adnan aldhahir2يا أمَّ القريةِ يا أُمّي

بَعْدَكِ لم يسألْ جارٌ جارا

لم يطرقْ مُحتاجٌ بابا


 

أَرَقُ النجيبة / عدنان الظاهر

 

القلقُ أمُّ الأرقِ

يا أمَّ القريةِ يا أُمّي

بَعْدَكِ لم يسألْ جارٌ جارا

لم يطرقْ مُحتاجٌ بابا

ما شالتْ أعمدةٌ للأعلى دارا

لم ينبضْ في العَتمةِ ضوءٌ ليلا

لم يُقطعْ في القريةِ للسُرّةِ حبلُ

أو يزحفْ في أرضٍ طفلُ

هذا لا ذاكَ الباقي أوهذا

الجهدُ الأدنى لا يكفي

يتمرّدُ كالصاري طولا

لا يحملُ أجراساً أو شمعا

 

كوابيس النوم

الكابوس الأول

أفٍّ للكاشفِ أعضائي

للناصبِ في سقفٍ فخّاً وسواساً خنّاسا

يتعلّقُ وطواطاً مطّاطا

يهبطُ يعشو أو يعلو

يسقطُ في أطنابِ شِراكِ الخيماتِ السودِ

يقتلُ خُفّاشٌ خُفّاشا

الحائطُ لوحٌ مقلوبٌ جوّالُ

النائمُ غافٍ يقظانُ

نَفَسٌ يتشنّجُ معروقا

صوتُ النجوى يأتي مخنوقا

رُقُمٌ تتهاوى أختاما

الجمرةُ في حُمرةِ عينيها قنديلُ

( تتأبّطُ شرّاً ) رُكْناً رُكْنا

تُخفي الشدّةَ في ليمونةِ خدِّ السُهدِ

الليلُ عدوُّ نمارقِ فُستانِ العُرْسِ

يقسو إنْ صبّحَ أو مسّى

أو أجرى منشارَ المجرى دمعا

 

الكابوس الثاني

أَرقٌ يمرقُ بَرْقا

عينٌ تدمى ونمارقُ تندى دمعا

حاجاتٌ أخرى تأتي ليلا

حَرَسٌ يتقرفصُ يحملُ وِزْرا

يحمي جسداً يتفتتُ إرْبا إرْبا

يتقلّبُ ظمآنا

يُخفي جمرا

يضربُ طبْلا

يتفصّدُ محروقا

 

قُبيلَ الفجرِ

آهٍ يا زمنَ الدُبِّ القُطبي

آهٍ يا فانوسَ الفجرِ السحري

أتنامُ تُقاسي من جُبِّ البردِ الصبحي

تتشهّى ليلةَ حرٍّ في عِزِّ الصيفِ

لا تأرقُ لا تهذي

لا خللٌ ينتابُ مزاميرَ الضربةِ في الطبلِ

لا تطلبُ إكسيراً أو طبّاً أو كأسا

الطبُّ طبيعتُها ميلادا

صرعاها كُثْرٌ في المشفى .

 

nomida jrofiوماذا يعني رصاصة في صدري؟؟

ودم طاهر ينزف على أرضي؟؟


 

شهيد الحزب الشيوعي / نوميديا جرّوفي

 

على درب الأيّام وعلى ناصيّات الزّمان

وقفت أحدّق في الكون الغريب

الموت يحلّق فوقي

و أنا أريد أن أكتشف سرّ الحياة

السرّ الدّفين..

نسيم اللّيل يحمل إلى مسامعي لحنا ما

إنّها سيمفونية الموت

نعم إنها سيمفونية الموت الّتي تعزف كلّ ليلة

على يد جلاوزة البعث

يزيد تعذيبي

و يزيد عذابي

هذا الزّمن الهمجيّ يكبّل حرّيتي

من ذا الّذي يقتله؟

أريد أن أكتشف سرّ الحياة

قبل أن يأتي قاتلي

قاتلي..

لست أخشاك يا قاتلي

و ماذا يعني رصاصة في صدري؟؟

و دم طاهر ينزف على أرضي؟؟

المهمّ أن لا يكون لك شرف أسري

فوق ترابي

حتىّ وإن أسرتني

فلك منّي عنادي الشيوعيّ

آه..أريد أن أعرف

لم تحوّلت زقزقة العصافير إلى نعيق الغراب؟؟

و لم النّجوم غابت عن السّماء؟؟

لم تحوّل الزّهر إلى أشواك؟؟

و الأساور إلى قيود؟؟

و البسمة إلى دموع؟؟

لم اصفرّ الورق الأخضر ؟؟

لم ذبُلت الأزهار؟؟

و السّماء تمطر دموع الأمهات؟؟

لم..و لم.. ولم؟؟

أريد أن أعرف

و لكن كيف لي أن أعرف؟

إلى متى سيدوم هذا الأنين؟

و متى سيجفّ الدّمع من القلوب؟

لست أدري؟؟

تتوالى الدّقائق

تتوالى السّاعات..

و لا زلتُ على قارعة الطّريق

رفقة الصّمت المخيف

أسأل ولا أجيب.. لا أجيب..

لا زلت أحمل السّراج المنير

الأحمر رمز الفقير والكادح

الأحمر تُزيّنه مطرقة ومنجل

ماذا أسمع؟

وقع أقدام

نعم أقدام لسير بخطى متشابهة ..متناسقة

هل حان موعد موتي؟؟

و من ذا الّذي يهاب الحقّ؟؟..

مللت الانتظار

لا أعني الموت

لأنّي سأبقى خالدا للأبد

أعني الفجر الجديد

أعني شعاع الأمل

لكنّه سيأتي

لا بد له أن يأتي..

بالدّم الطّاهر سيأتي

 

نوميديا جرّوفي، شاعرة وكاتبة وباحثة وناقدة

 

 

husan alikhedayrومن القنوط واليأس

يولد هذا العالم البائس


 

يولد الموت / حسين علي خضير

 

يولد الموت

في بلادي

كما يولد الشك

في ساعة الصمت

ويولد الحزن

في بلادي

كما ولدت الارض النبات

ومن القنوط واليأس

يولد هذا العالم البائس

 

 

batowl shamelallamiأنـا حـمـامـةٌ

جـنـاحـاهـا الـمـيـسـانـيـان

مـن قـصـب الأهـوار


 

إهجرْ أمـسَـكَ واتـبـعْ غـدي

 بتول شامل

 

مـنـذ تـوقّـفـتْ شـهـرزادُ

عـن الـكلام الـمُـبـاح

وأنا أقـصُّ عـلـى وســادتـي

آلاف الـحـكـايـا

عـن رحـلـتـي فـي جُـزُر أشـواقـي

بحثاً عن أرضٍ جـديـدةٍ

نـقـيـمُ عـلـيـهــا مـمـلـكـةً عـذراء

تـمـتـدُّ مـن الـنـهـر الـى الـحـقـل

لا يـدخـلـهـا

إلآ الأطـفـالُ والـعـشـاقُ

والـفـقـراء

لـسـتُ شـاعـرةً لـتـكـون مُـلـهـمـي

أنـا حـمـامـةٌ

جـنـاحـاهـا الـمـيـسـانـيـان

مـن قـصـب الأهـوار

كـنْ فـضـائـي

فـسـومـرُ الـجـديـدة

لـيـسـتْ بـحـاجـةٍ لـشـهـريـار جـديـد

***

لـقـلـبـي مـنـزلـةُ وادي طـوى

لا يـدخـلـهُ

إلآ مَـنْ خـلـعَ الـسَّـوادَ مـن قـلـبـه

لأجـِلِ فـراشـاتـكَ

تـسـتـجـدي زهـوري مـن الـفـجـر الندى

ومـن الـلـيـل النسيم

فـاهجرْ أمسَكَ واتبعْ غدي

 

saleh alrazuk2ترجمة عربية لقصة

الروائي والقاص الياباني

هاروكي موراكامي*


 

طريقة أخرى للموت

ترجمة: صالح الرزوق

 

استيقظ البيطري الياباني قبل الـ 6 صباحا، وكانت معظم الحيوانات في حديقة هسين - شينغ مستيقظة. وسمحت النافذة المفتوحة لصياحهم وللنسمة الهواء التي تحمل رائحتهم، بالمرور، هكذا عرف كيف هو الطقس حتى دون أن ياخذ نظرة من الجو. وكان ذلك جزءا من روتينه هنا في منشوريا، سوف يصيخ السمع، ثم يستنشق عبير الصباح، ويتخذ أهبته ليوم جديد آخر.

على أية حال، اليوم مختلف بالضرورة عن الذي سبقه، يجب أن يكون مختلفا. فهو يفتقد  لعدد من الأصوات والروائح!. النمور والفهود والذئاب والدببة: كلها أبيدت، وتخلصوا منها، وقامت بذلك فرقة يابانية في مساء أمس تحسبا من هرب الحيوانات في غضون هجوم الروس على المدينة. والآن، بعد عدة ساعات من الرقاد، تبدو لك تلك المستجدات كأنها جزء من كابوس مزعج مر به منذ فترات طويلة. ولكنه يعلم أن ذلك قد حصل. ولا تزال أذنه تسمع الصدى المتألم المكتوم الناجم عن هدير بنادق الجنود؛ وهذا لا يسعه أن يكون مجرد حلم. والآن نحن في آب، عام 1945، وكان هو في مدينة هسين- شينغ، في منشوريا التي تحتلها اليابان، ولكن القوات الروسية اندفعت عبر الحدود وهم يقتربون كل ساعة. وهذه حقيقة- شيء حقيقي مثل المغسلة وفرشاة الأسنان الموجودتان أمامه.

منحه صوت نفير الفيل بعض الإحساس بالراحة. آه، نعم، الفيلة تجاوزت المحنة. ولحسن الحظ، كان الضابط الشاب المسؤول عن مجزرة أمس يمتلك ما يكفي من الحساسية والرقة البشرية وأعفى الفيلة من الفناء، هكذا فكر البيطري وهو يغسل وجهه. منذ وصوله إلى منشوريا، التقى بعدد من الضباط المتشددين والمتعصبين وللأسف كلهم من موطنه، وما رآه منهم جعله يرتعش. معظمهم كانوا أبناء مزارعين وأمضوا سنوات شبابهم في ثلاثينات القرن العشرين الكالحة، وغاصوا في تراجيديا المجاعة بينما الروح الوطنية الجنونية تنحت بمطارقها رؤوسهم. كانوا ينفذون تعليمات الرتبة الأعلى، دون أي تردد، مهما كانت غريبة. ولو تلقوا أمرا، باسم الإمبراطور، لحفر نفق عبر الكرة الأرضية حتى البرازيل، سيحملون المجرفة ويشرعون بالعمل. بعض الناس يسمون ذلك "تفانيا"، ولكن البيطري لديه وجهة نظر مختلفة. فهو ابن طبيب متحضر من المدينة، وتعلم في جو ليبرالي تميزت به اليابان في العشرينات، لم يكن البيطري مستعدا لتفهم دواعي الضباط الشباب. إن إطلاق النار على بعض الفيلة لا بد أنه مهمة أبسط من حفر نفق حتى البرازيل، ولكن الضابط بالأمس، ومع أن لهجته لها لكنة ريفية خفيفة، يبدو معقولا بالمقارنة مع غيره من الضباط ، ولديه ثقافة اأضل ومنطق أرقى. وأمكن للبيطري أن يشعر بذلك من طريقة كلام الشاب وأسلوب سلوكه مع نفسه.

على أية حال، لم تشمل التصفية الفيلة، وقال البيطري لنفسه عليه أن يكون ممتنا لذلك. وأيضا على الجنود أن يكونوا سعداء لأنهم لم يتورطوا بمهمة شنيعة من هذا النوع. ولكن ربما شعر الصينيون بالندم، فقد خسروا غنيمة لا تقدر بثمن من اللحوم والعاج.

وضع البيطري الماء في إبريق على النار حتى الغليان، وبلل لحيته بمنشفة حارة وحلقها. ثم تناول الفطور وحده: الشاي والخبز المحمص والزبدة. كانت حصص الطعام في منشوريا قليلة، ولكن بالمقارنة مع أماكن أخرى لا تزال وفيرة. وهذه أخبار طيبة له ولحيواناته. فالحيوانات امتقعت من اختصار الوجبات خلال الطعام، ومع ذلك إن الوضع هنا أفضل من حدائق حيوانات غيرها في اليابان، حيث مصادر الطعام تنتهي وتنفد. ولم يعد بمقدور أحد التنبؤ بالمستقبل، والآن، على الأقل، يمكن للحيوانات والبشر الهروب من ألم التضور من الجوع.

وتساءل كيف حال زوجته وابنته الآن. فقد غادرتا إلى اليابان من حوالي عدة أيام، ولو سار كل شيء حسب ترتيبات القطار يجب أن تكونا حاليا على شواطئ كوريا. وهو في الوقت الراهن يفتقد للأصوات التي يطرب لها والتي تصدر عنهما خلال الإفطار. فقد احتل البيت فراغ صامت. ولم يعد هذا البيت هو الذي أنس له، ولا المكان الذي ينتمي إليه. ومع ذلك، وفي نفس الوقت، لا يسعه إلا أن يغمره شعور غريب من البهجة لأنه وحيد في هذا المأوى الرسمي؛ ويشعر بقوة وطغيان القدر وهي تزحف في عظامه وأطرافه.

القدر علة فتاكة بالنسبة للبيطري. منذ بواكير أيام شبابه، كان لديه وعي غريب وساذج أنه " فرد يعيش تحت سيطرة قوة خارجية". وطوال الوقت، كانت قوة القدر تؤثر به مثل موسيقا رمزية صاخبة تلون أطراف حياته فقط. ونادرا ما كان يتذكر بوجودها. ولكن بين حين وآخر يتحرك الميزان وترجح كفة الغيب، وتلقيه في أحضان حالة من الاستسلام الذي يقارب الشلل.

وكان يعلم بالخبرة أنه لا يستطيع أن يفكر أو أن يفعل شيئا يغير من وضعه. فهو مع أنه مخلوق ضعيف، كان حازما أكثر من غيره، ودائما يرى قراراته وهي تنفذ. وفي مهنته، أيضا، كان متميزا: فهو بيطري بقدرات فائقة، ومثقف لا يمل من التعلم. وهو ليس مخربا، بالمعنى الذي يستعمله معظم الناس. وفوق ذلك يتمتع بتصميم لا يجاريه شيء ويصنع قراراته بنفسه. وكان يشعر أن القدر ساقه ليتخذ قرارات تتناسب مع بعضها بعضا. وأحيانا، بعد طمأنينة قصيرة لقرار اتخذه بإرادته الحرة، يلاحظ أن مجرى الأحداث مهيأ سلفا وتتحكم به قوة غريبة تبدو لك كأنها إرادة مستقلة. إنها طعم ألقاه القدر في طريقه ليخدعه ويقوده نحو تصرفات محسوبة ومقدرة سلفا. وكان يشعر كأنه سلطة كاملة لا تفعل غير وضع الأختام الملكية على قرارات بالنيابة عن حاكم يمسك بكل السلطات الحقيقية، مثل إمبراطور هذه الإمبراطورية التافهة في مانشوكو.

الآن، وهو بمفرده في بيته في حديقة الحيوان، يواجه مصيره بمفرده أيضا. إنه القدر في النهاية، القوة الهائلة للقدر، والتي تحدد مساره -  ليس جيش كوانتونغ، ولا الجيش السوفييتي، ولا حتى قوات الصين الشيوعية أو الكومينتانغ. كل إنسان بمقدوره أن يرى أن القدر هو الذي يحكم هنا. ويحول الناس إلى لا شيء. فالقدر هو الذي أنقذ الفيلة ودفن النمور والفهود والذئاب والدببة في اليوم المنصرم. ماذا سيدفن اليوم، ومن سيتولاه القدر بعنايته وينقذه؟. هذه أسئلة ليس بمستطاع أحد أن يجيب عليها.

غادر البيطري بيته ليحضر وجبة الصباح. وافترض أنه لن يقابل أحدا ليساعده بعمله بعد الآن، ولكن شاهد صبيين صينيين بانتظاره في مكتبه. لم يكن يعرفهما. وكانا بعمر أربعة عشر أو ثلاثة عشر عاما. بقوام أسمر ونحيل، وبعيون حيوان هائج. قال واحد منهما:" طلبوا منا مساعدتك". هز الطبيب رأسه. وسأل عن اسميهما، ولكن لم يردا. وبقي وجهاهما بلا ملامح، كأنهما لم يسمعا السؤال. وبالتأكيد إن  من أرسل الولدين هم الصينيون الذين خدموا في هذه الحديقة حتى نهاية يوم أمس. وربما قرر هؤلاء الناس قطع كل العلاقات مع اليابانيين، بانتظار النظام الجديد، ولكن افترضوا أن الأولاد لهم شأن آخر ولا يمكن محاسبتهم على أفعالهم. لقد أرسلوا الولدين على سبيل البادرة الحسنة، وهم يعلمون أنه ليس بمقدوره رعاية الحيوانات وحده.

قدم البيطري لكل ولد كعكتين، ثم أرسلهما للعمل في إطعام الحيوانات. وهكذا قادا عربة يجرها البغل من قفص إلى قفص، ومنحا كل حيوان طعامه المحدد وغيّرا الماء القديم بماء نظيف. كانت مهمة تنظيف الأقفاص شيئا لا بد منه. وأفضل ما بوسعهما حيال ذلك غسلها بسيل من ماء الخراطيم، لأجل التخلص من القاذورات. وبدءا العمل في الثامنة وانتهى كل شيء بعد العاشرة. ثم اختفى الولدان دون كلمة. وشعر البيطري بالإرهاق من الجهد العضلي الشاق. وعاد إلى المكتب وأخبر مدير الحديقة أن الحيوانات حصلت على طعامها.

وقبيل الظهيرة بقليل، عاد الضابط الشاب إلى الحديقة ومعه نفس الجنود الثمانية الذين أحضرهم يوم أمس. وكانوا شاكي السلاح، وساروا بإيقاع معدني يمكن سماعه قبل وصولهم بفترة كافية. وكان كل من الغبار والعرق يعلو قمصانهم. وكانت الصراصير تنوح بين الأشجار، كما فعلت البارحة. ولكن اليوم، لم يحضر الجنود لقتل الحيوانات. حيا الضابط مدير الحديقة وقال له:" علينا أن نعرف ماذا لديك من حيوانات جر وسحب". ورد عليه المدير إن الحديقة فيها بغل واحد فقط وعربة واحدة معه. وأضاف:" لقد تبرعنا من أسبوعين بعربة وحصانين". أكد الضابط على كلامه فورا بحركة من رأسه وأعلن أنه سيصادر فورا البغل والعربة المتبقية، وفق تعليمات قيادة جيش كوانتونغ.

و تدخل البيطري بقوله:"من فضلك انتظر لحظة، نحن بحاجة لهما لإطعام الحيوانات مرتين كل يوم. فقد اختفى كل السكان المحليين. وبلا البغل والعربة ستتضور حيواناتنا من الجوع وتنفق. وحتى بهما، بالكاد نؤدي واجبنا".

قال الضابط:"كلنا بالكاد نقوم بمهامنا". كانت عيناه محمرتين ووجهه يغطيه الكدر. وأردف:"أولوياتنا الدفاع عن المدينة. وبمقدورك أن تطلق سراح الحيوانات من أقفاصها لو دعت الضرورة. وقد أخذنا حذرنا كما تعلم من الوحوش المفترسة. ولا تشكل البقية خطرا داهما. وهذه أوامر عسكرية، يا سيدي. وعليك أن تتصرف فيما تبقى".

أغلق الضابط باب النقاش وصادر رجاله البغل والعربة. وبعد أن غابوا، تبادل المدير والبيطري النظر. رشف المدير من شايه، وهز رأسه، ولم يفتح فمه بكلمة.

بعد أربع ساعات، عاد الجنود مع البغل والعربة، وكانت محتوياتها المتراكمة مغطاة بقماش من التربولين. وكان البغل ينقر الأرض بقوائمه، وأنفاسه تتبخر في حرارة بعد الظهيرة وبسبب الحمل الذي ينوء تحته. وقاد الجنود الثماني أربعة رجال صينيين كانوا أمامهم والحراب تلامس ظهورهم، وهم شباب، وربما بعمر عشرين عاما، ويرتدون بذات البيسبول وأيديهم مقيدة وراء ظهورهم وعلى وجوهم علامات سود وزرق مما يؤكد أنهم تلقوا الضرب بوحشية. وكانت العين اليمنى متورمة في وجه أحد الرجال وتقريبا مغلقة. ونزيف شفاه صيني آخر صبغ قميص بذته الرياضية بلون أحمر ناري. ولم تكن توجد كتابة على مقدمة القمصان، ولكن هناك مربعات صغيرة ممزقة مكان الأسماء. وكانت الأرقام المسجلة على ظهورهم هي 2 و4 و7 و9. ولم يتمكن البيطري من التفكير لماذا، في وقت متأزم من هذا النوع، يرتدي أربعة صينيين شباب بذات بيسبول أو لماذا تلقوا الضرب القاسي وتم جرهم إلى هنا على يد القوات اليابانية. المشهد كله كأنه شيء غير واقعي، لوحة بريشة فنان مريض ومختل.

سأل الضابط مدير الحديقة إذا كان لديه أدوات للتجريف والردم ويمكنهم استعمالها. وكان الضابط الشاب يبدو أكثر ضعفا وتهالكا مما كان عليه في السابق. وقاده البيطري مع رجاله إلى كوخ موجود خلف المكتب حيث يحتفظ بالأدوات. واختار الضابط مسحاتين وجاروفتين لرجاله. وطلب من البيطري أن يرافقه، وترك رجاله هناك، وذهب إلى ما وراء حاجز خلف الطريق. وتبعه البيطري. وحيثما تقدم الضابط، كانت نطاطات كبيرة تتطاير. وتعلقت في الجو رائحة أعشاب الصيف. واختلط بصراخ الصراصير الثاقب صوت نفير الفيلة المرتفع الذي ينطلق بين حين وآخر كأنه إنذار بكارثة قادمة.

وتابع الضابط طريقه بين الأشجار بصمت، حتى شاهد ساحة في الغابة. كانت الساحة ممهدة لبناء منصة للحيوانات الأليفة التي يمكن للأولاد أن يلهوا معها. ولكن الخطة تأجلت إلى ما لا نهاية، بعد تأزم الوضع العسكري وأصبح من المستحيل توفير مواد للبناء. كانت الأشجار مقطوعة لتعرية دائرة من الأرض، وقد أنارت الشمس هذه المساحة من الغابة وكأنها إنارة لخشبة مسرح. ووقف الضابط في مركز الدائرة وفحص المنطقة. ثم ضرب بكعب بوطه على الأرض.

وقال:"سوف نحفر هنا لبعض الوقت"، وركع على ركبتيه وأخذ حفنة من التراب.

واستجاب البيطري بحركة من رأسه. ولم يكن يفهم لماذا يحفرون في حديقة حيوانات، وقرر أن لا يستفسر. هنا في هسين- شينغ، علمته التجارب أن لا يسأل عسكريا. فالأسئلة تثير غضبهم، وهم أصلا لا يردون بإجابات واضحة في كل الأحوال.

قال الضابط: "أولا يجب أن نحفر حفرة كبيرة هنا"، وكان كأنه يتكلم مع نفسه. ووقف وأخذ علبة سجائر من جيب قميصه. ووضع سيجارة في فمه، وقدم سيجارة للطبيب، وأعل كلتيهما بعود ثقاب. وركز الإثنان على التدخين لملء الصمت. ثم عاد الضابط ليحفر الأرض ببوطه. ورسم ما يشبه مخططا على الأرض، ثم محاه بقدمه. وفي النهاية، سأل البيطري:"أين ولدت؟".

قال الطبيب:" في كاناغاوا. في بلدة تدعى أوفيونا، قريبة من البحر، وتبعد ساعة أو ساعتين عن طوكيو".

أشار الضابط برأسه علامة التفهم.

وسأله البيطري:"وأين أنت ولدت؟".

وعوضا عن الجواب، ضيّق الضابط عينيه وراقب الدخان وهو يتطاير من بين أصابعه. كلا، لا فائدة من توجيه سؤال لعسكري. قال البيطري لنفسه. هم يحبون توجيه الأسئلة، ولكن لا يردون عليك أبدا. حرفيا، لا يقدمون لك وسائل الإحساس بنفسك.

ثم قال الضابط:"هناك صالة سينما على ما أعتقد".

واستغرق البيطري عدة لحظات ليستوعب أن الضابط يتكلم عن أوفيونا. ثم قال:"هذا صحيح. صالة واسعة، ولكن لم أدخل إليها".

ألقى الضابط بقايا سيجارته على الأرض وسحقها بقدمه. وقال:"أتمنى أن تعود سالما. وطبعا أمامك محيط يجب عبوره من هنا إلى اليابان. ربما سنلقى حتفنا جميعا هنا". واحتفظ بنظراته على الأرض وهو يتكلم وأردف:"أخبرني يا دكتور، هل تخاف من الموت؟".

قال البيطري بعد قليل من التفكير:"هذا يعتمد على أسباب الموت". كان من الواضح أنه متعب. وطار نطاط كبير فوقهما كأنه عصفور واختفى في كومة أعشاب بعيدة وهو يضرب بجناحيه بصوت واضح. نظر الضابط لساعته. وقال دون أن يوجه كلامه لأحد:"حان وقت العمل". ثم تكلم مع البيطري. وقال:"أود منك أن تنتظر هنا لبعض الوقت. ربما أطلب منك صنيعا". ووافق البيطري بإشارة من رأسه.

رفع الضابط عينيه ونظر للبيطري كأن فضوله تضاعف. كان حاليا يتوقع جوابا آخر. وقال:"أنت محق. هذا لا يتوقف على الطريقة التي تمربها". ولبث الإثنان صامتين لبعض الوقت. وبدا الضابط كأنه سقط في النوم وهو واقف.

قاد الجنود السجناء الصينيين للساحة المفتوحة في الغابة وفكوا قيود أيديهم. ورسم العريف دائرة واسعة على الأرض بعصا بيسبول، ورأى البيطري لغزا آخر، لماذا يحمل عسكري عصا بيسبول ، وراقب كيف يأمر السجناء، باليابانية، ويطلب منهم حفر حفرة عميقة بحجم الدائرة.

بالمسحاتين والجاروفتين، بدأ الرجال الذين يرتدون بيجاما البسيبول بالحفر في صمت. ووقفت نصف كتيبة اليابانيين لحراسة السجناء واستلقى الأربعة المتبقون تحت الأشجار. وتبين لهم أنهم بحاجة ماسة للنوم، وبسرعة ارتموا على الأرض بعتادهم وغطوا بالنوم. أما الأربعة المستيقظون فواصلوا الإشراف على الحفر بالجوار، البنادق مستقرة في أحضانهم، والحراب مشرعة، ومستعدة للاستعمال. وتناوب الضابط والعريف الإشراف على العمل والقيلولة تحت الأشجار.

واستغرق من المساجين الصينيين الأربع لحفر حفرة بعرض اثني عشر قدما وبعمق يصل لمستوى أعناقهم ما ينوف على أريع ساعات إلا قليلا. وطلب أحد الرجال الماء باليابانية. وأشار الضابط برأسه، فأحضر أحد الجنود سطلا من الماء. وتناوب الصينيون الأربع على جرعات من السطل وابتلاع الماء بنهم واضح. وشربوا تقريبا كل محتوياته. وكانت بذاتهم تحمل أثر دم أسود ووحل وعرق.

وأمر الضابط جنديين من جنوده لجر العربة حتى تصبح فوق الحفرة. وسحب العريف الغطاء، وظهرت جثامين أربعة قتلى مكومين في العربة. كانوا يرتدون نفس بذة البيسبول التي يرتديها السجناء، وكان من الواضح أن الاموات صينيون أيضا. ويبدو أنهم تلقوا طلقات نارية، فثيابهم مغطاة ببقع دموية سود. وبدأت ذبابات كبيرة تحوم فوق الجثث. ومن الطريقة التي سال بها الدم اعتقد الطبيب أنهم ماتوا من فترة قريبة ولا تزيد عن أربع وعشرين ساعة.

وأمر الضابط الصينيين الأربع الذين حفروا الحفرة لإلقاء الأجساد فيها. ودون كلام، وبوجوه عارية من الانطباعات، حمل الرجال الأجساد من العربة وألقوها، واحدا بعد الآخر، في الحفرة. وكل جثمان كان يحط في الأسفل مع صوت خبطة مكتومة. وكانت الأرقام على ثياب الأموات هي 2 و5 و6 و8.

وقد احتفظ البيطري بها في رأسه.

وبعد أن انتهى الصينيون من إلقاء الموتى في الحفرة، أحكم الجنود وثاقهم بشجرة قريبة. ورفع الضابط معصمه ونظر في ساعته مع تكشيرة. ثم نظر نحو بقعة في السماء لبعض الوقت، وكأنه يبحث عن شيء هناك. وكان يبدو كأنه ناظر محطة يقف على الرصيف وينتظر بيأس قطارا تأخر عن موعده. ولكنه في الواقع لم يكن مهتما بشيء. كان يمرر بعض الوقت فقط. وما أن انتهى من ذلك، التفت للعريف وأمره أمرا واضحا بطعن ثلاثة سجناء بالحربة وهم رقم 1 و7 و9.

فاختار ثلاثة مجندين واتخذوا أهبتهم أمام ثلاثة صينيين. كان الجنود شاحبين أكثر من الرجال المشرفين على الهلاك. وبدا أن الصينيين مرهقون جدا وليس لديهم أمل بشيء. ومنحهم العريف سيجارة، ولكنهم رفضوا. فأعاد سجائره إلى جيب قميصه.

وتحرك الضابط برفقة البيطري، ليقف بعيدا عن الجنود بمسافة ما. وقال:"من الأفضل أن تشاهد ذلك. لتتعرف على طريقة موت مختلفة".

ووافق البيطري. وفكر: هذا الضابط لا يطلب مني ذلك، ولكنه مهتم بما سيحصل.

وبصوت هادئ، قال له الضابط على سبيل التوضيح:"أبسط طريقة وأنجع أسلوب لقتلهم، أن تجهزهم لذلك، ولدينا تعليمات أن لا نخسر طلقة واحدة وبالتأكيد أن لا نهدر ذخيرتنا على قتل الصينيين. علينا أن نوفر ذخائرنا لمحاربة الروس. سنطعن هؤلاء بالحراب، وأفترض أن هذا ليس سهلا كما تظن. بالمناسبة يا دكتور، هل علموك كيف تستعمل الحربة في الجيش؟".

وأخبره الطبيب أنه بيطري في فرقة خيالة،  ولم يتمرن على استخدام الحربة.

"حسنا الطريقة المناسبة لقتل رجل بالحربة هكذا: أولا، عليك أن تطعن تحت الأضلاع، هنا". وأشار الضابط إلى جذعه فوق المعدة تماما. وأضاف:"ثم تحرك الطرف المدبب بدائرة عميقة وواسعة داخله لتصيب كل الأعضاء. ثم تطعن نحو الأعلى لتثقب القلب. لا يمكنك أن تطعنه بها وتتوقع أن يموت بالحال. نحن الجنود نعرف ذلك. وتعليم الحرب بالسلاح الأبيض وباستعمال الحراب خلال هجوم ليلي هو مفخرة الجيش الإمبراطوري، فهو أساسا أرخص من الدبابات والطائرات والمدافع، وطبعا، بمقدورك أن تمرن من تشاء، ولكن على أن تطعن الدمى المحشوة بالقش، وليس كائنا بشريا. وهؤلاء الجنود لم يقتلوا فعلا أي إنسان بتلك الطريقة. وأنا كذلك لم أفعل".

نظر الضابط للعريف وأشار له. وعوى العريف ملقيا أوامره للجنود الثلاثة، فاتخذوا أهبة الاستعداد. ثم تراجعوا بمقدار نصف خطوة، وهجموا بحرابهم. وكل منهم استهدف بنصله واحدا من السجناء. أحد الرجال الشاب (رقم ه) دمدم بشيء باللغة الصينية ويبدو أنها شتيمة وبصق بحنق، ولكن لم يصل البصاق إلى الأرض وإنما تدحرج على صدر بذة البسيبول التي ارتداها.

ولدى انطلاق الأمر التالي أسرع الجنود الثلاثة بالهجوم مع حرابهم وطعنوا الرجال الصينيين بعنف. ثم، كما قال الضابط، حركوا النصال لإصابة أعضاء الضحايا الداخلية، ثم أمعنوا بالطعن نحو الأعلى. لم تكن صيحات الرجال الصينيين مرتفعة، ولكنها ما يشبه نواحا عميقا وليس صرخات، كما لو أنهم يتنفسون بما تبقى لديهم من أنفاس في أجسادهم من خلال ثقب واحد. سحب الجنود حرابهم وتراجعوا إلى الخلف. ثم عوى الرقيب بأوامره مجددا، وكرر الرجال العملية بالضبط كالسابق، ونفذوا الطعن والحركة الدائرية وتمزيق أعضاء القتيل برأس الحربة بتوجيهها نحو الأعلى ثم التراجع. وتابع البيطري كل شيء بصمت مخدر، وقد تمكن منه إحساس عميق بأنه بدأ نفسه ينشطر إلى نصفين. وخيل له كأنه هو القاتل والقتيل. وشعر بتأثير الإحساس الناجم عن الحربة. كانت كأنها تدخل في جسمه كما لو أنه هو الضحية أيضا، وأعقبها ألم في أعضائه الداخلية التي تقطعت أوصالها لأجزاء صغيرة.

واستغرق موت الصينيين أطول مما تصور. ونزفت أجسادهم الممزقة كمية كبيرة من الدماء على الأرض، ولكن بالرغم من تقطيع أوصالهم، استمروا بالارتعاش لفترة ملحوظة. واستعمل العريف حربته الخاصة لقطع الحبال التي أوثق بها الرجال بالأشجار، ثم أمر الجنود الذين لم يشتركوا بالقتل للاشتراك في جر الجثامين المنهارة نحو الحفرة وإلقائهم فيها. ونجم عن هذه الجثث أصوات مكتومة مؤثرة، ولكن الطبيب لم يجد مفرا من ملاحظة اختلاف هذا الصوت عما سبقه من أصوات الجثث الأخرى. وربما لأن هذه لم تلق حتفها نهائيا ولا تزال تحتضر.

ولم يبق الآن غير السجين الصيني الذي يحمل على قميصه رقم 4.  أما الجنود الثلاثة بوجوههم الشاحبة فقد قطفوا ثلاث أوراق عريضة من النباتات الموجودة عند أقدامهم وعكفوا على تنظيف حرابهم من الدم. ليس الدم فقط ولكن أيضا السوائل الغريبة التي نزفت من الأموات وشرائح اللحم الطري التي علقت بالنصال. ولزم الجنود عدة أوراق لتنظيف حرابهم وليصبح حديدها لماعا كما كان.

تساءل البيطري لماذا بقي رجل واحد وهو رقم 4 على قيد الحياة، ولكنه لم يفضل توجيه الأسئلة. أخذ الضابط سيجارة أخرى وأشعلها. ثم قدم سيجارة للبيطري، فقبلها بصمت، وبعد أن وضعها بين شفتيه، أشعل عود ثقاب لديه. لم ترتعش يده، ولكن يبدو أنها فقدت الإحساس، كما لو أنه يرتدي قفازات.

قال الضابط:"هؤلاء الرجال كانوا طلابا في مدرسة جيش مانشوكو العسكرية. ورفضوا المشاركة في الدفاع عن هسين- شينغ. وقتلوا إثنين من المدربين اليابانيين في الليلة الماضية وحاولوا الفرار. وألقينا القبض عليهم خلال دورية ليلية، وقتل أربعة منهم في المكان، ووقع الأربعة الآخرون في الأسر. وهرب إثنان في الظلام". وحك الضابط ذقنه براحة يده وتابع:"كانوا يحاولون الهرب ببذات البيسبول. وأعتقد أنهم افترضوا لو وقعوا بأيدينا وهم بثياب عسكرية سنعاملهم كفارين من الخدمة، أو ربما خافوا مما قد يفعله الشيوعيون بهم لو وقعوا بالأسر وهم ببذات مانشوكو. في كل حال، كل ما لديهم من ثياب في ثكنتهم بالإضافة لثياب طالب ضابط هي ثياب فريق م ج م (مدرسة جيش مانشوكو) للبيسبول. ولذلك مزقوا الأسماء وحاولوا الهرب بهذه الملابس. ولا أعلم إذا سمعت أن في المدرسة فريقا رائعا.  كانوا يلعبون في كوريا وتايوان مباريات ودية". وتحرك  الضابط باتجاه الرجل المربوط بالشجرة وقال:" ذلك الشاب كان قبطان الفريق وحامل المضرب. ونعتقد أنه أيضا من رتب للفرار. وهو من قتل المدربين بعصا البيسبول. كان المدربان يحدسان بمشاكل في الثكنة ولم يوزعا الأسلحة لطلاب المدرسة إلا في حالة الطوارئ القصوى. ولكن نسيا كل شيء عن مضارب البيسبول. كلاهما تكسرت جمجمته. وربما ماتا فورا. يا لها من مباراة ناجحة. وهذا هو المضرب".

وأمر الضابط العريف لإحضار المضرب.  وعرضه على البيطري. وحمله الطبيب بيديه ورفعه عاليا أمام وجهه، بالطريقة التي يتقدم بها اللاعب من مربع حامل المضرب. كانت عصا عادية، ليس متقنة الصنع، ولها مظهر خشن ومقبض غير صقيل. وكانت ثقيلة ولها وزن. والمقبض أيضا مسود من العرق. ولا يبدو مثل مضرب استعمل حديثا في قتل رجلين. وبعد أن فحصه البيطري أعاده إلى الضابط، فحركه حركتين بسيطتين، وتعامل معه مثل خبير.

سأل الضابط البيطري:"هل تعب البيسبول؟".

"طيلة سنوات صباي".

"هل كبرت على ذلك الآن؟".

قال البيطري:"توقفت عن اللعب بالبسيبول منذ فترة"، وأوشك أن يسأل:"و ماذا عنك سيدي الضابط؟". ولكنه ابتلع كلماته.

قال الضابط بصوت جاف وهو ينقر الأرض بطرف المضرب:"تلقيت الأمر لضرب هذا الرجل بنفس العصا التي استعملها. العين بالعين، والسن بالسن. بيني وبينك، أعتقد أن هذا الأمر يدل على مرض نفسي. أين العدل والإنسانية في قتل هؤلاء الرجال؟. لم يعد لدينا طائرات، ولا سفن حربية، وخيرة المقاتلين لدينا ماتوا. ومن أيام قليلة أفنت قنبلة جديدة مدينة هيروشيما في أقل من ثانية. ونحن إما سنغادر منشوريا أو نموت وندفن فيها، وستعود الصين للصينيين مجددا. قتلنا ما يكفي من الصينيين، وإضافة جثث قليلة أخرى للحصيلة السابقة لن تبدل شيئا. ولكن الأوامر هي الأوامر. وأنا عسكري ويجب أن أنفذ. لقد قتلنا النمور والفهود بالأمس، واليوم علينا إعدام هولاء الشباب. خذ لك نظرة يا دكتور. هذه طريقة أخرى للموت، وأنت طبيب، وربما معتاد على استخدام المشارط والدم والأمعاء، ولكن ربما لم تشاهد أحدا يتلقى الضرب بعصا بيسبول حتى الموت".

وأمر الضابط العريف، أن ياتي باللاعب رقم 4 ، حامل المضرب، ويقترب به من حافة الحفرة. ومجددا أحكما ربط يديه وراء ظهره، ثم عصبا عينيه وأجبراه على الركوع على الأرض. كان طويلا، وبنيته قوية وشابة بذراعين مفتولين وبحجم أفخاذ الناس العاديين. ونادى الضابط على عسكري شاب وقدم له المضرب. وقال:"اقتله به". وقف العسكري بانتباه وأدى التحية قبل أن يستلم العصا، وبعد أن حملها بيديه وقف هناك كأنه مخدر. وبدا عليه أنه غير قادر على استيعاب ضرب صيني حتى الموت بمضرب بيسبول.

سأل الضابط الجندي الشاب:"هل لعبت في كل حياتك البسبول؟".

رد العسكري بصوت جهوري:"كلا يا سيدي، أبدا".

قريته في هوكيدو حيث ولد وقريته في منشوريا حيث ترعرع كانتا في غاية الفقر ولا توجد عائلة واحدة في كلتيهما يمكنها توفير رفاهية امتلاك كرة أو مضرب بيسبول. وقد أنفق صباه يلعب في الحقول، ويقبض على اليعاسيب أو يلعب لعبة السيف باستعمال العصي. ولم يلعب في كل حياته البيسبول، ولا حتى شاهد مباراة بيسبول. وهذه أول مرة يمسك فيها المضرب.

وشرح له الضابط كيف يمسكه وعلمه أساسيات التلويح به، وأدى ذلك عدة مرات، وهمهم من خلال أسنان مطبقة:"انظر. كل شيء في المؤخرة. تبدأ من العصا وهي مرتدة للخلف، وتلوي خصرك في الأسفل. ثم تتحرك قمة المضرب بشكل طبيعي. هل تفهمني؟. لو ركزت كثيرا على التلويح بالمضرب، ستقوم ذراعاك بكل المهمة وستفقد طاقتك. عليك أن تحرك مؤخرتك".

ولم يكن يبدو أن الجندي ابتلع تعليمات الضابط بكاملها، ولكنه تخلى عن عتاده الثقيل كما أمره ونفذ التلويحات لفترة من الوقت. وراقبه الجميع. ووضع الضابط يديه فوق يدي الجندي ليساعده في ضبط قبضته. كان معلما جيدا. وقبل مرور فترة طويلة، بدأت حركات الجندي، ولو أنها كانت غير دقيقة. ولكنه حرك الهواء واخترقه بعصاه. ما كان ينقص الجندي الشاب من مهارات عوضها بقوة العضلات، فقد أفنى عمره في العمل في الحقول.

قال الضابط، وهو يستعمل قبعته لمسح العرق من جبينه:"هذا جيد. حسنا. والآن حاول أن تفعلها بحركة واحدة ونهائية. ولا تعرضه للمعاناة".

وكان يريد أن يقول"أنا لا رغبة لي بما يحصل مثلك. من يمكنه بحق الجحيم أن يفكر بهذا الغباء؟. قتل رجل بمضرب بيسبول..". ولكن أي ضابط لا يستطيع أن يعرب عن مشاعره بهذه الطريقة لأي عسكري.

تراجع العسكري ووقف وراء الصيني المعصوب العينين والذي ركع على الأرض. وحينما رفع الجندي مضربه، عكست الشمس القوية خياله الطويل والعميق على الأرض. يا له من شيء غريب، قال البيطري لنفسه. الضابط على حق: لم أشاهد رجلا يموت بمضرب البيسبول. وقبض الجندي الشاب على العصا وهي فوق رأسه لفترة من الوقت. وشاهد البيطري طرفها يهتز. وأشار الضابط للجندي. وبنفس عميق، دفع الجندي يده ‘لى الخلف مع المضرب، ثم ضرب بها وبكل قوته موخرة رأس الطالب ضابط الصيني.

لقد نفذ الأمر بدقة تدعو للدهشة.  حرك مؤخرته كما علمه الضابط تماما، وحققت العصا ضربة مباشرة خلف أذن الرجل، وكان المضرب يتابع يديه ببراعة. وانبعث صوت تهشم مكتوم حينما تكسرت الجمجمة. ولم تصدر عن الرجل أية كلمة. وتجمد جثمانه في الهواء لدقيقة بوضعية غريبة، ثم انكفأ للأمام. واستلقى وحده على الأرض، والدم يسيل من  إحدى أذنيه. ولم يتحرك. ونظر الضابط لساعته. أما العسكري الذي لا يزال يمسك المضرب، فقد ركز نظراته على الفضاء، وفمه مفتوح.

كان الضابط يؤدي مهامه بدقة فائقة. انتظر لدقيقة. وحينما تأكد أن الصيني فقد الحياة، قال للبيطري:"هل بوسعك أن تؤدي لي خدمة، وتتأكد أنه مات حقا؟".

أجاب البيطري إنه مستعد. واقترب من مكان استلقاء الشاب الصيني. وركع وخلصه من عصابة عينيه. كانت عينا الرجل مفتوحتين على وسعهما، والحدقة مائلة إلى الأعلى، وبراقة- ودم أحمر يسيل من أذنه. وفمه المفتوح نصف فتحة كشف عن لسان متكتل في الداخل.

وانطوت رقبته بزاوية غريبة بسبب تلقيه الضربة. أما منخراه فقد خرج منهما صديد دم سميك. وصنع بقعا سودا على الأرض الجافة. وشقت طريقها ذبابة كبيرة ودخلت المنخرين لوضع بيوضها. وللتأكد لمس البيطري معصم الرجل وتحسس نبضه. ليس هناك نبضات، بالتأكيد ليس في المكان الذي تنتفض فيه الشرايين. لقد أنهى الجندي حياة هذا الرجل القوي بضربة واحدة هي أولى ضرباته بعصا البيسبول. نظر البيطري للضابط وأشار له، مؤكدا أن الرجل، بلا شك، ميت. وبانتهاء مهمته، بدأ ينهض بقامته المتهالكة حينما لاحظ أن الشمس التي تلقي أشعتها على ظهره تضاعفت حدتها.

في تلك اللحظة، انتصب لاعب البيسبول الصيني الشاب ببذته رقم 4 واتخذ وضعية الجلوس كما لو أنه استيقظ حقا. بلا أي شك أو تردد. أو هذا ما بدا لعيون من يشاهد. وأمسك بمعصم الطبيب. كل ذلك حصل في جزء من الثانية. ولم يفهم البيطري ما يجري؛ هذا الرجل كان ميتا، وهو متيقن من ذلك.

والآن، وبسبب آخر قطرة من الحياة ويبدو أنها نبعت من مكان غير مرئي، قبض الرجل على معصم البيطري بقوة لاقط معدني. الجفنان كانا مفتوحتين على سعتهما، والحدقتان ملتهبتان وتنظران للأعلى، ولكن سقط الرجل في الحفرة، وجر معه الطبيب. وسقط الطبيب فوقه وسمع صوت تكسير أضلاع الرجل حينما ارتطم بكل ثقله. ومع ذلك لم يفلت لاعب الكرة الصيني معصم الطبيب.

وشاهد الجنود كل ما يحصل، وبسبب المباغتة لم يتمكنوا من القيام بأي شيء سوى الوقوف والمتابعة. ودبت اليقظة في الضابط أولا واقترب من الحفرة. وأخرج مسدسه من حامله، ووضع الفوهة على رأس الصيني، وضغط على الزناد مرتين. ورن صدى صوتين متداخلين وحادين، وانفتح ثقب أسود كبير في صدغ الرجل. والآن لقد ذهبت روحه كلها، ولكنه لم يحرر معصم الطبيب. ركع الضابط، والمسدس بأحد يديه، وشرع بالعمل المؤلم لفك عقدة أصابع الجثة، كل أصبع على حدة. واستلقى البيطري في الحفرة، محاصرا بثماني جثث صامتة لصينيين ببذات البيسبول. وفي أعماق الحفرة، كان صوت الصراصير الزاعق مختلفا عن  أصواتها فوق الأرض.

وبعد تحرير البيطري من قبضة الرجل الميت، سحبه الجنود والضابط من قبره. وجلس البيطري على الأعشاب وأخذ عدة أنفاس عميقة. ثم نظر إلى معصمه. لقد تركت أصابع الرجل خمس علامات حمر ناصعة. في هذه الأمسية الحارة من شهر آب، انتاب البيطري القشعريرة وتغلغل البرد إلى عظامه. وفكر لن يمكنني التخلص من هذا البرد كل حياتي. كان ذلك الرجل بقوة وجدية يحاول أن يأخذني معه إلى حيث هو ذاهب.

وأمن الضابط مسدسه، وأعاده بحذق إلى حامله. وهذه أول مرة يطلق فيها النار على كائن بشري. وحاول أن لا يشغل نفسه بهذه الفكرة. فالحرب ستستمر قليلا، والناس سيتابعون السقوط بالموت. ويمكنه أن يفكر بمعنى ذلك لاحقا. ومسح راحة يده اليمنى بسرواله، ثم أمر الجنود الذين لم يشتركوا في الإعدام لردم الحفرة. وهاجم سرب كبير من الذباب كومة الجثث بالحال.

وتابع الجندي الشاب وقوفه في مكانه، بلا أي مبادرة للتصرف، وبيده المضرب. ويبدو أنه لم يكن يعرف كيف يفلت العصا. وتركه الضابط والعريف بمفرده. وكان من الواضح أنه يشاهد هذه التراجيديا بأحداثها المتلاحقة، كيف قبض الصيني "الميت" فجأة على معصم البيطري، وكيف سقطا معا في القبر، وكيف قفز الضابط نحوه لينتهي من الصيني، وها هم بقية الجنود الآن يردمون الحفرة. ولكن في الحقيقة لم يكن يشاهد شيئا من كل ما حصل. وكان يصغي لعصفور في الشجرة على غصن ما وهو يرسل نغماته "كريك! كريك!"، وكأنه صوت يشبه ضغط نابض. ونظر الجندي إلى الإعلى، ليحدد الاتجاه الذي تأتي منه هذه الصيحات، ولكن لم يشاهد أية إشارة عن العصفور المتحفز. وانتابه شعور خفيف من الغثيان في مؤخرة حلقه.

وفيما هو يصغي لضغط النابض، تخيل صورا كانت تتشكل أمامه ثم تموت في الفراغ. بعد أن يستسلم اليابانيون للسوفييت، سيأسر الصينيون الضابط ويعدمونه شنقا، بسبب هذه الجرائم. وسيموت العربف بالطاعون في معسكر اعتقال في سيبيريا: وسيحتجز في كارانتين ويبقى فيه حتى الموت، مع أنه في الحقيقة انهار من سوء التغذية ولم يصبه الطاعون بالعدوى، على الأقل ليس قبل احتجازه في كوخ الكارنتين.

وسيموت البيطري فيحادث بعد عام: سيعتقله السوفييت بصفة مدني متعاونمع الجيش وسيحتجز في معسكر اعتقال في سيبيريا وسيحكم عليه بالأعمال الشاقة، وسيعمل في منجم فحم سيبيري وسيغرق بالطوفان مع جنود آخرين. وفكر  الجندي الشاب الذي حمل المضرب بيده، لكن لا يمكنني أن أرى مصيري. حتى أنه لا يشاهد الأحداث الحقيقية التي تجري أمام عينيه الآن. وأغلق عينيه واستغرق بالاستماع لصوت العصفور المشحون بالنابض.

ثم فجأة، فكر بالمحيط. المحيط الذي شاهده من على متن السفينة التي حملته من اليابان إلى منشوريا قبل ثماني سنوات. فهو لم يكن ليراه من قبل، ولم تتوفر الفرصة له لمشاهدته بعد ذلك. ولا يزال يتذكر رائحة الهواء المالح. فالمحيط من أهم الأشياء التي رآها في حياته. وهو أكبر وأعمق من أي شيء آخر تصوره. فهو يبدل لونه وشكله وتعابيره مع الوقت والمكان والطقس. ويحرك حزنا دفينا في قلبه. وفي نفس الوقت يحمل لقلبه السلام والطمأنينة. هل سيراه مجددا؟. أفلت قبضته وسمح للمضرب بالسقوط على الأرض. ونجم عنه صوت جامد وهو يرتطم بالأرض. وبعد أن تحررت يداه من المضرب شعر بمزيد من الغثيان.

وتابع العصفور المشحون بالأصوات صياحه. ولكن لم يكن يسمعه أحد سواه.

 

...............

* روائي وقاص ياباني

ترجم القصة من اليابانية جاي روبن  Jay Rubin وهي منشورة في النيويوركير عدد 20 كانون الثاني عام 1997.

 

 

khahtan mahbobmandawiأدري بما فعلَ الخئونُ

وَكيفَ ساهمَ بانحرافِك


 

قصائد في الحب والرثاء

قحطان محبوب مندوي

 

ماذا تتمنى؟

سألتني في العام الجديد

 

لا تسألي عن أُمنياتي الشمسُ غابتْ عن حَياتي

أغلى أحبتي غَادروا     ونسيتُ أحلى ذكرياتي

ما عادَ يطربني الغناء      غَدتْ نَحيباً أُغنياتي

الثلجُ صارَ يُخيفُني     والعمرُ يَسحفُ  للسباتِ

مَسعورةٌ   دنيايَّ    غَاشمةٌ   وساديةٌ    وشاتي

فلمن يضوعُ الوردُ     مغتراً، وتشدو  قبراتي؟

ولِمَ التذمرُ والحياةُ          رهينةٌ  بيدِ  ألطغاةِ؟

ولمَ التضرعُ والدعاءُ      أللهُ لم يقبلْ صَلاتي؟

ولِمَ  التعلل بالخلودِ     على رفوفِ ألمكتباتِ؟* 

فإذا  تَحينُ مَنيتي          وتعذرتْ سُبلُ النجاةِ

لا تذرفي  دَمعاً  رَخيصاً   أوتغالي في صِفاتي

قولي بكى  لعراقهِ        لمْ ينحني في النائباتِ.

 

...................

* قالَ الجواهري:

أُعللُ أطفالي بشرِ تعلّةٍ  خلودُ أبيهم في بطونِ ألمكاتبِ.

روجستر، مشكن، 5-12-2016

 

****

1

خائنة

عَرفتُكِ كاذبهْ

يَومئِذ قلتِ لي،

"جميعُ الرجالِ لا يساوون خُفَك."

لكني، وذالك،

أهديتك نُصفَ فؤادٍ

أتلفهُ الطاغوتُ والحربُ وألمنفى.

فكيفَ تَصونينَ عَهدي، أو تريَن شُجُوني،

وقد عَشْعشَ الغدرُ في ناظريكِ؟

لماذا يُسمونَك ورده،

وما ظل فيكِ سوى شوك؟

 

2

تاجة *

أراها بطولكِ، في تَحديكِ، في جَبروتكِ

بتبرِ الجدائلِ،

فيِما تبقى من زمردٍ في هزيعِ العُيون،

عندما هجرتْ نجلَها في القماطْ،

وخانتْ شَريكَ الحياة،

ومِلّتها الطاهرة،

وانتهتْ فارةً في مجاري الحضيض.

 

3

وردة

شُكراً للطفكِ وإعترافِكْ    ورفيعِ ذوقكِ وإنتصافك

شُكراً، وإن خُنتِ الودادَ     وما بقيتُ على شِغافكْ

أدري بما فعلَ الخئونُ       وَكيفَ ساهمَ بانحرافِك

وَكيفَ ماطلكِ الرجالُ       وَسَاوموكِ على لِحافكْ

أدري،  وكلُ    خليةٍ      بدمي تئنُ على إنكسافكْ

مَا جئتُ  أنهلُ ظامئاً      بخريفِ جَدبِكِ أو جَفافِكْ

أو  أستثيرُ  مواجعاً     دَرَسَتْ، وأصغرُها  أخافكْ

ولا  شَمتُكِ    هازئاً        الحبُ أعظمُ من زُعافِكْ

قلبي  عليك  مصدّعٌ،       ينعى  لفقدكِ  وإنعكافِك

وبجانحي   نبلُ  المحب    أساهُ  غمك أو   رعافك

جهدُ    النبالةِ   حشمةٌ    وتحافظينَ على    عفافِك

سَمّوكِ  سَهواً وردةً      العطرُ ماتَ على  ضِفافِكْ.

 

قحطان محبوب مندوي   8-3-17

* تاجة واجي إمرأة خائنة غدرت زوجَها وهجرت وليدها في مهدهِ وهربت  وهي جدة ألمعنية في القصيدة.

***

 

في الروحِ تحيا خالدا

 

للصديق ألشاعر الراحل، طيب الذكر، باقر كامل جبر*

منّيتُ نفسيَّ بالمعالي    وسَهوتُ عن غدرِ الليالي

وحَلِمتُ  لي وطناً   سَيجمَعُنا   ونَسعدُ   بالوصالِ

ما خلتُ يفجعُني الردى    بأحنِ أصحابي الغوالي

من بعدِ ما  أزرى  بأهلي    في المنافي  والجبالِ1

وأتى  بأرذالِ الوحوشِ     فحللوا عِرْضِي ومَالي

من أين أبدأُ يارفيقَ         العمرِ يا زين  الرجالِ

هَلْ  أستميحُ العذرَ،   هلْ  أُبكيكَ، أم أبكي لحالي؟ 

ياطيبَ القلبِ الرهيفِ      ومالكاً   نبلَ  ألخصالِ

يا باسمَ  الثغرِ الودودِ        وناطق  الدرر اللألي

وأعزَ من عيني وآمالي        وأقربَ  من عيالي

لو تدري كم عاثت بي  الدنيا   وجدّت في زوالي

من محنةٍ    لمُصيبةٍ        ومن إرتحالِ بإرتحالِ

"شماتي شماتٌ" ودهري      جاحدٌ  حدَّ الضلال2

في عالمٍ عهنٍ  خلى      من أيِّ  طيبٍ  أوجمالِ

عُثرٌ خطاي، مُهدمٌ          قلبي،  وباردةٌ  دلالي

تحدو السَمُومُ  بناقتي         وَتذرُني ذرَّ ألرمال3

وبَقيتُ كالطيرِ الشريدِ          بلا رفيقٍ  أو مآلِ  

وسِعُ المحيطِ مصاعبي     ومتاعبي  ثقلُ الجبالِ

ويضيقُ في عيني ألمدى      ومَنيتي تدنو حيالي

واقولُ في منفاي أُطمى  في الثلوجِ، هنا إشتعالي

ويَجيىء طيفُكَ واعداً     عبر المحيطاتِ ألطوالِ

ليزيلَ عني   كُربتي         ويردَ أيامي الخوالي

فأرى العراقَ  مُعافيا        وبطيبكم قمراً  يُلالي

وضياءَ بيتي ساهراً        وبوردها تزهو سِلالي

قسماً  بأقدسِ  مبدأٍ      ما غبتَ يوماً عن خيالي

وبقدرِ  حُبي  للعراقِ      وتوقِ  صَبٍّ  للوصالِ

ومُهجرين الى الرجوعِ     وصائمينَ ألى ألهلالِ   

إشتقتكم  حدَّ  البكا         و بنبلكم   قلبي  يُغالي

ويلي، أترحلُ غفلةً       من دون ردٍ  أو سؤال؟

من بعدِ عينِكَ من  سيذكُرني   ويؤرِقهُ  هُزالي؟

ما العمرُ يا القَ الشذى ومَصيرُنا  رهنَ الزوالِ؟

ولرُبما  عَيشٌ يطولُ       يَضُرنا  في ألإكتهال‌4

ولأن  وجهَك  لم يزلْ     حياً وبدراً  في الكمالِ

في الموتِ تنعمُ سالما    وخُطاكَ وارفةُ  ألظلالِ

سيظلُ  ذكرُكَ  خالدا     بدمي ألى شدِّ  الرِحالِ.

 

 قحطان محبوب مندوي      روجستر- مشكن 

..........................

*رحل صديقُ العمر الشاعرُ الوفي باقر كامل جبر من أهل الحلة ألكرام عام 2013.  ولم أعلم بموته. ويبدو إن آخر رسالة كتبتها  له لم تصله، فبقينا بعدين ألى ان أفجعني خبرُ رحيله.

1. هذه إشارة ألى أهلي ألأيزيدين العراقيين ألذين نكل بهم ألدواعش الكفرة.

2. كتب لي الشاعر باقر كامل مرة يشكو همه

إجروحي موش هواي لاجن غميجات

وشماتي مو شمات،   شماتي شماااات

3. السَموم: رياح حارة عاتية وقاتله

4. قال ألنابغة ألذبياني

ألمرء يأملُ أنْ يعيشَ  وطولُ عيشٍ قدْ يَضُرُه

تفنى بشاشتهُ  ويبقى  بعدَ  حلوِ  ألعيشِ  مُرُه

 

nooradin samoodنرى إصلاحه سهلا بسيـطًا

ولكنْ دونـه خـرط القـتـادِ


 

نفخ في الرماد / نورالدين صمّود

 

تهمّشتِ الثقافـة في بـلادي         وعششتِ السخافة في النوادي

وأصبحتِ الذيولُ بها رؤوسًا         تُدبِّــرُ للتفاهــة والكسـادِ

وأصبحتِ الرؤوسُ بها ذيولا        تُـساقُ إلى المَرابطِ، في انقيادِ

وللتأنيث شـأنٌ أيُّ شــأنٍ            به تُخصَى الفحولةُ في بـلادي

وللإهمـال سيطـرة عليـنا           فأصبحنـا مثـالا للـفـسـادِ

نرى إصلاحه سهلا بسيـطًا         ولكنْ دونـه خـرط القـتـادِ

فهل للـيل مـن صبحٍ منيرٍ           يبدِّدُ، بالضيـا، ليـلَ الحِدادِ ؟

وهل من سامعٍ؟ أم أن قوْلي         سيـبقَى مثل نفخٍ في الرمادِ ؟

وهل ستجيبنا الأقدارُ حتمًـا         ببيـتٍ صـار رمـزًا للعنادِ:

(لقد أسمعْتَ لو ناديتَ حيًّـا         ولكـنْ لا حيـاةَ لمَـن تُنادي)

ولي أملٌ وطيدٌ في الذي قدْ          أنــار بعقلــه كل البـلادِ

 

نورالدين صمود

 

 

karim abdulahحبّي لكِ يملأُ هذا الافق فاغلقي أبوابَ قلبي أمامَ سطوةِ النساء وعطّري عيوني بـ (شوفتكِ)*، تفاحكِ الأحمر فاكهةُ قصائدي إذا حلّ الشتاء يجرّدُ أوراقَ زنابقي البيضاءَ، أطلقي فراشاتكِ العذراوات يلعقنَ شهدَ أيامي قبلَ هبوبِ الريح،عرّجي سماواتي عرشكِ أدخليها أنّى تشائينَ تنتظرُ شمسكِ تداهمُ ظلمتها لـ تستفيقَ نجومي الخابية، خذي آهاتي بريقُ عينيكِ يروّي دهشتها الشجيّة تنصتُ يجتاحُ روابيها يقظةُ السحاب الماطر خمرة َ عشقٍ مذاقها جمرة شهوةٍ تهدأُ بينَ مزارعِ الفرح، أخرجي كنوزكِ الناعمة توقظُ قيامتي زينتها كوثرٌ ينسابُ عفيفاً مِنْ أنامل ِ الحسراتِ دثّرها القحط سنيناً يزحفُ لا يحنو علينا تنبضُ رجاءاً يروّضُ عقيقَ الأسرّةِ العاطلة نلمُّ سنابلَ الوصلِ نغنّي نتوّجُ عمرنا فجراً جديدا. لولاكِ لـ جفّتْ سواقي الروح وتحطّمَ القلبُ شظايا تستغيثُ موتَ الزغاريد فـ عنْ وجهي تنزعينَ ملامحَ كآبةٍ وتفجّرينَ صخورَ حزني ينابيعَ بهجةٍ تترنّمها شفاهَ ايامي، حبّكِ جسراً مِنَ الضياءِ الى النجاةِ يأخذني، ما أزهرَ بسمتكِ تنتشلُ أنهارَ صدري أنْ تشيخَ شاحبة طيورها والأمنياتُ فاحمة .! فراتكِ يغذُّ صحرائي أفراحاً متوهّجةً في ليليَ البارد . أغصُّ بـ الانتظاراتِ الطويلةِ علّقمها يجرّحُ الغبشَ الغافي في أناشيدي تعطّرها تصاويركِ تتنفّسها أزهارُ شرفتكِ الخجولة تترنّمُ أحلامي وألذّ ُ الصباحاتِ أنوثتكِ اليانعة تلتهمُ أوجاعَ ليليّ، لا تشبعُ عيوني الظامئة إلاّ وأنفاسكِ السكرى تنامُ ترتشفُ قصائدي تتلذّذ ُ كلماتها تحرسُ مخدعكِ الوثير حلماً يغازلُ الحنين .

 

 بقلم: الشاعر كريم عبدالله

بغداد العراق

..................

* شوفتكِ: رؤيتكِ .

 

almothaqafnewspaperكلُّ المياه تآمرتْ

استجمعتْ بردَ المواسم كلِّها

لِتحيدَ عن غاياتها هممُ الشراعْ


 

خطيئة الأرحام / معن حسن الماجد

 

أُجهضْت من رحِم الضياعْ

من عَتمةٍ بدمائها بين الحَشا

هي زَفرةٌ

من زفرةٍ بعد التياعْ

أشرقتُ في يَمِّ الردى

يقتادني موجُ اغتيالٍ بانصياعْ

كلُّ المياه تآمرتْ

استجمعتْ بردَ المواسم كلِّها

لِتحيدَ عن غاياتها هممُ الشراعْ

هل كان حتماً أن نغيبَ عن المدى

ونعاقرَ التيهَ المؤبّدَ أدهُرا

قد لانعودْ

أو قد نعودْ

بعد انقطاعْ

لي إخوةٌ

في بطن أمي لم تزلْ

مكتظةً حول الدِما

تقتاتُ من زقّومِها

من فضلِ أوردةِ الضباعْ

والظّلُّ من يَحمومِها

يغْتابُه الزّقّومُ من فرط اللّظى

هي نوبةٌ

في إثرِ نوباتٍ سِراعْ

وغداً سيَجمعُ أمرَهُ

رحمٌ شقيٌ غيرُه

سيظلُّ يذرفُ قَيحَه ُ

دمْعٌ يُراقْ

وخَطيئةُ الأرحامِ يحملُها الجياعْ

 

د. معن حسن الماجد

العراق - الموصل

 

rafef alfares2اعشقُ الثواني إذ تُسابقُ نبضَنا

والعطرُ بين اصابعِكَ

يختِمُ قميصا مكتومَ الشهيق


 

لماذات الروح / رفيف الفارس

 

لماذا...

حين تأتي أسمعُ الأصدافَ تغني؟

والجزرُ النائيةُ تعرفُ معنى الاقتراب؟

... تصطفُّ مراسي الرحيل . ..

اصدقاءُ طفولة...

والذكرياتُ تلتقي ... باقاتِ ورد...

لماذا...

اليكَ وحدكَ يستقيمُ

                  البصرُ

                     ويَهدُرُ النبضُ...

مكبّلٌ لساني بــ.. (كيفَ حالك)

وألفُ "أشتاقُكَ" تنبضُ في عيني

تلك الحروفُ كحباتِ قهوةٍ ...

                 همستْ زَفراتِها للنارِ والحنين

لساني مكبّلٌ

     بـ...(كيفَ حالُك)

         والفُ قُبلةٍ تنتفِضُ في دمي ...

طعمُ المسافاتِ في صوتِك

                         يُناديني كالحُلُمِ

همسُ انفاسِكَ يسابقُ الريحَ

              يلفُّ الارضَ ليستقِرَّ في الروح..

                                                   نفحةَ ياسمين..

اعشقُ الثواني إذ تُسابقُ نبضَنا

             والعطرُ بين اصابعِكَ

                    يختِمُ قميصا مكتومَ الشهيق

                      يا أنتَ ... ومِن بَعْدِكَ يَحارُ المدى بمداه ..

لماذا ...

حين  ينطِقُ القلبُ اسمَكَ ..

      يرتفعُ الدمُ ..موجةَ حنين

   ويكون للأسئلة جواب واحد ... لأنك أنت

 

 

radia maymonaغلاةَ الروح في عقلي تجلَّت

مطارح عزَّتي وعُلا إكتمالِي


 

المعجزة / راضية ميمونة

 

مُحال أن ترى ذُل السُؤالِ

بِعيني أو ترى حزنَ اعتِلالِي

 

ولن تحضى بقلبي واشتِياقي

ولن أَرضى بعشق الابتِذالِ

 

فلا ودّي ولا نغَم افْتِتاني

يودُّ البوحَ فيك ولا دلالِي

 

ولن تدنو لقلبي واصطِفائي

ولا إشعاعَ شمسي أو ظِلالِي

 

ولا أتغنَّ فيك  ولو بِسطرٍ

ولا حتى بِوصفٍ في الخيالِ

 

فلستُ رهينةً لِذَوي التّجافي

ولم يخْضعْ إلى السُخفاءِ بالِي

 

ولا إني لِذِي شبقٍ رخيصٍ

أُرخِّص من شموخي واعتِدالِي

 

فقلبي مابِه لك من هيامٍ

لتُلهبَ غيرتي ولظى اشتِعالِي

 

فراضيةٌ أنا  والحبّ إسمي

كنورِ المصطفى عشقي مِثالِي

 

فإنّي البدرُ يعلو في سماءٍ

وانت الخسفُ في بزَغ الهلالِ

 

غلاةَ الروح في عقلي تجلَّت

مطارح عزَّتي وعُلا إكتمالِي

 

فلا يأتي  بخاطرك  التّمني

بأن اسهو وانقص في  خصالي

 

فلا واللهِ تجذبني القوافِي

ولا معسول همسك في الغَوالِي

 

ولن أشقى بوهمك في انتظارٍ

ولن يزهيك في يومٍ منالِي

 

وإنّي نهر  احساس  نقي

أحادي  كمُفردَة  الكَمالِ

 

كشمسٍ تعتلي بسماء وادٍ

وحبي  رفعةٌ زادتْ جمالي

 

خسرتَ محبّتي وجمال ودّي

وباتت من فِعالك  بارتِحالِ

 

وكنت النجم في الماضي  تدنَّى

نزعتُك .انت ليسَ من الرّجالِ

 

وضعتك في عناوين التّناسي

بكل الفخر زحتك من خيالي

 

فراقك لن تموت به حياتي

ولن تحيَى  حياتي بالوصالِ

 

ولم أفسدْ من العينين كحلاً

على خَرْق  من الاوساخِ بالِي

 

ولا شمسي تواراتْ خلف حُجْبٍ

ولم أركعْ  لعاصفةِ الضَّلالِ

 

.وفي ذاتي جمال الطبعِ صافي

فربِّي قد   حَباني   بالجمال

 

فبئس الرخصِ انت به تُباهي

فيا شبَهَ  الرّجولة بالفِعالِ

بقلمي: راضية ميمونة

 

hasan alasiتفرش أمي أضلاع

صدرها مرجاً كيْ نلهو

نقفز صغاراً فوق أديم الضوء المتوثّب


 

ما زلت في جنون العرائش صغيراً

حسن العاصي

 

تحت ثوبها

تخفي أمّي كيساً صغيراً من القماش

يتدلّى من عنقها

تحبس داخله أزهاراً جافة وأدعية

فيه يختلط الغار بالتسابيح والأذكار

طُهر الماء وعبق المسك تدلان عليها

يزهر الثوب في النهار صلاة للمواسم

عشق بلا مدى

ويصبح معجماً للأولياء ليلاً

تفوح منه شفاعة مستترة

وينبت على أطرافه ورد الأنبياء

هذا أعمق سرّ لا يعرفه أحد

تقول: في الكيس مئذنة ومزمار حزين

وفي قلبي أبواب المطر تحرسها الطيور

فوق أكتافها ننمو وتمتد أطرافنا

مثل الغراس بأصائص الصباح أو أبعد

وحده الريحان يتنزّه بالطفولة

تفرش أمي أضلاع صدرها مرجاً كيْ نلهو

نقفز صغاراً فوق أديم الضوء المتوثّب

نصرخ فتهرع ومعها يجري بيت الله

كُنّا كما أذكر أسفاري في بيت بلا جدران

تعلو فيه أشجار الرمّان فوق بساط العنبر

والعرائش تحرس حلقات النور

حين تُراقص النسمات عنق النرجس

أتذكر كثيراً فراشات الخمائل تحاصر النهر

كأنّ البستان الصاخب أثمله لون الماء

وكثيراً كثيراً ما كان قلبي يغفو فوق نجمة المطر

حين يبدأ موسم الحكايات زخّات قناديل

تجلس أمي مثل قدّيس قرب دائرة الضنك

تكابد رماح الوهن

أحياناً معنا تتقاسم الضحك كأنّما

يفرّ إيقاع العقارب الرملية

في غفلة من وتر الوقت

في كل ليلة

تعدّ لنا ما استطاعت من أحلام

تمسح أجفاننا بكيسها القماشي وتقول

ناموا آمنين

يمدّ مزمارها فِراشه على أرق التراب

وتأنس الأجساد الطرية تعبها

نغفوا مثل الحملان فوق عشب أدعيتها

وينمو من حطب أحزانها في قلوبنا

ورداً قزحياً يخفق فرحاً

نحلّق مثل عصافير الله لنرحل

صوب أهداب الفجر

حينها كنتُ أصافح خدّ الشمس جداً

وجداً جداً كنتُ أحبّ مشاكسة شعاع الماء

أخفي رأسه في سلّة النهر

وأطلقه حين يحتدم الفَراش

أمي التي تخفي تحت ثوبها كيساً قماشياً

ننام وترفع كفيها للسماء تقول:

يا رب الرّيح التائهة والخيول الساجدة

إن لي طيوراً لا ريش لها

وأرقي بازغٌ من سديم الأفق

هُم بعض بحري وبكائي

إنني أودعتهم رياضك

فلا تمتحنهم على ما لا يطيرون

هبهم يا ربي أجنحة الإيمان

في سهوة القماش اشتد ريش الطيور

أمي ما زالت تخفي كيسها تحت ثوبها

وفيه الأدعية والأعشاب

ما زالتْ كل ليلة تجثو قرب الأعشاش الفارغة

تبكي كيسها وتلقي دمعها جهات تغسل الذنوب

وأنا ضالع في المقام الماطر لا كف لي

كنت في سيل الشجر قد

أطعمت أصابعي للطيور الكسيحة

صار بيني وبين السرب لازمة

يغصّ بي من شعاعين مزمار ومئذنة

وكلّما عبرت درب الغابة غريباً

تصبح بيوت القشّ أكياساً

والأوراق الذابلة أذكاراً

رغم أنني أنام كل ليلة في الجامع القريب

تراني أبحث في عمق المروج عن سرير قماشي

ووسادة من العشب

ما زلت في جنون العرائش صغيراً

ولا زال ينبت ريش قلبي كلّما هطل المطر

أو جاعت العصافير

qusay alsheekaskarربما لا تكون حكاية الأسد أكثر الحوادث ظرفا لكنها تبدو بلا شك أكثر غرابة من غيرها.. ولعلها تبقى في الذاكرة طويلا قبل أن ينساها أهالي شط العرب ومحلة كردلان كما نسي أهل البصرة  حوادث كثيرة سواء ما وقع من غرائب قبل عقود أم الأحداث التي نعيشها كل يوم ..لقد مسحت حكاية الأسد من الذاكرة عمل الإرهابيين في تفجير أسد بابل..والانتحاري الذي فجر نفسه عند مقام عبد الله بن علي.. وآخر انتحر ليهدم مئذنة الزبير..وأعمال عنف واغتيلات لا تعد ولا تحصى.

الحكاية الغريبة تلك تتلخص يوم زارنا ابن عمة والدي،كبير بلدية التنومة.قال لأبي : ياحاج انظر إلى التطور الذي حدث في العشار هناك انتصبت عين البصرة ومدينة ألعاب.ولا تنس الأسواق الكبيرة الجديدة .." مولات" مثلما هو الحال في دبي،وأنت بستانك ما شاء الله كبير وواسع  تكاد بدايته المقابلة لجهة التنومة تخلو من النخل  والله سأجعل أهل العشار يأتون إلينا..اطمئن  لن نمس النخيل. المدخل الفارغ فقط سنؤجره منك ندفع لك الذي يرضيك!

وهكذا اقنتع أبي وفي اليوم التالي جاء مسؤولون من البلدية  عاينوا المكان وخططوه ثم حضر مختصون وبنوا أقفاصا.. كل ذلك في مدة قصيرة تجاوزت الشهرين..وكان ابن عمة أبي يجمع من أمكنة ما حيوانات وطيورا متباينة.. جلب فهدا وبعض الذئاب والضباع ويقال وهذا ليس بالسرّ إنه أصبح يمول طعام الحيوانات من مزرعة دواجن يمتلكها  في الزبير ومن مصانع للطعام يشاركه فيها بعض أعضاء البلدية.

بدت أقفاص الحيوانات والطيور تضج بالحركة..سُمِعَ الغناء .. والنباح. والعواء والهديل.. والخوار..فقط هو وحده قفص الأسد بات خاليا من صاحبه.. وكان قريبنا يدعي أن أحد البحارة من أهل البصرة سيجلب جرو نمر وشبل أسد من شرق آسيا وهو الأسد الذي أنا بصد الحديث عنه.

لم يكن شبلا صغيرا يوم جلبه من الهند ابن محلتنا  الكابتن منصور العثمان..كنت سعيدا بما تقع عليه عيناي وأنا أرى مقدمة بستاننا تصبح حديقة حيوان يقصدها كل يوم العشرات من أهل العشار وبعض عرب الخليج.. وراضيا أيضا بوظيفتي الجديدة حيث أقف عند البوابة أقطع التذاكر للزائرين وكم تمنيت لو أن أبي وقع عقدا مع البلدية على مناصفة الارباح بدلا من الايجار...كان هناك طبيب بيطار يأتي بين حين وآخر يفصح الحيوانات ..نمر ضباع وبجع و..وكان الحارس يجلب كل يوم أكياسا معبأة بافخاذ الدجاج ويضع مرة في الاسبوع نصف كيس أمام الأسد..

والحق إن العامل المعني بطعام الحيوانات لم يقصر في حق الأسد..أصبح يخصه بجيد الأفخاذ وعقد صداقة معه فلا أحد يجرؤ على الاقتراب منه سوى الشاب رحيم المرهون.. يقدم له بيديه الطعام ويمسح على رأسه ولا أبالغ حين أدعي أن رحيما أصبح ينحاز للأسد اكثرمما يعنى ببقية الحيوانات.

وانضم صوت الاسد إلى بقية الاصوات. اختلط بالعواء والنباح وصياح الديكة غير أنه بقي ذا رهبة تكاد تميزه بجلاله وهيبته عن بقية الأصوات. وحين كبر الشبل واصبح أسدا تفتق ذهن قريبنا عن فكرة جديدة قال إنها ستدرّ ربحا أكثر فيتضاعف في الوقت نفسه أعداد الزائرين!

هذه المرة اقترح أن ننقل حمارا إلى قفص الأسد هدية الحديقة له ولا ننسى أن نطبع إعلانات في الصحف المحلية عن زيادة سعر بطاقة الدخول إلى الضعف في ذلك اليوم لأن رواد الحديقة يتابعون  بمشهد حيّ قتل الاسد للحمار وافتراسه، ولا بدّ إذن من دعوة مراسلي الإذاعات المرئية والصحف!

فكرة جديدة بدت لنا..لم تقدم عليها قبل حديقتنا أيّة حديقة في العالم.. تابعت بنفسي نشر الإعلان في أكثر الصحف المحلية شهرة ورواجا.. وحجز المرتادون بطاقتهم في وقت مبكر..نفدت جميع التذاكر وطبعنا تذاكر أخرى فنفدت ووعدنا الناس في إعلانات أخرى أننا يمكن ان نعيد المباراة بشكل دوري كل أربعة اشهر..

قبل المباراة سمعت شظايا كلمات من العابرين وأحاديث عن صراع موعود بالضبط كما هي صورة مألوفة ارتسمت بأذهانهم لأسد في شريط تسجيليّ ينط على ظهر حمار وحشيّ فيغرز مخالبه بكتفيه ويلوي عنقه بأسنانه لينقلب به فيطرحه أرضا ويشق بطنه ثم يقضم أحشاءه والدماء تغطي أرنبة أنفه...

بهذه الصورة كان يمكن للحكاية أن تنتهي.وقد اخترنا عطلة نهاية الأسبوع..مثلما توقعنا جاء المراسلون ومندوبو الصحف وحضر وأكبر عدد من الزوار،شباب.. رجال ونساء مع أطفالهن..طلاب جامعة وتلاميذ مدارس وأمام أعين  الحشود  اقتاد رحيم الحمار الضحية إلى قفص الأسد..استدار به حول الحاضرين مستعرضا حتى يطول المشهد فَينشَدُّ الحضور  لما هو آتٍ من عمل غريب يحدث في شط العرب للمرة الأولى ..بل العالم كله..بعد دقائق ران خلالها الصمت فتح باب القفص الضيق ربط عنده الحمار،فقابله الأسد عند الباب الكبير بزئير ذي نغمة عالية.. لمس أنفه عبر القضبان بأنامله فقابلة  بلعقة امتنان من لسانه..كان قد التزم بإرشادات قريبنا عضو البلدية ونفّذّ  بدقة تعليمات البيطار فامتنع أن يقدم للأسد أيّ طعام حتى يباشر اندفاعه نحو فريسته الحية بكل شراسة وعنف.

في هذه الأثناء رجع ليقود الحمار إلى نهاية الممر ،وفتح الباب الواسع .. خرج بلمح البصر من الباب الضيق ثم أحكم القفل،فتهاوى الصمت وانطلقت الانفاس المحبوسة..علت صيحات ..صفير وزعيق..تقابل الحمار والأسد وجها لوجه ثم ارتد الحمار إلى الخلف فتراجع الحمار ووقف الاسد .. تطلع احدهما في الآخر مطّ الأسد جسده بمحاذاة الأرض لينط فغير الحمار مكانه. كتم الحاضرون أنفاسهم وعادوا للزعيق..تقدم الأسد فصفقوا وظل الحمار يدور عند قضبان القفص.. أقعى الأسد ونهض..فتوقف الحمار لحظة وواصل سيره..كأنه لا يبالي بما يدور حوله..قالت امراة في الاربعين راحت تقف على كعبيها،وقدحملت على كتفيها طفلة في الرابعة من عمرها:

الحمار لا يبالي حتى بموته!

وقالت الطفلة: متىيأكله ياخالتي؟

استشرت التعليقات أما الأسد فراح يقعي ويرفع رأسه والحمار يدور ويدور..وبين الدوران وحركة الأسد تستشري التعليقات والزعيق.

عندئذ توقف كل صوت،وأطبق على المشاهدين صمت رهيب إذ حالما وصل الحمار عند قضبان باب القفص حتى اطلق الأسد زئيرا حادا أرغم الآخرين على ان يقطعوا أنفاسهم هيبة من صوته القوي ثم نط باتجاه الحمار الذي فاجأه باستدارة قطعت عليه المسافة،ووجه بحافره إلى خصمه ركلة قوية وقعت على فمه..

كان هناك دم على أنياب الأسد قطرات تنبيء من رآها في شريط تسجيلي أنه انتهى قبل قليل من فريسته!

لا أحد ينسى المشهد قط.. ليس هناك من الحاضرين مَنْ توقع هذه النهاية..كل منّا رسم صورة في ذهنه: بعد عشر دقائق .. ربع ساعة.. مهما طال الوقت فلن يتعدى العشرين دقيقة..والغريب أن  الأسد راح يرتد إلى الوراء..يدور حول القضبان..وبعض قطرات حمراء تنزل من أنيابه  يتراجع والحمار يتعقبه بركلة أخرى فيظل يدور حول قضبان القفص مثلما فعل الحمار بداية الصراع و لا ينطلق منه إلا صوت أقرب للهمهمة والأنين!

أما الحمار فقد توقف وسكن ثم توغل في صفنة طويلة!!

لم يشهد الزائرون عملية افتراس لكنهم بدوا راضين كلّ الرضا عما رؤوه .. بعضهم أساء الظن فينا تصوروا أننا دربنا الحمار والأسد على تلك اللعبة وكانت غالبيتم تطلب منا أن نعيد الصراع.. وفي اليوم التالي خرجت الصحف المحلية بعنوان مثير "حمار عراقي يهزم أسدا في حديقة حيوان كردلان" ظلت الصحف تعيد الخبر حيث طغى على أعمال العنف  التي نعيشها كل يوم وراحت اعداد الزائرين إلى حديقة حيوان كردلان تكبر وتكبر وأيّ زائر يأتي يسال السؤال ذاته الذي يتكرر كل يوم : هل تُعَادُ مباراة الأسد والحمار مرة أخرى؟

 

..................

"الحادثة وقعت قبل أربع سنوات وبقيت تدور بذهني ففرغت من كتابتها قبل أسبوع"  

 

 

hasan alhudariألستَ تراني ساهم الطَّرف شاحبًا

أعدُّ نجوم الليل خلف الظعائنِ


 

سلامٌ على تلك الديار / حسن الحضري

 

 سلامٌ على تلك الدِّيار وأهلِها = ومَن حلَّ فيها مِن مقيمٍ وظاعنِ

وأخدارِ آرامٍ شُغِفتُ بحبِّها = فخلَّفن قلبي بين صبٍّ وحائنِ

بعثن سهام العين تخطِرُ بالقنا = فأجرين دمع الهاديات الهواتنِ

ألستَ تراني ساهم الطَّرف شاحبًا = أعدُّ نجوم الليل خلف الظعائنِ

طَرَقْنَ بسهمِ العين قلبي فلم يزل = يكابد أشواقَ المحبِّ المهادنِ

فعالجنَنِي مِن أوَّلِ الليل نظرةً = قطعتُ بها ليلًا طويل المراسنِ

برزنَ مِن الأخدارِ ثُمَّ ولَجْنَها = فألقينَ قلبي بين جمِّ المفاتنِ

أنا الحضريُّ الصَّبُّ أرْدَتْه غُلَّةٌ = مِن الشَّوق تجلو عن نُحورِ البهاكنِ

فرفقًا بهذا القلب يا قوم إنما = مضى بِسَناه كلُّ أحورَ شادنِ

فأقسمتُ بالرحمن فاطرِ حسنِها = ألمَّتْ بهذا القلب نظرةُ ماكنِ

فمَن مُبْلِغٌ عني على الغيب مألُكًا = بفَيضِ هواها بين تلك المحاسنِ

هو الحبُّ أرداني فما أنا صانعٌ = وليس غويُّ القلبِ منه بآمِنِ

وإنْ تسألي صِدقَ العهود فإنني = صدوقٌ وفيُّ العهد لستُ بخائنِ

تولَّهْتُها مِن بعدِ يومٍ وليلةٍ = فدع عنك تسآلي بتلك الضغائنِ

فلو كانت الصحراء تفصل بيننا = ومِن دونِها الأنهار بين المدائنِ

لجاوزتُها غيرَ اتِّقاءٍ لِهُلْكَةٍ = تُلِمُّ بنا مِن دونِ تلك القواطنِ

 

شعر: حسن الحضري

 

 

MM80فترتيلة الفجر المدمى بالنجيعِ

تهافتت مدن السواكن

حتى ذروة الحلم المعفر بالهزيعِ


 

الفجر والشحرور..!! / جودت العاني

 

هل يعلم الشحرور

كم في ليلنا عاشوا

وكم في فجرنا ماتوا..؟

ورغم الضوء في الأطياف

ما رجعوا لسكناهم

وما عادوا ..؟!

*  *

فبتُ أراقبُ

طلعة الشحرور

أحمل قلبي المعطوب

أصرخ

كلما ، في ظلمهم سادوا..!!

*  *

فترتيلة الفجر المدمى بالنجيعِ

تهافتت مدن السواكن

حتى ذروة الحلم المعفر بالهزيعِ

وأنتَ تُرجِعُ ياغريدُ

أراهمو حُلمًا شنيعًا

لم يعد في فجرهم أملاً

وما أكترثوا

وما حادوا..!!

عن الزوغان والدوران

في باحة الموت الزؤام

وما قادوا

سوى القطعان

ما أنفكت تراوغُ

عند منحدر الوديان

تمضغ حالها

وتمارس الأهوال

في الأهوار

قالوا

ثم قالوا

كلامًا لم يكن في عرفنا المرقوم

في الأيام والطوفان

إذ مالوا ..

*  *

تَصابت في عيون الغيب أزمنةٌ

وتاهت دمعة حرى

وكادت

أيها الشحرورُ،

تسقي عشقنا المحموم

عند الفجر

يا شحرورُ ، ما عادوا ..

وما سادوا ..!!

*  *  *

د. جودت صالح العاني

jawad gloomعدّ من حيث أتيت

 الى سجنك

 ايها القسّ العاشق


 

يا فالنتاين.. غادرْ من غير مطرود

جواد غلوم

 

كم أمقتُ ورودَك أيها الحبّ

وأنا أرى بضاعتك المكدّسة

تتراصف في أرصفة الموانئ

في مخازن الجمارك

في المطارات، في قاطرات الشحن

حزمتَ باقاتك عوجاً تتعجّل المكوث في خرائبنا

استكنتَ في رفوف تاجري الفرص الثمينة المُربحة

أدميتَ الدببة الحمر دماً في بلادي

استبدلتَها بخناجرَ تقطر وجعا على خاصرتي

عدّ من حيث أتيت الى سجنك ايها القسّ العاشق

أما استحيتَ منّا نحن اللاعبون على الحبال !

نشتري الضلالة بالهدى

وتبقى تجارتُنا رابحة رغما عنك

تفهمْ أين ومتى يأنس الحبّ

أنت لم تُعلّمْ سماسرة ديننا شميم العبير

وكيف يتسلل خلسةً الى مخدع العاشقين

لم تبُحْ لهم همسةً تُرخي أذانهم نشوةً ليطربوا معك

كفَّ عن مشاكستي وإغراقي بالكذب

ليست زهورك الاّ من سرقات مقابر الموتى

ليست أغانيك الاّ مشروخةً

مدفونةً في أشرطة تسجيلٍ بالية

نساؤنا اكتحلن بالعباءات السود

نسين إكسسواراتهنّ وحِلِـيَّهـنّ في المدافن

في صررِ نذورهنّ

في الأضرحة المزيفة

في تكايا الهوس الصوفيّ

في مساجد الندب واللطم وشقّ الصدور

خذ حقيبتك الملأى بالهدايا الملوّنة

رأيتُها أمامي؛ وروداً بلاستيكية مصنّعة بلا إتقان

دببة رثّة الثياب ، مشوّهة الملامح

كن عازما على السفر وارحل سريعا

لا وقت لديك لطرح حقيبتك أرضا كي تعانقني

أزفَ وقت الرحيل

معذرةً ، أنت أخطأتَ طريقك سيدي فالنتاين

لسنا أسوياء كما تتوهّم

 

جواد غلوم

 

 

hamodi alkenani2الى صديقي

سلام كاظم فرج


 

فيما مضى / حمودي الكناني

 

فيما مضى كنت املك الشواطي والحقول؛

فيما مضى كنت املك السواقي والجداول والمطر؛

فيما مضى كانت سمائي قريبة :

يستجيب الله دعائي

فاطير مع الفراشات العابرات لحقولنا الكثيرة

فيما مضى كنت انت وانتم ونحن وانا

ضمائر ليست غائبة

فيما مضى كانت كل نساء القرية امهاتي

او بنات عمي وعماتي وبنات خالاتي

فيما مضى كان لي الكثير من اخوات بالرضاعة

كانت اثداء النساء مليئة بالحليب

فيما مضى كان للناس اغلب الناس

بغال وحمير وخيول يركبنوها وجمال

فيما مضى كانت باديتنا مراعي للجميع

من هذه الفئة او تلك

من الشمال او الجنوب

شرقا وغربا يسرح ويمرح الرعاة

لامكان بينهم للطغاة،

للاكلين السحت الحرام

للسارقين الكحل من العيون

للمتاجرين بجلود البشر بدلا من جلود

الماعز والاغنام والجمال

فيما مضى كان كل الناس في قريتنا

لا يسمعون اخبار البرلمان والحكومة

اذ لا برلمان ولا حكومة

فقط القولجي والجندرمة والعصملي

يمشي في شوارع المدن الكبيرة

فيما مضى كان الناس في قريتنا

يقيمون الولائم ويذبحون النذور لوجهه كي يمن

على الجميع برزق وفير وعيشة لا نصب فيها ولا غضب

غضب الشياطين والجن والوحوش

فيما مضى كان ابي يجمع حوله الشيوخ والشباب

يحكي لهم عن ابي زيد الهلالي والامير حسن

عن عبور البحر وفراق العلياء عن ابي زيد

وعن رمح ذياب بن غانم

فيما مضى كان ابي يتبضع من هيت،

من الرمادي، من عنة، من راوة او حديثة

فيما مضى كان لابي اخوة من دين اخر

ومن مذهب اخر ومن جنس اخر

فيما مضى كان ابي لايقرا الصحف ولايسمع الاخبار

لكنه كان يقول لنا سياتيكم

من يفرقونكم ويجعلونكم تتمنون لو انكم بلا برلمان

 

 

syrawan yamalki2أيـــنَ الصّـــوابُ إذا ما الكلُّ قائِلَـــةٌ

نحـنُ المُصــيبونَ والباقـونَ هُــم  خَــطَل


كل عام وأنا بخير / سيروان ياملكي

 

خمسونَ عـامـاً مــع الآلامِ نقـتَـتِـــلُ

والعمرُ يُهـــدرُ والأيـــامُ تـرتــحِل

 

خمســونَ عـاماً سُــيولُ الهمِّ تجرفُـنــا

حتــى غــدوتَ رِمالاً .. أيُّهــا الجبَـل

 

خمســونَ عـاماً ونهرُ العُمْـرِ فـي كَــدَرٍ

لا ينصـعُ الـدُّرُّ فـي مَنْ مـاؤهُ وَحَـــل

 

خمسـونَ عامــاُ وهــذا اليَــمُّ يُغرقُــنا

طــوقُ النّـجـاةِ هوى والقِشّـة ُالأمَــل

 

خمســونَ عامـاً ولم نحصُدْ ســوى حطــبٍ

كانت منابِتُـــهُ الأخــــلاقُ والمُثُـــل

 

كـم يصعدِ الـــدُّونُ فوقَ النّــاسِ منزِلَـةً

والصّاعــدونَ مـع الأخـلاقِ كـم نزلـوا!!

 

بئـسَ المـــرؤة ُوالآدابُ من قِيَـــــمِ

مادامَ سافِلُـها دومـــاً هو البطـــــل

 

وبئـــس عِلماً بـــهِ نبني حضـارَتَــنا

بئـــسَ الحضارة ُإذ زادتْ بِــها العِـلَـل

 

فالصّـبرُ فـي عَجَـزٍ والعـلمُ فــي جَـزَعٍ

والعقـلُ فـي فَـزَعِ قـد صابَـــهُ المـلَـل

 

أيـــنَ الصّـــوابُ إذا ما الكلُّ قائِلَـــةٌ

نحـنُ المُصــيبونَ والباقـونَ هُــم  خَــطَل

 

فالكلُ مُتـَّـهَـمٌ ..  والكـــلُ مُـتـَّـهِـمٌ

أيــنَ الصحيــحُ إذاً.. بـل أينَــهُ الخَلَـل

 

بغداد 2/2/1992

من ديوان (حب من طراز آخر)

 

almothaqafnewspaper مُحمّلات بالحنّاء، بربطات الخزامى والنعناع البرّي،

 تنزلُ الواشماتُ من قُرى "الأطلس المتوسط" نحو مراكش،

 يفترشنَ "مَحَجّةَ" ساحة جامع الفناء...

 يَنصبنَ للحلمِ برزقٍ خياماً من حنينٍ عَتّقه العوَزُ،

 يدخُلن "سوقَ المنافسة"مع الجميع !

 حتى مع القادم الجديد "شينوا"(1)

 يقارعنَ الصَخَبَ بما هو أعلى ...

 * * *

 حين يحطُّ المغيبُ رحاله، تشتعلُ الساحةُ بالأضواء ودخان الشواء،

 يمتلأ الفضاء بالضجيجِ .. تكتملُ" الحلايق"(2)، فلا تعودُ تسمعُ إلاّ داخِلَكَ ..

 الواشماتُ المُحمّصاتُ بالشمسِ وغبار الطرُق،

 يشرعنَ يُقطّعنَ الهَرَجَ بمشارطِ أصواتهنَ .. كي لا يَضِعنَ في هديرِ الساحةِ !

 يرمينَ شِباكَ الحظِّ لأصطيادِ السواحِ من "النصارى"(3)،

 يَعبثنَ بلغاتٍ يجهلنها ..." مدام، حِنّه ماروكان أوريجنال، تريه بيان ! أَليه، أَليه !!"

 " مستر، نُوتْ گُوْ .. سپيكْ ثري گَذَرْ ! (4) "،

 وحينَ ينقطعُ حبل التواصل، تُمسكُ بيده وبصاحبته وتنادي صاحب البسطة المجاورة :" سي رشيد! الله يرحم أُبّاك، ويرحم بيها الوالدين، تشوف لي هالنصراني أيش يَبي .. مانفهمش الهَدْرَة دْيَاوْلُوْ !!

 في آخر الليل، حينَ تَبحُّ الأصواتُ ويذوي الضجيج، تنفَرِطُ "الحلايقُ"ويذهبُ السوّاحُ والعسَسُ إلى "أوكارهم"!

 تُلَملِمُ الواشمات تعبَ اليوم وفُضلة ما حمَلنه ...

 يحلمن بأبريقِ "أتاي" ــ شاي ــ مع خبزة وزيت زيتون بعد يومٍ من الكدِّ،

حيثُ لايعودُ مُتّسَعٌ للحلم بليلةِ عشقٍ !!

 

..................

 (1) بالنسبة للعامة من المغاربة يطلقون صفة "شينوا" أي صيني، على كل آسيوي صينياً كان أم يابانياً أم فيتنامياً أم كورياً... شهدَ المغرب في السنوات العشر الماضية نزوح ألافٍ من العوائل الفيتنامية والصينية، حيث شرعوا بتعلم اللغة المحلية للأندماج في المجتمع، بما هو معروف عنهم من تدبيرٍ في شؤون التجارة ...

(2) جمع "حلقة" تضم عدداً من الحكواتيين يقدمون عروضاً مُمسرحةً على الهواء تضم رقصات وغناءً وحِكَماً وموضوعات من التراث تغمز إلى الحاضر! مما يفهمه الجمهور فيتفاعل معه إعجاباً بالتصفيق والتعليق وبتبرعاتٍ نقدية توضع في قبّعةٍ يدور بها أحد المساعدين! يستمرُّ العرض ساعاتٍ، تتخللها فواصل غنائية بنصوص "حسچة" فيها تورية وكلماتٍ بمعانٍ مختلفة .. وهناك"حلايق" مشهورة بـ"معلميها" يؤمها جمهورها الخاص، الذي يأتي من خارج مراكش أحياناً لمشاهدة "الريبورتوار" الجديد ...

(3) كل الأوربيين بالنسبة لعامة المغاربة " نصارى"، وبهذا التوصيف يختزلون "مشقة" التفريق بين الأنكليزي والأسكندنافي والمجري والهولندي والألماني...إلخ)، تماماً مثل ما يطلقون صفة "شينوا" على الآسيويين..

(4) إشتقاقٌ "عبقري !" ناتج عن تعلُّمٍ شفاهي عبر السماع فقط ! مصدره الكلمة الأنكليزية توگَذَر ــ سويةً ــ فُهمَتْ إثنان سوية! وعليه جرى نحتُ "الأشقتاق" ــ ثري گَذَرْ ــ ! 

 

 

almothaqafnewspaperيا ليتني طيفاً أثيرياً

تسافر روحي كل يوم

لديار روحك


 

لعل الباب يفضي.. لعل الباب يصدق

كواكب الساعدي

 

To her in Chicago, USA

أهو غبار

أم قذى

أم

قمراً

مختالاً بهالته السماوية

أم

بريق أنجم

محمولة

على أكفّ السماء

احتفال

إن كان هذا أو كان ذاك

فسِيّان

***

اغرب عني أيها الليل

بضجرك

بعتمتك

بقنديلي

الذي ينضب الزيت

بطيفها

الذي يتسرب مني

كماء بكف

***

أحلّق راضية

وأهبط راجية

بأنها

ستدق الباب

فتحدث المعجزة

سيدة الحبور

والفؤاد الرقيق

التي

لا يليق بها البكاء

المفعمة

في كل المواسم بالربيع

وسيدة العطايا

في الزمن الشحيح

النقية

نقاء الثلج على

قمم الجبال

أحتاجها

احتياج الهواء

فبعدها

نزّ الجرح بالصديد

واختلف

عندي دوران الأزمنة

***

تعالي

اخترقي الحزن

ورممّي

ما يشخب من الاوردة

***

تعالي

نكتشف

الأشياء السرمدية بالحياة

في زمن

أصبح الحب

فيه كبسولة دواء

والشوق على الأسلاك

ثرثرة باردة

تعالي

نعيد له الوهج

الحب

ونسقط عنه

نظريات المؤامرة

***

تعالي

لأوفي نذوراً مؤجلات

ولتستجيب الآلهة

تعالي

لتضيفي للصبح بياضاً

فوق البياض

ولامسي القلب

ليرقص

بإشبيليّة

كراقصات الفلامنكو

***

تنتظرك

أسوار بيت مثقلة

بالانتظار

في الفجر

عند آخر اللحظات

لامسي

بيديك الصغيرتين

ياسمين

عائماً منذ ليلة أمس

بقطرات الندى

***

ومملكة

المهمّشون على الطرقات

على الأرصفة

والتي لم ترين

تنتظرك

لنردّ ديْناً

صغيرتي

لنسائها العابرات

مثل الخيال

لليلها

الذي

يشف الضوء

كالنهار

أشعل لها الشمع

كل ليلة

وأصلي

لها بمحراب ملائكة

كلما

تداهم صباحاتها

النار

أرثيها

بثوب شاعر رحال

عيوني

إليها تخترق الجدار

جداراً

بعيد بلغة المسافات

يحاذي

الخلايا والأوردة

أدخل

جسدها كل ليلة

أتوسد قلبها

كم توسلت السماء

لتعود لسابق عهدها

فبيني وبينها

تراسل خفي

تعرف سري

وأعرف أسرارها

***

تعالي

لأقول

اهلاً بك في الفردوس

حجرتك

أبدلت فيها

الستائر والدهان

أعدت

تنسيق اللوحات

على الجدار

وأحضرت

كل بطاقات الأعياد

والهدايا

والصور

لقد أضفت

للطبق الصيني

الذي تعشقين

بعض النكهات

وفنجان البورسلان

لم تمسسه شفاه

كل شيء حاضراً ليحتفي بك

ليجثو تحت أقدامك

ليحيّيك

بأصوات الحنين

اهلاً بك من جديد

أيتها المهاجرة

أديبة عراقية مقيمة في الإمارات

 

 

anmar rahmatalla2سأموت بلا شك، أموت متحسراً على غياب أعزِّ ما أملك، كأن جميع الأمراض في العالم هجمت على جسدي كقطيع غيلان حتى ذبلت وأخذ الشحوب مني لوني الحقيقي.. لم أكتب حرفاً واحداً منذ أن فارقتهم، أنا الكاتب الذي كنت أغزو الأذواق بكتاباتي الشهيرة..أنا يائس بالفعل من بقائي على قيد الحياة أو على قيد الكتابة، لأنني أشعر بالفناء يقترب مني ببطء. أشعر أن ذاكرتي وسمعتي الكبيرة تتآكل. وحتى تأتي تلك اللحظة التي ألفظ فيها آخر أنفاسي، لن أنسى عائلتي.. سأظل وفياً لذكراهم وذكرى أيامهم.. لقد كنت أحب عائلتي جداً ليس حباً غرائزياً حيوانياً عادياً، بل حبي لعائلتي هو حب تجتمع فيه الفطرة مع المكتسبات. فأنا فُطِرت على احترام العائلة وحبها والتضحية من أجلها، وفي الوقت ذاته اكتسبت الكثير من الوصايا والافكار لبناء عائلة صالحة جيدة. كان لدي زوجة وطفلان، زوجتي تُدعى (محنة)، والطفلان بنت وولد جميلان جداً. البنت اسمها (كآبة) والولد اسمه (قلق). زوجتي ليست بغريبة عني، فهي قريبة مني منذ الطفولة كنّا نلعب سوية، ودخلنا المدرسة سوية، وكبرنا سوية، حتى حان موعد زواجي، طلبت يدها من أهلها فلم يعترضوا، ووافقوا مباشرة على زواجي منها. كانت وفيّة معي حين هجرني الجميع، لم تتركني يوماً. كانت الصديقة والحبيبة والأخت والزوجة. ثم رُزقنا بالطفلين، سهرنا على تربيتهم. كانت زوجتي تعلمهما حسن التصرف، وأنا أحكي لهما قصصاً عند النوم. عشنا الأيام صافية ساعتنا، وديعة أوقاتنا، كانت عائلتي هي الدافع الأكبر لي في أن اكتب واكتب بلا انقطاع. زوجتي وطفلاي كانوا المساند الحقيقي لي، ولم يخطر في بالي أن تتعرض عائلتي لمكروه . بعد أن نذرت روحي ووقتي وجهدي وتفكيري للدفاع عنها. حتى حدث مالم يكن في الحسبان. اصاب مرض غريب عائلتي، لم ينجح معه تطعيم ولا لقاح ولا دواء. باعتراف الأطباء أنه مرض غريب ومن نوع نادر، اطلقوا عليه (فايروس الفرح). تم حجر عائلتي بعيداً عني، في الحقيقة ارعبني هذا التصرف. فلم أطق العيش بعيداً عنهم يوماً واحداً. ولكنني صبَّرتُ نفسي بفكرة ايجاد حلٍّ لهذا المرض، فالأبحاث مستمرة بالطبع والتجارب على وجد دواء للفايروس قائمة. وهذا ما شجعني على الصبر، مع أن الصبر كان مؤلماً كمنشار يقضم لحمي. سمحوا لي أن ألتقي بعائلتي ذات مرة، كانت زوجتي مصفرَّة الوجه هزيلة، وكانت لا تقوى على الكلام حتى. أما طفلاي فكانا هزيلين، ضعيفين كأنهما هيكلان عظميان .لم أجد كلمات تسعف ألمي غير كلمات التمني بالشفاء، كرهت اسم هذا الفايروس اللعين الذي يهدد عائلتي بالفناء. وصرت أسبّه كلما نطق اسمه شخص أمامي. ما هذا المرض الذي يسرق أطفالي من ليالي عمري، وينهب حضور زوجتي وبقائها من أيامي..؟. حتى حدث ماكنت أخشاه ...لقد توفيت عائلتي بالكامل ...لم أستطع تحمل الخبر، صرخت في المستشفى وبكيت. كان كل من في المكان مشفقاً عليَّ، حتى الممرضات بكين حزناً على حالتي، والأطباء اوصوني بالصبر وتحمل المصيبة. هل ماتت (محنة)؟ هل ماتت (كآبة) الجميلة البريئة، و(قلق) النشط المملوء بالحماس؟. يا لهذه اللعنة التي حلّت على رأسي!!. كنت أتساءل بفضول سوداوي، كيف سأعيش حياتي بلا عائلتي الجميلة، ليت الموت يأخذني أنا أيضاً وأزول إلى الأبد، على أن اعيش حياتي وحيداً بلا أسرتي الراحلة، ونبذني وحيداً في غرفتي بلا عائلة أو كتابة.

 

أنمار رحمة الله

 

 

mahmod rowabyعاد مسرعًا تلك الليلة.. تملؤه الشكوك.. تُحاصره الأسئلة.. الجواب صار محالًا.. التبريرات القديمة صارت كجبل من الجليد الذائب في بحر حيرته المتأججة..

توسَّد كفيه المرتعشتين، واستوى فوق سريره المتواضع؛ الذي كان قد صنعه بنفسه، وثبَّته بإحدى زوايا الغرفة.. وهو أيضًا كخزانة، مدفون به كل ما يملك. قرر أن يتأمل غرفته الملقاة فوق بناية متهالكة، رحل عنها أصحابها.. فكم هي قبيحة.. فقيرة.. كئيبة.. بالكاد يجد بها ما يسد رمقه.

رمق سقفه المُتدلِ، المصنوع من جريد النخيل.. المرقٍّع بقطع الصاج المهترئ. غفا من شدة التعب؛ فإذا بعيون جاحظة.. تذرف دمًا.. تطرح ذات الأسئلة.. تنتظر هي الأخرى جوابًا محالًا. أفاق هلِعًا، لم يعرف كم استغرقت غفوته.. أخذ يفرك-بعنف-  جفنيه المنتفخين ؛ ولكن مازالت تُسرَد خطاياه دون توقف.. تملأ أفقه الممتد بلا نهاية. أطلق تنهيدة عميقة، كأنها كانت محتبسه بين أحشائه، تترقب مخرجًا. ارتشف جرعة كبيرة من الماء، بعد أن جفًّ لعابه..

ازداد الصمت صمتًا.. لا شيء يهمس. ظل يقاوم ما تبقى من الليل، وقبل أن ينسج الفجر خيوطه؛ قام برفع غطاء سريره، والتقط كتابًا.. استدعى سكينة زائفة.. كابد ليقرأ، لكنه فشل. العبوس كان يستوطن وجهه الشاحب. مد عينيه الحمراوين نحو النافذة الوحيدة بالغرفة، التي تكاد أن تمس السقف.. لا يرى سوى فضاءً قاتمًا.. يشتم رائحة الموت من بعيد. أخذ يحدث نفسه: "ما يبقيك هنا.. تائهًا كالصعلوك الحقير.. أسيرًا لخيالاتك المرعبة.. تسكن قبرًا أبديًا.. يبغضك الأخرون.. يريدون قتلك في كل حين.. بل إنهم يتمنون إبادة جنسك اللعين..!"

انطلقت صيحات التمرد بداخله.. تبددت حيرته.. اندلعت ثورته؛ فاندفع كالطوفان نحو سريره، ليحزم أمتعته. لا يعرف أين سوف يذهب؛ ولكنه أصبح مؤمنًا بضرورة الرحيل.. الرحيل إلى نفسٍ أخرى، أو ربما إلى عالم أخر.. عالم لا يزال مجهولًا! وما كاد أن يلمسه؛ حتى أدركته طرقات الباب.. طرقات يعرفها بالعادة.. لا ينتظر غيرها..

ظل يفكر.. المواجهة قاسية.. فارقة.. وتلك مواجهة الذات، ما أشرسها! نادرًا ما يمكن حسمها. كان يدرك أنها فرصته الأخيرة لإخماد ثورته العارمة.. إنها معركة المصير..

مضى نحو الباب، ثم أدار المفتاح في القفل؛ فإذا بأجساد فارعة، ضخمة، ملثمة.. يجيئون بالعادة؛ ليطمئنوا أن الهدف قد تم إصابته. دخلوا من دون أن تهتز ألسنتهم، وما أن خلعوا الأقنعة؛ حتى برزت وجوههم الكالحة.. تسمَّرت نعالهم.. وقفوا كالتماثيل.. كانوا ينتظرون بشغف.. كانت أذانهم تعشش بين شفتيه.. تقدم كبيرهم.. قطع مسافة خطوتين نحوه، إذ كان واقفًا بجانب السرير..

-لعلك قد أصبت الهدف..

-قتلت بريئاً جديدًا..

أبقى على هدوءٍ، رغم انزعاجه:

- لا بأس، الأبرياء يدخلون الجنة

اشتدت نبرة صوته المبحوح:

- وهل نقتلهم لأجل ذلك؟!

بعدم اكتراث:

- لسنا نحن فقط من نقتلهم..

بغضب شديد:

- ولماذا يُقتلون أصلًا؟!

- إنهم وقود المعركة

- أي معركة؟!

صمت قليلًا، ثم قال:

- ينبغي تجديد إيمانك

بنبرة يائسة ساخرة:

-صدقت لتوِّك..

ضاق صدره.. قام برفع غطاء السرير مرة أخرى، وبطريقة هستيرية، أخذ يفرغه من كافة محتوياته، ويلقى بها خلف ظهره.. استدار، ليستقبل غضبهم؛ فسقط أشلاءً داخل سريره، الذي صار قبره...

 

محمود روبي   

 

 

bakir sabatinمادت الأرضُ بالموظف وهو يتلقى خبرَ استدعاءِ المديرِ له؛ فارتسمت على جبينهِ تقطيبةٌ تفزعُ لها الغربان. ثم راح يحلل الموقفَ ولعابه يتنافض ككلامه الهَذِر:

" ربما أزعجته كلمتك الأخيرة في حفل الأمس! حينما وصفت المدير بالنملة التي لا تتعبها الواجبات! ربما!! ألم تجد كلمة أفضل منها أيها المعتوه لتصف بها المدير في حفل أقيم لتكريمه؛ قل (نحلة) مثلاً.. النحل يستحلب رحيق الزهور، أما النملة فهي مداس لعابري الطريق.. نملة يا متهور!! والله أضحكت الناس عليك".

قال ذلك في نفسه بينما راح يتخيل مصيره المبهم بفرائص مرتعدة، ولسان لاهث كأنه مفقود في صحراء متناهية الأطراف؛ كأنه قادمٌ لتوه من الجبهة؛ وتخيل لوهلة بأن المديرَ احتسبها إهانةً شخصيةً له؛ خلافاً لما قصده الموظف المصدوم من الموقف المفاجئ؛ لذلك لم ينتظر طويلاً فسارع الخطا؛ إذْ كان عليه تجاوز كل أبواب المكاتب على جانبي الممر الطويل فيما نظرات زملائه الشفوقة تحاصره مؤنبة:

" ألم تهدر بذلك رزق أهلك الذين يعتاشون من راتبك البائس!!؟"

استلحقِ الموظف الخطوات باتجاه المكتب وعيون الزملاء ترمقه بحزن إزاء ما سيتعرض إليه من عقوبة، بدا وجهه مخطوف اللون وعيناه تتقلبان توجساً فيما فمه يتلمظ طعم المهانة التي أثقلت على طرفي شاربيه الأحمال فتنكسا حتى تقاطرت عليهما حبيبات العرق الذ تفصد على جبينه، قال في نفسه:

" أكيد ستكون شديدة عليّ.. نملة أيها الشقي! فعقول هؤلاء المدراء كسمّ الخياط".

وأخذ يبلع ريقه متلعثماً حين قال له أحدهم منبهاً قبل أن تبتلعه إحدى مكاتب الدائرة المالية:

"رأيت المدير يتطاير الشرر من عينيه المتوقدتين.. وهو يدخل الدائرة القانونية، عساه يرأف بحالك أيها المتهور.. فلسفتك أخيراً ستدميك على المكشوف.

وعلق آخر كان يضم على صدره عدة ملفات:

"بل دلف المدير إلى قسم الشؤون الإدارية من الباب المتواري وكان يلاحق أحدهم بشتائم مكبوتة، أخشى أن تكون المقصود".

وكان خبر استدعاء هذا الموظف المجتهد قد التهم كل فواصل الفراغ في وقت العمل بمكاتب الشركة:

" فماذا تفعل الهواتف غير إضرام النيران في عقول الموظفين المريضة فالكل يتربص بالآخر!!"

وانضمت خطيبة هذا الموظف إلى الركب وهي تصب جام غضبها عليه بينما كانت تعقص شعرها الناعم إلى مؤخرة رأسها ربما ليشاهد مبلغ الغضب الذي ترك ملامح الخريف بعواصفه المتربة في قسمات وجهها المتشنج:

"ماذا يعني أنك قلت في حفل الأمس بأن كلمتك ستكون مختزلة في ذات النملة.. فتوجه الكلام للرجل المحتفى به فتقول: بملئ الصوت:

يا من تمثل النملة بين الكسالى في زمن السمسرة".

معقبةً بغضب شديد:

" ألم أخطر ببالك وأنت تشتم وليّ نعمتنا ولو عن غير قصد وخاصة أن الموظفين أخذوا يعلقون على الموقف حتى تناهى إلى سمع المدير بأنهم يطلقون عليه عطوفة النملة المبجلة! ألا يعني هذا بأنك تتاجر بمصلحتنا مجاناً خيبك الله!؟".

ثم أخرسته بدموعها وكاد يتعثر وهو يواريها ظهره مستلحقاً الوقت بينما أخذ المحاسب الذي دخل لتوه مكتبه يوجه الموظف برتابة تخلو من أي معنى:

-عاجل الخطا! المدير ينتظرك على أحر من الجمر.

- خير إنشاء الله .

لم يحر جواباً.. فقد تسمر الموظف أخيراً أمام المكتب ليأتيه صوت المدير المجلجل من الداخل ضاحكاً:

" أدخل مستعمرة النمل أيها المجتهد".

فلما فتح الباب بيديه المرتجفتين لم يتسع قلبه للمفاجاة والمدير يقدمه لأحد أصدقائه بمحبة ورضا:

" كانت كلمته هي الأصدق! النمل!! ليتنا نقتفي أثر النمل في مسيرته اليومية كي نرتقي بأعمالنا".

ثم أشار إليه بالجلوس:

"ستشرب قهوتك معنا تقديراً للنمل الذي نحبه".

وعقب ضاحكاً ملء شدقيه وهو يدور حول مكتبه الفاخر باتجاه الموظف المشدوه:

" قرأت ملفك وما يحتويه من شهادات تقدير بحقك، شيء يرفع الراس"

ثم جعل يربت على كتفيه هامساً باعتداد:

" بوجودك بيننا يتحول مكتبي بالفعل إلى مستعمرة للنمل.. ويبدو أنني سأحول الشركة إلى مستعمرة، والموظفين إلى نمل يعمل باجتهاد وانتظام لا يهدر فيه الوقت.. رتب لنا كلمة أخرى لتقرءها في القاعة المجاورة حتى أكافئك أمام الهازئين بالمجتهدين أمثالك، إذهب الآن فلدينا موعد مع موظفي الشركة بعد ساعتين"..

خرج الموظف مورق الوجه حامداً الله في سره.

 

قصة قصيرة

بقلم بكر السباتين

 

malik alwasetiيَطُوْفُ بِأَطْرَافِ العُيُوْنِ كَأَنَّهُ

خَرِيْفٌ تَعَافَى في تَرَهُّلِهِ وَهْنُ


 

خُمَاسِيَّاتُ الرُّوْحِ وَالجَسَد

مالك الواسطي

 

(1): قَفَا أَثْرَهُمْ مُزْنُ

عَلَى مَهْلِهَا هَذِي الجِرَاحُ تَشُدُّنِي

لِحُزْنٍ تَمَادَى في تَرَيُّثِهِ حُزْنُ

***

يَطُوْفُ بِأَطْرَافِ العُيُوْنِ كَأَنَّهُ

خَرِيْفٌ تَعَافَى في تَرَهُّلِهِ وَهْنُ

***

غَفَى خَلْفَهُ لَيْلٌ أَطَالَ نُوَاحَهُ

عَلَيَّ وَزَادَ الهَمَّ في ثُقْلِهِ وَزْنُ

***

تُعَانِقُهُ الأَشْجَانُ وَالعُمْرُ قَدْ قَضَى

أَمَانِيْهِ مَغْلُوْبًا وَكَانَتْ لَهُ سِجْنُ

***

فَيَا صَاحِبِي مَلَّ الطَّرِيْقُ وَمَلَّنَا

صِحَابٌ إِذَا غَابُوا قَفَا أَثْرَهُمْ مُزْنُ

 

(2): في سَيْرِهَا نُبْلُ

أَسُوْقُ دُمُوعِي كَالقَطِيْعِ لِمَنْزِلٍ

بِهِ سَكَنَتْ رُوْحِي وَحَلَّ بِهَا القَتْلُ

***

عَلى ظِلِّهِ كَانَتْ حِكَايَاتُ جَدَّتِي

تُسَامِرُنَا لَيْلًا وَفي لَيْلِهَا بُخْلُ

***

دِيَارٌ بِهَا رَفَّتْ عُيُونِي لِمَبْسَمٍ

تَفَيَّأَ فِيْهِ الظِّلُ وَالمَاءُ وَالنَّخْلُ

***

بِهَا كَانَتْ الأَيَّامُ يُسْقِي طُلُوعَهَا

نَسِيْمٌ بِهِ عِيْنَايَ قَدْ طَالَهَا كُحْلُ

***

أَرَى النَّفْسَ قَدْ مَدَّتْ إلَيْهَا خُيُوْلَهَا

رِهَافًا تُطِيْلُ الكَدَّ في سَيْرِهَا نُبْلُ

 

 (3): إِنِّي بَيْنَهُمْ لَمُقِيْمُ

وَزَارُوا قُبُوْرَ العَاشِقِيْنَ وَزُرْتُهَا

وَمَا خُلْتُ إِنِّي بَيْنَهُمْ لَمُقِيْمُ

***

فَفِي طَرْفِ عَيْنِي قَدْ تَبَاتُ عَلى الجوى

حِكَايَاتُ مَنْ أَحْبَبْتُ وُهْوَ عَلِيْمُ

***

تَظَلُّ عَلى جُرْحِي تُدِيْمُ بَقَاءَهَا

دُهُوْرًا وَلِي بَيْنَ الجُرُوْحِ نَدِيْمُ

***

تُسَائِلُنِي عَيْنِيْ وَمَا لِيْ بِرَدِّهَا

فَفِيْهَا يَبَاتُ اللَّيْلُ وُهْوَ كَظِيْمُ

***

أَرَانِي إِذَا قَالُوا: تَوَسَّدْتَ تُرْبَةً

بَكَيْتُ وَجِسْمِي في التُّرَابِ مُقِيْمُ

 

(4): في مَيْلِهَا وَدْقُ

كَفَانِي أَرَاكِ في العُيُوْنِ سَحَابَةً

يَحِنُّ لهَا نَجْمٌ وَيَشْتَاقُهَا أُفْقُ

***

تَسِيْرُ بِرُوْحِي وَالدَّلالُ ثِيَابُهَا

بَيَاضٌ يُضِيْءُ الأُفْقَ في مَشْيِهَا نُطْقُ

***

تَمِيْلُ إِذَا مَالَ النَّهَارُ بِظِلِّهَا

فَفِي ظِلِّهَا نَهْرٌ يَجُوْدُ بِهِ بَرْقُ

***

يُبَلِّلُ أَعْصَابِي الَّتِي جَفَّ مَاؤُهَا

وَيَسْقِي جِرَاحِي الطِّيْبَ في نَثِّهِ عِشْقُ

***

إِذَا الحُبُّ غَاوَاهَا كَثِيْرًا تَعَثَّرَتْ

وَمَالَتْ عَلى الأَحْيَاءِ في مَيْلِهَا وَدْقُ

 

 (5): أَسْقَتْ عُيُوْنِي المَدَامِعُ

وَبَعْضٌ مِنَ الآلامِ تُسْقِي جَوَانِحِي

وَبَعْضٌ بِهَا أَسْقَتْ عُيُوْنِي المَدَامِعُ

***

تُقَلِّبُنِي وَاللَّيْلُ يُسْدِي ثِيَابَهُ

عَلَيَّ وَإنْ هَاجَتْ بِرُوْحِي الفَوَاجِعُ

***

أَمِنْ بَرْدِ هَذا اللَّيْلِ أَبْكِي بِحُرْقَةٍ

أَمِنْ صُحْبَةٍ دَارَتْ عَلِيْهَا النَّوَازِعُ

***

فَدَارٌ بِهَا الأَهْلُوْنَ رَقَّتْ رِقَابَهُمْ

وَدَارٌ بِهَا تَبْقَى القُلُوْبُ تُنَازِعُ

***

لَقَدْ طَالَ تِرْحَالِي وَمَالَ بِي الهَوَى

فَيَا دَارَ مَنْ أَحْبَبْتُ قُلْ لِيْ: أَرَاجِعُ

 

شعر: مالك الواسطي – نابولي

saad jasem2الموتُ خائنٌ نبيلٌ

رغمَ قسوتهِ

وغموضهِ الفاجع


 

خيانات ابن آدم (2) / سعد جاسم

 

* رسائل عتيقة *

الغربةُ

خيانةٌ وجودية

ليسَ في حقائبها

غيرُ مناديلِ الذكرى

والرسائلِ العتيقة

 

*مرايا الرغبات*

أخونكِ معكِ

لأغارَ عليكِ مني

وأحبُّني فيكِ

فنشعشعُ في مرايا الرغبات

 

*هروب ممكن *

ليسَ كلُّ مَنْ يهربُ

من ميدانِ الحربِ

خائنٌ بالضرورة

 

*افتراض ثقيل*

"أموتُ عليه"

بجملتكِ اللعوبِ هذهِ

التي تطلقينها عادةً

كلّما رأيتِ ممثلاً وسيماً

او مطرباً ناعماً

أشعرُ أنكِ مهيأةً

لخياااااااااانات

من العيارِ الثقيل

 

* ريشٌ خائن *

الأجنحةُ

التي لاتحلّقُ الى الأعالي

ريشٌ خائن

 

* خائنٌ لسيرتهِ *

البلبلُ الذي لايغرّدُ

في صباحاتِ الله

خائنٌ للحبِّ

ولسيرتهِ الشخصية

 

* أسرارُ الدم *

السقوطُ

خيانةٌ للقاماتِ العاليةِ

والسقوطُ

خيانةٌ

لضوءِ الفكرةِ

وأسرارِ الدم

 

* الخطأ والخطيئة *

هلِ الخيانةُ

خطأٌ

أمْ خطيئة ؟

 

* خيانةٌ مبتكرة *

بضوءِ الروحِ

أُترجمُ لغاتِ جسدكِ الغامضةِ

فتصيحُ بي

كلُ الحواس

- هذهِ خيانةٌ مبتكرةٌ

تباركتَ

أيّها الخائنُ

المتألهُ

 

* رائحة اللهب *

الخيانةُ

لها رائحةٌ

ولها ألسنةٌ من لهب

 

* وطن *

ثمّتَ خياناتٌ

يقشعّرُ لها

جلدُ الوطن

 

* وداع ناقص *

لاتكترثْ

لأنها قد تخونكَ

بوداعٍ ناقصٍ

وبنصفِ ذكرى

 

* غــزاة *

خائنةٌ هي الحدودُ

البراري

السواحلُ

الغابات

حينَ تفتحُ أفخاذَها

كي يدخلَ الغزاةْ

 

* الخائن النبيل *

الموتُ

خائنٌ نبيلٌ

رغمَ قسوتهِ

وغموضهِ الفاجع

 

* هل لها ؟*

هلْ الخيانةُ

لها إلهٌ ؟

وهلْ لها

سماء ؟

 

 

zahem jehad2صَديقي ياعاشِقَ الجَمالِ؛ أُنْظُرْ أِلى الماءِ الزَلالِ؛ كَيْفَ يَنْزِلُ مِنْ الأعالي بِلا تَعالي

و يَجْري في الوادي والمُنْحَدَرْ .

بِخَريرٍ حلوٍ ساحِرٍ وفي النَهْرِ؛ يَرْوي عَلى الضِفافِ كُلَّ وَرْدٍ وزَهْرٍ ونَبْتٍ وشَجَرِ

مُداعِباً وَجْهَ الرَّمْلِ والصَخَرْ .

و أنْظُرْ أِلى سامِقاتِ النَخيلِ والبَتيلِ؛ تَهِبُ بِلا مِنَّةٍ أو بَديلِ؛ للسائِلِ ولِعابِرِ السَبيلِ

لا تَهْتَمُ أو تُبالي بِرامي الحَجَرْ .

الى أغْصانِ الأشْجارِ تَتَمايَلُ فَرَحاً باِلأطْيارِ والى الفَراشاتِ حَوْلَ الوُرودِ والأزْهارِ

تَغْمْرُ الكَوْنَ باِلجَمالِ والسِّحْرْ .

الشَّمْسُ تَهِبَ الوُجودَ نوراً؛ تَمْلأُ صَدْورَالكائِناتِ حُبوراً؛ لِيُغَنّي كُلَّ شيئٍ مَسْروراً

البَشَرَ والنَباتَ حتى الحَشَرْ .

أُنْظُرْ الى النَّمْلَةِ في مَمْلكَةِ النَّمْلِ؛ كَيْفَ تَعْمَلُ بِجِدٍّ بلِا كَلَلٍ أو مَلَلٍ؛ أو فُتورٍ وكَسَلِ

تُذَلِّلُ الصِعابَ بِحِذْقٍ وحَذَرْ .

أِلى نَشاطِ النَّحْلَةِ في العَمَلِ؛ لِتُهْدي الشَّهْدَ بالعَسَلِ؛ لِلأنْسانِ مِنْ كُلِّ المِلَلِ والنِحَلِ

غَذاءً ودَواءً مِنْ رَحيقِ الزَهْرْ .

يا مَنْ ألَمَّتْ بِهِ الخُطوبُ؛ وتاهَتْ بِهِ السُبُلُ والدُّروبُ؛ الظِلُّ لا يَمْنَحُهُ المَحْطوبُ

و لا تَسَلْهُ مِنْ يابِسات الشَجَرْ

فُقِدَ الفَضْلُ عِنْدَ عَديمِ الحَسَبِ والنَسَبِ؛ مِثْلُ المَكانِ الجَدْبِ؛ خالٍ مِنْ الماءِ والعُشْبِ

و مِنْ نَماءٍ أو عُشْبٍ أخْضَرْ .

لا يَمْلُكُ غِيْرَ الشَوِكِ والحَنْظَلِ؛ خالٍ حَتى مِنْ الصُّلصُلِ؛ فلا مجال للعَلِّ أو النَهْلِ

و الفاجِرُ بِالأِحْسانِ لا يَبِرّْ .

لا تَرْجو المَطَرَ مِنْ غَيْمَةِ الصَيْفِ؛ والعَدْلَ مِمَنْ يَحْكُمُ بِالحَيْفِ؛ ويُرْهُبُ بِالسَيْفِ

الخَيْرُ مِنْ الظّالِمِ لا يُنَتَظَرْ .

حَذارِ أنْ تَجْعَلَ الذِئْبَ على الحِمْلانِ راعيها؛ والثَعْلبَ على أعْراشِ الكُرومِ باريها

المُجَرَّبُ لا يُجَرَّبُ او يُخْتَبَرْ .

مَنْ كانَ صُعلوكاً يُسَمّى صَريعَ الصَّواني يَلَتَهِمُ ما في الصحونِ والأواني في ثَواني

بِلا دَعْوَةٍ أولُّ مَنْ يَحْضَرْ .

كان شَرِهاً كأشْعَبِ الزَمانِ لا تَفُوتُهً وَلائِمُ الأفْراحِ والأحْزانِ والأعْراسِ والخِتانِ

أليَوْمُ مَسْؤول يُبَشِّرُ ويُنْذِرْ .

قُلْنا سُبحانَ اللهِ مُغَيّرِ الأحْوالِ؛ مِنْ حالٍ الى حالِ؛ مَنْ كانَ سائِساً للخَيْلِ والجِمالِ

صارَ سياسِياً يَنْهي ويَأْمُرْ .

صَبَرْنا مَعَ الأُمورِ عَلى أوالِها حَتّى نَرى تاليها؛ آمْلينَ أنْ تَعودَ المِياهُ أِلى مَجاريها

رَدَدْنا (سَقْفُ العامِ أخْيَرْ) .

 

 

sardar mohamad2رحلت عاتكة، وأرغمتها الأيام على الرجعى سريعاً، رحلت واحدة وعادت أربعاً هي وروحي الكامنة في خلاياها وفتاة متبناة ونعش .

هرعتُ إلى الشرفة أعتنق أعمدتها وشعرت كأنها بأفواة تتبسم وخدود تنضح عرقاً رغم برودة الإسمنت الذي زال اليوم عنها وكان قد علق بها بغياب عاتكة، ونظرت البحر فتخيلته أشد زرقة والنوارس أكثر بهجة وأنصع بياضاً، وتنبثق من الموج أياد مفتوحة تلوح لاستقبال عاتكة .

وعرف فرحان من الهالة الداكنة حول أحداقي أني لم أنم إلا قيلاً وطوال الليل لم تفارق خيالي، وراودتني مشاعر وطرحت على نفسي عدد من التساؤلات، كيف أستقبلها ؟ أبدي سروري بعودتها أم لا ؟ أأحترم حزنها على ترملها ؟ أأصافحها فقط أم يحق لي أن أعانقها ؟ ونمت بعد أن تغشى وجهي بليل شعرها والتحفت أنفاسي بعطر رقبتها .

المرأة تحترم الرجل الذي يحترم مشاعرها صادقة أم كاذبة فإذا كانت صادقة تحترمة مرّة واحدة لصدقه وإذا كانت كاذبة تحترمه مرتين مرّة لحساسيته في اكتشاف الكاذب ومرّة لمعرفته أنها كاذبة ولا يريد أن تظن أنه يريد اذلالها.

ويسألني فرحان إن كنت أتوق لها بعد أن ضمّها ذراع رجل .

- يافرحان مقاييس العفّة لاتتساوى عند البشر .يكفيها إنسانيّة إستمرارها بتبنيها ابنه زوجته الأولى الفرنسية التي هربت مع عشيقها، كأنك تتناسى أنها لم تغب عني في يقظتي ومنامي .

الحب يا صديقي أنواع ومنازل فحب عظيم كبيرلديك لدى غيرك ضئيل قميء .

صدق توقع جارنا السوري، فقد طرقت شقتنا عاتكة ومعها البنت المتبناة وهكذا غدونا  أربعة .

بتحيّة لا توازي شوقي اتجهت تلقاء الشرفة وكأنها تحتفظ بكلمات مغازلتي لها ونظراتي لها وصور عناقي وربتي على كتفيها،عندها قال فرحان متهكماً بصوت مسموع

 - ليتني خلقت من إسمنت لا من طين  .

إلتفتت صوب فرحان واعطته حقيبة من الورق المقوى كانت تحملها

- خذ هذا جلبته لك خصيصاً، زجاجتين من الويسكي الفاخر،أظن أنهما سيجعلانك صامتاً وتقبل حتى لوخلقت من ماء .

- أقبل يديك، هات بسرعة، أقبل لو خلقت من مياه المجاري القذرة، الله صبرت ونلت يا فرحان حقاً إن الجزائر تحبك ولم تنس عطشك، لن أشرب منهما يومياً سوى كأس صغيرة واحدة فأحافظ عليهما لأطول مدة ممكنة .

- إذن ستصبح بخيلاً من اليوم .

- نعم، ولا أسمح لأحد بشمهما، لا حتى برؤيتهما فربما العين تحسده فتجفف الكحول أو يتبخر .

- بدأت أشك بأنك مروزي وليس عراقي، إشرب فرحان بل إكرع واتعهد لك بزجاجات ويسكي فاخر أخرى قبل نفادهما .

لاحظ فرحان وجود خاتمين في بنصر كفها الأيسر مما يعرّف الناس على انها متزوجة وتخلت عنه، ربما هي مطلقة وربما أرملة، وتحاول بحركات إخفاء كفّها عن ناظري لئلا يستفزني منظرهما ، ولمّا أحست بنظرات فرحان المتسائلة لم تكن لتنقصها الجرأة فقطعت حديثها وقالت :

لا تعجب من لبسي الخاتمين الذين لم يعد لهما ضرورة ما غير احترام عقلية أبي وكما أشارت امي الأنثى الخانعة للذكورة حين رغبتُ ببيعمها:

 لا يا ابنتي لا يجوز ذلك ومعيب لموقع أبيك،ويوم تخطبين وتتزوجين ثانية وابوك في طور اقناع احد اترابه التجار ليتزوجك ابنه وأنا ادعو الله في صلاتي ان ينظرك بعين رعايته وبمقدورك استبدالهما .

- أي خطبة يا أمي ها أنت قلت استبدالهما هكذا استبدال زوج بآخر سهل لديكم أما المشاعر وكيان الأنوثة  فلا حديث عنه.الحب يا أمي حتى لو مات الحبيب، لا أظن ولا تقبلي أن أنساك يوماً .

 حتى لو نزعتهما في اثناء النوم أجابه باعتراض، حرام يا أمي حرام والله  .

- اش .. اش .. اصمتي لئلا يسمعنا أبوك فيغضب وتعرفين أن هذا موعد شربه القهوة ويتلذذ بسيجارة ينفث دخانها في الهواء بهون فلا تدعيه ينفث زبداً .

لكن ذلك لم يمنع حدقاتي بالتركيز على عاتكة، هناك شيء ما تغيّر . آه بروز شفتيها وارتفاع صدرها لتضخم نهديها حتى ان زرالقميص متوتر ويكاد القميص يفلت أيمنه من أيسره وبدت حمّالة نهودها المختلفة اللون واضحة  .

وقال فرحان فيما بعد

- أتظن انها لم تنتبه الى نظراتك لنهديها فهي تحاول اغراءك وإلا هل من المعقول أنها لا تملك قميصاً غيره  ؟ ألم تر كيف تعمدت لفت الإنتباه من خلال الألوان المختلفة .

- لا، هي تملك أكثر ولكن هذا القميص كانت ترتديه أول يوم تعارفنا فيه وتعلم أنه يمثل لها فاتحة خير، وأنت تفكر بشيء آخر،الرجال يا صديقي يسيل لعابهم لأية فرجة في ثوب أنثى، وربما كان زوجها هاو مداعبة النهود فكبرا .

الفرنسيون أكثر منّا وعياً يسترعي انتباههم عنوان كتاب وينتشون بمداعبة صدرصفحاته وارتشاف رضاب عباراته ولا يضيعون فرصة تسنح حتى في قطار المترو خلال دقيقتين من الفراغ تراهم مع يعانقون الكتاب . الكتاب عندهم أكثر امتاعاً من ممارسة الجنس ممتع عندهم أكثر من ممارسة الجنس والوصول إلى ذروة الحبكة في رواية ألذ من الوصول إلى ذروة اللذة الجنسية، ومطاردة العقول لنصوص مخلّقة أجمل من مطاردة أنثى .

عندما بدأ ضوء الشمس يتسلل من خلال النافذة هرعت عاتكة لتسدل الستارة جيداً لئلا يزعج دينا الفتاة التي ترعاها كما لو كانت أمها الحقيقية وأحبت الجزائر أكثر من حبها لباريس، رغم أن الجزائر لا تضاهي خدمات باريس الحضارية وتردد أكره باريس ونساء باريس متذكرة أمها التي فضلّت عشيقاً على ابنة .

- أحس كما لو أن كل شيء قصير قميء، برج ايفل، كنيسة نوتردام، متحف اللوفر.

- ويجيء صوت عانكة : لا لا ياطفلتي هذه نتاجات البشرية، آلاف البشر المخلصين لعلمهم وفنهم وعملهم  فلا تقارينها بهوس امراة .

كانت تحب كل شيء غريب عن مدينتها فهي تطرب لسماع الباعة في سوق السمك كل يدعو المشترين وبصوت عال يروج لبضاعته ويشجيها صوت الآذان وضجيج الحافلات والمسافرين في ساحة الوقوف العامة ويضحكها صياح امرأءة بوجه ذكر يتحرش بها  " يا الخامج " .

في كنف امها الفرنسية وبعمر تعدى العشرسنوات وضح للأم أن ابنتها ظهرت عليها ملامح ومظاهر تفتح الجنس المبكر وأخبرت ألأب بذلك،

 - يا امرأة لما تزل طفلة .

  - انظراليها تمثل الرقاد وكذئب تنام بعين واحدة وبالأخرى تتلصص على ممارساتنا الزوجية وفي كل مرّة أشعر أنها تتلقى درساً يزيدها خبرة وأخشى من تراكمها فالنضج له أوان وقطف الثمار لها مواسم ولكن ابنتك عبرت الحواجز بل تريد قفز قلاع الحرية نحو فضاء الفوضى .

ويفترض بنا اخراجها من مرقد الزوجية إلى غرفة خاصة بها .

- وهل تعتقدين أن الطفولة لاجنس يعتريها .

- يبدو لي أنك تقود ابنتك لسبيل العهر .

- العهر في مجابهة فسلجة البشر .العهرمن تأخذ مقابلاً لبيع الشهوة، وأحقر أنواع العهرتفضيل جسد على بضعة الجسد .

ولم تكن الأم راعية لبضعتها ولم يوفر الأب السبيل لعشقه فعشقت غيره وهربت تاركة الطفلة دينا

وكانت عاتكة كأم حقيقية وتؤكد دينا لها انها تكرة امها وابيها .

كانت تراقبها دون أن تشعرها بذلك وخلسة دخلت غرفتها فرأتها تحدق في صورة قديمة لأمها وهي تعانق أبيها وتدس وجهها في رقبته وتحدثها

- أكرهك يا أمي وأنت يا أبي، كلاكما اشترك في إلقائي كالقمامة .

تحاول عاتكة فكلاهما فقد ما يحب عاتكة فمن فقدته االطفلة كان السبب في فقدان عاتكة لي،

لم يكن الأب عنيفاً مع دينا بل مع أمها ولم أكن أعرف من كان السبب في ذلك مع أن عشرتهما الزوجية لم تنقطع ليلاً بعد شجار النهار وكانت تميل لأبيها لاسيما بعد هرب الأم مع عشيقها وبقيت تفكر هل معاشرات أمها الزوجية لقضاء أزمة فسلجية أم أن ألأب كان لا يجيد الغزل لكني لم تفهم الفرق بين جسدين ضمهما الفراش أن يكرها بعضهما فيفترقان .

ما زالت طفلة قاصرة عن التفكير أكثر من هذا وعاجزة عن الوصول إلى حل ونتيجة .

اليوم  رغبتي شديدة لمعرفة سر هذا الرجل الذي لا تستطيع عاتكة العيش بدونه كأنه رئتها التي لا تسمح الا للهواء النقي بالمرور.

خرجت عاتكة لتجلب بعض الأغراض النسائية

قال فرحان

 - أنا أجلب لك طلباتك

- لا ..لاتعرف يا فرحان

 - أنا لاأعرف،، أيعقل هذا ؟

- نعم يعقل،أرجوك يا فرحان أنا شاكرة اهتمامك .. ولكن أقصد لا تعرف ما تحتاجه المرأة فلم تتزوج لتعرف خصوصياتها،وتحصل على أنت ماتريد من النساء جاهزاً، طلباتي نسائية محض.

وقبل عودة عاتكة من التبضع ندهتني دينا وكانت مستلقية في الفراش وظهرها يستند باستقامة على وسادة

قالت : عمّاه هل تسمح لي بسؤال ؟

كانت مرتبكة وترتجف 

 - تفضلي

- أرجو أن لا تخبر والدتي به .

وكأن حنجرتها أصابها الجفاف، وأخرجت الجملة بمشقّة

- أهو سرّ،أنا لم أخف شيئاً عن عاتكة ولن اخفي.

- لا ياعماه اجبت على نصف سؤالي، أحس بأنك رجل صادق ومستقيم . ولكن أريد أن أتعلم كيف تستطيع المرأة امتلاك رجل . كيف استطاعت ذلك أمي عاتكة ولم تستطعه أمي الحقيقية مع أبي . كانت معي في المدرسة زميلة تقول أن أكثر من خمسة طلاب يعشقونها مرة واحدة، ولها القابلية ان تسخر منهم جميعاً دون علم أحدهم بالآخر حتى ولو اجتمعوا معاً فكل منهم يظن أنه هو الحبيب .

- هذه فتاة وقحة تتسلى بأنوثتها ويوماً ستجد نفسها بلا رفيق،إذا فكرت المرأة بإمتلاك كيان الرجل فهي لاتعرف معنى الحب، وإذا سعت الأنثى لتحتل منزلة في كيانه ولا تترك لغيرها مجالاً ولو للتفكير في احتلاله، ولا تسمح للرجل أن يجد في كيان غيرها منافساً لكيانها بلا تملّك فهي تحبّه حقاً، أمك عاتكة لم تشعرني أنها تسعى لامتلاكي ولا أنا شعرت بأني سأمتلكها فحياة المحبين ليست بضاعة .

- تخيلت أن معاشرتكما الجنسية هي السبب .

- هنا يقع اللافهم،عمر الجنس ما كان سبباً في إدامة الحب،الحب هو الذي يديم الجنس، إنه نتيجة لتمازج عقلين فإذا فعل عقل الذكرفعله كان لعقل الأنثى في اللحظة  رد فعل،وتمازج قلبين، فإذا خفق قلب الأنثى يخفق قلب الذكر في الوقت نفسه .

كنهر يحمل موجات ممغنطة يصل سواقي القلوب  ناقل لمليارات الأحاسيس ويترع المحبون منه الكؤوس وتسمع الأذن نغمات صوت شجية تبعث الهدوء والطمأنينة بعيدا عن القلق وضجيج دم المراهقة المنساب في شرايين النزوات .

- فهمت الآن ولكن أين يوجد كهذا الحب؟

- في كل مكان وكل آن كما الهواء لا يختار أمكنة بعينها يسكنها البرجوازيون أو المعدمون ولا يتكيف على وفق المزاج الأبوي بل مزاج النفوس .

- فهمت هذا ولكن قل لي ولا أبغي التطفل بل التعلّم، هل أنت عثرت على ماما عاتكة أم هي عثرت عليك ؟

- لا هي ولا أنا بل رجّة الحافلة، وحينها تلفتها بيدي خشية سقوطها .

فضحكا معاً بمودّة .

 - عيشي بشكل طبيعي، وكوني صادقة مع نفسك ستجدين حولك ألف صادق، الله ما ألذ ّالصدق .

عادت عاتكة من السوق ومعها باقة ورد حمراء وضعتها قرب وسادتي وأخرى صغيرة بيضاء أعطتها ل " دينا " وطبعت قبلة على جبينها وقالت: لقد أحضرت المطلوب،

 أبشري نعم أم لا؟

أغمضت " دينا " جفنيها بحياء : نعم .

بدت أنثى متكاملة، فتعانقتا بحرارة

لقد حل الهنود الحمر ضيوفاً بعد احتباس، إنه الطمث .

 

نهاية الفصل الرابع من رواية " متشتت "

لكاتبها سردار محمد سعيد

 

fawzia mousaghanim2ترجمة عربية

لقصيدة الشاعر:

برأن بلستون


 

لاجئون / ترجمة: فوزية موسى غانم

 

انهم ليسوا بحاجة الى مساعدتنا

فلذلك لا تخبرني بان هذه الوجوه الصفراء تنتمي لك ولي

فالحياة يجب ان تهتم بهم من جهة مختلفة

نحن بحاجة لرؤيتهم كما هم بالحقيقة

مقنصوا فرص ومختلسون

كسالى ومتسكعون

والمتفجرات في اكمامهم

قاطعوا الرقاب ولصوص

ليس مرحب بهم هنا

ويجب ان نجعلهم يعودوا من حيث جاءوا

هم لن يستطيعوا

مشاركتنا\ نشاركهم  في طعامنا

مشاركتنا\ نشاركهم في بيوتنا

مشاركتنا\نشاركهم في بلداننا

بدلا عن ذلك دعونا

نبني سور يبعدهم عنا

فليس جيدا القول

بانهم اناس مثلنا

حيث المكان يجب ان يعود فقط للذين ولدوا فيه

فلا تكن غبي لتفكر بذلك

فالعالم باستطاعته  النظر بطريقة احرى

(اقرا القصيدة من الاسفل الى الاعلى الان)

 

....................

مشاركتنا\ نشاركهم: استعملت لغرض فهم القصيدة فيما لو قرأت من الاسفل الى الاعلى. *

نشاركهم ( فعل مكرر للنص العربي للتاكيد على فهم القصيدة)

..............

REFUGEES

BY :BRIAN BILSTON

 

TRANSLATED BY: FAWZIYA MOUSA GHANIM

They have no need of our help

So do not tell me

These haggard faces could belong to you or me

Should life have dealt a different hand

We need to see them for who they really are

Chancers and scroungers

Layabouts and loungers

With bombs up their sleeves

Cut-throats and thieves

They are not

Welcome here

We should make them

Go back to where they came from

They cannot

Share our food

Share our homes

Share our countries

Instead let us

Build a wall to keep them out

It is not okay to say

These are people just like us

A place should only belong to those who are born there

Do not be so stupid to think that

The world can be looked at another way

)now read from bottom to top(

Advertisements

nabil odaaمن هو الزعيم؟

فاجأ استاذ العلوم السياسية طلابه بهذا السؤال المباغت. كيف تجدوا القاسم المشترك بين زعيم وقرقعة؟

اشغلهم اسبوعا كاملا بتفسيرات كادت تشعرهم بالندم لاختيار موضوع العلوم السياسية. تساءلوا ما العلاقة بين العلوم السياسية وهذه الدوامة التي أدخلهم بها استاذهم؟ كيف يقارنوا بين زعيم وقرقعة؟ ما علاقة القرقعة بالحياة السياسية؟ كيف يمكن الربط بين قرقعة وشخصية تملأ أخبارها وسائل الإعلام. القرقعة تعيش في الوعر والزعيم ينشأ داخل حزب سياسي. القرقعة تتغذى على النبات والزعيم على الهبر والطيبات من أجود انواع اللحوم. قيمة نعل الزعيم مصروف عائلة من عشرة أنفار لشهر كامل وبيت فاخر وفيلات وفنادق والقرقعة تجيء لعالمنا وبيتها وعلى ظهرها، تنظيف بيت الزعيم هو ميزانية نظافة لسلطة محلية كبيرة. الزعيم متزوج من زعيمة تبتلع يوميا زجاجة شمبانيا على الأقل قيمة كل زجاجة أكثر من ألف شيكل. الزعيم له مؤهلات تجعله يتبوأ الصدارة بين مجموعة من الناس او داخل حزب ما. هناك مميزات أقرب للخيال عن رحلات الزعيم وزوجته بغرف خاصة في الطائرات، والحصول على غرف فنادق بقيمة تكلفة يومية للغرفة تكفي لإقامة أحسن حفل زفاف لعشرة عرسان!! الزعيم لا يتنازل حتى عن الزجاجات الفارغة التي ثمنها بعض القروش ولا تكفي لشراء عشرة ساندويشات شوارما لأولاد جائعين. فكيف نربط بين قرقعة لا حول ولا قوة لها وبين جبار يده تطول ما لا يطوله نصف جميع أعضاء حزبه سوية؟

المستهجن كما عبر أحد الطلاب ان المقارنة هي بين عنصرين لا شيء يربط بينهما. رد الأستاذ:

-  انا متفاجئ من تفكيركم الضيق.. افتحوا أدمغتكم وفكروا بأسلوب ابداعي وليس بطريقة تقليدية من داخل صندوق مغلق .. اخرجوا الى شمس الفكر .. الى التفكير الإبداعي .. لا تخافوا من الخطأ .. بدون خطأ لا تقدم في التفكير .. ستظلون تجتروا التقليد... من هو الزعيم اذن وما علاقة ذلك بقرقعة؟

 حاول الطلاب مناقشة جميع جوانب الموضوع. أحدهم ادعى انه لكي تصبح زعيما سياسيا يجب ان تكون غنيا. آخر قال المال لا يصنع الزعيم، يجب ان يكون وراءه حزب قوي. طالب ثالث ادّعى ان الزوجة هي التي تصنع الزعيم، بتوفيرها للجو المناسب كي ينشط ويتقلد المناصب المرموقة. طالبة ادّعت انه يجب ان يكون مثقفا وخبيرا في قضايا السياسة والمجتمع .. واخرى قالت انه يجب ان يكون ذكيا وسريع الخاطر. طالب اعترض ان الاستقامة هي ابعد ما يكون عن الزعماء.

أستاذ العلوم السياسية سخر من هذه التفسيرات ووصفها بالصبيانية والتقليدية والخارجة من صندوق مغلق.

تحمّس طالب وقال ان السبب باعتقاده هو تمتع الزعيم بجينات خاصة ترفع من شانه. ضحك المعلم وقال ان اكثرية الزعماء المطلقة أغبياء .. وربما يداروا عن طريق رجال أقوياء ووضع الزعيم بينهم مشابه للقرقعة، الرجال الأقوياء هم الحكام الحقيقيين والزعيم واجهة، قرقعة، واضاف ان معظم الزعماء هم أشخاص من مستويات متوسطة، وصلوا بالصدفة الى منصب هام بعد ان فرغ من زعيم سابق بسبب مواهبهم في التملق. وان الموضوع لا يعبر عن ذكاء او استقامة او حسن ادارة للسياسة ..

طالب لم يعجبه قول استاذه فقاطعه: كيف يمكن مقارنة زعيم يتصرف بمصير الملايين بقرقعة؟

قال الاستاذ ان هذا الكلام يليق بصفوف ابتدائية وليس بطلاب جامعة.

-  اذن ما الجواب؟

 سألته طالبة.

-  هذا ما اردت ان اسمعه منكم.. ان يكون لكم جواب غير تقليدي.

-  تذكرني بجدي الذي يقول ان الزعيم مثل القرقعة على عامود خشب.

-  الآن دخلنا في علوم السياسة.. هذا جواب هام .. لكنه ناقص، ونريد ان نسمع تفسيرا عن التشابه بين الزعيم والقرقعة فوق عامود خشب.

بعد تردد وبسبب تشجيع أستاذها قالت:

-  جدي يقول انه من الصعب ان نفهم كيف وصلت القرقعة لقمة عامود الخشب، حتى من الصعب ان نصدق أعيننا انها على قمة العامود... والأهم لا يمكن ان نتخيل انها وصلت بقواها الذاتية لقمة العامود بدون مساعدة من شخص أو أكثر لهم مصلحة بالقرقعة ان تكون على رأس العامود .. والأهم ان وجود قرقعة على قمة العامود أمر غريب ومستهجن لأنها أصلا لا يجب ان تكون فوق... السبب ان القرقعة لن تستطيع ان تقوم بأي عمل مفيد لنفسها او لأبناء جنسها ما دامت على قمة العامود .. ويقول جدي، بالضبط هذه هي حال الزعماء... قرقعة على قمة عامود!!

 

قصة: نبيل عودة

 

 

amal awadaلم أَدُسُّ أَنَامِلِي الْمَاطِرَةَ

شُمُوعًا

فِي كُهُوفِ الْهَبَاءِ وَالْجَفَاءِ؟


 

تَحْلِيقَاتٌ سَمَاوِيَّةٌ! / آمال عوّاد رضوان

 

شَبَحُ دَمْعَتِي

يُــغَــمْــغِــمُ

عَلَى ثدْيِ عَاقِرٍ!

يُــمَــرِّغُـــنِـــي

بِزَفَرَاتِ غَيْمَةٍ

تَــذْرِفُــكِ

فِي بِرْكَةٍ .. مُشَرَّعَةٍ لِلذِّكْرَى!

.

مِنْ سَرَادِيبِ مَمَاتِي

ينْسَابُ أَلَمِي .. أَثِيرَ آمَالٍ

وَنِيرَانُكِ الثَّلْجِيَّةُ

تُــعَــطِّــرُ قمْصَانِي

بِمَلاَمِحِكِ الْمُتْخَمَةِ بِالْمَطَرِ!

.

مُخْمَلِيٌّ .. بُؤْبُؤُ مُرِّكِ

مَمْشُوقَةٌ

أَعَاصِيرُ سُلْطَانِهِ!

كَمْ أَدْنَانِي

مِنْ كِسْرَةِ كَفَافِكِ

فِي حَلَقَاتِ جَوْعَى!

وَكَمْ أَقْصَانِي

عَنْ رَقْصَةِ مَائِكِ

فِي تَحْلِيقَاتِكِ السَّمَاوِيَّة!

.

لِمَ أَدُسُّ أَنَامِلِي الْمَاطِرَةَ

شُمُوعًا

فِي كُهُوفِ الْهَبَاءِ وَالْجَفَاءِ؟

.

وَحَقّ سِحْرِ صَوْتِكِ

الْـ يُضِيئُنِي!

أَنَا مَا عَزَفَنِي قَوْسُ وَفَائِي

إِلاّ عَلَى أَوْتَارِ عِنَاقٍ

كَمْ صَدَحَتْ أَنْفَاسُ كَمَانِهِ

كَمَان!

يَا ابْنَةَ السَّوَاقِي

اُغْرفِينِي .. حِكَايَةً عِطْرِيَّةً

تَبْحَثُ عَنْ وَجْهِهَا

فِي مِرْآتِكِ!

لاَ تَجُزّي لُؤْلُؤَ نَبْضِي

فَمَا تَغَرْغَرَ إِيقَاعُ مُزْنِي

إِلّا بِقَلْبِكِ!

وَمَا اكْتَمَلَتْ مَسَاءَاتُ بَرِيقِي

إِلاَّ بِهُطُولِكِ الْمُشْرِق!

 

...............

من ديواني الشعري الثالث (رحلة إلى عنوان مفقود)

zohor alarabi2لتترجّل السّنيّة بنت السّماء

وتُعلنك على عرش القلب

أولَ الفاتحين


 

قُــلــها ... / زهور العربي

 

أكتبُ شعرا لأقول أحبكَ

أكتبُ نثرا لأقول أحبكَ

أرسمُ على رخام الصّدر نايًا

يُدوزن على أوتار نبضي : "إنّي أحبّكَ"

وأغمس في دمي القاني سنَّ يراعي

ليرشح على شفتيك العجاف نبيذ عشق معتّق

ويسحّ على المغرمين مزن حبّ دفين..

دفين

فهلاّ قرأتَ شعري ونثري ؟

وهلاّ طربتَ لأنّات ناي شجيّ

وهلاّ ثملتَ قليلا بخمرة قلبي

وغبتَ عن الوعي قليلا

وقلتَ ولو مرّة ثملى : "إنّي أحبّكِ"

وهلاّ كسَرتَ ولو مّرة واحدة أغلال صمتك

وطيّرتَ حروف الهجاء الحبيسة

هنا ...وهناك تلثم وردا

على الوجنتين تفتّح

تلعقُ شهدَ ثغر صبيّ

وتفكّ على نور شمعة جدائل صمت طويل

و هلاّ نظمتَ لآلئ بوحك

عقدا مثيرا يزّين جيدي

ويحفظ عهدا على صفحات السّنين

وهلاّ... وهلاّ ...وهلاّ

"إني أحبكِ" أعدْها حبيبي، قلْها...

تســــنّم ذروةَ مجد تليد

كن سيّد العارجين

لماذا حبيبي تفكّر طويلا ؟

لماذا تشدّ وثاق رسول الكلام

وتبني جدارا تلو جدار

فقلها، لا تتردّد: "إني أحبّكِ أنت ِ"

ولن يتدنّس ثوب الرّجولة

قلها وتحدّ عرفَ القبيلة

لن يغضب الرّب ولو كفّروكَ

ولو شرّدوك

خارج أسوار المدينة

قلها يا سيّــــد نفسي بصوتك الرّخيم

لتترجّل السّنيّة بنت السّماء

وتُعلنك على عرش القلب

أولَ الفاتحين

 

 

samar aljobory2لنظرتك الأولى صخب المجرة

وأرضك الموشاة

بالأمنيات محض قدسية


 

يوم مختلف / سمر الجبوري

 

في الصباح:

لملمتني صرخات عيونهم

ولبست سمرة الأحلام

جلست حيرى كأن لم ينطق اللسان بما نطق

ولم تنزف يداي بأكثر من تدوينة فصلت جمال ثيابهم العتيقة

كانوا ومازالوا بإعراس الجوع يكتبون الفرح

وثقت صوتي بانهمار أموقة الرزانة

حيثما مروا مررت بأكف ترتجف

الأنا تغيب وأنينهم يلوح على الأسرة

كالتقاط لحظة تأبى إلا تكون وطن

مازال أسمى من التسميات

يهدر ببوح الحناجر المجردة إلا من الألم

والأمل …

 

تراتيل العصر:

لنظرتك الأولى صخب المجرة

وأرضك الموشاة بالأمنيات محض قدسية

أطرقت الصدور بما لم تخبره الكتب الغابرة

وأنت آلهة عبثت بفصول الأرض

خطت الحروف نحتا بارزا …

يذكرني مبصرة كلما مر طرفي على أسس المعبد

فيا ربة الحكمة والأسفار

ها أنا أردد ما اقترفت يداك

أتوحم بصدى أبنائك الأنبياء

طورا بعري يميني

وطورا بلهفة الفقراء

فهبيني متارس الكفاية

وشهقة اكتمال تتوعد جسدي المسافر

من أول الحروف حتى ترنيمة السعداء

البحر خائف

السد عطش

وزهر السواحل نداء الغرباء

وأنت والسلالات الوثيقة لم يسعفنا الإنتظار

وعدك الأثير يسكننا …

حد الضياع

 

والمساء:

مساؤك شبابيك فصلت على الأحلام

تشبه ألوان الروح حين ينتابها الهوى

وأنا الغريب

قدحت بأفكاري ربوع حناياك

فقررت اللهو المقدس

مازال دولاب صاحبي يحل محل الجري في الثكنات

وحديث الحروب يشق صدور الأصباح الناسية

والآن صار المساء حيث ضيعت مبضع التكوين

رشاشا كان أو قلما

كلاهما هذا المساء حائران

فتبعت أغنيتك

إمتلأت بألوانك

تصيرت حين اعطيتني الآهة منزوعة إلا منك

ربت على أوراقك الخضراء اليانعة بالأصفر الجديد

تلمست روحك تحتويني كلما هممت ببوح أثير

أكتم الأوراق  وتكتمني لذة متفردة بمحتواك

تجمعني نبراتك وأنجع الهموم

أسكن عينيك

أسير معك

أصبو أطيع

تضمني البيوت العتيقة

فأكون لك

 

سمر الجبوري

 

 

salwa farahدُلَّني على دربِ المطر..

لتتعانقَ أصابُعنا

ويومضَ البرق من خصرَينا


 

هكذا أُحبك / سلوى فرح

 

يا شريـكَ النَّـقاء

هكذا أُحبُّكَ

وطناً يـزهو باليـقين

أُحبك همساً يرتعش منه البَنفسَج

وعطراً فوَّاحاً من الياسمين

أُحبُّكَ نبضاً مُزلزلاً..

يَهوي من فلكِ الملائكة

وشلال ورد يتحدّى الروتين

يا شريكَ الموجةِ الغافية

على أهداب البحر

خذني إليك مثلما يَهبُّ النَّسيم

خذني إليك بلهفة الأرض للمطر

لتستيقظ السَّماء

يا شريكَ الغيمة السَّكرى

هل لروحي أن

تَرمش على خدَّيكَ سحابةَ قَرنْفلُ ؟

خضِّبِ الآفاق والشَّفق

أنا طفلةُ الرِّيح..

شفتايَ بانتظارِ غيوِمك

دُلَّني على دربِ المطر..

لتتعانقَ أصابُعنا

ويومضَ البرق من خصرَينا

ولتُمشِّط  خصلاتِ شَعري

بصرخات الهَوى

يا شريكَ فورة الرُّوح..

الأملُ المُتوهِّجُ في عينيك

يُرشِدني إلى تضاريس الجنَّة..

ينقلُ بِشارةَ النُّور إلى قلب اللَّيل

يُؤرِّخُ نوارسَ الدَّهشة

على أصابع أحلامي

يا شريكَ الضّوءِ الأزلي..

خبِّئْ حلم الشَّام في أهداب العشق

واشعِلِ الحنينَ

بالحروف والقصائد

عطركَ رائحة البرِّية الأُولى

سأكتبكَ أقحـوانةً لهــــــذا الرَّبيـع

كُلَّما هَدَلت يمامةٌ ..أضيءُ نفسي بك..

هكذا أُحِبُّكَ.. وسأظلُّ أُحُّبكَ

قطراتِ غيثٍ

نائمةً على أوراق الشَّجر

تستمع لرنينِ السَّلام

في أرضٍ جديدة..

 

كنـدا

 

 

hasan salimiقصّة صاحبي أفقدتني إحساسي بالزّمن، وضربت على وتر حسّاس... كان اللّيل قد مضى منه بعضه، وصوت الآذان يأتينا من صومعة قريبة.. ونسيم أوّل الخريف يهبّ علينا كأنفاس الجنّة، يداعب قمم النّخيل والأشجار، ويحمل معه أريج الفلّ والياسمين إلى المدى...

حانت منّي التفاتة إلى السّماء، فهالني امتدادها اللاّنهائي وبساطها الأسود المزركش بحبّات اللّؤلؤ.. تراءت لي عجيبة غريبة كذلك العالم الذي حملني إليه صاحبي. وقد فجّر في رأسي أسئلة عديدة:

ترى ما وراء تلك الكواكب والنّجوم؟

وأي سرّ تحمله في خباياها؟ وهل ثمّة هناك ما يدقّ وراء العقول؟!

والعقل، ما هو؟ وما حدوده؟ وأين مكانه منّا؟

والإدراك، ما هو؟ وما سرّه؟

وهل الصّورة التي ندركها هي نفسها في واقعها الموضوعي؟ أم هي شيء آخر؟ إذ من المحال أن نأخذ عن الشّيء صورة عقليّة محسوسة، تحاكيه في السّعة والشّكل والخصائص الهندسيّة على جزء ضئيل من المخّ ؟!

والرّوح، ما هي؟

هل هي درجة في الوجود، مجرّدة عن المادّة يصلها الكائن الحيّ في تكامله وتطوّره؟ أم هي نتاج أعلى للمادة وأثر من أثارها؟

وهل ثمّة حدود فاصلة بين المادّة والرّوح ؟

وهل هما درجتان مختلفتان من درجات الوجود. ينتج كلّ منهما عن حركة جوهريّة واحدة؟

والحلم، والشّعور، والوهم، ما هم؟!

وما حقيقة ذلك العالم الذي يعيشه صاحبي؟

هل هو وهم من الأوهام ؟!

- شردت بعيدا. وما أسمعتني رأيك؟

- المعذرة يا صاحبي. أخشى أن تكون أسيرا لوهم من الأوهام؟!

قال في تأثّر:

- قصّتي لم تكن وهما. فأنا أوعى النّاس بذلك. وإلاّ كيف يستطيع هذا الوهم أن يحافظ على نسق واحد.. اللاّحق فيه ينتج عن السّابق طيلة أشهر، كأنّه حياة موازية لحياتي العاديّة.

- معك حقّ. ولكن كيف أصدّق أنّ عالم الجنّ، عالم مستقلّ عنّا بذاته ؟!

زوّى ما بين حاجبيه، وظهر الاحتجاج في وجهه. لكنّه قال بعد أن زفر زفرة حارّة:

- ليس كلّ غائب عن حواسنا منافيا للحقيقة. وإنكار الشّيء لا يعني بالضّرورة عدم وجوده.

- هل من دليل؟

قال في نفاد صبر:

- إنكار الشّيء مطلقا يحتاج إلى دليل. مثلما إثباته مطلقا يحتاج إلى دليل.

- سلّمت بأن لا دليل عندي على النّفي، فما دليلك على إثباته؟

أطرق يفكّر قليلا، كأنّه يبحث عن خيط يلتقط منه حقيقته الضّائعة.. ولم يلبث أن رفع إلىّ رأسه وقال:

- العقل العلميّ، لا يتعالى على الظّواهر ولا ينكرها. بل يسعى إلى تفسيرها واكتشاف مجاهيلها، مهما بدت له مشطّة عن المنطق المألوف.

- أرجو المعذرة يا صاحبي. ولكنّي أنصحك بزيارة طبيب نفسانيّ!

تلقّى كلمتي كاللّكمة.. انفتحت عيناه، وظهر الغضب فيهما:

- أتظنّ بي الجنون؟!

- بل لعلّك...

قاطعني في حنق:

- عدت إلى التّعالي على الحقائق!!

ثمّ سكت ولم ينطق.. حاولت أن أمدّ بيننا جسور التّواصل مجدّدا، لكنّه نهض وشدّني من يدي وقال في صرامة:

- تريد الدّليل. حسنا. أتبعني!

وجرّني جرّا:

- إلى أين؟

- أتبعني!

وانقدت له مستسلما، نشقّ طرق المدينة والصّمت يخيّم فوقنا.. أردت أن أقطع حبله، لكنّه ظلّ يردّد نفس الكلمة بذات الصّرامة:

- أتبعني!

بلغنا حيّا عتيقا.. أزقـّته ضيّقة. وجدرانه عالية عليها كسوة من الآجر الصّغير، امتازت به هذه المدينة.. وقف بي أمام باب خشبيّ كبير قدّ من جذوع النّخل، عليه أشكال هندسيّة مستلهمة من التّراث، تشكّلها مسامير كبيرة بيضاوية الرّؤوس.. وما لبث أن استمهلني وقتا ريثما يعود...

الزّقاق كان ممتدّا متعرّجا، تتقاطع معه أزقـّة أخرى متشابهة، تغشاها أضواء الفوانيس الشّاحبة، ويتردّد بين جنباتها صياح الصّبية ولغطهم وهم يلعبون..

مضى الوقت ثقيلا متباطئا، وصاحبي لم يظهر بعد.. خطر لي أنّه يريد الاستعانة بالمرأة المغربيّة حتّى يضرب لي الدّليل على ما يزعم.. وخيّل إليّ أنّه يختلي بالمرأة ويجعلني كتابا مفتوحا أمامها، ليُحكم خطّة الإيقاع بي.. لكنّي عدّلت عن هذا، واعتبرته مجرّد ظنّ لا دليل عليه..

أخيرا برز لي، فأدخلني بيته معتذرا مرحّبا.. ومضى بي عبر سقيفة مفرطة في الطّول، تفضي إلى بهو واسع تتوسّطه نخلة باسقة، ذات عراجين ثقيلة لم ينضج تمرها بعد.. أدخلني غرفة جانبيّة، فوجدت فيها امرأة بدينة ضخمة الجثّة، تجلس على بساط خفيف.. وأمامها كانون ترقد في أحشائه بضع جمرات.. هشّت وبشّت في وجهي، وابتسمت لي مرحّبة، ودعتني إلى الجلوس أمامها، قبل أن تمدّ إليّ صحنا من رطب التّمر.. تناولت منه حبّتين لكنّي لم أشأ أكلهما.. فلمّا رأتني لا أضعهما في فمي قالت ضاحكة:

- كلهما ولا تخف!

أربكني تعليقها.. ولم أدر أهو من عمق فراستها أم من سوء ظنّها بي؟.. قالت وهي تحدجني بنظرات متفحّصة :

- كأنّي بك تحبّ أن تطلّع على صفحة من قادم أيّامك!!

ففهمت أنّ صاحبي أوحى لها بهذا...

- أ وتطّلعين على الغيب؟

قلت ذلك وأنا أجيل بصري في الغرفة.. كانت ضيّقة عارية الأثاث إلاّ من سرير حديديّ واحد..

- معاذ الله. إنّما أطّلع على ما دون ذلك!

ومدّت يدها إلى يدي وأمرتني ببسطها.. وراحت تتأمّل كفّي مدّة من الزّمن.. وما عتّمت أن ضربت الأرض براحة يدها، وكمشت كمشة من بخور -لا أدري من أين التقطته -ورمت به على الجمر، فصعد دخان أبيض زكيّ الرّائحة، سرعان ما سبح فوق رؤوسنا وتضوّع عطره في المكان...

عادت تنظر في كفّي، وتطيل النّظر في خطوطها، وأنا ساكت جامد أراقب ما سيكون منها، وفي نفسي شيء من الحذر.. صديقي كان حاضرا معنا يؤثر الحياد وعدم الكلام. وليس بيننا من لغة إلاّ نظرات خاطفة محمّلة بالسّؤال..

قالت وصوتها عميق غائر، وعلى جبينها حبّات عرق:

- الآن، الآن فقط رُفع لي الحجاب عن ماضيك وعن مستقبل أيّامك!!

وراحت تذكّرني بما مرّ بي من أحداث غابرة.. وهي تلقي على مسامعي كلاما منغّما كالشّعر، لكنّه في أغلبه كان فضفاضا واسعا يحتمل الشّيء ونقيضه، ينسحب عليّ كما ينسحب على غيري.. لكن من ناحية أخرى، استطاعت المرأة أن تخرج من حقيبة النّسيان تفاصيل دقيقة من حياتي، لا أحسب أحدا قد اطّلع عليها.. وهنا يولد السّؤال: كيف استطاعت أن تحيط بتلك الأحداث، وهي لم تشهدها، ولم تسمع عنها من النّاس؟!

- لم تسمعني رأيك؟

قالت ذلك، وهي تلقي مجدّدا كمشة من البخور في الكانون.. قلت بعد إطراقة وقد أضمرتُ استفزازها لغاية في نفسي:

- أنت صانعة أوهام.. بكلمات قليلة تبنين في أذهاننا عالما كأنّه الحقيقة.

حسبت كلماتي زيتا سكبته في دمها، لا ألبث أن أراها تستعر غضبا.. لكنّها مالت إليّ في هدوء ونظرت في عينيّ مباشرة، وهي تقول وابتسامة الدّهاء تتّسع على شفتيها:

- لا حرج عليك يا ولدي. فالمرء عدوّ ما يجهل!

وصمتت قليلا ريثما تخرج من طيّات ثيابها سبحة كبيرة :

- أ إذا أتيتك ببرهان، أكنت مصدّقي!

قلت على الفور:

- نعم.

أغمضت عينيها قليلا، وأخذت تهمهم بكلمات غامضة.. وحبّات السّبحة تتساقط من بين أصابعها، محدثة طقطقات متواترة.. هممت بالكلام فأشارت لي بيدها أن أصمت.. صاحبي كان جامدا كأنّ على  رأسه الطّير.. لكنّي قرأت في عينيه كلاما كثيرا.. شفقة وعتابا وأشياء أخرى..

- سنأتيك بكتاب من بيتك، قبل أن يرتدّ إليك طرفك!

وأمرتني بإغماض عينيّ، ففعلت ذلك مستسلما.. وما هي إلاّ برهة حتـّى صفّقت بيديها تصفيقة واحدة، فتحت عينيّ على إثرها، فإذا كتاب لي بين يديها.. قالت في لهجة المنتصر:

- اشتريته قبل ثلاثة أيّام. قرأت بعضه. وأحسبك بلغت إلى هنا!

وأشارت إلى صفحة من صفحاته، فشهقت شهقة كادت لها روحي أن تخرج. لأظلّ بعدها مشلولا من الدّهشة، وجسمي يرتجف، وقشعريرة كالكهرباء تسري في جلدي، من فروة رأسي حتّى أخمص قدميّ..

انتابتني مشاعر غامضة، وخيّل إليّ أنّ الغرفة مسكونة بمخلوقات أخرى قدمت إلينا من المجهول.. مددت يدي إلى الكتاب.. قرأت عنوانه.. ورأيت عند أولى صفحاته توقيعي، والتّاريخ الذي اشتريته فيه...

قلت وقد جفّ الرّيق في حلقي:

- كيف استطعت ذلك؟

ضحكت حتّى بانت أسنانها المتفلّجة، لكنّها صمتت ولم تجبني.. قمت مسلوب العقل أبغي الخروج.. فما كدت أبلغ باب الغرفة حتّى سمعتها تقول:

- ألا تريد أن ترى صفحة من قادم أيّامك؟!

قلت في وهن وما حسبت صوتي قد بلغها:

- كلاّ. حسبي ما رأيت !!

لحق بي صاحبي إلى الشّارع. وودّعني دون كلام..

أخيرا أصبحت وحيدا، وقد عادت رياح الاكتئاب تهبّ علي.. وبكلّ جهدي أسعفت رئتيّ بأنفاس الخريف الرّطبة.. مضيت وبيميني كتابي، وأنا أشعر بأنّ المرأة استطاعت أن تحفر تحت قدميّ حفرة عميقة...

 

قصّة بقلم: حسن سالمي

benyounes majen2نحن قلقون

تطاردنا كوابيس الزمن المظلم

وفي اعناقنا مشانق العميل المذعور


 

نحن قلقون / بن يونس ماجن

 

نحن قلقون

لان الوردة شاخت

قبل الاوان

وأمطر السراب

رذاذا ساذجا

 

نحن قلقون

من الاشجار الغاضبة

التى تتخلى عن اوراقها الصفراء

وتتعرى امام العصافير

 

نحن قلقون

عندما يبح صياح الديك

ويميل الظل

نحو الاصيل

 

نحن قلقون

لان عواصفنا

لا تحمل اسماء كغيرها

 

نحن قلقون

عندما نفقد حس الانتماء

ونشك في هويتنا

ومحتارون بين الوطن والمهجر

 

نحن قلقون

حين يضعون في فنجان قهوتنا

حبوب منع الكلام

ويكممون السنتنا

بالاسمنت والفولاذ

ثم يزجوا بنا

الى مقابر تحرسها الاموات

 

نحن قلقون

عندما تتوغل المرارة

في قاع افواهنا

وتجشم الكآبة

على قلوبنا

 

نحن قلقون

تطاردنا كوابيس الزمن المظلم

وفي اعناقنا مشانق العميل المذعور

ونجر وراءنا الخيبات والانكسارات

 

نحن قلقون

من شعراء اليوم

الذين لا يزالون يهيمون

في أودية الحب والغرام

ويخافون ان تآكلهم الذئاب

ويدلون دلوهم دون هوادة

رغم الايام العصيبة

الملتهبة بالكراهية والحروب والارهاب

هل انساهم شيطان الالهام

عن كتابة قصائد النخوة والمقاومة

وآلام الانسان العربي

أم الهاهم النبيذ اللذيذ

حتى صاروا

في حاناتهم كالعفن القاتم

 

نحن قلقون

السيلفي  أضحى نرجسية العصر

الميت يأخذ صورا

لموكب جنازته

 

نحن قلقون

من حفاري القبور

يوم يعلنون الاضراب عن الحفر

معاويلهم الصدئة وفؤوسهم المهترئة

يوارون أجسادا بلا أكفان

في مقابر بلا سكان

 

نحن قلقون

عندما يفتحون جراح الوطن

ويدسون فيها ملح اليأس والاحباط

ما افظع ارهاب الانظمة التي تحكمنا

نحن قلقون

حينما نمشي تحت المطر

وتتبلل دموعنا بلون الماء

و نتساءل كم منديل ورقي يكفي لتجفيفها

وهل صداقة التماسيح

تؤلف بين القلوب؟

                               

بن يونس ماجن

 

almothaqafnewspaperسلام عادل

الذي صدق وعده فكُتب اسمه

 في سجل الشهداء الخالدين


سلام عادل / حسن البياتي

 1564 salam

تخطيط : أياد صادق

 

كان صديقي -

إنني اعرف في جبينه الصمود والإصرارْ،

أعانق الافكار

يبذرها،

وقلبه الوديعْ

ينبوع نور خالدٍ يحيل ليلـَنا نهار

وأرضَـنا اليبابْ

جنائناً مشرعة الابوابْ

يؤمها الجميعْ ...

كان صديقي،

إنني أكاد، رغم ضجة البحار،

أسمع صوته الرهيبَ، صوته العملاقْ

يصيح في وجوههم، يصرخ : يا أشرار !

لن تسرقوا من فميَ الأسرار ...

فلتقلعوا الاظفـارْ !

ولـْـتطفئوا الاحداق !

لن تستطيعوا !.. إنني اقسمت لـن أبــوحْ

ولتقتلوني !.. لن أبوحَ، لن أبوحْ !

ألموت أحلى، إنني أموتْ

لكنما العراقُ لن يموتَ لن يموتْ !! ...

لكنه ما ماتْ،

ما زال يحيا بيننا،

في كل عرق نابض : عــراقْ ...

فكرته – الحياة ْ

تشربها القلوب والاحداق

وصوته العملاق

ما زال يفــرش المدى ويرعب الطغاة.

 موسكو - آذار 1963

....................

حاشية: ألقيت من إذاعة موسكو، باللغتين العربية والروسية في نيسان 1963. نشرت في جريدة الاخبار اللبنانية (لسان حال الحزب الشيوعي اللبناني) في نيسان 1963. ونشرت مترجمة الى اللغة الروسية في الصحيفة الأدبية الاسبوعية (ليتيراتورنايا گازيتا) – لسان حال اتحاد الكتاب السوڤيت – في الشهر نفسه. أعادت نشرها جريدة (طريق الشعب) لسان حال الحزب الشيوعي العراقي – آذار  2004 مع تخطيط مناسب للفنان التشكيلي العراقي اياد صادق

 

 

almothaqafnewspaperمن انت؟

وكيف لم اجدك في

خرائط غزواتي


 

الصحن الاخير / شفق ريحاني

 

ها انا امضغ دموعي بصحن

الكسكس الاخير

من انت؟

وكيف لم اجدك في

خرائط غزواتي

القديمة ؟!

عند تخومك تنتحر

المدائن

ويسيل الوقت لعابا فوق

النهود البضة

لا نساء بعد نسائك

ترى ايستر شبقي هذا

القفطان المغربي ؟

تتعالى ضحكاتها الماجنة

خديجة

استبيحي اعوامي الضائعة

امتاهة انت ؟

ابحث فيها عن موت جميل

تردف

من هنا مر الفاتحون

وها هنا قد غرزوا

اوتادهم الجائعة

اقول

خديجة

قد ازف حلمي

فأفتحي بوابات المستحيل

يا سليلة الملذات المستباحة

أأغادرك؟

أأغادر؟

أ

غ

ا

د

ي

ر

 

شفق ريحاني

 

 

bakir sabatinبعد أن توقف المرشح عن إلقاء كلمته الطنانة الرنانة؛ وسط دوي التصفيق الذي تصاعد في الأجواء، هز رجلٌ مثقفٌ رأسه المصدوح مستسلماً لنوبة سعال شديدة قرصت بطنه الضامر، حيث بدا وهو في هامش المهرجان كمن أطل برأسه بغتة من ركن مظلم قصيّ، ليطرح سؤاله المستفز الذي خرج مع السعلة مدوياً فالتقطه أحد الجالسين إلى جواره: " اللعنة على زمن الخصيان! أيظن صاحبنا بأن القناع قادر على حجب الحقيقة المرّة!ّ! هراء.. فملابسه الأنيقة لا تنسجم مع تاريخه بيننا، تمعن في ربطة عنقه وهي تتحول في خيالي إلى حبل مشنقة أنيق!! هكذا تصبح الصورة مقنعة أكثر! هو ذاته.. كان أحد تلاميذي الفاشلين، والآن هو المرشح للانتخابات النيابية، المتنطع بالرياش التي يرتديها، والمغسول بطهر الكلام الذي يتشدق به المتزلفون! مع أن الكبار يشهدون على سيرته القذرة، آه منك أيها المرشح القوّاد (الأزعر) أبو الريش، صاحب الذراع الموشومة! فكيف تصفقون له!"؟!

لكن الرجل استدار بوجهه المحتقن إليه، وهو يحرره من اللثام المغموس بالعرق، فأخرس المثقفَ بعينيه المتوقدتين متوعداً:

"في النهاية ما دام هذا المرشح والذي تنعته بالفاسد من عشيرتنا فهو إذن شريف رغم أنفك! فمن دسّك بيننا يا هذا حتى تفتري على الرجل! لا تدعني أحرض شباب العشيرة عليك فيخرج من بينهم من يجعلك تسف التراب بفمك، لا تعتبر نفسك خارج القانون السائد بيننا لمجرد أنك معلم متقاعد، فمعظم الشباب هنا حانقون على مدرسيهم وقد تركوا المدرسة صغاراً لمعاندة ظروف الحياة الضنكى!".

التجم قلب المثقف، فأسقط على الأرض ما تعثر من كلمات أفزعتها الريحُ بينما هي تتلوى على طرف لسانه الملذوع، ثم داس عليها مهزوماً والغيظ يعتصر قلبه الواجف.

لكن المثقف لم يستسلم وقد تقلب السؤال المرّ في رأسه كالصداع، حتى وجد الحيلة في إعادة طرحه من جديد على ذات الرجل، بخبث ودهاء، وهو يتفحص بعينين يقظتين الأرض اليابسة التي ظهرت من بين أقدام الجموع البشرية المكتظة على الكراسي، عله يوقظ ضميره ولو للحظات:

"ألم تكن هذه الأرض الأميرية التي تقيمون عليها مهرجانكم موقوفة على وعود النواب السابقين؛ لتحويلها من قبل البلدية إلى متنزه لأطفال الحي!؟".

فأكلت الدهشة حماسة الرجلن وامتعض من سؤال المثقف فيما أخذ يحدج المرشح بنظرات الخيبة، والذي تحول في الخطابة إلى شكسبير عصره، وتدلى لسان الرجل كأن فرط كلامه الملظوم تطاير مع الرياح، متحرراً من عقدة العشيرة لوهلة، صارخاً في وجه المثقف:

" السبب أننا ننتخب نواباً فاشلين ثم نعيد انتخابهم من جديد! ويلي على حالنا".

لكن المفاجأة التي طعنت عقل المثقف قد باغتته حينما أكمل الرجل رده هامساً متلعثماً بعض الشيء:

" ولكن مرشحنا هذا صادقٌ في وعوده، فبالأمس وعدنا بمناسف تتوسطها رؤوس الخرفان المشوية، فسل هذه البطون المندلقة من حولنا كيف أوْلمَها أبو الريش حتى الشبع، أما اليوم! وها أنت حاضر بيننا، فعساك تغنم بنصيبك، إذ وعدنا سعادته بصواني الكنافة النابلسية لتدور ساخنة بيننا، فسيصدق وعده.. هذا عهدنا به.. ويكفي أنه من أبناء العشيرة المعصومة من الخطأ".

وفجأة لفتت انتباه الرجل جلبة في آخر الصيوان، فاستدار يخبر المثقف قبل أن يستدير مندفعاً إلى حيث هناك:

" ألم أقل لك بأن وعد هذا المرشح قد صدق! فهلم واستلحق لك نصيباً قبل أن تُسَفُّ الصواني".

لكن خازوقاً كان ينتظره، فالصواني كما يبدو قد جاءت بالخطأ إلى غير صاحبها، وهو مرشح آخر من كتلة منافسة، كلهم يطعمون البطون فتستحي العيون وتستلب الضمائر إلى غيبوبة اللامبالاة.. " هههههه إنه زمن الرياء والخصيان" قالها المثقف وعيناه ترصدان الرجل الذي غاص في زحام المتجمعين حول صواني الكنافة.. ومن لحظتها اختفى الرجل كأنه فص ملح وذاب.

 

بقلم بكر السباتين

 

 

enad jabir2وأغارُ مِنْ مَوجٍ  يُغازِلُ شطَّها

يأتي تِباعًا لامِسًا ومُقبّلا


 

حيفا / عناد جابر

 

قلبي إلى كَتِفِ الخليجِ تَحَمّلا

فتموسقتْ نَبَضاتُهُ  وتحَنْجلا

 

شاقتْهُ حيفا  واكتوى  للقائِها

فأتى  شغوفًا بالحنينِ مُحَمّلا

 

حيفا الجمالُ المستبدًّ، فَسِحرُها

يَسبي العيونَ و يَفتِنُ  المتأمّلا

 

حيفا  تباريحُ  النوى ونَزيفُهُ

وصدى انكسارِ الوقتِ حينَ تَبَدّلا

 

حيفا الثقافةُ والصحافةُ لَمْ تزلْ

للذائدينَ عَنِ الكرامةِ مَوئِلا

 

اعلامُها كفنارِها،  فَلَكمْ هَدَوْا

شعبًا بأثوابِ البقاءِ تَسَربلا

 

حيفا عروسْ القلبِ وهوَ أسيرُها

مَلكتْ عَلَيْهِ  شِغافَه ٌ فَتكَرْمَلا

 

وأغارُ مِنْ مَوجٍ  يُغازِلُ شطَّها

يأتي تِباعًا لامِسًا ومُقبّلا

 

وأغارُ مِمّنْ يَدْفَأونَ بحِضنِها

فبحِضنِها الماضي ثَوى وتأصّلا

 

لَوْ أنّ حيفا لَمْ تكنْ لَخَلقتُها

فبدونِها  ليسَ الكيانُ مُكَمَّلا

 

هِيَ  قِبلتي في الحبِّ وهْيَ مَحَجّتي

وبِها  تعطّر َ موطني وتجمَّلا

 

 

hasan alasiتراهم قامات تومض وتنكسر

وكلّما تأرجحت الأجفان

يغفون برهة ويَصْحون


 

لشوكها المتهدّل شُرفة / حسن العاصي

 

في ملتقيات والدي

حيث حكايات المواسم المرتبكة

ونوافذ أضحت لاهوتاً مرتعشاً

ينام الوقت فاتحاّ ذراعيه للمتسامرين

وتختبئ خيبات الأسماء في ملامح الغيبوبة

هناك لا بحر دون فراق

ولا جدار دون غياب

يزفّ الرحيل هناك حقائب الغربة

فوق ألواح السواد الباتر

كأنها أطياف تغفوا على الرصيف

ضيوف أبي خارج المدينة منهكين

يحملون على ظهورهم جرّة احتضارهم

كأن الحياة رمقتهم ترياق الطريق

يذبلون قبل اختفاء الليل

يرفعون رؤوسهم كلّما عبرتهم كؤوس الشاي

يعدّل والدي الوسادة أسفل مرفقه

يرمي لفائف التبغ للحاضرين

يُشعل سيجارته من وقد الرّيح

يقول: ثوبنا يلفظ دربه

يتضرّع البقية إلى الله بصوت واحد

وترتفع سبّاباتهم للأعلى كأنّهم

يغادرون عتمة العمر

لا قاع لهذا السفر

هكذا الحديث يمتد به الشجن

يقول أحدهم: الأرض تحب الصلاة

بالأمس شاهدت في ثوب المطر

رأس النهر يجري

يردّ والدي: غزير هذا الخريف

يقطف سرير الزهر من فاكهة الجسد

تناولوا زادكم وتعالوا غداً

خلفنا ثمر الشتاء

تراهم قامات تومض وتنكسر

وكلّما تأرجحت الأجفان

يغفون برهة ويَصْحون

يعودون للحياة

تظلّ القصص مثل الشواطئ

تخمد نوارسها تارة

وتارة تتوهّج في بحورها

وأنا أستمع لذاك الصرير القزحي

أصدّ جراد النوم

وأختلس سريراً بين الأقدام في كل مرة

كنتُ هناكَ في الكوّة المجدولة

أبحثُ في صوت العيون الرّاكدة

عن عصافير لا ترحل

وألتقط من رماد الوقت بلابل النهار

هناكَ كنتُ أرقدُ فوق الظلال الجافة

وأحلامي الصغيرة حبلى

تنتظر استيقاظ المطر

في ملتقيات أبي

يجثم الدهر فوق الوجوه خطىً ممطرة

ينحني الصبح لكف تشقّقت بما أنبتت

تنمو وردة الخبّيزة من الركام

يولد من عشبها بعد الفجر قديساً

لضيوف أبي أجنحة تتلوى

حين يراودها قنديل الفصول

لتلك المجالس خفقات كأنها العوسج

ولشوكها المتهدّل شُرفة تتكئ على قلبي

باتت أضلاعي تعاصفني كالماء الصاخب

وتدفقني تجاعيداً على مرآة بكماء

لم أعد أذكر

هل عبروا حزن المدينة مرة

أم أوجعهم قماش الثوب سهواً

لكن من يمحو إذا زحفوا

أخاديد الحكايات عن ملامحي

وإن شدّهم البياض

من يغفر للعربة ازدحام الصناديق؟