المثقف - نصوص أدبية

هيَ أشياءٌ عاديّةٌ، ليس إلاّ!

صحيفة المثقف(1) برميل

لما إنتقلنا إلى شقّةٍ أخرى، كان ثمة برميل خشبيٌّ حائل اللون ينتصبُ في ركنٍ مما يسمى مجازاً

حديقة، على صغر مساحتها، يستقبلُ ماء المطر المنسرب من المزريب . كان المستأجرون

قبلنا يستخدمون ماءه لسقي الزهر والآعشاب .

جارتنا الجديدة، التي تسكن فوقنا، قالت من شُرفتها المُطلّة علينا مُنبهةً :"أتمنى عليكم ألاّ تُبدّلوا البرميلَ، وإنْ بدا قديماً متهالكاً ... فأنه من الخشب الطبيعي، وهو أمرٌ نادرٌ في عالمٍ يمتليءُ

بمواد مصنعة تضرُّ بالطبيعة !"

البرميلُ كان فيه ماء، يزداد منسوبه كلما هطلَ مطرٌ، ويقلُّ في الصيف، يغدو مرتعاً لتفقيس بيوض البعوض، الذي تُصرُّ جارتنا على أنه (البعوض) جزءٌ من توازن الطبيعة !

هرمَ البرميل، فقد أكلَ الدهرُ عليه وشرِبَ – على ما يُقال ! – ولم يعد يقوى على حِفظِ ما به

من ماء، فراحَ يُسرِّبُ ما لا يقوى على حِفظه، عبرَ شقوقٍ في ألواح الخشب، مما أحال

التربة حوله إلى بُركةٍ من الطين، ما كانت تزعجُ أحداً ...

ذاتَ يومٍ لم يصمد أحد الألواح امامَ ثقل الماء وضغطه، فأنكسرَ وإندلقَ ماءٌ كثيرٌ في الطريق .

كانت بي رغبةٌ أن أستبدلَ البرميل المتهالكَ بحاويةٍ معدنيةٍ أو من البلاستيك المتين، لكن "تحذيرَ" جارتنا إنتصبَ أمامي ... ! أصلحتُ اللوحَ ورتقته بقطعة خشب، غير أنَّ المساميرَ لم تجد ما تتشبَّثُ به بقوّة .. فحزّمتُ بطنَ البرميلِ بسلكٍ، كي أُحكِمَ سَدادَ الفتحة .

بعدَ فترةٍ غيرِ طويلةٍ، تداعى لوحٌ آخر .. أصلحته وحزمته برباطٍ جديدٍ من السلكِ أيضاً ... تباعاً تداعت بقيةُ الألواح، وتسرّبَ ماءٌ كثيرٌ في الممررِّ الجانبي من الطريق .. فيما كانَ المارةُ يرموننا بنظراتٍ خاصة تشي بـ " لماذا لا تستبدلون البرميلَ العجوز ؟!"

مع مرور الوقت و"عمليات الترقيع " فقدَ البرميلُ شكله البيضوي، وظلَّ الماءُ ينسرب . ذاتَ

يومٍ إنهارَ، تداعت ألواحه على الأرض مثلَ خَرِبَةٍ هَدَّها زلزالٌ عنيف ...!

شيّعناه إلى حاوية النفايات الطبيعية !

على مدى سنوات عمره، كان يحتضنُ ملايينَ من قطرات المطر ... يحفظها للصيفِ، نسقي

بها الزرعَ والزهرَ .. حتى إنتهى كئيباً يستدعي الشفقة، مُفرَقَ الألواح ..!

إستبدلناه بآخرَ معافىً .. لكنه بقيَ مستوحداً هناك في الزاوية، فاغِرَ الفاه يحلمُ بقطرٍ يبُلُّ به

جوفه اليابس ...!!

***

(2) كائنٌ صوتي

هلْ مرَرتُم بحالةٍ من "القَرَف" لا تستطيعون فيها فِعلَ شيءٍ أو قولَ شيء؟!

سأحكي لكم عن " كائنِ صوتيٍّ " بأمتياز! لا هو صينيٌّ ولا فيتناميٌّ * إنه "بَلَدياتنا"

على ما يقولُ إخوتنا الفلسطينيون !

تجلسُ معه لتناولِ وجبةٍ .. يأكلُ بنَهَمٍ حيوانيٍّ، ملءَ فمه ... يُصدِرُ أصواتاً مُقرِفة لمّا يمضغ، فتضيعُ شهيَّتك، يُقرقِرُ كالبالوعة لمّا يشرب أو يبتلع شيئاً، يتمطَّقُ، حتى بالحساء ..

وحينَ ينتهي من الوجبةِ، يمسحُ فمَه بظاهرِ كفِّه، يتنفَّسُ بقوة، ينفخُ ويضرب صدره بكفٍّ مضمومةٍ فيتجشّأُ عالياً، ثم يُتبعها بـ " الحمدُ لله "!، يُرسِلُ بعدها بزفيرٍ حادٍّ ... كأنه إنتهى من مهمة شاقّة !!

عندما تتَطلَّعُ إليه مستغرباً، يتضايقُ فيقولُ لكَ :" مالَكَ تنظرُ إليَّ شَزراً ؟! يا أخي، دعني أستمتعُ بحريتي، فنحنُ ندفع فلوساً، وليس هناك مُتفَضِّلٌ علينا !"

...............

* الصينيون واليابانيون وكذلك الفيتناميون يتمطقون عندما يستذوقون طعاماً أو شراباً، فالتمطُّقُ عندهم عِرفانٌ

بمهارةِ الطبخ ...إلخ

***

(3) هكذا هو أنا

* لا أُحبُّ المشي مسافاتٍ طويلة.. فما عُدتُ أقوى على ذلك، لأنني مشيتُ ما يكفي لعُمرينِ أو يزيد، حتى أُصيبت ركبتايَ بعطَبٍ لا يمكنُ إصلاحه ..،

* أُحبُّ الجلوسَ فوقَ عشبٍ يانعٍ في حقلٍ فسيحٍ .. على ضفَّةِ نهرٍ أو بحيرة ..،

* لا أُحبُّ المَطَرَ .. يُذكرني بطفولةٍ كانَ المطرُ يحوِّلُ الأزقّةَ والدرابينَ إلى أوحالٍ تمنعنا من اللعبِ، فنلبثُ في البيوتِ نَلوكُ الضجر ..،

* تُسحرني زهرةٌ فوّاحة العطرِ، تتَشبَّثُ بصخرةٍ، عاريَةَ الجذور ..،

* أُفكِّرُ بالعبور إلى " الضفة " الأُخرى، وأتركُ خلفي " النقَّ " والفقرَ وكلَّ النَكَد، الذي يُكدِّرُ العيش ..،

* أُحبُّ الغناءَ في شوارعَ خاويةٍ ليلاً أو في الغابة، وأضحكُ من قاعِ قلبي، كطفلً، متناسياً

الناسَ في القطار لمّا أقرأُ كورت توخولسكي وقفشاته الحلوة، القاطعة كالسيف ..،

* لا أُحبُّ أقنعةً مطليَّة بالضحكِ، تستبطنُ الشرَّ، تَتَمترسُ خلفها وجوهٌ مُتجهّمة !

* أُحبُّ الرقصَ، لاسيما الفالص والتانغو، حتى إنْ لمْ أجد مَنْ تُراقصني، فأحتضنُ نفسي وأَضمُّ يدايَ حولَ وسطي، كي لا أقعَ أو أطيرَ بعيداً، بعيداً في المدى ..،

* أمقُتُ الخنوعَ والخيانةَ، وأحبُّ الحريةَ للآخرينَ ولنفسي ..،

* لا أُحبُّ، بل أرثي لكلِّ مٌتنطّعٍ ونَفّاج ...،

* أُحبُّ رائحةَ سريري، تذكرني بعطورِ أسرَّةٍ مرَّتْ بي فأسكرتني .. أدفُنُ وجهي في وسادةٍ

تنِزُّ برائحةِ الحُب .. فتحضرُ طيوفٌ لم تَتعبْ من النقرِ على باب الذكرى،

* أكره تبريرَ الإستقواءِ بالأجنبي، فالأوطانُ ليست مِلكـاً للحُكّام،

* أُحبُّ أنْ أُريحَ رأسي على صدرها، يحكي لي قصصاً، تُنسيني نشرةَ الأخبار، التي أُتابعها

في التاسعة مساءاً ..،

* أَتَلذّذُ بما يُصيبني من إنهاكٍ، بعدَ كلِّ إنتصارٍ... على نفسي ..!

***

هكذا هو أنا .. بكلِّ عِلاّتي !

أَلمْ أَقُلْ لكم، هي أشياءٌ عادية، تشبه المألوفَ،

لا تحتمل التأويل ولا طَلَب "الفتوى" ؟!

................

* الصينيون واليابانيون وكذلك الفيتناميون يتمطقون عندما يستذوقون طعاماً أو شراباً، فالتمطُّقُ عندهم عِرفانٌ بمهارةِ الطبخ ...إلخ

***

يحيى علوان

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
اقصوصات مشبعة بالايحاء والرمز التعبيري , في لغتها الرشيقة , وهي تكشف بصمات الواقع المنخور بألف ثقب وثقب , واقع يفقس البعوض في مياه الاسنة . فكيف تريد ان تريح بالك ورأسك وعقلك , امام هذه الخطايا والرزايا , التي تتجول بكل حرية , وتصول وتمرح في واقع تنهشه على الملاء , هذه الثيمات . كيف تريد ان تتنصل من مهمة كشف غسيل الواقع القذر ؟ , بالتستر تحت قناع اليابانيين والصينيين والفيتناميين . كيف تريد ان تتنصل من هذه المكاشفة , التي تحمل تأويلات والغاز رمزية التعبير . ان هذا الكشف ليس عادياً , بل ينبغي اصدار فتوى بحقه ( ياهلاً بالفتاوى ومعاركها الفاشوشية , التي هي اشبه بضراط الحمير ) لكن تؤثر روائحها العفنة على السذج والاغبياء والجهلة . روعة الاسلوب السردي التعبيري
ودمت بصحة وشفاء دائم

This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الأستاذ جمعة عبد الله
أشكرُ لك مرورك السخي على هذه النصوص القصيرة. أحترم تأويلاتكَ ، التي إستخرجتها خلال مروركَ ، وإنْ كنت أقصدُ "هي أشياء عادية ، ليس إلاّ " ! على أية الحال النصوص خرجت مني وأصبحت مِلكاً للقاريء وكيفية إستقبالها / تلقّيها وتأويلها ...
مرة أخرى وافر الشكر لمرورك الكريم

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4398 المصادف: 2018-09-20 07:37:47