 روافد أدبية

أبطال النوم والصيام

almothaqafnewspaperاليوم الأول من شهر رمضان .. الساعة تشير إلى السابعة صباحا .. توقفت حافلة عمومية بإحدى المحطات الجنوبية .. نزل منها عدد لا بأس به من بعض المسافرين الحرفاء الأوفياء .. والركاب العرضيين .. وصعد إليها مجموعة أخرى .. تنطلق مواصلة طريقها المعتاد في رحلاتها اليومية .. الرابطة بين العاصمة والضاحية الشمالية .. القابض رابض بمكانه المعهود .. يتفرس في الصاعدين والنازلين الغير المحترمين للإشارة الدالة على باب النزول في امتعاض ونفس غير راضية .. يلتفت فجأة وكأنما باغتته شكة دبوس .. يلمح رجلا قابعا في كرسي حذوه في استسلام تام وخنوع لا مثيل له لسلطان النوم .. ورأسه متدل على فتحة صدره كحبة تين فات أوان قطافها .. يربت على كتفه برفق قائلا:

- كمال .. كمال مالك لم تنزل في المحطة المعتادة؟

كمال:"يغط في النوم"

القابض:" يتفرس في كمال .. يخاطب نفسه:"آه انه نائم .. في سبات عميق"

كمال:"لا يحرك ساكنا .. ماعدا رأسه ذاك المتدلي .. يتأرجح بين الحين والحين كلما اعترض الحافلة حجر أو حفرة .. فبدا وكأن لا حياة له .. باستثناء شخير ينفلت من بين فرجة شفتيه من حين لآخر مختوم بصفير رقيق .. لافت انتباه المستيقظين."

القابض:"يرفع من صوته قليلا"

- كمال .. كمال استيقظ من نومك أرجوك .. ستتأخر عن عملك .. استيقظ يرحمك الله

كمال: " لا يزال في شخيره ونومه المعسول"

القابض: "ممتعضا"

- استيقظ، كمال، .. بربك استيقظ .. .والله إن استمررت على هذه الحال .. انك ستتأخر عن عملك لا محالة .. انهض ما هذا النوم الثقيل؟ !!! "يخاطب نفسه .. والله كأنما لدغته ذبابة النوم"

كمال :"لا يزال في نفس الوضعية"

راكب(1):"واقف ويده ممسكة بعمود الحافلة المحاذي لمنضدة القابض"

- لا بد أنه قضى ليلته ساهرا .. آه، رمضان وأنت سيد العارفين .. يحلو فيه السهر والسمر خاصة مع لم شمل العائلة والأحباب "يرفع منكبيه مبتسما" .. ما العمل إنها ليالي رمضان

القابض:"لم يعجبه كلام الرجل"

- السهر للذين لا عمل لهم، ولا ضمير، ولا مسؤولية .. "يلتفت إلى كمال .. يقبض على كتفه .. يهزه برفق .. يميل عليه بعض الشيء محاولا إدناء فمه من أذنه" .. استيقظ يا كمال .. استيقظ ستفوتك المحطة الثالثة .. استيقظ يا أخي .. ما هذا النوم الثقيل؟ !!! .. "يتأفف" .. أوف

كمال:"يفتح إحدى عينيه يبص بها دون أن يلتفت إلى القابض .. ثم لا يلبث أن يعود للنوم مستسلما من جديد"

القابض:"مستاء"

- هذه المحطة الثالثة التي تفوته وهو على هذه الحال .. كيف سيذهب إلى عمله؟ .. ومتى سيباشره؟ !!!

راكب (1):"واضع يده على زند يده القابضة على القضيب القريب من منضدة القابض"

- قد يكون في إجازة .. أو عله ذاهب لقضاء مأرب من مآربه الخاصة .. لذا تجده غير عابئ بالمحطة المعتادة .. "ينظر إلى كمال" .. يا أخي الناس أسرار .. اتركه لنومه المعسول "يضحك".

القابض:"يرفع كتفيه وهويمطط شفتيه"

- من يدري .. ربما .. ولعله أيضا متوجه إلى عمله ..

راكب(2):"كان مواكبا للحوار الذي دار بين القابض والراكب (1) من البداية يميل على أذن كمال هامسا"

- يا أخي استيقظ .. الست من القاصدين عملهم .. أم أنك في إجازة؟

كمال:"يهب واقفا .. وكأنما لدغته عقرب .. يفرك عينيه .. تأرجحه الحافلة قليلا .. يفقد توازنه .. يحاول التماسك ثم لا يلبث أن يسقط على احد الركاب .. يعتذر ثم ينهض"

- راكب (3):"يتفرس في وجه كمال باشمئزاز وقرف"

- لا لوم عليك .. فأنت نائم .. عذرك معك .. "يصمت"

القابض:"متذمرا"

- لقد أشرفنا على الوصول إلى المحطة الأخيرة من رحلتنا اليومية المسترسلة .. يا سيد كمال

كمال:"يكشر على أنياب الغضب"

- لعن الله السهر والسمر .. كيف يتسنى لي الذهاب إلى العمل؟ !!! .. كيف يا ترى؟ "ينظر إلى ساعته اليدوية" .. يا الهي لقد تأخرت كثيرا .. "يتأفف" أوف .. لا زالت أمامي وسيلتي نقل أخريين .. حتى أصل إلى عملي .. يا رب ما العمل الآن؟ .. لعن الله النوم وسلطانه

القابض:

- ما عليك الآن سوى النزول في المحطة القادمة .. ها قد أشرفنا عليها .. واستقل سيارة أجرة تقلك الى عملك .. هذا أفضل وأسرع ..

كمال:"يدخل إحدى يديه في جيب سرواله"

- صحيح هذا الحل الأفضل والأنسب .. لكني لن انزل بالمحطة التالية .. إذ وجود سيارات الأجرة يقل بها .. لذا سأنزل بالمحطة التي تليها .. كما تعرف حذوها توجد محطة سيارات الأجرة (تاكسي) .. لكن يا جاري العزيز خيار حل سيارة الأجرة صعب .. وصعب جدا ..

القابض:"متعجبا"

- ولما؟

كمال:"يمرر الإبهام على السبابة في عملية متكررة دون أن ينبس ببنت شفة"

القابض:"يبتسم"

- وان يكن .. ففي مثل وضعك الحالي .. يبقى في رأيي استعمال سيارة أجرة .. هو الحل الوحيد حتى تلتحق بعملك في الوقت الإداري المحدد.

كمال:"يمطط شفتيه .. ويعقد ما بين حاجبيه"

- قد أصل متأخرا .. لا تنسى إننا في ساعة الذروة .. وفي مثل هذه الساعة تكون الطرقات بها ارتال من السيارات ووسائل النقل على اختلاف انواعها .. لا بل قل فيضان وسيل جارف.

القابض:"يضرب ضربات متكررة في شبه طبطبة على يده اليسرى وقد وضعها على حافة منضدته"

- إذن ما عليك سوى استعمال المترو .. وانت سيد العارفين .. انه في مثل هذا الوقت .. يكون مكتظا اكتظاظا رهيبا .. والصعود إليه شبه المستحيل .. ما عليك إلا أن تستعمل منكبيك حتى تتمكن من الركوب .. ثم الحافلة كعادتك هذا إن وجدت لنفسك بها مكانا ..

كمال:"يصغي في استياء وقد برم شفتيه"

القابض:

- إن شئت رأيي فسيارة الأجرة تبقى هي الحل الأنسب في مثل هذا الظرف الطارئ.

كمال:"الحيرة جلية على وجهه"

- طبعا، هذا معلوم .. "ثم متسائلا" لكن كيف لي أن افعل ذلك؟ .. وانأ لا املك سوى ثمن تبضع مستلزمات العشاء والسهرة الرمضانية .. إننا في شهر رمضان والتسوق فيه يختلف عن سائر الأيام ..

القابض:

- ما عليك إلا أن تلوم نفسك ..

كمال:"نزل إلى مدرج باب الحافلة"

- إي والله ..

القابض:"ينظر إليه"

- لماذا سهرت كثيرا؟

كمال:"يشرئب إليه بعنقه"

- لا تلمني يا صديقي .. أو أنت لا تسهر؟ !!! .. قلي من منا لا يسهر في مثل هذا الشهر المبارك .. انه رمضان .. شهر العبادة والسهر والسمر ولم شتات العائلة والضحك .. والأحجيات .. وهكذا ..

القابض:"يضم يديه أمامه على المنضدة"

- هكذا اذن .. اشرب ولا تتذمر من سهرك هذا، وسمرك .. و.. و.. وتقبل بصدر رحب عواقبه الوخيمة .. ستنال اليوم انشاء الله من جراءه استجوابا .. هذا ان لم يكن مختوما بانذار بقرار وزاري مزخرف ومنمنم .. مع توبيخ شفوي مطرز ومنقوش ايضا بعبارات انت لا تريدها ولا تحبذ سماعها .. تحمل يا جاري العزيز ..

راكب (4):"واقف حذو النافذة ووجهه موجه اليها .. يفرك يديه في عصبية .. وانفعال شديد .. ثم يضرب احدهما بالاخرى"

- لا حول ولا قوة الا بالله .. انقلب شهر رمضان المبارك من التهجد والعبادة والتعاون .. .و المحبة والاخاء والتآزر والتراحم .. الى شهر لهو ولعب .. .وسهر وسمر .. .وشغب .. "يلتف باليهما دون ان يتفطنا اليه" يا خلق يا هو اتقوا الله ..

كمال:"لم ينتبه اليه .. متله بعد النقود التي بين يديه"

- سوف امتطي سيارة اجرة وامري لله .. وهناك اقترض من بعض الزملاء .. او الزميلات ..

القابض:"مركز بصره على يدي كمال"

- حتى تكون لك درسا .. عله يردعك .. .فلا تعد للسهر مرة اخرى ..

كمال:"يزفر"

- آه، يا صديقي .. والله انه لدرس باهض .. ولكن ماذا تراني فاعلا .. .يا جاري العزيز تجدني بعد صلاة التراويح وتلاوة ما تيسر من القرآن .. من دون ان اشعر اخلد الى السهر .. آه كم يحلو السمر ويروق في رمضان .. اقر بانني جبان امامه .. ..والله تجدني احيانا اصل الليل بالنهار .. صدقني ان قلت لك اني لا انام في رمضان سوى ساعتين كل ليلة .. حيث اني اربط المغرب بالسحور ثم انام قليلا وما البث ان استيقظ للذهاب الى العمل .. وهكذا دواليك الى ان ينتهي الشهر وينصرم .. بربك خبرني كيف يغمض لك جفن وحولك السعادة .. من مرح وفرح .. و.. و.. و.. ؟ يا صاحي وكما يقول المثل الشعبي:"اذا لقيت الزهو والطرب لا تبدله لا بشقاء ولا بتعب".

القابض:"يبتسم ساخرا وهو يتابعه"

- الآن حين تتخطى عتبة الادارة .. سيقابلك المدير بطربه ودفه وطبله ومزماره وكمنجته وعوده واوتاره .. ارني كيف ستبدله وبماذا؟ !!! .. ورد لي الخبر.

كمال:"ضاحكا واحدى يديه في جيب سرواله"

- يا اخي تفاءل خيرا .. وليكن في علمك حتى المدير العام بذات نفسه وجلالة قدره يباشر عمله متاخرا .. في مثل هذا الشهر .. او ليس ببشر مثلنا .. وليس مدير العام فحسب بل كل المدير العامين وغيرهم من المديرين مثل مديرنا .. اوليسوا ببشر مثلنا؟ ام تراهم مصطفون .. الكل سمار في رمضان يا اخي .. "يضحك"ها،ها،ها ..

القابض"يضحك"

- هل انت منهم حتى تجاريهم في تصرفاتهم وتقلدهم في تاخيرهم

كمال:"يرفع منكبيه"

- ولما لا افعل !!! اولست بكاهية مدير

القابض:

- انت قدوة رئيس المصلحة ورئيس المصلحة قدوة بقية الموظفين

كمال:"منفعلا"

- اوليس المدير العام قدوة لي ولكافة الموظفين المثاليين؟ .. لا ضير اذن ان انا تاخرت مثلهم وجاريتهم في ذلك .. او فعلها احد الموظفين .. في النهاية كلنا موظفون .. وسواسية ايضا

القابض:"ساخرا .. يبسط يديه"

- ما شاء الله .. ان كنت لا تنام سوى ساعتين في الليل لا بل في هزيعه الاخير .. كيف تقضي يومك صاحيا !!! .. لا بد وانك تنام في المكتب .. اليس كذلك؟ .. ام تراني مخطئا وخيالي شطح بي بعيدا.

كمال:"يعود للوقوف حذو القابض"

- لا، والله .. انما حين يضغط النوم علي محاولا اسر جفوني .. اخرج من مكتبي واتمشى قليلا في ممر الادارة ثم لا البث ان اعود الى مكتبي مواصلا عملي بنشاط وحيوية ..

القابض:"يعبس متعجبا"

- لا بد وان نشاط هذا لا يدوم سوى ربع ساعة .. او نصف ساعة ..

كمال:"بكل حماس"

- لا ، غير صحيح .. أبقى في أوج نشاطي وحيويتي ساعة ونصف او ساعتين تقريبا على اقصى تقدير .. ثم يصارعني النوم من جديد .. حينهااذهب الى الحنفية مباشرة واغسل وجدي كذا مرة .. ثم اواصل عملي بحزم وعزم ونشاط متجدد .. لكن يا اخي عند الزوال تصبح مصارعة النوم امر مستعص .. وضرب من ضروب المحال .. ينزل على كالجبال .. صدقني حينها افقد القدرة على مقاومة .. معها الطاقة ..

القابض:"يصغي اليه باهتمام"

- ماذا تفعل في مثل هذه الحالة العصيبة؟ ..

كمال:"بكل فخر"

- لا تخف علي .. افتح حينها موقع التواصل الاجتماعي .. واحاول التواصل مع بعض الزملاء .. لكن ما من مجيب ..

القابض:"يقطب جبينه .. معاتبا"

- ذلك لانهم منكبون على عملهم .. ليسوا مثلك

كمال:"ضاحكا في سخرية"

- ها،ها،ها لم تصب قل بل ..

القابض:"مقاطعا .. "

- يعني ..

كمال:"ساخرا"

- لانهم نشطون على موقع التواصل الاجتماعي .. ويتحاور كل منهم اما مع زوجته او خطيبته او صاحبته او العكس بالعكس .. او يتفرج على فيلم او مسرحية على الانترنات .. اما اولائك المغرمون بالفنانات والفنانين حدث ولا حرج.

القابض: "يتساءل في تعجب"

- وهل انت جاد !!!

كمال:"يشير براسه في اسف"

- اي نعم .. حتى اني مرة اقترحت على المدير العام ان يجعل كاميرا في كل مكتب للمراقبة الجادة.

القابض:"يخاطب نفسه .. آفة واجتاحت الاطفال والشيب والشباب حد الادمان .. ينظر الى كمال هازئا"

- حتما يعاود النوم مصارعتك .. فتهزم لا محالة .. وتنصاع له فتستسلم حينها صاغرا .. فتتخذ لك من حافة المكتب الخشبية وسادة .. حريرية مخملية تسند عليها خدك .. وتروح في سبات عميق .. ويصعد شخيرك على نوتة موسيقية مزعجة مستدعيا المدير كالمستغيث من الرمضاء .. فياتي على عجلة من امره .. ويجدك متلبسا بجريمتك وهي النوم اثناء تاديتك لواجبك الوظيفي خاصة وانت المسؤول المباشر .. فيصرخ فيك غاضبا:"يا سيد كمال .. استيقظ ايها التعسان .. هل انت في مكتب ام فوق فراش وثير .. فتهب واقفا كالمصعوق في استعداد تام وركبتاك ترتجفان من هول المفاجأة والمباغتة .. وانت تقول وقد لفك الخجل .. في ذل ومسكنة بصوت متلعثم العفو يا سيدي لقد اخذتني نعسة على حين غرة .. غصبا عني والله .. حضرتك تعرف ان لا سلطان على النوم .. فلا سبيل الى رده وهزمه .. وتنحني قائلا في مسكنة سامحني سيدي ارجوك لن اعيدها ثانية .. ويوبخك المدير توبيخا لا مثيل له .. اليس كذلك؟ .. ويراق ماء وجهك .. وتتلفع اكثر فاكثر برداء الخزي والخجل والحياء ..

كمال:"باعتزاز وثقة"

- لن يفعلها مطلقا .. حتى لوكنت موظفا صغيرا .. ليكن في علمك نحن الكبار لا نهين بعضنا .. كما اننا لا نبيع بعضنا البعض مادمنا نعمل بشرف ومصداقية وروح وطنية .. النوم ليس بالهفوة التي يستحق فاعلها العقاب .. خاصة في شهر رمضان المبارك .. اتعرف لماذا ..

القابض:"يهز منكبيه"

- لا ..

كمال:

- لان الكل يعلم ان اكثر الصائمين يقيمون الليل .. بصرف النظر عن اسباب السهر .. زيادة على ذلك هناك كثير من الناس يكرهون الاستيقاظ من النوم لتناول السحور .. لذا اكثر الصائمين لا ينامون قبل تناول السحور ..

القابض:

- وانت منهم

كمال:

- بلى

القابض:

- لا تكابر ولا تغالط نفسك لا بد وان المدير حين يقبض عليك وانت نائم .. يصب جام غضبه عليك، وهو ينظر اليك ووجهه عابس مكفهر .. خاصة اذا كان من اصحاب حشيشة رمضان التي يزعمها بعض الصائمين في رمضان ..

كمال:"هازئا"

- لا يا فصيح، لا لم تصب بالمرة .. لقد رحل بك خيالك المريض هذا الى بعيد "يقوم بحركة بيده مشيرا بها الى الاعلى" بعيدا جدا .. لا، لن ولن تصل بي الأمور الى هذا الدرك المزري ابدا والمشمئز حقا .. ولن يحدث معي مطلقا ..

القابض:"متعجبا"

- كيف اذن؟ !!! .. "يشير الى الركاب بعينيه" انظر الى الركاب معظمهم نيام .. ورؤوسهم كحبات التين التي فات اوان قطافها .. كلها تتدلى .. وبعضها يتأرجح .. أنا اعرف من من بين هؤلاء نائما وهو معروف بغطرسته وغروره وتكبره واعتداده بنفسه .. في فصل الصيف .. صيف الافراح والليالي الملاح والمهرجانات .. تراه يضحك ساخرا ممن يغلبه النوم فيصرعه .. "يشير الى احد النيام" انظر اليه الا تراه صاغرا وراسه يتدلى في خنوع على صدره مثله مثل بقية النيام بالحافلة .. في هذا الشهر تخلت عنه عنجهيته وتكبره فنام .. بل غط في نوم عميق .. انظر اليه كيف احكم جلسته .. ركز احدى ركبتيه على ظهر الكرسي الذي امامه .. حتى يثبت في كرسيه ولا يسقط منه .. وانت الذي يصل الليل بالنهار الست مثلهم؟ !!!

كمال:"بثقة واعتداد .. يده اليمنى بجيب سرواله يشير براسه اشارة النفي"

- لا، انا شئ آخر .. انا مختلف عن كل هؤلاء تماما .. على الاقل عن هذا الذي كنا تذكره ..

القابض:"ساخرا"

- قل لنا كيف ذلك يا بطل النيام والصيام؟ !!!

كمال:

- لا يا صاحي فحلول مصارعة النوم كثيرة ، ووفيرة .. ومتعددة ايضا .. .في مثل الحال التي ذكرتها لك آنفا .. اجدى وانفع وسيلة لقهر سلطان النوم هي الذهاب الى مكتب زميلاتي .. اتسلى باحاديثهن الطريفة والظريفة .. والخفيفة .. على الاقل من وجهة نظري .. حيث يا صاحي لا يكون حديث النساء في رمضان الا على الطبخ والطبخ لا غير .. وكيفية اعداد الطعام وتقديمه لحمواتهن .. اذ لا هم لهن سوى كيفية ارضاء بطون ازواجهن .. واهل ازواجهن .. . خاصة النساء .. .. كل منهن وطريقتها .. فتراهن يسردن قائمات لا حصر لها ولا عد من المأكولات .. .و طريقة اعدادها وفن تقديمها .. وتتبارين في ذكر خواص ومستلزمات كل نوع من الاكلات المحلية والاجنبية .. خاصة اذا استفسر احد الزملاء احداهن .. عن كيفية طبخ احدى الاكلات .. وكما تتنافسن في كيفية تقديم المقبلات والمفتحات والتفنن في اعداد المائدة او الصفرة كما يحلو لبعضهن تسميتها .. يا جاري كم هن مبدعات في الاكاذيب .. تلك التي كانت في رمضان فارط جاهلة الجاهلات لبعض الاطعمة والماكولات .. تصبح ولا امك الصنافة في زمانها .. وفي الوصفات التي في كتابها ذاك الذي اخذ بيد الكثيرات من النساء .. ومن منهن تتفنن في سرد بعض الاطعمة الشرقية والاسياوية .. او الاوروبية وكيفية اعدادها .. وبعض منهن محيطات بها وهن يسجلن ما يسمعن .. وخصوصا التي ستكون حماتها في ضيافتها في العشاء او كما نقول 'شقان الفطر" تراها تسجل حتى اتفه التقنيات لتتباها بطبخها على حماتها وعلى سلفتها او على لوزتها (اخت زوجها) .. وكلهن مشرئبات الاعناق احيانا واحيانا اخرى منكبات على الورق يسجلن ما يسمعن بشغف وانتباه .. والسكون قد ساد المكتب .. يخالهن الرائي يجرين امتحان الترقية .. وهي بينهن ولا الملكة اليزابيت على عرشها والصولجان بيمينها والتاج على راسها .. او اردوغان في خطبه المتعجرفة والكل الراس اليه مطاطئ .. والاذن صاغية .. ويعلو مهرجان اصواتهن ويشتد حين تتكلمن عن الاطعمة التي تقدمها القنوات العربية المختلفة في رمضان السنة الماضية .. وايام رمضان السنة الحالية .. وهكذا يهدر جارك بقية الوقت الى حين المغادرة .. والباقي انت تعرفه ..

القابض:

- وما الذي اعرفه؟ !!! انا لا اعرف شيئا ..

كمال:"يمطط شفتيه وكأن الجواب لم يعجبه"

- ظننتك ذكيا .. لبيبا فطنا .. .تفهم بالاشارة .. .اذ بك دون ذلك .. لقد خيبت امالي .. "يضحكان"

كمال:"مبتسما"

- حيث اني لا اكاد اخرج من باب حتى ادخل في آخر شبيه بباب الحشر .. يعني من باب الادارة الى باب السوق المركزية مباشرة .. ادخل مبحرا ومجدفا بكلتا يدي بين امواج بشرية طامية .. اذ تراني ادخل بصعوبة واخرج بصعوبة اشد وانكل ..

القابض:"يشير الى الباب"

- هيا استعد للنزول واستحضر دهاءك .. وعر عن معصميك لتواجه امواجا من استجوابات السيد المدير لك .. وبرهن لنفسك عن مدى قدرات عضلاتك الفكرية .. وعن سلسلة الاعتذارات والحجج المختلفة والاسباب الملفقة لتبرير نفسك عن التاخير الذي وقعت فيه .. "يرفع سبابته مقسما" انا والله متاكد انك ستصبها كلها على وسيلة النقل هذه التي لا تعرف كيف تدافع عن نفسها ..

احد الركاب:"يستعد للنزول .. ووجهه متجهم"

- هؤلاء الاداريون امرهم يدعو الى السخط .. لا تبالي بما يقول ..

القابض:"ينظر الي الرجل في استياء"

احد الركاب:"لقد واكبت حواركما كله"

- لا بد وانه ذاهب الى ندوة (séminaire) تهم الادارة .. انا اعرف اكثر الموظفين يتصارعون بالمناكب .. وان لزم الامر الايقاع ببعضهم البعض .. لتكون مشاركة الحضور في الندوة من نصيبهم .. اما بغاية الحضور الفعلي للتزود بالمعرفة او (للفصعة) كما يقولون للهروب من الادارة للقيام ببعض شؤونهم الخاصة والهامة او للاستراحة او لاخذ العائلة في نزهة

كمال:"يرمق الرجل في استغراب .. يخاطب نفسه .. عجبا كيف عرف !!! في الحقيقة انا ذاهب الى ندوة الملكية الفكرية للبرمجيات .. هذا الحشري .. لا بد وانه من الاداريين الذين تكلم عنهم .. هو فعلا كذلك يهرب من الادارة بحجة الحضور في بعض الندوات التي تقوم بها ادارته او الوزارة التي ينتمي اليها"

- اين تعمل؟

احد الركاب:"يلتفت الى كمال بوجه عابس .. تتوقف الحافلة .. يفتح الباب ينزل وهو يهمهم بكلام غير مفهوم"

القابض:

- انزل يا سيد كمال .. ها قد حططنا الرحال بالمحطة المرجوة والمنشودة .. ترجل يا اخي بسرعة .. ولك مني نصيحة اجعلها عقدا بتدلى حذو العقد الذهبي الذي رايته بعنقك ونحن على الشاطئ .. خلي عنك بالله هذه العادة السيئة ..

كمال"يرفع قافية معطفه الصوفي الاسود"

- يا اخي الا بدلك من ان تقرن نصيحتك الثمينة هذه بفضيحتنا على عين الملا .. من سالك ان كنت البس عقدا ذهبيا او حتى نحاسا؟ .. سامحك الله يا جاري .. الان ساستقل سيارة اجرة وامري لله .. "يلقي التحية ويترجل"

تشتد معركة حامية الوطيس مع مشادة كلامية فضيعة والفاظ غليظة بين رجل وامراة .. ويحتد النزاع .. ويبلغ ذروته حذو القابض"

المراة:تصرخ"

- ماذا اصابك يا اخي؟ !!! حتى هببت في مثل الاعصار الاهوج "بسوي غطاءها"

الرجل:"في حالة هستيرية مخيفة"

- لعن الله النساء .. ما ابغضهن

المراة:"تقضم طرفي سفسارها باسنانها حتى لا يسقط وقد حكمت شده في وسطها بحزام"

- ما بك؟ .. وما شانك بي .. والله هذا ظلم وجور

الرجل:"رذاذ البصاق يتناثر من فمه"

- اخفظي صوتك .. انت عورة .. "يصرخ "وصوت المراة عورة ..

المراة:"تضرب بيدها على صدرها"

- انا عورة .. بئس ما قلت

الرجل:

- نعم هكذا قال الوعاظ الذين هلوا علينا بعد الثورة .. نعم انت كلك على بعضك عورة .. يامراة الزمي بيتك

المراة:"غاضبة"

- اسال الله ان تكون احدى عينيك عوراء والاخرى حولاء آمين

الرجل:"يزبد ويرعد"

- انت امراة عديمة الحياء والتربية

المراة:

- يا الهي ما هذه البلوى التي ابتليت بها في هذا الصباح !!! باسم الله العظيم واستغفر الله العظيم .. لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ..

الرجل:"يصرخ"

- ما بك تستعوذين؟ !!! اورايتني شيطانا ماثلا امامك .. "يرفع من حدة صوته ويصرخ عاليا"انا انسان مثلك .. لكنني لست بعورة مثلك ايتها الوقحة ..

المراة:"تشير بيدها"

- اليك عني ايها المتجني

الرجل:

- والله لن تسلمي مني هذا الصباح

المراة:

- اصبحن واصبح الملك لله

الرجل:"يصرخ غاضبا"

- تسبينني !!! "يخاطب الركاب" انها تسبني

- الركاب:"لا يعيرونه اهتماما .. اكثرهم نيام"

القابض:" ينظر اليه في أسى"

المراة:"تلتفت الى الركاب الذين في حالة صعود الى الحافلة مستنجدة"

- بالله عليكم خلوا بيني وبين هذا الطاغية

الرجل:"ساخرا"

- يقولون المراة زهرة الحياة .. ها .. "يصرخ في سخط" انها نقمة السماء في هذه الحياة "يلتفت الى المراة" انت نقمة .. ولعنة وعورة

المراة:

- اخجل يا رجل .. واحفظ لسانك وادبك .. والا قسما عظما "تصمت"

الرجل:"بنبرة امتزجت بالسخرية والغضب"

- هل رايتم او سمعتم في العالم العورة تقسم .. ها،ها،ها العورة تقسم .. "يزمجر في غضب وشراسة" .. والا ..

المراة:"تلتفت الى القابض مقاطعة"

- لست ادري منذ كان في المحطة بانتظار الحافلة وهو يزبد ويرعد بمفرده .. كالمعتوه يتخاصم مع نفسه .. تارة يتذمر ويحاكي نفسه وتارة اخرى يسب ويشتم .. وها هو كما ترى .. وكانما اصابه مس من الجنون .. ما راعني الا وهو يوجه لي جام غضبه ويسبني ويلعنني .. فلم يبق له سوى الكفر والضرب ..

الرجل:"يصرخ"

- كيف تريدينني ان لا اغضب واصرخ .. وان لا اسبك .. انت تستحقين اكثر من هذا وامثالك من النسوة .. "يحاول الهجوم عليها"

المراة: "ترفع يديها حامية وجهها"

- ابعدوه عني .. انه في حالة هستيرية من الغضب .. هذا الرجل الغير طبيعي .. عله .. "تصمت"

الرجل:"متعنتا"

- لن ابتعد .. لو كنت زوجتي لصـ .. "يصمت عن مضض الكل يراقبه بعين الاستنكار"

المراة:"تهمس فيه اللطف .. الحمد لله ان زوجي راجح العقل ليس معتوها مثله"

- كف

الرجل:

- لن اكف .. لقد صدمتني بقفتك .. "يشير بسبابته" هذه اللعينة

راكب(6): "تصدر منه قهقهة مفضوحة"

المراة: "باستهزاء سافر"

- وماذا فعلت لك قفتي المسكينة؟ الا تراها .. انها هادئة ومستكيتة في يدي .. لا تنط ولا تخربش ..

الرجل:"بانفعال شديد"

- كلا انها تخربش

المراة:"متعجبة"

- المسكينة لا تملك اظافر .. علها جرحتك !!!

الرجل:"لا زال في اوج انفعاله"

- كلا .. وانما لا مست رجلي

المراة:

- وهل انت مرتد تنورة حتى تلامس رجلك ..

الرجل:"يصرخ"

- اخجلي ايتها المراة .. قلت لك لقد لمست رجلي

المراة:

- يعني لمست ساق سروالك المحترم ليس الا .. وهو فيما يبدو ليس من الحرير .. ولم يتمزق ولم يمس بسوء ..

الرجل:

- ان سروالي من الدجينس الرفيع .. اشتريته من مغازة تستورد الثياب من تركيا .. وهي لمسته وهو جديد .. لم ارتديه الا اليوم

المراة:"تبتسم ابتسامة السخرية والاستهزاء .. تهمس مشتاق ودنى تاق .. تخاطب الركاب"

- المسكين قفتي لمسته .. "تلتفت اليه" معك الحق .. خاصة وهو ليس من الفريب (الثياب المستعملة)

عدد من الركاب:" يتابعون الحدث يضجون من الضحك"

الرجل:"عابس"

- لقد اصابت سروالي وسخا

المراة:"غاضبة .. تدافع عن قفتها"

- حاشا وكلا .. ان قفتي بريئة .. لانها جديدة كما ترى .. ونظيفة .. اشتريتها خصيصا لتبضع حاجيات مأدبات رمضان المبارك .. ونحن في اليوم الاول منه .. كما تعلم ويعلم الجميع رمضان شهر البطون والموائد العامرة .. والفاخرة .. رمضان شهر الشاهية والتخمة ..

الرجل:"صارخا"

- كل هذا لا يهمني .. المهم انك ضايقتني بقفتك اللعينة هذه (يشير الى القفة) .. وبالتصاقها في رجل سروالي

المراة" تتشاءم من اللعنة التي الصقها بقفتها .. تستشيط غضبا"

- حفظ الله قفتي من لعنتك .. "تبسمل عليها" .. ساضع فيها بضاعة ومستلزمات عشاء اول ايام رمضان المبارك .. والسحور .. و.. و.. و.. ثم بالله عليك قلي ايها الرجل الغريب الاطوار هل سروالك جورب نسائي من لا شيئ يتمزق؟ !!! .. هاه .. ام من الحرير الهندي الرفيع .. خدشة واحدة تفسده؟ !!! .. ام لست ادري ماذا؟

- الرجل:"يسب المراة ويلعنها"

المراة:"منفعلة"

- مالك يا رجل !!! كف عن غيك وثب لرشدك تسلك .. لم يبق لك سوى ان تضربني .. ما ذا ارى واسمع يا ناس؟ .. هذا والله لظلم كبير .. وعجرفة ما بعدها عجرفة ..

راكب(1)

- ناقم على النساء

راكبة:"تضحك"

- لا بد وان زوجته البارحة تركته دون عشاء وسحور ايضا .. فاصبح يصب جام غضبه ونقمته على النساء.

صويحباتها:"واقفات حذوها .. تضحكن ساخرات وبصوت مرتفع"

- مسكين عدو النساء .. يقهقهن .. "ها،ها،ها" .. عدو المراة

احدى الراكبات:"تهمس هذا ممن غسلوا ادمغتهم الوعاظ المستوردون .. وعاظ البترودولار"

مجموعة من الركاب:"توجه اللوم الى الرجل"

- يا رجل، حرام عليك ما تفعله وتقوله .. اتق الله في خلقه .. كان عليك اللوذ بالصمت حتى وان حقا ظلمتك او تطاولت عليك .. الحلم مطلوب .. والتسامح مرغوب .. والخصام مرفوض .. فبالحلم والتسامح نعش حياة يعمها السلم .. فنغنم ..

الرجل:" يضرب بقبضته على حافة النافذة في غضب واستياء"

- هل انا مجنون حتى تضحكن .. ساخرات مني؟ !!!"يشير الى صدره بسبابة ترتعش من الانفعال والغضب .. يصرخ"هاه يا قليلات الحياء .. يا عديمات التربية والاخلاق .. اجبنني ايتها الوقحات.

الفتيات:"تلذن بالصمت والضحك ينبثق من نظراتهن .. تتهامسن فيما بينهن"

- المسكين ستصيبه جلطة من الغضب

راكب(5):

- الحق عليك .. انت من فتح لهن باب مجال السخرية .. والاستهزاء والضحك

الرجل:"يحدجهن بنظرات النقمة"

- لو انك احترمت نفسك .. وصنت لسانك .. مانالك ما نالك

راكب(6):"ينهض من كرسيه"

- تعالي يا خالة .. اجلسي مكاني .. وابتعدي وقفتك الجانية .. "يضحك"

المراة:"تجلس"

- شكرا لك يا بني

الرجل:"يصرخ"

- وهل انا كلب مسعور حتى تطلب منها الابتعاد عني .. "يشرع في السب والشتم والكفر( .. )"

راكب(7):"يأمر السائق بالتوجه الى اقرب مركز شرطة".

راكب(8):"عابس الوجه .. مقطب الجبين"

- كفوا عن هذا الخور .. اني قاصد عملي .. ارجوكم ساتاخر .. لا زلت حديث العهد بعملي .. وان حدث واتجهتم الى مركز الشرطة .. ستتسببون لي في عقوبة صارمة .. هذا ان لم يكن في طردي نهائيا .. ارجوكم كفوا .. لم انل الترسيم بعد ..

الرجل:"يصب جام غضبه على الراكب(7) كالبركان الثائر .. ثم لا يلب ثان يمسك بخناقه محاولا ضربه وهو يصرخ مخرجا من فيه شلالات من الالفاظ السوقية البذيئة والتي يندى لها الجبين.

راكب(7):"يستشيط غضبا"

- هذا الرجل لا تؤدبه سوى العدالة .. من فضلك توجه من فورك الى مركز الشرطة .. هذا رجل يستوجب السجن

السائق:"ينزل عند رغبة الركاب .. يحول وجهة الحافلة الى أقرب مركز شرطة"

القابض:"ينهض من مكانه .. متوجها نحو الرجل"

- يا اخي كف عن غيك اللعين هذا .. واستعذ بالله واستغفره .. اننا في رمضان وابواب الرحمة مفتوحة .. استغل هذه الفرصة ..

الرجل:"يصرخ غاضبا"

- اورايتني كافرا .. فاسقا .. فاجرا .. أو ..

القابض:"يقاطعه في انفعال مصحوب باشمئزاز"

- ماهذا؟ !!! .. ماذا اصابك؟ !!! .. اصمت واغلق هذه الحنفية الموبوءة ..

الرجل:"لا يعبأ بكلام القابض .. يواصل السب والشتم"

القابض:"متعجبا"

- مابك؟ .. لست في وعيك .. لا بد وانك مجنون .. اوتريد قضاء بقية شهر رمضان بالسجن .. بالله عليك اصمت واترك اليوم يمر بسلام ..

الرجل:"في اوج غضبه"

- لم اقم بجرم .. يا ابناء الفاعلة .. تبا لكم .. يا ..

القابض :"مقاطعا في استياء"

- احترم نفسك يا رجل .. وكف عن هذا الكلام السوقي المنحط .. وعن الفاظ الحرافيش والصعاليك .. واستسمح الجميع

الرجل:"متعنتا"

- انا رجل محترم .. لن اطأطئ راسي لاي كان .. انا ما ظلمت احدا .. ولم أتعدى على حرمة احد ..

القابض:"في سخط"

- لا، بل ظلمت المراة والراكب الذي تهجت عليه سبا وشتما وخنقا ايضا .. وظلمت الاخرين باسماعهم ذاك الكلام القبيح السيئ .. في هذا الشهر المبارك ..

الرجل:"مكابرا في غباء وحمق"

- فلتتوجه الحافلة راسا الى مركز الشرطة .. ماذا سيحدث بربكم !!! .. "يهز منكبيه في لامبالاة" .. لا شيئ .. "يبتسم في استهزاء" مجرد استنطاق ايها "يصمت قليلا" .. ومحضر على اقصى تقدير .. لا غير .. !!!"يلوي شفته في امتعاض وسخرية"ماذا تضنونهم بي فاعلون "يهمس ايها الاغبياء"

 القابض:

- لا يا اخي ستسجن .. والله ستسجن

الرجل:"يمسح فمه .. يبتسم في سخرية"

- ماذا تقول ساسجن !!! .. ولماذا اسجن؟ !!! .. ها .. لماذا ساسجن؟ !!! امركم غريب .. وهل السجن سهل الى هذه الدرجة؟ !!!

القابض:"ينظر الىه في تعجب"

- يا هذا الكل شاهد ضدك .. وسب الجلالة عقوبتها السجن ايها المغفل ..

الرجل:

- ولماذا السجن؟ .. الامر بيني وبين خالقي .. "يشير بسبابته الى الركاب" وما دخل هؤلاء الجراثيم !!! ..

القابض:

- ارجود هذب الفاظك ولوقليلا .. واحترم الآخرين .. اسمع يا هذا يبدو انك لا تعرف عقوبة سب الجلالة ..

الرجل:

- لا، اعرفها .. واعرفها جيدا .. لكن كلهم يعرفون ان "حشيشة رمضان" ركبت راسي

القابض:

- لا "حشيشة رمضان ولا عصاة رمان" .. المهم الآن .. ان تستسمح "يشير بسبابته الى المسافرين" هؤلاء جميعهم والا اصروا على تقديم شكواهم ضدك .. ها، ما رايك؟

راكب(1)

- والله هذا امر عجيب .. رمضان اصبحت له حشيشة

راكب آخر:"يقهقه في حالة هستيرية"

- علها الزطلة .. انها موضة ما بعد الثورة

جمع من الركاب:"يقهقهون بعضهم يمسح دمعه الذي سال من عينيه من شدة الضحك"

- قالك رمضان له حشيشة .. يضجون من الضحك"ها،ها،ها

راكب(1)

- ارايتم حتى رمضان لم يسلم من السنتكم .. هو ايضا افتريتم عليه .. ونسبتم غضبكم وتعصبكم اليه .. واطلقتم عليه حشيشة رمضان ..

راكب آخر:"ساخرا"

- ترى ما هي هذه الحشيشة؟ !!! دعوه يجيبنا ان كانت زطلة .. ام تكروري .. ام القات .. "يغرق في الضحك" ها،ها،ها "يدفن وجهه من شدة الضحك في زنده وهو مشبك يدع بالقضيب الحديدي الملاصق لسقف الحافلة"

الرجل: "ينظر اليهم في غضب"

راكب(1)

- ما دخل رمضان فيما تقترفون، .. وفيما تفترون .. وفي الآفاك التي تأتون .. رمضان براء مما تقولون، وتفعلون.

الكل يلوذ بالصمت ما عدا الرجل يرمقهم بعينين تقدحان شرر السخط عليهم والغضب"

- بلى رمضان هو السبب .. اجل هو السبب .. وبدل من ان تشتكوني الى الشرطة .. روحوا واشتكوا رمضان

رجل زنديق" ينكس راسه ويديره ذات اليمين وذات الشمال بين صفوف الركاب وكانه يبحث عن شخص ما وهو ينادي "

- رمضان، اين انت يا رمضان؟ يا ويلك الرجل سيشتكيك الى الشرطة .. اسمعت خذ حذرك حتى تعرف كيف تدافع عن نفسك .. "يندفع ضاحكا وجميع الركاب .. "

- ها،ها،ها

بعض الركاب الفضوليين:"يلتفت باحثا ببصره عن رمضان"

راكب زنديق:"يلتفت الى الرجل سائلا بلهجة السخرية والاستهزاء السافر"

- يا بابا، .. يا خويا، قلي وهل رمضان بشر مثلنا حتى نشتكيه؟ !!!"يقهقه" .. افق هل انت مزطول؟ !!!

الرجل:

- اي نعم .. روحوا واشتكوا رمضان

راكب(10):

- وما دخل رمضان فيما انت فيه من سوء الاخلاق، .. وقلة الادب والاحترام .. وشديد الغضب .. ما رمضان الا شهر كبقية الاشهر .. الا ان الله سبحانه وتعالى كرمه عن بقية الاشهر ..

احد الركاب:

- اخبره بالله عليك

الرجل:"يراقبهم في امتعاض"

راكب(10):

- كرمه الله بليلة القدر .. التي هي كما قال الله تعالى خير من الف شهر .. وبنزول القرآن .. وبوجوب الصيام، .. وقيام الليل .. فلما نشتكيه بدلا عنك؟ !!! انت الجاني على نفسك .. والمذنب في حقك وحق الآخرين .. هؤلاء المستمعين .. ايها الصعلوك المتعجرف ..

الرجل :"متعنتا"

- اقولها دون تراجع .. وبدل المرة ألفا .. رمضان هو السبب .. لولا الصوم ما فقدت القهوة .. والشاي والسجائر .. "يضع راحة يده على جبهته" .. آه السجائر خاصة هي .. تلك الملعونة .. لولا رمضان ما آلمني راسي .. كل هذا الالم المبرح الذي الم بي .. وكل هذا الصداع الفضيع .. وما اصبت بهذه الحالة الهستيرية من الغضب .. ومن ضيق الخاطر والخلق .. لا بل من الهيجان غير الطبيعي .. والثورة البركانية .. افقد صوابي كلما حان وقت شرب الشاي .. او القهوة .. او السجائر اللعينة .. راسي يتصدع .. ينقسم الى نصفين .. واعصابي تضطرب وتشتد .. وينفلت مني زمامها .. فاتصرف تصرفا ارعنا واهوجا .. واحيانا خارجا عن المعقول .. اه لولا رمضان ما صمت .. وما اصابني ما اصابني .. وما اسقطت كرامتي .. وما تلفظت بما يهينني .. كل هذا وتقولون لي لا دخل لرمضان فيما انت فيه من حشيشته !!! فما تسمون هذا اذا؟ !!! ..

راكب(10):

- لا تبرر ما انت فيه من سوء الخلق

القابض:

- انا مثلك .. مدمن على شرب المنبهات .. وتعاطي السجائر .. لكني يا اخي اروض نفسي قبل حلول شهر رمضان بنصف شهر او اكثر

الرجل:"متعجبا"

- وكيف؟

القابض:" ناصحا"

- الامر بسيط للغاية .. اقلل من شرب السجائر والقهوة .. والشاي تدريجيا .. بدل من عشر سجائر في اليوم اشرب ثمانية .. وبدل من عشر فناجين قهوة .. اشرب ست، وهكذا كل يوم انقص سيجارة، .. وكاسا من الشاي، .. وفنجانا من القهوة .. الى ان يحين رمضان فتجدني قد روضت نفسي ترويضا محكما .. واصوم دون ان افقد السجائر اة المنبهات .. وها انا كما تراني عادي جدا .. الثلاث ايام الاولى من الشهر قبل اذان المعرب بقليل يؤلمني راسي الما مبرحا كمعظم الصائمين وهذا امر طبيعي .. حتى انه في بعض الاحيان يلزمني الفراش .. وانت لو فعلت مثلي، .. واستعددت لرمضان وتصرفت بحكمة ما وصلت بك الحال الى هذا الدرك الاسفل من سوء الاخلاق .. والتصرف .. والسلوك المشين ..

الرجل:"يومئ براس"

- اي نعم .. صدقت ليتني تعرفت عليك من قبل

القابض:

- اتدري .. بتصرفك هذا تعد في حكم الفاطر لا الصائم .. اذ لم ينبك من صومك سوى الجوع والعطش .. والان هل ستطلب السماح من هؤلاء ام لا؟ ..

الرجل:" يخاطب نفسه .. آه يا نفس كم تعزين علي .. فانكسارك عندي مذلة .. ومهانة .. وهزيمتك عندي بالموت .. يحك ارنبة انفه" ..

- لعن الله الشيطان الرجيم .. "يلتفت الى المراة" .. سيدتي رجاء سامحيني .. "يضع يده على ام راسه" .. انت وقفتك على راسي ..

المراة:"صامتة"

الرجل:"منحن على كرسيها"

- لقد اخطات في حقك .. وحق قفتك الجديدة كما تقولين .. حاملة الزاد والزواد ..

جمع من الركاب:"يضحكون"

الرجل:"يعتذر بعبارات تنم عن سخرية مفرطة"

- اسال الله ان يديم عمارها بالبضائع واثمن الثمار والغلال واللحم والسمك والسلع الرمضانية ..

الركاب:"يهتزون من الضحك"

الرجل:"يتوجه بالكلام الى جميع الركاب"

- اسمعوني .. ها انا اطلب السماح منكم .. ارجوكم يا اخواني سامحوني .. .لقد تطاولت عليكم .. .واسمعتكم الفاظا يندى لها الجبين .. لعنة الله على ابليس .. لعنة الله على الشيطان الرجيم العاصي ربي ..

الركاب:"بصوت واحد"

- ها قد جئت الى الصواب .. حين لعنت الشيطان .. وسوسته هي التي وخزتك .. فاثارت غضبك اذا هو السبب لا رمضان .. ولا حشيشة رمضان .. كما تدعي ويدعي امثالك ..

الرجل:

- هو الشيطان لعنه الله .. ابو المعاصي .. والله .. تبا له ولوسوسته .. الله يلعنه ويخزيد .. "يلتفت الى يساره" .. اعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ..

القابض:"مبتسما"

- هاه .. هكذا جميل .. وجميل جدا .. الرجوع الى الحق فضيلة .. وفضيلة كبرى .. عليك ان تعرف هذا من الاول .. وليس بهزيمة .. كما تظن او تشعر ..

الرجل:"بانكسار"

- لا اخفي عليك .. لقد تعاليت على نفسي .. حين استسمحت الجميع .. احسست بها هزيمة كبرى لا بل قل لا مثيل لها .. وانكسارا مصحوبا بالمذلة والمهانة .. لذا لم انخ الا بصعوبة .. ان نفسي تعز علي .. "يعرك وجهه بيده في انفعال"

القابض:"يستمع اليه بتعجب واندهاش .. وهو لائذ بالصمت"

- "تتوقف الحافلة في المحطة الاخيرة .. للاستراحة قرابة ربع ساعة .. وربما اكثر ثم تستأنف الرحلة من جديد .. الكل ينزل .. حتى السائق .. ولم يبق بها سوى القابض رابض في مكانه يتحدث مع نفسه .. ويتحاور معها في تساءل مصحوب بتعجب واستنكار:"اي صائم هذا الذي يصول ويجول .. سبا وشتما، .. وظلما وكذبا وافتراء .. وادعاء على الغير .. ايا كان؟ .. واية صائمة هاته التي تبتلي على غيرها وتشتري حياتها ومنصبها باعراض الناس وملازمة اهل السوء والمشعوذين والسحرة .. واخوان الشياطين .. تحيك الدسائس والمؤامرات .. وتنصب الفخاخ .. وفجاج الجحيم .. وترسم واياهم الخطط بالطول والعرض للاطاحة بهاته وبتلك .. وبذاك وذالك .. وبهؤلاء .. لدهورة حياتهم او لتقويضها .. او لتحطيمهم .. ثم يقول كلا الفريقين بانهم صائمون .. ومنهم من ينسب غضبه وسوءه وفحشاءه الى رمضان .. مدعيا بانها حشيشته .. اية حشيشة .. واية قشة هاته التي يتكؤون عليها؟ !!! والتي تصل بكثير او ببعض من الناس الى الاعتداء على حق الغير وحريته احيانا العامة واحيانا اخرى الخاصة .. فهذا والله افك عظيم .. وافتراء كبير وخطا جسيم .. "يتنهد" والله ما رمضان الا شر الهداية والتقوى والعبادات .. شهر قيام الليل بالتهجد وتلاوة القرآن .. اناء الليل والنهار .. شهر النور الرباني نازل من السماء .. صاعد من افواه المؤمنين الصائمين العاكفين الذاكرين الله قياما وقعودا الى العلاء .. شهر رمضان شهر الصيام والصبر .. والانات وحسن الاخلاق ونكران الذات .. وشهر الاخاء والتعاون والتآزر والتراحم والتسامح .. والتوبة والاستغفار .. هذا الشهر المبارك الذي فضله الله على بقية الاشهر بنزول القرآن رحمة وهدى للعالمين .. وبليلة القدر التي قال فيها سبحانه وتعالى " خير من الف شهر تنزل الملائكة والروح فيها باذن ربهم من كل امر سلام هي حتى مطلع الفجر"صدق الله العظيم .. لا شهر الرمضاء الاخلاقية والسب والشتم والخصام والمشادات الكلامية وهتك اعراض الناس سرا وعلانية والاتكاء على عكاز وهمي اهون من بيت العنكبوت .. صنعوه من خيالهم المريض وسموه حشيشة رمضانية.

 

بقلم الاديبة والكاتبة والناقدة والشاعرة فوزية بن حورية

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

طاب يومكِ بالخير فوزية
أهنئكِ على نفس السرد الطويل الذي تمتلكينه، فليس كل سارد يمتلك هذا النفس
نص جميل عزيزتي
احترامي واعتزازي

ذكرى لعيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديبة والكاتبة والناقدة والشاعرة فوزية بن حورية ..
سلام الله عليك قاصة باهرة تطوع الحروف حكايا وتصنع من الكلمات باقات وهدايا ..
دام مداد قلمك ..

الشاعرة التونسية رجاء محمد زروقي

شكرا على تعليقك المميز دمت بخير اختي رجاء زروقي

الاديبة و الكاتبة و الناقدة و الشاعرة فوزية بن حورية
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3923 المصادف: 2017-06-02 08:30:23