عبد الله سرمد الجميلما عادَتْ تحمِلُني قدمايْ،

حتّى أقفَ أمامَ الرسمِ الدارسْ،

قلْتُ: سأجلِسُ،

لكنْ أينَ سأجلِسُ؟

ما من شِبْرِ ترابٍ،

كلُّ الأرضِ هنا حجرٌ أحمرُ،

تحتَ الحجرِ الأحمرِ يتنفَّسُ عشبٌ يابِسْ،

ألمَحُ صفّاً من نملٍ أبيضَ،

يدخلُ في أُذُنِ الجُثّةْ،

وفراشاتٍ تخرجُ من جمجمةٍ،

ثُمّ تغيبُ وراءَ بناءٍ مائسْ،

سِربُ نوارسَ تعلو من قلبِ الجثةِ،

وتُراوغُ طلَقَاتِ القنّاصِ،

فلمّا تعِبَتْ ما وجدَتْ مئذنةً تحميها،

أو صُلْبانَ كنائسْ،

صمتٌ وحشيٌّ لا يكسِرُهُ،

غيرُ رنينٍ ناءٍ من أجراسِ مدارسْ،

وأنا للجثةِ حارسْ،

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر وطبيب من العراق

 

محمد نوحيديباجة

سقطت سهوا:

لكم حرية الإبداع

ولنا حق المصادرة.

*

لوحة

بِطلاء السَّراب

ترسم جداريات العذاب

كل يوم... على بوابات الحدود.

*

قصة غار

الرسول يَتَعَبَّد في الغار

تُشْرق الأنوار

شحاذ يَتَرَصَّدُ ضَبّا في جُحْر

تلدغه أفعى.

***

الدكتور محمد نوحي

 

محمد العباسيربما كنتُ مخطئاً

حين عبّرتُ بالكتابة

عن كل شيء

*

ربما كنتُ للناظر أبدو

أني في غرامي

ليس لي رأي

*

ربما كنت كالغريق

متعلقاً بآخر قشةٍ

كالميت الحي

*

لكنني اليوم

ألوذ بسكوتي

حفاظاً على ذاتي

لبعض كرامةٍ مما لدي !

***

البحرين

25/9/2016

 

صالح البياتيوعندما زرت الكيال مرة أخرى في منزله، ركنت سيارتي أمام الباب، وقرعت البوابة الحديدية السوداء، فخرج البستاني العجوز، حياني رددت تحيته وقلت، تعال ياعم معي، للنزل هديتك من سطح السيارة، شكرني وأسرع يجر الدراجة، قادني كالعادة لصالة الاستقبال، ودخل المطبخ، عاد يحمل صينية فضية صغيرة فيها كأس برتقال، وضعها امامي على الطاولة المستديرة وانصرف ليعلم الكيال بوجودي، قمت احتراما للكيال عندما دخل، صافحته، استأذن وغاب دقيقة، ثم عاد يحمل سفطا  فتحه، ونثر محتوياته على السجادة الكاشانية الفاخرة، قلب بأصابعه المتيبسة:

"هذه مستندات مِلكيه للناس ائتمنوني عليها، واوراق رسمية، احتفظ بها بمكان آمن في غرفة نومي."

التقطت أصابعه وثيقة شهادة الجنسية، ومدها الي، اخذتها، أمعنت النظر في محتوياتها: شعار مملكة العراق، تاريخ الإصدار في العشرينات، اصفرار الورقة ويبوستها كقشرة البصل، الكتابة بمداد أسود، لاتزال حروفها مقروءة بوضوح، أما الطوابع الملصقة عليها، فيرجع تاريخها لحكم أول ملك على العراق، وقد نصل لونها، هذه الوثيقة التي برزت من وهدة الزمن البعيد، يريد سليم الخماش أن يلغيها ويشطبها، حقيقة صارخة تدمغه بالكذب والبهتان، لأنها مستند أصلي ، وحامله عراقي مائة في المائة، تساءلت مع نفسي، التي أثقلها الحزن، عن الفائدة التي يحققها الوطن من تلك الأباطيل والأفعال الغبية، التي يقوم بها رئيس الدولة وخادمه المطيع سليم الخماش وأمثاله، فلم أجد جوباً لتساؤلي.. جمع العجوز الأوراق ورزمها بخيط ستلي، وضعها على المنضدة.

"هل تسمح لي بالاحتفاظ بشهادة الجنسية."

"خذها، لم تعد لي حاجة بها، على كل حال سيصادرون كل ما نحمل من وثائق عند الإبعاد."

"ونقودك المودعة في البنك؟"

"ليست ذات أهمية، لا تقلق، نحن التجار نعرف كيف نسوي حساباتنا مع بعض."

"صحيح.. سأزورك قبل السفر."

"سأحكي لك نكته قبل أن تذهب."

ابتسمت، لأن الكيال فاجأني بأريحيته غير المتوقعة في ظروف كهذه..

" استاذ نوح انت تعرف طبعا الضابط فاخر خريبط، امره سليم الخماش، أن يلقي القبض على العراف سنيجر، أو كما يسمونه زهلول."

وسكت الكيال، ينتظر تعليقي.

" وبعد ماذا حدث؟ "

" الضابط  اطاع سيده، راح وقبض على عاشور المخبل، وجاء به مكلبج للمدير."

"على فكرة حاج، لم أر عاشور منذ مدة، اختفى فجأة."

" خائف من التسفير."

ضحكنا بمرح وعفوية..

قبل مغادرتي لمنزله، ناولني الأوراق، وطلب مني ان احتفظ بها، خوفا من مصادرتها عند تفتيش بيته بعد ابعاده.

ودعته، عائداً الى منزلي، انزويت في غرفتي، وأخذت أحدث نفسي، ولكن في الحقيقة، كنت اخاطب الكيال الغائب، الذي تركته قبل قليل في منزله وحيداً، وكأنه أمامي الآن: من هم أجدادك يا موسى الكيال، أعرب هم، فرس، شركس، ترك، أرمن، أفغان...هنود، أم ماذا!، ألهذا يشك بك الخماش، مع إنك عراقي، أكان أجدادك أغوات، سباهية، تجار، قطاع طرق.. من أين أتى أجدادك وأي طرق سلكوا ليحطوا رحالهم اخيرا على أرض المنفى والبلوى والسبي والكرب.. لماذا لم يولوا وجهوهم شطر أرض أخرى، ترحم من يلتجأ اليها طلباً للأمان والاستقرار والازدهار!

ومع أن الكيال لم يكن يسمع بالطبع ما قلته، لكنه كان يشعر به، كان حتى تلك اللحظة الزمنية القاسية حياً يرزق، كاسم علم في سجلات القيد الرسمية، إلا انه في الواقع، فقدَ هذه الصفة التي تمنح الأنسان الرغبة بالاستمرار بالحياة، يخيل اليَّ وأنا أفكر به، أنه ينظر الآن الى ملفات حياته، من خلال كوتين صغيرتين، خلف جمجمته المعطوبة، كلاهما أكثر عتمة من حاضره المعاش، إحداهما تفضي الى دنياه، التي عاشها ردحاً من الزمن منعماً، سعيداً وسيداً، واخرى يطل عليها من ثقب ضيق، الى قبره و آخرته، مصير يجهله، لا يرى فيه بصيص أمل، دنيا جذبته بقوة وأغرقته بين أكياس المال، وأخرى حاول أن يشتريها بثلاث حجات، تصور أنها مبرورة تمحي ذنوبه القديمة والجديدة ..

أباح لي ذات مرة، ما يرقد في نفسه من لوعة وندم، في آخر مرة ذهب حاجا لبيت الله الحرام، وضع خده على الركن اليماني، كما فعل من قبل، نثر دموعه، بلل الحجر الأسود، وفي غمرة انفعاله، تخيل أن دموعه الغزيرة اختلطت بماء زمزم، فشرب الحجيج ذاك العام، ماءً أجاجا، فظنوا ان البئر ازداد ملوحة بسبب ذنوب الخاطئين، وفي آخر حج قام به بكى بمرارة طفل ضائع، اعترف بكل ذنوبه الصغيرة والكبيرة، التي ظن أن الله قد محاها من سجل اعماله، فعاد كما ولدته أمه بريئا نقيا طاهرا، كورقة بيضاء، اعترف أنه كان دائما يتذكر ذنوبه القريبة، ناسياً أو متناسيا البعيدة، أو متستراً عليها، ولكن حادثة مقتل عامل المطحنة التي طواها النسيان، قفزت من بين تلك الملفات، فرأى دمه يلطخ لباس إحرامه الأبيض الذي يلف جسده، فزع من رؤية إحرامه ملطخا بالدم، أثناء طوافه حول الكعبة، وتعجب حينما لم يلاحظ أحد ذلك، وكلما أتم طوافاً شعر بأنه اكثر ذنوبا، وعندما أكمل الشوط السابع ، انفلت من الزحام، وصلى خلف المقام ..

في تلك اللحظة من بوحه المرير، توقف عن الكلام، كي يلتقط أنفاسه المتلاحقة، ظل صامتا بوقار، تنير وجهة لحية بيضاء، وعينان ذكيتان رغم إنطفائهما، سألته لماذا توقفت، قال: "أخشى ان لا تصدقني، لان ما سأقوله لن يصدقه أحد" استغربت من كلامه، فسألته:

"ولماذا لا أصدقك، عهدتك صادقا دائما..أكمل سأصدقك، تابع بوحه بوتيرة اسرع وادعى للشفقة والأسى..

شعر وهو جاثم عند المقام، أن يدا حانية مست جبينه المحموم، ومسحت حبات العرق عن وجهه ورقبته، فشعر براحة نفسية عميقة، رأى أجنحة بيضاء كثيرة ملأت الحرم، أخذت ترفرف فوق رأسه، أحس برغبة عارمة للغياب عن العالم، أخذته خفقة وسن مفاجئ بعيدا، ورمته في حضن نوم عميق، تمنى ألا يفيق منها أبدا..

توقف الكيال يلتقط انفاسه المتقطعة، ثم تكلم كأنه غائب عن الوعي كالمنوم مغناطيسيا:

" كنت أريد في تلك اللحظة النادرة، ان أنام نومة الموت الأبدية، لكن جموع الحجيج ونداء: لبيك اللهم لبيك، أعادتني لوعيي، فكرت عميقا بشي أعلنه أمام الجميع، ثم صرخت بأعلى صوتي: ياناس، أنسبوني من أكون.. لأي دين أو ملة أو قوم أنتمي ؟!"

أشفقت عليه وقلت في نفسي، هذا الرجل يبحث يائسا عن الجذور، عن الأعماق الغائرة في النفس البشرية، من هو ومن أين اتى؟! تلك هي الحيرة التي يعجز عن معرفتها الأنسان، رحت اتقصى تاريخ اجداده الافتراضي، مستعينا بخارطة الهجرات المستوحاة من وحي خيالي، فكنت أثناء فترات توقفه عن الكلام، أحدث نفسي متأثرا بما يبوح به وبما يعتمل في نفسي ايضا.. أتساءل وانا انظر اليه، من أي أمة أو قبيلة تائهة أنحدر هذا الرجل؟ وأي سماوات أظلت أجداده الأقدمين، وأي نجوم أنارت طرق هجرتهم، على أي شواطئ  رموا نظراتهم الأخيرة، بحر الخزر، البحر الأسود.. أرحلوا عبر جبال البرز أو زاغروس الشاهقة.. أجاءوا مع الريح الشمالية الباردة، وسلكوا السهول الفسيحة؟ حتى لفحتهم رياح السموم العقيمة، الهابة من اتون الصحراء العربية اللاهبة.. أسئلة كثيرة، وحكايات تسرد حتى السأم والملل. عن حقيقة انتشال الذات من قعرها المظلم، ورفعها عاليا لترى النور الساطع، وبهاء الوجود المترع بالفرح والحبور، الأشياء التي لا تستطيع النقود أن تشتريها، ولكن الذين حط المهاجرون رحالهم بينهم، لا يعرفون هذه الحقيقة، يظنون ان  دافعهم للهجرة هو الفقر، وشظف العيش، والحاجة والعوز.. أو هو الانتقال من وعورة الجبال وبرودة طقسها، الى رحاب السهول الفسيحة الدفيئة الوسيعة.

وبعد فترة صمت طويلة، واصل الكيال الحديث، وتوقفت أنا عن الانزياح في تأملاتي البعيدة، قال إنه شعر بإلحاح لحظة استعادته لوعيه، بالحاجة الى تصفية حساباته القديمة..

بعد عودته من آخر حج، تمنى وداع الدنيا الفانية، وتنقية روحه من كدوراتها المتراكمة، تضرع لله أن يساعده على شطب ذنوبه، فتوقف برهة، مترددا عن المضي في الكشف، وتعرية الذات وفضح اسرارها، ولما رآني أتطلع اليه باستغراب، واصل اعترافاته، قال:

" ذهبت بعد عودتي مباشرة الى بيت العامل القتيل، طرقت الباب، خرجت لي بنت حلوة، سألتها من أنت يا بنيتي؟ قالت: أنا هيلا بنت مظلوم، سلمت عليها ووضعت في كفها مظروفا، وقلت هذا دين عليَّ ، قولي لوالدتك عندما تصلي ان تستغفر لي وتبرئ ذمتي، ودعتها وانصرفت "

أزاح الكيال باعترافاته الجريئة، شيئا لا بأس به من ذلك الماضي الذي أثقل كاهله، وكاد يزهق روحه، ولكنه لم يتحرر بعد من عقدة الذنب التي تلاحقه.. وبقي عليه ان يدخل المطهر فيحترق كليا، ويتوهج كالنار..

 

صالح البياتي

.....................

- المَطْهَرُ Purgatorium في العقيدة الكاثوليكية، يقابله الأعراف في العقيدة الأسلامية.

حلقة من رواية بيت الام، تنشر لأول مرة على صحيفة المثقف

شكرا لمتابعتكم

يتبع

 

 

عقيل العبودمختلفة ألوانها، كأنها قطع كارتونية متناثرة، تلك الوريقات التي فارقت بقاع ألفتها الممتدة، عبر تفرعات كوكب ارضي، تجانست أغصانه وفقا لحقيقته النامية.

دموعها تساقطت حين داهمت انفاس أمومتها حركة إعصار مباغت. لحظتئذٍ، القطة ولادتها تعسرت، لتموت فرحتها عند مفترق طريق آمن.

الحزن كان قد امتد عبر تداعيات فصل خريفي، أعلن عن استعداده لمداهمة عصفور ، زقزقاتهُ تواً استفاقت، أملاً بزفاف فجر جديد.

انذاك، أوكسيد الموت إستيقظ من نومته، متحالفا مع إحتفاء أفعى، قررت الإختفاء خلف أكوام قش، تناثرت أجزاء محبته، إستجابة لأنفاس ريح تبحث عن مكانٍ كفيف.

الشجرة تعبيرا عن رابطة التضامن، أغصانها قررت ان تحكي قصة أمومة تبعثرت أوطانها، على شاكلة "فرق تسد".

لذلك عند مفترق زاوية تناسلت محبتها مع اروقة برد قارس، الشمس تآزرا، عنفوانها ابتكر طريقة للحياة.

يومئذٍ، الورقة الخضراء، بهجتها إرتسمت مع ابتسامة ذلك الشُعَاع الذي تدلى احتجاجاً على ظلام ليلٍ أصداؤه تجاوزت حقيقة النهار.

 

عقيل العبود 

 

ياسمينة حسيبيسبعون ألف سنة من اللغة...

ولا سِمسمَ حرفٍ يفتحُ مغلاق الروحْ . 

وحيْثُكَ: تتربصُ إناثُ الشكّ ... بِـذكورِه،

والرّحى تدور على ذمة الظنّ ..

حتى إذا ما تكشّفتْ عورة الحبّ، ساحتِ الروح من خروم الجسدِ.

وبين وَجِيف ورَجِيف، يقْضمني ناب الغياب

يخترق الشوق جوفي بغتة ...

فيدوّي النبض لِيصُمّ طبلة القلبْ !

فيَا الأبْـعد/ الأقرب إليّ من وتيني

وجهكَ المُتغايِب ما زال يسْتبدّ بعيْني ..

ويستأنفني في وطيس المسافاتْ !

وأسألكَ:

كيف سلوْتَني غريرة المكان، وزماني يكركُ على بيضة الحلمِ؟

وأيّ المآذن ترفع الصمت ميقاتًا للسقوطِ؟

فما أشْوَقني إليّ وما أشقاني: قلب لا يقبل التبنّي،

سلكتُ جاحم سبيلكَ على رِمشي والطريق معبّدة الجِمار! 

وبرئْتُ إلى الباري من هوىً تحمله الريح بين سحابتيْن...

فيشُتّ أشتاتي !

وحبّذاكَ ...

 تُدرك طعم الروح في نكهة العشق

أو تفْقَهَ حكمة الجنون في بلوغ الرشدِ.

وكم ْ تمنّيتُ أنْ تقتفي نبضي في آثار الشوق،

أوْ تصِلَ باب عُمري مُمْسِكًا بيدِ الإنتظارْ !

كمْ ... وكمْ ...

لكنْ لا صُبح أسفرَ عنكَ ...

حين فصّلتَ وجهك على مقاس الغياب !

هكذا.. تدثّر الحلم بفرْوِ الثلوج ثم غفا على باردِ الوسادِ.

فلا تسلْ :

كيف تسّاقطتِ الأوراق بداخلي؟

فألغيتُني من هواتف دمٍ لا يُرَقّم فصيلتي .

وكالمشتبه بها،

ألْقيْتُ بعمري وراء ظهري وتسللتُ خارجَ  اسوار الحبّ !

فلا تكثرتْ إن تسّاقط العمر غزيرًا ... فاقِعَ النّدمِ.

بمَحْضِكَ، أطبق رمشي على رمشهِ ... وتجفجف ثوب الماءِ.

وعلى قيدِ وهْمٍ، سيقرعنا الحظ كرقمين في اليانصيبِ

ويا لَحسرة النصيبِ في قِسمة القلوب !

ما أدْرَكْـتَـني إلاّ ... جدًّا متأخرًا،

وقد كنتُ دمكَ في سُلالة الأرَق،

كُنتُكَ في الصمت الذي ازْدردَ حنجرتي،

في الغيرة التي يجري من تحتها الإعصارْ،

وفي الرئة التي تسْعلُ دخان الإنتظارْ !

فعلامَ نُفَلّي وجوهنا الآن  ... ونتراشقُ برجْعِ الصدى؟

عَلامَ نأْسَـى؟

وما ملَكْنا من زمام القلب أمراً ...

والعشق ممالكٌ وعروش،  

وحظرُ تجوّل بعد منتصف النّبْـضِ! 

 

ياسمينة حسيبي

 

سهاد حسنوجاءت تلك الفتاة  التي تدعى سوهاد تقطع طريقها وسط زحام افكارها وزحام السيارات التي كانت تسير في وسط شارع مظلم. كأن في وجهتها شيء من المجهول والمعلوم معا. تلك الفتاة كانت تبلغ خمس وعشرين ربيعا، عفوية جدا الى الحد الذي يناديها فيه احدهم "صغيرتي". واخيرا وصلت وجهتها التي تريد وقالت بعد ان القت التحية وبعض من كتبها:

"عزيزتي نور كيف حالك؟"

اجابت نور وعلى وجهها ترتسم بعض علامات الدهشة "انا بخير وايضا الاطفال". كانت تهمهم في نفسها لأعداد الطعام الى شقيقتها من الرضاعة (سوهاد). ولكن الأخيرة كانت تهم بشيء اخر يشغل تفكيرها المزدحم بأفكار جعلتها تهرم قبل اوانها. تنفست سوهاد  وكأن شيئا من الغصة تلون صوتها ثم سألت "اين عزيز قلبي احمد؟" قالت بحيرة لازلت اتذكرها "ذهب ليتسامر مع بعض من أصدقائه"

نثرت سوهاد اوراقها وكان جل ما يهمها حينئذ هو ايجاد مسوده وقلم. كان التعب قد نال منها لأنها كانت تعمل كأستاذة في احدى الكليات، شيئا من القلق والتعب وقلة الراحة امتزجا معا ليشكلا معا الجدة وليست الفتاة سوهاد. مزقت ورقة من احدى كتبها وخطت يدها بعض الحروف. تلك الحروف كانت تشكل معا رسالة اعتذار لذنب لم تقترفه ولوعد وثقت به.

"الى الروح ! اعتذر"

 ثم لصقتها على المرأة التي من المتوقع ان يراها احمد ريثما يستيقظ من نومه صباحا. وخرجت سوهاد مسرعة من البيت. بعد بضع اميال ، اتصلت تلك الفتاة بأحمد التي كانت تحتفظ به في جهات اتصالها  تحت اسم "ملاك". بعد رنين مطول، اجاب وكان جوابة جاف كجفاف ليلة من ليالي تموز. انهى حديثة ولم يأبه لوحدتها وتركها تصارع ظلمة ليل الرابع من اكتوبر بمفردها. لم تتعبها الاميال ولكن اتعبها جفاف الصوت الذي اعتادت على دفئة.

 توقفت سوهاد لبرهة وسط الظلام ثم رفعت طرفها الى السماء وسقطت دموع عيناها ولكن نظارتها كانت جديرة بإخفاء تلك الدموع. كانت تلك الدموع لا تليق بمستواها الاكاديمي ولا تليق بمجتمع ضالته الكبرى استغلال ذلك الضعف. خيم الصمت وخيل انها توقفت عن البكاء ولكن قلبها وعيونها كانا ينزفان بقوة. الا ان الصوت عاد موهناً يكاد يختفي لوجه هزيل بارد، قدمان بالكاد يستقيمان وقوفا، ثم وضعت كفاً فوق الاخرى وتحركت شفتاها  لتمتم " سأذهب لأموت عند أهلي كالغزلان". دفء راحتي يدها وحرارة الالم ودموعها كلها كانت انيسها الوحيد في ذلك الظلام الدامس.

 تابعت المشي لبعض الاميال واذا بها تبحث عن قلم كمجنون يبحث عن الدواء وسط كتبها الهزيلة لتكتب فوق غلاف الكتاب الاول: " وما زال قلبي يشتكي لك وحدة تركتني انت فيها، وحدة تسبب لي الجنون كلما تذكرتها. حسنا، حياة اخرى تناديني منذ امد بعيد وحان الوقت للقائها. وداعا، وداعا ثم اعتذر"

 ما ان انتهت من كتابة تلك الحروف حتى شعرت ثمة ضوء يقترب منها، كان بؤبؤ عيناها شاحبا هزيلا كقنديل أتعبته كثرة الضياء لمن حولة. ما ان رفعت طرفاها نحو ذلك الضياء التي ظننته ضوء سيارة من تفتقده حتى اصطدمت بها سيارة ولدت دموع ودم سقط بعض منه على غلاف ذلك الكتاب ليكون ذكرى. ثم سقطت سوهاد جثة هامدة تناثرت فوقها الكتب التي كانت تحملها معها وبعض الوريقات. ورحلت سوهاد بصمت مدوي في السابع من شتاء 2018.

 

سهاد حسن

 

عبد الجبار الجبوري1- كلُّ نفسٍ ذائقةُ الحُبِّ

كيفَ ليْ أنْ أستفّتي قّلبي، وقَلبي تحملُهُ في حقيبتِها، فليسَ عدلاً أنْ تشيخَ قصائدي على وسادتها، وهيَ تُلوّحُ لي بشالِها الأحمر، وتقولُ للبَحر، تعالَ أيُّها البَّحرُ ولا تجيءْ، فلسانِي يَلهجُ بإسمِها ليلَ نهار، وقلبي ينبُضُ بِحبِّها ليلَ نهار، وروحي تنهضُ كلَّ صباح، لتقرأَ ما كتبّتهُ يداها، على حائط الشوّق، وتشربُ من يدها قهوة فيروز، أعترفُ لَكم، أنَّ كلَّ نفسٍ ذائقةُ الحُبِّ، إلاّ قلبي، ليس عدلاً أنْ تجيءَ القوافلُ وأنتِ لستِ معها، وليس عدلاً أنْ تجيء الفصولُ، وأنتِ لست ربيعها، وليسَ عدلاً أنّ قلبي ضَلَّ الطريق إليها، وتاه في سماءِ القُبَلِ، وأنّ شفتاي ضلّتا الطريقَ الى شفتيّها، وتاهتا في موجِ القُبَل، لا، لاتلتفت خلف سربِ الكلام، فهي غافيةٌ على وسادة الرّوح، تفكُّ إزرارَ الظلام لتمرَّ خيلُ فَمي، هي الآن تسمع أغنية فيروز (لاتجي اليوم ولاتجي بكره)، هي تعرفُ كمْ أُحبّ فيروز، وأُحبُّ صباحَها الذي يُشبهُ وجه حبيبتي، وأعترفُ لها، أنَّ كلَّ نفسٍ ذائقةِ الحُبِّ إلاّ قَلبي، فهو لايذوقُ إلاّ القُبلَ من شفتيها الكافرتين، فدعيني أيتّها الملوحةُ بالشّالِ الأحمر، أنْ أعبثَ ببسّتانِ أُنوثتِكِ وأهذيْ، كي تُزهرَ بساتينُ اللهِ، فوق خديّك، ويطلعُ منْ بَين نهدّيك القَمرْ...

الموصل -23/11/2018

 

2- بينَنا سماءٌ من الكلام

بي رغبةٌ في الكلام، ورغبةٌ في البُكا، كُلمّا إشتدّ النَوى، وتاهَ في الأُفقِ الظلام، مرحباً ياقَمرَ الكلام، حين تقولُ ليَ القصيدةُ، خُذْني إليّها، أرتَجي من يَدها السَّماح، أعرفُ بينَنا حقلٌ من الألغام، وحقلٌ من البُكاء، وحقلٌ من أغاني الطفولة، كُنّا نُغنيّها معاً، وكُنّا نرسمَها معاً، أعرفُ أنّكِ تبحثينَ عن نجمتِكِ التائهةِ في سمائي، وتزرعينَ في شَفتي وردَ الحَكايا، تعالي ألآنَ فالنجمةُ غائبةُ والقمرُ حَزينْ، تعاليْ وحطّمي خلفكِ المَرايا، واالتَكايا، وأصنامَ الزَّمان، تعاليْ وإجلسي قُربَ قلبي، ليحدّثكِ عن الزّمان الذي أنتِ عِطرَهُ، تعالي ينتظرُك قلبي عند عُتبةِ الباب، تعاليْ وماءُ الكلامِ يغسلُ الشِّفاهَ، ولا قُبَلةٌ على شفاهِكِ العَطْشى، أعرفُ أنّكِ تُمسكّينَ غُصنَ حَرفي، وتُلوحّين به، كشالٍ أحمرٍ عند ضفة الرّحيل، الرّحيلُ الذي كُنُتهُ، وأعني اللقاء، وأقصدُ الرحّيل الى عينيك الساحرتين، والى أُنوثتكِ المدفونةِ في وَحْلِ الزّمان، وقامةٍ التي تَلْعبُ بها الرِّيح وهي تَميل، وضحكتِكِ الذهبّية الحزينة، التي تطوّقينَ بها روحي، وهي تبتّسم لقصائدي، قصائدي التي تطلعُ من بين نهدّيك، طازجةً كالمَطر، وحزينةً كوجهِ القَمر، أعترفُ بيَننا سماءٌ من البَعاد، سماءٌ من الكلام، وسماءٌ من القصائد، تظّللُ وجهَك الذي يشبه رغيفَ أمي، أحبّكِ وليذهبَ الآخرونَ الى الجحَيم، أينّكِ تعالي ينتظرُك قلبي عند عُتبةِ الباب....

الموصل -5/12/2018

 

3 - إليها تهربُ عصافير روحي

كيفَ ليْ... أنْ أُخيطَ من الليّل عباءةً لقامِتها، وكيفَ لي أنْ أغزلَ من خيوط الشمس رموشاً لعينيّها، وكيفَ ليْ أنْ أُقبّلَ ضحكَتها الذهبّية التي ترقصُ على شفاهي، كيف ليْ أنْ أرسمَ نهديّها النافرين كفرس جامح يخترق صحراء روحي، على رملِ قلبي، وقلبي تركتُه لديّها، كيفَ لي أنْ أُخبرَها، أنّي أُحبُّها أكثرَ من البَحر، ومن الليّل، ومن قلبي،، كيفَ ليْ أنْ أُخبرَها، وأنا أرتجفُ حُبّاً بحضرتِها، ولساني يّتَلبّكُ وَجَلاً للسلامِ عليها، يااااااااااااه يقتلُني البوّحُ، دِلّوني كيفَ أحضِنُ حُزنَها، وهو يهربُ من قصائدي الى البحر، أحبُّها وهي تهدي لي ضحكةً من فرحِ القمَر، وتلوّحُ ليْ بشالِها الأحمر، تعالَ أيهُّا البَعيدُ، لأحضنَ وجهكَ وأموتْ .....

الموصل

7/كانون اول/2018

 

عبد الجبار الجبوري

 

فتحي مهذبسأبني جسرا فخما

بين قلبي وروحي ..

لا يعبره الا المتصوفة والعشاق..

أملأ قاع الهاوية بأزهار الأوركيديا..

وأقيم عشاء فاخرا

لسكاني السريين..

لصديقي هوميروس الأعمى..

لأنكيدو المطوق بالحافات..

لأهل الكهف وكلبهم الرابض

أمام مدخل كتفي..

لحمامة جارتنا الثكلى..

لأموات جميلين

يمسحون زجاج مخيلتي

المزدحم بغبار الأيام..

لزهرة عباد الشمس الراعفة

بقداس وثني..

لفراشات نائمة تحت غلاف الروح..

لمرابين شربوا من دم كلماتي

وأحالوا عرقي خمرا لسباياهم..

لقطان باخرة راسية تحت لساني..

لريح عمياء تتسول جوار دار الأوبرا..

لغرقى مرتجفين في أعماق الصمت..

لحصان جاري النهيلستي..

سنغني جميعا باسم الحب..

بأمجاد العالم السفلي..

نتراشق بندف الضوء

نخفي في عشاش أرواحنا

كلمات حلوة..

وألبوم غرباء عبروا النهر سريعا..

فواكه نادرة ليوم الآخرة..

كروانا شجي الصوت..

لتأثيث سهرتنا الأبدية

في رحم الأرض..

سنحب العالم وسماوات

طفولتنا العالية..

نجوم عمائقنا المؤتلقة..

سنآخي بين قطيع الأضداد..

ونوزع حمام الشعراء

على العميان

***

فتحي مهذب

بكر السباتيننعم، كان يتساءل لماذا ينفض الأصدقاء من حوله رغم إغداقهم بالهدايا ا!

كانت هداياه متميزة وثمينة.. وكان شديد الإيمان بمقولة "أطعم الفم تستحي العين" فكيف لا وهو الثري الذي يعتبر نفسه مركز الكون فتطارده عيون الحاسدين.. وقد منح نفسه الحق في مراقبة حتى أقرب الناس إليه "يطمعون بثروتي ويتربصون بي" إحساس ظل يداهمه حتى في علاقته مع الأصدقاء.. وكان كثير التباهي بنفسه إلى درجة الغرور.

إنه ذاته (خلفان) الذي اشتهر بين أصدقائه بحاسته السادسة، حتى بدا لهم كأنه عرافة تقرأ الفنجان وتكشف المستور.. فلا عجب في سياق ذلك ألا يكتشف أحدً سره الباتع "هذه موهبة وفضل من الله عليه".

اعتاد خلفان تقديم الهدايا إلى أصدقائه وخاصة عملائه في السوق أو رفاقه في الحزب والمؤسسات الثقافية، وهي عبارة عن أجهزة هواتف خلوية ذكية وحواسيب محمولة حديثة (لابتوب). والجميل أن هذه الأجهزة تكون معدة مسبقاً ومزودة بالبرامج الأساسية التي تظهر أيقوناتها على سطح المكتب.. ولولا عناية الله التي جعلت أحد هؤلاء الأصدقاء يذهب بهدية خلفان (هاتف نقال من نوع آيفون) إلى مركز صيانة الأجهزة الخلوية؛ لما اكتشف بأن هذا الجهاز كان مخترقاً.. فاستشاط غضباً:

"كيف حدث ذلك!! هذه خيانة ونهب لأسراري!".

حيث تبين له من خلال نتائج فحص الجهاز بأنه قد زود ببرنامج (تطبيق) تجسس سري لا تظهر أيقونته على الشاشة، ما يعني بأن خصوصياته باتت منهوبة، وليس مستبعداً أن تكون قد تسربت إلى خلفان!!

وتساءل في سره والجمر يتقلب في حشاياه، متخيلاً حياته الخاصة كأنها سيجارٌ محشوٌّ بأسراره الشخصية، وملقومٌ في فم خلفان وهو يراقبها فتبدو له كراقصة من دخان متصاعد:

"أيعقل ذلك!

خلفان الذي اشتهر بيننا بحدسه اللافت يعتمد في ذلك على هذه التقنيات المتقدمة؛ كم هو مريض نفسياً هذا الخلفان حينما يلوك أسرارنا في مجالسه أو يشبع شهواته باختلاس النظر إلى تفاصيلها المحرمة.. أيعقل ذلك!

كيف إذن تصل هذه العين السرية غير المروضة إلى جهازي الصغير.. ثمة يد عابثة ما لبثت تتجول من خلال هذا الجهاز في تفاصيل بيتي وسأقطع دابرها في حينه!".

أكلت الحيرة رأسه، فما كان عليه لقطع الشك باليقين إلا أن يسرّ بالأمر لصديق مشترك بينهما، ممن تلقوا مثل هذه الهدايا من قبل؛ ليكتشفا معاً آخر المطاف سرّ خيبتهما أمام ذلك الحدس المذهل الذي كان يتمتع به صديقهما "الوغد" خلفان!! مجرد برنامج تجسس يزود به هداياه الثمينة، وهي لا تظهر على سطح المكتب، وبوسعه من خلال ذلك السيطرة على عدسة التصوير والتلصص على أدق تفاصيل حياة أصدقائه: "كم كنّا مغفلون".

قالا ذلك والغضب يعربد في رأسيهما. صحيح أنهما انفعلا وهددا متوعديْن، ثم حطما كل هدايا خلفان؛ لكنهما أيضاً تسترا على خيبتهما، وقررا أن يكتفيا بما فعلاه بذريعة أن بعد الظن إثم.. وفي الحقيقة أن كبرياءهما هو الذي منعهما من مواجهة "النذل" خلفان .

إلى هنا وينتهي الأمر بالنسبة لهما.. ولكن بعد مضيِّ عدة أشهر على هذه الحادثة المشينة، كان خلفان يعيش حالة من القلق إزاء انفضاض صحبه من حوله "يجب أن أفهم سر ذلك!". لم يحصل خلفان على إجابة شافية بعدْ وهو يتساءل:" ما الذي جرى وأصدقائي يبتعدون عني رغم ما أقدمه لهم من هدايا!! هذا جحود وحسد قاتل لأهله".

ثم تساءل بانتباه:

"هل تطبيقات التجسس هي السبب! ستكون كارثة لو كان الأمر كذلك"

ويبدو أنه لم يدرك بعد فحوى الرسالة متمتماً في سره وهو يتنفس الصعداء مهدئاً من فرائصه المرتعدة:" مجرد هواجس فلو حدث ذلك لعاتبوني على الأقل!!"

وبغتة اجتاحته حومة الشك فانتفخت أوداجه فجأة حتى أوشك على الاختناق.. كانت الكلمات تتعثر في حلقه فيقذفها كالرذاذ بطرف لسانه المتلعثم، ثم يبلع ريقه وعينيه متقلبتين خيفة.. تساءل:

" ولكن كيف يحدث أن تتعطل تطبيقات التجسس المغروسة في أجهزة الأصدقاء بعد مجافاتهم لي على الفور؟"

الصداع يأكل رأسك يا خلفان ولن تهجع ناره.

***

قصة قصيرة

بقلم بكر السباتين

 

لمياء عمر عيادبعيدا عن كلي.. انتهي

أفرض النهاياتِ كشهادةِ قبل الموت

كآخر قطرةِ أشتهيك في كأسي

أمدُّ يدي الى عصا الوقت

 عمياءٌساعتي

وظلي ملّ مني

الكون بلا شمس غدى

وخَطْوي على قبري يمشى

كيف أكسو جنوني بالعقل

 أو كيف دونه أمضي

 أتوكّأ على قلمي فيسقطُ من ثِقَل همّي

ويوقَدُ الحنينَ نارا تأكلني

 مع هشاشةِ من بقايا الصّبر..

تبا لنهاية لاتنتهى

وتبا لقلبي المُتَوَثِّب

يزْأَر فأصمُّ روحي

فيأتِ الموتُ مهنّئا قد مضى..

 من الدّهر وقت  ذاك الموعدِ

***

الشاعرة التونسية لمياء عمرعياد

 

صحيفة المثقفهمّي وهمـُّك مختصمان

عـَلام ارقص ُ

في ساحة الطيش وحدي

لملمت وجهي عنك

وأودعت التجاعيدَ في مصارف النسيان

امتطت جبهتي بسمة ً كاذبه ْ

صافحت خرائط النفاق

وأترعت ُ الشرايينَ راياتِ بهجة طازجه ْ

على راحتي

نامي زنابقُ الماء

اختنق يا جدول الامنيات

فعلى حبال غسيلي

نشرت ُ ملاءات الفرح الوردي

وأغلقت الفؤاد على جراحه

من يدرس بصمة ابهامي

يفهم ما لون الخيبة

لاه عن زمن يتسابق والموجات

لاه عن جذر تنساه الزهريه ْ

لاه عن جذر ما يتجذر

عن نهر ما يتفرع

غيمتي لا تعرف مَن تـُمطر

ولا أيـّة دايات تسقي

الهم ْيا ذا العزة

نصائح موتي

حلما ً يغسل رجليها

فالحنـّاء

ما عادت تتناسب ومعادلة الصمت الضالع في الصمت

وشفاه الجوع تولــت

طاوية الأحشاء

فقوابل اجدادي لم يتقبلن سلاسل

والنسيان ُعلا بيت عناكبنا

فابتهل غسقا

وابتهل في السحر

فجذاذات ُ الليلك ِ باردة  ٌ

كالقلبِ غِبَّ المطر ْ

***

سمية العبيدي

قصي عطيةعلى المَصْطبةِ الخَشبيّة

وضعَ أبي قميصَه المُبلَّلَ بالعرق

وحملقَ في وجهِ والدتي،

وصرخَ بها...

كانتْ أصواتُ المآذنِ تَغرقُ

في همسِ الحكايا

تخرقُ الوحشةَ المُختبِئةَ

كالجُرْذانِ في زوايا البيت

وتتسرَّبُ إلى جثثِ الشّيوخِ

وتنتصبُ كالزّوبعةِ

في ذاكرة الصّغارِ .

***

لهفتُكِ تبتكرُ أبجديَّةً جديدة

وسؤالكِ يَمرُّ كالغُصَّةِ في حلقي

أرى الحنينَ يذوبُ في صوتِكِ،

يُولَدُ رحيقاً كالجنينِ

المُنتظِرِ ولادةً عَجلى

في كلِّ شهقةٍ أتنفَّسُ صوتَكِ

الحاضرَ في ذاكرتي

أقطفُ رائحةَ لغوِكِ الجميلِ في أُذني

وأمضي كالمُتسوِّلِ،

مُتفسِّخَ القدمين.

***

أتوهُ في دُجاكِ الكثيفِ،

أتلمَّسُ شعاعَ ضوءٍ

يَخطرُ ببالي أنْ أمسكَ اللحظاتِ

وأنهضَ من جرحي واقفاً

تخترقني بقايا أغانٍ

تحتَ أهدابِكِ،

تلعبُ بيقيني 

شراعٌ بلا أجنحةٍ يطيرُ في الفضاء

يسري بي في مَلَكوتِ الضَّياع

يرسُو على ضفَّةٍ؛

تنسجُ حجارتَها جداراً في وجهي

تُهاجِرُ الشُّطآنُ عن مَدائني الحالمة،

وتَغرقُ في لُجَّةٍ

تمُدُّ أذرُعَها من حولي

تقتلُ الرَّجاءَ في لقائكِ

أُتمتمُ أغنيةً للأوجهِ المُتعبَهْ

وأغيبُ عن عالمي،

أَتوهُ في دوَّامةٍ

بوسعِ المدى الفسيحِ

مُرتجِفاً أُكاشفُ الظنَّ

على سجادة الصَّلاةِ

أُعاودُ الغناءَ من جديدٍ ..

لا صدًى لصوتي،

ولا صوتَ لغنائي

رأيْتُ الفجرَ يُجاهدُ الانعتاقَ

من جَبينِ اللّيلِ المَقصوصِ ذؤابتُهُ

يُخبِّئُ دمعتَه بمِنديلٍ

بلونِ النَّهار

يَموجُ السَّرابُ أمامَ ناظريَّ

لا أَستبينُ شيئاً

سوى دجًى مُتعَبٍ

يتقدَّمُ مرتِّلاً صلاتَهُ

بخَوفٍ مُعلَّقٍ على

ياقةِ قميصهِ

مُردِّداً أغنيتي عن شموعِ الخضر

المُسافِرة في نهرٍ غريبٍ

بلا اسمٍ

أو هويَّة.

***

ضجرْتُ من نفسي

من انتظاري لكِ،

من شوقي لرؤياكِ

من قلادتي التي أضعْتُها

في ساقية القرية.

أيقظتْني شَهوةٌ

تسألني عنكِ

وأدْتُها، مُقفِلاً ذاكرتي،

لن أعودَ ...

لن أعودَ ...

***

الشاعر السوري قصي عطية

6/ 7/ 2010

عبد الجبار الحمديهائمة على وجهها بعد ان سرقت محفظتها من باطن حقيبتها اليدوية التي ما ان استلمت المبلغ عن قلادتها التي تعتز بها وتحبها كونها الشئ الثمين الذي تملكه.. كان بانتظارها ذلك اللص الذي قفز امامها فجأة، اسقطها وحقيبة يدها.. ثم انطلق هاربا وهي تلملم بقية حاجتها التي ما ان ادركت انه قد سرقها حتى اخذت تبكي منطلقة مبتعدة عن مكانها حيث ترى العالم المحيط بها لم يحرك ساكنا ليدافع عنها.. وصلت الجسر الذي تعبره في كل يوم للذهاب لإعطاء الدرس في العزف على البيانو الى احد التلاميذ الذين كانت تربطها ووالدته علاقة صداقة قديمة .. هو ذاك مصدر رزقها بعد ان اصيبت بإنهيار عصبي نتيجة سوء علاقتها بصديقها الحميم جيم ووالد طفلتها الراحلة ساندي، التي فقدتها نتيجة تصرف أرعن من صديقها المدمن كحوليا الذي لا يفتأ عن العراك معها وضربها امام ابنتها مع تقريعها.. احتملته طويلا عبئه.. علاته الكثيرة حرصا على بقاء ابنتهما بين كنفيهما.. حتى تلك اللحظة التي فارقت ساندي الحياة حين اصطدم بإحدى الأشجار الضخمة وهو يقود عجلته تحت تأثير الكحول، تلك الحادثة اودت بحياة الخيط الرفيع الذي يربطها معه.. فما ان افاقت مما اصابها من مرض تركته دون رجعة، لتعيش وحيدة وحزنها على نور الحياة الذي اطفأته الاقدار على يد اب ارعن والى الابد..

كانت مذهولة بما حدث لها!! تتسائل لم الحياة عنيدة وصعبة معها؟! تجبرها متعمدة الى اقتناء التعاسة كمن يبحث عن انتيكة قديمة يحاول ان يزين بها غرفته البائسة المظلمة دون التمتع بها او الانتفاع منها.. التعاسة هي النافذة التي مدت يدها الاقدار عبرها لتخطف أمل حياتها.. نزلت دموعها وهي تتكأ إلى سياج الجسر الذي شارفت على نهايته للوصول حيث بيت السيدة كاري وابنها مات ذو الاحد عشر عاما.. توقفت قليلا لتمسح دموع عينيها، وأذا بعجلة تسير ببطء وصوت ينادي مادي ..مادي توقفي قليلا ارجوك إنه أنا توم ألا تعرفيني؟ نظرت الى مصدر الصوت دون ان تعيل اهمية له، تابعت سيرها بخطى مسرعة قليلا، عاود توم يصيح توقفي قليلا، لا تخافي .. بخفة شديدة اوقف عجلته ونزل منها مسرعا حتى توقف أمامها.. يا إلهي!! كم انت جميلة؟ بل لا زلت بنفس الضياء وإن بهت قليلا نتيجة ضوء النهار، لكن مادي المشرقة بالحياة إنها الفتاة التي انقذت حياتي في مرة من المرات لا زالت مضيئة.. إنه أنا توم.. اعني تراش لعلك تتذكريني بهذا لاسم الذي اُطلق عليّ حين كنا نتشارك المدرسة الثانوية نفسها والكلية، كَوني كنت اعمل في جمع النفايات ليلا حتى افي مصاريف دراستي... ألا تتذكريني

تمهلت عن تسارع خطواتها، كأنها تريد ان تربط حديثه بشريط ذكرياتها لتعيده من جاروره الذي قبعت فيها كل ايام حياتها الجميلة تلك.. بهتت وهي تقول: أوه !!! اجل تراش عذرا توم لقد تذكرتك يا إلهي!! كم تغيرت!؟ كيف حالك؟؟

توم: اني على ما يرام بل بخير جدا.. أنتِ كيف هو حالك؟ وما هي اخبارك؟؟

مادي: الشكر لله انا بخير ايضا شكرا لسؤالك..

توم: اوه لقد انسيتني سبب منادتي عليك واللحاق بك، خذي هاته محفظتك التي سرقت منك عنوة، صدفة غريبة كانت، رأيتك.. فاردت ان اسلم عليك لكني تأخرت في ركن سيارتي فشاهدت ما حدث لك، كنت قد وقعتِ سارعت انا في الجري وراء اللص الذي امسكت به على بعد شارعين من مكان الحادث، وحين عدت وجدتك قد ذهبت، غير ان احدهم اشار لي بوجهتك التي عرفت انها ستكون باتجاه الجسر وهكذا .. اقصد ها أنا ذا، خذي تفضلي ارجو ان لا يكون شيئ منقوص بها تَفقديها..

لم تسنح لها لحظات الذهول!!! من النظر، بل كانت في صعقة مما حدث وغرابة الموقف .. حتى سمعته مرة اخرى يردد نفس الكلام فقالت:

مادي: لا .. لا اظن ان شيئا قد فقد منها وهي تنظر بحرج الى ما في داخلها، فهي لم تكن تحوي سوى المبلغ القليل لقلادتها.. شكري لجهدك وتعبك، لكنها لحظة جميلة أن التقيك وتقدم لي هذه المساعدة، إني بحاجة الى ما بداخلها فهو سيقيني انهاء حاجاتي الملحة..

توم: لا تقولي ذلك مادي فأنا سعيد بلقاءك كما يسرني دعوتك على الغداء هذا إذا لم يكن لديك مانع او ارتباط

مادي: لوهلة مستغربة بما تراه وتعيشه من موقف لم يكن بخلدها او حساباتها، تراش ذلك الشاب الذي لولاها لكان قد تلقى اللطمات تلو اللطمات ممن كان يعترضه دوما واطلق عليه هذا اللقب، انه صديقها الحميم جيم قاتل ابنتهما بإدمانه..لكنها تدخلت في الوقت المناسب وانقذته من الكمين الذي كان قد اعده لمعاقبته وتطاوله عليه في تلك الليلة سمعته يقول توم انه سيحفظ جميلها سيرده يوما ما.. واظنه قد رده اليوم بإسترداده محفظة نقودي.. تلعثمت وقالت له..اعتذر توم لكن لدي درس في البيانو الآن وهذا يستغرق قرابة الساعة والنصف تقريبا، اظنك لست متفرغا كما ارى انك رجل صاحب عمل فهيئتك تدل على ذلك..

توم: إنها حكاية طويلة سأحكيها لك بعد قبولك دعوتي ..هاك هذا هو كارت عملي فيه هاتفي الخاص، سأنتظر مكالمتك متى ما انتهيتي فقط دقِ عليّ سارد على اتصالك، ارجوك لا ترفضي طلبي فأنا مدين لك بالكثير.. هيا اقبلي دعوتي وهو يمسك بيدها مبتسما بعنفوان الحياة التي يعيش، لم تستطع ان ترفض طلبه ، كما انها ربما هي محاولة في تغيير اجواء قاتمة اتخمتها كما التفكير والانعزال عن الآخرين والانطواء بين حاجات ساندي ومرضها.. هزت رأسها بالأيجاب نعم قبلت دعوتك.. سأتصل بك

مرت الوقت عليه صعبا أما هي فكان قد غطى مساحات درس البيانو الذي انهته وهي راغبة بدعوة توم..

توم: يا لها من مصادفة غريبة بأن ألتقيك بهذا الشكل.. مردفا ارجو ان يعجبك هذا المكان، إنه المكان المفضل عندي، فأنا غالبا ما اتناول الغداء فيه، وفي كثير من الاحيان آتي لتناول العشاء أيضا كونه مريح وهاديء حيث يطل على شاطئ البحر الذي اعشق نسيمه ليلا كثيرا، ربما جنون حين اخبرك بأني استلقي على الرمال هناك في ذلك المكان بين الصخور لساعات اسامر النجوم والقمر احيانا..

مادي: حقيقة اني خجلة منك، وبنفس الوقت مسرورة كونك ساعدتني في استراد محفظتي ودعوتك لي، لكن توم هلا اخبرتني ما هو نوع عملك؟

توم: ألم تقرأي صفتي في كارت التعريف إني مدير شركة لتدوير النفايات، شركة ليست كبيرة وليست صغيرة في نفس الوقت، بل هي ذات قوام ولها رواج في عالمها الذي لا يعرف بواطنه الكثير، فكما علمتِ اني كنت عاملا صغيرا جدا، لكن ومن خلال دراستي واندماجي كعامل مع الشركة التي اعمل بها ثم تخرجي بإدارة الاعمال، عملت بعدها مع مالكها على تطوير كيفية الادارة ووضعت آلية عمل وطرق يمكنها ان تعطي عوائد مادية كبيرة ومنافسة للشركات الاخرى، عمن خلال تقديم عطاءات وخلافه من مسميات تقنية وفنية.. شاءت الاقدار ان احظى بقبول صاحب الشركة الى جانب قلب ابنته الجميلة سارة، لا اطيل ارتبطت بها وعشنا لاعوام عشر سعيدة جدا دون ان يكون بيننا اطفال لاسباب صحية بها، إنها تحب الاطفال الى حد الجنون، حتى انها فاتحتني بتبني احد الاطفال ليملئ حياتنا ويكملها سعادة، لم اعارض رغم أني على يقين ان السعادة لا يمكنها ان تستمر والى الابد، فتحققت امنيتها عندما حظينا بساندي الجميلة ..

مادي: شهقت حين سمعت الاسم!!! ماذا!! ساندي اهذا هو اسمها؟

توم: نعم ساندي وما المشكلة في ذلك؟

مادي: لا ابدا انه مثل اسم ابنتي الراحلة الصغيرة يا للمصادفة الغريبة..

توم: انا آسف جدا مادي، لم اكن اعلم عن خلفية حياتك اعذريني ارجوك

مادي: لا ابدا لم تكن تعلم توم ، إنها قصة طويلة لا مجال لذكرها الآن، هيا اكمل حكايتك..

توم: كما قلت لك لا يمكن للسعادة ان تستمر، فقد اخذت مني سارة وشريكِ في العمل وصاحب الشركة الاساس السيد متلوك في حادث عرضي، وها انا ومنذ قرابة العامين اعيش مع ساندي في بيت جميل جدا واحظى بحياة لطيفة، تفضلي مادي كلي لقد اشغلتك بقصتي إنه طعام جميل ولذيذ ستحبينه بالتأكيد..

مادي: شكرا توم جميل ان اراك واسمع بأنك قد حظيت بحياة رغيدة واضبت على نيلها بجهد كبير لاشك، إني سعيدة من اجلك..

توم: شكرا لك، والآن اخبريني عن قصتك وما حكاية رحيل ابنتك ساندي اكانت مريضة؟

مادي: روت قصتها على مضض وبمرارة، تذوقها توم خلال دموعها وغصتها التي تروي احداثها بفقدانها غاليتها ساندي..حتى قالت .. تلك قصتي واعتذر عن تعكير طعم غداءك والمكان الذي تحب

توم: ابدا مادي اني اشعر بمرارة ما تمرين به، فأنا ايضا فقدت من احب فجأة، كأن يد القدر قد باغتتنا معا وخطفت ما نحب .. على اية حال، سعيد ومسرور بلقاؤك، ارجو ان تبقي على اتصال معي فأنت صديقتي الرائعة بكل شيء..

***

للقاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي

 

جميل حسين الساعديهيروشيمـــــــا

أقرأ في عينيكِ جرحا ً غائرّ الجذورْ

أقرأ فيه ِ محنة َ الإنسان ِ من بداية ِ العصورْ

حين َ يحسُّ نفســه ُ يدورْ

في فلك ٍ مسعــــورْ

يعجّ ُ بالوحوش ِ والعقبان ِ والنســورْ

أيّــتها الحمامـــة

كيف َ عبرت ِ تلكم ُ القيامة

كيف َ انبعثت ِ منْ جديدْ

كيف َ استعدت ِ وجهكِ الفقيـــدْ

وأنت ِ أكوامٌ من الرمادْ

في وسط ِ الجحيـــمْ

كيف َ وصلت ِ لحظة َ الميـــلادْ

كيف َ اختصرت ِ رحلة َ الأبعادْ

أكادُ لا أصدّقُ النظرْ

أنتِ هنا أميرةٌ

يحسدكِ البشـــرْ

ايتها المدينةُ الشمّــاءْ

يا صورةَ الصمودِ والإباءْ

بالأمس ِ قدْ أرادت الأخيلةُ السوداءْ

دفنك ِ في مقبرةِ الفنـــاءْ

لكنْ أردتِ العيش َ والبقــاءْ

فعشت ِ رغم َ النار ِ والعواصف المدمّرة

وانتحر َ الموتُ على أبوابك ِ المستعرة

 

كوبي

مثل سماواتك هذا القلـــبْ

صاف ٍ كمـــا أوجـــده ُ الربْ

غذاؤه ُ في الغربة ِ الحــبْ

يحتـــرقُ الليل َ مع النهـــارْ

يغيب ُ في غياهبِ الأسفــارْ

يعــودُ في نداوةِ الفجر ِ الى شواطئ الأنهـارْ

أيتها المدينة ُ المعطـــارْ

ألمــحُ أكوانا ً من الأســـــرارْ

تسكن ُ في عينيك يا أميــــرة َ البحــارْ

سيّـــدتي يا لوحة ً جادتْ بها الأقدارْ

ماذا عســى تنقلـــه ُ الأشــــعارْ

عنــك ِ، وفيك ِ ما يُحيّــرُ الأفكـــارْ

نزلت ُ فيك ِ والهوى يُضرم ُ فيَّ النارْ

حيثُ ندى الأسحـــارْ

يقطـــرُ من جدائل ِ الأشجــار

وددتُ لو أنّــي هنا أمـــوتْ

بين َ الندى والضوء ِ والتوتْ

 

القنافذ

الوهج ُ البــــرّاقُ في مدينــة ِ الأقـــزامْ

يهمــي من النوافذْ

تحملـــهُ القنافـــذْ

ترشّـــه ُ في أعين النظـــارة

فيصبح ُ الديك ُ هو َ الحمــارْ

ويخرج ُ النجم ُ مــن المدارْ

تغيّـــرت عوالمُ الأشيـــاء

وغصّــت الأرضون َ بالغوغـــاءْ

وأنت َ منبـــوذ ٌ مع العراء ِ يا مسيــحْ

يصفعك َ اللوطــيّ ُ والقوّادْ

تُحـــرم ُ حتّى لقمة َ الزادْ

تسيــح ُ في الدروبْ

تلتهـــمُ التراب َ والرمـــادْ

وفي الحقول ِ تعبث ُ الكلابْ

ويشبعُ الجـــرادْ

وأنت َ من دهر ٍ مضى تصيحْ

لا شئ َ يا مســـيحْ

لا شئ َ في الآفاق ِ غير ُ الريحْ

 529 جميل الساعدي

الشاعر يقرأ قصيدته (هيروشيما) أمام ممثلي القارات الثلاث الستة عشر،الخبراء في شؤون الإستيراد والتصدير (أمريكا اللاتينية، آسيا، افريقيا) في اطار البرنامج الفني، الذي هيأت وأعدت له اليابان في السبعينات من القرن المنصرم لدعم وتطوير التعاون الإقتصادي مع الدول النامية، وكان الشاعر ممثلا للعراق في ذلك البرنامج.

 

جميل حسين الساعدي

..............................

هذه القصائد كتبتها أصلا باللغة الأنكليزية. وترجمها الى اليابانية أحد الأدباء اليابانيين ثم أعدت صياغتها باللغة العربية على طريقة الشعر الحرّ. وهي منشورة في مجموعتي الشعرية (رسائل من وراء الحدود) الصادرة عام 1980، عن دار المعارف في بيروت

 

سوف عبيدالنّجمةُ التي سقطتْ

في قاع البحر

صارت سمكةً

غطستُ عميقا حتّى مسكتُ بها

فرَفْرفتْ في شِباكي

ثم طارتْ بشراعي

 : وقالت

ـ يا بحرُ

كم بكيْتُ ولم تَرني

 : أجابَها البحرُ

ـ ألمْ تكوني في أعماقي؟

في كلّ مَوجٍ

بين هَزْجٍ وهَوجٍ

فخُذينِي يا سيدتي إليك

*

خُذيني

بمَدّي وجَزري

بيُسري وعُسري

بسِحري وأسْري

*

خُذيني

بلُطفي وعُنفي

بقَصفي ورَجفي

بكشفي ورَشفي

*

خُذيني

من حنيني وأنيني

بظنوني ويَقيني

في جُنوني ومُجوني

*

خُذيني

بمواعيدي وأناشيدي

بقيودي وعهودي

بتليدي وجديدي

*

خُذيني

مع المَدى والضُّحى

مع الكادح سَعَى

ـ واللّيلِ إذا سَجَى ـ

*

خُذيني

كتاج السّلاطينِ

كحُلم المساكينِ

كاِنتظار المساجين

*

خُذيني

من رُسُوباتي وأباطيلي

من رُسُوماتي ومواويلي

بفاعلاتي ومفاعيلي

*

خُذيني

على جناح الرّياح

على وشاح الأقاحي

مع اِنشراح الصّباح

*

خُذيني

في جِدّي وهَزلي

في ضِدّي ومِثلي

في بعضي وكلّي

*

خُذيني

بتَجاويفي ووتلافيفي

بتخاريفي وأراجيفي

بلَطيفِي وعَفيفِي

*

خُذيني

توّاقًا سبّاقًا

ذوّاقًا عشّاقًا

رقراقًا خفّاقًا

*

خُذيني

مِلحًا وجُرحًا

بَوحًا و صفحًا

مَدحًا وقدحًا

*

خُذيني

باِنتصاري واِنكساري

باِعتذاري واضطراري

باِنهماري واِنشطاري

*

خُذيني

مع أوراقي وأشواقي

مع إخفاقي وإشراقي

مع أنفاقي وآفاقي

*

خُذيني

بِرِفقي وصِدقي

بحُمقي وحِذقي

بتَوْقي وطَوْقي

*

خُذيني

بأرَقي وقلقي

بشَبقي وعَبقي

بنَزقي وألَقي

*

خُذيني

كصُعلوكٍ إذا مَلَكْ

كمُذنبٍ إذا نَسَكْ

كطائرِ السَّمَكْ

*

خُذيني

إلى أترابِي وأحبابِي

إلى أبوابي وأعتابي

إلى ألعابِي من الطّين

*

خُذيني

من نسياني وهذياني

في تَحْناني وطوفاني

بخُسراني وإيماني

*

خُذيني

رغم خُطوبي وذنوبي

رغم كُروبي وثُقوبي

رغم غُروبي وعُيوبي

*

خُذيني

من محطاتي وقِطاراتي

في متاهاتي ونهاياتي

بِشَتاتي وثباتي

*

خُذيني

بالمكتوب على جبيني

بِشُجوني في سِنيني

من سبعٍ إلى سبعيني

*

خُذيني

نَسجًا في نَسج

مَوْجًا في مَوْج

وَهْجًا في وَهْج

مَزجًا في مَزْجِ

واسكُبيني بحرًا في حِبر دواتي

واكتبي كلماتي

بصمتي وصوتي

في حياتي وموتي

…يا

…!أيّتُها الأنتِ

***

سُوف عبيد

تونس ـ رادس ـ صيف 2018

محمد الذهبيالى عريان السيد خلف

أيقظ صمت البلابل

فهرعت تنشد أغنيات الصباح

غضب الليلُ وحاصرَ الشاعرَ

وكذلك الصباح لم يخفِ غضبه

بقي الشاعر وحيداً

يخرج الى الغابات صباحاً

ويعود حاملاً قصيدة

يوزع صيده في أفواه الشعراء

قال لهم ان القصيدة امرأة جميلة

أعطوها من الحب ما تستطيعون

بقي الشاعر وحيداً يلهث بين نقطتين جارفتين

تماسك وحاول ان لا ينفصم

لم يستسلم لنفس البنادق التي قتلت الشعراء الكبار

ولم يغادر (قلعة سكر)

هاجم كل شيء من على سور القلعة

واحتفظ بسر كبير لم يبح به حتى آخر يوم من حياته

الفتيات العاشقات عنده قصائد

والقصائد فتياتٌ عاشقات

الأولاد الصغار في تراب المدينة

يتمرغون في الطين ويستقبلون الشاعر

فيجهش بالشعر

(اتلولحي بروحي كصيبه اتلولحي

احنه خلانه وكتنه اتراب بحلوك الرحي)

كنت ابحث عن الشاعر بثوبي المتسخ

وقدميَّ الحافيتين

في قصاصات أوراق شيوعي كبير

يدس القصيدة في جيبي وهو يضحك من إصراري

إخفها جيداً قصيدة جديدة لعريان

قصيدة كالمنشور السري

يعاقب عليه القانون

بثوبي المتسخ اهرب سريعاً لارتقي سطح الدار

اقرأ المنشور السري

ماذا أيقظ فيك الشاعر؟

وثوبك المتسخ بتراب المدينة

فصرت تحب الفقراء

هل قال الشاعر كلَّ شيء

إفسحوا له الطريق ليقول ثانية ما يقول

***

محمد الذهبي

 

صبيحة شبرلم أفعل له شيئا، أثار حيرتي بغضبه المفاجئ، وثورته الناقمة، ورد فعله العنيف على كلمة جاءت عفوا، تضخمت مخاوفي، وأنا أراه يرعد ويزبد، ويعلو صوته، مهددا إياي بالويل والثبور وعظائم الأمور، خشيت على نفسي، ماذا يمكنني أن افعل ان تسببت ثورته المتضخمة، في تفجر شريانه، كما كان ينذرني باستمرار؟، أو أدى عنفه الكبير إلى توقف قلب، ظل طوال العمر ينبض بعيدا عني، تساءلت ماذا يمكن أن افعل، وأين أذهب به في هذه الليلة الليلاء، وقد بعد الناس عنا، وهجرنا المعارف، ونأى عن صحبتنا الأصدقاء، و حذر مجلسنا المجربون، كان ميالا إلى الصراخ، ما إن يحتدم النقاش حول مسألة يثيرها، ويجد بعض الاختلاف، في وجهات نظر من يبادله أطراف الحديث، حتى يسارع إلى رفع الصوت، واتهام محدثه بالجهل، وعدم الاطلاع على خفايا الأمور، فكان إن أصاب الجليد منزلنا، وشعرت ببرد عضال لم تستطع المدافيء الحديثة ان تستل أوجاعه من عظامي..وان تنتشل نفسي الظمأى، المتطلعة إلى بعض القطرات من ينبوع غاب بعيدا منذ زمن...

وحين يجدني ارتعد خشية على نفسي، ورغبة في الوصول الى ما يبعث بعض الهدوء إلى ليلتنا الغاضبة ، يضج بالصراخ والعويل نادبا حظه، ولاعنا تلك الساعة الآثمة، يشتد خوفي ولا أجد جوابا شافيا، ينقذني من شعور ممض بالفقدان شديد الوطأة عسيرا، لست ادري ما الذي جعلني أطيل النظر إليه، تذكرت تلك اللحظة، نظرية داروين التي طالما أنكرتها، رغم محاولات عديدة لجعلي اقتنع بأصل البشرية الذي بقي مغلقا أمام العقول متصفا بكثير من الغموض ، وبعيدا عن الانجلاء...

يبدأ بالصراخ من جديد يلمح هدوئي، يبدو عليه التساؤل: كيف استطعت أن أنقذ نفسي، بن براثن شعور لم يكن موجودا، ولماذا تضخم الخوف عليه بدلا من الرأفة بقلبي الملحاح، والذي لا يكف عن السؤال، وهل خلقت إحساسا وأوهمت نفسي بوجوده... وهل نحن من الضعف لنخلق كذبة، ونكون أسرع الناس في تصديقها، هل نجد راحتنا في إيهام أنفسنا بأمر، يتعذر علينا الوصول إليه ، وهل الحقيقة لا يحبها الكثيرون، رغم ادعائهم بالنقيض، يسارع إلى الإمساك بكأسه، الذي خلا لتوه، من شراب ابيض اللون حليبي، يفكر أن يعصر الكأس ضاغطا عليه بين كفيه، أضبط أعصابي المحروقة، وينبعث السؤال من جديد داخل عقلي المشغول:

- ماذا يمكنني أن أفعل؟ وقد هجر مجلسنا الجميع

وأنا غارقة في بحر مخاوفي المتعاظمة، أراه يقذف بالكأس الفارغ، بقوة ويرميه إلى بالجدار المقابل، ينظر إلي بتشف، وأجهل حتى الآن، كيف استطعت أن أخنق صرخة، كادت تفلت رغما عني، يعود إلى صراخه العالي لحظة،

يترك الصراخ:

- هل أنت صماء؟

- لا ...........، لماذا تصرخ؟

تتبدد مخاوفي، وانهي رغبة كبيرة، تتقد داخل نفسه أن يجعلني دائمة الخشية، مرعوبة، أتلظى بما يشعله في طريقي من حرائق، وبما يجد لذة فائقة في تكبيلي، ووضع الأشواك الجارحة لتدميني، تتراءى لي حياتي معه، زاخرة بالمتاعب، خالية من اللذات، لماذا كنت اشتعل لإرضاء شخص،لا يمكن لشيء أن يجعله يرضى، حتى لو أشعلت أصابعي قناديل تنير دربه، وتبدد وحشة طريق شائك، ولكن لمَ نظن الناس مثلنا؟ وان ما يبهج نفوسنا يسعدهم، أليس من الممكن جدا، أن البعض منهم يحزنون، لكل ما نتوق للوصول إليه، ونزرع الأرض خضرة وعسلا، وهم يودون غرسها حصرما، يدمي القلب ويتعب الشفاه، ألا يوجد بشر يفسرون الرحمة ضعفا والمحبة تزلفا؟ ولماذا أظل محتفظة بعشرة، لا وجود لأساسياتها، هل اصنع عالما متوازنا بما تحمله نفسي من جراح، أم أنسى آمالي الخائبة، لأبدأ في الحلم من جديد، أغطس في بحر متلاطم، أفيق منه، على صوت ارتطام باب المنزل بقوة

***

صبيحة شبر

22 تشرين الثاني 2009

صالح البياتييوم السبت، الأسبوع الثاني من نيسان / ابريل 1980، أي  قبل خمسة اشهر تقريبا على اندلاع الحرب، كان الازدحام غير عادي في المصرف، منذ بداية الدوام، مما دعاني الى التفكير بيهوه، الذي استراح  في مثل هذا اليوم، بعد خلق العالم في ستة ايام، ورحت احدث نفسي .. ولكن طالما بقى اليهود سدنة المال، فلن يستريحوا ابدا، سيتحرك المال في بنوك العالم على عجلات من البرق، بدون ضجييح، لا يميز يوما عما سواه..

كنت مستتغرقا بالتفكير عندما سمعت طرقاً خفيفاً على باب مكتبي، وحين رفعت رأسي عن الأوراق التي امامي، انفتح الباب قليلا فرأيت القاضي المتقاعد عبد الهادي إجباري، بقامته المعتدلة والممتلئة، وبسمته الودية التي تضئ وجهة الأسمر، وترفع الكلفة والحرج بينه وبين الناس، ومنذ أن رأيته أول مرة في حياتي، عندما وقفت أمامه أصطنع شجاعة صبيانية، (اتحدى بها خوفي وارتباكي)، وانطباعا بأني  جدير بالأسم الجديد الذي اخترته، لا زلت أحبه وأحترمه، قمت مرحباً به، استقبلته بحفاوة، وكررت الترحيب بعد جلوسه، كان القاضي يزورني  في مكتبي بمصرف الرافدين،  بين الحين والآخر، وكنت التقية أحيانا في مقهى التجار قبالة نهر دجلة، عند نهاية السوق الكبير، وبعد دقائق جاء مستخدم البنك بفنجاني قهوة وكأسي ماء، وبينما كنا نرتشف القهوة، تحدث السيد القاضي عن زيارته الى لندن، قبل تقاعده، أيام الملكية، هناك شاهد المتقاعدين الإنكليز يستثمرون أوقات فراغهم بشكل جيد، فهم كما وصفهم، رواد للمكتبات العامة، ومتطوعون في الأعمال الخيرية، على عكس ما يفعله المتقاعدون في بلدنا، فالتقاعد بالنسبة لهم، نهاية الطريق المؤدي للموت، وانتقل يعيب على الشباب هدرهم للوقت، في المقاهي، وعبر عن اسفه بحركة من يده .. وضع فنجان القهوة على المنضدة الصغيرة، واعتدل في جلسته مسترخيا على الأريكة، وتابع بطريقته الجذابة.. تعرف إستاذ نوح.. أفضل شيء للمتقاعد أن يشغل نفسه بشيء نافع، أو يخطط لمشروع تجاري صغير، يدر عليه دخلا اضافياً، يغطي نفقات العائلة المتزايدة، خاصة اولئك الذين لديهم أبناء، سيلتحقون بالجامعة، فتكاليف ومتطلبات دراستهم باهضه، لا يغطيها المعاش التقاعدي المحدود، الذي وصفه بالبيض المعدود في الكيس المشدود. ابتسمت وعقبت مازحا، بأنه لا ينقص ولا يزيد، فرد القاضي باسما، أنه ينفد ولا يبقى منه شئ قبل نهاية الشهر، ولكن الحمد لله، وبفضل نعمته علينا، عندنا أرض زراعية في منطقة الطيب؛ على الحدود الشرقية، تنتج الحنطة الديمية الجيدة، مؤجرة لفلاحين، ويغطي خيرها احتياجات العائلة المتزايدة، وعندما سألته من أجل الإستمتاع بحديثه، عن كيف يقضي اوقات الفراغ، حدثني عن برنامجه اليومي، قرأءة الصحف؛ والاستماع لنشرة اخبار الصباح، وقضاء ساعة قبل النوم في مكتبته، وتبادل الزيارات  مع الأصدقاء، مثل حضرتي كما قال، وعبر عن شخصيته الإجتماعية، بحبه الاختلاط بالناس، وانه لا يقدر أن يستغني عنهم، وقال، أنت لا تستطيع معرفة الناس دون الغوص في حياتهم، وبحكم مهنتي، كنت على احتكاك مباشر مع كل الطبقات الاجتماعية.

استرسل القاضي، أثنى على العماريين، وصفهم بالناس الطيبين، ولكنه في نفس الوقت، تأسف لما تناهى لسمعه هذه الأيام من أخبار محزنة، عن حملة تسفير الى إيران، وصفها بأنها:  مبيته لتمزيق نسيج المجتمع العماري المتجانس، بوسائل خبيثة كتشجيع الوشايات وجمع المعلومات. كان حديثنا يدور حول مصائر اسر عراقية لا حصر لها، مهددة بالتهجير القسري الى ايران، هؤلاء الذين تصنفهم سجلات مديرية  الجنسية في بغداد؛ بأنهم من "التابعية الإيرانية"، هم بحسب ما أكد القاضي، مواطنون، يحملون الوثائق الرسمية، التي تثبت عراقيتهم، انحدروا قبل تأسيس الحكم الوطني في العراق من المرتفعات، التي كانت ضمن الأقليم العراقي والتي تسمى بشت كوه، ما وراء الجبل،  أثناء الحكم التركي، وانتشروا بالمناطق السهلية الدافئة، في مدن الوسط والجنوب، هربا من شظف المعيشة، والطقس الشديد البرودة في مناطقهم الجبلية، وذابوا تقريبا منذ أجيال، في المجتمع العراقي.. واستمر يتحدث بما يمتلك من معلومات رجل يعلم الشئ الكثيرعن مدينته، وكيف ان الجميع  فيها، كانوا منذ أن تأسست، يعيشون في تآخي وانسجام، ولكن الحكومات المتعاقبة بإستثناء حكومة الزعيم*، كانت ولا تزال تميز الكرد الفيليين والذين من اصول غير عربية ، وتعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية، المفارقة الغريبة، انهم مواطنون وليسوا مقيمون في العراق..

واستنتج القاضي عبد الهادي اجباري أن المسألة معقدة..  وهي في أساسها سياسية، وليست قانونية، عملية شد وجذب بين الدولتين الجارتين.

واستغرب اصرارالحكومة على تقسيم مواطنيها الى فئتين: اتباع  إيران الصفوية، وتعتبرهم اجانب، واتباع الدولة العثمانية، وهم العراقيون بنظرها، وكلا الدولتين كاننا تحتلان العراق، وانقرضتا قبل تأسيس الدولة العراقية. ومن الناحية القانويية،  يجب ان يعامل المواطنين على قدم المساواة، كما هو الحال في البلدان المتحضرة، وعرف المواطنة فقال: " في ابسط معانيها الغاء التفرقة على اسس عرقية او غيرها وفي حالة النزاع بين الدول المتجاورة، يجب احترام حرية التنقل، وحياة الأقليات، وعدم استخدامهم اكباش فداء، فهذه تعتبر جريمة في القانون الدولي، كما حدث لليهود زمن النظام النازي. واستمر القاضي في الدفاع عنهم..

في العهد الملكي، حينما كانت تسوء العلاقة مع إيران، كانت الحكومة تسفر المقيمين، وأفرادا معدودين ممن تسميهم التبعية الأيرانية ، أتدري الى أين يا نوح؟

"لا.. لا أعرف."

"الى البصرة، وبعد زوال التوتر، تعيدهم الحكومة لمدينتهم .. كان واحدا من هؤلاء زوج اختي، وكنا نستقبله عند حدود المدينة"

"يعني إبعاد."

"نعم إبعاد مؤقت داخل البلد."

"أي لعبة سخيفة هذه!"

وبينما كنا نتحدث، سمعنا الكيال يصرخ غاضباً على موظف في المصرف.. أنا تاجر معروف، اتعامل مع بنك الرافدين منذ تأسيسه، وقبل ان يفتح فرعه في العمارة، كنت اتعامل مع البنك البريطاني استرن بنك ليمتد..

ضاعت آخر كلمات الكيال الغاضبة وسط أصوات عملاء البنك، فتبادلت مع القاضي نظرات استفسار، وخرجت لأستطلع الأمر، ولكن لم أستطع أن ألحق به، فقد رأيته يهبط السلالم مسرعاً، وعندما ناديته كان في آخر السلم، عند باب الخروج، صحت اناديه: يا حاج ...

ولكنه لم يسمعني، أو ربما تجاهلني، وتظاهر بعدم السماع.

عدت لمكتبي، معتذراً للقاضي الذي عبر عن استغرابه:

"إذا لم أكن مخطئا، ربما يتعلق الأمر بوثيقة شهادة الجنسية، فقد جئت للبنك يوم الخميس الماضي، لسحب نقود من حسابي، فطلبوا مني الوثيقة، فقلت ملاطفاً الموظف، انا كنت قاضياً عراقياً ولست إيرانياً، واليوم احضرتها معي.

اطلعت القاضي على التعليمات الجديدة الصادرة من البنك المركزي، حول إجراءات التحويل والسحب والايداع وإلزام العملاء ابراز شهادة الجنسية عند القيام بتلك العمليات. وعبرت له عن قلقي من انزعاج العملاء. وعبر القاضي هو الآخر عن هواجسه من الأحداث المتسارعة في المنطقة، والأصوات المتعالية والمتبادلة بالتهديد والوعيد، إيران من جهة تبشر بتصدير ثورتها الإسلامية، والحكم البعثي في العراق، متوجس من تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة، وأن هناك آذان صاغية، فأخبار ثورة إيران وهروب الشاه، والاضطرابات والقلاقل الداخلية، بدأت تدخل بيوت العماريين دون إستئذان، عن طريق راديوهات الترانسيستور. قال القاضي بمرارة وأسى وأسف، بدا واضحاً على محياه.

"التربة جاهزة الآن، لإستتقبال بذورالحرب."

التزمت الصمت، لم اقل شيئا، كي يكمل حديثه.

"حرب...! بعد الانتعاش الاقتصادي الذي بدأ بالطفرة النفطية، في منتصف السبعينات، وبعد ان ذاق العراقيون طعم الشبع وبحبوحة العيش، الله يستر.. إستاذ نوح."

عبارة "بحبوحة العيش"، التي وردت في حديث القاضي عبد الهادي إجباري، عن فترة السبعينات، وتفشي النزعة الإستهلاكية المبالغ فيها لدى ربة البيت العراقية، والنزق الرجالي للسفر للخارج، قدحت ذاكرتي، فإسترجعت ذكريات قديمة مع ابن القاضي، صديقي المحامي حسن، كنا معا في سفرة سياحية الى بولندا في تلك الفترة، وكان مبلغ خمسمائة دولار امريكي، كافية جدا لسائح يبقى شهرا كاملا، يعيش فيها ملك ، سائحا في واحدة من بلدان المعسكر الأشتراكي، اطلق عليها آنذاك السياحة الجنسية، ونسجت حولها قصص كثيرة، واحدة منها عن ميكانيكي سيارات، شرب زجاجة فودكا، فرمي المراة الوارشوية  التي كان نائما معها من بلكونة العمارة، وآخر انا شاهدته بعيني، يتبول في الساحة الكبيرة في مركز المدينة، كان مخمورا، لا يشعر ماذا يفعل، وكان الذين يمرون قربه لا يصدقون ما يرون، دنوت منه، وبخته ، طوح يديه بوجهي، ليسدد لي لكمة، لكنه فقد توازنه وسقط في المكان الذي كان يتبول فيه، كدت اتكلم عن السياحة الجنسية، لكني خشيت صراحة القاضي، خفت انه سيقول، وهل ذهبتما لوارشو من أجل سياحة دينية او ثقافية..

انتظر ان اجيبه عن تساؤله.. حرب بعد بحبوحة العيش، والإنتعاش الأقتصادي، عدت من جولتي الوارشوية، التي اخذتني بعيدا فقلت:

" لا أدري سيدي القاضي، ماذا تريد إيران، أتريد تصدير الثورة أم الإسلام أم الإثنين معاً! لماذا لا يصدرون لنا الفستق، فهم مشهورين بزراعته، ويمتلك واحد من اقطاب الحكم الجديد، مزارع كبيرة في رفسنجان"

"سنكون نحن وهم في مركب واحد، بين أمواج هوجاء عاتية، الله يستر أستاذ نوح."

لم يمكث القاضي طويلا، فالدوام كان على وشك الانتهاء، وأحس بفطنته ونباهته بالإرهاق الذي بدا واضحا على وجهي، فقام ليستأذن بالانصراف، وقال وهو عند الباب مودعاً وشاداً على يدي:

"تعال لزياتي وسأطلعك على قانون الجنسية العراقي، وأضاف. إذا كنت طبعا مهتماً يا أستاذ نوح، وبالمناسبة تسطيع أن تستعير ما شئت من الكتب، ألم تر مكتبتي، فيها كتب اقتصادية أيضاً، عندي كتاب رأس المال، وكتاب أصل الأنواع، وكتب الدكتور علي الوردي موجودة كلها، وأنصح بقراءة كتابه (لمحات من تاريخ العراق الحديث)، وإذا كنت من المولعين بقراءة الروايات فستجدها عندي ايضا، تحتل رفوف بأكملها، وقد اعدت هذه الأيام قراءة أعمال دستوييفسكي، واستهوتني خاصة من بين رواياته العديدة، (الجريمة والعقاب) و(الإخوة كرامازوف)،عالمه الروائي يكتظ بالأحداث وتنوع الشخصيات، وبحق كان كاتبا روسيا عظيما، وهو برأيي أقرب من غيره من الكتاب العظام، لروح الشعب العراقي."

" لقد تشرفت سابقا بزيارة بيتكم، دعاني ابنكم، صديقي المحامي حسن، وأطلعت بشكل سريع على مكتبتكم العامرة، أعدك سيدي بزيارة آخرى، ولكن بعد عودتي من السفر الى بغداد."

"خير إن شاء الله!

"أمي مريضة."

"خير، مم تشكو؟"

"واللهِ لا أدري، فجأة."

"أتمنى لها الشفاء."

" شكرا سيدي القاضي على زيارتكم.. سألني:"

"أتعرف الحلاق أبو أنور؟"

"نعم أعرفه، احلق عنده، وأبو زميلي في الدراسة الابتدائية والمتوسطة، ما به؟"

" لا شيء سأحكي لك عندما تأتي لزيارتي.. مع السلامة."

"مع السلامة."

عدت لمكتبي، أفكر بكلام القاضي، أدركت أنه يلمح بعدم شرعية الإجراءات الجديدة، اختليت بنفسي بعد انصرافه، نسيت ما قاله عن الحلاق، ورحت أفكر بالتاجر العجوز، وبضرورة زيارتي له، اتصلت به هاتفيا من البيت، عدة مرات، دون استجابة، فازداد قلقي عليه، انتهى الأسبوع دون ان اراه،  ورغم معرفتي الوثيقة بمقدرته العجيبة، على تحمل صدمات الحياة، والعيش في العزلة وحيداً في بيته، منذ رحيل زوجته، يخدمناه رجل عجوز وامرأته، يسكنان في أحدى غرف المنزل، تقوم المرأة بالعناية بالمنزل، وإعداد الطعام، والعجوز يعتني بالحديقة المنزلية، كنت أراه أحيانا عند صلاة الجمعة، وكثيرا ما يغيب عن حضورها، أحياناً يمر علي عندما يأتي للبنك لقضاء بعض مصالحه، ادرت قرص الهاتف ورفعته والصقت السماعة على اذني، ولحسن الحظ سمعت صوته، كان ضعيفاً، سألته "هل أنت بخير، قلقت عليك يا حاج، سآتي لأراك الآن.

كانت أشجار الكالبتوس في تلك الظهيرة الربيعية، ترمي ظلالاً كثيفة على أرصفة الشارع، في حي السبع قصور، لذلك تركت سيارتي أمام البنك، وقطعت المسافة الى منزله مشياً، كان الهواء يهب منعشا من النهر القريب، وكان المكان يذكرني دائما بحديقة النساء المهجورة دائماً، على مبعدة أمتار من  منزل الكيال. وكانت في أكثر الاوقات خالية من الجنس اللطيف، لا يؤمنَّها إلا في مناسبات الأعياد مع اطفالهن، كان ابنا الكيال، ممتاز وأخيه منير، يلعبان بأراجيح الحديقة، يذاكران دروسهما، او يقومان بمطاردة الفراشات الملونة الجميلة بين أحواض الزهور، وكنت في احيان كثيرة حاضرا معهما، عقدنا صداقة مع الحارس، الذي عادة ما يدع أولاد الحي الميسورين، يمرحون كما يحلو لهم، مقابل هبات صغيرة، عن طيب خاطر، او قليل من النقود والملابس المستعملة.

هناك في الحديقة انتبهت لأول مرة لمرض منير، كان ممتاز معنا كالعادة، كنا نلهو بأرجوحتين متجاورتين، أوقف ممتاز أرجوحة أخيه، وأنزله منها، كان وجهه شاحباً، وكان غائباً عن الوعي لدقيقتين أو أكثر قليلاً، وبدأ يهذي بكلام غير مفهوم، ثم عاد لحالته الطبيعية، لم تكن أعراض الصرع عنده شديدة، وكان حلم ممتاز، دراسة الطب، والتخصص بأمراض الجملة العصبية، ليجد علاجاً ناجعا يشفي اخيه، كان يخاف أن تسوء حالته المرضية اكثر، وقد حقق ممتاز حلمه، ولكن للأسف بعد موت أخيه غرقاً، اقتربت من بيت العجوز الواقع على الفتحة المؤدية للنهر، التي لا يزيد عرضها على الخمسة أمتار، والتي يأتي منها الهواء منعشا، في هذا المكان، في مياه الدجلة كنا نسبح معا احيانا، ولكن منير كان يحب السباحة في نهر الكحلاء، فكنت أقول له ربما اهلك رموا سرتك في هذا النهر، فأنت تحبه اكثر من الدجلة الذي يجري بمحاذاة بيتكم، طرقت بوابة المنزل الحديدية المصبوغة بالطلاء الأسود، وانتظرت قليلاً، فتح  خادمه الباب، حييته، وسار يتقدمني في ممشى ضيق بين شجيرات الآس ألقصيرة والمنسقة جيداً، رأيت دراجة الرجل الحدائقي القديمة مسندة على سور الحديقة، فوعدته بشراء دراجة جديدة، قلت:

" سأشتري لك دراجة ياعم قبل سفري. "

شكرني العجوز، قادني الى صالة الاستقبال، فجلست أنتظر الكيال، دخل هو الى المطبخ، وخرج وبيده صينية فيها كأس عصير برتقال، وضعها أمامي على طاولة خشبية مستديرة، راح يُعْلِم الكيال بوصولي، علمت أن مدير أمن المحافظة، سليم الخماش، قد استدعاه لمكتبه قبل يومين، لذا فكرت بإخباره بما أعلم، لكي أمهد له للحديث بحرية..

كان سليم الخماش يستفزه ويبتزه هذه الأيام، والعجوز يتقي شره بالمال أو الهدايا الثمينة، فهذا الرجل قوي بانتمائه للحزب الحاكم، وبادعائه القرابة العائلية للرئيس، خرج الكيال فقمت احتراما، وجلسنا وجها لوجه، وكنت أشعر وأنا أنظر اليه مباشرة، أن الرجل قد مني بهزيمة نكراء، قلت عندما جاء:

"أعلم أن سليم الخماش استدعاك لمكتبه."

ظل العجوز صامتاً، فكرت وانا أحدق بوجهه، بطرق العقاب التي ينزلها الحكام بالضعفاء والمغلوب على أمرهم، منذ أقدم العصور وحتى الآن، فأرى شبح الخوف المنحوت بقسوة على وجه العجوز المليء بالتجاعيد، كما هو حال الناس هذه الأيام الربيعية، مرعوبين حتى الموت، خوفاً من المجهول، حتى أمسى الخوف عدوى، في زمن سليم الخماش. الخوف، نعم الخوف.. ينتشر بالعدوى ايضاً، عندما يطلق الرئيس خطبه النارية الملوحة بالحرب، فيصيبهم المرض، عبر الأثير، ترى الخوف بألوانه الكئيبة، الصفراء والبيضاء، والسوداء، تصنعه التقارير السرية، والوشايات اليومية لمخبر مندس بين الناس، فأصبحوا لا يثق بعضهم ببعض. والعجيب في الأمر ان العراف المندائي، وصف هذه الحالة التي تشيع بين الناس في قصيدته، فكانت نوعا ما ارهاصا لواقع هذه الأيام، تحررت من تأملاتي، فسألته:

" هل توخيت الحذر أثناء الاستجواب؟"

" نعم فعلت."

" ماذا قلت في الاستجواب؟"

أحتج الكيال على كلمة الاستجواب.

" لم يكن استجوابا كما تتصور، طرح عليَّ اسئلة وأجبته عليها."

" طرح عليك أسئلة. عن اي شيء!"

" عن سفر ابني الدكتور ممتاز وزوجته لبريطانيا."

"ولماذا يسأل عنهما، سافرا بشكل قانوني، ومن أين علم بسفرهما؟"

" لا أدري، ربما عيونه تتجسس علي، يعتقد أن سفرهما كان بسبب الخوف من الحرب المتوقع حدوثها."

"ولكن ربط سفرهما بحرب مفترضة، استنتاج خاطئ."

" حاول أن يستفزني ويستدرجني."

تخيلت الموقف الذي كان فيه الكيال، فأنا أعرف حذر العجوز، يتمهل كثيرا في مواقف كهذه قبل ان يجيب، ويبتسم بوجهك حتى إذا استفززته، ولن تستطيع ان تخرجه عن وقاره وهدوءه، فما دام يتشبث بهما فهما سلاحه القوي، وهو في مأمن من الوقوع في المصيدة، ولكن رغم صلابته فهو هش وضعيف أمام جبروت الحكومة، ادعى أنه استطاع إقناع سليم الخماش بأن سفرهما كان لغرض التخصص، وأنهما سيعودان بعد إكمال الدراسة لخدمة بلدهم، ولكن سليم الخماش لم يفوت الفرصة، فاستفزه حينما سأله، أي بلد يخدمانه بعد عودتهما! أدعى الكيال ايضاً، أنه اعترض بشدة على صيغة السؤال، وقال له العراق طبعاً..

تظاهرت أني اصدقه وأحسده في آن، على اجتماع الشجاعة ورباطة الجأش فيه، امتدحته في الدفاع عن انتماءه للوطن، امام سليم الخماش الذي اعرفه متعجرفا، ارتاح العجوز لكلامي فانفرجت أساريره، واختفت التقطيبة المرسومة على وجهه، فابتسم ولكن بانكسار واضح، حاول إقناعي بأن سليم الخماش أبدى تفهماً، لوضعه كأب يخاف على ابنه، في ظروف كهذه، يتوقع فيها نشوب الحرب..

وسألني العجوز فجأة:

" ماذا تتوقع مني ان أقول، استاذ نوح، أجبت بشيء من اللامبالاة"

" لا أدري يا حاج."

تابع العجوز كلامه:

" قلت ليس لدي أدنى اهتمام عما يشاع عن الحرب، أو يدور بين الناس عنها.

توقف العجوز يلتقط أنفاسه المتقطعة، وحانت منه التفاتة للباب كأنه تخيل طرقاً عليه، أو ربما كان خائفاً أن أحداً ما يتنصت على كلامه، نظرت لعينيه، فوجدتهما تتحركان داخل كهفيين ضبابين، وأن صوته أخذ يرتجف، يوحي بأن سليم الخماش قد تمكن منه.

"ماذا دار بينكما بعد ذلك؟"

اعترف العجوز أن فطنته خانته هذه المرة، فوقع في الفخ الذي نصبه له.

"كيف؟"

لقد أوقع به اللئيم دون ان ينتبه، وحصره في الزاوية الضيقة، وطلب منه أن  ينقل ما يتحدث به الناس في الأسواق عن الحرب المتوقعة.

سألته مستاءً:

" يريد منك ان تعمل له مخبراً سرياً، أن تتعاون معه."

"نعم هذا ما كان يريد مني.."

" وهل ستفعل!"

لم يجب الكيال على سؤالي، ولكن أخبرني أن الخماش كان يريد ان يعرف ما إذا كنا قد تحدثنا عن الحرب عندما التقينا الجمعة في جامع النجارين..

" طبعا يقصدني، وماذا كان جوابك؟"

" قلت له نحن لا نتحدث في أمور كهذه."

" فسألني، وبأي أمور كنتم تتحدثون؟"

"فأجبته، بأمور عادية.."

ادعى الكيال أن المدير شكره في نهاية الجلسة، واعتذر له عن التعب الذي سببه، ورجاه ان لا يطلع أحداً على ما دار بيننا.

"وماذا بعد؟"

"لا شيء، أبدى لي رغبته برؤيتي مرة أخرى، لمجرد الدردشة، وأردف أن لم يكن لدي مانع."

قلت أحدث نفسي وأنا أحدق في عينيه، الدردشة مع سليم الخماش.. الويل لك إن وشى بك أحد، أو زل لسانك بكلمة، وقلت انه يخطط بذكاء شيطاني لاستغلال حكاية المندائي عن الحرب، إياك أن تقول ذلك، كما اعتدت أن تفضفض معي، سيتهمك بأنك أجنبي، إيراني، سيلفق لك تهمة ما، انت بنظرهم يا حاج مقطوع من شجرة غريبة لا جذور لها..

لاحظت وأنا أحدق بوجهه، علامات الانكسار والهزيمة، واضحة على قسمات وجهه المتغضن، وعلى شفته السفلى المتهدلة باسترخاء أبله، كشفة بعير أمض به العطش والجوع بعد رحلة صحراوية طويلة وقاسية، ونظرت لعينيه المطفأتين الغائرتين في كهفي محجريه، تصرخان في كيانه المتهدم.

أستأنف العجوز حديثه، وكان في صوته المرتجف، الخافت والمتواري وراء الكلمات، جِرس خوف وهلع، سكت الكيال، لم ينبس لبضعة دقائق، اختصرت كل سنوات عمره التي تجاوز السبعين. استنتجت ان العجوز شعر أثناء الاستجواب، بالإرهاق، وبحاجة ملحة للراحة، وأنه أستجدى شفقة سليم الخماش، متعللاً بعجزه وأمراضه المزمنة. فسمح له بالانصراف والعودة لمنزله.

أدركت من معرفتي الشخصية بسليم الخماش، وقدرته الشيطانية على انتزاع المعلومات، من الذين يوقعهم حظهم العاثر بين يديه، ولابد ان العجوز بعد تلك المقابلة الاستفزازية، عاد يجرجر سنوات عمره الطويلة، بخطى واهنة ثقيلة، وأنه قلما واجهته مشكلة، لم يجد لها حلا طوال حياته، خلافاً لهذه المرة، أخيراً فوض أمره الى الله، وانزوى في بيته، ينتظر ما يأتي به الغد أو بعده.

يتبع

شكرا لمتابعتكم

 

صالح البياتي

.................

حلقة من رواية: بيت الأم

تنشر لأول مرة على صحيفة المثقف

 

سامي العامريسهلاً كخاجقجيّ كنتُ ولم أزل

حتى دعوني

واستدرجوني

كالوا لي الحُبَّ الكبيرَ

وبالعناق جميعهم قد ذوّبوني !

فمضيتُ أقطف آخر التفاح والشمّام،

أصنعُ من قشورهما إزاراً للشوارع،

هكذا أصغيتُ للوطنِ

وطمستُ منفاي الذي

قضبانه تختال في بدني

أمشي ومن خلفي الضلوعْ

تمشي ولا تخشى التعثر والوقوعْ

والحظُّ يَبعُدُ كالطيورِ

ورأيتُ بسطاميَّهم في البابِ

يعزلُ لي جروحي عن كِسوري !

وطفقتُ أنظر نحو حضني

كان مشدوهاً بقدّاحٍ وجوريْ

والشمسُ ساطعة الصداعْ

والنورُ وقفٌ لا يُباعْ

بالرغم من أني ثريٌّ للقرارِ

ومزارعي ملءُ المدارِ

والخيلُ تركضُ كالخضارِ

لا لم أكن

بل هذه بعض الضرائب لانتمائي

أو حدوسي ...

وهمٌ تفرَّد بيْ فمن سألوم

غير براءتي ودُمى عروسي!؟

****

سامي العامري - برلين

كانون أول ـ 2018