نجية جنةحينما أنزوي في ركن

الجنون

فسيحة تلك الشرفات

تطل شبابيكها على

فضاء بحجم شوكة

أمسك بخيوط وهمية

أعبر السراب

وفوهات بنادق صدئة

تبسم بمكر وخبث،

حينما أنزوي بذلك الركن

أدرك

مساحة العالم الحقيقية،

أدرك

فظاعة الأشياء كلها،

لا تشرق الشمس حينها بأعيني

ولا يبسم القمر،

أستأنس بالأرق

فأسرق نظرة

على جناح خيالي

ينسجني الواقع

قصيدة تعاني التوحد.

***

نجية جنة

 

حيدر الهاشميأنا لا اختلف كثيراً عن الكلاب المشردة، سوى أني اهتم بأناقتي. لا أستحم بماء البرك والمستنقعات، ولا اتناول الطعام من القمامة، مهما أشتد بيّ الجوع .

لست كلباً هجيناً مثل (البيتبول) او كلباً تليداً، لكني أشتاق إلى طفولتي أحياناً، أحن إلى الاشياء التي مازالت عالقةً في ذاكرتي .

اذهب إلى الحدائق والمتنزهات، التقي بالكثير من الكلاب المرموقة، وهي تسير برفقة أصحابها، مثل كلاب الزينة وغيرها من الكلاب التي يضعون حول رقابها طوق من الجلد الثمين، يشبه ربطة العنق .

ينادونها بأسمائها، كل كلب لديه أسم هنا، الا أنا، أنا الكلب الوحيد الذي لا أسم له، مجهول الهوية، كلب لاجئ، نزح من المكان والزمان، يبحث عن ذاته التي فقدها، عندما كان إنساناً في السابق .

لقد عشت الكثير من المغامرات، وفي كل مرة أنجوا من الموت بأعجوبة، عندما تطاردني مفارز الشرطة بتهمة التسول، يسقط منا الكثير بين جريح وقتيل، منهم من يتعافى ويعود ومنهم من لا يعود إلى الأبد، اما أنا كنت أذهب إلى بيتٍ بعيد، بعيداً جداً، هناك عائلة كريمة، رغم عوزها وبؤسها، كان يقدم لي صاحب البيت، الخبز والماء والمأوى .

ذات مرة تعرفت على كلبٍ بولسي أسمه (هاف) يحرس بيت أحد المسؤولين في الدولة، كان يسمح لي بالدخول إلى حديقة القصر، كلما ذهب الحراس للراحة، العب والهوا مثل الصغار، ثم يقدم لي اشهى الوجبات، اللحم المقدد، أفخاذ الدجاج، البيتزا، فأقوم بجمع الطعام في كيسٍ أسود، وأعود مسرعاً إلى بيت صاحبي الفقير، فيأكلون ويضحكون ويتحدثون فيما بينهم، قال أحدهم : لقد رزقنا الله بكلبٍ لطيف .

أما أنا فكنت أهز ذيلي وأشاركهم الابتسامة العارمة .

وفي اليوم التالي خرجت أتفقد رفاقي، شاهدت صوري الشخصية معلقة على أعمدة الإنارة وعلى جدران المعابد، وقد كتب عليها اعلان طويل (من يعثر على هذا الشخص، يرجى الاتصال بالأرقام التالية ....)، ذهبت مسرعاً إلى بيتي القديم، شاهدت أطفالي وهم يعودن من المدرسة، حاولت الاقتراب منهم، فأحاط بي أطفال الشارع،انهالوا عليَّ بالضرب، كانت الحجارة مثل رشقات المطر، حتى أطفالي شاركوهم الشتم والضرب، وعندما حاولت الفرار اصطدمت بصديقي القديم، تعرف عليَّ من خلال دموعي، فقال : لمَ فعلت كل هذا؟ عد إلينا سريعاً .

هززت رأسي وتحدثت إليه، لكنه لم يفهم كلامي، كنت أعوي، حاولت أن أشرح له، اتركوني وشأني مع الكلاب، تعلمت منهم الصدق والاخلاص والوفاء .

 

حيدر الهاشمي

 

 

حيدر عاشورخذ قرارك وافتح الباب، قد تجد ما بعدها ما تريد ان تعرفهُ، وربما تجد صديقا صادقا او قرين طريق يطفئ لهيب النار في قلبك... أنتبه لا تقترب أكثر هناك ظلمة تتكتك، تطفئ نور انسانيتك، لا تجني منها سوى الريحُ الصفراء تتحسسها ولا يمكن ان تلمسها، تعذبك ببطء وتضحك في وجهك، ولكن في وسعك ان تسمع صفيرها احيانا، حين ينضج ابداعك في النور، وتتلاشى بسرعة، ولم يرها أحد ولا أحد حتى هي نفسها حين يعم الهدوء، وانت فرح تنصت بتركيز الى جوف روح وسرائر نفسك والى عمق ذاتك..

قل لي لماذا تفرح، كما لو كانت الريح تجتث باذرعها المشبوهة القلوب الرحيبة والطيبة..؟

-  يكفي انني حيٌ اتنفس عبق المكان ! مثل كتاب بلا كلمات.. وفي رأسي مشروع مثل النهر يجري نحو المنبع، ولكن داخل روحي ثمة طاقة موشكة على الظهور. لا يهمني أي فرد اخرق بما يكفي ليكون حكيما ينعوج مثل المسمار من اول دقة.

 انت تمشي عكس التيار ومبتهج..!؟

-  صحيح لانني، ابحث عن معنى وجودي في هذا المكان!، بعد ان كنت لسنين خارج المدينة اخوض في الاوحال، اجاري الاصوات الجارحة، وانظر الى اشكال الكلاب الملونة وجوهرها الحقيقي، وفخاخ انسجة العنكبوت تنصب شباكها المشؤومة لصيد الحقيقة وتحجيمها واذلال الاصوات النقية القادمة من الاعلى..

والابتهاج الذي تراه هو رؤيتي لنفس مارأيت خارج المدينة، بل تجاوزت الافعال الكلبية والعنكبوتية ولكن بنوع من الفضائل التي لا يمكن ان تعلنها، وان شخصتها واعلنتها، ستكون فورا - اما ملحد او طائفيا او علمانيا- اذا ما حكموا عليك بالكافر، ولا يكون ثمة شيء تفعله سوى قبول اللعنات.

لم تقل لي عن أي وجود تبحث..؟

-  ابحث عنه كأي خادم في رحاب سيده، يرى نفسه ملاك طاهر، زاد احتمال يقينه، كنقطة ضوء توشك ان تصبح شمسا او نجما او قمرا، لا تصدم باي ظلام. فالنفس التي لا تخطئ لا تفعل شيئا سوى ما يفعله النور الذي يشق الظلام بقوة لينير دروب التائهين والنادمين.

هذا لا يكفي ان يجد الانسان وجوده في المكان ..؟

-  الطيبُ سيجد وجوده بعقل، حين ياتي يوم حساب..!؟

 

 حيدر عاشور

 

نادية المحمداوي

ترجلت سارة من سيارة الاجرة التاكسي بعد ان اعطت للسائق الاجرة وظلت واقفة دقائق امام بيت صديقتها وهي تنظر لكل هذا الجمال الذي احاط باالمنزل وتتساءل كيف انهم شيدوه باتقان على ربوة هذا الجبل؟.

كانت سارة مشتاقة لبلدها العراق لمجد اجدادها واثارهم التي تملأ الدنيا فخرا وعزا وحمدت الله على معرفتها بصديقتها نجوى لانها كانت سببا في زيارتها لهذه الارض التي طالما تمنت ان تزورها

وبينها وبين نفسها قالت شكرا للفيس لانه عرفني بهذه البنت الرائعة .

رفعت سارة ذيل ثوبها الاسود الطويل وبدأت تصعد السلالم بهدوء وكلما صعدت كانت تستنشق الهواء البارد النقي وكانها ترتفع باجنحة من الزهو والفرح نحو السماء .

وصلت السلمه الاخيرة ووقفت مذهولة امام المنظر الرائع الذي يحيط بالبيت واخضرارالسهول التي تحيط بالمكان من كل جانب حتى انها تنظر لابعد نقطة لترى الكم الهائل من المناظر التي تشد مساحة العين   ضغطت على جرس الباب بهدوء وبعد لحظات فتح الباب من قبل الخادمة التي رحبت بالسيدة الجميلة التي تقف بطولها الاهيف على الباب .وقالت لها باللغة الكوردية

(فرموا فرموا)

تداركت سارة لغتها الاجنبية وردت بالكردي (سوباس ..سوباس) مع ابتسامة انيقة تدل على الغنج والدلال ادلفت للبيت تصتحبها الخادمة الى صالة الضيوف وتقدمت منها سيدة خمسينة العمر جميلة جدا تعرفها بنفسها وترحب بها انا والدة نجوى تفضلي لاريك مكانها انها في غرفتها تستعد للنزول .

امتثلت سارة لرغبة السيدة وصعدت معها السلالم  بهدوء تام .طرقت والدة نجوى الباب وهي تقول ها هي سارة قد وصلت الحمدالله وفتحت الباب وتفاجأت سارة من كلام السيدة وعرفت ان نجوى لم تنزل للضيوف لحد الان لانها تنتظرها بفارغ الصبر . احتضنت نجوى صديقتها سارة وهي سعيدة جدا ومرحبة بها بثلاث لغات :انكليزي .كوردي وعربي .

بعد التحية بينهما تأثرت والدة نجوى كثيرا بهذا اللقاء وتركتهما ونزلت لضيوفها على امل ان تنزلا بعدها مباشرة .مر وقت ليس بكثير بعدها نزلتا بأجمل أبهة.. الانظار كلها اتجهت للبنت الجميلة ويتسائلون من اين اتت ؟؟

بعد تبادل عبارات الترحيب والمجاملات كلاً اخذ مكانه وبدأت الموسيقى والاغاني وابتهج الجميع ورقصوا على شكل مجاميع فرحا بالعروسة وعريسها متمنين لهما حياةَ سعيدة .

اشارت السيدة الام للموسيقيين بتوقف العزف والانتقال للبوفية الكبير لتناول العشاء . الكل مع بعض الا السيدة الجميلة التي اتت بلا رفيق وظلت تدير براسها من هنا وهناك متلافية نظرات البعض اليها وتحديدا النساء

بهدوء تقدمت مع الجميع واخذت احد الصحون الصغيرة وبدأت بغرف الطعام من كل نوع عينة بسيطة واكثرت من الخضروات . وضعت صحنها على الطاولة وجلست تتلوا صلاة الشكر لله قبل تناول الطعام الكل ينظر لها حينما تقدم اليها رجلا يكبرها بالعمر ووضع صحنه على الطاولة مشاركا ايها المكان وهو يعتذر  بلطف لابتسامتها الرقيقة . الجميع بدأ بتناول الطعام والحديث عن كل الامور والعروسة اخذت مكانها مع عريسها وهم يتحدثون بسعادة كبيرة . تناولت سارة مابصحنها بتاني والرجل الذي فرض نفسه عليها ياكل ايضا بتاني وبكلف وكأن الله خلقه لوحده بهذه المساحة من الارض . احست سارة به وهو يسترق النظر اليها بين الحين والاخر ولكنه لا يتكلم ظل ساكتا كانه يحضر نفسه لبدء محادثة لا تنتهي وكانه سبر اغوارها ووضعها داخل راسه . انتهى الجميع من تناول الطعام وبدأت الفقرة الثانية فقرة المشروبات كلا حسب رغبته اخذت سارة كوبا من الشاي وظلت جالسة في مكانها وهو ايضا لم يبارح مكانه وكانه راهن عليها والمضي معها ماتبقى من العمر .

سالها بابتسامة مشرقة من أين انت ايتها الجميلة ؟

فردت بابتسامة كبيرة لقد تاخرت كثيرا بالسؤال انا اسمي سارة الاطرش ولادتي في امريكا ابي لبناني ووالدتي عراقية كوردية .

نهض من مكانه ومد يده اليها انا فهد الغرة غولي من العراق والدتي كوردية  ضحكت بغنج وهي تمد يدها اليه مصافحة اهلا بك تشرفنا .

ودار الحديث بينهما عن الحياة في امريكا وفي لبنان وكل منهما عرف الاخر بنوعية العمل والحياة التي يعيشونها هناك .

سالته هل سبق لك وزرت امريكا ؟

نعم انا اساسا لدي عملي الخاص بي في ولاية تكساس .تعجبت من كلامه وايضا اردفت انا اعيش في كاليفورنيا واعمل في مكتب اللاجئين واكمل رسالتي الماجستير في العلوم الانسانية والتكويين .

لفت انتباهه هذا التخصص وبدأ معها رحلة التكوين البشري وكيف تم الخلق الاول حتى انها تراجعت قليلا لتتنفس من الكم الهائل للمعلوماتية التي افادها بها ..تقدمت بجلستها حتى لامس كتفها كتفه واحسست بنبض لا تعرفه ولم تحسه من قبل قط .

حينها قام من مكانه وتوجه بخطوات رائعة الى المشروبات ودعاها معه لتناول ايا منها وكانهم لوحدهم في هذا المكان فاخذت كأسا من الواين الابيض وهو اخذ كأسه المعتاد ويسكي ورجعا لمكانهما يتحدثان عن مفهوم الحياة وما يترتب عليها .

في خضم حديثهما واندماجهما مع بعض تقدمت العروسة مع عريسها اليهم . فنهضت مبتسمة متمنية لهم حياة جميلة والعروسة متشبثة بذراع عريسها بكل محبة.

العروسة نجوى اخذت تحتضن صديقتها وتشكر مجيئها من امريكا لتشاركها فرحة عقد قرانها وسارة ترد عليها بكل محبة شكرا يانجوى لانك دعوتيني وعرفتيني على الاستاذ فهد لان معرفة هذا الرجل بالنسبة لي تساوي حياة كاملة .

هذا مفاد كلام سارة مع نجوى وانتهت تلك الليلة بسلام وهمت سارة بالذهاب للفندق الذي تسكن به ولكن نجوى لم ترضى اذا كيف تسكن صديقتها بالفندق وبيتهم يسع عشيرة كاملة .

اصرت سارة على الذهاب للفندق معلله ذلك بانها لا تستطيع ان تنام الا على وسادتها التي ترافقها اينما تكون فضحك الجميع وهي تودع صديقتها والجميع رافقها استاذ فهد للخارج وعرض عليها ان يوصلها للفندق فوافقت بكل فرح .

 

نادية المحمداوي

 

اياد البلداويتخالجني دغدغة الدنيا

مرّة تضحكني...

وثانية طعمها مرّ

وتغالبني حروف

وكلمات لا أعرف لها معنى

لست بأحمقٍ

ولا بجاهل

بل ولدت متبتلاً عشقا

أدرك جلَّ ما تبغين

فانتِ من أشعلت في القلب ناراً

لا تغرّنك شقشقة الكلمة

لأني عشقتكِ من نظرة

وهمسة

ثم لهفة في الروح

حتى لم أستطع صبرا

ميّزتكِ عن بني جنسكِ

فلا تختالي

فما عرفت المودة ضيزى

أكلتني السنون

مررن بي كثرٌ

لكن الروح وجدت لها سُكنا

توقفي بربكِ

فقد فاضت بي الركب

وخذلتني الغربة عمدا

***

اياد البلداوي

 

نادية المحمداويأتى المطر سريعا هذا الموسم واغتسلت المدينة .. أندهشت الاشجار بكل هذا الغسق الملون الهائل .. ولملمت سفوح الجبال بقايا أثوابها .. وأنبهرت أشجار السرو .. لتمشى مشية المرأة العذراء في كل الفصول .. اتى المطر .. وضج القلب خلف زجاج غرفتي المعتم ..زجاج بيتنا وجلسة حول المدفأة والاحلام التي تمازج أخيلتنا ..اه ياضوء كم انت شفيع للقلوب الان ..وهناك غيمة لوحت لها العاصفة .. آه ياوقت القلب وياضوء حبيبي وياحزن روحي المشع على طرقات من سبقوني هنا خلفوني ومضوا .. انا وحدي من تعرف كل تلك التحولات بالطقوس .. بانفلاتها الداكن المثير الهائل الجبار .. ذهب الصيف وابتدأ المطر . المطر الذي ينسكب بمحبة العاشقين ينث نثا وديعا يبلل قلبي .. أما انتم خذوا أماكنكم ... بيوتكم المبردة التي ينتشر فيها عطر المساءات .. اذا لا تقلقي ايتها الروح فامام أمسيات الخريف تتسرب الذكرى المشرقة من أيادي سجانيها .. أتى المطر أيها الصيف المبجل بالأمسيات فما جدوى كل هذا!!.. كأن ترمي بصوتك خلف بحر او محيط لا يغادره النوارس .. او أن تتورط بمحبة لا فكاك منها الا بالالم .. لابد وان يكون هناك سكوت مطبق في الافق الممتد ولا لماذا ارتجف خوفا امام هذا الانكسار الذي أوجده الطقس بروحي ..حيث الصيف الذي غادر صحوي المفاجئ .. وبكائي الدامي وأنا أنظرللمطر عبر دكنه الزجاج .. فقد مر طيفه بي.

الحدائق هنا تشعل ازهارها وتعشق الغروب الذي داهم مخيلتي وحاصرني كل مامر ظهرا .. هذه الفترة التي جلبت لي كل هذه الخوف ..كيف لي أن افترش ارضي وأسكن بسلام وكم من القوانين اخذت تنفث سمومها على ارصفة الطرقات ..

خذ ماتشاء أيها الحزن المجل.. كالاميرات سيكون من حقي أن أدخن .وأشرب واغمض عيني باتجاه هذا الافق الراعش كيديك ..ياانت .. ياأنت ايها القلب والكلمة وكل هذا العمر المهيىء للخريف .. واكثر من ذلك انت حريتي .. لماذا تصر على هذا الشعاع . لماذا تتسلق الزجاج بكلتا يديك انا لا اعرف فانت حريتي، وانت المشقة التي ظهرت بها خطيئة كل سنواتي . وذنوبا ووطينا كان يسحبني ليغوص أكثر.. وأكثر ...

وانت الهائم بكل تلك الاراضي الذي وسم أسمك على حجرالياقوت الاحمر .. لترصد به الاشجار على سفح جبل

لنخلة جاهدت وكابرت على ضفاف شط العرب .. واكثر من ذاك ملوحة الثلج وثنايا الروح .. انا لا ادري لا ادري ايها القلب لما ينتهي الصيف ويتسلل الخريف ملكا منتصرا تتقدمه الالحان الموسيقية .. وتاخذني الملائكة للجداول والغناء .. ابتعد قليلا ايها العازف الذي هيئك الله ولم ينعم عليك مثلما ينعم على هذا الطواف للون البنفسج الذي يشبه الوان القصايد .. ابتعد عن هذا الغروب الداكن المحمر وتنافذ بالعشب دون الالٍه المرتقب . اما اذا كنت مصرا على تقدم خطواتك المرتعشة كأصابع الراعي بكل هذا البر متماثلا بالقصب فانا حتما سابكي..سابكي عند الركن وحدي .وحدي انا والمطر .. وحدي ويدلهم الافق الشمالي ليس باردا .. ابدا ليس باردا ولكني تجمدت اولا ثم القلب يفور . وهذا الهسيس البطيئ المتداخل للدمع أتحده حدود؟؟.. قلت لي لن تتركني؟ انت قلت لي لن تتركني .. ولكنني ساابتعد عن طريقك حين تغادرني .. ولكنك لم تقل لي انك هناك حيث تبهجني بالحنين والرقص ..قل لي لماذا كنت هناك؟ لماذا افترشت العشب في طريقي وشددت رحالك صوب الجبال.. والحجر.. والبياض ها لماذا؟؟ انت ثم انا مفتونة بك حد الموت الا تكف عن محبتي..!!"انت وكل السنين الم يصبك العمى؟؟ تعرف الدروب للشجر والماء والعلو الشاهق في تفاصيل الاصدقاء ... تعرف دروب النوم والسفر والغناء والرقص .. لكل السنوات التي مرت تجد نوازع الاخرين لشهوة تقذف بهم الى حيث يليق بالهاوية والرغبات الهجينة .. أنت ما أصابك العمى .. فلماذا كل هذا النفور من الزجاج المعتم الداكن"تغادرني مع حقيبتك التي تتسع لاحلامك المرتبكة .. الحدود التي تفصلنا مع بياض الجبال هناك حيث البكاء على ضفاف ثوبي تستغيث من رعب الجمال اتذكر؟ انتقلاتك وانت تتابع الموت لسنوات عمر مضى على سواتر الموت مابين رحلة الجنوب والشمال .. عندما ارتفع القمر بعد انجلاء الغيوم .. وبتلك الهالة المذهلة تمنيت ان لا اتنفس ابدا بعد هذا الجنون . ان تقف كل حركة للاشياء حولي .. لاول مرة اكتشف ان للقمر كل هذا الجمال ., لا اذكر متى حدث لي ذلك .. ولكن لابد انه حدث في احدى ليالي القلب في الخريف الفائت .. لانني ساكف عن البكاء الدافئ البكاء الذي يبعث الموسيقا من ذاك الكمان ..

 

نادية المحمداوي

 

صحيفة المثقفلم تكن لي وجهة اقصدها ولكنها مضت بي حيث لااعلم

هكذا أرادت خطواتي ان تدفعني لا بل هي رغبة قلبية للمشي في تلك الطرقات على غير هدى

سرت بهدوء تحفني نسمات منعشة من كل جانب

شمس تختبئ خلف الغيوم تبث خيوطا رقيقة من أشعتها الدافئة في شتاء روحي

وكل شيء بدا كما أرادته

لم تكن تلك الطرقات أشبه بالمساحات التي يقصدها الناس للتأمل فهي ليست بغابة أو شاطئ ولا مساحات خضراء ممتدة فقط كان لي الاستعانه بذكرياتي لاستحضار كل ذلك طلبا لراحة فكري وروحي المتعبه بعدم فهمك لي

بينما لم تكن  لك سوى شوارع مقفرة بجدران متصدعة طالتها أيدي أولئك الذين أكره وتكره الحديث عنهم

ولكنها السماء وحدها وحنيني لك لم يتغير فهي

بديعة تسلب الروح من الجسد تنظر إليها وتبتسم كالعاده ابتسامتك التي لم تنساها ذاكرتي

ربما  مخيلتي قد جعلت منها طيرا يحتضن السحب أو نجمة ستظهر حين يسدل الليل ستاره لتسامر القمر

كنت ابتسم ابتسامة مترعة بالراحة كما لو أن الخيال استحال فجأة إلى حقيقة وعادت بي الايام لك

وهكذا خطوة وراء خطوة كانت تنزاح أشياء كنت قد علقت بها على مر الأيام حتى أثقلتني من جديد بالحنين لك ولكنها

استطاعت أن تتحرر من كل تلك الأشياء الثقيله المبهمه

فلم اعد إلا بقلب يملؤه الدفئ والشوق من جديد

ولكن روحي ظلت أسيرة لذكراك ولسماء شغوفة للقياك

 

بقلم: ذكرى البياتي

 

سارة فالح الدبونيكان مظهرهُا الهادئُ يُشبه شكل حياتها. تلكَ الحياةُ الساكنةُ بين الأوراقِ والكُتُبِ والأقلام.. عطرها من عِطرِ الحبر، ولونها بلون ضوءِ المصباح  الاصفر الصغير الذي يُنير بقعةَ القراءةِ الصغيرةِ تلك..! حياتها راكدةٌ كركود الرمل أسفل جرةِ الماء وأيامها لا تكادُ تكونُ إلا كيومٍ واحدٍ تشابهت لحظاته..!

ما كانت تهتمُ إلا بخزانة كتبها، وما كان يعنِ لها شيئاً الا ان تمسكَ بكتابٍ ما وتستمتع برفقتهِ لساعات، حتى ان اصابعها قد اعتادت التمييز بين الكتب وتتعرفُ على عناوينها عن طريقِ اللمس..

كبُرَت ولم تكُن لديهِا أحلامٌ معينة، سوى بيتٍ صغيرٍ واطفالٌ صغارٌ يحومون حولها وزوجٌ تستقبلُ نظرتهُ المُتعبةُ بابتسامةٍ رقيقةٍ تُنسيهِ مشقةَ يومٍ من أيامِ تموزَ الحار. فقد أخذ الإنطواءُ بعيداً عن الناسِ منها الكثير..!

........

 هو.. ذكرياته الحالكة قد خففت عليه بعضاً من عبءِ الحياة الفارغة التي كان يعيشها.. فلم يكن يذكر منها شيئاً.. ولم يكن ينتظر استعادة ماضيهِ اصلاً ولم يجهد عقلهُ في العثورِ على زمنٍ سقط من ذاكرته خشيةَ ان يعود لحبِ احدٍ سواها.. كان يخشى ان يواجه حباً قديماً يلهيهِ عنها.. فقد ملأت هي وحدها تلك العتمةُ داخله.. وكانت هي ذلك النصف الآخر الذي بحث عنهُ كثيراً منذُ اللحظة التي ولد فيها من جديدٍ بلا ذكريات..!

..........

لياليهِ الباردة اضحت الآن اكثر دفئاً.. وكسرت هي صمتهُ وباتت لِوِدّهِ ملاكاً.. فهي من كان يلاحقها بناظريهِ لو مرت أمامه.. وهي من كان خافقهُ يرتعدُ لذكرها.. هي من كانت اكبر امنياتهُ ان يفتتح معها حديثاً ولو كان قصيراً.. !

تلكَ الهادئةُ..تشبكُ يديهِ بعشقٍ كبيرٍ.. وكأنها تتشبثُ ببابِ من ابوابِ الفردوس فلاتتركه..!

 ترى فيه كل رجال الأرض مجتمعين في كائن واحد.. وفي ودها ان تهبهُ لقب فارسها الأوحد وبطل كل قصصها متى ماكانت تلوذ على كتفيهِ وتلجأ لأحضانه وقت الخطر ليشعر بنبضها يجتاحُ اضلعهُ..

وحينَ تشتاقُ الى الشمس.. ماكان عليها الا النظر لوجهه لتتأملَ ملامحهُ في كل لحظةٍ ..!

.......

الفراغ الذي سكن كلاهما.. ساعدهما على ان يتشاركا بجنون.. وان يخلقا لبعضهما فسحة للتنفسِ عن دواخلهما..

ولم يحرّم احدهما على الآخر حرية الاقترابِ من القمر متى ما اشتاق لهُ..!

.........

قرارهما بعدم الوقوف على اطلال الحكايات القديمة وقصص الحب الزائله لم ينبت على ارضهما الصغيرةُ الا حُباً..

ولم تكن وعود الحب التي يرددها كل العاشقين شعارهما.. كانا مختلفَينِ  تماماً عن غيرهما..وهنا كان يكمن سرُ روعتهما..!

فلم يطفو حبهما على السطحِ يوماً..الا حين يختطفان من الهواء نسمةً لمقاومة الظروف القاسية..ليعودا الى العمقِ مجدداً..!

و.ماكان مايستنشقانه من اوكسجين إلا قُدداً من عِشق تبقيهما على قيد الحياةِ لأجل بعضهما فقط..!

.........

تقابلا وهما على يقينٍ بأن الحب حكايةٌ لانهاية لها.. وان الدفء لابد ان يجتاح ارواحهما رغم كل الشتاءات القارصةِ التي قد يمران بها سوياً..!

يرتويانِ بعشقٌ بألقِ مساءِ وهدوءُ ليل..ورائحةُ بحرٍ ودفءُ ابتسامةٍ سارّة..!

***

سارة فالح الدبوني

 

فاضل العباسفي الشتاء نلتف حول المدفأةٌ النفطية التي ننتظر ان يتلون لهبها باللون الازرق كما تقول امي لتعطي حرارة بلا دخان يخنق جو الغرفة ويجعلنا نسعل طوال. الليل الشتائي الطويل

فْرَشَتْها امي بفراش خشن، مصنوع من حبال النايلون الذي قالت عنه انه يمنع الرطوبة ويمتص البرد، ومَدَّت فوق جزء منه سجادة صغيرة حيكت كذلك من خيوط صناعية. استبدلتها بواحدة من الصوف صنعت يدويا مع بائع متجول ينادي على بضاعته مع قدوم كل شتاء .

في الصيف كانت ترتبه وتنُضِدَه مع بقية الأفرشة فوق خِزانة خشبية، اشترتها لتخزن في رفوفها صُرَّرَ ملابسنا المستخدمة .

أنحشرتْ أجسادنا حول المدفأة، وتزاحمنا، وتوسط الزحام أبي الذي يجعل للمكان لوناً وطعماً ممزوجاً بكلماته وحكاياته . يحمص أقراص الخبر فوق المدفأة لتصبح أطيب وألذ عندما يغمسها بعصير التمر (الدبس) المخلوط  مع طَّحِينة السمسم السائلة.

للمدفأة واجبات أخرى فعليها نصنع الشاي، ونسخن العشاء بينما يقوم ابي بشواء البلوط والجوز الذي يُطَعِمُهُ بالتمر الجاف ليرسم الليل  ذكرى وبصمة في عقولنا ونفوسنا .

في هذه الغرفة التي خطَ كل واحدٍ منا على جدرانها ذكرى له ورسم بمختلف الاقلام الملونة يسيدُها قلم الرصاص افكاراً متنازعة، متناقضة بين خطوط طولٍ وعرضٍ ،ورسومات اطفالٍ عشوائية، فبدت كأنها خرائط لقارات لا تسكن الارض .

كنا نجتمع للفطور ،والغداء، والعشاء وكثيراً ما يغلبنا النعاس فنفترش اي بقعة فيها، ويدفع بعضنا البعض ليجد له فَسْحَة بين ركام الاجساد المرهقة، المتعبة من اللعب واللف ،والدوران في أزقة الحي كأننا طيور النورس نبحث عن سمكةٍ، وضفدع ضال.

عند كل صباح يذهب ابي الى عمله بينما تنشغل امي في أعمالها البيتية الروتينية، المملة،

الممزوجة، بآهاتها، وتذمرها من عبثنا ولعبنا المتهور في اثاث البيت البالية.

كانت تتشاجر مع نفسها وبغضب لتُسمِعنا.

هُنَّ مُتهالكات وانا رَكَدتُهنَّ كمنظرٍ امام الناس.....

لماذا تعبثون بِهن؟...

والله مللتُ من عدم سماعكمْ كلامِي

ولسوف اضربُ كل من لا يطيعْ الكلام.

أعتدنا صباح كل يوم سماع تهديداتها ،

دون مبالاة نعاود العبث والبحث عن شيٍء افتقدناه او نظن ان الأم تُخبِأه في صررها .فتجلس تشدُ عُقدها مرةً ثانية.

 

في بعض الايام تذهب أمي للسوق الكبير في المدينة الذي يبعد عن دارنا كثيراً.

اما أغلب الايام تتسوق من السوق الصغير المقابل لدارنا.

خرجت امي وكانت وجهتها السوق الكبير،

أوصتني بالانتباه للبيت وأخوتي

الذين لازال بعضهم راقداً الا انا ،والاخت الكبيرة التي تصغرني بأربع سنين .

كانت تحتضن المدفأة

نادتني بان نارها خَبَتْ لان النفط قد نضب.

ملئتُ دلو النفط لأملأ المدفأة

ولقلة المعرفة، وثقل الدلو أنسكب بعض من النفط ،على الجوانب وعلى نار المدفأة

التي التهبت من الداخل.

أنتابني الخوف والفزع سحبتها من تحت بعيداً عن الغرفة. صرخت على أختي بالخروج من الدار مع الاخرين،

وعند باب المطبخ انقلبت المدفأة، وارتفعت النار لتملأ كل الممر.

هربت الى خارج البيت مناديا أهل السوق بالمساعدة

أسرع الكثير منهم يسبقهم صاحب الدكان المقابل لدارنا

أنهال على المدفأة بتراب الحديقة، يعاونه الاخرين .

خمدت النار وانفصلتْ المدفأة الى نصفين .

عادت أمي من السوق، أستقبلها نسوة الشارع بالخبر .

هرولتْ فزِعةً،

حَمِدَتْ الله على سلامتنا ونجاتنا.

عند الظهر عاد أبي وانشغلَ بإصلاح المدفأة بعد ان ربط جزأيها بسلك نحاسي

وَغَيَّر فتيلتها .

عند المساء اوْقِدتْ المدفأة وعاد دفأها ولهبها الازرق مع دفئ تحلقنا حولها.

***

فاضل العباس - العراق

 

عبد الامير العباديالقرى التي أنهارت أعمِدتُها

جمعنا لها سيقان البحر

أوتاد الجبال

أمست شهبا قتلته أفراح الوهم

*

أنتفخت كروش الضباع

حينما خرجت عن أصول

الغاب

*

لو عٌمدت  ارواح الكواسر

بمياه البحار

 لتنازلت هذه البحار

عن قيعانها

*

غدا نشطب السواد

نجمع آيات نذورنا

لكن ايا من الانبياء يصنع نصرنا

*

يا اموات العالم اتحدوا

أما آن لكم أن تتحرروا

مُستعمرة الارض

لن تقلدكم اكاليل غار

*

ما أن تنتهي الفصول

من التعاقب

حتى يتحرر نساك الغباء

*

حبيبتي المنضوية في أحضان

الغريب

وحدي صرختك بالرفض

تجدينني فانوسا سحريا

يهدم قضبان الدنيا

يلبي اماني كل جاريات الخلق

***

عبدالامير العبادي

 

رند الربيعيمثلُ حَبّاتِ سكرٍ...

ذابت آمالُنا في بحرِ الغيابِ

ولأنكَ لم تأتِ؛

يوم ولادتي...

تاريخ خيبتي!

ولَمّا طَعَنتَني...  ذاتَ مساء

مدَّ الفراتُ كفّيهِ، يجفّفَ الندى

وخلعتُ ثوبَ الهزيمةِ

أقراطَ المواعيدِ الزائفةِ

سَيدي...

في ليلِ الضياعِ،

أصابعي ما زالت تشيرُ إلى

مائدةِ  غيابكَ

خائبةٌ نبضاتي

ستائري...

نوافذي....

المطلّةُ على قَسماتِ

وجهِكَ الغامضةِ

أقلامُ الزينةِ

عطري...

شاهداتٌ على غيابكَ

وألغيتُ مواعيدي،

مع ظلي

مع قصائدٍ خديجة

وفراشاتٍ أسيرةٍ في جَنّتِكَ

عصافيرٍ جائعةٍ

وغيماتٍ تتوسّلُ

آلِهةَ الامطارِ!

***

رند الربيعي

 

احمد بلقاسموهو يسلمها نسخة من مخطوط مجموعته القصصية الجديدة؛ سألته سكرتيرة المطبعة بعدما تصفحت أوراق المخطوط بنظرة شاملة، تروم من خلالها معرفة عدد الصفحات إجمالا.

- أستاذ هل تسمح لي أن أسألك سؤالا؟

- تفضلي.

- لماذا تكتب؟

- سؤال كبير؛ والإجابة عنه تختلف من كاتب لآخر، لكن لا بأس من أن أدلي بدلوي لأجيب عنه؛ وأرجو أن أوفق في ذلك، ببساطة فأنا أكتب لأساهم في اقتصاد البلاد فقط.

- تساهم في اقتصاد البلاد بالكتابة ههه..

- لم تضحكين؟

- لأنك بجوابك هذا، تذكرني بعبارة إشهارية قديمة على صفحة علبة عود الثقاب وجدتها مؤخرا بين التحف النادرة التي يحتفظ بها أبي في دولابه إلى جانب ساعته اليدوية دوغما.

- أجل؛ بالكتابة سأحرك من جانبي عجلة التنمية في هذا البلد.

- لو تفضلت بشيء من التفصيل..

- ما علينا سأشرح لك هذا..

- شكرا أستاذ.

- عندما أطبع الكتاب، سأوزعه على المكتبات أليس كذلك؟

- طبعا طبعا.

- طيب؛ آنستي تذهبين إلى المكتبة؟

- مسألة مفروغ منها.

- جميل.

- الله يجمل أيامك.

- العفو؛ عندما يسرق نظرك عنوان كتاب من المحتمل أنك ستقتنيه، أليس كذلك؟

- طبعا طبعا سأشتريه.

- جميل؛ وعندما تأخذينه ستقرئينه أليس كذلك آنستي؟

- طبعا طبعا سأقرؤه.

- حسنا؛ من هنا سيبدأ دوري في المساهمة في اقتصاد البلاد،وستكونين أنت ومجموعة من الأشخاص ضمن هذا المشروع..

- طبعا طبعا..لكن هلا شرحت لي كيف؟

- طبعا طبعا..لكن ليس قبل أن تصحبيني إلى السيد غارسيا ماركيز لننتزع منه جوابا على سؤالك هذا، مارأيك؟

- طبعا طبعا؛ أوافقك الرأي..

- هيا بنا؛ لعله يكون الآن قد استفاق من قيلولته، فهو يقيل كل يوم تحت شجرتي التوت العملاقتين الوارفتي الظلال على سريره الهزاز..

- سرير هزاز!

- طبعا طبعا لا؛ لنقل سرير أرجوحة.

- أرجوحة!

- طبعا طبعا لا؛ لنقل قطعة قماش مشدودة من طرفيها إلى جذعي شجرتين، هل فهمت؟

- طبعا طبعا لا..

- لا!

- بل نعم.

- ها قد وصلنا إنه مستيقظ ومستغرق في القراءة، يمكنك أن تسأليه بنفسك..

- طبعا طبعا سأسأله بنفسي، لكن أخشى أن أزعجه وهو مستغرق في القراءة..

- لا عليك؛ ليس الحال كما لو كان منهمكا في الكتابة.

- عمت مساء سيدي.

- مرحبا؛ تفضلا هل من خدمة؟

- أريد فقط أن أعرف لماذا تكتب؟

- أكتب لكي أنال المزيد من حب أصدقائي.

***

أحمد بلقاسم - المغرب

بركان، يونيو 2017 .

 

 

سوف عبيدعَمِّ الطيّب

اليومَ أيضا

مَرّ تحتَ النّافذةِ قائلًا

أينكمْ…أينكُم…؟

دَقّ الجرسَ

وقَبل أن أفتحَ البابَ

وضعَ السلّةَ

*

فيهَا ما فيهَا

فيها اليومَ من تِينِ وعنبِ حديقتهِ

ورجعَ مُسرعًا

عمِّ الطيِّبْ

تَجاوز الثّمانينَ

لكنَّ خُطاهُ أسرعُ

مِنْ فتَى الثّامنةَ عَشْرةَ

وعَمِّ الطيّبْ

كسْبُهُ مِن يديه

وما لديهِ… ليس إليهِ…!

*

كلُّ ما غَنِمَ عمِّ الطيّب من الدّنيا

– ربحٌ –

أمُّنا – ربح – هيَ زوجتُه

أنجبتْ له تسعَة بَنينَ وبناتٍ

ضَحِك عمِّ الطيّب مرّة وقال لي:

ـ وهيَ في السّبعينَ كالمُهرةِ

ما تزالُ قادرةً وزيادةً

قلتُ:

ـ بفضل بَركاتِكَ يا عمِّ الطيّب!

***

سُوف عبيد

رادس خريف 2018

 

داود السلمانهي الوحيدة من بين بقية النادلات اللواتي يعملن في نادي (هوازن) والتي ترتدي ملابس قصيرة وشفافة، ملابس تظهر كل مفاتنها، ما يجعل من عيون رواد النادي تريد أن تلتهمها كفريسة سهلة.

وانا كنت الوحيد من بين جميع الحاضرين لا اعير لمنظرها أي اهتمام يذكر، بالرغم من أنها، كما بدأ منها بعض ما اسميه تحرش من نوع آخر، تحرشها هو عبارة عن لفت انتباهي لها كي اعطيها البغشيش، والشخص الذي يفعل معها ذلك تعود له في كل لحظة فتلاطفه وتطبع قبلة على خده، عربونا عن مودتها له، ويبادر هو الآخر بطبع قبلة حارة مماثلة على خدها فيها ايحاءً منه بالجنس.

وكنت بين الفينة والاخرى استجمع نظراتي فأصوبها تجاه مفاتنها الجميلة الموحية للإثارة، فكنت استلذ بعض الشيء بهذا، لكن من دون أن اشعرها بذلك.

ومرة حظيت بيّ وانا أفعل ذلك، فضحكت ضحكة غير معهودة وقالت، بنوع من المزاح:

-  (وين تباوع مو زين على عيونك).

فضحكت ضحكة عالية، سمعها جل رواد النادي. ومن يومها صارت تلاطفني وتسمعني بعض النكات والكلام المعسول، وكنت بدوري اسمعها كلام ناعم يوحي للإثارة، فلا تزعل، بل تبادلني الضحك والابتسام، وحتى في اليوم الذي لا أأتي به للنادي تسئلني لماذا هذه الغيبة والجفاء؟. فأتعذر بأعذار واهية.

وكنت اسمعهم ينادون عليها بـ (أروى)!، اذن هي اسمها اروى، ما أجملها من اروى، انها فاكهة ناضجة، وكنت أمني نفسي متى منها اروى؟، أروى غليلي الملتهب بمعاشرتها بإطفاء جحيمي في بحر انوثتها العذب.

أروى، متوسطة القامة ممشوقة القوام، بشرتها تميل الى البياض قليلاً، مطلية بسمار فاتح، وجهها مدور كأنه وجه طفولي يشع براءة، اسنانها كأنه حبات لؤلؤ، وثغرها صغير كأنه حلقة خاتم يلبس في اصبع الخنصر، كثيرة الابتسام، الا أن انفها قصير بعض الشيء فارش على الجهتين، واما صدرها فتعلوه قبتان عاليتان تريدان أن تفلتا من حمالة الصدر المكشوف، والذي يثير رغبة الانظار بالتحديق فيه والتمتع بلمس سنام تلك القبتين الشامختين.

في اكثر من مرة كنت اسأل نفسي: ترى من الذي رمى بهذه الفتاة- كما يرمى عقب السيكار في المكان المخصص له؟- فأكيد أنها ضحية مجتمع، ضحية خيانة عاطفية، نزوة، أحبها واحبته، وعدها بالزواج، حلف لها بأغلظ الايمان، وفي نزوة منها، نزوة اعتبرتها عابرة، قرر أن يفض عذريتها فنجح. ولما بان عليها الحمل تركها ولاذ بالفرار الى جهة غير معلومة. اما هي فظلت تندب حظها العاثر، وتلوم نفسها على ما فعلت بنفسها وصدقت بذلك الحبيب المخادع، ولم تشعر بنفسها الا وهي متشردة في الشوارع، وبين الملاهي والحانات والاماكن المشبوهة.

وكلما احدق في عين اروى، وادقق النظر أقرأ في عينيها ملامح تلك المأساة التي جرت على تلك الفتاة، أو قل بالأحرى ما فعل بها الحبيب المزعوم والذي فعل تلك الفعلة، فما اشبه الحالتين.

ومرة سألتها: من الذي حتف بك الى هذا المكان المشبوه يا أروى؟. فأجابتني من خلال نظرة الم طويلة مصحوبة بحسرة، تصورت أن روحها قد خرجت من تلك الحسرة.

وتركتني اتصارع مع ظنوني كصراع خصمين على حلبة، لأن أحد الزبائن نادى عليها وطلب منها أن تأتيه ببطل من البيرة المثلجة.

***

قصة قصيرة

داود السلمان

 

عبد الامير العباديمن الألف ليلة

الأمير  له الجريدة

مناديا الدرابين والأزقة والحسبة

له ما تيسر من سور الله

واحاديث الوعاظ والمتملقين

الجواري والحراس

له كرسي يغازلُ اطراف السماء

منصة خطبه تسبح مع الريح

ألأمير

له المقصلة والشرطي

وكل سيوف البلاد

الجدران والقضبان

مراسيم الاحياء والاموات

وأوامر اخصاء  العبيد

وقطع الأيادي  التي لا تجيد

 التصفيق

لذا قرر الثوار  قتل الامير

دون اقامة الحداد

جاء الأمراء

صارت الجريدة  صحائف

المنادي منادين

السورة سوراُ

الكرسي كراسي

المنصة  منصات

المقصلة مقاصل

الشرطي شرطة

ألعبيد حشودا

صار في البلادِ الف رب ونبي

اليوم

اختلطت الأوراق

صاحب اليد الطولى بموتنا

التالي

وقفوا في حلبةِ صراع الثيران

نحنُ نزغردُ لِموتهم

حيث ماتوا دون شهادة وفاة

***

عبدالامير العبادي

 

عبد الامير العباديقررتُ أن أشتري بندقية

اجعلْ  اصابتي دقيقة

اضعها في منتصفِ جبينك

ايها الوطن الاسير

حتى  تبقى بكارتكَ

غير مدنسة بلوثةِ العابثين

*

سوف اكفنك بكل سعف

نخيلك المتبقي من بساتينك

واضمك بصدور جياعك

ثم افتعل الاحلام

علني احلم انك فراشة

عادت فولاذة تهز

عروش القوادين

حتى ازاحة عهرهم

*

عجبي كم لنا من الاحجارِ

وكم لنا من المحنطات

تجاور المنصات

تقول اعبدوني انا الواحد الاحد

*

في بلدي (كيشوانية)

يحفظون الاحذية القذرة

في اجمل الرفوف

يجمعونها قلادة

تعلق على صدور سراق وطني

*

اعتقدوا انهم امراء

توزعوا كالنحل

يحكمون خلايا من الخيال

ماتوا كمدا

حين اكتشفوا ان الدفانين

صاروا طوابير

ينتظرون دفنهم

 ***

عبدالامير العبادي

 

محمد نوحيديباجة

سقطت سهوا:

لكم حرية الإبداع

ولنا حق المصادرة.

*

لوحة

بِطلاء السَّراب

ترسم جداريات العذاب

كل يوم... على بوابات الحدود.

*

قصة غار

الرسول يَتَعَبَّد في الغار

تُشْرق الأنوار

شحاذ يَتَرَصَّدُ ضَبّا في جُحْر

تلدغه أفعى.

***

الدكتور محمد نوحي

 

محمد العباسيربما كنتُ مخطئاً

حين عبّرتُ بالكتابة

عن كل شيء

*

ربما كنتُ للناظر أبدو

أني في غرامي

ليس لي رأي

*

ربما كنت كالغريق

متعلقاً بآخر قشةٍ

كالميت الحي

*

لكنني اليوم

ألوذ بسكوتي

حفاظاً على ذاتي

لبعض كرامةٍ مما لدي !

***

البحرين

25/9/2016

 

حيدر الهاشميكانت جدتي تخفي دموعها، في كيسٍ صغير، حتى لا يراها أحد .

كانت توفي نذورها كلها، حين يعود أبي من الجبهة سالماً .

وقبل أن يبدأ بالحديث مع رفاقه عن القتال والجنود الضائعة احلامهم.

كانت تضعنا في علبٍ صغيرة، مثل قطع الحلوى، وكانت تغلق الباب جيداً، حتى لا يتسلل إلينا الموت .

وفي صلاتها، كانت ترفع يديها نحو السماء، حتى نرى في عينيها دموع الإله .

انتهت الحرب وعاد الجميع إلى اهله إلا أبي

قال أحدهم: نبتت في صدره شجرة  من الرصاص .

وقال آخر: شاهدنا في خوذته أصابع رفاقه المبتورة، تنمو وتخضر على شكل مزهريات !!

حينها علمنا أن الأمطار التي تأتي في غير موسمها، هي دموع جدتي التي كانت تحبسها في الاكياس، وأن قطع الفحم الصغيرة، هي أحلامها التي ضربها الحزن فجأة .

كانت تقول لنا، لاتضعوا الستائر في بيوت الشهداء، هناك صغيراً أخبروه، أن والده ذهب إلى السماء، صار كلما يشتاق إليه يتحدث مع النجوم .

ومنذ ذلك الحين وهي تجلس خلف الباب، تراقب النافذة ، تمسك صورته جيداً، تخاف من هبوب العاصفة، تخشى أن يسقط على الأرض مرتين .

***

حيدر الهاشمي

 

صحيفة المثقففي الحرب؛ ليس هناك نصر،

سوی فتك الانسان وهدم صرح الحضارة"

علی غرار الموت الضرير

أسير حافيا

في أدغال محروقة

أجمع حطام الهزائم.

و أوقد منها نارا

تحرق لهيبها:

تأريخ الطواطم.

کتبت بدماء

جنود بواسل!

ما عرفوا

لعبة الشطرنج

و لغة البهائم.

*

أهب مع ريح صفراء

لخريف غاضب

علی وديان الاشلاء

والغنائم

فأواري:

جثث وريقات صامتة

ما تنبهت اليها

قساوة حر شمس حارقة

ولا رأفة دموع الغمائم

*

علی الادغال

والوديان المهجورة،

تحلق غيوما حمراء،

و أرضا: تنزف دما -

جرح أجنحة الحمائم.

*

هنالك أتحدق

في عين ندی تائهة

تسأل عن اخبار موطنها؟

وأصلها نبع دائم!

- فيشير القلم بسبابته

الی انبوب ممتد

علی جسم لضميرٍ نائم..

***

سوران محمد