المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

التناصف الإنساني عند الروائية عبير العطار

البناء الفلسفي: تعد هذه الرواية نموذجًا لأدب المرأة، هذا الأدب الذي كثرت النقود والكتابات فيه، منهم من عد الأنثى مخلوقًا خاصًا في العواطف والأحاسيس، ومنهم من ساواها مع الرجل، ومنهم من فوّقها عن الرجل بالأمومة والأنوثة وصفات أخرى تتفوّق فيها عليه بجدارة، و حين قرأت تلك الرواية بعمق، وهي المحاولة الأولى للروائية عبير العطار، تغيّرت لديّ كلّ المفاهيم التي قرأتها في الأدب الأنثوي، و وقفت عند خطّ رسمته تلك الروائية بعبقرية وحرفنة، فهي روائية متفوقة وضعت خطًا واضحًا بين الأنوثة والرجولة، ولم تقرّ التناصف الأنثوي بعدالة القول، بل بسلوك الممارسة، والتناصف الفكري بشكل فلسفي، وجدلية تستحق الوقوف والتأمّل، كأنّها تقول: لا بدّ للمرأة من رجل، فهو قوّة في كيانها رغم تجاوزه معها الخطوط الحمراء، ذلك أمر طبيعي تبلغه المرأة، دليل إثباته فشل الأنثى في تحقيق ذلك يجعلها بؤرة للأمراض النفسية والإحساس بالنقص.... وعادت من جهة أخرى، لتقرّ هذا التناصف المفروض بقوانين الطبيعة، لكن تلك المرّة بين المرأة والأنثى، وبشكل فلسفي، فاعتبرت المرأة رمزًا ومركزًا للأنوثة، وقد تكون مرتكزًا لها في احترامها الذاتي لتلك البيئة الأنثوية بالسلوك والوعي، وفي ذلك تتفوق المرأة بالأنوثة على كلّ مخلوقات الله في ممالكه الأخرى، وفي المملكة البشرية تتفوّق على المرأة وعلى الرجل، وتمسح التناصف الطبيعي المقرور بينهما، وأعطت الروائية عبير العطار دليلاً في ذلك، الوعي وثقافة البطلة (بانسيه) كان نموذجًا أنثويًّا لهذا التفوّق، سحق السلوك السلبي للمرأة والرجل في ديمومة التخلف، وتمثّل ذلك بشخصيتين أقرّتا الصراع الدرامي المتمكن فلسفيًّا على طول خط الصراع الدرامي في تلك الرواية، وبشكل مزدوج, مرّة بين الخير والشّر، وأخرى بين الشّر والشّر، بشكل لم أره من قبل!!! فشخصية (عائشة) وهي أخت البطلة ( بانسيه)، هي رمز إنساني سلبي، يقرّ التنصُّل عن العلاقات الإنسانية ببديل المصلحة، حين ينتزع الوعي والثقافة، ويلبس جلباب التخلف والأنانية، فينتج عن هذا الصراع أن تُودِع أمّها بيت المسنين، وهذا الصراع قوامه الخير المتمثل بالبطلة (بانسيه) والشّر المتمثل ب (عائشة)، وقد حرَّكت خيوطه الدرامية والفلسفية حتى موت نبيل.... أمّا اللمحة الفلسفية الأخرى، فهي صراع ثلاثي بين الشر والشر والخير، وقد تمثّل ذلك بصراع أدارت دفّته الكاتبة الروائية عبير العطار بحرفنة متناهية، ومثّل ذلك برسم أبعاد شخصياتها بخطوط فلسفية، بقلم المصير فوق مسرح الديمومة، أبطال هذا الصراع هم (نبيل) زوج (بانسيه) خان زوجته مرارًا، وهي تعلم ذلك، لكن (بانسيه) حتى وإن استغرقتها موجات الأنوثة بمقابلة شخص آخر في شقته, وسمحت له بالمعانقة اعتبرت ذلك محاولة للخيانة، ندمت عليها جدًّا، وعادلت كفّتها بالحنين والتّوق إلى حضن زوجها ومسامحته لخطأ لم يقع، قابل هذا الصراع الغير منصف والراجح نحو الكفّة الأنثوية، الصراع الآخر، بين الشر والشر، المتمثّل بالزوج نبيل والأخت عائشة، الأول بانتهاك حرمة العلاقة الزوجية المقدسة بالخيانة، وعائشة أيضًا التي اخترقت علاقة الأمومة المقدّسة بالخيانة، فأودعت أمّها بيت المسنين، نقطة فلسفية راقية أدارتها الكاتبة بعبقرية سردية غير مسبوقة.

 البناء الفني:

بنيت تلك الرواية بشكل واعٍ ومدروس ووعي بكل التفاصيل الفنية للروي، فقد جاءت الأمور الفنية متكاملة ومتسلسلة ومتفوقة عن المألوف، من عنوان، وصراع درامي متفوّق، وعقدة (بل عقد متعددة استخدمتها الروائية لأغراض فنية أخرى) وصراعات مختلفة بين الخير والشر، والشر والشر، ومثّلت ذلك بشخصيات مدروسة، وكان الانفراج المتعدّد الأغراض، يفضي بنهاية، تقذفها الروائية بعبقرية على وعي المتلقي، فهي لم تعطِ نهاية واحدة، بل ألمحت لواحدة، وكلّفت المتلقي بأخريات، قد يضعها هو بعمقه الثقافي الذي أشارت لها هي بمقولة فلسفية بسطور، كانت الحبكة في الرواية بسيطة جدًّا كواقع إنساني، لكن الهدف من ذلك كان واضحًا، والإشارة نحو رمزية الخطأ والصواب في قضية العلاقات بين الناس، فهي إشكالية فلسفية، وليس أمرًا عاديًّا يتخطاه المرء بعد القراءة، كان الموضوع شيقًا، وهو بؤرة برغماتيكية ستتمركز عليها الروائية عبير العطار، وهي استراتيجية الدفاع عن حقوق المرأة، وهذا حق مشروع رسمته تلك الكاتبة كطريق رصين لأدب رصين في جميع كتاباتها القصصية والروائية.

البناء الجمالي:

بهرني في قراءتي المتعمّقة لتلك الرواية الموسومة (بانسيه)، رجاحة الجمال في الأسلوب الرمزي العميق، فهي لم تساكن المباشرة مطلقًا، ولا تطيقها، لذلك تقذف جميع مفرداتها وعباراتها من خلف جدار التقريرية والقص، لذلك تأتي جملها بعمق أدبي متميز، لا يتحمّل المباشرة، وقد امتاز أسلوبها بدراسة المفردات ودلالاتها ومدلولاتها ومفاهيمها الذرائعية بشكل عميق، يعرض طريقة في التعبير السردي الحقيقي، فكل عبارة منها تعطي احتمالات مؤجلة (Prospective Possibilities) بالرمز والمتابعة بالأثر التحليلي، وهذا النوع من الأسلوب يقرّ مقدرة التمكّن السردي للروائية عبير العطار، فالرواية ليست جنسًا إخباريًّا مباشرًا، بل هي عمل أدبي يحمل فكرًا و رؤية و قضية... كانت الصور الأدبية راقية جدًّا، وقد خضعت لمدرسة الجمال والفن للفن في صياغتها الأدبية، فقد أحسست في قسم منها بريشة الرسام وألوانه، وهي تبهر نواظري، وبأخرى بعزف منفرد بناي راعٍ حزين، في مسرح طبيعة خضراء، أمام شويهاته، فصورها الراقية والمدروسة تنقّل المتلقي نحو رحاب الطبيعة الساحرة وجمالها العذري، أما حواراتها، فكانت حوارات تنمّ عن دراية وتكثيف فلسفي قبل أن يكون تكثيفًا أدبيًّا، كانت تلك الحوارات تحليلاً راقيًا للشخصيات ونفسياتهم وميولهم الإنسانية.

 برعت الروائية عبير العطار بالسرد الأدبي المدروس، ونوّعت السرد، واستخدمت كلّ أشكاله، القريبة والبعيدة، والخارجية والداخلية، كانت الرواي، ثمّ المتكلم، والمخاطب، وأعطت الاثنين حضورًا، ثم انتقلت نحو الخارج، فجعلت الغائب يسرد من داخل الرواية، ومن خارجها بضمائر الغياب، فالسرد من الداخل صاغته بوميض خلفي (Flashback)، وبحوار داخلي ومحاكاة ذهنية (Stream of Consciousness)، واستخدمت البديع والجمال، والبيان وجميع العناصر البلاغية من طباق وجناس وتورية، وتشابه واختلاف وتشخيص…. التدوير : استطاعت تلك الروائية الراقية عبير العطار، في أول محاولة روائية، إجادة فن التدوير الروائي، فقد نقلت السرد الداخلي من حالة اللاوعي نحو الوعي مرتين، وجعلت أحداث الرواية متماسكة بشكل دائري، يكمّل بعضه البعض.... عسى أن أكون وُفّقت في هذا التحليل.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4178 المصادف: 2018-02-12 11:59:45