المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

إشارات: إلى القصيدة والشاعر سمير سنكري

88 مسر سنكريتنبيه:

(الشعر ضد العقلانية)

أدونيس

غاية:

(الفن خلقٌ وإبداعٌ بهِ ألمُ     يأتي إلينا من الوجدان يرتسمُ)

سمير سنكري   

الإشارة الأولى

حالة الإبداع هي حالة لا وعي تطفر من العقل والمنطق الاستقرائي لمكونات الوجود، رائحة إلى خروج لا عقلاني عن نمطية التفكير العقلي لتكسر كلَّ أطواق التحاليل المنطقية (التي تحاول عقلنة الحياة عن طريق تفسيرها وتشريحها وفكفكتها إلى مكوناتها المادية ملغية المكونات الروحية والفكرية ... فالحياة تؤول وتعاش لكن لا تُفسّر) ... فتطلقها فاردة أجنحتها الإبداعية في عالم غير معقلن أو بالأحرى معلمن (من العلم) ..

و الشعر حالة انفلات شعوري من الوعي إلى اللاوعي الدفين في ذوات البشرية، والشعر فراشة لم تعرف سرَّ النور فراحت إلى موتها على طريق الكشف والمعرفة..

فعقلنة الجمال تكسره وتأسره وتشوه طبيعته الجمالية الخلاقة عن طريق قتل الرؤية فيه فالجمال لا يُعقلن إلا كي يُدرس ودراسة الجمال وتفكيكه ليست عملية إبداعية خلاقة بل هي استقراء تفكيكي مخرب للرؤية الجمالية للإبداع ... فالعقلنة هي ضربة قاضية على الإبداع الكوني إذ تُجرده من روحانيته الرؤيوية وتأخذه إلى مادية صامتة وجامدة في محدوديتها، فلو أنَّ المعري وضع شعره في قالب الفلسفة لاندحرت الحالة الشعرية الرؤيوية لشعره أمام منطقية الفلسفة، وفرضت الفلسفة سيطرتها على قصيدته وأخذتها إلى عدمها الإبداعي، هذا لا يعني أن الفكر الفلسفي ليس فكراً إبداعياً فهذا غير مقصدنا فالكر الفلسفي وليس هو الفلسفة ..

و كذلك فعل فيلسوف العرب ابن سينا في قصيدته الشهيرة (النفس) آخذا الفلسفة بأجنحة الشعر إلى حالة رؤيوية لا واعية بل حاسَّة وشعورية تفرد مساحات من الفكر الفلسفي كي تكتشف عن طريق الشعر كينونة النفس كما يراها الشاعر هو كشف حسي يتعامل مع المدركات والمعقولات في صياغة فنية خلاقة ..

و الشاعر سمير سنكري لا يكتب قصيدته إلا كحالة فكرية متعمدة، تحاور الواقع من خلال النظر الرؤيوي إلى مكونات هذا الواقع .. من إنسان وأشياء محيطة به ومحيط بها، ويرفض أن يكون الشعر لا فكريا وبالطبع لا خلق ولا إبداع دون فكر ؟؟!! (فالشعراء العظماء مفكرون عظماء) كما قال أدونيس ..

و العقلنة التي تحدثت عنها هي ليست الفكر فلا شعر دون فكر وثقافة وإلا تحول إلى عدمٍ لغوي مجرد من الرؤية ، والشعر إبداع فكري والفكر هو الرؤية ولا إبداع دون رؤية

من هنا تبدو قصائد الشاعر سمير سنكري في بعض الأحيان مركزة على الفكرية على حساب الحالة الشعرية وهذا ما يقصده بالفعل الشعري الشاعر نتيجة لقناعته أن الفكر هو الشعر فتخبو حيناً الرؤية أمام قصدية المضمون الفكري التي تجعل الحالة الفكرية مسيطرة على الحالة الشعرية وهذه اللحظات بدأت أراها تتلاشى كي يسرح الفكر بانسيابية مطلقة من خلال مكونات الحالة الشعرية للشاعر وقصائده الأحدث فنحن نكتب قصيدة أولاً فعلى الفكر أن يكون جزءً من الحالة الشعرية وليس العكس، فالحالة الفكرية لا تكتب قصيدة رؤيوية .

تنبه2:

(الشعر .. وميض برق، والنظم ترتيب كلام، فليس إذاً من الغريب أن يرغب الناس في الترتيب وهو في مرتبتهم، دون الوميض وهو في الفضاء)

جبران خليل جبران

غاية2:

( حجم القراءات التي قد أظهرت   روح البيان ... سرقت عيوني من غدي)

سمير سنكري

الإشارة الثانية

تعاني القصيدة العربية (بنمطيها الشكليين: قصيدة الوزن بأنماطها المتعددة وقصيدة النثر أيضاً بأنماطها المتعددة) في هذه المرحلة الزمنية من الترهل الفني الناتج عن عقدة مرضية أصابت الشعراء وانتقلت إلى الشعر وراثياً وهي عقدة (و بإمكاننا تسميتها: وباء) التقليدية الناتجة عن النقلية فمن نقل الشكل أسره اللفظ أو الفكر الذي يحمله هذا الشكل فغرق حتى أذنيه في الشكل والمضمون ورغم كل عيوب هذه النقلية التقليدية إلا أن وبائيتها المرضية تتجلى في اختيار ما ينقله ويقلده ويتنسخه هؤلاء النقلة (و بالتأكيد ليسوا بالشعراء) هو أسوأ مراحل القصيدة العربية فمن قصيدة النثر يُقلدون ( بل ينسخون ويمسخون) أسوأ القصائد لأنهم غير قادرين على تقليد ؟؟!! تجليات قصيدة النثر عند شعرائها الرواد والمبدعين بل يروحون إلى فتات قصيدة النثر ويمسخونه .. فأية قصيدة ستكون لديهم ؟؟ وكذلك في قصيدة الوزن تجد هؤلاء المستشعرين عن ( لطش) يذهبون إلى عصر انحطاط الثقافة العربية ويستنسخون نتاجاته الشعرية فيأتي استنساخهم مسخاً شعرياً لا علاقة له بالمنسوخ عنه ولا بالشعر .. وسبب استسهالهم هذا الشعر لأنه في مرحلته كان قوي البنية الشكلية وضعيف الحالة الشعرية فلم يأخذوا قوة البنية الشكلية فقط بل سيطرت عليهم حتى الحالة الشعرية فبدت ألفاظهم وتركيباتهم اللغوية غريبة عن حالتهم الزمانية وكأنهم من شعراء عصر الانحطاط المستنسخ فلا هم عبروا عن عصر الانحطاط ولا هم عبروا عن عصرهم فضاعوا في مرض التقليد الأعمى ... كما فعل بعض الذين استنسخوا الشعر الأجنبي ... ويرجع ضعف مناعتهم تجاه هذه العقدة إلى عدم قدرتهم على قراءة الجمال في نمطي القصيدة العربية وحتى الأجنبية والاستفادة منها في بناء قصيدتهم بل كان الأسهل بالنسبة لهم استنساخ الماضي والحاضر وحتى الأجنبي

دون أن نترك لرؤيتنا المجال كي تتطور فاغتربنا عن حالنا وذهبنا إلى أحوال أخرى...

فيبدو الكم التراكمي المذهل من الكتابات الموبوءة بالتقليد والاستنساخ يجعلك تهرب من القصيدة إلى أيِّ شيء آخر ...فهل يبدأ الشعراء بكشف أسباب هذا الوباء ومعالجة آثاره المدمرة على القصيدة العربية ..أم.؟؟!!

الشاعر سمير سنكري .. أحد الشعراء الذين استطاعوا أن يتجاوزوا التقليدية حتى بأبهى حللها لفظاً ومعنى، فلفظه يتميز بتراكيب لغوية متقنة البنية ومبتكرة الحساسية والبناء كي تعبر عن معنى شعري وفكري محلق في فضاءات الحالة الشعرية، ويتميز التركيب اللغوي والرؤيوي لديه بحالة من التناغم الجدي، فيحاور لفظه معناه في تواشج توأمي الحالة بحيث تكون قصيدة متوحدة اللفظ والتركيب، وهذه الميزة (وحدة القصيدة) تميز مجموعته الأولى والثانية وكل ما قرأت له من قصائد، فقصيدته تعبر عن وحدة بنائية وفكرية شاملة للحالة الرؤيوية التي تتجلى من خلال اختياره الموفق للنمط الشكلي الموآخي للحالة الفكرية للقصيدة بحيث يُغرق المتلقي في حالة جمالية مميزة.

فرغم تعدد المضامين الفكرية لقصائد الشاعر، إلا أنك تجد نفسك غارقاً في نهر شعري واحد تتغير مياهه في كل قصيدة لكن النهر يبقى كما هو ..، فعندما تنتهي من قراءة القصيدة الأخيرة في المجموعة تجد في نفسك حاجة ملحة للعودة لقراءة القصيدة الأولى فيها كي تكتشف القصيدة والشاعر من جديد... فكل قصيدة تعطيك مفاتيح أكثر لكشف قصائد الشاعر وهكذا تتراكم المعرفة الشعرية لديك فتزداد حنيناً لكشف ما لم تكتشفه عند قراءة النص لأول مرة.. مفاتيح القصيدة عند الشاعر متعانقة ومتلاحقة كمتوالية قصائدية ... فقراءة الشعر تحتاج إلى ثقافة كما هي كتابته.

تنبيه3:

(الشعر كلّ ما هو جميل، كل ما لا يُستطاع شرحه، وليس بحاجة إلى شرح)

الشاعر الإسباني خوان رامون خمينيث

غاية3:

( أنا الحريص على صدقي فوا أسفي     أن يُفهمَ العكسّ في شعري وألحاني

أحيا على قيم بالحبّ تمنحني            وعياً   أعيش به   يسمو   بأركاني )

سمير سنكري

إشارات جمالية

(1)

تعرف القصيدة كيف تأخذ الشاعر من قيلولته الفكرية إلى البكاء دموعاً من أنغام ومشاعر الاستيقاظ، وتعرف كيف ترسم بمفرداته اللهفانة وجعها بضعاً من عرقٍ يمشي نهراً من دماء الشاعر وورود روحه المعبأة في سلال من ضجر .. كي تفتح نوافذ من هواء الإبداع في قلاع قلقه وكآبته لتأخذه إلى غابات الكلمات المشرقة بالاخضرار فيلهو في بهو حقيقته المتعلقة بصباحات تخرج من كفيه إلى صفاء البوح المسافر غيوماً من الوحي العبقري إلى حالات من الأناقة الفكرية

(2)

سمير سنكري .. شاعر تروي القصيدة أوجاعه وتحكي المفردات صباحات بنفسجة قلبه التي تعطر اللحظات باللهفة والمتعة الناضجة على موقد الوعي ..

شاعر تنهزم أمام حروفه أناقة الليلك وبكاء الحمام على وليفه الذي أنزلته رصاصة من علياء الحياة إلى الموت ...

سمير ... شاعر لا يكتب إلا برؤاه وفكره ... وفي لقصائده الوفية للإنسان الجميل الساكن فيه

(3)

كي تقرأ قصيدة سمير سنكري عليك أن تعرفه .. فهو من الشعراء الذين يتماهون في قصائدهم، وقصائدهم تتماهى فيهم ...

(4)

للقصيدة عند سمير سنكري .. طعم خاص ومذاق رؤيوي يلتهب في حلقك كالنعناع ليعطيك أجنحة من توتر وقلق تأخذك إلى ينابيع من نور المعرفة والفكر لتشرب كأساً معتقة بروحه وصافية كماء العين التي تشرب من شروش اللحظة الشاعرية التي اصطفاها من حميميته ليأخذها إلى قشعريرة الولادة الأولى لزيتونة الحياة.

تنبه4:

(ليس الشاعر بأكثر من زنبقة في جمجمة)

جبران

غاية4:

(صريحٌ في التصرف، ذاك يعني

بأني واضح، فالصدق يُجدي

سأبقى ما بقيت على وضوح

بوجهٍ واحدٍ رغم التحدي )

سمير سنكري

آخر الإشارات

لم أرغب بتقديم دراسة نقدية لقصيدة الشاعر سمير سنكري ... بل حاولت أن أشير لبعض مفاتيح القصيدة عند الشاعر سمير كحالة شعرية متميزة ذات آفاق فكرية مفتوحة للتطور الإبداعي العاكس لحالة من العشق الصوفي للوقوف في محاريب القصيدة والشعر .. وهذا العشق هو أحد أهم مكونات الكتابة الإبداعية ..

وهذه المفاتيح – كما أراها – قد تساعد المتلقي حين رؤيته لقلعة قصيدته من فتح أبوابها المفتوحة أصلاً للدخول إلى عالمه الشعري الفسيح ...

قصائده ترتكب الفعل الشعري الجمالي بأناقة الربيع المحمل بغيوم الشفافية التائقة لحرية اللفظ والمعنى في تكوين المشهد الإبداعي .. فتتجلى شاعرية من مطر يهطل على القلب لتخضر أعشاب الرؤية فيه فيتعانق القلب والعقل في فضاءات الروح راقصين على إيقاع القصيدة الفكرية الرؤيوية التي تعرف ذاتها كي تدرك ذوات الآخرين .. فتبدو مشبعة بالهم الإنساني حتى في أقصى لحظات ذاتيتها وهنا الإبداع الجميل .

 

الشاعر: مهتدي مصطفى غالب

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4271 المصادف: 2018-05-16 07:17:40