المثقف - نصوص أدبية

هناك .. هناك

عبد الفتاح المطلبيأعاذلَتي بالأسَـــــــــى والغضَبْ

سلي قبل أن تعــــذلي ما السَببْ

 

سلي أيُّنا يُشـــــــــعلِ الذكريات

ومن كـــــــــــان يُلهِبُها بالريّبْ

 

كأنكِ لمْ تعلمي مــــــــــا جَرى

تظنيـــنَ أنّ الدواهــــــــي لُعَبْ

 

إذا كانَ صــــــــمتُكِ من فضّةٍ

فإن تباريـــــــــــــحَ قلبي ذَهبْ

 

أكلٌّ سكوتٍ دليــــــــــلُ رضىً

أليسَ لصـمتِ الجــراحِ صخبْ

 

ألمْ تدمعِ العينُ مــــــــن فرحةٍ

وكم من فمٍ باســــــمٍ ذي نصَبْ

 

بكتْ غيمةُ العشـقِ من عارضٍ

دعتهُ إلى ســـــــــربِها فانتسَبْ

 

وقد نلتُ مـــــــــــن وَدْقِها نثّةً

ففاضَ من القلبِ نبــضٌ نضَبْ

 

ورشّتْ على ميّـــــــتٍ سحرَها

فأحيتهُ حتى دنــــــــــا واقترَبْ

 

وماسَ من الوجدِ عِطْفُ المساء

فلا فرقَ بيــــــن البُكا والطربْ

 

كأني إلى ملكـــــــــوت السماء

أطيرُ على صــــــــاهلٍ منتجَبْ

 

عرجتُ عليهِ إلــــــى ما مضى

إلى عالمٍ مـــــــن مواتِ الحُقَبْ

 

بقاياهُ فــــــــــــــي حُلُمٍ بالكرى

توطّنَ فـــي الرأس حتى نشبْ

 

يغضُّ عــن الصـــدر في يقظةٍ

وعند الكرى حاضــــرٌ لم يَغبْ

 

هنالكَ ألقيـــــــــــــتُ صنّارتي

وأمسكتُ بالخيـــــطِ لمّا انجذَبْ

 

وأخرجتُـــــــــــــها وكأني بها

كحورية المــــاء بيــن القصبْ

 

وشحرورةٍ فَقـَـــــــــــدَتْ ألفَها

وراحتْ تناجيهِ فـــوقَ الغرَبْ*

 

هناكَ على النـهرِ في المنحنى

قرأتُ على الماءِ مـــا قد كتَبْ

 

قرأتُ الحكايةَ مــــــــــن بدئها

من الطلعِ للبُســـرِحتى الرُطَبْ

 

أيا جنةَ الماءِ بيــــــــنَ النخيلِ

وماءَ العروسِ وكَـــرْمَ العنَبْ

 

وقلباً صغيـراً هــــــفا عاشقا

يُراقِبُ جنيّةً عـــــــــــن كثبْ

 

يجاذبها النهرُ شـــــالَ الحرير

فتسترُ بالمــــــــــاءِ شيئاً عجَبْ

 

ألمُّ نثارَ فـــــــــــــــــــؤادٍ يجدُّ

بخيلٍ من النبـضِ تهوى الخَبَبْ

 

كأني مليـــــــــــكٌ على عرشهِ

يسودُ على عُجمِـــــها والعرَبْ

 

ولكنها محــــــــــــــضُ خيباتهِ

تغوصُ بشــــــــــريانهِ للركبْ

 

تلومينني بالهـــــــوى والهوى

كمُطّلِبِ القــــــوتِ يومَ السَغَبْ

 

دعيهِ يُلمــــــــــــــــــــلمُ آلامَهُ

ولا تضعي النـارَجنب الحطَبْ

 

هو الجمرُ يكمنُ بيــنَ الضلوع

فإن تنفخيهِ يشـــــــــبّ اللهبْ

 

فيَحرِقَ في الصدرِ نبضَ الفؤاد

ويُرديهِ بعدَ الرفيـــفِ العطَبْ

 

وواسيهِ إنّ بـــــــــــــهِ لوعةً

يؤجّجُها في الصــدورِ العتبْ

 

وباللهِ لا تذكــــــــــري نخلةً

بكى عندها خــافقي وانتحَبْ

 

شكوتُ لها يـــومَ عزّ الخليلُ

أبثُّ الشَجى عنـــدها والكُرَبْ

 

فراحَ يُمـــــــــــازحُني ظلُّها

كما لو بأفيــــــــائِها لي نسبْ

 

تقولُ خذ الصــبرَ ذي كأسُهُ

أقولُ ســــلي روقَها والحبَبْ

 

 

تعليقات (5)

  1. جمال مصطفى

بكتْ غيمةُ العشـقِ من عارضٍ
دعتهُ إلى ســـــــــربِها فانتسَبْ

وقد نلتُ مـــــــــــن وَدْقِها نثّةً
ففاضَ من القلبِ نبــضٌ نضَبْ

عبد الفتاح المطلبي الشاعر الشاعر
ودّاً ودّا

كان عبد الفتاح في قصائده العمودية السابقة يبثُّ لواعجه مستعيراً أدوات سلفه
الشاعر التراثي فتأتي قصائده غايةً في القدرة على مظاهاة الأصل .
في هذه القصيدة استجدَّ جديد وهو انتقال الشاعر الى كتابة قصيدة عمودية لا تزال
بكامل بهائها التراثي الذي استمدّت منه محاسنها المعتّقة مع إضافةٍ عصريّة جدّ مهمّة
وتتلخّص هذه الإضافة بتأثيث القصيدة بمفردات وصور مصدرها مكان الشاعر
فها هنا نهر ونخلة وظلال حقيقية وليست مجازاً فقط وبهذا يكون الشاعر قد
دخل في تطعيم قصيدته التراثية البث والصنعة بروائح ونكهات محليّة
وقد لاحظت ازدياداً في التعويل على خلق الصور وعدم الإكتفاء بالبث البلاغي
المعهود والمجرّب فها هنا في هذه القصيدة صنعة وهَيَف في الصياغة :

وقد نلتُ مـــــــــــن وَدْقِها نثّةً
ففاضَ من القلبِ نبــضٌ نضَبْ

في هذا البيت ألعاب مائية غاية في البراعة لاسيما في عجز البيت .
وقد حفلت القصيدة بصور جميلة بحق .

يجاذبها النهرُ شـــــالَ الحرير
فتسترُ بالمــــــــــاءِ شيئاً عجَبْ

هذا البيت مثال على انتقال عبد الفتاح من الصوغ التراثي الصرْف الى
صياغة معاصرة نجد بعضها عند شعراء من شوقي الى بدوي الجبل
وعمر ابي ريشة , وليت الشاعر يعمّق هذا التحوّل ففيه ما يُغني قصيدة
عبد الفتاح القادرة على استيعاب كل ما يُعزز من أوصافها الحُسنى .
كأنّ هذه القصيدة أغنية أو كأنها مغنّاة ففيها من الرشاقة والتطريب الشيء الكثير .

ألمْ تدمعِ العينُ مــــــــن فرحةٍ
وكم من فمٍ باســــــمٍ ذي نصَبْ

وقفتُ قليلاً عند ( ذي نصب ) وأظنها ( ذو نصب ) أو تقبل الحالين : ذي وذو ,
لأن الشاعر يريد ان يقول : كم من باسمٍ وهو حزينٌ أو شيء من هذا القبيل .
دمت في صحة وإبداع أخي عبد الفتاح , ما أجملك شاعرا .

 
  1. جمال مصطفى

معذرة ً فقد جاء في تعليقي كلمة (مظاهاة) هكذا والصحيح (مضاهاة ) .
ج م

 

الشاعر الشاعر جمال مصطفى ، كل المودةِ والسلام لك أخي المبجل ، رمضان كريم
لقصيدتي شرفٌ بأنك قد قرأت أبياتها قراءة َ شاعرٍ تقف بين يديه القصائدِ وهي تتسابق لتحية جمال الإثابة والقراءة ولعلني لا أبالغ حين أقول أن جمال مصطفى الشاعر لا يفتأ يقرأ الشعر من موقع الناقد الحصيف الذي يعرف كنه الشعر خارج مظاهره التي غالبا ما تكون مموهةٍ بغبارٍ قديم ، وهو لا يأتي القصيد إلا ليشبعه جمالا ويزيد من بريقه بما يجاذبه معه من حديثٍ جميل مشبعٍ بميزة الكشفِ والمكاشفةِ الحانية المُغنيةِ والمفيدة دائما.
شكرا لك أيها الشاعر الشاعر إن مجرد حضورك ميزة وأرجو أن لا يفهم من كلامي هذا أنني أبتذل المديح ، يشهد الله أنني وقصيدي الفائزان من هذا الحضور الطيب والمفيد فلم يحصل أن حضر أخي جمال ويداه فارغتان من سلال الفائدة ولذاذة الإفادة ، كل التحايا والإحترام لك أيها الشاعر وكل رمضان وأنت بخير.

 
  1. جمعة عبدالله

الشاعر القدير
الذائقة الابداعية في خلق الصور الشعرية البليغة , هي جزء من اسلوبيتكم الشعرية المتميزة , تؤكد مهارتها بشكل جلي , ولكن ان اعتقد بأن هناك مهارة اخرى , تضاهي هذه الاسلوبية , هو التمدد بالقصيدة في تكبير لوحتها وفضاءها التعبيري , من داخل القصيدة وليس من خارجها , كأنها تخلق نفسها بنفسها بالتمدد والتوسع , دون حشو زائد واطناب غث , وانما بالصور الشعرية البلغية في منصات الدلالة , فنجد انها بدأت بشيء من وحي من يسأل , اين تشتعل الذكرات في مضاربها , حتى خلقت لها روحها الحياتية كاملة , بالدلالات البليغة . تستلهم في توظيف بارع الاسلوب البلاغي ومحسناته المعروفة , اي اللغة الشعرية الانزياحية , تعتمد على المفارقة والتورية , وكل بيت شعري هو نتاج هذه المحسنات الجمالية , كأن الشاعريتحدث بصوتين وليس بصوت واحد , هذه ( الديولوجية / دايلوك ) اي في الصوت وصدى الصوت , تتمدد افاق القصيدة برؤية تأويلية فسبحة , اي ان القصيدة غير مغلقة , وانما مفتوحة في التأويل والتناول والتعاطي . في كنة التأويلاتالعديدة , التي تتوجه في عدة اوجه ومسارات متنوعة , ومن روح القصيدة في مدلولاتها الدالة . يمكن ان يذهب المرء بهذه التأويلات , منها . ربما الشاعر يناجي ويعاتب حياته في مسارها الطويل , ولكن يمكن لتأويل اخر, يمكن الشاعر ان يعاتب الحياته وسيرتها الطويلة . وربما يعاتب الروح والوجدان , او ربما موجهة الى وجهة معينة , يحاول الوصول اليها , ولكن هناك عوائق تمنعه من ذلك او تصده من الوصول , ضمن المكنون الحياتي الموجود فعلاً , من خزين الذاكرة والقلب , لذلك حشدت مفاعيلها بهذا الزخم البليغ في الصور الشعرية الدالة , على الايحاء والمغزى , ولكن الشيء الاهم في القصيدة , انها بنت بيئتها المائية والاهوار والقصب , اي البيئة الجنوبية المائية , لذلك اسعفنا بالتشويق , بين الصياد , والحورية التي خرجت من القصب ( وأخرجتُـــــــــــــها وكأني بها / كحورية المــــاء بيــن القصبْ ) ولكن بدلاً من الانتشى بهذه الحورية , فأنها زادت همومه وشجونه واشجانه . كأنما يقول لنا ( زاد الغركان غطة ) كأن الشاعر يضعنا امام دراما حياتية , في صراع الوجود , خشية من هذه الحورية , ان تضع الحطب على النار , لكي تحرق الضلوع والهموم
تلومينني بالهـــــــوى والهوى

كمُطّلِبِ القــــــوتِ يومَ السَغَبْ



دعيهِ يُلمــــــــــــــــــــلمُ آلامَهُ

ولا تضعي النـارَجنب الحطَبْ



هو الجمرُ يكمنُ بيــنَ الضلوع

فإن تنفخيهِ يشـــــــــبّ اللهبْ
قصيدة ترتقي الى ملحمة الصراع الحياتي والوجودي
ودمت بخير وصحة

 

الأستاذ الأديب والناقد المميز جمعة عبد الله كل عام وأنت بخير ، اشكرك الشكر الذي يليق بإثابتك الراقية وأنت تتلمس حيثيات القصيدة بأصابع الخبير الذي لا يغفل عن سهولها وهضباتها متتبعا مسارات المعنى وتفاصيل الدلالة كأنك مجالدٌ صنديد لاينفك يقلب المتاح من عدته ليصل إلى نهاية ميدان القصيدة وهو منتصرٌ بما سلك من مسالكها وما تتبع بها من قوةٍ ووهن بروح ٍ وثقت من مداد قلمها النابض بالمودة والفائدة ، شكرا لك ولرحابة تجوالك بين أبيات القصيد كاشفا بطريقة المماحك العنيد كل نأماتها ، فارزا خيوطها بمودة ولطف ، أحييك وأشد على يديك مصافحا ممتنا لما أوليتها من اهتمام ورعاية ، كل التحايا والمودة لك أستاذنا الناقد الحصيف ودمت بخير.

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4271 المصادف: 2018-05-16 10:51:55