص / 130)

وقد تتباعد محددات عين الشاعر عن محددات عين القاريء الذي ربما يجد أن التكرار قد استدعى صوراً بعيدة تماماً عن مجالها الدلالي كما في المقبوس الأول، ولكن التمعن في باطن الصورة قد يوصل الطرف المتطفل / القاريء إلى اتفاق تأويلي تتقارب فيه رؤيته مع رؤية الشاعر، ف (الفكرة) بصيغتها المطلقة لم تُشبّه ب (الصلع)، بل اقتصر التشبيه عليها تحديداً في حالة بعينها كان الشاعر خلالها يحثّ الخطى إلى البحر، وهنا تبدو الصورة منسجمة أكثر من السابق مع منطق التأويل، فالتماع صفحة البحر وقت الظهيرة (الصلعاء) قرّبت صورته للشاعر من الصلع، وهذا الفضاء الذي يهيمن عليه الصلع، أو التماعة الصلع (الظهيرة + البحر) أنعكس على (فكرة) الشاعر فأضفى عليها صفاته (الصلعاء) . ولكن ال (فكرة) بصيغة المفرد ستتحوّل بشكل مفاجيء ومن دون مسوغات تمهيدية إلى صيغة الجمع، وبجمعها تنضاف إليها صفة إنسية أخرى هي (الحفاء):

لم أحصد هذا الصباح

سوى أفكار حافية

(ص / 130)

وبالرغم من (صلع) الفكرة و (حفاء) الأفكار، والحالين يوحيان بعوائق ما تعترض مسيرة الشاعر إلى اللامكان، إلا أنّ ثقة الشاعر بالوصول أكيدة، والبحث عن محطة الوصول غير المحددة في نهاية القصيدة يُعيدنا إلى بدايتها حيث يحثّ المتكلم / الشاعر الخطى باتجاه البحر / الأصلع، وهذا الحث يستكمله المتكلم في النهاية سائراً تحت سماء صلعاء:

لكني سأصل، هكذا أقول لنفسي

بينما الريح تدفع الغيمة الوحيدة

فأسير تحت سماء صلعاء

(ص / 130)

وهكذا يرسم التكرار أفقه الدلالي بإيقاعات غير منتظمة، لكنها في النهاية مخادعة بمهارة وذكاء، تُشوّش رؤية المتلقي وتُخلخل قناعاته وتوهمهه بجدوى هذا اللعب الساحر بالصور .

وبلجوء الشاعر إلى تقنية السرد / الشعر يتخذ من الضمير الأول راوياً عليماً، وعلمه لا يقتصر على قراءة ظاهر وأعماق الشخصيات الإنسانية (المخاطبة والغائبة) فحسب، بل يتعدى ذلك إلى استجلاء مظاهر الوعي مثل مشاعر الخوف لدى الكائنات غير الواعية، ثمّ التعبير عنها بردود فعل مؤنسنة مثل (الهروب):

أسير في الغابة لا أحمل فأساً

ومع ذلك تهرب الأشجار

والنهر يخاف ويبكي

(ص / 55)

بل وحتى المجردات تخضع للأنسنة والرصد الداخلي من قبل الراوي الذي حولته اناه المهيمنة إلى راوٍ فائق العلم، وهذا الإجراء يتم بربط المجرّد بفعل ذي تأثير مادي (يتلون) مثلاً:

عيناي بنيتان

أعشق الصباح

ومزاجي يتلوّن باستمرار)

(ص / 97)

وغنائية الصوت الوحيد المجسّدة بالضمير الأول المهيمن، والذي قلما يفسح المجال لإشراك ضمير الغائب المفرد، قلما يفسح المجال أيضاً لإشراك ضمير الغائب (بصيغة الجمع) وإن قُبلت المشاركة فهي ليست بدون ثمن . فهناك ثمة إيحاء بوجود اشتراط ضمني، ففي قصيدة (لا تصادق نصف إله) (ص / 50) يُجرّد الضمير الأول الغائبين - في مقابل قبوله بمشاركتهم - من بعض فضائلهم المُدّعاة، وهذا التجريد يتطلب الاستناد – من أجل أن يكون مقنعاً – إلى أدلة إدانة مؤكدة ومضمونة لفعل حدث وانتهى وترك أثر الإدانة قائماً، ولكن أدلة الإدانة هنا ليست لفعل من هذا النوع، بل هو افتراض لما سيحدث في المستقبل، تؤكده صيغة التشكيك (على الأغلب) التي يفتتح بها النص، وكذلك (سين الاستقبال) التي لحقت فعل الإدانة الذي أعقبها مباشرة (يتحدثون) مما يعني أنهم لم يرتكبوا فعل القول / الإدانة إلى حد زمن الاستهلال:

على الأغلب

سيتحدثون عن ألوهيتهم

حين يجتمع أصدقائي العظماء

يبحثون عن مزاياهم

ويخترعون أوصافاً لم تذكرها اللغة

(ص / 50)

هذا الافتراض غير القاطع والمشكوك في احتمال حدوثه سيدفع الأنا إلى اتخاذ قرار قاطع بالنهي عن مصادقة أنصاف الآلهة والتخلص من ضمير الغائب مجسداً بهم:

لا تصادق نصف إله

على الأغلب

سأتخلص من أصدقائي العظماء

(ص / 51)

وهنا نتأوّل هذا القطع الحازم بأنه قرار الذات على التمسك بضميرها وصوتها المغرّد المفرد المهيمن وإصرارها على عدم إشراك الآخر معها في الهيمنة اللغوية على النص، أو بمعنى آخر، أنها الغنائية المطلقة التي تقطع الطريق على احتمال ظهور أية حوارية ممكنة، أو على اية تعددية صوتية واعدة . وأن تفسير تضخم الضمير الغائب بادعائه الألوهية ليس سوى محاولة لتبرير التخلي عنه وحرمانه من حق المشاركة او التنافس على قيادة النص مع ضمير المتكلم، لاسيما أن احتمال ادعاء الألوهية المرجأ حتى زمن التلفظ بالنص لم يتحقق فعلاً، بل لم يؤكد الصوت الوحيد تحققه فعلاً حتى الخاتمة .

وبصرف النظر عن هذا الأمر، فأنه من الضروري ملاحظة أنّ الفاصلة البنائية ما بين المرحلتين السابقتين، مرحلة ما سيدعيه الضمير الغائب، ومرحلة اتخاذ قرار المقاطعة هي فاصلة تمهيدية – كما يُفترض - لاتخاذ القرار نهائي، ولكنها في الحقيقة فاصلة لازمة لإسناد ودعم ضمير المتكلم، وتقوية حضوره، ومنحه الحجّة بمقاطعة الضمير المنافس والتخلص منه . وتفكيك هذه الفاصلة يمنحنا الفرصة لتأمل الآلية الأسلوبية التي بُني على وفقها النص، فبعد الاستهالال  الإفتراضي السابق الذكر تحاول الذات الناطقة إقناع نفسها بصحة موقفها من الأصدقاء الأدعياء (أنصاف الآلهة) وهذه المحاولة تستند إلى عنصرين من خارج المجال الدلالي الحقيقي للطرف المنافس (ضمير الغائب / الأصدقاء أنصاف الآلهة) لكنهما ربما يكونان من ضمن مجالهما الدلالي المفترض بحسب قناعة الشاعر، ألعنصر الأول قد استُعير له بديل تشبيهي هو القمر (لا يبزغ قمر بالتوسل) (ص / 50) باعتبار أن هناك ثمة وجه شبه ما بين الآلهة والقمر في السمو والارتفاع على أقل تقدير . والعنصر الثاني هو اللغة (ولا تصنع اللغة نصف إله) (ص / 50) وربما يكون هذا العنصر إحالة ضمنية للصيغ القولية والملفوظات البلاغية والمواهب الكلامية التي يتفاصح بها هؤلاء الآلهة الأصدقاء بما يستفزّ عفوية الشاعر . وإن كان العنصر الأول يستند إلى صيغة بلاغية استعارية تضع القمر في مواجهة الأصدقاء الآلهة، إلا أنها نفت بشكل مبطن صحة المقارنة، واضعة البزوغ الحتمي للقمر كظاهرة فيزياوية، في مقابل البزوغ (أو ادعاء الصفات القمرية) بالتوسل للأصدقاء الأدعياء . وسرعان ما يكشف الشاعر أنّ حضور العنصرين (القمر واللغة) في الحجاج لم يكن سوى مونولوج داخلي شطر فيه الشاعر الذات الواحدة إلى شطرين، الأول (أنا) المتكلم، والثاني النفس المصغية (هذا ما كنتُ أحدث به نفسي) (ص / 50) بينما كان هناك طرف ثالث لطالما رافق الشاعر في جولاته واعني به الكلب الذي يتكرر حضوره مقروناً بضمير المتكلم المتصل في عدد من النصوص وبدلالات ووظائف شتى، ولكن حضوره هنا لا يتم من خلال كينونته المادية، بل من خلال نُباحه المتلاشي ولهاثه المتسع اللذين يؤديان هنا وظيفة ساعة التوقيت التي تؤذن بانتهاء السجال الذاتي في الموضوع واتخاذ قرار نهائي بخصوصه:

وأنا أغذ الخطى

في الطريق الطويل

وكلبي نباحه يتلاشى

ولهاثه يتسع

(ص / 50)

إن ربط السلسلة النصية (الاستهلال الافتراضي + محاولة الاقناع بالاستناد إلى عنصرين خارجيين (القمر واللغة) + حديث النفس التي يحضر معها الكلب بلهاثه) هذه السلسلة ستتعرّض عند حدها الأخير إلى قطع مفاجيء دون أن يُحدد الشاعر موقعه بفواصل، بل واصل سرديته الشعرية من فضاء آخر مغاير تماماً:

أكتشفت اليوم حصى ملوناً

ومحاراً غريباً

سآخذ منه قليلاً إلى البيت

(ص / 50)

ومن هذا الفضاء المغاير يتقدم خطوة استكشافية أخرى تضعه في منتصف المسافة ما بين فضائه الأصلي والفضاء المغاير، خطوة ما زالت خارج الهدف الذي يبغيه، لكنها في النهاية تُقرّبه منه:

واكتشفت أيضاً

أن لا شيء لديّ أخاف عليه

حتى حياتي غامرت بها من قبل

(ص / 51)

ليصل بعد تلك الاكتشافات إلى قرار العنونة (لا تصادق نصف إله) في دورة نصية بدأت ثم انتهت بالعنونة من أجل تأكيد حقيقة هيمنة ضمير المتكلم وارجحيته على ضمير الغائب / مدّعي الألوهية، والمفارقة أن تأتي العنونة بصيغة النهي الموجه إلى مخاطب ما، وربما يكون الشاعر / الناهي يتخفى وراء موقع االمخاطب أيضاً في الوقت ذاته الذي يتبوأ فيه موقع المتكلم، وكأنه من خلال الموقعين يحاول دعم موقف الذات من احتمال أي تراخ إزاء أنصاف الآلهة.

 

ليث الصندوق

...............

(1) أغنية شخصية – شعر – سلام دواي / ألروسم للنشر والصحافة والتوزيع – بغداد / 2014

(2) حسب الدكتور حاتم الصكر أن أدونيس وحده هو الذي اختص بتقنية المرايا، ويذكر أن إحسان عباس هو أول الدارسين الذين تنبهوا إلى تقنية المرايا لدى أدونيس (ص / 71 وما بعدها) – مرايا نرسيس – الدكتور حاتم الصكر – ألمؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع

(3) ألعنوان في الشعر العراقي الحديث – دراسة سيميائية / حميد الشيخ فرج (نقلاً عن علي حرب – نقد النص) ص / 105– دار ومكتبة البصائر – لبنان - 2013

     

 

 

1227 hadilأول ما يطالعنا في رواية خاتون بغداد للكاتب شاكر نوري عنوانها، حيث يقصد الكاتب بكلمة خاتون أو الخاتون نساء الطبقة الراقية في عهد الاحتلال العثماني للعراق، وما بعده من القرن الماضي. لكنه يقصد من الكلمة في روايته (مس بيل)، حيث زينة صورتها غلاف الرواية. وهي شخصية اكتسبت أهميتها في المجتمع العراقي لشدة اندماجها فيه وتأثيرها الكبير عليه.

 الرواية تمثل التاريخ وتحاكي أحداثه. رواية كُتبت عن التاريخ وكأنها توثق لفترة قديمة من تاريخ العراق، المتمثلة بانتهاء الحكم العثماني واحتلاله، ووضع البلاد تحت سيطرة الانتداب البريطاني واحتلاله. لكنها كُتبت بروح روائية ميزتها عن الوثائق والكتب التاريخية. تدور أحداث الرواية حول (مس بيل) أو (صانعة الملوك) أو (راسمة الحدود) أو (خاتون بغداد)، تلك الانكليزية التي عشقت الشرق والروح الكامنة فيه، خاصة بغداد، عشقت بلاد الرافدين وفُتنت بها وبأساطيرها وحكاياتها، فجاءت لتعمل كسكرتيرة للمندوب السامي واستقرت في بغداد، كان هدفها الاساس هو البحث والتنقيب عن هذه البلاد وآثارها وجمالها. تقدم الرواية مس بيل كشخصية مميزة ومثيرة للجدل، كيف اندمجت بتاريخ العراق وكانت جزءا منه، حبها وشغفها للبلاد والشعب وسعيها للحفاظ على البلد وآثاره وخدماتها التي تمثلت أهمها بالمكتبة الوطنية والمتحف الذي حوى كل الآثار التي جمعتها ونقبت عنها، ومع هذا هي مبعوثة لتمثل الغرب، تلك الدولة المحتلة التي قضت على الحكم العثماني وحلت محله، ليس محبة للبلاد بل خدمة لمصالحها. كانت خاتون بغداد الحلقة التي جمعت بين الغرب والشرق.

تشير الرواية إلى الصراع الذي كانت تعيشه الخاتون، بين عملها ومحبتها لهذه البلاد، بين تنفيذها لما يصدر من الخارج ومحبتها في صنع كتلة عراقية في الداخل. تقدم صورة عن الخاتون بنصفيها البريطاني والعراقي.

الرواية سلسة لغتها سهلة وبسيطة، الشخصية الرئيسة فيها هي خاتون بغداد، توجد شخصيات ثانوية معها لكن المحور الرئيس للرواية هي وحياتها وانجازاتها وصراعاتها.

 تُروى الرواية بأكثر من صوت، لكن يبقى صوت (مس بيل) هو الظاهر والمهيمن على الرواية، ثمة سارد عليم يروي، لكنه يظهر تارة ويختفي تارة أُخرى؛ ليترك المجال الرحب في السرد للخاتون، لتتحدث بلسانها، فتظهر وكأن هذه هي حياتها الفعلية بكل ما تعيشه، وكأنها تروي لنا سيرتها الشخصية، ترويها هي ويكتبها آخر. وإذا ما نظرنا إلى المكان، سنجد ثلاثة أماكن كانت هي الأبرز والأكثر تأثيرًا في حياة الخاتون، تمثلت هذه الأماكن بدول ثلاث، لندن وإيران وبغداد، كل منها كان لها وجود وحضور داخل حياة الخاتون وروحها، كل مكان منهم ترك بصمة وأثر في الشخصية، لندن كانت في الرواية مثال للمكان المحبب الاليف الذي جاءت منه الخاتون، موطنها الأصلي، ثم تحول فيما بعد للغربة والخوف المتمثل بصرامة الاب في تعامله مع ابنته، كانت لندن هي بمثابة ركن الحزن الذي لطالما ابتعدت عنه (مس بيل) وأكدت على عدم رغبتها في العودة اليه، لأنها اكتشفت ان دولتها لم تحقق ما وعدت به لأهل العراق فكان حالها حال اي محتل، هنا أدركت ان مدينتها أصبحت رمزا للخداع، فضلا عن صرامة الاب وقسوته عندما منعها من الارتباط بمن تحب. بغداد هي المكان الثاني الذي مثل روح الخاتون وجمال الشرق وسحر حكايات الف ليلة وليلة، تلك المدينة التي وجدت نفسها فيها، بدأت بغداد كمكان محبب تتطلع للقاءه الخاتون، وحافظت على مكانتها في روح الخاتون، بقيت المكان الذي شعرت فيه بالمحبة والالفة، حتى انتهت حياتها فكان مكان موتها ودفنها. اما المكان الثالث فتمثل في إيران، البلد التي جمعتها بمن تحب وعاشت اجمل اوقاتها معه، فكانت مكان الالفة والحب والحياة. وثمة مكانين، رغم انها ثانوية، إلا أنها مثلت الحزن لمس بيل، (بحيرة لار) التي كانت سبب وفاة حبيبها الأول، والثاني (مقبرة غاليبولي) التي ضمت قبر حبيبها الثاني.

اما الزمان فنلاحظ امتداده من الماضي إلى الحاضر، والتنقل فيما بينهم من خلال الرواية بصورة توحي لك بالاستمرار في الاحداث دون ارباك او انقطاع، وكأن الماضي يعود للحاضر بصور اخرى، الاحتلال يكرر نفسه، وعبارات المحتل ذاتها، الصحفي القادم بعد وفاة مس بيل يقابل فيرناندو القادم بعد الاحتلال الاخير لمعرفة احوال المكتبة الوطنية والبحث في سبب حريقها وتلف مافيها. سنجد استرجاع للزمن من خلال ست شخصيات تبحث عن مس بيل في الحاضر الممتد من الماضي، وان الزمن المستمر من الماضي من خلالهم هو امتداد لذكر الخاتون الممتد عبر الاجيال، وكأنها اشارة للتذكير بأهمية هذه المرأة وأهمية انجازاتها للبلاد، والتي لا احد يذكر منها سوى انها كانت مع المحتل وقسمت البلاد ورسمت الحدود وعينت الملك وفق ما تريد دولتها. وثمة فصل في الرواية الحديث فيه مستمر ومتصل دون توقف او اي علامة للترقيم، الحديث هو لهؤلاء الستة وهم في حانة، يتبادلون الاحاديث من الماضي للحاضر، يقترحون ويقدمون صور عن الخاتون في الماضي، يتحدثون عن حال البلاد بعد الاحتلال، عن اماكنه الاثرية والمهمة، يطرحون تساؤلات عن اوضاع البلاد، ويقدمون صورا لما حل بها، وكأنها اشارة لاستمرار الحياة العبثية في هذه البلاد، والحانة هي الصورة المصغرة من البلد والأشخاص هم حالة الشعب الذي ثمل وفقد عقله من كثر ما اصاب البلاد من ويلات ومصائب.

في الرواية اشارات لأحوال البلاد وما يمر على العراق منذ أن تأسس وحتى الاحتلال الاخير وسقوط النظام، وثمة انتقادات لبعض الظواهر الموجودة في المجتمع. تقدم صورا عن احداث البلاد بعيدا عن روح الموت واليأس والحروب، وكأنها تريد أن تقول للقارئ، أن العراق بلد الحياة وما حدث فيه هي اشياء ثانوية ستزول وإن طالت.

 قدمت الرواية بغداد من خلال الخاتون بأبهى صورة، تلك الجميلة التي مهما انحنت ستقف، ومهما مرت بالموت ستحيا، رغم كل المرات التي أُحتلَّت فيها وعانت إلا انها تعود مره اخرى للحياة، وإشارة العنقاء التي شُبهت بغداد فيها بالرواية دليل على ان هذه البلاد في تجدد مستمر، وفي كل موت تنهض من جديد، صورة للحياة التي تولد من ركام الموت. سنجد في الرواية وصف للمجتمع العراقي وطبقاته، وللعراقيين انفسهم بكل أطياف هذا الشعب، وللأماكن المهمة والأثرية الموجودة في بغداد.

 بدأت الرواية بخاتون بغداد في الماضي، واستمرت بالخاتون حاضرًا مستمرًا باستمرار حياة هذا البلد ووجوده .

 

الرواية: خاتون بغداد

الكاتب: شاكر نوري

الطبعة الأولى: 2017م

اصدار: دار سطور عام ٢٠١٧.

 

هديل حسام - ماجستير لغة عربي 

 

 

basma alshawaliتحمل المجموعة القصصيّة " شجرة البلوط" لعبد القادر بن حميدة عنوان إحدى قصصها وتمتدّ على مائة واثنتين وعشرين صفحة (122) من الحجم المتوسّط كما تأثّثت من اثنتين وعشرين أقصوصة. وهي كتاب "مغاربيّ بامتياز"، فالكاتب جزائريّ، ودار النشر تونسية( الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع- تونس 2016) ، وكاتب المقدّمة تونسيّ (الكاتب عبّاس سليمان) وصورة الغلاف مغربيّة (القاص والفنان التشكيلي عبد الحميد الغرباوي)، وهي المنجز الإبداعيّ الثاني للكاتب في جنسها بعد مجموعة قصصيّة أولى "رغبة صغيرة" كانت قد حازت على جائزة دبي الثقافية سنة 2009، فضلا عن ديوان شعريّ صدر ببيروت سنة 2011.

في تقديمه للأضمومة، تعرّض الكاتب التونسي عباس سليمان إلى ما يميّزها من حيث أنها "قصص تبدع في القصّة بالقصّة" باعتبار أنّ  الكتابة هاهنا "مدار الكتابة" و"الأقصوصة مدار الأقصوصة" وأنها " لم تحتفل بشيء مثلما احتفلت بتجارب الكتابة قصّة ورواية" (نصّ المقدّمة) ومثلما احتفلت أيضا بالكُتاب في مشارق الأرض ومغاربها عبر استدعائهم إلى وليمة القصّ عبر أعمالهم الإبداعيّة الشعريّة والقصصيّة والروائيّة سواء بذكر عناوين المؤلفات أو الاقتباسات التي انتقتها شخصيّات القصص أو الدّخول مع بعضهم في علاقة صداقة حدّ التماهي كما كان شأن الكاتب عزيز حميد  في قصّة "ظلّ الباب" إذ يقول متحدّثا عن الكاتب ألبير قصيري (مصري من أصول سورية  فرنسي الجنسية ولغة الكتابة)، "إنّه يشبهني كثيرا.. (..) لقد اكتشفت هذا الشبه فتمسّكت بهذا الصديق. المحبّة وحدها تجمعنا" (ص67). وحميد عزيز ليس الكاتب الوحيد في أقاصيص المجموعة فمعظم الشخصيات وهم غالبا من فئة الشباب ذكورا وإناثا  "أصحاب هوس بقراءة القصص والرّوايات"، أو كتّابا، ومنهم  "حارس الكتب" ( ص 108) أو بائعها ( قصة "عن الذي أحرق كتبه"). لقد كانت الكتب في هذه المجموعة مدار العلاقة الاجتماعيّة والروابط الإنسانية كالصداقة والزمالة الجيرة بين العديد من الأفراد و" الوسيط الاجتماعيّ" الأنسب لتبادل الأفكار والخواطر والحبّ.

في هذه المجموعة كان العالم قرية فنيّة خضراء وعالما " افتراضيّا" حبريّا نافس في الظرفية الزمنية للقصص ( أقدمها كتبت سنة 2007) وسائط التواصل الاجتماعيّ -  رغم أنّه قد "غزت الانترنيت البيوت والهواتف" - في جعل العالم بورخيسيّا بامتياز، يتمثّل في كونه مكتبة كبيرة يتحوّل فيها الكون إلى قرية صغيرة منشأة من كلمات وصور واستعارات، مداره ليس الشات والسنابشات والتدوينات والجمجمات وصور السيلفي والأخبار الطائرة على أجنحة اللحظات المتسارعة، بل الكتب من أرجاء العالم والكتّاب من مختلف الجنسيات والتوجهات الأدبية والفكريّة والأقوال والاقتباسات التي تعبّر في مجملها عمّا هو عليه القارئ أو الكاتب في عين ذاته وفي عين الآخر في آن، وما يجعل صورته الشّخصية أو السلفي الخاص به صورة شخصية فعلا متفرّدة لا تقع تحت طائل الظاهري المبتذل والمعدّل بالفوتوشوب. ففي قصة "شجرة البلوط" تعمل رواية "مريم الحكايا" لعلوية صبح دور الوسيط اللغوي بين الكهل الأرمل العمّ سعيد  و"مريم المطلّقة" للتعبير عن هوسه بهذه الشابة الجميلة، ويتّخذ جارهما الشاب بشير دور " تاكسي الغرام" الذي يحمل "مرسول الحب" منه إليها، قبل أن يستغلّ كلاهما مريم وبشير الفرصة للتواصل العاطفي وتبادل لوعة الشوق عبر التوسّط بمقاطع مختلفة من الرواية نفسها في ذهابها وإيابها بينهما. ويتكرّر الأمر في أكثر من قصة يكون فيها الكتاب مدار العلاقة العاطفية التي تجمع بين المحبّين أو بين الأصدقاء سواء بفعل القراءة أو بتشارك  الروايات خاصّة أو بتبادل الآراء في بعضها توافقا واختلافا، إلا أنّ هذا خلق في رأينا إيقاعا فنيا وحركيّا رتيبا داخل المجموعة لا نشهد فيه اختلافا كبيرا في بُنية الشخصيات النفسية والفكرية والاجتماعية أو تنوّعا في الأمكنة التي تتكرّر بدورها في إحالة على ارتباط القصص بعضها ببعض في المكان والزمان والقصّة،  فأغلب الشخصيات رجالية أوّلا وشبابيّة ثانيا وبلا فروقات شخصيّة جوهرية ملحوظة بما جعلها في رأينا تنويعات على قصّة أصلية واحدة أو نسخا من أصل واحد هو ذات الكاتب كاتبا وقارئا شرها وصاحب مكتبة كبيرة وثريّة، ومولعا بالبحث عن الكتب كجامع المحار من أعماق البحار، وراويا يتولّى دفّة السرد بضمير المتكلم المفرد المذكّر في ثلث القصص على الأقلّ، ومرويّا عنه ملتبسا بأسماء مختلفة في بقية القصص. تشابه جعل بعض القصص تبدو كحلقات متفرّقة من قصة واحدة لكن بلا تطوّر ملحوظ في النسق والبناء سواء تعلق ذلك ببنية الشخصيات أو بصيرورة الأحداث على ما رأينا. فبيت المومس العوجة هنا وهناك وأكثر الكتاب من الشخصيات  أو القراء منهم أو كلاهما معا من رواده، وبائع الكتب حميد في " عن الذي أحرق كتبه" ( ص 72) ذلك الذي لمّا كسدت بضاعته بعد أن "غزت الانترنيت البيوت والهواتف" فقام في "غمرة حيرته"، وذات لحظة يأس نتجت عن سوء تقدير الكتاب الورقي، قام بحرق كتبه، يكاد يكون هو نفسه الكاتب عزيز حميد في "ظلّ الباب" ( 59) الذي اتخذ ألبير قصيري قدوة له في الحياة والكتابة والعلاقة مع دور النشر التي " تمتصّ الدّماء ولا تحتفي إلا بالأسماء المكرّسة إعلاميّا كما يشاء " ( ص 67). وهذا التشابه لم يشمل الشّخصيات الذّكور فحسب بل ما يثير الانتباه هو نمطيّة الشّخصيات النسائيّة وقّلة التنوّع في مستوى فعالياتها سواء في الواقع المُحاكى أو في الواقع التخيليّ، وأغلبهنّ بلا ميزة حقيقية حتى المثقفات كاتباتٍ وقارئاتٍ جيّدات ومحبّاتٍ "للقصص والقصاصين" منهنّ إذ يشتركن غالبا في الهجر فجأة والزواج من غير الحبيب. " كلّ النساء متشابهات" تقول عائشة المنحوسة، وإذ يصوّب الصديق إبراهيم عزيز لصديقه الراوي هذا الرأي لا يذكر للمرأة من ميزة اختلاف سوى ما يتعلّق بفتنتها الجسديّة ( 94). فهي مومس عوجة – ولا يخفى هنا ما في التسمية من شحنة رمزيّة تنهل من الموقف التراثيّ السلبيّ تجاه المرأة  على اعتبار أنّ  "حوّاء ضلع أعوج يُستمتع بها وتُترك على عوجها"، وهي  الكاتبة المزيّفة  "عبلة ابنة خال مدير المركز  تلك القاصّة كبيرة الأثداء والـ.. (الحذف من عند الكاتب) أيضا التي تعرف كلّ شيء إلا كتابة القصص" ( ص17) ومع ذلك تنال دوما الجائزة الأولى في المسابقة، وهي أيضا الزّوجة الشّبقة التي تستغلّ تواجد مدرّس شاب في بيتها لممارسة الجنس في غياب زوجها الجزّار ، وهي المطلّقة التي حوّلت وجهة الشابّ الذي جاءها حاملا رسالة غرام من كهل أرمل مولع بها لتطبق عليه، و هي حنان محبّة القصص التي تهجر الراوي لظنها أنّه يكتب قصصا داعرة ( ص 53) والتي لا تختلف عن حياة التي هجرت خطيبها " بسبب قصّة ظنتها إباحية" (ص117)، ولا نعثر على استثناء سوى في شخصية رجاء الفلسطينية والتي وإن كانت هجرت حبيبها الراوي فجأة كغيرها فلأنّها عادت لتُستشهد في الأرضي  المحتلة برصاص العدوّ الإسرائيلي.

"القراءة منزلي" يقول ألبرتو منغويل، وهي كذلك بما تمنحه للمرء من حميميّة العلاقة والعزلة لتأمّل ذاته والتعرّف عليها من خلال مرآة الآخر/ الكاتب وبما توفّره له من حرية الخيال والحلم وإمكانية السّفر عبر بساط اللغة السحري من مكان إلى آخر، ولقد سافر بنا الكاتب عبد القادر بن حميدة إلى عوالم تخييليّة كثيرة عبر أسماء العديد من الكتاب ومؤلفاتهم ومدى قربهم منّا وكم هم يشبهوننا ونشبههم، وحميميّة العلاقة بينننا  كقرّاء وبينهم ككتاب أيّا كانوا ومن رأيّ بلد هم.  ولعلّ حالة تأمل الذات وموقعها من العالم والناس هو ما حدا بالكاتب إلى التنويع في زوايا النظر التي يمظهر بها ذاته للقارئ العادي وللمبدع في آن، سعيا منه لكسر البحر المتجمّد فيه وفينا كقرّاء بعبارة كافكا لتسيل أنهار المحبة تسقي عجف الأيام وتمهّد دروب التواصل الحقيقيّ والفعّال وتحوّل العالم إلى قرية فعلية لكن مبنيّة من جذوع شجر البلوط ومسقوفة بكلّ الكتب التي اقترحها علينا ضمنيا لقراءتها ولنجعل منها جسور تواصل بيننا وبينه، وبيننا وبين الإنسان في كلّ مكان، فـ"العالم وُجد لكيّ يكون في كتاب جميل" (مالارميه).

 

بسمة الشوالي

 

 

joana ihsanablhdإن كل ما حولنا له دور في العزف على وتر الإحساس وكل يؤدي لحنه الخاص. ولا شك أن الكتابة من أدوات التعبير المهمة عن أحاسيس المرء في مواقف الحياة المختلفة وتتطلب وضع ما يثير هذه الأحاسيس بقالب تعبيري ولفظي مناسب. هذه الاستثارة يمكن تحقيقها بانتقاء صور مرتبطة بالواقع والذاكرة وهذه الصور بدورها تمثل تفاعل المحيط المادة بالإنسان الروح لكن الانتقاء المتفرِّد هو ما يميز العمل الناجح والملفت.  ومن هنا نجد الإبداع الفطري الْمُجنَّح لدى شاعرتنا المبدعة جوانا يتألق عاليا في سماء هذا التفرُّد ونجد كذلك أن ثمة توظيف مبهر للحواس الخمسة وتفاعلاتها مع المادة كبيئة حاضنة سواء من المفردات الواقعية البسيطة أو غير الواقعية التخيلية. فحين تعنون ديوانها بـِ (أساورٌ مِنْ مَعْدَنِ المجاز) فإن حاسة السمع وحاسة اللمس وحاسة النظر تتشارك جميعا في صنع إيحاءات شعورية لدى المتلقي فالأساور المعدنية تلمع في ذهن المتلقي وتصدر أصواتا مألوفة ملفتة ومحببة لدى احتكاك بعضها ببعض يتردد صداها في فضاء الذاكرة. وتصف الشاعرة معدن هذه الأساور بكونه مصنوع من المجاز، والمجاز هو صرف اللفظ عن معناه المباشر إلى معنى مرجوح غير مباشر بقرينة، ومن هنا فأن المعنى الموحى غير المباشر والذي تستخدمه الشاعرة ينسجم مع آلية عمل المجاز بحد ذاته ذلك أن المعنى المباشر لا يفي ولا يحقِّق الصورة الشعورية بأبعادها الروحية والانطباعية بالقدر الذي يحقِّقه المجاز. هي إذا تقوم بالتقاط ما طاب لها من العناصر المادية وتصهرها في بوتقة شعور المتلقي بحرفية بالغة, ونلاحظ أن الإحساس غالبا ما يسبق تبلور المعاني وهذا لا شك من سمات أسلوبها المتفرِّد ففي قصيدة (تفردَّسْ) وعلى سبيل المثال تقول:

(لو ثمة سماء تُذوِّبُ أزرقها على شفتيْكَ)

فحين نتخيل ابتداءً أن السماء الزرقاء باتساعها المذهل تنحل بكل ما تحتويه من زرقة وتذوب على الشفتيْن فإننا ننغمس في الإحساس بالصورة المتخيلة والمسقطة على موضوع القصيدة في اندماج مع خيال الشاعرة الرحب.

دعونا نمر على صورة أخرى أيضاً بقصيدة (تَفَرْدَّسْ)، تقول الشاعرة:

(لو الطفل الذي بداخلكَ أعاركَ الدرَّاجة لنزهةٍ طفوليَّة)

هنا نجد أننا أمام واحد من مفاتيح التأويل للكثير من الطرائق التعبيرية للشاعرة فهي في الواقع تداعب الطفل المتمرد الذي يقبع في داخلها بل وتعلن محبتها للانقياد له والدخول إلى عالمه ومن هنا ولأن الطفل يتعامل مع محيطه بالإحساس قبل تشكُّل الوعي والمنطق لديه فأنه من الطبيعي أن تستعير أدواته المادية والتعبيرية مما يبقي الباب مفتوحاً على مصراعيه على إمكانية تنوُّع الصور ومثيراتها الشعورية وأطيافها الواسعة وتفردُّها مقارنة مع عالم الكبار.

تتميز قصائد شاعرتنا بترابط المفردات والمعاني بخيوط تبدو شفافة أو حتى غير مرئية لتكون أقرب إلى الوحدة الموضوعية في كلا من الشكل والمضمون مع الاحتفاظ بخصوصية كل قصيدة، وهناك ثمة موسيقى خافتة تنبعث من أنماط العبارات والكلمات المستخدمة ففي قصيدة

(عومٌ في بحيرة بارَّة) تصف الشتاء وتقول:

(رزينٌ، رؤوفٌ، رنيم)

نجد أن حرف الراء يتكرَّر في بداية كل كلمة من هذه الثلاثية وفي نص (عومٌ في بحيرة بارَّة) نجد ثلاثيات أخرى تقول:

(حلوٌ، حاذقٌ، حنون)

(فائقٌ، فريدٌ، فردوسيٌّ)

(جسورٌ، جليلٌ، جسيم)

وفي قصيدة (وَجْهكَ استحضار الـ Relax ساعة كَمَد) هناك ثلاثية

( نديَّة ، نيِّرة، ناصعة)

كل كلمة من كل مجموعة من هذه الثلاثيات تبدأ بنفس الحرف وهذه التراتيب العفوية والمنسجمة مع السياق تعطي المرء إحساسا إيقاعيا خافتا يقبع في خلفية النص وتضفي عليه نكهة مميزة كما هي الموسيقى التصويرية في الأفلام والمسلسلات وفي شكل آخر من التراتيب اللفظية والتي تحمل تأثيرا مشابها نجد (رهبوتُ ترهيبٍ أم ملكوتُ ترغيبٍ) وبقصيدة أخرى

(انفعال أم افتعال)

نجد تناغم بين كلمتي رهبوت وملكوت وكذلك بين ترهيب وترغيب

وانفعال وافتعال.

إن خروج الشاعرة من الأنماط التقليدية لا يقتصر على الجوانب التي ذكرتُها آنفا بل يتعداها إلى جوانب أخرى منها توظيف العناصر والأدوات المستجدة والمستخدمة حديثا في البيئة المحيطة فعلى سبيل المثال نجده في نص (ياعصيَّ الشِّعر تحنَّنْ) تستخدم تعبير (ضوء الشواحن) كمؤثر حسي في تقابلية متزامنة مع (ضوء الشموع) أي الحديث يقابل التقليدي وفي قصيدة (محاولة تليين رج صارم) تستخدم تعبير (شام fm) وكذلك هناك كلمة (relax) باللغة الأجنبية في قصيدة (وَجْهكَ استحضار الـ Relax ساعة كَمَد) في إطار إضفاء واقعية من حيث توجيه الإحساس بالمعنى أو توفير نوع خاص من الأجواء .

وتتمتع جوانا بقدرة واضحة على الاسترسال والتشعُّب بالصور الدلالية المليئة بالمعاني الثرَّة وبشكل لا يخل بالنمط العام للقصيدة بل تتوالد الصور أفقيا وعموديا لتشكِّل سلاسل بألوان مختلفة أشبه بسلاسل المرجان تحمل دلالات متنوعة تأخذنا في رحلة لا تنتهي عبر تلافيف العقل والخيال.

هناك ثمة مبادلة للألفاظ والدلالات في سياق العبارة الواحدة لجعل

الصورة التشبيهية المتخيلة تمارس بالأصالة دور المشبَّه له ففي قصيدة (يا عصيَّ الشِّعر تحنَّنْ) تُشبِّه الشِّعر الملتزم وصومه عن الإسفاف بالعصفور النابه الأمر الذي عرضة للاتهام بالعبث فتقول:

(منقاره يفلسِّفُ حبوب الدلالات)

هنا المنقار من وظائفه التقاط الحبوب بدقة وخفة ورشاقة هذه العملية الدقيقة قابلتها الشاعرة بمعنى الفلسفة حين يحاول الشاعر أن يلتقط بدقة ذاك المعنى الذي يرتضيه فالفلسفة للفكر لكنها نُسِبتْ للمنقار وكذلك فأن الدلالات لمعاني الكلمات والألفاظ ولكنها نُسِبتْ للحبوب كي تحل محلهما تلك التي يقوم العصفور بانتقائها بمهارة بمنقاره ِ.

إن عملية رسم الحالة الشعورية وتصويرها في القوالب اللفظية التي ذكرناها آنفا تبقى ناقصة إن لم تتمتع بإشارات منطقية بليغة الدلالة وتلك لا ريب تشكِّل جزءً أساسيا من عملية الإبداع الشعري برمتها ولعل جمع أكبر كم من إشعاع هذه

الصور الإبداعية في بؤرة تعبيرية مختصرة هو ما يميِّز كثيرا قصائد شاعرتنا ففي قولها:

(مكبوتُ الشِّعر يتقرَّحُ في أخاديد الجبين)

نستحضر الإحساس بالتفاعلات النفسية المكبوتة التي ترافق حالة الكتابة وتنعكس عليها كما تنعكس على وجه الكاتب ونجد إن أخاديد الجبين هذا الجزء العلوي من الوجه والذي يخبرنا بالأجواء النفسية لصاحبه هو اختيار موفَّق لأنه الأظهر للناظر والأخاديد تشير إلى التفاعل الدائم بين التراكم الزمني والحدث.  وبنفس السياق ننظر لعبارة: (منطوقُ الشِّعر يتوَرَّمُ على رؤوس الأنامل) لان النطق وهو المرحلة الأخيرة في إنفاذ العملية التعبيرية في حالة استخدام اللسان يقابلها رسم الحروف باستخدام أطراف الأصابع كمرحلة أخيرة في إنفاذها باستخدام الكتابة بالقلم أما التورُّم فيُفرِّغ الدلالات النفسية المرافقة على أطراف الحالة الزمنية التي تسبق الكتابة .

يعتبر الانسجام مع الفكر المنطقي والموضوعي سمة من سمات أسلوبية جوانا حيث تمنطق الرؤى والدلالات من منطلقات تكاد تشير الى نقطة تقاطع واحدة تنصهر في حديقة اللاوعي للمتلقي ويمكن الجزم ومن غير تردد بإمكانية تمييز نصوص جوانا من بين آلاف النصوص بسهولة تتعدى محاولات التحليل والتأويل وهذا لا شك يعكس تفرُّدها التلقائي النابع من روح جميلة تتماهى مع فطرة أدبية واعية تتجسَّم من خلالها التعابير وتسكن المعاني تجانسا متفرِّدا لمجاميع من الكلمات وإذا أخذنا عنوان قصيدتها (محاولة ترطيب رجل مُتصَحِّر) وامتداد هذا العنوان داخل القصيدة كمثال نجد في كلمة (محاولة) كبوابة لها فيها خلاصة للمعاني المراد توصيلها والمحاولة تشير لمعرفة مسبقة بصعوبة المهمة وربما وجودها هنا في هذا الموقع بالذات تنبئ عن فشل أقرب من النجاح وأما مضمون المحاولة فهو مطلب متواضع مجرد ترطيب لا يصل حد الانغماس أو حتى البلل وأما موضع ومادة العمل فهو الرجل المتصحر والتصحُّر كمفهوم يشير لعملية تغير مناخية تنعكس على الأرض وغطائها وهذه العملية لكي تحصل تأخذ وقتا طويلا جدا وبالتالي فان عكس نتائج هذه العملية يحتاج إلى وقت طويل وربما حيث نلحظ حالة من الصراع بين حضاريتها الحالمة والرقيقة في مقابل بداوة جلفة قاسية وبمجرد القفز من عنوان شاهق العلو نجد أنفسنا نهبط على عنوان إسفنجي الملمس مشبع بسائل هو من إفرازات قصيدة النثر ومن ثم هناك إبرة لازوردية ترتِّق في الرجل المتصحر بداوة الحواس والرتق خياطة للثقوب الصغيرة بعناية وفيهِ توقُّع لحرفية منفعلة مع جماليات الألوان وعاطفية المرأة الصابرة والساكنة فيها.

وهنا يُسجَّل لجوانا قدرة فائقة في التعبير عن أنوثة قادرة على الإيغال في التصوير لمتطلباتها الانفعالية ولعلاقتها بالطرف الآخر وتخدم كلماتها بفلزيتها الموصلة لكهرباء الشعور التسلسل المعنوي والفكري المتنامي للقصيدة وفي ذات الوقت تسير بك منعطفات القصيدة مع ذات الصبغة الحسية للمتلقي تجاه تراكيبها المتفرِّدة والتي تنقلها إليه باللون والصوت والصورة والحركة والمترافقة مع الحس النفسي والبدني في آن واحد وكل ذلك في إطار نمط فكري متوازن يصف ويقرر ويحلل الحدث مع تأمين للوحدة الموضوعية للقصيدة والتي أشرنا إليها سابقا.

وفي ذات السياق يمكن تحليل عبارتها التالية: (صبَّار الإيدولوجيات البليدة يتعرَّشُ صدركَ) وهنا الصبار وهو نبات شوكي صحراوي ذو إبر خشنة مؤلمة يتحمل العطش وقسوة المناخ

أما الايدلوجيات البليدة وهي أنماط عقائدية جامدة فيتسم صاحبها بالتعصب نجدها هنا تتعرَّش صدره وهذا التعرُّش فيه امتداد وانتشار متشعب كثيف يسد ضوء الحكمة ويحجب الحس الإنساني الدافئ الموجه لمسلكيات الإنسان الحضارية ولذلك نجد هذا التعرُّش يتمركز على الصدر وهو موضع القلب والحضن ومنبع الحس والشعور.

وتمضي وتقول:

(أهواء التجارب الفاشلة جفَّفَ فيكَ خلايا الندى)

هذه العبارة نمط من التحليل النفسي للأسباب الموصلة لواقع الحال هي إذن تجارب فاشلة عطَّلَتْ المرونة والليونة الطبيعية المفترض وجودها فيه. وبالرغم من كل هذا التصحُّر فان خيار القلب يقفز فوق كل هذه الاعتبارات ويمضي (هودج القبلات) (يتهادى رهواً) بقفاره وهذا ديدن الحب المتمرد على ما يوضع له من قوالب.

ولشاعرتنا مقدرة فذَّة في دمج موضعات القصائد مع استقراءاتها لأساليبها التعبيرية المبدعة فنشاهد الحديث عن الانزياحات والاستعارات

مقدمة في ذات الوقت هذه المعاني في إطار من ذات محتواها وهذا يعكس تمكُّناً في صناعة القوالب التعبيرية ذات التأثير المبهر لحواس المتلقي ويمكن أن نعرض مثالا واضحا لهذا الشكل من الإبداع من خلال تناول عبارات من قصيدتها

(قراءة نقدية موضوعية لبشرة وطن) فتقول:

(بشرتك لولبية الزمكان

والرمز يتزلج على ثلج دمث

بشرتك لو تندى تقاطر بلور اللغة

والاسلوبية فواحة بعطر نادر

انزياحات هذا العطر فعالة

فجزيئات العطر تترجرج

بقارورة الاستعارة)

هنا نشاهد الرمز يستخدم كمعنى وكأداة تعبيرية تجسَّمتْ بين أنامل شاعرتنا وليس ذلك فحسب بل كانت هذه الأداة مفعمة بالحركة مع إضفاء حاسة اللمس من خلال النعومة والانزلاق الذي يتمتع به الثلج عادة وكذلك الأمر نجده في استخدام اللغة للتعبير عن جمال البشرة حين تكون أشبه بندى تقاطرَ وتبلوَّرَ كيما تلمع بألوان شفيفة تثير المشاعر وكذلك الإسلوبية حين تفوح كالعطر بانزياحات فعالة حيث جزيئاته تترجرج بقارورة الاستعارة المرنة وهنا تحتوي قارورتها التعبيرية المبدعة على مزيج متجانس يجمع الكثير من قدراتها الفائقة وهي بذات الوقت تقبض عليها برشاقة وسيطرة وتنظر إليها من علو.  فالرجرجة تتطلب الحركة لليمين واليسار ولكن مركز الحركة يبقى محورا للمعنى الأساس أما القارورة فبكليتها تحمل الاستعارة المرنة القابلة للتمدد والتقلص بما يخدم روعة التعبير وعبق المعنى وعطر الكلام.  ويمكن القول أنه من غير الممكن أن تجتمع كل هذه التراكيب المبدعة إلا لدى شخصية ذات حس مرهف وقدرة فكرية راقية تزاوجهما عبر وحي يغزل قصائد ذات سمات متفرِّدة.

ولدى الغوص أكثر في الأنماط التعبيرية لشاعرتنا وبالمرور على

قصيدة (يوم تكوَّر الحرف نهداً) والتي تقول فيها:

(أنى وَالحرفُ تَكَوَّرَ نهدا ًلأنثى

المَلاك ..؟!

سُندُسيُّ المَلامِس..عشرينيُّ الرَفيف ..

يَتَرَجْرَجَ بأطوارٍ مِنْ كنارةِ شبعاد

وزرياب الطَوْرِ..

الْتَفَّ على أصابعٍ تَفقه محاورة الأنوثة)

هنا نجد عملية التكوُّر تعطي المشهد أبعادا ثلاثية بكل سلاسة يضاف إليها نعومة حريرية الملمس وما نلبث أن نستشعر وجود الزمن كبعد رابع متقوقع في ثنايا النص وذلك من خلال كلمة (عشريني) والتي تعبر عن ريعان الشباب وما تمثله هذه المرحلة من نضارة وخصوبة ونماء أما الحركة وهي الرابط المنطقي بين المادة والزمن فنجدها أداة طيعة بيد شاعرتنا وهذه الحركة تضفي الحيوية وتتأبط المشهد بعنفوان متصل فكلمة (يَتَرَجْرَج) تعبر عن حركة اهتزازية لكنها تتبع أطوارا من آلة موسيقية دقيقة الصنع والأداء والذوق كما كنارة الملكة شبعاد السومرية لكل ما صنع لها وكما انصياع الألحان لزرياب كذلك كانت أصابعه تعرف كيف تحاور الأنوثة وبذلك تحتضن كلماتها شكلا ومضمونا كماً هائلا من المعاني والاحاسيس بتلقائية المتمكن وعمق المتأني وربما لا نلحظ أي تفاوت يذكر في مستوى أدائها مع كثرة المنعطفات التعبيرية التي تقدمها.

دعونا نمر بصورة سريعة على سطر واحد من ذات القصيدة

(ذراعاكَ زنَّارُ نور ٍ، لَفَّ الغد والخاصرة)

هنا نجد الذراعين وقد التفتا حول خصرها ومن حيث طبيعة هذا المشهد من المفترض أن يكون لهذه الحركة وقع مادي ومعنوي لكنها تلغي الأول لحساب الثاني فهي وفي خضم انفعالها العاطفي لا تكاد تشعر بثقل الذراعين وكأنهما زنار من نور يضيء بخفة وبلا حرارة مؤذية بل على العكس ثمة نور أضاء لها الأمان بغد جميل، هذه المعاني الثرة تبدو كأشعة تسقط في عدسة حروفها لتتجمع في بؤرة ذهن وإحساس المتلقي بسلاسة فطرية .

ومن خلال ما سبق من دراسة لأسلوبية جوانا في إطار انتمائها لقصيدة النثر الحديثة يمكن أن نخلص إلى القول بأننا أمام ظاهرة ملفتة تستحق الوقوف أمامها باحترام لما فيها من تفرُّد إبداعي ومزايا طُبِعتْ بنكهة راقية وعطر خاص يكاد يؤسس لمدرسة تعبيرية جديدة تقوم على أسس وأنماط من الكلمات والتراكيب لم نعهدها في السابق.

 

مجدي الجرَّاح

عمان / الأردن

 

 

nabil jamil2تعتمد رواية (المراسيم القديمة) لوحيد غانم في بنائها السردي على صوت واحد هو (الراوي، البطل) الذي نراه من خلال تصاعد وتيرة الأحداث وديمومتها، له معرفة كاملة بالشخصيات، رؤاهم الفكرية /هواجسهم/ معاملاتهم اليومية الحياتية / وتداعياتهم، بل وحتى استرجاع ذكرياتهم وحواراتهم مع الأموات، لذا نلاحظ بأن هناك احداث تروى على السنة مختلفة، صحيح انها متقاربة في ايصال نفس الصورة عن الهمّ الجماعي، الاّ ان طريقة انتقاء المفردات تختلف من شخصية الى أخرى، وخاصة التداخل الموجود في احاديث (سامية) مع (الدكتور جبّور)، وارشاداته لها رغم انه من الأموات، وهذه لعبة المؤلف في اتقان مثل هذا الجمال في السرد، والتفنن في رسم الشخصيات .

سلّم موسيقي شجي

1224 almarasimالراوي تمكن من ارسال اصوات الشخصيات دون تعقيد، فهو لم يجعل المسافة تسع بينه وبين شخصياته، وكذلك لم يتلاعب باللغة لتضيع منه الحكاية، بل اذاب روايته في سلّم موسيقي شجي، جعلت اسلوبه مرصوصاً بعناية، وهذا مؤشر على عدم تشظي السرد والإخلال بالحكاية الرئيسة، لذا كان واضحاً وهو يكشف الغطاء عن انفصال واتصال الأحداث في واقع يمثل هو جزءاً منه، كون (الراوي)  شاهداً ويسمح له التفرّد في سرد الأحداث . ومثلما هو معروف بأن السرد مرتبط بشخصية الراوي ورؤيته في تقديم : الحدث/ الشخصيات/ الزمان والمكان/ لذلك لابد ان تظهر العديد من التداخلات، سواء الجاذبة أو النافرة، والتي يهتم بها عدد من المؤلفين في استمرار العلاقة بين الشخصيات والراوي، حتى انهم يستخدمون الايهام والاسترجاع وتداخل الازمنة أو الغاؤها، وطبعاً هنا تكمن مقدرة كبيرة على استيعاب البنى المتممة لكتابة رواية ناجحة، بمعنى ان الراوي هو خالق ومصدر نِعَم والمروي له هو المتلقي لهذه الهبات.

من خلال عملية السرد يتضح بأن المؤلف انطلق من نقطة تحديد موقف من الدمار الذي لحق بالعراق بعد عام 2003، وهذا يعتبر الحدث الأهم، حيث ان موقف الأديب يحسب له الف حساب، تجاه التقلبات الدينية والأيديولوجية وغيرها، بعكس موقف السياسيين المريبين بصورة عامة، وقد اثبتت التجارب بأنهم يتطلعون بعين واحدة ومن أجل مصلحة خاصة، حيث يندر في هذا العصر وجود السياسي الوطني.

هناك العديد من العوامل والصراعات ساهمت بتأجيج العنف، سواء الخارجي أو الداخلي، وبذرت شرارة الفتنة والاقتتال في جسد العراق، فمن حروب ونزاعات خارجية الى حروب داخلية.. قتل/ تهجير/ استيلاء على عقارات واملاك/ غسل ادمغة/ شراء ذمم... الخ، أراد المؤلف الإشارة الى كل هذا الخراب، من خلال وخز القارئ بجملة حوارية أو وصف دقيق وواف. ولأنه لا يريد ان تكون روايته تقليدية دأب على التلميح فقط، ساعياً الى اشراك القارئ وجعله أحد الشخوص المساهمين في الأحداث .

وصف دقيق

وكناتج ضمني وجدت ان الحالة النفسية لكل شخصية هي الأقرب للتأويل، فهي تتدرج وحسب اشتغالات الراوي عليها، حيث تترك كل شخصية تأويلاً خاصاً بها، وان اندمجت في ذات الواقع، فشكلت مشهداً مكثفاً من مشهد الخراب الكبير، فنلاحظ التأويل والمقاربة من ناحية البيئة والحالة النفسية ومستوى الثقافة (ارتعش حاجباه وهو يتصل بالحاج مغمغماً بأسماء الأطباء الذين تمّت تصفيتهم من قبل مجهولين في الآونة الاخيرة) ص  136 .

ان هذا الوصف الدقيق يولد انطباعاً لدى القارئ بأنّ المؤلف استقى روايته من واقع مفتت، يحكمه قانون الغاب مجهول الغد ليبرهن انّ عراق مابعد  2003 صار مجهول المصير، تحوم حوله آفات تبتكر مشاجرات وصراعات يومية بغية تأجيل ربيعه القادم الذي ربما اذا حلّ سيساعد في ازدهار واستقرار نمط الحياة .

تدور الرواية في مكانين مختلفين، هما الصحراء والمدينة، لقد تعامل المؤلف مع بيئة وفضاء المدينة بطريقة تختلف عن تعامله مع اجواء الصحراء،  من خلال نقل الصورة المكانية واستخدام علامات دلالة خاصة لكل منهما، لكنه مازج بين الاثنين وقدّم عملاً مكتملاً، سواء في المكان الجزئي لكل بيئة أو الكلي لكليهما (وجدت نفسي اتريث هناك قبالة امتداد صحراوي لا آخر له . تلفحني زوابع الريح الرملية ولظى الشمس . هنا دارت الحرب، السواتر الأولى المدمّرة، مواضع محطّمة، مدفونة، كنت اسلّم نفسي لعوامل الخراب، متلقياً هباتها المظلمة) ص  98  .

لا أريد ان اتناول الرواية مكانياً، بقدر ما يمكنني من تناولها في الجانب النفسي، وتأثير ذلك على شخوصها وقرائها، صفاتهم حواراتهم طبائعهم وتنوع النظرات الى الواقع الجديد (ارتال جيوش الحلفاء التي تمتد وتتلوى كالحيّات طيلة اشهر، ففي اعقاب تلك الجحافل المدججة بدروع لامعة، انتشرت آلاف الجثث لجنود المحافظات والأعراب والحيوانات على مدّ النظر، ممزقة، متفحمة، ممتزجة بالآليات المنصهرة / لم نحظى بفرصة انتشالها) ص 5 . سرد بلسان الراوي وهو أحد الموظفين المخوّلين المهتمين بجمع بقايا رفات الجثث المطمورة في الصحراء، ووضعها بعد الترميز ببقايا العناوين ان وجدت في اكياس، ثم فرزها في المستودع بانتظار قدوم من يأتي للتعرف عليها لغرض التسليم، وهذا السارد يتصدر لسان حاله معظم احداث الرواية فنجده عليماً بكل الأحداث، يؤرخ احداث مدينته، البارزة منها والمخفية في خلجات الصدور، سواء من خلال ما يراه أو المدفون في دواخل الشخوص وخيالاتهم وانعكاسها المظلم على صفحات النفوس، شخصية الراوي لو تتبعناها لوجدناها.. غريبة الأطوار / مغلّفة بغبار رِمَم الموتى /شرود في الذهن /عدم الاهتمام بالمستقبل /لا يوجد لها مكان ثابت للاستقرار / العزوف عن الزواج / عزلة دائمة /كآبة وانطواء . نقرأ: (اكتشف مقدار الكآبة التي رشحت من السطور في مخاطبة تجارية عادية سبق لي طباعة ما يماثلها، كانت رسالة أليمة ملؤها الندم والحيرة، تنضح بتعبيراتها بالأسف ومحاولة تبرير اخطاء البشر) ص 14 . ونقرأ أيضاً على لسان الراوي (أثارني كلامه، قلت له، ربما يمنح وجودي بين الرفات ايحاءً بحلول لعنة أبدية عليّ) ص 148. وعندما تم ترك المستودع والانتقال الى المستشفى القديم على تخوم النجد وكان في اصله محجراً صحياً لمرضى السّل نقرأ ايضاً (كان المنظر يشبه مدرجاً قديماً تملؤه هياكل بشرية، بينما لسعني شعور بالحسد للشخص الذي عني بهذه البقايا) ص 150 .

ان شعور الراوي بأن هذا المكان هو مكانه من خلال نظرات الحسد التي المّت به لحظة مشاهدته القاعات الكبيرة وما بداخلها من عظام وجماجم وقد رصفت على رفوف خشنة عريضة بعناية فائقة، يوحي هذا الشعور بأن الراوي يريد للقارئ ان ينزل معه الى جحيم المدينة (اعتقد ان مشاعر امتلاك هذا المكان الكبير غمرتنا بالفخر) ص 151 . (كان نور سماء صحراوية قاحلة يغمرني فيما تخلل الهواء نسيم بارد مضيء . المكوث من جديد في مكان ناء لا يبعث احساساً بالعزلة) ص 160 . مرة اخرى يتحول مكان مقفر آخر معزول الى مكان طمأنينة وراحة نفسية ! أيّ راوٍ هذا ؟ يحاول ان يهضم عصارة موتى لمدينة منكوبة، كانت فيما مضى بوابة حلم المهاجرين، لكنها في الحروب القديمة كانت ممراً للغزاة ! بوابة جحيم ! بساحلها البحري وصحراءها الممتدة المفتوحة ثم صعوداً الى وسط وشمال البلاد، انها مدينة جاذبة للغزاة .

مشاهد مأساوية

في المستشفى القديم  يتخذ الراوي حجرة صغيرة مأوى له (اخترت السكن في حجرة صغيرة تطل على منبسط اخضرّ بالأشواك البرية، فهنا يمكن ان المح ظلاً لآثار البشر الذين لاقوا حتفهم، بستان الموبوئين الذين عزلوا عن العالم) ص 160 . نلاحظ ان الراوي وفي اكثر من مشهد يؤكد على نزوله في اعماق ظلام المدينة الخربة، ساحباً معه شخص القارئ لإيغاله اكثر في عمق ما تحويه الرواية من كآبة وغم وكبت ورماد، النظرة المأساوية التي كان يراها، وكأنه يزيل قشرة ثمرة فاسدة متلذذاً وبتروٍّ شديد ليرينا خراب ما تعرضت له مدينته محاولاً تذكيرنا بأن ما نسكنه من بيوت، هي عبارة عن جحور وممرات تؤدي الى ذات الجحيم، وهي ليست عوالم متخيلة بل واقع مرير، يفيض بشوارع سوداء وأشجار مقطوعة الرؤوس وسماء بلا غيوم، قسوة بكل ما تحمله هذه المفردة من معنى، أراد ان يوقظنا من السبات، ليعرّفنا على ماكنّا عنهم غافلين وموهومين، من ارتال لجيوش الحلفاء وقادة جاؤوا معهم على ظهور الدبابات، يؤسس لنا مرثية التئام ولمّ شمل واهن، انزياح نحو غموض غلّف كل شيء، وأغلق كل البوابات، إلاّ بوابة اليأس والسقم، بوابة الجحيم، يرغمنا على الانصات لدبيب الموت الزاحف وحفيف حركاته، وهو يلف المدينة، يدعونا للتكيّف معه (هل تراهم ؟ أهم في توابيت ؟ آ ... جسمي يرتجف لذكرهم .. انت تذكرني بمامون ! وعندما أسألها من يكون فإنها ترد بعد لحظة صمت " الأمير ! الأمير مامون .. محب الموتى ! كان هنا ذات يوم وراء النهر، الى هذا الحد لا تطيق عشرة احد؟) ص 23 . لا تشبيه آخر الى هذا التوق سوى ان الراوي يشبّه نفسه بمامون أو هو مامون حسب ما همس له الدكتور جبّور في ص 166 (لا تقس عليها مامون ! ايها الساقط ! عدني!) .

رواية دائرية

المراسيم القديمة رواية دائرية تقرأ من أيّ صفحة نختارها، فهي حدث مستمر واحد، تجمع بين الماضي والحاضر، فهناك أحياء وأموات يتكلمون ويتناقشون ويأخذون بآراء بعضهم، ظلال وارفة على فضاء مزدحم بالآهات، مرضى وجوعى محرومون وأيتام.. لحن متعاقب تخاله وهماً أحياناً، وأخرى حقيقة، ضمن نظرية الخراب العراقي المتواصل والدائر حول محور الخطيئة الذي خلّفته الحروب .

(فنسير بين خرائب مهدّمة، وتحييني أشباح الحمّالين، بأصابع متلظية، وفي بعض الأحيان يتمهلون ويلقون اليّ بعظمة ذات شكل غريب، وبينما كان ملمس العظام يريحني أشعر بسلطتي المطلقة إذ ينتشر وعيي في الغبار السحيق، في حين تمضي سامية الى جانبي وهي تميل نحوي هامسة، " هل ترى حبيبي .. لقد شفاك الدكتور جبّور ! ") ص 167  .

انها خاتمة الموت، خاتمة رحلة ساهمت بها اللغة الشعرية العالية، والتي تعد من أبرز الصلات والوشائج في مسار السرد الحديث على تجرّع (المراسيم القديمة)، وذلك بسبب ما تتركهُ من آثار وإرهاصات حزن مغبرّ، والذي يعد المهيمن الرئيس على جوّ الرواية، فهي رواية تستحق ان تسمى وبجدارة انشودة موت.

 

نبيل جميل - البصرة

.....................

• المراسيم القديمة: رواية للقاص والروائي وحيد غانم . صدرت عن دار تموز دمشق/ ضمن اصدارات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين في البصرة  2014.

 

 

ثمة طقس ما يسكن القارئ للعرض المسرحي قبل وأثناء إستقباله للمعني الذي يود الأثر المنجز تبليغه، فكل عملية قراءة محكومة بالضرورة بواقعها الذي تحاك فيه حتى وإن تناقضت القراءات وتصادمت فإنها في النهاية تستدعي واقعها لتفسير جزء من مقولاتها. "الرهوط" اللذين أنجزوا العرض يشاكسون قارئا رهطيا يستدرجونه إلى فضاء الرهطيين حتى يتمكن من توليف لغة مفهومة عند الطرفين حول ذات القضية في ذات البلد وهو ما إتجه إليه الممثلون منذ الوهلة الأولى للعرض.

1557 husam

فالرهط هو "جلد تلبسه الحائض أو الجارية، وخاصة حين يطوف الرجال عراة في جاهليتهم...الرهط هو فاصل جندري بين طواف الرجال عراة وطواف النساء في أرهاط. إذ أن الرهط هو ما يحجب السوأة فحسب"(1)، تعريف العهد الجاهلي يميز المرأة عن الرجل بغاية التمييز وهذا الساتر للعورة به نعرف هوية حامله ولعل إستدعاء كلمة "الرهوط" للحقل الفني لا يعفينا من الإشارة إلى كونها متدوالة في الملفوظ العامي التونسي في معني من معاني السب والشتم والتقزيم والتحقير، ولكن بأي شكل تم إستدعاء هذا المفهوم في الراهن السياسي وخاصة بعد الثورة ؟ الرهوط هم نمط وفصيل بشري ولد من رحم الدكتاتوريات وتربى في حضنها إذ فشلت حكومات الإستقلال في التحديث السياسي والإجتماعي فمني الحلم الجمعي بخيبات متتالية فلم تتحقق الدولة العادلة والضامنة للحرية والكرامة، بل على العكس تم تحويل وجهة هذا "الحلم" بمفعول الدكتاتورية إلى منظومة منتجة للوهم وللزائف من الشعارات ومبدعة لأنماط بشرية نقترح في هذا التحليل الإشارة إليها بكلمة "الرهوط". وهم أيضا ذلك " النمط البشري الذي يظهر على ركح الأحداث، وليس له من ورقة توت يخفي بها سوأته"(2)، محركهم الوحيد هو إيديولوجيا العنف والقتل المشبعة بصراع الأصوليات وتلك هي الصورة الأخرى الدالة على فشل الحداثة عندنا.

يفتتح عرض "الرهوط" بدعوة صريحة ومباشرة للتفكير "نحن ندعوكم للتفكير معا في ساعة من الزمن"(3)، وذلك بعد أن إستقبل الممثلون جمهورهم وهم يشيرون بحركات تمزج اللطف بالحياد لكل متفرج تجرأ بالتفاعل معهم رغبة في إستدراج المشاهد نحو العرض و في سعي لتبسيط اللقاء وتخليصه من الوهم الذي قد يقع في اللحظة الأولى لإنطلاق العمل إذن إختار المخرج أن يمنحنا إستهلالا يؤطر ويوجه إهتمامنا نحو أهمية التفكير في واقعنا، في هواجسنا، في منشودنا بشكل مشترك.

يقرأ عرض "الرهوط" الوقائع والتحولات السياسية التي مرت بها تونس منذ إستقلالها في إنسجام مع الملمح الجمالي الذي إختاره المخرج منذ الإستهلال وهو إستغلال اللقاء في المسرح من أجل ساعة من التفكير المشترك في الراهن، فالعرض يتجه منذ البداية إلى تفكيك السياسي في تقلباته وتناقضاته رافضا وممتنعا عن تحويل اللعبة المسرحية إلى فضاء تتلى فيه وقائع التاريخ أو تقدم فيه وثائقيات من شأنها أن تتعسف على مفهوم اللعب عند الممثل /المؤدي الراغب دوما في تتفيه وتسطيح المقولات السياسوية المتلحفة بالمكابرة والتجبر. وبهكذا مسار يتحول السياسي إلى لعبة شعرية فكهة، ساخرة تتداعى قوالبها الإيديولوجية تحت صدمات التندر وسهام السخرية التي يتبادلها ويتقاذفها الممثلون فيما بينهم كأنما التاريخ السياسي ليس إلا لعبة ساخرة في النهاية.

كل الموضوعات التي تداولها الممثلون طوال ردهات العرض كانت تدفع بغاية تسطيحها أو بمعنى أدق "تفريغها" من معانيها ومضامينها الأولى لإضاءة معانيها ومضمانيها المتروكة والمهمشة والمدفونة في أعماقها وهو منحى نجح في تشكيليه المخرج لاسيما و أنه قد راهن على إلغاء الركائز المعتادة للعرض المسرحي الكلاسيكي وحول كل مبحثه إلى كيفية إنشاء عرض مشترك مع الجمهور تتطور فيه الموضوعات عوضا عن تطور الأحداث وتتوالى فيه الحكايات عوضا عن الإكتفاء بخرافة وحيدة تدور حولها تمفصلات العرض (المسموع والمرئي) فالرهوط هي لعبة المسرح كما هي لعبة السياسي، اللعبة التي تضحي بالمسرح كما تضحي بالسياسي. "الرهوط" تمسرح القوانين والبيانات السياسية وتتمرد على المعتاد المسرحي وتنزاح عن قيمه التي رسخها في قوالبه بما حول العرض إلى مساحة تتمازج فيها الخطابات مدفوعة بالشك في كل الثوابت، فالنص يكتب حكاية الموضوعات المتدافعة والمتلاشية والمتشظية والمفعمة بروح التهكم من "الحوار البناء" و "روح المسؤولية" و"الأسلوب الحضاري" و"الأخلاق الحميدة".

فكل مشهد في المسرحية هو "برفرمانس" مستقل بذاته، مستقل في إطار تسلسل لمناخات تتوالد من بعضها البعض وتفتح على أفاق بعضها البعض كأننا أمام حالة من الإستطراد اللامتناهية ننتقل فيها بين المقول والصورة والتشكيلات الحركية...وكل إستطراد هو إفراز لما سبق وفي هذا يتحول الممثل ما بين التمثيل والمواطنة، يخدم رحلة متقلبة بين السرد والتقمص والرقص والتعليق والنشيد، يكسر كل لحظات الحكي بحكي جديد ودائما في سرد المواطنة كتمرين فلسفي، فكري، مدني يتحول في عمق العرض إلى تمرين مسرحي يتحرر فيه الممثل من قيود الفن والمجتمع في لحظة من "التعري" و"المكاشفة" وربما إرتبط تمرين الفن بتمرين الحياة في كل تجربة مسرحية ترغب في إحياء المتلقي وتحويل وجهته نحو أفق الكونية حيث تبدأ المسرحية تقريبا بمشهد يتلو فيه الممثلون جميعا الثلاثين مادة المكونة لمبادئ حقوق الإنسان داخل مربع يطوفون به في إيقاعات مختلفة تحيل على الفراغ والصمت المضمن بدعوات للتفكير في الحق مفهوما وشعارا.

لا يطرح عرض "الرهوط" شخصيات مسرحية واضحة المعالم بقدر ما يعرض حالة من الأداء يكون فيها المؤدي ما بين الممثل والمواطن وهي حالة تستجيب لمتطلبات التمرين المسرحي والتمرين "المواطني" وتمكنه من عرض لوجهة نظره في الذات والأخر بدون إنخراط في لعبة الوهم التي لا تتوافق وهذا النوع من العروض المؤسسة على نوع من الإنفتاح الذي يحرر طاقات الممثل من قيود وضوابط الحكاية وأهم مرتكزات الحكاية هي الشخصية والتي تمثل منظومة معقدة، منسجمة الأبعاد لا تشترك في العرض إلا بما يخدم خطابها، هذا الإختيار يصب في آلية التفريغ التي تحرك الرؤية الإخراجية للشخصيات وباقي عناصر العرض.

لعبة المساحة الفارغة في عرض "الرهوط" متوافقة مع مبدأ الإنطلاق من الحدود الدنيا للمعنى في إتجاه حالاته القصوى أو كيف نبني بالفراغ خطابا منسجما مع واقع يراه المخرج مفرغا من معناه : ممثل بلا شخصية، فضاء بلا ديكور، نص بدون خرافة... تمارين بلا قانون وقانون بلا صرامة وسياسة بلا هيبة...لا شئ سوى السخرية السوداء من واقع أسود، مخيف، مظلم، محاصر بالدم وهو في جزء منه هزلي ولعبة الممثل هي أن يذهب إلى السقف الأقصى من المعنى والمبالغة فيه، في هذا الحيز كتبت "الرهوط" بلغة الحدود القصوى حيث يتحول النص القانون (علمي) إلى نص شعري (فني) لذلك كان من المهم إستدعاء كائنات أخرى تتقن المشي على الحبال، هذه الكائنات هي "الرهوط".

 

حسام المسعدي

باحث ماجيستير في العلوم الثقافية بالمعهد العالي للفن المسرحي بتونس

......................

المراجع :

(1) فتحي المسكيني وأم الزين بن شيخة المسكيني، الثورة البيضاء تمارين في المواطنة، دار الوسيطي للنشر،سنة 2013، ص28

(2) نفس الرجع المذكور، ص 31

(3) من نص مسرحية الرهوط

 

qasim madiالتعبير عن حضورها عبر قصيدة الغزل في ديوانها الأول: بصمة روح

تبدو مفرداتها الشعرية المنبثقة من روحها، والمشتعلة والملتصقة بشخصيتها التي رسمتها في حركة لولبية هي أقرب الى البناء أو المتاهة التي أرادتها الشاعرة " شرارة " في اغلبية قصائدها المتكونة من "141 " قصيدة بين القصيدة الطويلة والومضة، والتي تغزلت وحلمت بهذه القصائد التي أرادتها كمتنسف إغترابي يحرك المياه الراكدة في روحها العاجة بالشوق إلى الوطن والطفولة والأهل لكي تبقى بصمتها عالقة في ذاكرة الآخر، عبر تحقيق ذلك الانسجام بين اللغة والصورة الشعرية

 " ناديتكَ من مخاض الروح، وهززت إلي جذع الذاكرة "

حيث خاطت شاعرتنا المغتربة "شرارة " ثوبها الغزلي "بصمة روح" بمغزلها الفني العضوي المتداخل عبر لغتها الشعرية، وظل الشوق والوجد في قصائدها قلما يفترقان،ولهذا تجد أنهما يمتزجان امتزاجا ً نادراً في أغلبية تلك القصائد بصورة سريعة وبسيطة،وهكذا تمر أيامها الاغترابية وهي لاهية برسم أفكارها التي اشعلت عندها هذا التواصل الروحي والمعرفي لأن الشعر لديها هو ما فيه من جمال الجرس وكذلك من جمال الأخيلة والصور

"مولدي عدٌ عكسي لموت ٍ مؤجل، ومولدُ حبنا عدٌ متواصل ٌ للحياة "ص9

 ليس هذا فقط فقصائدها كما تعلمتها من الذين سبقوها أنها مشروعٌ منفتح على اللا نهاية التي وضعت لها أسسا ً خاصة في عالمها الشعري،و التي أرادتها كمشروع شعري صوري فيه من التمني والحلم الكثير، لذلك تدخل لغتها عالماً رومانسيا ً تعيش فيه الشاعرة، وصورتها التي ظلت تشتغل عليها في شكل أدبي وتقني موحد .

"للروح بلقاء الروح ربيع مسافر،والجسدعابر له ُ بقايا صور،على شتاء الجدران،وخريف المقابر "ص8

 إن العلاقة بين العناصر الإيقاعية في القصيدة والمعوقات الفنية الأخرى فيها هي علاقة ضدية في أغلب الأحوال، إذا طغت الأولى إنحسرت الثانية والعكس بالعكس "ثم يطعنُ صدرَ الضجر، ويرسل كواكب حواسًي لتتوه" ص48

 ولأننا امام استجابة للحياة الجديدة التي نعيشها،دخلنا في مرحلة الإبتعاد التدريجي عن الإيقاع ووصلنا إلى مرحلة جديدة في كتابة القصيدة، وكلنا يعلم بدأ التغيير في إيقاع القصيدة بطيئاً أول الأمر وسريعا بعد الحرب العالمية الثانية . ونحن كمتذوقي للشعر نطالبها بالمزيد من الاشتغال على عناصر اللغة وتفعيل مفرداتها على النحو الذي من شأنه تعزيز الطاقة التعبيرية لها لفتح الباب أمام عنصر التأويل،وهناك قصائد لو إشتغلت عليها أكثر لحققت فيها مهارة وصنعة شعرية أبلغ ، بإعتبار الغزل العذري في اللغة كما يقال هو من غزلَ يغزل تغزل أي التغني بالجمال وإظهار الشوق إليه .

"وعصفور على شرفتي، فالكل ٌيعلم ُ أنك آخر من يعلم أنه ...الأول " ص42

وهذا الديوان " بصمة روح " الصادر عن دار " إياس " للطباعة والنشر والتوزيع " طرطوس – سوريا " وهومن القطع المتوسط ويقع في 141صفحة،يدخلنا في عالم الوجدانيات والألم والحسرة، والحزن الكثير، والشكوى، ويبدوهذه المرارات الصعبة التي لازمتها كي ترسم واقعها أوتجربتها الخاصة عبر قصيدتها الشعرية التي أخاطتها عبر مراحلها الحياتية والتي شكلت لها بصمة روحها المحترقة

"ولي قلب عقلته، بانتظار أولى السفن، حاسراً، تحمص َ، تحت شمس المدن " ص29

وهي تنسج لنا قوافيها التي رسمتها بعذوبة في بعض قصائد هذا الديوان الذي يسهل على القراء فهمه لسهولة المفردة اللغوية فيه فضلا عن إستخدامها لعنصر التكثيف في الكثيرمن القصائد التي عبرت خلالها عن همومنا وأوجاعنا الناجمة عن السياسة المتخبطة في عالمنا العربي وما يحدث من ألم في هذا العصر،"ونعمر سياجا بلا قضبان، حول دارٍ، يعيش ساعة وهم فقط، وتناديهِ " بيت بيوت " ولا نبالي ص103

 فجاءت قصائدها تثير فينا دهشة الحب السرمدي، عبر لغة شفافة، وهي تلون قوافيها بريشة فنان متمرس،وهي تنقل عواطفنا ورؤيتنا وهواجسنا بعفوية بسيطة ،وهي كمشتغلة في مجال علم النفس الحديث الذي يحتاجه بنوالبشر لفك طلاسم النفس البشرية . يقول عنها الناقد والكاتب اللبناني أديب بري " جعلت "هالا " مداخل ومخارج غير عادية كما نرى في "بصمة روح " والذي يطرح أمامنا سؤالاً حول مدى بقاء البصمة في الذاكرة، إذا أن البصمة تضمحل تحت شتاء الزمن

" اقطفني من صباحك زهرة،ادفني في عمرك دهرا،غرًمني ثمن الشوق رقاً،ثم أعتقني لوجه الحب، ...مرة "ص16

 وتدخلنا في مشاعرها التي لا تنبض غير الحنين والذكريات القديمة ، وهي غير قادرة عن الإنفصال عنها، وهي تلهب ذاتها عبر استذكارها لمحطات مرت عليها في رحلة شكلت هاجسها الأول والأخير، وكأنها تتنازع مع هذا الماضي " الذكريات " وهوالجزء الأكبر من مشاهداتها لحياتها الخاصة والعامة المتصلة بقوة روحها المتنقلة بين آنين السنين .

" لا تعتب على حروفي فقد وُلدت من رحم ثورة قلم،وحبر ألم، وأسطر من زفرات ندم " ص 7

 بقى ان نذكر أن الشاعرة شرارة قد أحتُفي َ مؤخرا بمناسبة صدور ديوانها الاول حيث أقيمت لها عدة امسيات في ديربورن وبحضور جمهورمن المعنيين بالثقافة .

 

قاسم ماضي –ديترويت

 

 

على قلبك وضعت كفّي

مادونا عسكر

فاتلُ على روحي بعضاً من رهبة الأبد.

في الأزمنة الملتبسة تتهامس الخفقات

تجاورُ القلق

حدّ الانغماس في دوائر الانفصال

ثم الالتئام...

ولكن لا شيء...

الأزمنة ملتبسة

والخفق همس يقتات من خبز الرّجاء

والرّجاء انتظار على مشارف السّماء

والسّماء بيني وبينكَ

حقول ألم تجتمع فيها الأضداد

وجبال جائعة لحبّة خردلٍ

تنقلها إلى الأزمنة البريئة.

الأجساد المتساقطة عن موائد الحنين

تلوذ بالقبر الكبير

تتغلغل في زواياه الأربع

تظنّ أنّها تحيا في هوّة الأنفاس المتقطّعة.

على قلبك وضعت كفّي

فاقرأ اسمي

في سفر جرحكَ

واكشف لي غيب وجهكَ

أعرف سرّ الحبّ المتدفّق من تعب النّبضِ.

تصل الشاعرة عسكر في هذا النص الشعر والمعرفة..وهذا ضرب من الوصل إشكاليّ، تنبثق عنه جملة من الأسئلة في الشعرية المعرفية أو المعرفة الشعرية وما يتصل بها من أكوان ومجالات تتقاطع داخلها وتتواشج كل النزعات والقوى المشكلة للتجربة الإنسانية في زخمها ومجاريها بلا تصنيف ولا ترتيب ولا تمييز..

وينبغي أن نميز منذ البدء أو قبله أن الشعر هنا ليس القصيدة باعتبارها شكلا قبليّا محددا بمقومات أجناسيّة تتبع اتباعا، وإنما هو حالة أو لحظة أو نظرة أو موقف، في تشكل مختلف بحسب ما يختاره المتكلم  / الشاعر من أشكال التوصيل والتعبير المعلومة أو الموضوعة وضعا، أي المبتكرة..لذلك يظل الشعر وتكثر أشكاله..

والشعر ليس الشعور وجوبا وإلزاما، فقد يكون في الغريزة أو بها، أو في العقل أو في أي طفرة أو نزعة من نزعات البشر في تركيبه المتعدد المتجانس في كثرته والتئام مكوناته..

ولذلك قرنت الشاعرة وقرنّا الشعر والمعرفة، وكان القول الشعري صورة لهذا الاقتران المخصوص، الواقع خارج ثنائية الوسيلة والغاية أو الشكل والمضمون، فلا الشعر بمنفصل عن المعرفة ولا المعرفة بمدركة خارج العبارة الشعرية..وحسبك أن تمضي من القول باعتباره تأويلا لحالة في النفس أو خاطرة في الخيال أو فكرة تلتمع في العقل أو هزة تعصف بالجسد، لتؤوله على الوجوه التي تبدو لك أقرب إلى الحالة(الأولى المجهولة..) التي كان القول عليها سمة أو عرضا، ليس إلاّ..

1) الشعر حالة للإنسان في العالم

هذه الحالة الشعرية المعرفية الخاصة تعيشها الشاعرة وتقدم عنها بعض الأعراض (القوليّة) والسمات، بلا إدراك كامل ولا بناء واع مثلما يحدث في " الشعر العقلي" البيانيّ القائم على الانسجام الاصطلاحي.. وفي سبيل تقديم الممكن عن الحال الإنسانية التي تمثلها أو تحياها المتكلمة، تلتقط جملة من الوحدات المعجمية المنسجة داخل حقل يمكن أن نسمه بالفراغ المعرفيّ.

وهذا الفراغ أو الانعدام المعرفيّ ينتشر في جل مفردات الخطاب:

- الالتباس

- القلق

- الانفصال

- اللاشيء

- الرجاء

- الانتظار

- الألم

- الجوع

- الحنين

- الملاذ

- القبر / الموت

- الأنفاس المتقطعة

- الغيب...

وهذه المفردات وإن انفصلت عن سياقاتها التركيبية النصية، تتجاوب وتتناغم معجميا ودلاليّا لترشح بحالة معرفية موسومة بالموت والفراغ والألم والانتظار والقلق والالتباس..هي حال اللاعلم  / اللامعرفة كما يحياها الإنسان في هذا العالم بحسب رؤية المتكلمة وقد صاغت هذه التجربة الإنسانية صوغا ذاتيّا ..

وهي رؤية "عدميّة" من حيث أنّها لا ترى في العالم / الأرض إلا التباسا وتعبا وقلقا وألما وسقوطا وعمى وموتا..ولنقل إن صورة العالم هي صورة الذات، ولكن في بعد معرفيّ يتحول به التعب والألم وما يتعلق بهما، لتكون العدّة المعرفية الروحيّة الموصلة إلى الغاية التي ضبطتها المتكلمة في مطلع النص ومنتهاه..وهي غاية تمثل منتهى العلم كما جاء في عبارة مباشرة صريحة..

وهكذا تتجلى الأرض "قبرا كبيرا" تتهالك داخله النفوس البائسة بأنفاسها المتقطعة الواهنة المنذرة أوالمبشرة بالفناء الداهم..

2) أيّ معرفة؟...

للنص إطار طلبيّ يحتويه ويوجهه خطابا جليّا طرفاه (المتكلم / المخاطب) وهما طرفان منفصلان  / متصلان، متباعدان / متقاربان:

على قلبك وضعت كفّي..

والسّماء بيني وبينكَ..

وتتسم هذه العلاقة بالعموديّة من خلال الضدّيّة التي تقترن فيها السماء (أو ما وراء السماء) بالأبد، ويقترن العالم المدرك بالفساد والنسبيّة:

فاتلُ على روحي بعضاً من رهبة الأبد

ومن اليسير أن نذهب سراعا إلى استخلاص هذه المقابلة الكلاسيكية التي تحكم ميادين الفكر والفن المثاليين (الأبد / المطلق / الحقيقة / الروح..مقابل الزائل والزائف والنسبيّ والمادّي..) ولكن هذا النص، ولئن لم يخرج عن هذه الثنائيات، فلقد تناولها على وجه إشكاليّ أكسبه طرافة  / جدّة..فالعالم الضديد، وهو متوق المتكلمة

يتردد بين المعلوم والمجهول، المدرك والغائب / الغيبيّ، لذلك كان "معرّفا" في المطلع بالأبديّة و"مجهولا" في المنتهى بالغيبيّة:

واكشف لي غيب وجهكَ..

فيتماهى الأبد والغيب ولكنهما يظلان كونا مجهولا معلوما: مجهولا لا يدرك (لاتدركه الأبصار ولا البصائر..)، ومعلوما بحجة أنطولوجية أو إيمانيّة..ولذلك يظل موضوعا مفترضا للكشف..

والطريف هنا أن وجه الأبد يتماهى ووجه المخاطب / الإله الذي طالت غيبته وترك غنمه في غربتها ولم يفتقدها..ولم يخلصها..

وبين الغيب والوجه توتّر ولود يهمنا من حيث أنه يقودنا إلى بعض نفس المتكلمة وهي تعلم ولا تعلم، تؤمن وتشك حين تتخبط في حقول الألم تتقاذفها الأضداد :

حقول ألم تجتمع فيها الأضداد

3) كيف نعرف؟...

إن كان الأبد مطلوبا معرفيّا مجهولا بديلا عن معلوم معرفيّ قلق متهالك تهالك ساكنيه بحسب الرؤية التي تحكم الخطاب، فإن سبيل هذا العبور المعرفي من المعلوم المتجاهل إلى المجهول المعلوم قدما وقلبا هي المخاطب باعتباره المدار الذي عليه مدار التجربة ومعقد الأمل والخلاص..فالاتصال القلبي الرمزي الخارق للمسافة:

على قلبك وضعت كفّي...

هو الخطوة الأولى على درب الخلاص والعبور العظيم من قبر ما تحت السماء إلى حياة ما فوق السماء، وعن هذه الحلقة تنشأ وتتسلسل حلقات تفضي إلى "الحقيقة":

فاقرأ اسمي

واكشف لي غيب وجهك

أعرف سرّ الحبّ المتدفّق من تعب النّبضِ...

وفي هذا التسلسل التشارطي السببيّ تدرج تصاعديّ من معرفة الذات وتعيين هويتها:

فاتلُ على روحي بعضاً من رهبة الأبد...

فاقرأ اسمي..

إلى معرفة المخاطب شرطا هوويّا، بمنطق "أعرفك فأعرفني"..فحين أكون اسما أتعيّن..أسمّى فأكون، وأكون فردا ذا كيان ووجود..وهكذا يخرج الاسم المسمّى من حيّز الجنس(الجماعة) إلى حيز الأعيان / الأفراد..

ويأتي هذا الاسم التعييني الإيجادي منحة من المخاطب المتعالي الواهب الحياة..

واكشف لي غيب وجهك

وكذا فهمنا هذا الانفتاح الكشفي على الغيب شرطا لمعرفة الذات الغريبة من حيث تتكلم، التائقة التواقة إلى عالم الغيب الذي تتجه إليه وتعلمه قبل أن تعلمه، وتكون فيه قبل أن تكون..

ويكون كمال العلم أو اكتمال سيرورة العلم من حيث تبدأ أو  حيث تنتهي بمعرفة «سر الحب.."

أعرف سر الحبّ...

فتتصل المفردات وتلتبس المفاهيم التباسا خلاقا، وتلتبس مسارات المعرفة وثناياها، ولكن تتأكد الطبيعة المعرفيّة للتجربة التي تقولها القصيدة، وتنفتح على مدارات تأويلية متشعبة متراكبة، كالعلاقة بين المخاطب والحب في اتصالهما وتماهيهما تماهي الصفة والموصوف، وما يسم التجربة المعرفية من امتحان شعوري يجعلها تجربة ذات خصوصية واختلاف بل تفرد، وما يبدو بين المتكلمة و"رهبة الأبد" من اقتران يجعلها منه ويجعله فيها :

اتل على روحي..

اقرأ اسمي

ففي التلاوة بعض القراءة، وفي "رهبة الغيب" بعض الاسم...وفي القلب كل الأبد وكل العلم...

ويختزل آخر القول مجمل التجربة :

أعرف سرّ الحبّ المتدفّق من تعب النّبضِ.

ليكون "التعب" مفهوما روحيا فكريا جامعا مؤهلا لبلوغ الرتبة المعرفية المأمولة الناقلة من "الجفاف" إلى القطر فالدفق الغامر المحيي المخصب..

هكذا يكتب الشعر المعرفة، وتنبني المعرفة على "الرجاء" خوفا وخشية ورهبة وأملا على أبواب السماء..

 

الحبيب بالحاج سالم

 

alkabir aldasisiفي إطار تفاعلنا مع الرواية العربية المعاصرة نفتح في هذه الدراسة نافذة على باكورة الكاتب المغربي عبد الواحد كفيح بعدما ترجل عن القصة القصيرة وركب غمار المسافات الطويلة عبر أول عمل روائي له (روائح مقاهي المكسيك) الصادرة في طبعتها الأولى سنة 2014 عن دار ليكي أخوين في 159 صفحة من الحجم المتوسط

وكباكورة أي روائي حاول كفيح أن يقول كل شيء في هذا العمل الذي ينزل بالقارئ إلى العوالم السفلى حيث الفقر،واليتم والتهميش والجنس الرخيص في الأوساط الدنيا من المجتمع في مرحلة معينة من تاريخ المغرب:

 الرواية يحكيها بضمير المتكلم ساردان لتجسد بذلك السرد الذاتي والرؤية المصاحبة مادام السارد راوٍ وموضوع رواية، وأحد أبطال الحكاية:

- سارد ثانوي مثقف يوجد بعربة قطار يطالع رواية (أنا والشيبة العاصية؟أولمَ لمْ تنتظريني يا أمي) ص6 التي اقتناها من محطة القطار ورافقته عبر رحلته يلتهم صفحاتها لا يلهيه عنها إلا ما يعرفه القطار من صخب أو توقف في بعض المحطات يستغلها يطل على القارئ من حين لآخر لتوجيه الأحداث،

- والسارد الرئيس "بوقال" الذي يحكي حياته منذ ولادته إلى أن استوى كهلا والذي قضى معظم حياته بمقهى المكسيك. المحال عليها في عنوان الرواية، وشكل ما سرده "بوقال" النصيب الأوفر من المتن المحكي.

 لتتمحور بذلك رواية (روائح مقاهي المكسيك) حول حياة بطل لم يذكر له السارد اسما واكتفى ببعض أوصاف عرف بها بين شخصيات الرواية أهمها "بوقال" (عريض القفا): ولد بوقال في أسرة يتيما بأبوين على قيد الحياة: أمه اختفت عن الأنظار بمجرد ولادته وأقنعوه أنها مات وأن غلظ رأسه سبب وفاتها، وأب انشغل عنه بزوجتيه (من ظل يعتقد أنها أمه أم أخيه عمر، ودادازهوة أم أخيه حسن) ليجد نفسه فريسة التهميش والتمييز، ومحط سخرية واستهزاء لا يعرف الفرح طريقا لقلبه، ولا هو عرف طريقا سالكا للفرح فنشأ يعتبر نفسه (ذلك الحائط القصير الذي تعلق عليه كل الآثام والذنوب.) ص .13 يقول: (كنت ضحية كل عمل شيطاني لا يرضي الكبار ارتكبه الصغار حتى أصبحت كخرقة بالية تمسح بها ... زلات إخوتي بل وحتى أبناء الجيران) ص.13، ممنوع من الاستمتاع في أية لحظة، بما فيها لحظات الأعياد التي تستحيل أمامه تعاسة وشقاء ومعاناة داخلية دامية أمام اهتمام زوجتي أبيه بأبنائهما حتى أضحى يوم العيد بالنسبة له سجنا (كنت أسجن نفسي في زنزانتي ولدي شعور بدواخلي أن أحدا من أخوي يراقبني من عدسة الباب ويضحك فلا أخرج إلا ما بعد الظهر) ص.18

طرد من بيت الأسرة شر طردة بعد مأساة ختانه فامتهن التشرد، متنقلا بين مهن وضيعة كثيرة عجزت أي منها في تأمين قوت يومه، قبل أن يمهد له السارد الطريق ويلقي عصاه بمقهى المكسيك بين شخصيات من العالم السفلي للمجتمع أهمها مالكي المقهى (الشيبة العاصية وزوجنه العايدية) ويعيش غرائب لا تخطر على بال، قبل أن تختاره العايدية زوجا لابنتها الخالدية المتزوجة من فلاح عجوز في قرية منسية منذ اغتصبها زوج أمها (الشيبة العاصية) معتقدا أنه سيصب سيد المقهى عقب وفاة "الشيبة العاصية" وإنجاب ولد من الخالدية، لكنه استيقظ على كابوس خيانة زوجته له وكون الصبي ليس ابنه...

وينتهي في حالة شاذة عصية على الفهم و التصنيف في مجتمي نمطي لكل مكانته، يقول: (أجدني إنسانا مجهولا لا أصل ولا فصل، لا بطاقة لدي ولا أوراق ثبوت الهوية) (ابن لي رغم أنفي من زوجة مازالت في عنق رجل آخر، قيل انه ليس ابني، وعودة الأم المشؤومة بصحبتها أخت لي لا أعرف من يكون أبوها) ص. 145

 وعبر هذا الخط السردي تتوالد حكايات هامشية كثيرة تتناسل منها أحدات ترصد تذبذبات واقع مختل، تمتزج فيه كل الأمراض الاجتماعية من خرافة، شعوذة، جهل،أمية، جشع وفقر... والطفل فيه الضحية الأولى، هكذا نشأ بوقال يعاني الحرمان من كل شيء يقول عن نفسه (ما لعبت الكرة مع أقراني مرة، ما سبحت إلى اليوم في نهر أو بحر، ما تعلمت ركوب دراجة هوائية أو نارية، ما أخذت لي صورة قط في حياتي، أنا ما نجحت مرة كسائر الأطفال و حتى كررت مرة، لا رسمت ولا فرحت ولا ضحكت مرة من أعماقي... أنا ما حكت لي جدة في حضنها الدافئ كسائر الجدات ... ما قتلت يوما عصفورا وك كسرت غصنا ولا قتلت مرة نملة ...) ص 15

في مقهى الشعب الذي أصبح فيما بعد مقهى المكسيك تدور معظم أحداث الرواية، وهو مكان حاول السارد تنميطه لدرجة جعل كل قارئ يعتقد أن يوجد في مدينته العتيقة، فهذا المقهى كان (مأوى من لا مأوى له، مأوى الحشاشين والسكارى والمشردين والمقامرين والافاكين والسماسرة ولاعبي الثلاث ورقات والحمقى والمعتوهين والجواسيس والغرباء ومروجي الإشاعات والمساجين...) ص26 أبوابه مشرعة كما يقول على الدوام …وهو ما جعل من الرواية عالما مفتوحا على كل جراحات المجتمع المغربي، وشلالا من المعاني السالبة المرتبطة بالفقر الجوع، الفقد، الأحلام المجهضة، صراعات الفقراء، الخيانة، الشعوذة، الجنس... السياسة والنضال ضد المستعمر.. في إصرار وسعي مقصود من الساردين إلى قول الكثير في كلمات قليلة عن مرحلة هامة من تاريخ المغرب (مرحلة ما بعد الاستقلال) مع السماح للشخصيات في أحيان كثيرة للتعبير عما يختلج صدورها، وهو ما وسم الرواية بتعدد الرواة، تعدد أفلت الحبل في كثير من المرات من المؤلف فسقطت الرواية في تداخل الرواة، وتمرير مواقف السارد / الكاتب عبر مواقف الرواة الآخرين في تورط مكشوف وإن كان مقصودا، كما تجلى في انتقاد بوقال لممارسة الأطفال الجنس على الحيوان في جمل تحمل أحكام قيمة صادر عن المؤلف وليس عن الراوي بوقال، فمن يستمع لبوقال وهو يقول (لا يوجد مسوغ معقول لأن يمارس هؤلاء تفاهتهم باستمرار على هذا النحو .. إلا إذا كان القهر والكبت والقمع قد شل تفكيرهم ويسر لهم سبل الانحراف المشين، في المقابل ما أظن أن طبقة راقية تمارس الجنس بهكذا طرق منحرفة ... تصل قمة الحقارة وخدش الحياء . كيف لا فشهوة الجنس عدو مارد وغول اعمى لا يرحم..)ص. 37 يدرك أن الكلام للكاتب / السارد عبده القابع في مقصورة القطار والمتماهي في بعض اللحظات مع بوقال كقوله (هكذا سرحت بي الذاكرة كبطلنا هذا إلى الأيام الخوالي..)ص. 46، ولا غرو إن توارى الكاتب/ السارد عبده أوتسلل عبر الشخصيات الأخرى ليمرر مواقفه، أو وقف شاخصا يحكي حكايات تبدو للقارئ البسيط شاردة كحكايته لإحدى سفرياته ببلاد الطليان (آآآآه يا إلهي، آه يا أنت يا عبده ما الذي أتى بك على هنا) ص65 أو حكايته لقصة (عنزة السيد سوغان)...

 ولما كانت رواية (رائحة مقاهي المكسيك) حبلى بالحكايات والقضايا وملتقى لنماذج بشرية شتى، بلغة سردية تأسر القارئ، نعلن استحالة مقاربة كل جوانب الرواية في مقال مهام طال حجمه، لذلك سنقتصر على عنصر بسيط من اللغة السردية نقصد به لغة السارد وطريقة وصفه للمكان و لأهم الشخصيات التي تفاعل معها في الفضاء الروائي، لقناعتنا أن الوصف يتضمن تعبيرا عن المواقف، ورسما لأبعاد المكان والشخصيات، مع الإشارة إلى أننا سنقتصر في الوصف على التشبيه بعدما استوقفتنا شعرية اللغة، وغرائبية التشبيهات التي كان يستعين بها السارد لأعلان موقفه ممن يحيطون به، ولعل أهم ما نال حظه من سياط هذا التشبيه تلك الشخصيات التي جعلت حياة بوقال جحيما ومجرد سلسلة من الخيبة والازدراء، فلم يجد أمامه سوى أن يجرد لسانه، ويفتح مخياله لينتقم منهم واحدل واحدا بأن شبههم بكل شيء موجود حوله أو تخيله، وقدمهم للقارئ في هذه الصور:

1 - العايدية: لم يكن يرى فيها سوى (كثلة لحمية متراصة البنيان تخطت عتبة القنطار وما يزيد... سمينة غليظة مترامية الأطراف والأرداف، تحتاج إلى مقعدين في الحافلة لأن مؤخرتها، ولا حسد، بناء مهول تداعى بلا كوابح ولا ضوابط... تقتعد وسادة لا أقول غنها متسخة لكن إذا عصرتها في فم كلب يتقيأ قبل أن يصاب بالسعار ويسقط على قنة رأسه ميتا) ص. 47 وفي ملامحها (كالقبرة تغمض عينا كئيبة غائرة مبللة خامجة تبول على الدوام وتفتح أخرى منتوفة الأهداب وسط حفنة من التجاعيد) ص.47 لم تسلم من سخريته وتهكمه وأوصافه القاسية حتى (وهي في المرحاض تطلق ضرطا كمفرقعات ذات قوة تدميرية هائلة) ص.48 (كانت إذا ما دخلت المرحاض تهز أركان المقهى عاصفة من روائح كريهة نتنة كأنها لحصان مات جيفة على قارعة الطريق، وكانت تسمع لها أنات حزينة وحشرجات أليمة تثير حفيظة الرواد حتى البكم والصم)ص. 73 لا شئ فيها جميل فهي إذا مشت (تمشي مقوسة كدب يكاد يمشي واقفا) ص.73 (تمشي كالإوزة ... تمشي وعجيزتها في الشرق وصدرها العرمرم في الغرب بينهما مسافات ..)76 وإذا ركبت كان من الصعب إنزالها (بذلنا مجهودا شاقا في زحزحتها وإنزالها ككيس قمح من العربة)ص. 74. لذلك تخلص منها روائها بأن أنهاها محنونة على حين غرة، فقبيل جنونها (خرجت تعب الماء ... كعاملة منجم خارجة للتو من الغار) وبدون سابق إنذار (رمت بلغتها ثم حملتها إلى صدرها واندفعت في هياج وغضب كبقرة جنتها نعرة الطاكوك) 131

2 - الشبة العاصية : يبدو موقف السارد من هذه الشخصية من خلال الاسم الذي اختاره لها، وزاد في انتقامه منه الأوصاف التي أضفاها عليه : (أذناه المدببتان ووجهه الذي يشبه الصقر، حتى ليبدو أنفه المعقوف كنسر وحشي... بعباءة قديمة بلون الفئران)ص.23 ( يخفي صلعته على الدوام ... يدك على الدوام سرواله في جوربيه فيبدوا كأنما هو في تأهب دائم للهب ..)ص.40. ولعل هذا الوصف والتشبيه يختزلان كل ما يريد السارد قوله في حق الشيبة العاصية: (الجلد ملتصق بالعظم وكأنه رسم كاريكاتوري أو هيكل عظمي في حفل تنكري)ص. 41 (أراه بلا نفع ولا جدوى أراه حطاما أصابه التلف والخرف يحمل على الدوام سطلة ماء متأهبا على الدوام للوضوء بيد أني ما رأيته قط يمم وجهه شطر القبلة مؤديا فرض ربه، ما خلا أيام الأعياد حيث يتأبط سجادة مرائيا بها المرائين..) 41 ولم يرحمه حتى وهو فراش الموت (أخذني من يدي فأحسست بملمس يده الخشن وكأنني أقبض على غصن شجرة البلوط أو سمكة الشابل) أي جامع يجمع بين شجرة البلوط وسمكة الشابل غير حقد السارد الذي لا تسعه الأرض والممتد من قمم الجبال إلى ملتقى النهر والمحيط حيث سمك الشابل، لذلك اختار السارد التخلص منه مثلما تخلص من العايدية، فاختار له شر قتلة روائية تحاملت كل عناصر الطبيعة فيها ضد الشبية العاصية: المحمل تكسر به، الأمطار أخرت دفنه بعد أن(كفنوه بل قل لموه داخل صرة بيضاء قرب النعش ووضعوه على شكل كيس بلاستيكي على وشك رميه في علبة القمامة) ص.123 ويكون الخلاص عند الدفن (هكذا ردمناه على وجه السرعة كقشرة بطيخ تافهة في أتون حفرة موحلة باردة)ص.127

3 - الأم التي ارتبطت في الذاكرة والوعي الجمعي بالحب، الحنان التضحية... جعلها السارد رمزا للتنكر والخديعة، وحتى وإن لم يبين سبب هروبها يوم ولادته، فقد ظل يحملها مسؤولية معاناته، لذلك لا غرو أن يكيل لها الصاع صاعين، وأن يتنكر لها لما رجعت إليه، وأحال عودة الأم التي يفترض فيها أن تكون مخلصا للبطل من معاناته، لم تسلم من معول تشبيهاته القاسية (ها هي تعود تجر خطواتها بمكر الثعالب)ص. 140 ب (أنفها دقيق كمواعيد الخونة واللصوص)141 مختصرا كل ما يريد قوله في الاسم الذي اختاره (اشتوكية لخواض)

4 زوج الخالدية: على الرغم من كون هذه الشخصية لم تؤذ السارد في شيء فإنها هي الأخرى أصابتها شظايا مفرقعات أوصافه وتشبيهاته المشحونة بالحقد فقدم زوج الخالدية ك(جثة محنطة... يكشر عن أنيابه، ظننته مسعورا... أنف معقوف كقوقعة حلزون ... يشمر على ساعدين انسلخ جلدهما كجلد أفعى ... يلتفت ذات اليمين وذات الشمال كالمرعود... أحسست بملمس يده لينا جدا حسبتها جناح خفاش كانت يده باردة مثل يد ميت)ص. 82/81 يشتم من رائحة أوصافه أنه يتمنى له الموت (شيخ شرس أضحى حطاما وما زال يصر بعناد على البقاء متشبثا بالأرض والحياة كنبتتة برية لا تثمر إلا شوكا) 87 وقد تخلص منه هو الآخر بإبعاده عن مجريات الأحداث.

5  نفسه: على طريقة الحطيئة توجهت سمات الهجاء للذات منذ الولادة (كل مولود ينزلق عند الولادة بسهولة كالسمكة وأنت كالبغل الحرون يقف معاندا في وسط الطريق، هذا الرأس الضخم لم تجن منه الا اليتم النكد والإغراء بالضرب) ص.20 ... يصف رأسه (تحمله هكذا ثقيلا منتصبا فوق كتفيك كنقطة كيلوميترية على جنب الطريق يرهق جسدك)20 / (متشردا صابرا ... تشبثت بالخواء واللاشيء كنتة برية شحت عنها السماء وطمعت ريح شرقية في اجتـثاثها) 23 وبخلاف الأسوياء الذين يفتخرون بالذات، ظل البطل يرى نفسه غبيا بليدا غليظ الرأس فكل اللعنة على (هذا الرأس الذي جلب لي من الضرب م لا يتحمله الطبل يوم العيد هذا الرأس الذي كابدت في سبيله اليتم وكل أنواع التعب والظلم)24 لم يترك لحظة إلا أذل فيها نفسه بين أخويه، بين زوجتي أبيه كلما أمرته إحداهما يقول (أذعن للأمر الصاعقة.. وفمي يقطر لعابا ككلب بافلوف)ص.39 ... بين العايدية وابنتها الخالدية ظل (كقرص خبزة تدلكه العايدية صباحا لتكرصه ابنتها كيفما تشاء مساء)ص 101... وأمام زوجته يقول (استرخيت تهاويت كدمية من القماش بين يدي طفلة تدمن لعبة العرائس)ص.108 (دثرتني في خمائلها كحمل وديع يستجير من رمضاء اليتم والعزلة وكيد الأعداء) 109... لتكون نتيجته حتمية شخصية فريدة والد ما ولد ....

6 زوار المقهى : هي نفس النظرة الساخرة الناقمة كان ينظر بها لكل زائري المقهى، فيرصد حركاتهم وسكناتهم، ملامحهم ولباسهم، مساويا في ذلك بين المرأة والرجل، بين الكبير والصغير. فرواد المقهى كانوا(من الغرباء البدو الذين لا يعرف لهم أصل ولا فصل لا مناطق انطلاقهم ولا أين هم ذاهبون ... غرباء رحل كالغجر، أو كالهنود الحمر رجال ونساء من الأعراب والبربر نزحوا من القرى فرار من شدة الجدب وغدر القحط محملين بالأكياس والحقائب والصرر والأطفال العراة على الأذرع ...) منهم الجنود الذين عندما ينزلون بها (ينزلون هنا كقطعان البقر الجافلة)30 والحصادون بأدواتهم (أكاد أسمع صليل المناجل وقعقعات الصباعيات كما في فيلم للمعارك التاريخية) 31 ليالي الصيف القائظة كانوا يوثرون التمدد متراصين كما علب السردين أمام المقهى)43... ونظر لتعدد زبائن المقهى نكتفي بهذه الإشارة لبعضهم كتلك المرأة عجوز التي يقول فيها ساخرا من طريقة عبادتها (كنت أراها كلما هجعت لصلاتها تخلع سروالها وترمي به جانبا لتنخرط في صلاة وابتهال ما عرفه القدامى والمحدثون .. طقوس تعبدية ما أنزلتها شرائع السماء ولا بشرت بها نواميس الأرض، كل يوم تيمم وجهها شطر مكان تارة صوب الباب وتارة تجاه المرحاض ... تبدأ في قراءة آيات من القرآن لا جامع بينها إلا باسم الله الرحمان الرحيم)ص41... ويمتد الحقد في الوصف، والسخرية والتنكيل بالشخصيات الأغنياء والحكام فلا يجد ما يشبههم به إلا الكلاب والذباب، وأن زمن متعهم قصير لأنه في الأخير (يموتون جيفة كالكلاب الضالة، الذبابة لا تعيش إلا عمرها خمسة عشر يوما على أكثر تقدير) ص 42

هذه الشخصيات وغيرها كانت تتحرك في فضاءات لا تقل اتساخا وبؤسا بؤس ووساخة الشخصيات؛ فالمقهى يغص بالأوساخ به مرحاض رائحته قاتلة (ما بخارج المرحاض أفظع وأبشع حيث تنتشر فضلات الطعام وقشور الدلاح والبطيخ وعظام الدجاج وعلب السردين الصفيحية وقشور البيض ورائحة البول وما تجلبه هذه القاذورات من صراصير وبعوض وناموس وسحائب من ذباب) 30، لا شيء فيه نافع و ذا قيمة (جهاز التلفاز لا ادري ما نوعه يعود إلى العصر الجوراسي ... مروحية ثلاثية الأجنحة مذبوغة بذرق الذباب ... وفي أقصى اليمين ترقد ثلاجة) يتخذها الشيبة العاصية مخزنا للملاشيات .. وحتى وسائل النقل كانت فضاءات جـحيمية ففي هذا القطار في لحظات دخول بين الراحة (يبدأ التهافت والازدحام على مرحاض المقصورة شي غادي شي جاي ... كقسم لمستوى التحضيري البول السريط والمريط والضريط..) وتلك الطاكسي تصبح علبة سردين يقول : (ركبنا طاكسيا أبيض كبيرا ... تفنن السائق في حشرنا داخل السيارة كالسردين بل قل كالدود بطريقة فنية لا تخطر على بال مهندس بارع) 71

هكذا تكون رواية (روائح مقاهي المكسيك) قد اختارت أن تقدم صورة عن مجتمع يعاني أزمة قيم، وفقد بوصلة المعيارية، الأبوة والأمومة فيه فاقدة لكل معاني الحب والحنان، والفقيه الذي يسلمه الأهالي فلذت أكبادهم ليعلمهم (يعمد إلى إجلاس التلاميذ بالقرب منه حتى إذا استأنس للبعض منهم، جر واقتعد أقربهم إليه بين فخذيه، حتى إذا ما مسه شيء ناتئ كالغضروف من بين فخذيه قفزت قلوبهم إلى حناجرهم وتعالى اللغط والصراخ كتبعات مداهمة فاشلة لثعلب هتك خم دجاج)ص.70، هكذا يغدو والمقهى (وهو مجتمع مصغر وصورة للمجتمع المغربي والعربي عامة) مأوى البسطاء وكرا للوشاية و الشعوذة والاستغلال والاغتصاب والجنس الرخيص فهذا شاب يقود امرأة عجوز إلى المقهى ليقضي منها وطره متظاهرا بأنها أمه 38، و بوقال شاهد على كل ما يقع بالمقهى يرصد إحدى تلك المشاهد قائلا (حاولت أن أحدق في الظلام أن أعرف سر ما يفعلون... تشابك واندغام والتحام سبيه بالعراك المكتوم تماما كما يفعل الدجاج أو بعض الحشرات كالعقارب والأفاعي حركات لا علاقة لها البتة بمراسيم وطقوس الالتحام الجنسي البشري لكن ما كنت متأكدا منه هو ... تلك السمفونية من الشخير المثير للرعب والتقرقير والضرط والضرطير مثل مستنقع يعج بملايين الضفادع في مواسم التزاوج والإخصاب، هذا علاوة على الزحير والطهير واللهات كثيران تعلف الملح والشعير ...)39

هذه باختصار شديد بعض تلك الروائح التي تفوح زاكمة الأنوف من مقاهي المكسيك كما رصدتها عيون عبد الرحيم كفيح، في رواية ركزت على قضايا الهامش بمنى سردي متعدد الرواة وما المقهى إلا فضاء من فضاءات مجتمع "المواطنين" فيه سواسي كأسنان القط في الحقوق كل ينال نصيبه بالقسطاس مما أنتجته عبقرية المخزن من وسائل التعذيب 117، وأن كان تعدد الرواة قد يخلق مشكلا للقارئ البسيط، كما أن اعتماد السرد الذاتي وضمير المتكلم، المرادف للرؤية المصاحة، والتي يكون فيها السارد راو وموضوع رواية، وأحد شخصيات الحكاية، ولا يفسر الأحداث إلا بعد وقوعها فإن كان السارد في رواية (روائح مقاهي المكسيك بدا عكس ذلك متحكما في الشخصيات يسيرها على هواه، يرسم لها مستقبلها ويتخلص منها وقتما يشاء يقتل ويحيي، يبعد ويعيد للمشهد من يريد، يصفها في نومها وفي يقظتها، ويبين ما تحلم به وما تفكر فيه حتى وهي في المرحاض، بل ألفينا السارد/ الكاتب متحكم أشد ما يكون التحكم في مسار البطل فنجد السارد يضيق الخناق على بوقال ويرميه كرها من مهنة إلى أخرى ويجعله كاللعبة في يد الشخصيات تسلمه الواحدة للأخرى وهو عالم بمستقبله وما ينتظره على عادة ما نجد في الرؤية من الخلف حيث السارد يعرف كل شيء عن شخصيات بل يعرف أكثر ما تعرف هي عن نفسها، لذلك ركزنا في هذه المقاربة السريعة على هامشية المعنى، وغرائبية المبني من خلال شعرية اللغة....

انتظرونا في رواية أخرى

 

ذ. الكبير الداديسي

 

 

khoulod albadriلماذا الأدب الحداثي؟ يقول إليوت ” أنه مجرد أسلوب لإضفاء شكل وأهمية على بانوراما العبث والفوضوية التي تمثل التاريخ المعاصر .. أنه كما أؤمن حقيقة يعد خطوة نحو تهيئة العالم الحديث أمام الفن ” في نهاية الحرب العالمية الأولى ظهر مصطلح الادب الحداثي فما هو هذا الأدب وهل له سلبيات كما الايجابيات؟ هل أُغراق المتلقي بكل ما هو غير مفهوم يعد بالأدب الحداثي؟ عموما نحن الآن لسنا بصدد نقدنا لهذا المنهج في الكتابة بشكل عام، ولكننا أردنا أن ننوه عن فكرتنا حتى ندخل لعالم الرواية لقد برزت الرواية الملحمية “عوليس” لجيمس جويس كنموذج للأدب الحداثي . وهذا لا يعني أنه لا توجد مآخذ على الرواية، لكننا رغم هذه المآخذ والتي سنتطرق اليها لاحقا بشكل مفصل . نأخذ رأي “إريفنج هاو” في الحداثة يقول “عملية جدلية منظمة ودينامية لا تحدها حدود، وليس مجرد اتجاه أو تقليد، ويرى فيها استخفافا ” بالعامة والقذارة والشارع ” وليست مجرد ضمير اجتماعي . وللحداثة وجود منذ بدء التاريخ متمثلة بالاكتفاء الذاتي للفن وفي الصمت التام وفي النزعة العبثية العدمية .وفي العصر الراهن حرمت حتى من هذا التراجع والعزلة تحت وطأة الشهوات الطاغية لدى العامة الذين لا يكفون عن تكييف انفسهم مع الظروف . ” وليس هناك من يصور بطولة الزهد الأدبي الخالص سوى جويس، وربما بيكيت أيضا، ولا يخترق أعماق المدينه ليظهر في شوارع “الحياة العادية القائمة ” سوى جويس وحده “.يوليس أو يوليسيس اقتباس عن اللاتينية عن بطل أوذيسة هوميروس .

الكاتب الأيرلندي الأعمى جزئيا، والمبتلى بمرض أبنته العقلي والضائقة المالية التي كان يعاني منها، لم يمنعه من كتابة هذه التحفة الفنية في سبع سنوات ليخلده محبيه ومحبي روايته بالاحتفال به بيوم أطلقوا عليه يوم “بلوم “في السادس عشر من يونيو .

حقا فالرواية التي تصدرت قائمة أفضل 100 رواية في القرن العشرين باللغة الانكليزية .والتي منعت من النشر في استراليا والولايات المتحدة وكذلك في المملكة المتحدة .

لقد بدأتُ الشروع في قراءة الرواية وحصلت عليها بترجمة د. طه محمود طه . لكني لم أكمل القراءة، وبحثت عن نسخة لمترجم آخر ووجدت نسخة من الرواية للمترجم صلاح نيازي .

الفرق في الترجمة

قرأت رواية عوليس وتخطيت الصفحات الأولى ولكني قررت أن أترك القراءة وأعود لها على فترات متقطعة .أما عن الترجمة فالرواية بحاجة الى جهود جبارة في الترجمة وفك كل ما تحمله وقد بذل د.طه جهدا عظيما فيها يقول الناشر عن الترجمة وعن د.طه :_ “مترجما راهبا في محراب الأدب، الذي أهدانا “عوليس ” في اللغة العربية مما يجعله عملا قوميا بكل المعايير وأضيف أنه لو لم يقم هو بذلك العمل لتأخرت لعقود كثيرة فرصة أضافتها إلى المكتبة العربية، ويكفي أن ندلل بأن وقت الترجمة الفعلي كان 14 سنة، وأضاف إليها 6 سنوات سبقتها للتجهيز لها .ناهيك عن الأسفار والجهد والبسالة فوق كل ذلك لدرجة أنه أنجز نتيجة الترجمة قاموسا كاملا للمترادفات به أكثر من ربع مليون من المترادفات وهو ما يقارب عدد الكلمات في عوليس . لكنه يردف بقوله ” أقول ذلك وليس مهما أنني اختلفت مع المترجم ” في مفهوم “روح النص ” ولكنه الخلاف المجاني لمتفرج مثلي مع بطل الساحة الذي يتحمل كل شيء”ص1 من الرواية بترجمة د.طه .

كنت أبحث عن الروح في الرواية المترجمة .

ووجدت ما كنت ابحث عنه بالنسخة الكاملة المترجمة التي إضافة الروح للرواية المترجمة (الأم) .

السردية الفنية والمقدرة على التلاعب بالكلمات والأحداث في سياق قل مثيله . جويس الذي يربط الحياة بالموت في مقبرة الأيام .

” قلبك ربمّا .لكن ما قيمة ذلك لرجل بتابوت ستة أقدام بقدمين وأصابع قدميه لجذور أزهار الأقحوان، لا شيء يمس قلبه .مركز العواطف .قلب كسير .مضخة رغم كل شيء .تضخّ آلاف الغالونات من الدم كل يوم .وفي نهار صاحّ سينسد .ألا ترى .كميات كبيرة منها ترقد هنا .رئات قلوب أكباد .مضخات عتيقة صدئة .اللعنة على كل شيء آخر … “ص216

عن الموت يكتب ” أحسب أن الأرض ستكون خصبة جدا بسماد الجثث، بالعظام، باللحم، بالأظافر . بيوت حفظ الجثث وعظامهم .مرعب .تنقلب إلى تفسّخ أخضر وردي . تفسد أسرع في الأرض الرطبة الأشخاص الضعاف المسنّون أكثر عسرا على التفسّخ .وبعد ذلك تتشحم إلى حدّ ما

على شاكلة جبنيّة .ثم تشرع تصير سوداء، ينز تدبس أسود منها .ثمّ تجفّ.عثة على صدرها جمجمة .بالطبع تستمّر الخلايا مهما كانت على العيش .تتغّير . تعيش إلى الأبد عمليا .إذا لم تجد ما تقتاته فستقتات نفسها .لكن ينبغي لها أن تنتج كميات كبيرة من اليرقات .لابدّ أن التربة ببساطة تدوم بها .رأسك ببساطة يدوّم .تلك “بونات ” البحر الجميلات الصغيرات .ينظر إلى المسألة بطيبة نفس .تعطيه شعورا بالقوّة .مشاهدا كل الآخرين يدفنون قبله .تساءل كيف ينظر إلى الحياة .مطلقا نكاته أيضا :يدفئ أعماق نفسه .ص210

عند نهاية الجزء الأول من الرواية تأخذ استراحة قصيرة، ثم تعاود القراءة مرة أخرى، فأنت لا تستطيع مواصلة قراءة الرواية لفترات طويلة بل لابد لك من التوقف لقراءة الهوامش الكثيرة التي تبين الخطوط التي سار عليها الكاتب مقاطع من الأوذيسة أغاني قديمة أقوال اشتقت من مسرحيات شكسبير كذلك أسماء شخصيات اشتهرت في ذلك الوقت ثم أسماء الشوارع والأماكن في دبلن، فالرواية تتصل أو تتقاطع مع الأوذيسة في نهاية الفصل الأول كان الكاتب قد مر بنا إلى عالم الأموات أو منازل الأموات ” يسرد أوذيس في الكتاب التاسع من الأوذيسة مغامراته في بلاد السكونيين وآكلي اللوتس والسيكلوب ذوي العين الواحدة .في الكتاب العاشر يصل أوذيس ورجاله إلى جزيرة يقطنها “أيلوس “ملك الريح” إلى البلاد التي تسكنها الساحرة “سيرسة” .نصحت سيرسة، أوذيس أن يذهب إلى عالم الأموات لأخذ مشورة من روح العراف الأعمى ثيريسيا .في الكتاب الحادي عشر يذهب أوذيس إلى منازل الأموات، وأول شبح أو روح يلتقي بها هي روح خيال رفيقه الفينور، وهو أحد رجاله الذي سكر ونام، ومات في بهو سيرسة، طلب الفينور من أوذيس أن يذهب إلى الجزيرة التي يسكنها سيرسة ويقوم بمراسيم دفن جثته .دفنا مناسبا .فوعد أوذيس بذلك …”وهكذا تستمر الأوذيسة في منازل الأموات وطقوس الدفن . ص233

وكأنما ملاحم الشعوب تقترب من بعضها البعض، ففكرة الموت والدفن كانت ضمن الملحمة السومرية “جلجامش بعدما يرى فعل الموت بصديقه أنكيدو ليقرر دفنه في النهاية مستسلما لفعل الطبيعة والكون والحياة “بعد موت أنكيدو يصاب جلجامش بحزن شديد على صديقه الحميم حيث لم يرد أن يصدق حقيقة موته فيرفض أن يقوم أحد بدفن الجثة لمدة أسبوع إلى أن بدأت الديدان تخرج من جثة أنكيدو فيقوم جلجامش بدفن جثة أنكيدو بنفسه وينطلق شاردا في البرية خارج أوروك وقد تخلى عن ثيابه الفاخرة وارتدى جلود الحيوانات .بالإضافة على حزن جلجامش على موت صديقه الحميم أنكيدو كان جلجامش في قرارة نفسه خائفا من حقيقة أنه لا بد من أن يموت يوما لأنه بشر والبشر فان ولا خلود إلا للآلهة

 

خلود البدري

 

abduljabar noriهو الشاعر العراقي الكبير "بدرشاكر السيّاب" 1926-1964، وُلِد بدر شاكر السياب في قرية جيكور التابعة لقضاء أبي الخصيب في محافظة البصرة، يعتبر السياب أحد مؤسسي الشعر (الحر) في الأدب العربي، وكان لجمال الطبيعة في قريتهِ جيكور الخضراء الوارفة الظلال والمفعمة بالأزاهير والأثمار وغابات النخيل الباسقات ورقرقة الجداول التي تمرُ منها لتصب في شط العرب، كان هذا الجو الشاعري الخلاب أحد حوافز طاقات السياب الشعرية، وخلال مزاجاتهِ المتغيّرةِ في تغيّر المكان من جيكور إلى بغداد وإلى الكويت ثم ألى البصرة، والصدمة النفسية في وفاة أمهِ وهو في عمر ستة سنوات، ولم يصل لنهاية تجربة حب ناجعة مع حواءٍ، أضافة ألى قراراته السياسية في تغيير الأعتقاد الفكري، كل ذلك ربما أثرت في تشكيل الذات عند الشاعر، وأباح عنها بأعظم القصائد رصانة ودقة وحقيقة وواقعية أبهرت العالم في أربعينيات القرن الماضي، في أمضاء كتابه المشهور "أنشودة مطر" التي تضمُ مجموعة أبيات: في قصيدة غريب على الخليج، أزهار ذابلة عام 1947، أساطير وحفار القبور 1952، المومس العمياء 1954، منزل الأقنان 1963، أزهار وأساطير وشناشيل أبنة الجلبي 1964، وللعلم كان صدور ديوان أنشودة المطر عن دار مجلة شعر بيروت في العام 1960 بيد أن القصيدة كتبها عام 1954 في الكويت، وقصائد أخرى تعتبر من ألمع الدرر في الشعر العربي الحديث منها نهر الموت وجيكور والمدينة وبور سعيد، وكان قدرهُ أن يموت مبكراً بعمر 38 سنة بمرضٍ لعين تصلب عصبي في العمود الفقري، وسُدل عليه ستار النسيان والأهمال في مرضه،وكتبتْ  بعض وسائل الأعلام المنصفين (أن السياب لا ينازع في عراقيته الصميمة والخالصة مع أنهُ لم يأخذ شيئاً  من وطنهِ أثناء حياتهِ من تكريم وتقييم .

أسلوب السياب الشعري ومدى تأثره ب(أليوت وأبي تمام)، وقبل هذا أقول أن للسياب الأثرالأهم للتحوّلْ النوعي في خارطة الشعر العربي الحديث المعاصر وفي تيار الحركة الحداثوية الشعرية في تضاريسها وأدوارها:

-هو رائد الشعر الحر، بدأ بكتابة الشعر الكلاسيكي منتقلا إلى الشعر الحر لشعوره أن القديم لا يحقق مساعيه في أرهاصاته الداخلية في أعلان الحرب على الحرمان والفقر والموت، ولآنّهُ رأى في فلسفة الحياة مختصر الكلام (الصراع بين الفناء والوجود)، وأني أرى أنهُ ليس سوداوياً كما يزعم بعض النقاد لأنهُ بدأ بقصائد غلبت عليها الرومانسية متأثراً بطبيعة جيكور الخلابة ومفاهيم الحب وهو يقول في هذا المجال:

أشاهدت يا غاب رقص الضياء ---- على قطرةٍ بين أهدابها؟

ترى أهي تبكي بدمع السماء ---- أساها وأحزان أترابها

وأفراح كل العصافير فيها --- وكل الفراشات في غابها

-السياب أكثر رغبة في توظيف الأسطورة والرمز في النسيج الشعري للواقعية الجديدة، وبانت جلية في " أنشودة المطر " التي وظّف فيها أسطورة عشتار، يقول:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار في نهر

وعندما نقرأ للشاعر الأنكليزي (أليوت) هو توماس ستيرنز 1888 -1965 هو شاعر وناقد ومسرحي وفيلسوف أنكليزي أظهر في نصيتهِ الشعرية الرمزية والأسطورية  ببعضٍ من الغموض والصعوبة، ويعكس التهاتف النفسي والحضاري لدى الأنسان الأوربي، وتوضحت فلسفتهُ الشعرية في قصيدته المشهورة (الأرض اليباب) The Wasta Land فالشعر الجيد في نظر أليوت هو قد يبلغ القلب قبل تمام الفهم، فهو من رواد الشعر الحر الأنكليزي، وقد تأثر به عدد كبير من الأدباء والشعراء والنقاد العرب، منهم على سبيل المثال لا الحصر: بدر شاكرالسياب ونازك الملائكة ولميعه عباس عماره ولويس عوض وصلاح عبد الصبور وجبرا خليل جبرا وأدونيس ويوسف الخال ومحمود درويش، فأصبحت القصيدة المعاصرة أكثرها وأغزرها في تناول الأنسان المعاصر في تراثهِ وحضارتهِ وأحداثهِ التأريخية وقضاياه الآنية: وهنا المفترق المفصلي حيث يأخذ الشاعر الأوربي بأتجاه حضارته الأوربية كاليونانية والرومانية والآخر في فضاءات الأدب العربي يتجه نحو جذوره التأريخية في وادي الرافدين ووادي النيل، فشاعرنا السياب في الأربعينات كان واضحاً بمقارباتٍ نصية شعرية بما لدى(أليوت) من تركيز على التراث وأستخدام الأسطورة والرمز والأيحاء والأشارة التظمينية .

-وصراعات تغيرات المكان وأزماته الفكرية وشظف العيش وأفتقاده لحب أمرأة ضاعفت أشكالاته وتحولتْ إلى أزمة مزمنة نفّس عنها بقصيدة حنين لجيكور تعكس أستلابات المنفى والغربة والضبابية واليأس وبعضٍ من الشجون والأسى، ولكنه على العموم يطفح شعرهُ بالحنان والرقة ويتجه بها ألى (الرومانطيقية)2 تلك النزعة الأدبية السائدة في الأدب الغربي الأوربي وهذه بعض أبياتها:

{أه جيكور جيكور ماللضحى كالأصيل يسحب النور مثل الجناح الكليل، جيكور ديوان شعري، موعد بين ألواح نعشي وقبري}

وفي قصيدة أخرى يقول: {لا تزيديه لوعة فهو بلقاك --- لينسى لديك بعض أكتئابه /قربي مقلتيكي من قلبي الذاوي --- تري في الشحوب سرّ أنتحابهِ } . وأخرى:

ليت السفائن لا تقاضي راكبها عن سفار --- أو ليت الأرض كالأفق العريض بلا بحار / متى أعود ؟ متى أعود؟ / وا حسرتاه --- لن أعود إلى العراق ! .

-السياب رائد الحداثة الشعرية حيث لا يختلف أثنان في مدى شاعريته وجدارته في الأبداع الشعري بتعدد المستويات والمحاور، وكما تقول عنهُ الدكتوره ناديه هناوي في المنجز النقدي حول شعر السياب: (--- وكأنهُ متحف لكل ما عرفهُ النقد من مذاهب وأتجاهات أبتداءاً من التأريخية وأنتهاءاً بالبنيوية)أنتهى، حتى أصبح المنجز النقدي عن شعر السياب حالة نموذجية عصية الأستنساخ أطرتْ شخصنة السياب بالذات ويمكن أن يصطلح عليه أسم (نقد النقد) أو ما بعد النقد، وان رأي الناقد العربي أسعد رزوقي في كتابه الموسوم (الأسطورة في الشعر العربي المعاصر)الصادر عن دار مجلة الشعر اللبنانية: هو أنهُ يمكن الجمع بين (خمسة) من الشعراء العرب هم جبرا أبراهيم جبرا وأدونيس، وخليل حاوي، ويوسف الخال وشاعرنا بدر شاكر السياب، وأني أثني على رأي الناقد، لأن الأسطورة والرمزية تشكلان محور البناء النصي السردي لكينونة وصيرورة القصيدة السيابية والتي جاءت واضحة ومتماثلة مع الشاعر أليوت في توظيفه للأسطورة .

وهذه بعض أبيات من قصيدة (الأرض اليباب) لأليوت نرى واضحاً أستعماله تلك الأدوات الأدبية في الرمز والأسطورة وفوبيا المجهول الذي يسيرهُ الموت فتبدو متطابقة مع النصية الشعرية عند السياب ولهذا يجمع النقاد على تأثر السياب بأليوت الأنكليزي وأبي تمام العربي :

دفن الموتى من قصيدة أرض اليباب لأليوت

نيسان أقسى الشهور، يتناسل الليلك في البريّة الميّتة، وتمتزج الرغبة في الذكرى، وتهتاج الجذور الشاحبة عطر الربيع، أية جذورٍ متشبثة هذه ؟ أية أغصان ؟ تنبتْ من هذه النفاية الحجرية، أخافُ من الموت بالماء، أرى حشوداً من البشر يسيرون في دائرة .

أنظر إلى السياب كيف يملي على شعره الرمزية التصويرية بالأستعانة (بالميثولوجيا)1 والأشارات التأريخية وهذه مطلع قصيدتهُ أنشودة المطر التي تعتبر أيقونة بارزة في الأرث الثقافي العراقي والعربي، وعليك أن تكتشف تلك المقاربات الفكرية في سير السرد النصي في شعر السياب وأليوت وأبي تمام:

أنشودة المطر

عيناك غابتا نخيل ساعة السحرْ

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمرْ

عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ

وترقصُ الأضواء كالأقمار في نهرْ

أتعلمين أي حزنٍ يبعثُ المطرْ

وكيف يشعرُ الوحيد فيهِ بالضياع

بلا أنتهاء كالدمُ المراق، كالجياع

كالحبِ كالأطفال، كالموتى هو المطر

- وأن بدر شاكر السياب متأثر بالشاعر "أبي تمام"788-845م في نصيّة المفردات الشعرية بأستعمال الرمزية والأسطورية، كما كتب الدكتور أحسان عباس في كتابه – بدر شاكر السياب – دراسة في حياته وتأثره بأبي تمام، وهذه بعض من بائية أبي تمام المشهورة، من  قصيدة عموريا بالحقيقة  هي ملحمة شعرية أكبر من أن تكون قصيدة:

السيفُ أصدقُ أنباءاً من الكتبِ ---في حدهِ  الحد بين الجد واللعبِ

بيضُ الصفائح لا سود الصفائح --- متونهن جلاء الشك والريب

وأشعر أبو تمام في الحنين للوطن وقال

نقّلْ فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحبُ ألا للحبيب الأولِ

كم منزلٍ في الأرض يألفهُ الفتى

وحنينهُ أبداً لأول منزلِ .

أخيرا/ ربما قد تقارب الشاعر بدر شاكر السياب مع أليوت وأبي تمام في الرمز والاسطورة والحنين للوطن، وهو أتجاهٌ أدبيٌ مألوف ومستحسن ومقبول بيد أن السياب تمكن من رسم شخصنته الشعرية المميزة وخاصة بأقتحامه للمنجز الأدبي العربي بنقلة نوعية من الرومانسية القديمة إلى عالم الشعر (الحر) الذي يلبي طموحات الأنسان في آماله وتأملاته الحياتية فالمجد لشاعر جيكور المجدد الحداثوي " بدر شاكر السياب " .

1- المثيولوجيا تعني علم الأساطير.

2 – الرومانطيقية مذهب أدبي يهتم بالنفس الأنسانية وهي مرادفة للرومانسية.

 

  كاتب عراقي مقيم في السويد

.......................

الهوامش والمصادر:

عبد الواحد لؤلؤة –اليوت أرض اليباب 1980 /عبدالجبارداود البصري –بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر/ ديوان أبو تمام – الكامل

 

 

ahmad alshekhawiإنّ أسوأ النّقود ما طفا على سطح النّص، دونما فضّ قشرته واختراقها إلى درر الأغوار وكنوز الباطن، إذ ليس من المنصف، قطعا، أن تتمّ مجابهة المبدع عند السطّح، وتبعا لما يمكن أن تقدّمة قراءة رعوية تعلق خطوطها بطقس رغوي ومزاجية عمياء تكتفي بما يشبه العملية الإحصائية وعدّ أخطاء وهفوات المبدع سواء الإملائية أو النحوية بل والمطبعية حتّى والتي لا دخل له بها ولا ذنب، كما هو الحاصل في كثير من الأحيان.

من هنا وجب الحذر مراعاة للتحوّلات الجذرية التي أضحت تعيشها القصيدة العربية، استجابة لتسارع هواجس الإنسان في دورة تقدّمه وانشغالاته بالمستقبلي والملوّح من حجب الماوراء.

وحتما، للنصوص القوية بوصلتها الراجحة في توجيه الممارسة النقدية، ووضعها في المسار الصّحيح، وانتشالها من ملهاة الظاهري إلى لذة استشعار مسؤولية اسكناه الخفي والمتواري خلف رهافة المتون من ألوان ورؤى ومعطيات خامّة، قد ترتقي بالنّص إلى أعلى مستوياته الرّسالية والقيمية والأخلاقية والجمالية، جاعلة منه نصاّ مضافا ومحفورا في سجلّ الأدبيات الخالدة.

والأكيد أن مثل هذه النصوص متوفّرة وموجودة، على نذرتها، فقط، تنتظر دورها في الحفريات والتنقيب، وقلّما يصفعنا بمخمليتها، أصحابها المقتدرين، بين الفينة والأخرى. ويجب ألاّ يلهينا عنها سيلان الاستسهال الإبداعي الجارف، والغوغاء المشينة التي تطبع راهن أدبنا العربي إجمالا.

من هنا، وبصراحة لم يحث معي في التعاطي مع منجز الشاعر المصري الواعد أحمد مصطفى، أن طالعت بذات الحرارة نصّا، من ذي قبل، كالذي بين يدي الآن، بعد أن اقترحه عليّ صاحبه، ولم يخف عليّ قراءة الحماسة في عينيه، وهي حماسة لا تقلّ عمّا ضخّت به الذات الإبداعية فصول قصيدة أحسبها من أبرز وأهمّ ما قيل حتّى الآن، ردا عن الغطرسة الأمريكوصهيونية، وهذا التمادي في إذلال العرب عبر ضرب هويتهم ومقدساتهم وثوابتهم التي لا يغسل عارها سوى الولادات الثانية بعد أشواط من تراخي الهمم وموت الضمائر والجنوح إلى مستنقع الخنوع والخور والاستسلام.

قصيدة شكرا ترامب، ليست مجرد كلام عابر، أو صرخة عروبية ارتفعت مع ضباب أحقاد المتكالبين على مصالح الأمّة العربية، ثمّ ذابت قبله، لا ... هي أقدس وأجلّ من ذلك، فلوه وكبد رطبة، استنبتت بماء ذاكرة الأمجاد والبطولات التي رسمها جند أرض الكنانة، مصر، على مرّ التاريخ، بحيث لا توزّع حلوى انتصار على سلالة كهؤلاء أعادي، وينتشى بثمالتها، قبل أن يقال:

"mod in egypt"

وعذرا على العبارة، لكنّه التاريخ يحكي لنا وعلى امتداد تعاقب صفحاته بشتّى ألوانها، كيف أنّ النسل العربي عزيز بربّه وأرض كنانته، مثلما وقع مع المغول وغيرهم من شياطين ومردة الإنس.

النّص:

[ 1.

هيَ كلمةٌ واحدةٌ

أسقطتْ ورقَ توتِ

العربِ

ولا مكانَ للهرب

فالعالمُ يشاهدُ بعمقِ استرخاء

ونداؤنا أعرج

نندد .. نشجبُ

والحياء انفلق

.2.     

شكرًا ترامب

أيقنّا جميعًا

أن عروبتنا كلامٌ

وساعة الجدّ

أمةٌ منْ ورق

3.

شكرًا ترامب

أيقنَّا

أنَّ الوقارَ اختصرناه

في زبيبةِ الصلاةِ

إذا كنا على الملأ

وسرًّا

نبتهل في الفرج

ونتبارك بالنهد وزبيبة

السرة مبتدأ السعي

تقينا شر السهو

والخطأ

المسبحة جهرًا لا تفارق يمنانا

والحبة الزرقاء في مخبإ محافظنا

والواقي

نخشى الفضيحة

والعينَ الحاقدة

ألمْ تلحظْ

لا جيبَ في شمال جلبابنا

واختصرنا قرآننا

في "قل أعوذ برب الفلق"

4.

شكراً ترامب

علمتَنا كظم الغيظ

فمن يجرؤ

إذا انسل فيه خازوق

أن يتأفف

وإن أمطرت عيناه خنوعًا

وأبرقتْ

نحن من وهبناك مؤخراتِ الوطنِ

على طبق

5.

شكرًا ترامب

أجيالُنا القادمةُ

بفضلكَ ستيعشُ أسوياء

فالحلمُ القدسُ عربية

انقضى ولا قضية

فكيف سيصابونَ

بانفصامِ الشخصية

6.

شكرًا ترامب

سنصطبر على الأحزانِ

وغيظًا فيكَ

عندنا صلاح جديد*1

وخمسُ دولٍ هولامية

في بلادِ الدببة روسيا

سينسوننا الغصة

ما إن تنقل الكاميرا

أعلامًا ترفرفُ

استحياءً

وعلى الوجنات

العدنانية

7.

شكرًا ترامب

وكلّ ترامب يأتي بعدك طمئنه

نحنُ لا نزيدُ على فقاعاتٍ

انفرطَ عقدُ العرب

والأقصى يتسولُ الكرامةَ

في البلادِ النفطيةِ

الفراتيةِ

البابليةِ

الآشوريةِ

8.

شكرًا ترامب

أبلغْ لينكون

لوثر

وتمثالَ الحرية

لا غبارَ عليكم

وضعنا بأيدينا

شارةَ الحدادِ

على الخريطةِ

العربية

مذْ ماتتْ في عروقنا

وحناجرنا

وقرانا

الحرية ].

فتلكم القصدية في ترك عنونة مهذبة بهذا الشكل في مقاربة أستشكال هوياتي من الحساسية والخطورة بمكان، تركها خارج مزدوجتين تقرّان بازدراء صانع الأزمة الأول، ترامب، وتتّهمانه، تنمّ عن حنكة شاعرنا، وتحيل على تأويل متطاوس يكمن في كون تيمة الشكر هاهنا بوصفها لازمة ساهرة على تعدد المعنى الساخر و اللاذع، راعية لحقول تناسلاته عبر جسد القصيدة الشيقة هته ككلّ، كما سوف نتبيّن ذلك لاحقا، ولّدت بغرض الذّم لا أكثر.

وما المراوحة مابين خطابين، كوميدي وتراجيدي بفعل التناوب، إلاّ سلطة بوح متفجّر من الصميم الإنساني المعاند، والرافض للخمول والجمود السياسي على نحو أخص، باعتباره الهوة المفضية مباشرة إلى الأخطاء القاتلة الناجم عنها كلّ هذا التفريط والتقصير والتقاعس والعزف على الأوتار المترهّلة فيما يرتبط بأحلام أمة واهية تتمنّى وتقول ما لاتفعل، فهيهات هيهات، البون شاسع، وما تصبو إليه من قبيل استرداد الكرامة والشرف والمقدس يكاد يكون أنأى من أنجم سماء باتت لا تتسع لنظير هذه الأحلام.

هكذا، فشكر ترامب على فعلته، هو شكر مقولب ومفخخ وعلى مقاس ما تحتفظ به الشعوب العربية من أمل في هبوب المقبل لصالح بعض ما تشتهيه الأمة، بعد هجعة الطوفان، وانطفاء وهج الصفعة التي وجهها ترامب لجيل بأكمله.

بقدر ما تلهمنا الصفعة من حماسة وبسالة وثأر للمروءة العربية المعطّلة.

أما آل الزعامة، فصورتهم لن تزيد أو تنقص، حسب القصيدة، عن أسلوبية تعشيشها في الذاكرة والوعي العربي، إغراقا في امتهان ثقافة البلاط، وانغماس سدنته في عسل التخنّت و غيبوبة اللذتين.

هي قصيدة واعية لم تنرسم فصولها انطلاقا من خلفية انطباعية، من ردّ فعل متهور ومتسرّع، بقدر ما سجّلت نزيفا للذات المبدعة المولعة بهوية المكان والمقدس ضمن أفق إنساني شامل.

عبّرت صوتا وصورة وإيقاعا على رزء عروبي مفت بتعاليم حراك حقيقي ململم للشرخ وممكّن لصولة الجنس المقدس وباعثا لحضارة.

 

احمد الشيخاوي / شاعر وناقد من المغرب

 

adnanhusan ahmadأثارت رواية "ساعة بغداد" لشهد الراوي ضجة إعلامية لم يألفها الوسط الثقافي العراقي من قبل، فقد صدرت طبعتها الثالثة من دار الحكمة بلندن، وبيع منها أكثر من 25 ألف نسخة، كما تُرجمت إلى الإنكَليزية، ووصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البُوكر العربية لهذا العام، ولمّا يزل القرّاء منقسمين بين مُحبّين للرواية، ومُعجبين بها، وبين كارهين لها، وناقمين عليها شكلاً ومضمونًا. ولكي نصل إلى حُكمٍ نقدي مُحايد لابدّ من قراءة الرواية قراءة موضوعية تغطّي اللغة، والأسلوب، والبنية المعمارية، والنسق السردي، وتعدد الرُواة الذين يسردون الأحداث بطرق مغايرة تخالف توقعات القرّاء، فلاغرابة أن ينفروا من هذه الأنساق السردية الجديدة أو يناصبوها العداء.

تكتب شهد الرواي بلغة عفوية، منسابة هي أقرب إلى "السهل الممتنع" الذي يمكنكَ أن تُجاريه لكنك لا تستطيع أن تأتي بمثله. وربّ قائل يقول إن هذه الرواية فيها الكثير من الأخطاء اللغوية، والصياغات الشاذّة، والجموع التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا تشخيص دقيق لا غُبار عليه. ويبدو أنّ الكاتبة قد اعتمدت في اجتراح أسلوبها المتدفق الذي لم يصل بعد إلى حد البصمة الخاصة على قراءات عربية وأجنبية فهي معجبة بأسلوب الكاتب العراقي الساخر نوري ثابت الذي كان ينزل إلى مستوى القارئ العادي ولا يجد حرجًا في استعمال الكثير من المفردات العامية في عموده الصحفي. وقد أشارت غير مرة إلى أنها متأثرة بالموجة الأولى من روائيات عصر "السوشيال ميديا" من أمثال  الأميركية إيما كلاين، والبريطانية جوجو مويس التي بيعت من روايتها "أنا قَبلك" ستة ملايين نسخة، وسواهنّ من الكاتبات اللواتي ينتمين إلى تيار الرواية ما بعد الحداثية التي تقوم على تحطيم بنية السرد التقليدي التي عرفناها سابقًا في تيار الرواية الجديدة الذي مثّله ألن روب-غرييه، وكلود سيمون، وميشيل بوتور، وغيرهم من الروائيين الفرنسيين الذين رفضوا نموذج البطل التقليدي، وانتهكوا محدودية الزمان والمكان.

لم تعترف شهد الراوي بالبطولة الفردية لذلك وزّعتها على العديد من شخصيات النص الروائي مثل الراوية التي تحمل بعضًا من مواصفات المؤلفة، ونادية، وبيداء، وباجي نادرة، والمشعوِّذ، و "المستقبَل" وسواهم من الشخصيات التي هشّمت آلية السرد المُتعارَف عليها سلفًا، بل أنّ صوت الراوية نفسها قد تدرّج من الطفولة إلى المراهقة حتى وصل إلى سنّ النضج ولهذا فإنّ من يشْرع بقراءة الرواية يعتقد أنها مخصصة للأطفال أو الفتيان في أفضل الأحوال. وقد ساهمَ هذا التدرّج التصاعدي في تخليص الرواية من رتابة النسق السردي ذي الإيقاع الواحد. ومثلما تحررت شهد الراوي من البطل التقليدي الواحد الذي يهيمن على سياق الرواية فإنها تحررت من الثيمة الرئيسة الواحدة واعتمدت على ثيمات متساوية من حيث العمق، والشمولية، وأهمية الأفكار التي تنطوي عليها كل ثيمة على انفراد كالحُب، والحرب، والهجرة، والإرهاب، والانتحار، والشعوذة، والنبوءة وكأنها تريد أن توحي للمتلقين بأنها تكتب عن ثيماتٍ يعرفها العراقيون جميعًا.

لابد من قراءة هذه الرواية قراءة مجازية، فالمحلّة التي ترسو مثل سفينة عملاقة على شاطئ المحيط هي العراق، وأنّ سكّان هذه المحلّة هم الشعب العراقي بمختلف قومياته وأديانه وطوائفه، والقبطان هو الرئيس، وأن الطبقة المتوسطة هم أبناء الدولة، والفقراء هم أبناء الوطن، وباجي نادرة هي كردستان التي تقوقعت على نفسها عام 1991، ومزّقت العقد الدستوري بينها وبين بغداد، غير أن العم شوكت يجزم بأن هذا الانفصال مؤقت، وسوف تعود كردستان إلى حضن الوطن إن عاجلاً أم آجلا.

تقع أغلبية المراهقات في الحُب، فنادية تحب أحمد، والراوية تعشق فاروق، ومروة تنجذب إلى أحمد أيضًا ولكن من طرف واحد، وميّادة تهيم بالدكتور توفيق. وعلى الرغم من أجواء الحرب الكئيبة، والحصار الظالم المفروض على الشعب العراقي إلاّ أن شعلة الحُب ظلّت متقدة في قلوب العراقيين ولعل أجمل ما في الرواية هي القصص الرومانسية المُعبِّرة التي اجترحتها مخيلة باجي نادرة مثل قصة جوانا التي أحبّت ماندو، الفتى الوسيم الذي تراه في أحلامها فقط. وبما أنها لا تراه في الواقع فقد صنعت له تمثالاً من الثلج، وحينما وضعت اللمسات الأخيرة عليه قال لها: أحبكِ! ذهبت إلى البيت كي تجلب له الطعام وحينما عادت اكتشفت أن أشعة الشمس قد أذابت تمثاله الثلجي فسألت الشمس التي اقتربت من حافة الجبل: لماذا أخذت ماندو؟ فردّت عليها:"أنا لم آخذ ماندو، لكنه كان يُحبكِ كثيرًا حتى ذاب من الحُب وصار جدولاً"(ص40).

تستعير شهد الراوي بنيتها التدوينية من رواية "مئة عام من العزلة" لماركيز فتفتح الراوية بمساعدة صديقتها الحميمة نادية سجلاً أزرق أسمتاه "ساعة بغداد- تاريخ المحلّة" ودوّنتا فيه عشرين صفحة عن كل عائلة من عائلات المحلّة كي تحفظ الذكريات من النسيان، وحينما باتت معهما بيداء دوّنت كل ما تعرفه عن أهالي المحلّة وربما تكون خيانة هيفاء لزوجها أسامة مع شابٍ جميل هي بمثابة تدوين للمسكوت عنه، وتعرية للقضايا المحجوبة، وبما أن بيداء لا تكذب أبدًا فقد قررتا الاحتفاظ بالقصة في السجل التوثيقي لأن الجميع ليسوا ملائكة.

لا تنهتي قصص الحُب بالزواج، بل تخالف توقعات القرّاء تمامًا، فلا تتزوج نادية من أحمد، ولا الراوية من فاروق، بينما تُقتل ميادة على يد شقيقها حسام الذي ينقلب رأسًا على عقب حيث يُصبح معارضًا للنظام الدكتاتوري وحينما يعود مع المعارضة يتحول إلى رجل دين بلحية كثة ويصادر بيوت المسيحيين ويبيعها واحدًا تلو الآخر من دون خوف أو خجل. وعلى الرغم من تشتت المراهقات اللواتي نضجنَ الآن لابد من إحاطة القارئ علمًا بأن نادية قد تزوجت من مهندس وسيم يعمل في شركة معروفة في دبي، وبعد أقل من عام سوف تتزوج الراوية من شاب في غاية اللطف تخرّج في جامعة عالمية ولعله قال لها نفس جملة فاروق: "أنا معجب بك" وحينما تتلعثم سيقول لها: "أنا أحبكِ" ثم ينتهي بها الأمر في دبي أيضًا، وحينها تُدرك بأنها سوف تعيد صداقتها بنادية، وتجتمع معها من جديد، فما يشتتهُ التاريخ، تجمعهُ الجغرافية.

تحتاج الشخصيات الأخرى إلى قراءة نقدية واسعة مثل القبطان، والمشعوِذ، والعم شوكت الذي يمثل الطبقة المتوسطة التي اعتبرتها المؤلفة "الأرض الحرام لكل حرب"(ص107)، والكلب برياد الذي يودع كل أبناء المحلة إلى منافيهم البعيدة ثم يتعرّض للذل والركل والإهانة على أيدي القادمين الجدد فيندفع تحت إطارات شاحنة كبيرة ليواجه مصيره المحتوم.

ربما كان النسق السردي تصاعديًا فيما يخص فتيات المحلة اللواتي التقينَ في ملجأ محصّن ضد صواريخ التحالف الأنكَلو- أميركي لكن ذلك لم يمنع الروائية من العودة العكسية إلى الماضي والصعود إلى الجنة للقاء جدها الذي كانت تراه في الصورة المثبّتة على الجدار، أو مقابلة والد أحمد الذي استشهد في الحرب العراقية- الإيرانية.

لا أحد يشكّ في أن "ساعة بغداد" هي رواية حداثية معنىً ومبنىً، وأن شخصياتها مدروسة وهي تتحرك ضمن سلسلة الأحداث المفجعة في غالبيتها لكن بصيص الأمل كان موجودًا بين طيّات النص السردي الذي أنقذ الذاكرة الجمعية من الغرق والنسيان بالكتابة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

goma abdulahيعتبر الروائي المبدع (برهان الخطيب) من جيل الستينات في القرن الماضي. وقد برز في الابداع الروائي، بأنه متقن حرفة الفن الروائي في ابداع واضح وقدير، في امكاناته الفنية والتعبيرية في الحبكة الفنية الراقية، بأن يستلهم براعة التوغل الداخلي في اعماق تفاصيل الواقع وافرازاته الداخلية والخارجية . وبرازها بشكل موضوعي على السطح الواقع وعلى المكشوف دون مداهنة ومحاباة، وانما بموضوعية الواقع وتحركاته وافعاله الدرامية، في براعة في استنطاق مسار احداثيات النص الروائي بجوانب متعددة ومتنوعة، ويتجنب التقريرية الاخبارية، او تحويل العمل الروائي الى منشور سياسي مليء بالشعارات المهلهلة، بل يتوسم الموضوعية التعامل، في التحري لاقتناص دقائق تفاصيل الواقع المتحركة والفاعلة، ومسك الخيوط وطرحها في عملية متناسقة ومرتبة في المتن الروائي، بطريقة اسلوب روائي مبدع، متمكن من تقنياتها وتكتيكاته، في تحريك الشخوص المحورية بالنص الروائي، بافراز مكنوناتها الذاتية والعامة . وطريقة فهمها وادراكها واستنباطها، وطريقة تعاملها وفق رؤيتها السياسية والا جتماعية، في ضمير تفكيرها وتصرف سلوكها الفعلي . وهذه الرواية (ليلة بغدادية) ظلت تختمر في فكرتها الروائية عند الروائي، ثلاثة عقود كاملة . من عام 1963 الى عام عام 1993، لم يجازف في كتابتها وبطرحها في حينها، لان الروائي، كان يخشى الفشل والاحباط في عمله الروائي، وانها ليس رواية عادية، وانما تتناول احرج فترة عصيبة من تاريخ العراق السياسي المضطرب . وهي بالضبط فترة سقوط جمهورية قاسم (عبدالكريم قاسم) وقيام جمهورية الخوف والرعب في الجمهورية الثانية (عبدالسلام عارف) . لذا فقد اختمرت خميرة فكرته بنضوج مبدع طيلة هذه الفترة وكتبها واعاد استنساخها اكثر من مرة . حتى ولدت سالمة في ابداعها السردي، المتمكن من تقنياته الفنية الحديثة، ومتمكن في ادوات التشريح والتحليل النص وا حداث الدراماتيكية، لهذه الحقبة الحرجة والمضطربة بكل جوانبها، اي ان ولادتها تكاملت بالفن الروائي المبدع، المتمكن من حرفته الابداعية، في كشف مضامينها بطريقة احترافية قديرة في المتن الروائي، وبراعة لغة السرد، لكي تلاحق الاحداث الدراماتيكية متسارعة في حركة افعالها المتلاحقة . وهي تبرز ظاهرة العنف والارهاب والبطش في الخصم السياسي . ان اطلاق الحرية المطلقة لزعران فرق التفتيش (الحرس القومي) بأن يكونوا قوة باطشة بقوة السلاح في الشوارع العامة وتقاطع الطرق في نقاط التفتيش المرعبة، حتى يحمون سلطتهم الارهابية . لذا فان الارهاب الوحشي، وهو المتحكم بعصب الحياة العامة، في التنكيل البشع والهمجي . لذلك نجد ان شخوص رواية (ليلة بعدادية) تعاني الاحباط والانكسار والانهزام، تعاني الخناق والحصار والحرمان، لان لعبة الموت اصبحت سهلة التناول والتداول، واصبحت من الظواهر العامة، ضمن دائرة الحصار والخناق، لان الحكمة التي طفحت على السطح تؤمن بالقوة والبطش بلا هوادة، من فرق مفارز التفتيش (الحرس القومي)، في سلوكية همجية في مداهمة البيوت،او حملات التفتيش في الطرق والشوارع، اي انها عبارة عن فرق الموت ليس إلا (حكمة . يكتبها اصحاب السلاح، وليس اصحاب قلم كما ادعى جبناء) ص274 . فكان الصراع مستعر في نيرانه المشتعلة، في اجهاض وابادة التيار اليساري برمته، الذي خسر الرهان لصالح التيار القومي / البعثي، وهذا لا يعرف سوى لغة الدم والموت، لغة السلاح هي الناطقة والفاعلة . مما جعلوا الواقع على راحة عفريت، بالتصرف الوحشي واطلاق العنان لزعران (الحرس القومي) انهم كسبوا السلطة بتحالف الغرب الاستعماري والطبقة البرجوازية والاقطاعية والرجعية، التي ساندت التيار القومي / البعثي الى السلطة، وقمع وبطش اليسار عموماً، وجعلوا الناس تأكل بعضها البعض، من اجل الاستحواذ على النفط (اما البرجوازية والحنقبازية الرجعية والاقطاع، وما تفضلت به، فانهم عكس ما تقول . انهم حلفاءونا في صراعنا ضد اعداءنا . وكلما عجلنا بأنهاء هذا الصراع لصالحنا ضد اعداءنا، كان ذلك افضل لنا) ص 132 . لذلك ازاحوا اليسار بالدم والقتل والتصفيات العشوائية ... هذه مسارات المتن الروائي، في ابراز شرور الصراع السياسي العنيف، وانهزام اليسار، الذي اصبح ضحية البطش والتنكيل، ولكن في الطرف الاخر الذي بيده السلطة والنفوذ، فأن جهاته السياسية متنازعة بين طرفين، طرف يدعو الى تخفيف من حدة العنف والاضطهاد السياسي، وطرف اخر يدعو الى تشديد البطش والعنف مهما كانت وحشيته، فهو السبيل الوحيد لاستمرار السلطة بيدهم، في زرع الخوف والرعب في صفوف المواطنين، حتى يشعروا بالرهبة والخضوع والنكوص، بينما الطرف الاخر يعتقد في ممارسة المتشددة في العنف الدموي بانه انتحار وكارثة لا محالة، . والفكرة الرئيسية في رواية (ليلة بغدادية) تختصر على ليلة واحدة دراماتيكية في احداثها المشؤومة، لذلك بدأت اطول ليلة مظلمة وعاصفة في تقلبات حداثها، في سبيل القبض على الشخصية اليسارية (صلاح) بعدما عرفوا عنوان التخفي، وهذا الصراع يشمل ايضاً، ثارات واحقاد عدوانية وانتقامية،سياسية / اجتماعية / عشائرية، وجدت الفرصة الملائمة لتحقيق غايتها بقيادة (عدنان) العدو اللدود الى (صلاح) لتصفية حسابات قديمة جاء وقت حصادها . في هذه الليلة البغدادية المشؤومة

شخوص الرواية المحورية:

-  خالد: شاب طالب في كلية الهندسة، متقلب الاهواء، ليس له رؤية حياتية محددة، مولع في قراءة الكتب المتنوعة الاتجاهات والمدارس، وهو مضطرب في نزواته وغرائزه العاطفية، وتتغلب عليه نوازع الانانية، يستغل غياب زوج (اميرة) في البيت، لكي يتسلل اليها في بيتها، بغرائزه الجنسية، ويتعلق عاطفياً في (اميرة)، ولكن اضواء هالة الانجذاب اليه، تتضاءل يينما تدرك عشقيته، بانه غير متزن في سلوكه وتصرفاته وغير آهل للمعاشرة معه، وهو يملك الانانية الزائدة وقلة تجاربه العاطفية . فيجد نفسه محشور في الشحن السياسي العنيف، دون ارادة منه، وفي تلك الللة المشؤومة، كان كل همه انقاذ عمه (صلاح) من الوقوع في قبضة مفرزة الحرس القومي، بعد تشديد الحصار عليه، بعد معرفتهم في مكان اختفاءه في بيت اخيه (سالم) ومجيء مفرزة الحرس القومي لقبض عليه، لذلك خرج ليبلغ عمه صلاح بمجيء المفرزة الى بيتهم، ويتفق مع (اميرة) ان يختفي في هذه الليلة طالما زوجها غائب في البيت . لكنه لم يفهم التبدل السياسي الغريب في غرائبته من اليسار الى اليمين باحداث مفاجأة، بأن كان المد الاحمر يملك الشارع وعصب سياسة الواقع، تنقلب علية مجموعات صغيرة متناثرة هنا وهناك، ولا يستطيع الدفاع عن نفسه وحماية الثورة من السقوط في يد اعداءها، فكان يقول لعمه اليساري البارز (صلاح)، بقوله (كان لجماعتك من المؤيدين، اضعاف ما لخصومهم مئات المرات، فمن يتحمل مسؤولية هزيمة جمهوريتناالاولى؟ قاسم؟) ص180 .

 -  اميرة: البنت المدللة بعمر 16 عاماً زوجوها اهلها الى رجل ثري، جاء من الخارج يحمل شهادة طبية، وبعمر ابيها . لم تسمع من اهلها عن مراسيم الزواج، سوى عبارة (امورة جاءوا يطلبونك لزواج، فما تقولين؟) لكن انقلب هذا الزواج الى تعاسة وحرمان، وجفاء وبرود في الدفئ والحنان، فلم تكون غاضبة على زوجها، بل ساخطة عليه، في زوج عاجز وبارد جنسيا ً ولاينجب اطفال، انه الحظ العاثر دفعها الى هذا الزواج التعيس، وهي تحلم بزوج يملئ عينيها بالدفئ والحنان في عواطفه (أتظل هي تحلم دائماً برجل اخر غيرالذي جوارها؟ فمتى يستقر لها حال؟ عند قرار الاحوال أم عند استقرارها ! وهي مذنبة لو شعرت في نفسها رغبة في الاندماج بآخر غير ذلك الغائب عنها، وتحرقت للمسة حنان)ص320 . فهي تشعر بالحرمان في حياتها الزوجية، في زوج بارد من الحنان ولا ينجب اطفال، فهي تبدي الاستعداد أمام (خالد) في ايواء عمه (صلاح) حتى يتجنب الاعتقال في هذه الليلة المشؤومة، ويفهمها (خالد) خطورة فعلها والعواقب الوخيمة المرتبة عليها في خطورتها، في ايواء مطلوب خطير الى السلطة، ولكنها تصر على موقفها المساند في تجنيب اعتقال عمه (صلاح) بقولها (- ضع في علمك، حتى لو عاد الزوج مرة خرى باعجوبة ووجده عندي، صارحته وابقيت هنا صلاح، كافراً كان أم مؤمنا، حتى يأمن دربه، نحن بشر وعلينا ان نثبت هذا لأنفسنا يوما ما) ص260 . وتحملت مسؤولية اخفاءه في بيتها، فكادت في تلك لليلة المشؤومة . ان تدمرها في الاغتصاب وتهديد حياتها بالموت، بعدما عرفت مفرزة الحرس القومي، بانه موجود في بيتها ساعة الدهم .

 -  صلاح: وهو عم (خالد) الشخصية اليسارية البارزة، المعروفة في الاوساط الشعبية والسياسية، يصبح طريداً مطلوب رأسه، ويذاع اسمه من جملة قائمة المطلوبين يومياً، في الاخبار عنه والقاء القبض عليه، بأعتباره عدو لدود الى سلطة القومية / البعثية، وهو يؤمن في نهجه السياسي ولا يمكن التخلي عنه، لذلك يملك رؤية واتقان واضح في تحركاته، في تجنب الاعتقال، وهو يشعر بالحصار والمطاردة يومياً، ويسمع حملات الاعدامات الجماعية من المذياع، اضافة الى السقوط والاعترافات التنظيمية، لذلك كان يختفي في دار اخيه (سالم) بعدما غير ملامح هيئته ولبس الزي الشعبي، ويتجول في هوية مزورة . يخبره ابن اخيه (خالد) بأن مفرزة الاعتقال قادمة الى البيت، وعليه الاختفاء في بيت (اميرة) بعد التفاهم معها، واستعدادها في ايواءه مهما كانت العواقب، في ظل غياب زوجها . ولكن (خالد) يبلغ عمه بأن كل الابواب موصودة، تؤدي الى الاعتتقال، ولن ينجو منها إلا اذا سلم نفسه طواعية والاعتراف على تنظيمه، حتى ينجو من الموت المحتم، فيقول له (- السفينة تحطمت ياعمي فلم لا تتشبث بخشبة؟ أعترف كالاخرين وكفى الله المؤمنين شر القتال ....

- كفاك انت! انت لا ترضى أن يعتدي أحد على شرفك؟

 - لا بالطبع !

- ما قلته اذن أسوأ ...

- الكل مستعد هذه الايام للقتل والموت، فما جدوى هذا؟

- لا جدوى، لكنه حكم قدرنا الذي صنعناه بيدنا) ص290 . وفي ساعة اختفاءه في بيت (اميرة) هجموا على بيتها مفرزة الحرس القومي، لكنه افلت من ايدهم في اللحظة الاخيرة .

- عدنان: الشاب المتهور العنيف الشرس، الذي لا يعير اهمية للقيم والاخلاق، تطوع الى الجناح القومي / البعثي، وهو داخل السجن بعد قتل شقيقته (شمسه) التي هربت من اهلها وتزوجت من (مزعل) ولكن هذا سجن لاسباب سياسية، فتزوجها (صلاح)، وبعدها قتلها شقيقها (عدنان) غسلاً للعار ومحافظة على شرف العائلة والعشيرة، وهو يؤمن بالبطش والقتل، سبيل لاستمرارية الحياة، لذلك برع في الحرس القومي، في البطش والتنكيل بهمجية وحشية، ويعتبر استخدام وسيلة العنف الدموي لمحافظة على استمرارية سلطتهم في الحكم، لان الارهاب الدموي صمام الامان لبقاءهم في الحكم، وخلق هالة لرعب والخوف عند المواطنين، حتى يشعر الناس بالخوف، فيركعون لهم بالخنوع والخوف، ولم يتواني في استخدام الوحشية الدموية ضد انصا اليسار او الحمر، بهذا الشكل يبعد تقويض سلطتهم . واي تخاذل في البطش والتنكيل يعتبر خيانة لثورتهم، رغم ان الاخرين من جناحه الحرس القومي، يحذرونه من مغبة استخدام الوحشية المفرطة، بأنها انتحار سياسي لهم ستجلب عليهم الكارثة والسقوط لا محالة، لذلك وجد الفرصة الثمينة، للانتقام من عدوه اللدود (صلاح) ليأخذ بثار العائلة، بثأر شقيقته (شمسه) التي ذبحها بيديه، ان الانتقام من (صلاح) وقتله، هو رد الاعتبار لشرف عائلته كما يعتقد، لانه يعتقد انه المجرم الاول في هروب بشقيقته (شمسه) وجاء وقت تصفية الحساب بالانتقام الدموي، لذلك اخذ مفرزة بقيادته من الحلة وتوجه الى بغداد، بعدما عرف، مكان اختفى (صلاح) في بيت اخيه (سالم) في بغداد . ولكن الاحداث الدراماتيكية والعربدة والطيش المجنون، التي التهبت في نوازع وغرائز (عدنان)، فشل في القاء القبض على (صلاح) وانفلت من ايديهم في اللحظة الاخيرة . مما جعل هوس الجنون يتقمص (عدنان)، ما اقدم على قتل رفيقه في المفرزة (مزعل) بذريعة التقاعس والخيانة

 

-  رواية (ليلة بغدادية) الروائي برهان الخطيب

-  صفحة 375

 

جمعة عبدالله

 

 

salam khadomfarajوأنا اتصفح مجموعة الشاعرة رسمية (شغب انثوي..) باغتتني صورة شعرية غريبة [ومنذ الولادة وأنا أركض في سوح معارك خاسرة / أسير في جنائز لا تنتهي / ...من قصيدة جنوبية صــ (20).]... وبعد الانتهاء من قراءة كل قصائد المجموعة اكتشفت ان تلك الجملة تشكل المعادل الموضوعي لكل قصائد المجموعة وهمزة الوصل بين كل تلك الانثيالات الشعرية.. تقول رسمية في نص عنوانه (وحشة..):

كم تراهن هذه الريح على زعزعة ثقتي بالأغصان..

لكني أهرب قبل ان تتكدس الأوراق الخاسرة..

فقلبي ليس رصيفا..

ان له صفات برية اكثر مما يجب..

الوحشة صديقة خائنة تتغذى عليه سرا..

لكن ليس لها جدار / لأكتب عليه قصائدي..

 المخيلة لدى الشاعرة هنا غريبة ومدهشة ...نحن نرى الريح دائما ونرى الأشجار والاغصان وهي تقاوم عصف الريح كظاهرة عادية من ظواهر الطبيعة لكن الشاعرة هنا تعطينا انطباعا ان الاغصان صديقتها بل ملاذها ومصيرها الشخصي يتوقف عليها وعلى اوراقها.. وترى في الريح خصما يراهن دائما على هزيمتها واندحارها.. ورغم ثقتها بالأغصان لكنها وجدت نفسها تدخل في رهان مصيري مع الريح التي تصر على زعزعة تلك الثقة... وبالرغم من ذلك نراها تهرب خشية ان تتكدس الأوراق الخاسرة المتساقطة بسبب قوة عصف الريح..والسؤال الذي يفرض نفسه هنا.. تهرب الى أين؟؟ وقبل ان تجيبنا تبرر بعض جوانب ذلك الهروب بقولها ان قلبها ليس رصيفا وإن له صفات برية اكثر مما يجب.. هذا الاستخدام المفرط للرموز هو ما يسمية اليوت بالمعادل الموضوعي او الأداة الرمزية المعبرة عن تجريدات معينة كالعاطفة او الموت او الإرادة..واذا كان الشعر وفق اليوت هروب من العاطفة من اجل تحويلها الى فن.. فإن رسمية في مجموع قصائدها وفي هذه القصيدة جسدت تلك المقولة وان اتخذت شكل المواجهة المشاكسة والمشاغبة مع الآخر...لكنها جسدت مقولتي اليوت بجدارة فترميزاتها تتشظى وتتنافر لتلتقي فيما بعد وتتصالح .. من هنا نجدها قد غادرت معركة الريح والاغصان لتحدثنا عن قلبها.. وعن الوحشة التي تتغذى عليه سرا.. لأنها صديقة خائنة... ثم لتخبرنا ان تلك الوحشة أيضا ليس لها جدار يمكن ان تكتب عليه قصائدها.. فكم هي قاسية ومخادعة وفاتكة تلك الوحشة.. تلك الوحشة التي جلبتها انهيارات الأوراق الخاسرة والاغصان التي ربما ستخذل الشاعرة وتوقعها في مهاوي الوحشة. انها ديناميكية الدوران حول قناعين مختلفين.. قناع الرهان مع الريح وإمكانية الفوز فيه.. وقناع الوحشة التي قد تفتك بكل شيء بعد ان تساقطت كل الأوراق وتكسرت كل الاغصان.. وكل تلك الرموز والاقنعة يمكن ان تكون معادلا موضوعيا للواقع الاجتماعي المعاش او السياسي او العاطفي و يكتنز الكثير من التشفيرات والإحالات في السياسة والاجتماع..

في نصها الموسوم بـ(قصيدتي ليست عارية) تناص متقاطع مع عنوان نص قديم لحسين مردان عنوانه (قصائد عارية.). والتناص متقاطع لفظا لكنه يلتقي في الإدانة لزيف واقع معاش يستحق المشاغبة .. وإذا كان حسين مردان متمردا واضحا ومباشرا فإن شاعرتنا تعلن تمردها بشكل مختلف تماما فهي تقول وبحياء طفولي رغم ادعاءها الشغب (حقائبها تتسع لكل الهموم / لها علاقات مشبوهة مع اللصوص / والمحكومين بالسجن المؤبد في زنزانة الحب / لها قلب يتفتت في العاصفة / وروح اكثر شراسة من زهرة / لاقدرة لي على إحصاء أصابعها / التي تجوب في ليل افكاري.. لها رأس لا يأبه بالنهايات / عناوينها اكثر من ان تحصى...) في كل قصائد رسمية في مجموعتها هذه نرى ان القصيدة هي البطلة وهي الموضوع وهي الانثى وهي المراد وهي الصديق وهي الخصم.. وتلك سمة واضحة في قاموسها الشعري.. القصيدة ليست عارية لأنها تتحدث ببساطة عن قصيدة او مشروع قصيدة ..بعكس حسين مردان شيخ المتمردين وشيخ المشاغبين.... الذي لا يأبه بما سيقوله النقد او الناس فهو يتحدث عن امرأة بعينها وعن تجربة خاضها (تكاد ترتجف الجدران صارخة / إذا تعرت أهذا الجسم للدود..).. ان مجرد التناص اللفظي مع قصائد مردان العارية مغامرة انثوية تتجاوز مفردة الشغب..

 في نصها (عسل مخزون) توظف قناع شهريار والأنثى ..في هذا النص ثمة نوعان من المشاغبة الانثوية ونوعان من البطولة.. بطولة إيجابية تتجسد في الشاعرة نفسها حين تقول.. التاء مربوطة بسرير شهريار..والنون متهمة بدم الف نبي. تاء التأنيث ونون النسوة على مذبح الرجل القاسي التي تواجهه الشاعرة بطريقة مختلفة عن مواجهة شهرزاد المسالمة الصبورة.. هنا مواجهة واقتحام وهجاء لكل الأيام القتيلة على مذبح القمع االذكوري.. البطلة الإيجابية (الشاعرة) تستبدل دور البطلة الصابرة المتأنية التي اعتمدت ترويض الملك بحكاياتها..في هذا النص تمثل الشاعرة الجديد مقابل الموغل في القدم.. والمواجه مقابل الخانع.. ومقدار الدهشة في النص انه يتقمص في ذات الوقت قناعين متوازيين ومختلفين في قناع واحد.. فالأنثى المشاغبة المحتجة هي نفسها: التي دماءها تسيل تحت سريره الملطخ بالقبل..وهي التي تنتظر من نافذة الليل حكاية طويلة تؤجل شهوة الملك المتغطرس المفتون برائحة الدم.. وهي نفسها ذات الدمع والعسل المخزون في جرار احلامها.. تداخل الصوت الشعري ثنائي النغمة هو ما عزز ثقتي برسمية كشاعرة متفردة.. فهي الإيجابية والسلبية في ذات الوقت بنغمتين مختلفتين (نغمة متمردة / ونغمة خانعة)..شهرزاد التأريخ.. وشهرزاد اليوم المحتجة رغم بقاء وتشابه الأوضاع.. فالذكورية ما زالت مهيمنة.. لكن إمكانيات الثورة واردة ولو عن طريق الشعر..هنا وجدت رسمية تقع في مشكلة رهيبة وشباك يصعب التخلص منها.. لكنها تخلصت منها بمعجزة الإبداع.. ... كيف؟.. مشكلة الشاعرة في النص تكمن في عدم القدرة على التكيف الاجتماعي مع بيئة ظالمة وهابطة فكريا..وفي الوقت نفسه تشعر بالمسؤولية.. هذا الشعور بالمسؤولية تجاه الانثى والناس والبلاد.. حمل بذور الإيجابية فكانت الضحية وكانت القاضية والمترافعة والمدافعة عن تاء التأنيث .. هي نفسها التي تنام واحلامها قنابل موقوتة.... ببراعة الشعر وضعتنا امام مفترق طرق لنوعين من الانثى..تلك التي تتأثر بالاحداث ولا تؤثر.. وتلك التي تتأثر وتؤثر وتنتج مفهوما جديدا لمعنى الشغب.. اختلافها عن غيرها انها غريبة عن بيئتها لأنها ثائرة.. بعكس الغريبات اللائي لا يشعرن بغربتهن الراضيات بما يقرره شهريار او وزيره.. ان الهروب من العاطفة لإنتاج مثل هذا النوع من الشعر يضعنا في صميم العاطفة.. وقد كانت المجموعة بحق تحمل من الدهاء الشعري والإبهار الكثير..

في معظم نصوص المجموعة المح إشارة لمفردة تتكرر لتكون هي المعادل الموضوعي لأغلب القصائد.. هذه المفردة هي كلمة قصيدة.. هذه الكلمة اجدها هي البطلة وكمثال على ذلك نصها الأخير المعنون (شغب انثوي) تقول: الا تكف هذه الانثى عن ملاحقتي؟؟

تمسك عصا الكتابة / لتوقظ جمر الشهوات / بعطرها الصناعي / وثيابها القصيرة / والكحل الذي يسيل / فيشربه زبانية الليل / مكتوبة بجمر الأحرف / تكمن خلف اصابعي / مصبوغة بفحم الأنوثة / ودمعة العاشق / عاجزة عن انجاب قصيدة واحدة / إلا من سفاح !!!

 مفردة (القصيدة) هنا هي الرمز المفضي لإنجاب قصيدة فتكون هي المعادل الموضوعي للنص.. وليس السفاح كما يبدو..السفاح هنا افتراضي فالشاعرة / وهنا تكمن براعتها / تتقمص السائد تارة.. وتثور عليه تارة أخرى.. وفق نظرة البيئة ان الحب يعادل السفاح .. والشعر لا يأتي بدون حب. وبدون عاطفة... وهنا يبدو السفاح كمصير محتوم لانتاج القصيدة..في حين ان المتلقي عليه ان يعرف انها تعني الحب الإنساني مشوبا بإحتجاج متطامن ومشاغب وانثوي.. وماكر !!!!

واعتذر للشاعرة والقراء فكل نص من نصوص المجموعة والتي تتجاوز الثلاثين قصيدة يحتاج الى دراسة مفصلة.. لكنني اكتفي بما ذكرت كنماذج قيمة ورائعة..

 

 

karem merza2أشهر أخوانيات وطرائف شعراء النجف الأشرف بين 1775 م - 1975م (8)

1 - مقدمة صاعقة: يقول الشيخ محمد علي اليعقوبي (ت 1965م) عن الانتخابات العراقية من قبلُ، وهي هي من بعدُ..!!

للانتخابات قــــــــامت *** معـــــاركٌ ومعامعْ

لكلّ حزبٍ هـتـــــــافٌ ***تستك منه المسامعْ

فللشباب طمــــــــــوحٌ **و(للشيوخ) مطامعْ

سوق الضمـائر فيها*** مابين شارٍ وبائــــعْ

ذرائعُ القــوم شتى ***والمال بعض الذرائـعْ

وليس يــــربح إلا *** من رشّحته المـــراجـعْ

2 - اليعقوبي والانتخابات العراقية:

سأشرع (عكرف لوي) بهذا البحث الممتع الظريف اللطيف مع أخوانيات وطرائف شيخنا الشاعر والمؤرخ والخطيب الجليل الشهير محمد علي اليعقوبي رحمه الله (توفي 1965م)

الانتخابات العراقية من قبلُ ومن بعدُ ...!!

الانتخابات النيابية (البرلمانية) الشغل الشاغل للإنسان وللمجتمع بقياداته الدينية والسياسية والعشائرية، وأنا أتكلم على مستوى العراق وبخصوصه، فحين قامت في عشرينات القرن الماضي لأول مرة، استعد الشعراء لها، ووجدوها الفرصة المناسبة لنقد الأوضاع السائدة، وإبراز الذات الشاعرة، وهل تعتقد ان الشاب المتألق الشيخ محمد علي تفوته هذه اللقطات؟

اذا اجبت بنعم، فاذاً أنت في خطأ مبين!!

ففي بداياتها نظم مقطوعة، تلاقفتها الألسن، ونشرتها صحيفة (الرعد)، فشاعت في البلاد بين أفواه العباد، قدّمناها ونكرر:

للانتخابات قـــــــــامت *** معـــــاركٌ ومعامعْ

لكلّ حزبٍ هـتـــــــافٌ ***تستك منه المسامعْ

فللشباب طمــــــــــوحٌ **و(للشيوخ) مطامعْ

سوق الضمـائر فيها*** مابين شارٍ وبائــــعْ

ذرائعُ القــوم شتى ***والمال بعض الذرائعْ

وليس يــــربح إلا *** من رشّحته المـــراجعْ

(المراجع) - جزماً - لا يقصد بهم (مراجع الدين)، إذ أنّ معظمهم - ولا أقول كلّهم - على امتداد تاريخهم لم يتدخلوا بشكل مباشر أو غير مباشر بتنصيب هذا أو خلع ذاك، لأن هذا يقلل من شأنهم الديني ، وهو الأدرى بخفايا الأمور، وكان الرجل من حاشية بعض المراجع الكبار، فليس من المعقول والمنطق أن يدين نفسه، على أغلب ظني يعني مراجع السياسة والسياسيين، أو في عصر القصيدة لم تكن المرجعية الدينية قد انفردت لأحدهم، والكبار منهم قد هجّروا إلى إيران، وهم الشيخ مهدي الخالصي، وشيخ الشريعة، والسيد أبو الحسن الأصفهاني في بداياته. لم يكتفِ اليعقوبي بهذا...ولكن لا ندري بتورية (الشيوخ)، هل عنى شيوخ الدين أم شيوخ العشائر أم كبار السن ؟! شيخنا اليعقوبي ليس بالرجل البسيط، يعرف كل الشيوخ، ويضرب على أكثر من وتر ...!!

المهم كل مدعبل عند الناخبين جوز! ولو كان من طين جامد، ولسان صامت، فكان يرى الأعضاء تماثيل منحوته، وهياكل ً مصنوعة، لذلك ارتجل حين سئل عنهم ببيتين قائلا:

أرى البرلمان ونـــوابه ***سكوت به ســكتة الأخرسِ ِ

تماثيل ينحتها الإنتداب ** وتعرض في قاعة المجلس

وهل تتصور أنّه سكت عند هذا الحد؟

كلا! ...بل تابع أمر المجلس ، وعقد جلساته، وإكمال نصابه، وأهمية قرارته، لإيقاف الخراب،والمطالبة بالحساب، نظم قصيدة نشرتها الصحف، وتداولها الجمهور استهزاء بالأمور، اقرأ وتذكر:

أرأيت في بــغداد مجلسنا الذي ***أخذت مقاعدها به النــــــوابُ

نصبت على تلك الكراسي التي *** فيها هياكل كلّهــا أنصــــــابُ

نجحوا وأسباب النجــاح كثيرةٌ ** في الانتخاب، وبئست الأسبابُ

رضيت نفوسهم بنيل مرارهـــا **** وجميع أبناء البلاد غضـــابُ

ما ضرّهم،وقصورهم فيما ازْ ** دهت معمورة، إنّ البلاد خـرابُ

سيطول موقفهم إذا ما حوسبوا *** حيث الجرائم ما لهنّ حســـابُ

ومن الأمور المستحيلة أنّــه *** ينجو القطيع، وحارسوه ذئـــابُ

لا درّ درّ مجـــالس ٍ أعضاؤها ** سيّان إن حضروا بها ،أو غابوا (1)

3 - اليعقوبي: نشأته، حياته:

خرّجت مدينة النجف الأشرف العديد من العباقرة والأعلام، ولكن الحكومات العراقية وكعادتها، لم تنصف العراق ورجاله، ولم تعرف قدر عباقرته وأثرهم على مسيرة الحضارة الإسانيه ورقيها.

في الحفل التأبيني الذي أقيم بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاة اليعقوبي، تفضل الدكتور عبد الهادي التازي سفيرالمملكة المغربية في بغداد عام (1965) بكلمة حملت بعض مضامينها: ستحمل شوارعنا بلا ريب اسم الشيخ اليعقوبي كما حملت من قبل أسماء لرجال العراق . ولا نعلم هل تم الوفاء بالعهد الذي قطعه على نفسه أم لا، ومن الجدير ذكره، يضم ديوان اليعقوبي عشر قصائد عن فلسطين وحدها، ومثلها لأقطار المغرب العربي الثلاثة .

4 - من الظلم سعي اثنين في قتل واحـــدِ:

يعجبني من اليعقوبي هذا التضمين الرائع والبليغ لقول (القاضي الجرجاني) ، كما أعجب من قبلي الأستاذ الكبير جعفر الخليلي رحمه الله، وذلك إثر معارك (الريف) في المغرب، وشموخ عبد الكريم الخطابي (الريفي)، إذ تهجم شيخنا اليعقوبي على الفرنسيين والأسبان بسخرية لاذعة:

أتت زمرة الأسبان تترى وخلفها **الفرنسيس في جيش ٍ على الريف حاشدِ

فيا دولتـي بغي حدا الظلم فيـهما **** إلى حرب شـعب ٍ ماله من مسـاعـدِ

حنانا على الريف الضعيف فأنّـــه *** من الظلم سعي اثنين في قتل واحـــدِ

يعتبر اليعقوبي من الطبقه الأولى من بين شعراء عصره، إن أنصف الحكم - إذا أستثنينا الجواهري، فهو حالة متميزة - لسهولة شعره الممتعة، وجزالة لفظه، وعذوبة نغمه، وقوة معانيه المبتكرة، وسرعة بديهته

.

5 - فالشعر ما ترتاح عنـد نشيده كل ّالعواطفْ:

ففي مقطوعة من قصيدة نظمها سنة 1344هج - 1926 م، ونشرها في مجلة (الفضيلة)، قال عن الشعر:

ما الشعر، ما رقم اليراع**** منمقا فيه الصحائــفْ

فالشعر ما ترتاح عنــــ *** ـــــد نشيده كل ّالعواطفْ

تصغي له الأسماع مـــن ***طرب ٍ، وتهتزّ المعاطفْ

الشعر ما تكسوه رقّــّــ *** ـة لفظه أسنى المطارفْ

وحوت معانيه الحقـــــا **ئق والطرائف والظرائفْ

هذا شعره، وهذا منهج مسيرته الأدبية .

6 - ولي مقول ٌ في الشعب ناه ٍ وآمرُ:

أما خطابته، فهو الخطيب المفوّه الذي يسحرك بنبراته الجياشة، وقصصه التاريخية الممتعة لما يريد أن يدلك عليه من تجارب الأولين، وأخبار الماضين بأسلوب جذاب، فتسمع ولاتمل،بل تستزيد، وشواهده الشعرية الممتعه والمكملة للمعنى الذي يريدك أن تذهب إليه فرضاً، وأنت طائع مطيع !، وكانت هذه شغلته ومهنته،وشغله الشاغل، ولم يقبل لها بديلاً، لأن ببساطة على المنبر هو الآمر الناهي، وعلى الكرسي هو المأمور المنهي، وقد صرح بذلك صراحة، عندما أغرته السلطات بمنصب رفيع لاستمالته وإسكاته وسكوته عن النقد الفاضح، والتصريح الجارح قائلاً:

أأرتاح بالكرسي مزدهيا به *** وتهتز ّ من شوق إلي ّ المنابرُ ؟

وأضرع مأمورا لناه ٍ وآمرٍ ***ولي مقول ٌ في الشعب ناه ٍ وآمرُ

رضيت لنفسي في الحياة بمقنعٍ ٍ** من العيش يأباه خطيب ٌ وشاعرُ

ولم أدخر غير القناعة ثروة ً***وتلك التي تبقى وتفنى الذخائرُ

7 - أما بحوثه التاريخية .. فهو باحث قدير، ومحقق ثبت، وعلامة مقتدر، وأديب كبير . وكان الرجل الشيخ حسن المعشر، لطيف الدعابة، خفيف الروح، طيب القلب، بسيطاً مع البسطاء، عظيماً مع العظماء، هكذا عرفته جاراً لنا في محلة البراق، وهكذا عرفته خطيباً في مجالسنا، أو عندما يقضي شطراً من ساعات المساء – أحياناً في (براني بيت جدي)،وهكذا عرفته وأنا في شرخ الشباب عن بعد، وفهمته عند كهولتي بعد مماته عن قرب، إنه رجل عملاق .. وهو الآن أمامي بقامته المربوعة التي تميل إلى القصر، وأكلتها سنوات العمر، ونظاراته بزجاجيتيها الشفافتين أمام عينيه الصغيرتين الثاقبتين، تجلس معه ولا تود أن تفارقه، الزمن الطويل قصير بحضرته، والساعات تنقلب معه دقائقاً، رحم الله شيخنا الجليل , ورحم الله تلك الأيام.

8 - ولادته:

ولد شيخنا اليعقوبي في النجف الأشرف (2) في شهر رمضان المبارك سنة 1313 هـ / 1895 م واسمه محمد علي بن يعقوب بن جعفر بن ابراهيم النجفي 3) , كان والده فاضلاً أديباً شاعراً تخرج على يد السيد أبراهيم الطباطبائي النجفي الشاعر المشهور (4)، حمله والده معه في هجرته إلى الحلة وهو صغير فنشأ فيها محاطاً برعايته، وقرأ القرآن الكريم على يد السيد سليمان وتوت (5)، ثم أخذ يختلف على دار السيد محمد القزويني، فرعاه وأحسن رعايته، وشجعه على حفظ الشعر وفهمه (6)، ولازم الشيخ محمد حسن أبا المحاسن وتخرج عليه (7) وهاجر من الحلة الفيحاء 1333 هـ / 1913 ، فسكن قرية جناجة،ثم هاجر إلى السماوة (8)، وأمتهن الخطابة، وعندما سقطت بغداد 1916 م لجأ إلى النجف (9) وبعدها انتقل إلى الحيرة وكانت الحيرة تشتهر بأنتقائها الخطباء، فمكث بها إلى 1923 م، وانتقل منها إلى النجف .

9 - تأسيس جمعية الرابطة الأدبية:

في سنة 1932 أسست جمعية الرابط الأدبية وكان عميدها السيد عبد الوهاب الصافي ومن أعضائها المترجم له , وبعد فترة عُين الصافي قاضياً ، فانتخب اليعقوبي عميداً لها إلى آخر حياته (10) ، ومما يذكر أن السيد عبد الوهاب الصافي لما كان عميداً للجميعة، وكان يكثر من زيارة الشيخ محمد رضا الشبيبي، إذ كان وزيراً للمعارف ويرهقه بإطراء الرابطة ومشاريعها وأعمالها حتى تضايق الشبيبي، فقال للصافي، أنت مريض بذات الرابطة، فلما انتقل الصافي إلى سلك القضاء، كتب شيخنا اليعقوبي إلى السيد الصافي ممازحاً بعد أن اشتهر الصافي بـ (ذات الرابطة):

ياصاحب الذات التي أعيا الورى ****منها شفاك ولات حيت شفاءِ

عوفيت منهـا وابتليت بغيرهـا **** من ذات رابطة لذات قضاءِ

والشيخ اليعقوبي على مايبدو أيضاً أبتلي هو الآخر بـ (ذات الرابطة)، لأن هذا الواجب الإنساني يحتاج إلى جهد جهيد، فكتب اليعقوبي، مرة ثانية للسيد الصافي قائلاً:

ياصاحب الذات التي***علقت به طول الزمان

أشكر إلاهــك إنّه **عافاك منها وابتلاني(11)

10 - بزوغ نجمه الخطابي: كأنك موسى والعصا عنده العصا!!

بعد أفول نجم السيد صالح الحلي، بدأ نجم اليعقوبي بالصعود وهو يتلألأ، ويشيع أكثر يوماً بعد يوم (12) حتى أصبح سيد المنبر الحسيني، له اليد الطولى في توجيه الناس وإرشادهم (13) واشتهر في المدن العراقية الكبيرة، وصار لمنبره وزن كبير، ولشخصيته مكانة في النفوس، لما إمتاز به من غزارة العلم، وجمال الأدب، ورقة الطبع، ونقاء السريرة (14)،ثم أنّ المرجع السيد أبا الحسن (رحمه الله) بالتزامه للشيخ اليعقوبي، ومساندته له ، وحضور بعض مجالسه، شجع الناس على الإحتفاء به ورفع ذكره. ومما يذكر الأستاذ جعفر الخليلي في (هكذا عرفتهم): وقد رآه مرة السيد أبو الحسن يمشي في معيته وهو في طريقه إلى الحرم الشريف متعثراً فسأله عن عصاه، وكانت لليعقوبي عصا هي دون الصفصاف الرخيصة الثمن، فقال اليعقوبي: لقد كسرت عصاي أمس، فناوله السيد أبو الحسن عصاه، وهي عصا من الأبنوس الثمين، فكان من أكبر رموز التقدير ان يدفع المرجع الروحي الكبير بعصاه التي يستعين بها إلى أحد في وسط ذلك الجمع الغفير، الذي اعتاد أن يحيط السيد أبا الحسن في أثناء سيره،فقبلها اليعقوبي شاكراً، ولم يسر بضع خطوات في الطريق حتى تقرب من السيد أبي الحسن، وأنشده قائلا:

أبا حسنٍ ٍلا غرو أن ألقت العصا ****يدٌ منك أبصرنا مواهبهــا فيـضا

كأنك موسى والعصا عنده العصا ***وإنّ اليد البيضاء منك اليد البيضا (15)

11 - مؤلفاته: ستنفعني في يوم تفنى الذخائرُ.

وخلّف اليعقوبي عدة دواوين ومؤلفات منها (الذخائر)،وتتضمن حوالي خمسين قصيدة في مدح ورثاء أهل البيت طبعت سنة 1949 م، وقدصدرها بالبيتين الآتيين، ولاتفوتك طبعا التورية في شطر البيت الثاني:

سرائر ودٍّ للنبيّ ورهطــــــــــه *** بقلبي، ستبدو يوم تبلى السرائرُ

وعندي ممّا قلت فيهم (ذخائرٌ) *** ستنفعني في يوم تفنى الذخائرُ

والمقصورة العلية قصيدة من (450) بيتاً في سيرة الإمام علي (عليه السلام)، طبعت سنة 1925 م، والرجل - والشيء بالشيء يذكر- بسبب عقيدته وبيئته و التزامه الديني، كثير التعلق بالإمام (ع) وزياراته الدورية لحضرته، وفي إحدى السنين شكا الشيخ ألماً حاداً أصاب عينه، منعه من زيارة 27 رجب المخصوصة لأمير المؤمنين (ليلة المحيا)، والدنيا قامت قيامتها عنده،والسيد جواد شبر الخطيب كان يعوده، فأنشده اليعقوبي متحسراً لعدم قدرته على الزيارة، ومعتذراً لإمامه قائلاً:

أبا حسن ٍ عذراً، إذا كنت لم أطق ****زيارة مثواك الكريم مع النــــــــاس

فلولا أذى عيني ورأسي لساقني ****إليك الولا سعياً على العين والرأس

ومثل هذا الرجل الذي يُعتبرخادما لآل البيت قولاً وفعلاً، عنده الزيارة تعادل الدنيا وما فيها، وقالها بصريح العبارة:

قالوا ترى الأيام قد أدبرت ****عنك، وزادت في تجنيها

فقلت:حبي لبني المصطفى ****خيرٌمن الدنيـــا وما فيها

وللشيخ ديوان شعر يتضمن القصائد الوجدانيه والوطنية والتاريخية طبع سنة 1928 م، و (البابليات) ثلاثة اجزاء طبع سنة 1952 م , وحقق الشيخ اليعقوبي عدة دواوين لشعراء , كاد يطويهم الزمان بعد أن جمع شعرهم ودققه وحققه ,, كالشيخ صالح الكواز، والشيخ عباس الملا علي، ووالده الشيخ يعقوب الحاج جعفر، والشيخ عباس شكر، والشيخ محمد حسن ابي المحاسن (16) .

12 - وفاته:

توفي الشيخ اليعقوبي رحمه الله في النجف الأشرف فجر يوم الأحد 21 / جمادي الثانية سنة 1385 هـ - المصادف 17 / 10/1965 عن سبعين عام .

رحم الله اليعقوبي إنساناً وشاعراً وخطيباً ومؤرخاً ومحققاً .

13 - قالو عنه:

قد وصفه الأستاذ توفيق الفكيكي في جريدة الهاتف مرة قائلاً: الأديب البارع، والشاعر المبدع المخترع، والمؤرخ الضليع المتتبع، والخطيب المصقع الذي يتصرف بالعقول والقلوب من فوق منبره، مملوء الإهاب بالفتوة، ذكي الفؤاد , مرهف الحسّ، قوي الذهن، سريع الخاطر، حاضر البديهية، ذو شاعرية فياضة دفاقة، وما فيه عيب إلاّ انّه حلو المذاق، وريحانة الندماء (17) ،ويقول عنه السيد جواد شبر في (أدب الطف): أديب خطيب وباحث كبير،علم من أعلام الأدب، وسند المنبر الحسيني، له اليد الطولى في توجيه الناس وإرشادهم، ولا زالت مواعظه حديثاً معطراً، لايكاد يملّه جليسه، فمن أشهى الأحاديث حديثه، وما جلس إلا وتجمع الناس حوله من الأدباء وأهل الذوق الأدبي يتوقعون نوادره وملحه، وأحاديثه الشهية (18) ، ويقول الأستاذ جعفر الخليلي: اليعقوبي من أكثر الشعراء المعاصرين الذين يزخر شعرهم بالبديع من الجناس والتورية والأمثال والتضمين الذي يرسله عفو الخاطر دون تكلف ودون تعقيد (19)، ونعته العلامة الشهير والمحقق الكبير (اغا بزرك الطهراني) (20) في كتابه (نقباء البشر): خطيب شهير، وشاعر كبير، وباحث فاضل .. وقد سطع نجمه في مجال الأدب ونوادي الشعر، وذاع اسمه وبرز في الخطابة، واشتهر في المدن العراقية الكبيرة، وصار لمنبره وزن كبير، ولشخصيته مكانة في النفوس لما امتاز به من غزارة الفضل، ورقة الطبع ونقاء السريرة (21)، أما الشيخ علي الخاقاني بالرغم من تحفظه عليه نتيجة حزازات شخصية في قلبه عليه لا يتسع المجال لذكرها، فقد شهد بأنّه خطيب شهير، وأديب معروف، وشاعر رقيق (22) ثم ذكره قائلاً: وهو إنسان مرح الروح، لطيف المعشر،رقيق الحديث مليح النكتة، قصاص بارع،وفكِه متين، متواضع ما وسعه التواضع (23) .

14 - طرائفه ومواقفه الوطنية:

الرجل وطني غيور على مصالح شعبه، وقضايا أمته، وشاعر ثائر، لا يخشى لومة لائم في قول الحق، وإظهار الحقيقة، يتمتع بجرأة أدبية كبيرة ، وقدرة على نظم البيتين والثلاثة حيث تسير مسير الأمثال على ألسِنة العامة والخاصة، مما تسبب إحراجاً كبيراً للسلطات (24)، وكان الأجدر بها أن تتقبل النقد ، وتصلح نفسها، وتتنبه إلى أخطائها، وتقوم المعوج .

15 - قد عزّ يا انكلتـــــرا مـــــا تبغيـــن:

أثناء الحرب العالمية الأولى، عندما كانت ألمانيا تحارب إلى جانب الدولة العثمانية، دول الحلفاء،كان الألمان يركزون قسطاً كبيراً من دعايتهم حول منطاد (زيبلن)،وهو منطاد ضخم جداً يحلق عاليا في السماء وترسله المانيا لقصف لندن وباريس، وتدعي انه يَحدث دماراً كبيراً لعظمته، ومن طريف ما يذكر في هذا الصدد أن الشيخ اليعقوبي نظم قصيدة أثناء حصار الكوت، أشار فيها إلى منطاد زيبلين، ومبلغ التدمير الذي أحدثه في لندن، وهذه بعض أبيات منها:

لله جيش المسلميـــن المنعـــوتَ *** كلّ حجي قد عــــاد منه مبهــوتَ

صال على انكلترا وهي الحوت *** ولم يزل يطردها حتى الكــوتَ

من بعد ما جاست خلال سلمـان

قد عزّ يا انكلتـــــرا مـــــا تبغيـــن *** وراءك اليوم عن المــعصومين

ليس الـعراق مثلـما تظنيـــــن ****فلندن حــــام عليها زبــــــلين

يقذفها قنــــــــابلاً ً ونيـــــــران (25)

16 - الموصل الحدباء رأس بلادكم:

وثار الشيخ اليعقوبي على طلب تركيا بإلحاق الموصل الحدباء إلى أراضيها في مؤتمر لوزان الشهير سنة 1923 م، بأعتبار أن الموصل كانت خارج النفوذ البريطاني عند إعلان الهدنة عام (1917)، واستمرت المشكلة فترة من الزمن واعتبر اليعقوبي، إن الموصل رأس العراق، ولا يمكن أن يعيش بدونه، فقال مخاطباً المجلس التأسيسيي:

ياأيها الـــنواب صونوا شعبكم **** بالاتـــحاد وبالحجى والبـــاسِ ِ

الموصل الحدباء رأس بلادكم **** والجسم يفنى بعد قطع الراسِ (26)

17 - ولندن ليس بها حامية:

وعندما اصطدم العراق بالجيش الإنكليزي عام 1941م إبان الحرب العالمية الثانية، نظم اليعقوبي قصيدته اليائية التي أنشدها في دار الرابطة الأدبية في النجف ومطلعها:

بالشعب قد عاثت يد عادية *** فجددوها نهضة ثانية (27)

ومنها البيت:

جاءت لتحميك على زعمها ***ولندن ليس بها حامية

قد نشرتها أمهات الصحف العربية، وأذيعت من أغلب المحطات العربية حتى لقد كان المستر (بيرون) الذي كان رئيساً للعلاقات البريطانية ، كلما رأى أديباً قائلاً اختصر: (ولندن ليس بها حامية)، ثم يسأل على سبيل المزاح والتهكم كيف صحة اليعقوبي ؟! (28)

18 - يا قوم: ما الأحزاب غير سحابة ٍ *** جوفاء ترعد في السماء وتبرق

وعلى مايبدو أن اليعقوبي (رحمه الله)، قد خاب أمله في أواخر أيامه , واعتصر قلبه الالم لما وصلت اليه الأوضاع السياسية من عدم انسجام وطني يلم شعث الشعب، فسمعت منه قصيدة في إحدى المناسبات أتذكر منها هذا البيت وهو الشاهد:

سل ثورة العشرين أين رجالها *** فجهادها وجهودها ذهبت سدى !!

وعلامات التعجب لكاتب هذه السطور، وله بيتان آخران من ضمن قصيدة ألقاها في جامع الهندي في النجف بمناسبة ذكرى ميلاد الإمام الحسين (ع) سنة 1964 ، قبل وفاته بسنة، وكان العراق حينها يمرّفي ظروف بالغة الخطورة والصعوبة،والصرعات السياسية وصلت إلى درجة لا يمكن السكوت عنها، فقد سخط على الأحزاب السائدة ،وهذا رأيه، وعلى أغلب الظن، كان يمثل وجهة نظر المرجعية , يقول فيهما:

يا قوم: ما الأحزاب غير سحابة ٍ *** جوفاء ترعد في السماء وتبرق

طورا بهم فهدٌ يســـــود وتارةً *** يتزعم القطـــــرين فيهم عفلق

ونقول لو أدرك شيخنا هذا الزمان ما ترى سيقول ؟!

19 - بغداد قد جُبيت للغرب ثروتــها *** والشعب ثروته تَجبى لبغـداد

على كل حال يحفظ الجيل المعاصر للشيخ اليعقوبي كثير من نتفه السياسية ، ونحفظ معه هذه النتف،وأرتأينا أن نذكر ما يسرّ الخاطر:

قد أصبح الوطن المسكين بينهم ****حباله نصبت في كف صيادِ

بغداد قد جُبيت للغرب ثروتــها *** والشعب ثروته تَجبى لبغـداد

20 - خلّص عبادك من طه وياسينِ:

ولمّا تولّى ياسين الهاشمي رئاسة الوزراء، وأخوه طه رئاسة أركان الجيش، ضربهما دفعة واحدة، ولا أعتقد ستفوتك التورية في البيت الثاني عن سورتي (طه) و (ياسين):

قالوا وزارتكــــــــــم ياسين يرأسها *** ويرأس الجيش طه في الميادين ِ

يا ربّ (طه) و(ياسين ٍ) بحقّهما **** خلّص عبادك من طه وياسينِ

21 - أضرّ على البلاد من الجرادِ:

واحفظ له بيتين من بحر الوافر - من بعض ما أحفظ له منذ مطلع الستينات - يعبران أجمل تعبير عن ضرر الفساد الأداري للمجتمع , وكيانه الأقتصادي,وبعده الأخلاقي:

آلا قل للوزارة وهي تبغي*** مكافحة الجراد عن البــــلادِ

فهلا كافحت في الحكم قوماً ***أضرّ على البلاد من الجرادِ

22 - فاستقبـــــــــل الشعب الوزا *** رة بالصلاة على محمدْ

ولما شكّلت وزارة (أرشد العمري)، قد تناولها بداية بالاستهزاء من التقلبات السريعة، ولم يكن يحمل ضغينة على العمري، بل لم يكن يعرفه أصلاً، فالسخرية عامة :

قالو الوزارة شكلــــــــــــت *** بــرئاسة العمري ارشدْ

فاستقبـــــــــل الشعب الوزا *** رة بالصلاة على محمدْ

23 - بيت الله ولينين ...!!

ومن سخرياته اللاذعة، وصوره للمفارقات البارعة ،عندما أدّى الرئيس العراقي عبد السلام عارف العمرة، وعاد إلى العراق، سرعان ما شدّ الرحال ليزور موسكو، ويضع أكليلاً من الزهور على قبر لينين، خاطبه الشاعر قائلاً:

بالأمس كنت ببيت الله مــــعتمرا ً *** ترمي الجمار على مآوى الشياطين ِ

واليوم ترمي أكاليل الزهور على *** **ضريح قبر ٍ بنوه فـــــــــــوق لينين (29) ِ

لا أخالك تختلف معي أن الصورة مضحكة، والمفارقة ملفتة، والشيخ كان يعرف العرف الدبلوماسي، والوضع الرسمي، ولكن التوقيت الغريب، للرئيس العجيب ! جلب هذا الشعر المصيب، لأعين الرقيب !

24 - منازل قد كانت بهنّ العواهرُ:

ليس بعيداً عن السياسيين، فالشيخ يحمّل هؤلاء المسؤولية الكبيرة في تردي الأوضاع الأقتصادية، وتفشي الفساد الأداري بين صفوف المجتمع، هو لايحتمل الضررالواقع على غيره منهم، فكيف الحال إذا مسّه الضرر مباشرة، وبشكل مبين من موظف مستهين، أحكي لك:

تم توزيع قطع أراضي في النجف على علماء الدين إبان حكومة الدكتور فاضل الجمالي، وعند مراجعة شيخنا إحدى دوائر بغداد المختصة لتنفيذ القرار، استغفل الموظف المسؤول الخطيب المشهور، وكان يجهله لجهله بالأمور، فأعطاه رقماً وهمياً لا أساس له ولا راس، وعند ذهابه للنجف لغرض تسجيل القطعة باسمه لدى الدائرة العقارية، أخبره الموظف النجفي لا وجود للرقم المزعوم في سجلات القيد المرسوم، وما هذه إلاّ حيلة، فعاد خائباً إلى بغداد، ولكن توجه إلى مكتب رئيس الوزراء، وكان الرئيس نفسه قد أصدر أمراً - في الفترة نفسها - بغلق دور الدعارة في محلة الصابونجية البغدادية، دخل الشيخ الجليل على الدكتور الجمالي،استقبله الرجل استقبالاً حافلاً ، يليق بمن مثله، وطلب منه الجلوس، رفض الشيخ اليعقوبي هذا العرض،وقال له: أقرأ عليك هذين البيتين:

قالوا ببغداد الجمـــــالي قد محى*** منازل قد كانت بهنّ العواهرُ

فإنْ طهّرت تلك المنازل لم تكن ***لتطهر من أبنائهنّ الدوائـــــُر

وعندك الجواب، ما كان الحساب!

25 - الناس تضربه الذيول ** وأنت تضربك الصدورُ

ومما يثير الإعجاب، تناوله قضية إحالة القاضي الشرعي التمييزي الشيخ محمد بن الشيخ طاهر السماوي (1292-1370 هج\1876-1950م) على التقاعد بأمر صادر من السيد محمد الصدر رئيس محكمة التمييز العليا في حينه - أصبح السيد رئيسا للوزارة ولمجلس الأعيان... مرات - وليس بناء على ذيل قانون انضباط الموظفين.

فصرخ الشيخ السماوي القاضي:

(ما ضربني الذيل، ولكنه الصدر) .

فتلقف الشيخ اليعقوبي صرخته مضمناً مورّياً... قائلا:

قل للسمــــــاويِّ الذي ** فلك القضاء به يـــدورُ

الناس تضربه الذيول ***وأنت تضربك الصدورُ

تورية الذيول والصدور توضحت من مقدمة الحديث، أمّا القضاء فهو تورية عن المنصب الوظيفي العدلي، وليس القضاء والقدر كما يتوهم بعض القراء.

26 - ثارت عليك ضغائن (السوداني)

ومن مواقفه الأدبية الطريفة مع الشيخ كاظم بن الشيخ طاهر السوداني (1303-1379هـ \1885-1959م)، كان الأخير لا يميل إلى المتنبي، ويعتبر شعره مسروقاً، ويثور على كل من يفضله على غيره من الشعراء، حتى أنّه هجا المتنبي بقصيدة، فتناوله الشيخ اليعقوبي مخاطباً المتنبي - وكان اليعقوبي شديد الإعجاب به -:

يا ابن الحسين، وقد جريت لغايةٍ *** قد أجهدت شعراء كلّ زمــــان ِ

لكنّما الســـــــودان حين هجوتهم ** ثارت عليك ضغائن (السوداني)

ولاتخفي الإشارة إلى هجاء المتنبي لكافور الأخشيدي، وخصوصا قوله (لاتشتري العبد إلا والعصا معه...)!!

27 - (واذاأتتك مذمتي من ناقصِ ِ):

ومرة ثانية يخاطب الشيخ السوداني نفسه - كأنما ما كفاه ما قد رماه - بشكل أقسى وأمرّ، اقرأ وركّز على التضمين لشطر بيت المتنبي الشهير:

ياهاجياً ربّ القوافـــــــي أحمداً****بلواذع من نظمه وقوارص ِ

حسبي وحسبك في جوابك قوله **(واذاأتتك مذمتي من ناقصِ ِ) (30)

28 - ودع القوم يهلكون ظمـاءا:

ونختم حديثنا عن الشيخ اليعقوبي، بذكر - متصرفين بصياغتنا، موجزين وفق مرادنا - مانقله الشيخ محمد الخليلي بمقالة كتبها في أواخر أربيعينات القرن الماضي (31)، أقام نادي (المتنبي) في الكوفة حفلة تكريمية لقائم مقام النجف السيد حسن الجواد، ألقى الشاعر المبدع الشيخ علي البازي قصيدة ختام الحفل، قال فيها مخاطباً الجواد:

أفي مثل عصر النور نحيــا بظلمةٍ ***ومثلك فينا يملك النهي والأمرا

على النهر من شاطي الفرات بيوتنا **وأكبادنا ممــــــــــــا تكابده حرّى

وما ان انتهى البازي من شعره حتى انبرى اليعقوبي مرتجلاً ومداعباً ومخاطباً الجواد نفسه:

لا تعر أهل كوفة الجند سمعــاً ***ودع القوم يهلكون ظمـاءا

كيف تسقي يا ابن الجواد أناسا ً **منعوا جدّك الحسين الماءا

كانت مداعبة الشيخ اليعقوبي مفارقة لطيفة، ومبادرة غريبة، طلب الحضور تشطيرهما من السيد محمود الحبوبي، فشطرهما في الحال ضاماً صوته لصوت صديقه الحميم اليعقوبي، وأيده الشيخ عبد الغني الخضري، ولكن الشيخين محمد الخليلي والبازي دافعا عن الكوفة وأهلها، ومما قاله البازي الجميل:

لا تعر أهل كوفة الجند سمعـــــاً ***عجبا منك, يطلبون جفاءا

ويقولون لا تجبـــــــهم بشـــيءٍ *** ودع القوم يهلكون ظماءا

كيف تسقي يا ابن الجواد أناســاً **** وسواهم يكابدون العناءا

أو ترضى أنْ تعد من حزب قومٍ *** منعوا جدك الحسين الماءا؟

رحم الله ما فات على شاطئ الفرات،الماء يجري، والنفوس تغلي، أمّا ما هو الآن الحال، فأنّه لا يمر ببال.

 

كريم مرزة الأسدي

.......................

(1) راجع (الشيخ محمد علي اليعقوبي، نقد سياسي ساخر...) مقال بقلم محمد جواد الغبان\موقع حزب الفضيلة اللاسلامي\الشعر

(2) يذكر الشيخ علي الخاقاني في (شعر الغري ج9 ص 505 انه ولد بقرية (جناجنة) عند آل مرزوق يوم هاجر والده من النجف الى اطراف الحلة. اما اغلب المصادر تجعل ولادته في النجف الاشرف . راجع (نقباء البشر) لاغا بزرك الطهراني . القسم الرابع ص 1560-1563 (ادب الطف) للسيد جواد شبر ج10 ص 194 (فلسطين في شعر النجفي المعاصر) د. محمد حسين الصغير ص203.

(3) نقباء البشر: المصدر السابق.

(4) الامين: السيد محسن (اعيان الشيعة) م 10 ص 314.

(5) نقباء البشر: المصدر السابق.

(6) المصدر السابق: الخاقاني ج 9 ص 505،ادب الطف:المصدر السابق.

(7) نقباء البشر: المصدر السابق.

(8) شعراء الغري: ص 5 .

(9) المصدر نفسه.

(10) نقباء البشر: المصدر السابق.

(11) مجلة الموسم العدد (109) 1991 م ص 607 نقلنا الرواية.

(12) الخليلي: جعفر (هكذا عرفتهم) ج2 ص146.

(13) شبر: جواد (أدب الطف) ج 10 ص 194 وما بعدها.

(14) نقباء البشر (المصدر السابق.

(15) هكذا عرفتهم: ج2 ص 155.

(16) أدب الطف ج10 ص 194.

(17) هكذا عرفتهم / جعفر الخليلي ج2 ص147.

(18) جواد شبر (ادب الطف) ج10 ص194 وما بعدها.

(19) هكذا عرفتهم / المصدر السابق / ص157.

(20) اتذكر الكلمة التابينية للشيخ اغا بزرك الطهراني (قدس) قد بداها(وتقدرون فتضحك الاقدار) ثم اردفت الكلمة التي القيت نيابة عنه ما معناه: كنا قد ذخرنا الشيخ اليعقوبي لرثائنا , واذا بنا نرثيه .

(21) نقباء البشر /القسم الرابع /ص1560 – ص 1563 للشيخ اغا برزك الطهراني.

(22) الخاقاني: علي / شعراء الغري / ج9 ص 505.

(23) المصدر نفسه ص 506.

...) ط ثانية 1984 ص203. (24) الصغير:محمد حسين (فلسطين

(25) الوردي: د.علي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) ج4 ص22.

(26) مجلة الموسم \ العدد 9-10 - 1991 ص18-19.

(27) ادب الطف: ج10 ص196.

(28) هكذا عرفتهم: ج2 ص156.

(29) الموسوي: عبد الصاحب، حركة الشعر في النجف الاشرف \ص429.

(30) ادب الطف\ مصدر سابق الجزء العاشر ص148.

(31) مجلة (البديل) النجف الاشرف\السنة الثانية العدد3 \ محرم 1366هـ -كانون الاول 1946.

 

 adnan aldhahir2(مقال الأستاذ عبد الله الفيفي في موقع المثقف لهذا اليوم حول أحد أبيات المتنبي)*

البيت المقصود في قصيدة "غريبٌ كصالحٍ في ثمودِ" هو :

يترشّفنَّ من فمي رَشَفَاتٍ

هُنَّ فيهِ أحلى من التوحيدِ

لكي نفهم هذا البيت في سياقه العام والجو النفسي للشاعر المتنبي أرى من الضروري الرجوع لما سبقه من أبيات شعرية وما تلاه لكني سأكتفي بما سبقه من أبيات لأنها تحقق الغرض المتوخى :

كمْ قتيلٍ كما قُتلتُ شهيدِ

لبياضِ الطُلى ووردِ الخدودِ

 

وعيونُ المها ولا كعيونٍ

فتكتْ بالمُتيّمِ المعمودِ

 

درَّ درُّ الصَباءِ أيامَ تجري

رِ ذُيولي بدارِ أثلةَ عُودي

 

عمركَ اللهَ ! هلْ رأيتَ بُدوراً

طَلَعتْ في براقعٍ وعقودِ

 

رامياتٍ بأسهمٍ ريشُها الهُدْ

بُ تشقُّ القلوبَ قبلَ الجلودِ

 

يترشّفنَ من فمي رَشَفَاتٍ

هنَّ فيهِ أحلى من التوحيدِ

أول سؤال يتبادر إلى ذهن القارئ هو حول مّن أو ما هو المقصود بالضمير "هُنَّ"؟ الفتيات موضوع غزل المتنبي أم رشفاتهنَّ لفمه ؟ ركزّ قدامى نقاد المتنبي لهذا البيت على أمر واحد لا غير: [رشفات أحلى من التوحيد] فقامت قيامتهم كيف يتعرض هذا "الصبي" لمسألة التوحيد (لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكنْ له كفؤاً أحد) بحيث قارنَ أمراً آخرَ دنيوياً يضاهي في حلاوته عقيدة ومبدأ التوحيد الإسلاميين؟ يا ناس ! لمذاق الأطعمة حواس خمس معروفة وطريقها المراشف أو شفاه فم الإنسان واللسان ثم النسيج الذي يبطن داخل الفم. هنا يميز الإنسان فيما بين مذاقات الطعوم والإشربة التي يتناولها في سائر أيامه. فهل للتوحيد أو الإيمان طعم خاص تميّزه الشفاه واللسان بحيث يمكن مقارنته بمذاقات الأطعمة والأشربة مما يتناول البشر في العادة؟ ما طعم التوحيد ، حلو .. مر .. حامض .. أو حامض حلو؟

إدّعى بعض نقاد هذا البيت أنَّ الطعم المقصود إنما هو طعم روحاني ليس طعماً حسيّاً ! حتى القرآن الكريم لم يقطع في أمر الروح (يسألونك عن الروح قلْ هي من أمر ربي) فما هو هذا الطعم الروحي إذا كنا نجهل كنه ومغزى الروح؟

أعود لسؤالي السالف الذكر: لمن يعود الضمير "هُنَّ" .. للقُبل أم للفتيات موضوع النسيب والغزل والتشبيب أم لكليهما؟

المتنبي دائم المواظبة على قراءة القرآن وتقصي معانيه وطالما استشهد بالبعض من آياته كما فعل في هذه القصيدة بالذات. أردتُ أنْ أقولَ إنَّ الشاعر وقد قال ما قال ما كان يجهل مغزى هذا القول وما يترتب عليه من نقد وهجوم واستنكار وإكبار. نعم، قال هذه القصيدة في صباه كما جاء في مفتتح القصيدة وفي الصبى يقول و يفعل الصبي ما لا يقترف الناضج والكبير. ملاحظات إضافية:

1ـ (رَشَفات هنَّ فيه أحلى من التوحيدِ) إستعارة مجازية فاشلة فنيّاً ولا تمتُّ بأيّما صلة لعالم الشعر الحقيقي. لا علاقة لها بالروح ولا بأعضاء التحسس البشرية فالتوحيد والإيمان لا طعم لهما ولا يمكن أنْ يكون. لا حلو ولا مر ولا حامض ولا [حامض حلو] .

2ـ التمر التوحيدي: لو قصد المتنبي هذا النوع من التمور لقال " أحلى من التوحيدي " بدل " التوحيدِ "..

ففي العراق هناك التمر الزهدي والخستاوي والسلطاني والأشرسي والخضراوي على سبيل المثال وجميعها ينتهي بحرف ياء الإضافة . ثم أنا العراقي الأصيل أصلاً وفصلاً ومولداً ونشأة لم أسمع بتمر يُدعى التوحيدي.

3ـ المتنبي يقرأ ويفهم القرآن لذا أستبعد أنه ما كان يقصد " التوحيد " أي وحدانية الرب الخالق وكان قد استعار بعض آيات القرآن منها عنوان قصيدته هذه فضلاً عما ورد في أحد أبيات القصيدة " كالمسيح بين اليهودِ " :

ما مُقامي بأرضِ نخلةَ إلاّ

كمُقامِ المسيحِ بين اليهودِ

4ـ قال المتنبي هذه القصيدة "في صباه" أي أنه في التقدير ما كان يتجاوز الرابعة عشرة من عمره حين كتب قصيدته هذه والكل يعلم ما في هذه السن من طفرات وقفزات ومغامرات لفظية وسلوكية وما إلى ذلك.

ـ لا أرى فيما قال المتنبي حول "التوحيد" إحدى الكبائر إنما كبيرة الكبائر في نظري هي في قوله في قصيدة له أخرى : 5

أنا الذي بيّنَ الإلهُ بهِ ال

أقدارَ والمرءُ حيثما جَعَلَهْ

هنا كبيرة كبائر المتنبي فقد جعل من نفسه وسيطاً بين الرب وعباده ورسولا به تتبين أقدار الخلق فهذا للنار وذاك لجنّات الخلود أو أنه ماثل نفسه بآدم الذي عرف أو حزر أسماء البشر وكافة الأشياء قاطبة حين عجزت الملائكة عن ذلك.

سؤال أخير: ألا يجوز تفسير هذا البيت وخاصة لفظة "التوحيد" أنَّ الضمير "هنَّ" يعود للإثنين للصبايا ثم للمراشف وقصد الشاعر بالتوحيد هو وحدة المراشف بالإلتصاق أو وحدة العشّاق بالحب أو بالزواج .. وأنَّ قُبلات العشاق أحلى من الوحدة (التوحيد) بالحب أو بالزواج... مجرد فذلكة نظرية ضعيفة أصلاً.

 

د. عدنان الظاهر

28.1.2018

...............

للاطلاع

أَحْلَى مِنَ التَّوْحيد.. مع المتنبِّي ولعبة المَعنَى / ا. د. عبد الله الفيفي

 

 

1221 furatمن مدخل الرواية الذي نقرأ فيه نصاً مقتبسا لكارل ماركس مأخوذ من مقدمة كتابه “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي” الصادر عام 1859، ويلخص فيه نظريته "المادية التاريخية" وحتى لحظة هبوط الطائرة التي كانت تقله على مدرج مطار بغداد الدولي. كانت الصفحات الاولى من رواية  الكاتب فرات المحسن الصادرة في بغداد حديثاً بعنوان "كارل ماركس في العراق" توحي وكأن الحدث وقع بالفعل، بمعنى انه جرى في وقت ما. وكل ما كان يحتاج ليثبت واقعيته هو ذكر التأريخ.

يستهل المؤلف السرد الروائي بالقول على لسان بطل الرواية...

"الرسالة تبدو واضحة  وضوح  الشمس في  هذا  اليوم  المشرق الجميل. هكذا  فكر كارل ماركس وهو يعيد قراءة  مضمون الرسالة التي وصلته من بعض  مريديه في العراق . دعوة صريحة وكريمة لا لبس فيها، تظهر حاجتهم  لوجوده  بينهم في العراق.. " الصفحة 7

ولا لبس في هذا لو لا ان القارئ سرعان ما يكتشف بأنه مقبل على رحلة توظف فيها الكوميديا للتعبير عن واقع تراجيدي، وأن مجرد الحديث عن دعوة توجه الى كارل ماركس لزيارة العراق، هي بمثابة استدلال على ان ثمة مزحة في الأمر، أو هي نوع من الفانتازيا التي تخفي في طياتها دراما حقيقية جادة، نتلمسها في الحوارات والأحداث التي يواجهها ويتعرض لها بقساوة حد التعذيب الجسدي والنفسي هذا الفيلسوف المميز الذي استدعاه المؤلف من التاريخ لتفسيرما يدور في المجتمع العراقي من ظواهر، ليس من جانب نظري بحت، بل ومن خلال معايشة للاحداث اليومية وتعرضه لها وأصبح جزءا منها. فالكاتب اراد أن يفهم، ليس الواقع فحسب، بل وايضا سبر ما يدور بأعماق الاشخاص وافكارهم الدفينة، وما يجري داخل الذات البشرية واستشعار المستقبل.

ماركس يأتي الى العراق بناء على دعوة وجهتها له مجموعة يسارية شيوعية فوضوية، اعتقادا من اعضائها بأن "منهجية تحليلاته وبمقاربات المادية التاريخية والجدلية، سوف تظهر بصورة جلية طبيعة الحدث العراقي، مسبباته ووقائعه، ثم مخارجه وأيضا اسخلاص النتائج وتقديم الحلول" (ص 7). لماذا تأتي الدعوة من مجموعة فوضوية وليست من الحزب الشيوعي؟ ذلك ببساطة، يستشفها القارئ من خلال قراءة متأنية لسير الاحداث، بأن المؤلف لايريد أن تكون الرواية تقريرية مؤطرة بالتزامات جامدة، بل منفتحة على فضاءات تتيح للكاتب حلق عمل روائي يتداخل فيه الواقع بالفنتازيا، ورصد جدية الحدث من خلال ادب ساخر، يمنح الانسان جرأة التعبير ومقاومة الصمت و مقاومة التردد في اتخاذ الموقف. وهذه الاصناف التي تشير اليها الرواية بسلوكيات بعضها السلبية (الانتهازية والطائشة) موجودة في المجتمع، فأراد المؤلف، وباسلوب نقدي وساخر، أحياناً، يفضح زيفها، مستخدماً في ذلك مفردات شعبية تعطي للحدث نكهة خاصة. وهو لا يتوقف عند هذا الحد، بل تخبرنا الرواية عن نماذج اخرى من المجتمع، تتصرف بعفوية وبشعور انساني تلقائي، وهناك نماذج اخرى، بسبب ضعف ثقافتها ووعيها تبدو ساذجة في تصرفاتها، عالج المؤلف هذه الحالات الجادة بتوظيف الكوميديا كأداة  نقد لاذعة للمجتمع  وفضح التقاليد السلبية، وابراز الايجابية منها. والدخول الى عمق الحالة لابرازالصراع الطبقي والاجتماعي، مستعيناً برؤية الماركسية لفك لغز الصورة المعقدة التي تجسد المشهد العراقي وحركة المجتمع فيه. إذ نقرأ من خلال السرد الروائي افكار ماركس ونصوص مقولاته، في محاولة التوصل الى ما يمكن مؤائمته مع الوضع العراقي.

 وهو يعده للمجئ الى العراق، يجعله المؤلف كارل ماركس يفكر باستحضار باحثين معاصرين معه.

اذ نقرأ في الرواية بأن ماركس وبعد ان جهز حقيبة السفر الى العراق قرر ان يأخذ معه كتابين " الاول، بعنوان  Modern Social Imaginaries "المتخيلات الاجتماعية الحديثة" للباحث والفيلسوف الكندي تشارلز تايلر، وآخر بعنوان The Network Society. او "المجتمع الشبكي" للمنظر السياسي دارن بارني.

من خلال ذلك اراد مؤلف الرواية فرات المحسن يضفي على الحدث صبغة عصرية في زمن يشهد ثورة تقنية معلوماتية هائلة اوجدت مفاهيم جديدة لطبيعة المجتمعات وتناقضاتها. فكلاهما يحملان مضمون العصر الحالي. اذ يشير على لسان بطل الرواية ان محتوى كتاب تايلر " جدا راقٍ وذكي يتحدث عن تشكيل الهوية الوطنية، ومنابع الذات والحداثة والعولمة والدين، عبر فكرة المتخيل الاجتماعي". ويواصل بأن "هذا سوف أنتفع منه في استنباط  الطرق  لمعرفة  الكيفية التي يتخيل فيها شعب ما الحال الذي هو عليه. ربما الشعب العراقي يقارب معرفة وجوده الاجتماعي أن تطابقَ  ذلك مع الوقائع والحراك اليومي والعام للعراقيين".

أما فيما يتعلق بكتاب "المجتمع الشبكي" فذلك لأن مؤلفه دارن بارني "يتحدث فيه عن اقتصاد المعرفة  والعولمة، وحال الدولة القومية والثقافة والجماعة، ومعنى العمالة  والبطالة في العصر الرقمي. تلك  جميعا  سمات  مشتركة لجميع شعوب العالم" الصفحة 11.

أحداث الرواية التي تجاوزت الثلاثمائة صفحة لم تتحدد صيرورتها بإطار واحد، بل هي مفتوحة على فضاءات متعددة، يشكل البعد السياسي أحدها، فهي تركز على الجانب الاجتماعي والاقتصادي والعامل السايكولوجي للافراد. لكن ثمة جانب آخر اعتقد انه يتمتع بثقل في السرد، وهي أن الكاتب، وبرغم ما يوحي، انه يعطي للعامل الخارجي أهمية في صنع موضوعته، بمعنى آخر استدعاء شخصية تاريخية من خارج المجتمع الذي تتحدث عنه، ليحلل الوضع العراقي، برغم العلاقة الايديولوجية التي تربط المجموعة التي يتناولها الكاتب معه. لكن في الواقع، وبطريقة واعية يؤكد بان بالافكار التي يحملها افراد هذه المجموعة التي دعت كارل ماركس الى العراق،  وان كانت مبنية على الاسس الايديولوجية والفلسفية التي تعود اساساً الى الماركسية فهي وليدة التجربة المحلية، وليدة مجتمعها، وليست مستوردة، كما يحلو للبعض تصورها او اشاعتها. والدليل على ذلك أن شخصيات هذه الشريحة، تحمل افرازات بيئتها، في سلوكيتها وفهمها للماركسية.. وهي ليست منقادة لهذه الايديولوجية بشكل اعمى. هذا مانتلمسه من خلال السرد والحوارات، على سبيل المثال،، في الصفحة 44". حين وقف سامر، احد شخوص الرواية محتجاً على ما ذكره ماركس من ضرورة اعادة النظر في اسس النظرية، فخاطبه بالقول:

- "الرفيق العزيز كارل ماركس، اعتقد ان عليك في هذا الامر ان تقف عند حدودك وتعتذر، الماركسية هي منهجنا وطريق حياتنا وليس من حقك ان تتنكر لها وتتجاوز عليها. لن نسمح لك بذلك.". 

ايجازا اود الاشارة الى أن هذه الرواية، حسب رأيي، ليست عادية،  وقد شملت فضاءات مختلفة اعطت صورة للوضع الذي يعيشه المجتمع العراقي، بابعاده النفسية والاجتماعية، وبما يحفل به من متناقضات، في التغيير بأمزجة الناس بين من ركب الموجة واستبدل عبائته بأخرى، وبين من ظل على طبيعته محافظاً على التقاليد العريقة، في النخوة والشهامة ومساعدة الغير و ما الى ذلك.

وفي النهاية يختتم المؤلف روايته بصيغة تفاؤلية لاستقراء الوضع، اذ وبعد كل ما مر به وعايشه من متاعب وقسوة وعنف، يتوصل ماركس الى قناعة بأن "العراق حتماً لم يبق لاعلى هذا الحال، ولابد يصير زين ويتقدم بقدرة وتصميم أهله" كما جاء في حديث احد شخوص الرواية ابو رجب، الذي قال بان ماركس " اوصاني استمر بالمظاهرات والمطالبة بالاصلاح" - اشارة الى ما فكر به ماركس وهو ينظر الى مجموعات  من الشباب ذاهبين الى ساحة التحرير، في يوم جمعة، مرددين شعار خبز، حرية، دولة مدنية -... وان كان هذا في الحلم، الا ان ابو رجب صحى من حلمه وهو "فرحان".

 

طالب عبد الأمير

 

satta aljumailiيقول الناقد عزرا باوند "لا تستخدم أية كلمة غير ضرورية ولا أية صفة لا تكشف عن شيء ما، لا تستعمل تعبيراً مثل أراضي السلم المظلمة قليلاً، فهي تحيل الصور باهتة وتخلط بين المجرد والملموس، وتتأتى عن عدم إدراك الكاتب أن الشيء الطبيعي هو رمز مناسب دائماً " .

من هذا المنطلق المعزز بالإرادة المطلقة بالبحث عن الحقيقة شعراً ومن خلال إثارة الأحاسيس والإيمان بأن الحرية عنصر من عناصر الهم الكتابي المفضي إلى الخوض في المنحى الإبداعي .

أنمار مردان شاعر من مدينة الحلة، التحق بمدرسة الشعر منذ سنوات ليرتقي عالمه ويصبح واحداً من الشباب الواعد إبداعاً في القصيدة الشعرية، وعن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة صدرت مجموعته الشعرية (متى يكون الموت هامشاً) بطبعتها الثانية، أعدت قراءة المجموعة مرتين وآثرت تقديم خلاصة نتجت عن ذلك .

الحرب عند رمق الثلج قصيدة في ص 17

يذكر الشاعر الحرب على أنها ليست صراعاً بين قوى خير وشر فحسب، بل أنها فرصة ترسخ المتغيرات السلبية للآثام نحو التدني الحياتي بسبب النتائج المترتبة بعد أن تضع أوزارها، فكان أن صوّر الحرب عاهرة خارج دائرة القداسة لدهاقنة الصراع المدعين، وهذه العاهرة تغلغلت في أعماق الروح وجوهر الأشياء فلا ضير من أن تتشبه بذلك، يقول الشاعر

الحربُ تُنجب بإفراط متسع

تترجّل نحو الذنوب الساطعة ببياض أفواههم

الحربُ قزمٌ أصلع يزداد كرشُه  سبايا

ويضيف أيضاً ؛

بعد ولادة حربٍ جديدة

عليكم بالصمت

لأني سأزرع الشمس بفمي القاحل عن أخطائهم

وأمضغ ذاكرتي على أكمل وجه

وأتوسد لحظة الله الغافلة عن طيشكم

استنطق الشاعر الحربَ بكل جوانبها المأساوية موارية الحق وقواه إلى حيث المجهول، فعلى الآخرين العزلة والانفصام، هذا والقصيدة لا تخلو من الرموز والإيماءات التي لا تنكشف مدلولاتها سمعياً .

قصيدة " تقاسيم الظل الموحش ص 23

نستطيع أن نلحظ أن ثمة فوضى افتراض واسع ينشرها الشاعر مختصراً تعابيره الشعرية الرمزية بلغة انعكاس ذاتية وتوظيف مفردات محسوسة مختلفة الاستخدام متناقضة الأشكال، نلحظ هنا تغريدة البرد ـ أوجاع الرصيف، رأس فاس ـ الكرسي الذي سلخ نفسه تابوتاً، القمر عملة نقدية مفقودة المنشأ، وصولاً إلى إعطائه المتلقي استراحة من خلال مفاهيم جديدة دخلت النص ؛ الحانات / الألوان / السكائر / المساحات / ... إلخ

التناص كان له حصة في القصيدة ، يتضح ذلك في جملة ؛ " أنا غاية في نفس يعقوب .

والمفارقة كان لها دور أيضاً ؛ " الفحم يزدحم هنا، يقرنص الوقت بالبياض .

ما يعزز فرص الجمال كونها عناصر داخلة في جوهر القصيدة وشكلها .

حين يكون الياء شعوراً ص 27، إحدى قصائد المجموعة المعبرة عن الوجدان العالي وانعكاساته، إنه أي الشاعر يوجه خطابه إليها أي الرمز ومدلولاته بعد أن وصل مرحلة الانصهار والغليان العقلي محولاً إياه إلى شعر ؛

يا من تحملت رعونتي، التمسك شعراً

يا من لا عقاب لديها، أنا رجلٌ مخمورٌ مخمورٌ مخمورٌ بأنوثتك

لكني أعجز أن أرسم شبحاً في مرفأ أنثى

لا تعرف أين شيبتها المفقودة

هنا الصور التعبيرية قادها الانزياح اللغوي إلى حضرة الشعر مجسدة قمة الشعور والإحساس منصهراً لديه، في القصيدة ذاتها يقول الشاعر؛

يا من لا نخلة لها

يا لي من نخلةٍ، اتعطش لشرود أي ظل

وأزدحم في لعنة سبورة محنطة

ليت ما فيكِ في رأيي، حتى أحتكم إلى الخلود في شهوة عارمة .

التعبير على أساس الوعي بوصفه فناً ؛

 إذْ  وظف الشاعر الفن برمته ومن البديهي أن يتحول الشاعر في غفلة زمن مضطرب أو مشوش وهو مسترسل في الكتابة، فيتحرك نحو صوره المباشرة التي تنتعش في الصورة التعبيرية المائلة إلى الإفراط العاطفي، وفي ذلك يقول؛

يامن لا غرور فيها، أنا مخيلة الصقيع

الأميالُ تتثاب في رأسي، الوقت لدي عملية إنجابٍ لزمنٍ يأكل أحشاءه

كلما نزعتُ شمعة ثغرها ... إلخ .

قصيدة مترو ص 40، وقد ثبتها الشاعر بالإنكليزية كون المفردة غير عربية، يخرج الشاعر من مرحلة التشوش والإضطراب الفردي إلى الجمعي أو المجتمعي ليستعرض نمط التوزيع العادل لمسيرة الفوضى والعبث الذي ينال ويضرب منظومة الظرف والتفاعل المجتمعي ويحيلها إلى معايير فساد مشرعنة ضمن دائرة العبث آنفة الذكر، وفي نهاية القصيدة يفقد الأمل تماماً بعودة الضوء في نهاية النفق، وفي ذلك يقول ؛

لا تقطعوا شبابيك أسلافنا بالعويل

ولا أقلامنا حين تجف وتعلن موتها بسوء نوم

فالرحيلُ عن أخطائنا بشرى لشيطانٍ آخر .

في ص 43 (نصوص ملوّثة جداً) وهو عنوان لافت يندر أن يستعمله شاعر، وقد استخدم الشاعر آلية نصوص الومضة، وهذا النمط من الكتابة انتشر بعد صعود قصيدة النثر، مع ضرورة الانتباه إلى أنه ليست كل قصيدة قصيرة هي ومضة، فهناك محددات أخرى غير القصر يشترط وجودها في هذا النوع من الكتابة، وتعرف قصيدة الومضة بأنها قصيدة الدفقة الشعورية التي تقوم على أساس فكرة واحدة تتسم بالاختزالية ووظيفة الشعر الجوهرية فيها تمر عبر الاهتمام بالتفاصيل المهمشة والصغيرة ورصد دقائق الأشياء المحيطة بنا وإحداث علاقات بين المفردات من خلال العمل من داخل اللغة، يقول الشاعر في واحدة من هذه الومضات ؛

البارحةَ كلُّ المدن التي رسمتُها

أصبحت ظلي

إلا رأسي المقطوع !

أرى أن هذه القصيدة قد خلت من الاحتفاء بالأشياء وعدم وجود أي تفاصيل داخل المتن، وربما من اليسير أن نفهم أن أحد سمات قصيدة الومضة أنها تجنح نحو أسلوب القصة القصيرة جداً .

قصيدة أخرى ضمن ذات الاتجاه  بعنوان (طفل الانفجار) احتوت حواراً لحدث هو أشبه بقيامة المراثي وقد نبع بصوت بالغ حد الخروج عن المألوف والانحاء باللائمة على المقدس، لقد احتوت الكلمات القليلة جداً على حرارة التعبير ودقة التصوير عندما قال الشاعر ؛

على تعتب على عزرائيل

في هذا السجود العميق

ولا تكتب أيَّ شيءٍ لمعلمتك الخائفة 

فأنت الآن يا صغيري بعمر العاشرة إلا ربعاً بتوقيت الله

ختاماً نقول، إن قصائد المجموعة قد أدت دورها وصوتها الطبيعي في التأثير ضمن المشهد الشعري والأدبي وقد أتقن الشاعر فن الجهد على وجهٍ دقيق وأجاد الأداء التعبيري المعزز بالعاطفة والخيال والإنتقالة بين أغراض الشعر والثقة بطرح بطرح القصائد ذات الملمح الجريء .

 

ساطع الجميلي

 

 

moamar baktawi2تقديم: الرواية التي تقع بين أيدينا في 124 صفحة من الحجم المتوسط، صدرت في 2016 عن (دار نت للنشر والتوزيع) لمصطفى الجرتيني. يتوسط الغلاف عنوان بارز بخط كبير "مدشر الضياع". وفي الأعلى يبسط الكاتب بظله على الجميع قائلا: أنا صاحب هذه الرواية. وهي مكونة من إهداء وتقديم، وعشرة فصول. والغلاف زين من طرف يونس الكاف.

1- قراءة في العنوان

العنوان يَشي بمضمون الرواية ويفصح عنها، وهو بذلك النوع الصادم للأول وهلة، ويعرف القارئ بأنه بعيد عن اللغة الشاعرية و(الفانطازية)، بل تأخذ الواقعية بحذافيرها.

ويمثل في الأسفل صعودا، (المدشر) الذي يشبه قرية (زقورة) التي بنيت في عهد النمرود. فهي مدمّرة، وتظهر بعض المباني من طوب على الجانب الشمال من غلاف الرواية. ومن جهة اليمين هناك (الفراغ) الذي اختار له الرسام لونا مناسبا، ويمثل اللون الرمادي المختلط ب(الفراغ). وهي كما أسماها صاحبها، فهي: سيرة قروي معطّل، وتمثل الصراع بين المدشر والمدينة.

العنوان في العمل الإبداعي غالبا ما يحيل بصفة مباشرة على أحد مكونات النص: الشخصية الرئيسية، أو الحدث الهام، أو المكان المركزي، أو الفكرة التي يتمحور حولها موضوع الكتاب... وهو هنا يمثل المكان والضياع المضاف إليه. وبعيد عن الانزياح عن المألوف، وينبني على مقصدية تتوخى تفهم المتلقي، وعدم تكسير أفق انتظاره. وعندما يصطدم بعناوين مخالفة للمعتاد ومثيرة للتساؤل والاستفهام. وهكذا، فإن العنوان الذي يبدأ به الكاتب - باعتباره أول جملة في النص- سيؤثر في تأويل ما يليه.

وإذا كان بعض الباحثين في لسانيات النص-الخطاب- يعتبرون العنوان موضوعا للنص، فإن (براون) و(يول) يعدّانه "أحد التعبيرات الممكنة عن موضوع الخطاب."(1) لأن العنوان في نظرهم يثير لدى القارئ توقعات قوية حول ما يمكن أن يكونه موضوع الخطاب. بل كثيرا ما يتحكم العنوان في تأويل المتلقي.

2- شخصيات الرواية

إذا نظرنا إليها على أنها شخصيات أرقى منّا فسنكون أمام عالم البطولة، وإذا نظرنا إليها على أنها مساوية لنا فسنكون في نطاق الواقعية، وإما إذا نظرنا إليها باحتقار فسنكون أمام عمل من النمط الساخر. وشخوصنا تنتمي إلى الفئة الأولى والثانية.

* سْمُوحمّاذ

في هذه الرواية ينشطر العالم الروائي إلى: عالم الخير وعالم الشر. عالم الخير ويضم من جهة الأب (سْمُوحَمَاذ) وهو يبدو في خلاف مع جميع سكان (المدشر)، بسبب تعاطيه للعشبة (الكيف) ويظن أنهم يحسدونه وخصوصا لما أنجب ذكرا. الأب يسمع كلاما نابيّا من طرف (المدشر). وكانت موته في نفس اليوم الذي سيعود الابن إلى البلد.. لا يعرف النفاق ولا الرّياء، لذا أصبح يعيش في عزلة قاتلة. فهو الرجل الجريء الذي استطاع أن يتعرى على (الفقيه) و(عليلو) ومن معهما أمام المسجد؟ لأنه لم يعد يتحمل نفاقهم ولا خذلانهم.

أحد الرجال يقول عنه: "الحمد لله على السلامة يا ولدي إدريس... أبوك (سموحماذ) أراده الله فأخذه... فلا مردّ لقضاء الله وقدره... (ص67) ويجيب آخر ممّن يمقتون الأب حين وافت المنية: "انعس آ المصيبة... تهنينا من طاسيلتك آ المسخوط... مشية بلا رجعة.(ص69) ولكن الولد إدريس يذكر الفقيه ومن والاه: "اذكروا أمواتكم بخير أيها الفقيه... أبي لم يكن يدري معنى النفاق والخداع..(ص7).

* الصراع الداخلي (النفسي)

إذا كان من السهل تبين الصراع الخارجي نظرا لتجسده في قوتين ماديتين محسوستين، فإنه يصعب علينا تبين الصراع الداخلي (النفسي) وتحديده بسهولة، لأنه يدور في أعماق نفس الشخصيات، ولا يتجسد إلا عبر صور التصادمات والنضالات المفجعة. مثلا إدريس يقول في صمت: "اولاد الكلااااااااب... فلوس الأرض وما دير!" (ص56).

في هذه الرواية وخصوصا في الفصل العاشر، لا نعرف من يتحدث، أهي الشخصية أم الكاتب "أحيانا نختار سلك طريق المغامرة، لنظفر، إما بنتيجة مرضية ترقى لمستوى طموحنا، أو بخبيات كثيرة، وجب علينا تحمل عواقبها، لأننا نحن من اختار سلك هذا الطريق..(ص97). وفي حوار لا نعرف من يتكلم، "لم يستوعب إدريس ما يحصل له، هل هو حظه في هذه الدنيا التي لم تذقه سوى مرارتها، أم هناك لعنات ما تطارده أينما حلّ وارتحل.." (ص105). أضن أن الكاتب نسي نفسه وانساق مع حوار داخلي/جواني.

والشخصية عند (أمبرتو إيكو) "لا تمثل نفسها، وإنما تمثل العالم الذي تنتمي إليه، أي هي علامة دالة على ذلك العالم، فقد تمثل الشخصية شريحة اجتماعية، أو عسكرية، أو اقتصادية كاملة، إذا امتلكت نفس المقومات الدلالية لتلك الشريحة (2)..

3- تيمة طلب العلم

* إدريس

هذا الطفل إدريس، يولد في (مَدْشَر) من بلاد المغرب العميق، فهو كثير المرض والعطب، يأتي لوالدين بعد طول انتظار وسادس الأخوات.. يقفز الأب فرحا للمولود لأنه رزق ذكرا... ولكن الفرحة لم تتم، فحلّ بالطفل سقم دون سابق إنذار..(ص27). وكغيره من الأطفال حرمه فقيه هذا (المدشر) بالاتحاق بالمسجد، لا لشيء إلا لخصومته مع (سموحمّاذ). إدريس هذا طفل عصامي، وجد في المعلمين من يعينه على الصعوبات في شراء كتبه، وخصوصا الحسن ابن (دوّاره) الذي رأى فيه مثلُه الأعلى. كان مثل الأرضَة، يقرأ الكتب بنهم، وعندما كبر والتحق (بالخيرية الإسلامية) بدأ يسمع الشيخ إمام وفرقة العاشقين... فعرف داخل أوساط النضال وهو صغير. وتمكن من الفوز بالشهادة الإعدادية. شعر بخيبة كبيرة عندما تنكر له "رفاقه" في النضال في (الخيرية الإسلامية) "ويحشرونك في متاهات لا مخرج لها ثم يجلسون للتفرج عليك من بعيد" (ص80). فيجعله يتدفق إحساسا بالحقد على جنس البشر الذي لا يكف عن استغلال ضعف الآخر.. وعندما رأى أحدهم إدريس راجع إلى المدشر خاوي الوفاض: "آش قولت لكم؟ هاهو رجع القح... ديماه للدوار، القراية ساهلة.."(ص44).

* فلسفة إدريس

تكونت لدى إدريس فلسفة تشاؤية منذ صغره، وهذه الفلسفة استقاها من والده الذي كان مافتئ يقول: "العبد إيلا ما دّا ليك ما يعطيك... الإنسان حكّار أولدي حكّار أولدي إدريس". والإبن يجد في هذه الحياة: "الله يرحمك عليها الوالد... ما كاين غير ولاد الكلاب اللي يحرمو عليك العيشة فهاد الدنيا" (ص85) وهذا المجتمع الذي يعاشره.. هؤلاء القردة لا يستحقون غير التبّول عليهم. وعندما تسودّ في وجهه أبواب الحياة يقترح عليه (العطاشة) بالعمل بالحفر في البيارد، وهناك يسب في نفسه المجتمع "الله بُول بُوكُومْ أولاد الكلاب.."(ص93 )

* إدريس والمجتمع

ينال إدريس حظوة كبيرة لدى المجتمع بسب كفاحه ودراسته وجديته، وحينما ينجح في أخذ الباكالوريا يحسده كل أهل (المدشر). يصل إلى الجامعة بمجهود جبّار مادامت الفرصة التي بقيت له لم يُوفتّها. لم يستكنف بيع السجائر بالتقسيط ليعيش مادام بعض الطلبة يمارسونه.

* المعاناة من أجل طلب العلم

وبسبب نظام الأكل الذي اعتاده في المدشر وفي (الخيرية الإسلامية) وعند خاله اعتاد بطنه على نظام واحد، القطاني من فول وعدس... وذلك كان يسبب حرجا أمام أصدقائه... ويخاطب كرشه "والله يا يمَّاك وتغرغر دابا حتى نشرك بوك" (ص10). وكان قد خطط لصرف منحته على النحو الذي يخول له عبور ما بين المنحتين، ليبدأ دوّامة أخرى من الصّراع المرير مع الجوع والفاقة.. لذلك كان طالبا نجيبا مجدّا ومنضبطا... ولحبه الكبير لمهنة المحاماة جعله يبدع في تعلم فنّ الكلام.ّ.

* رحمة

وإطلاق الكاتب اسم رحمة على الأم، لأنها رمز للحنان والودّ والصفاء.. وموتها كان صدمة كبيرة لإدريس، ومن ثمة اكتمل يتمه وهو في عزّ الشباب.. "لقد رحلت وتوارت تحت التراب، بكى لفراقها وفقد حنانها..."(ص121) وهناك أصيب بإحباط وظل وحيدا يصارع اكتئابه وحسراته.. في (المدشر). والحلم الذي ضاع.. رغم ذلك لن أيأس، "ربّما يولد من المعاناة بريق أمل".(ص124). فهو يكافح جميع أهل الدوار الذين يسهرون في تدخين الكيف.

الأمّ التي لم تكن تفرق بين درهم وعشرة أو أربعة، وكان مشغلوها يستغلون سذاجتها ليستخدموها بأبخس الأثمان... ولذلك تحملت الإهانة، والسب، والشتم، وحتى تحرش "الضباع"..(ص35). أمام إصرارها على بيع أرضها لتعول أبناءها، وعلى ابنها إدريس ليكمل دراسته، ولو باللجوء إلى "المخزن". فإن الوكالة الموقعة ببصمة إبهامها والمطلية بروث البقر.. وبفعل ظنك العيش وأعباء تحصيل الرزق والعمل في حقول "إقطاعي" الدوار.. فإنها تأتي عليها حالة تسب جميع السكان (المدشر) وعلى رأسهم (الفقيه) ومرورا (بعليلو) العدوين اللدودين لعائلة سيموحمّاذ.. فهي المرأة التي تكافح وتناضل دون كلل.

في معرض الحديث عن رحمة يقول الخال: "بقاي ديري شوية د الحنة الله يهديك... واه؟ واش هادو يدين ولا فيسان (معاول)".(ص53) وهذا سبّ وشتم في حق أخته، متناسيا أنها صارت من كثرة الشقاء والعمل في حقول الإقطاعيين في (المدشر). وهي دائمة الحديث عن ابنها إدريس بمناسبة وبغير مناسبة.. "وَلْدي عْطاوْه مسكين جَدارْمِي ومَبْغاش.."(ص48).. وترد عليها خديديج: "ولدك آرحمة سنانو طاحو غير بكازا والكيف".(ص49) ويُقال في المدشر: "إن رحمة أصيبت ب"فقصة" في أيامها الأخيرة شديدة... خانتها صحتها التي كانت رأسمالها الوحيد..." (ص117). وبقيت مقعدة الفراش إلى أن وافتها المنية.

وكانت فلسفتها في الحياة: "العمر أقصر من أن تضيعه في الإصغاء لتفاهة الآخرين" (ص79). وعندما تداعب ابنها إدريس كانت تقول له: "إن الخنزير لا يتفرغ للحفر واللغط من ورائه" وكان يرد عليها: "دابا الوالدة واش عندك الراجل ولا الحلوف؟" فتجيبه: " كل حلوف فعينين يماه غزال أولدي". (ص80)

* الحسن

صديق إدريس الحميم، مجاز في القانون لم يستطع استكمال دراسته العليا بسبب جو عائلته، فهو بدون عمل، ناضل وسط الطلاب أيام الدراسة. فطرد من السكن. أمّه عرّافة. يشتم الشهادة ويلعن المطبوعات، وانصهر في أشغال الرّعي "حتّى نسي أن قدميه وطأتا يوما أقسام المدرسة" (ص77). وكان (ولد الخمار) رجلا طيبا كالحسن، صادقا وخدوما. لم يكن يرّدّ لسموحمّاد أي طلب...

* العربي

لا يريد أن يخسر زوجته، لأنه يعرفها حين تفتح فاها لا يسكته أحد، فهو يخاف منها. مراوغ، وهو لا يفتأ يكذب على الكل، ولكن حين تتصل به زوجته خلسة يقول لها أحد الزملاء ".. ياك ا قالك فسيان؟ راه يديرها الكذاب لاخور". وهو كثير التشدق والبالغة، يعيش في جبة الغير، وهو يتصور أنه شخص (لاجودان)، ويظن أنه من الضباط الذي يعتمد عليه الجيش: "الكونونير" يوصي ويعاود راه ما يعرف يدير والو بيا..." (ص54)

* الزوهرة   

هذه الزوجة لها وجهان، حين يأتي العربي بإدريس من (المدشر) ليقيم عندهما لمتابعة الدراسة تنهض في وجه زوجها، وتفتح فاها صائحة: "...جمع شطايطك آش كاتساين؟(ص55) ولكن بمجرد ما عرفت بأن المال الذي أتى به من طرف والدة إدريس والذي باعت قطعة أرضية، تتحول من النقيض إلى النقيض، ويصبح إدريس ذلك الشاب المرحب به: "مرحبااااااااا وأف مرحبا... إيلا ما هزات الدار نهزوك فوق ريوسنا أسيدي..." يجيبها إدريس في صمت: "اولاد الكلااااااااب... فلوس الأرض وما دير!" (ص56). وهي ما تفتأ تقول لزوجها: "واش مازال ما بغاش يعهفو عليك الله من الكذوب المسخوط؟..(ص61)

 * العربي والعطاشة

يكون العربي في خلاف تام هو وزوجته، فهو يتهمها بالزنا مع ابن أختها إدريس، حين رآها قد أقلبت ظهر المجن أمام ما كانت تحدق عليه: "ياك ما كان كيبرد ليك السواكن وأنا ما فخبرايش؟ أدوي السلكوطة.." فتجيبه على الفور ودون انتظار.. "السلكوطة هي أمك".(ص63). وحين يقوم إدريس بالتمرد على السيد المكلف بالأعمال بالورش في البناء، الذي يلعن ويسب والده (سيموحمّاذ) يثور إدريس ويقول: "..إلا أن تشتم والدي وهو في دار البقاء يا ابن الباغية... لنكحتك يا وجه الكلب"(ص82،83). ولكن كان هؤلاء العمال من (الزوافريا) ينتظرون إشارة من طرف رب الورش. ويتحرك الجنس في أجساد هؤلاء (العطاشة) وهم المكبوتون، ويسيل لعابهم لهذه الوجبة الدسمة التي أتت إليهم من دون ميعاد. "اليوم سيروون ظمأهم." لقد قال إنه سينكحني هذا "العروبي" الزنديق... "ها هو ذا بين أيديكم، أروني فيه قدرتكم وفحولتكم.."(ص83).

ويرسم الكاتب (لعليلو) رسما (كاريكورتيا) وهو المتعلق بفقيه المسجد، "فهو يقضي معظم وقته "مدليا" خصيتيه على حصيرة مهترئ كالحمار.." (ص24) هنا أسلوب سخرية ممزوجة بحقد دفين على شخصية (عليلو).

4- تيمة الحب الجنس

* حنان

كانت حنان _واختيار الاسم له دلالة_ تشعر أن إدريس يعاني الوحدة، وهو يعوضها عمّا فاتها من حنان الوالدين. ولكنها عاشت مرارة الفراق كذلك. "كانت حنان فتاة خجولة مكتملة الأنوثة" (ص112) استطاعت برقتها وأحاسيسها المرهفة أن تنتشل صديقها إدريس من عالم الأحزان. تكلّلت السنوات الجامعية لإدريس بالنجاح معها. كانا قد قررا التسجيل في السلك الثالث، واجتياز كل المباريات.

 ولكن إدريس انقطعت الأواصر بينه وبين حنان، فانقطعت أخباره فلم يعد له أثر، وعندما طالت غيبته في (المدشر) بسبب وفاة أمه، انتظرت حنان ولم يبق أمامها سوى الموافقة على اقتراح الزواج من الشاب الذي تقدم لها بعد التخرج من مركز تكوين المعلمين.

5- الصراع والبناء الدرامي

 لكي ينمو الفعل في النص لروائي، لا بد أن يقوم بين الشخصيات "صراع حول أمر ما، قد يكون مبدأ خلقيا أو قضية اجتماعية أو طموحا شخصيا".(3) فالصراع هو المحرك الأساس للفعل الدرامي. وهو من المقومات الضرورية للشخصية.. وبدون هذا الصراع الذي يؤكد وجود الشخصية ويميزها تظل الشخصية (مسطحة). لأنها ستفتقر لأهم مقوم فيها. والكاتب الروائي عندما يترك شخصياته تسير في اتجاهات متوازية، أي لا يصادمها مع بعضها، أو مع الواقع، أو الوسط، فإنه يعرض عمله للسكونية وعدم الإثارة التي تنبعث من اصطدام الشخصية بالمؤثرات التي تحفزها على الفعل. ويضمن للعمل الروائي حيويته وديناميته. ونظرا لأهمية الصراع مبدأ عاما في الحياة، فإن (هرقليطس) كان يقول "بأن الصراع لو انتهى لانتهى العالم، وأن كل شيء في صيرورة دائمة". (4)

6- الخطاب الديني

 (الفقيه) ومن يلف لفّه هو عامل الشر في هذه الرواية، فهو فقيه جامع (المدشر) والذي يمثل السلطة الدينية والسلطة السياسية، وينافق الجميع، "أرا فلوس القراية... راه من الصباح وحلقي خارج." ويجيبه ّإدريس، يخلص الله آ الفقيه. (ص71) لا يعمل شيئا بالمجان. وهو و(عليلو) الذي يلازمه كظله، المهووس به. وعندما يموت (سموحماذ) يظهر أسفا وحزنا عليه نفاقا وتظاهرا... فهو لا يفوت فرصة دون الركوب عليها لاستمالة ضعفاء الحال بكل بشاعة. يأتي سكان (المدشر) ببهيمة "شارفة"يذبحونها. ثم يقولون: إن هذه المساعدة أتتهم من "سعادة" الرئيس... لأجل التصويت في الانتخابات المقبلة.. ولن يكون لغير رئيسهم، ثم يوهمون الناس بأنهم "لا يرجون منها سوى ابتغاء مرضاة الله". (ص74) و(عليلو) وأصحابه ما يفتون يشيدون بين سكان (المدشر) ببركة (الفقيه) ويذمّون المستشفيات وأتعابها الكثيرة.

 ومن يتكلم عن (الفقيه) بسوء أو بفظاظة ويكون الرد عليه: "...الفقيه ما معاهش للعب... والله حتى نحش للقح... د ياه الركابي بالدعاوي."(ص25) ولما تزور رحمة (الفقيه) يقف (عليلو) لها بحزم.. "الدوا آبنت عمي عبسام ما يكنوشي بالبيض د (الحراصة).. الفقيه خاصو الصحيح، خاصو المال أ مراة سموحماذ.."(ص28).

7- اللغة في الرواية

* الحوار

من أوصاف الحوار الجيد، أن يكون موضوعيا فعالا وغائيا شائقا، نابعا من أبعاد الشخصية الروائية، وأن يتجاوب مع طبيعتها وموقفها، حتى لا تتحول إلى بوق يردد آراء الكاتب ومواقفه. وأن يكون مصاغا وفق ما تتطلبه الحركة العامة للنص، كما ينبغي أن يتسم بالحيوية والقدرة على الإيحاء. فلا يظل على وتيرة أو إيقاع واحد، حتى يستطيع أن يؤثر في المتلقي، ويشوقه إلى متابعته إلى نهايته.

 لقد اتسمت اللغة في هذه الرواية، إلى غاية الفصل العاشر، بطول الجمل والإفاضات، و لاسيما في المواقف التي تنحو إلى التفسيرية والخطابية، مما جعل الفعل الروائي في كثير من الأحيان يتصف بالسكون والاستقرار.

* أسلوب السخرية

يكثر الكاتب في أسلوبه من التورية، وهو الإتْيَان بِلَفْظ له مَعنَيان، مَعْنى قَرِيب ظَاهِر غَير مَقصُود، وَمَعْنى بَعِيد خَفِيّ هو المقْصود. مثال ذلك عندما يتحدث أحد الأشخاص بتهكم وبسخرية مع المختار على (سيموحمّاذ) بأنه لم يجد من يعينه، ولا من يعيره أدوات الفلاحة يقول آخر: "باركا عليه الحرث رحمة... آش بغا بالفلاحة؟ الفلاحة خاصها الريجال المختار.." (ص25). وعندما يسمع الجميع أن (سيموحمّاذ) لا يلد غير البنات وليس عنده ذكر يرثه: "وماذا سيرث منه؟ الزلط؟" (ص15). ويقول ثالث: "لقد فاته الغرس قبل مارس".

وعندما يبدأ الموسم الدراسي، يدخل إدريس القسم أول مرة، فيرحب به التلاميذ كأنه عريس: "الصلاة والسلاااااااام على رسول لله... إيلا جاه جاه سيدنا محمد... الله معا الجاه العالي"(ص37). ومنهم من أقرانه من التلاميذ من يلقبونه ب"الوالد" لكبر سنه. ويسأله معلم (المدشر): ما اسمك يا عمّي؟ لوقاره، فيجيب في هدوء: إسمي إدريس بن (سموحمّاذ) من التْشَّار (...) السّي. فلمّا يُسأل عن عمره في أفناه فيجيب بباسطة: "آه... التشارد الضياع". قل! وأين كنت طول هذه المدة حتى فاتك وقت التسجيل؟ ويجيب: "كنت أرعى الغنم والبقر والماعز.." ويندهش المعلم لما سمعه من هذا التلميذ.

ولما ينظر مدير مدرسة في ملف إدريس نظرة يقول مندهشا: "هذا آلشريفة راجل تبرك الله، خاصو يخدم بالفاس... ماشي يتقيد ف المدرسة" (ص35). ويحسب إدريس بأنه قال لها يذهب به إلى فاس، فنظر إلى أمه وقال: لماذا تبكين يا أمّي؟ الم تسمعي أن الرجل قال إنني سأشتغل في فاس؟ (ص35) التضاد بين (بِفَاس) المدينة المغربية والفَأْس الأداة المعروفة للحفر.

ولما يُطرد للمرة الثانية من المؤسسة التعليمة قال لوالده: "طردوني الوالد... راه كنا كنا ناضلو..."(ص43) وقال له والده في غمزة "شكون اللي ناضلو أولد الحرام؟ ها؟ اهدر آ بالكيدار لاخور... واش أنا صيفطتك تقرا ولا تقابل اللي ناضلو (ص43). وهنا كناية عن الانتصاب.

ولما تضيق عليه السبل، يلتجأ إدريس إلى شخص كان يعرف والده، ويتسلح في طريقه بأنواع من الأسلحة، لأن الوصول إليه تكون ليلا: "كبوفنتشيل" وسكين "بنقشة"... كان كل من رآه على هذا الحال يظن أنه في طريق إلى غزوة كبرى، من أجل فتح "تاينزة"، و"ايسلان"، وغمارة" أو "كتامة" (ص87). وعندما يخيب ظنه في ما قصده إليه يتبول على فراش الذي ضيفوه وسخرون منه، حين شبه أحدهم يديه بيده العروس، ويعود إلى (مدشر الضياع) خاوي الوفاض.

 وبعدما يقنع "الحسن" إدريس بالعودة إلى المدرسة يتأمل أهل المدشر فيقول في غمّ: "يأكلون كل شيء، وينكحون أي شيء، حيوانا أو جمادا حتى..." (ص78). ولما يلتجئ إلى (مدشر) آخر للبحث عن عمل، تنظر فتياته خلف النافذة فتقول أحداهن: "آ يمّا، هاد الوّد جا يخطب واقيلا ياخ... فتجيبوها أمها: "جَا يَخْرا هاد الكنس النّاقص.."(ص88) ويشير الرجل أثناء السهر مع إدريس خارج البيت: "القضية عيانة هاد العام والوقت خارية مزيان... كاين ع المازوزي، وحتى هو قليل.."(ص90) وينصح إدريس بالرجوع إلى أهله ويرى العمل لأن الحفر بالآبار عمل صعب.

* اللغة الصادمة

هناك من الكتاب من يعتني بلغة روايته وبتزينها وتجذيبها من كل الكلمات النابية والصادمة، لكن مع كاتبنا مصطفى الجرتيني، يصرح منذ البداية بأنه ستكون لغته صادمة ونابية، ولا يختار ها "بل هي من تختار نفسها.. وحتى وإن أردت اختارها فلن أستطيع" (ص5) وكأننا أمام كاتب يكتب ولا يحتار في أمره مع كلماته ومفرداته وأسلوبه. ويعرف بأن الكلمة هي الأسلوب...

يقول (سيمُوحمّاذ) في لغة صادمة: "أولاد الكلاب هؤلاء... إنهم لا يكفون عن مضايقتي ليل نهار... لا ادري ماذا فعلت لهم، هل ضاجعت أمهاتهم أم ماذا؟". (ص17) المضاجعة، كلمة نابية يقولها في معرض كلامه عن من يشير له بسوء. ويردف قائلا:"سأريكم الكشكوكة، يا أبناء الزنا جميعا... لا تستعجلوا".(ن،ص) يقولها عندما يعترض أحدهم عن عدم إنجاب الذكور. ويضيف"لن أصلي خلف فقيه زان... وعندما يلج المسجد، يأخذ سبحته ويشرع في الكذب على الناس.." (ن،ص) فالأب يتهم الفقيه بالزنا، والفقيه يكيل التهم على عواهنه ل(سيموحمّاذ). يقول أحد الجيران: "واش هادا (سيموحماذ )ولا كذبت. فيعري الأب على عورته قائلا: "ها البركة أولاد الق..."(ص18). وعندما سمع أن سكان المدشر ما قاله المختار قال: "الله ينعل جد بوهم الكلب... لقد بعت رزقي منذ أيام لأحد سكان الدوار المجاور". ويقول: "أولاد تسعط رهط... قالوا اليك ووالله شي واحد ما ما يشري منك!"(ص20).

وحين يريد (العربي) أن يتودد عند زوجته في أن تمده بمبلغ من المال لشراء الكيف.. "ما نجابت الصايار: (وهي تشير إليه بإصبعها الأوسط): "ها الصايار... ها هو"(ص30).

 وعندما يريد أن يسمي ابنه في العقيقة يقول لزوجته"...باباك كان عا شفار.." (ص24) وإن رصدتها عيون المجتمع الصغير في "كاميرات المراقبة" فيقول "تجمع خراءها شرويط"(ص36). وعندما تمّل (رحمة) من الأشغال في البيت، والعمل عند الأسياد في (المشدر) تنتفض في عصبية في وجه هؤلاء القوم التي استغلوها هي و(سموحمّاذ) كل هذه الأعوام وهي صامتة.. "ما حشمتوش يا وجوه الذل؟ عيشتوه في الجحيم حياتو كاملة ودابا باغين ديرو ليه الحفلة! لعنة الله عليك. (ص72)

 وحين يطرد إدريس من "الخيرية الإسلامية" وتسد الأبواب في وجهه، يقول الأب للأم سنرسله عند بعض (الجوامع) لكي يتعلم القرآن.. وتنتفض في وجهه "ولله لا كانت ليك... حتى نسيفط ولدي يحنّش ف الجوامع ويجيب لك باش نشري الكيف."(ص32). ولمّا تعيش (الحكرة) الداخلية ونيران المحيط تثور في وجه (سيموحمّاذ)، "أنا ولدي نخمس عليه ونقريه... ما بغيتش نبقى ضحكة للشمايت... الشماتة الكبير... آ قليل النفس."(ص32).

فرجال الشرّ وأعداء (سيموحمّاذ) مافتئوا يصيحون بنصر (الفقيه) وعلى من عاداه، ويُعلون بالجامع الذي يؤدون في الصلاة، في كناية على الفقيه. وعندما يُكلّف ولد الخمار أن يتوسط بين (سيموحمّاذ) وبين جماعته فيرد ولد الخمار: "والو آسموحمّاذ... حلفت عليك الجماعة... هذا جهدي أجاري". ويرد عليه هذا الأخير: "آودي ربّي كبير... الله يخلف على الرجال ويبعد عنا الشمايت..(ص26)

8- المكان في الرواية

غالبا ما يحدد المؤلف المكان الروائي، أو يأتي في سياق حوار الشخصيات. إلا أنّنا لاحظنا أن الأماكن في هذه الرواية (مدشر الضياع) التي تجري فيها هذه الأحداث، إما مكان مغلق، أو مكان شبه مغلق. وهذان المكانان بنوعيها ينتميان إلى حقول دلالية متنوعة، منها الاجتماعي، والديني، والسياسي، والثقافي الحضاري.. إلا أن أحيانا الإشارة التي يرسلها المكان تعبر عن مفارقة بين الشخصية والمكان.

وأول ما تبدأ الرواية به بيوم بارد فيها الأمطار تصر على إغراق الدوار، "لا أحد يجرؤ على مغادرة بيته. كل السكان مقرفصون حول "الكانون" لتدفئة أضلعهم المتجمدة" (ص11). وحماية الناس أنفسهم تتمّ ضدّ قوة الطبيعة. ويقول الانسليون بأن الجملة الأولى التي يبدأ بها السّرد في الرواية هي التي تكون المبدأ التي تسير باقي السرد إلى النهاية.

والملاحظ أن الكثير من الأماكن تكون مغلقة: كالمسجد، والزاوية، وبيت سيموحمّاذ، والدوار، والمستوصف الذي يرسو فيها كل سنة التلقيح المجاني. والمسجد تكثر فيه النميمة والبهتان من طرف (فقيه) المسجد ومساعده (عليلو) الذي ما فتئ يقول عنه، فكل نساء الدوار يقصدنه فيشفين على الفور. "بركته تتجاوز "بركة" المستشفيات العمومية، وأتعابه ليست كثيرة".(ص26)

أما سيموحمّاذ فيقول عنه: "أتريدني أن أرتاد مسجد الدوار؟...لن أصلي خلف فقيه زان..."(ص15) ويُعرّه الناس الذين يصلون وراءه، ونساءهم يرتدن أماكن أخرى يا معشر البهائم. ولكن (فطيطم) كانت على علم بكل ما يروج بكواليس المسجد عن طريق زوجها. بأن (سيوحمّاذ) كشف عن (أريه).. وأخبرت تفاصيل عن رفض (الفقيه) علاج ابنه إدريس، وما تعرضت له من استفزاز من طرف (عليلو)، وقالت له: إنه لم يعد له مكان بين الجماعة.

وكلمة الدوار تتردد الكثير من المرات للدلالة على سلبية شخصية (سيموحمّاذ)، الذي أصبح مثلا للتنكيت والتوبيخ، لأنه لم يلد سوى البنات وليس له ذكر. ولكنه ما ولد له ذكر أصبح يمشي لأول مرة في أرض الدوار مزهوا مختبرا. وفي ليلة الحفل، توجه نحو منزل البراح ليطلب منه إشعار أهل الدوار بحلول حفل العقيقة(ص19).

وإذ يصل إدريس إلى الدوار يصادف جنازة "رجل". وأثناء مروره بجوار الطريق المحاذي لمقبرة الدوار، والمؤدي إلى منزلهم، تبين أن الأصوات التي تردد "لا إله إلا الله سموحماذ عباه الله" يدرك أن أباه آنئذ هو الذي مات.

وكان (عليلو) يصرح بأنه يعشق الفقيه ومعه (الجامع دياليا)، عند ذلك يصرخ من شدة الفرح: الله ينصر (الفقيه) على من عاداه، نكاية في (سيموحمّاذ). وعُرف (عليلو) عنه في الدوار، إنسان كسول وثرثار، شغله الشاغل هو تقصي أخبار الناس وعرضها على رواد المسجد لمناقشتها، والتشفي فيهم.

وممّا أقلق (رحمة) في الدوار، هو أثناء أفرغت ما في جعبتها من أكاذيب على ولدها إدريس، حين قالت بأنه لم يقبل بوظيفة (الجندرمة). وعندما أفاضت بها الكيل واجهت زوجها بكل عنف "اهدر آلجرو بالجرو لاخور... عجباتك هاد الشوهة؟ ها؟ وسختيني ووسخت ولادك قدام الناس دالحومة!"(ص29). وعندما يصّمّم العزم على بيع قطعة أرضية صغيرة للغير، كان قد ورثها عن أبيه يعارضه من أهل (المدشر). وعندما يأتي موسم الحرث، لن يجد في يده (الحمارة) والبقرة اللتّان سبق أن باعهما، آنئذ يعرف الزلة التي وقع فيها.

والأرض تأتي تكرارا في الرواية، لأنها هي البؤرة التي تشتد حولها الخصومة بين (رحمة) وأخوتها، وبين (رحمة) وزوجها، وحين تريد أن تبيعها للحصول على مصاريف لإدريس، يقوم أحد الإخوة "اﻷرض إلى ما تشرات ما تباع الشريفة."(ص52) ويضيف "وحنا اللّي كنحكمُو... فين عمرك شفتي شي مْرَا كاتبيع الأرض؟" وهذا محال في عرف أهل (المدشر). ولكن أمام إصرار (رحمة) على بيع أرضها، تقف لهم بالمرصاد ولو التجأت إلى (المخرن). ويأتي أحد الأخوة بحيلة فتبيعها له، يقول لها: بأنه بمجرد ما ينتهي من بناءها حتى يُخصّص لابنها بيتا من هذه الأرض.

والدكان، مكان كان يتردد عليه إدريس ليأخذ حاجياته من المعيشة، ولذلك استيقظ باكرا لكي لا يراه (باالمفضل) فيطالبه بالدين الذي عليه. هنا يبرز شظف العيش الذي كان عليه إدريس.

وكانت (رحمة) تفرح فرحا عامرا، حين تفتح الجامعة أبوابها لأن إدريس سيحقق حلمها، وخصوصا حين يتذكر جوّ الجامعة، وما كان يحدثه صديقه الحسن عن ظروف الامتحانات التي تكون في نهاية السنة. غير أن فرحتها لم تكتمل حين علمت أنه لم يكن باستطاعة أن يدفع المال، الذي هو مطالب به قبل الشروع في التداريب ليصير محاميّا. بل وعجزت عن إرساله ثانية إلى المدينة للاستكمال دراسته بالسلك الثالث.

* خاتمة

أتت رواية (مدشر الضيّاع) لمصطفى الجرتيني، لتعّري جوانب من المغرب العميق، وتكشف عن الخروقات التي يعيشها الناس البسطاء أمام سلط ما فتئت تفتري على السكان في الدوار. وأعوانها الذي يكذبون على الناس مقابل دراهم معدودة. وصور الدرس التعليمي في القرى والمداشر البعيدة، والجامعات ومشاكلها، والطبقة الفقيرة... واستغلال البسطاء من العمال في الأرض وفي البناء. إنه عالم مرّ، يسخر منه الكاتب بطريقته الخاصة، وكأنه يضحكنا ولكن يُبكينا.

 

د. معمر بختاوي

..........................

المصادر

1- نقلا عن محمد خطابي: لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي، ط 1، 1991، بيروت، الدار البيضاء، ص 60 .

2 - إمبرتو إيكو: سيمياء العرض المسرحي، نقلا عن المرجع السابق، ص52 .

 3- د. عبد القادر القط: من فنون الأدب المسرحية. دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت،1978، ص24 .

4- نقلا عن د. عدنان رشيد: مسرح برشت، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1988، ص 62.