المثقف - نصوص أدبية

صمت البحر

فاديا عيسى قراجهتنام زوجتي باسترخاء بليد، وطمأنينة مشبوهة، أراقب تقلصات وجهها، أترصد حركات شفاهها، أضع رأسي على صدرها، أحصي خفقات قلبها، أهجم على ثيابها الداخلية، أمدد قمصانها الحمراء والزرقاء، الشفافة والكاذبة لعل هناك من ترك روث بصماته فوقها، تدمع عيناي وأنا أحدق في مناديلها، أصاب بزكام مزمن، وأنا أشم راوئح قد تهب من هنا أوهناك ..

أقتحم أرقام جوَّالها بجيش من شك ويقين، أسجِّل كم من المرات رنّ، وكم صمت، وكم غنّى، وكم أُقفل وكم فُتح، أقرأ ما بين سطور الرسائل التي تردها دون أن ألتقط أي خيط يدلني على جزر غموضها المهجورة ..

تهجم روحي المدمرة على عنقها المرمري، أضغط بقهر قبيلة من الذكور، أضغط حتى يتدلى لسانها الأحمر، أمسك به وأفحص رضابه، تجحظ عيناها اللوزيتان، أستيقظ مبللاً بشك يزداد ويتجانس مع شرود زوجتي، تودعني على الباب، أختبئ في ظلي، أرقب باب بيتنا، تدخل جارتها، تخرج رفيقتها، تعود المخططات للتزاحم على فكري، كيف سأفتح رأسها وأعرف بماذا تفكر ؟ ليتني أتربع فوق صدرها وأحرق أطياف من يجالسها وتجالسه، ليتني أخيط ريف عينيها كي يبقى مغمضاً ولا يرى سواي ..

تعدُّ العشاء، جسدها خرافة من التشهي، شعرها الطويل يسرح بجنون فوق ظهرها، تروح وتغدو أمامي بصمت تقطعه دندناتها الساحرة، أقبض على معصمها، تنفلت مني دون التفاتة، سأقتلها على البطيء كما تفعل .. نحتسي شاي المساء، تلمع عيناها أمام أجساد الممثلين، يجف ريقها أمام المشاهد التي لا تمنحني سر بريقها ولا لذة شبقها، تثور رجولتي... أتحمل رائحة جسدها، تثور رجولتي ... أهدِّئ رغباتي كيلا تتقد، تثور رجولتي... أبلع شهقاتي المتوالية، تثور رجولتي .. أفتح أزرار قميصي، تثور رجولتي .. أتخلص من ثيابي التي تضيق عليّ، تثور رجولتي ... تنفرج رغباتها أمام لهاث الممثلين، فأسحبها من شرودها إلى السرير مثل قوّاد سافل ... أضاجعها بلذة المحروم، أرى ألف رجل يصرخ فوقها، وأسمع خرير نشوتها تحمحم تحتهم وهي مغمضة العينين .. أبتعد عنها ودموعي تحتقن غيظاً وكمداً، ألملم ما تمزق من رجولتي .. . تنام مثل طفل.. تتدلى ثمارها بلا مبالاة، تسقط رأسي بين نهديها، تتغلغل بلهفة الجائع، تحاول إبعادي بلطف لكن رأسي ترفض المغادرة حتى تفك أحجية صدرها .. تنام بلا ضمير بعد أن تغلق باب حديقتها وأبقى الشاهد الوحيد الذي يرى بأم العين كيف تبتسم في منامها، وكيف تنفعل في أحلامها، وكيف تلعنني وتتمنى موتي بكلمات ٍ لا تخرجها إلا حينما تنام .

البيت مقبرة تصطك فيها عظام خوفي وهلعي، البيت جيفة من القيل والقال، البيت حوار صامت بيني وبين مرايا روحها المتشظية.. أحبها كما أحب الله، أشتهيها كما تشتهي المومس المال، أرغب بضمها وتقطيع حروف جسدها حرفاً، حرفاً كما يفعل تلميذ مبتدئ .

البيت مقبرة لدخان سجائرها، ومنفضة لرميم روحي .. الصمت يدوّي في الأرجاء، يفجِّرُ حكايتي مع الجدران فيرددها شبح بيتي الذي خلى من سكانه وأمانه ..

أحاول أن أغزل حواراً يضع حداً لمجزرة شكي، لكنها ترفض، وتنفلت مني كما الماء

أعود بذاكرتي إلى أول يوم التقيتها، كانت عائدة من المدرسة ترقص جديلتاها فوق كتفيها

كانت تشبك يدها بيد شاب صغير في مثل عمرها، رأيتها، ومن يومها لم أر امرأة سواها ..

زينتُ أصابعها بالذهب، طوّقتُ جيدها بالماس، غطيتُ جسدها بالحرير ..وضعت العالم بين يديها ..ثم جعلت منها أميرة مملكتي ومع ذلك لم أقرأ الرضا في صوتها وروحها وجسدها ..

عدت من عملي وقد حسمت أمري، سنتكلم، وإن رفضت سأطلقها ..

فتحت الباب، الصمت يكفن البيت كالعادة، بحثت عنها هنا وهناك، أين هي ؟! ربما في المطبخ، فهو عزلتها المفضلة، ربما في الحديقة تمارس عادة التدخين، ربما فوق السطوح حيث تهرب مني ومن رغباتي، ربما عند جارتها الثرثارة، ربما .. ربما .. ربما

دخلت غرفة النوم،كانت تتماوج وراء غيمة من دخانها الكثيف، مزقتُ حجب الدخان بسيوف حنقي، وجثوت عند أقدامها، رشقتني بنظرة قاسية، هززتها وأنا أصرخ :

- إذا كنت تكرهينني لهذه الدرجة لماذا وافقت على الزواج بي، لماذا دخلت حياتي، أي ذنب اقترفت بحقك؟؟ منذ سنة وأنا مصلوب أمام صمتك، أريد أن أعيش، أن أحيا كبقية الأزواج، لا أريدك دمية تتحرك بفعل خيوط مصممة لها مسبقاً، أنت كائن من لحم ودم، تكلمي .. عبّري .. ارفضيني بصوت قوي ..

اقتلعتُ من بين أصابعها لفافة التبغ ودستها بحذائي ..غطت وجهها بكفيها واستسلمت لنوبة حادة من البكاء .. كم حبست دموعها أمامي، كم كابرت وتجبّرت بصمت من جليد، الآن يتكسر صمتها وتشهق من بين دموعها بكلمات لا أفهم منها سوى النحيب ..

تدفن رأسها في صدري، ألفها بذراعيّ، أمسد شعرها، أمسح دموعها .. تتحدث عن أهلها، تتحدث عن شاب جميل أحبته، تنعي كتبها ودفاترها التي مزقها أخوها، تتحدث عن صديقاتها، و عن حلم كبير لم أكن بطلاً ولا كومبارساً فيه، تسرد قصة إجبارها على الزواج بي فأنا شركة متنقلة، ومصرف مفتوح لجشع أخيها .. هل أنا من تآمر على صلب حب بريء ؟ يا للرب !

أنتظرها حتى تهدأ .. تلملم أحرف حزنها، تنتظر ردي .. أناولها لفافة تبغ، تفرد لي مكاناً قربها على السرير،أحضن أصابعها الصغيرة، أسألها :

- أنا مستعد لكافة الاحتمالات، مستعد لإطلاق حريتك، مستعد لكل ما ترينه مناسباً، لقد تعبت يا صغيرتي وما عاد لي القدرة ولا الصبر على احتمال كل هذا الخوف الذي أراه مرتسماً في عينيك ....

تصمت من جديد، تتلألأ عيناها بسحابة من الدموع، تسوي جلستها، تهرس سيكارتها، تنكّس رأسها، أتغلغل في ثنايا صمتها، أحثها على قول شيء ما بلمساتي وقبلاتي .. تنظر نحوي ... ثم تقفز منسلّة من بين أحضاني،تزيح الستائر و تفتح النافذة، يخرج الدخان مهرولاً، تتضح معالمها، يتورّد لون الجدران،تلتفت إليّ قائلة :

- أنت جائع ؟؟ لقد برد الطعام، سأعود لتسخينه ثانية .

 

تعليقات (5)

  1. الدكتور عدنان الظاهر

صباح الخير سيّدة فاديا عيسى /
أنتِ رائعة في قصّك كما وجدتكِ متميّزة في شعرك.
هل لديك ديوان شعر مطبوع ؟ أود الإطلاّع عليه.
عدنان الظاهر

 

حضورك السامق جعل لنصي هذا الوهج .. أكتب القصة و طبع لي عدد من الكتب .. أما الشعر فلا زال يحبو .. شكراً على الاهتمام

 
  1. محمد المهدي

سيدتي فاديا عبسى..
نصك باذخ بما في الكلمة من بذخ ، واسر حد الجنون، يتهادى من نبرة الى نبرة ومن حسرة الى حسرة بيسر و سلاسة غير معهودة .. بلغة راقية سهلة و نافذة ، تتسلل الى أغوار العقل الباطن لكل ذي عقل . نص يحاور نفسه، يضعها امامه بكل جرأة وبكل شفافية ليكشف عورات المجتمع ككل .. ظواهر مشينة لا تزال تسكننا و تسيء الينا كذوات جمعية .. كعرب على الخصوص ، في فضاءات اقل ما يقال عنها لا انسانية، يسكنها الشبق و الجهل و الشهوة لا غير .
دمت راقية شكلا ومضمونا سبدتي البهية

 

كل الامتنان والاحترام لهذا الحضور الآسر

 
  1. جمعة عبدالله

الاديبة القديرة
قصة برعت في ادواتها القصصية وتقنياتها الفنية بالحبكة الفنية المتمكنة , التي توغلت في اعماق حواس الوجدان وهواجسه ووساواته القلقة , في تزاحم غبار الشك والريبة , التي ترهص الوجدان , وتجعلها متقلبة على جمرة النار , في تراكم هاجس نفسي , يقلق الحياة والذات . لغة السرد الجذابة في براعتها السردية المشوقة والمرهفة , في ترجمة سايكولوجية الزوج , التي ترهصه هواجس الشك والريبة بالخيانة الزوجية . هذه الحبكة الفنية , ارتقت الى الحدث او المتن النص , وبرعت في كشف تداعياته المتعارضة , بين الصمت والافصاح , كأن هناك حلقة منقطعة ومنفصلة , بين الجانبين ( الزوج والزوجة ) , المتن القصة يتحدث عن مشكلة معقدة في عالمنا الواقعي , هو زواج الاكراه وتداعياته السلبية بعد ذلك , الزواج الاجباري او القسري , من اجل الحفاظ على المصالح الضيقة , زواج المنفعة , خارج ارادة الفتاة , التي تخضع تحت الضغط الاكراهي من عائلتها , وهو يصب في عدم احترام المرأة , بأن تختار رفيق حياتها بأرادتها . سرعان ما يتحول هذا الزواج الى حمم من الشكوك والريبة والمشاكل , وتفسير كل نائمة او حركة من الزوجة , بأنها تصب في الخيانة . لان مثل هذا الزواج الذي اقول عليه , جاء من النافذة وليس من الباب , يعني ليس عن طريق الحب والتعارف وعلاقة , يعرف احدهما الاخر عن قرب ومعرفة واضحة , لذلك يأتي هذا الزواج هو تتويجاً للحب الذي ربطهما قبل الزواج . اما الزواج النافذة , فهو لم يعرف خلفيات الزوجة ولا علاقاتها الحياتية . وانما جاء الزواج , تتويجاً للمصالح والمنافع الضيقة , دون ارادة الزوجة , والجهل الكامل لخلفية حياة الزوجة وارتباطاتها العلاقية . لذلك يولد هذا الزواج , هو مشوه وناقص الولادة , لان الطرفين غريبين عن بعضهما البعض , في النفسية والمزاج , والاحلام , اي ان سايكولوجية الطرفين مختلفة تماماً . لذلك تأتي الشكوك والريبة , كحالة منطقية لابد منها. ولا سبيل للاصلاح . إلا في اصلاح الخطأ بين الجانبين . وكذلك موقف الزوجة سلبي , بأنها تنهشها الهواجس الحزينة , في الالتجاء الى التدخين اكثر من اللازم , كحالة رفض وقهر روحي . ولكن عندما عرف الزوج الخطأ في الزواج . اشفقت عليه ( - أنت جائع ؟؟ لقد برد الطعام، سأعود لتسخينه ثانية . ) هذا الاشفاق يفتح طريق التفاهم والاصلاح , ويكسر صمت البحر , في استنطاقه .
تحياتي لكم بالخير والصحة

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4297 المصادف: 2018-06-11 14:10:52