 روافد أدبية

شارع رقم - 6

حيدر الهاشميالضجة التي تحدثها الطيور على أشجار المنازل و أسلاك الهاتف، قبل حلول المساء، هي أشبه بفكرة مجنونة، لا تعرف بأي مكان تستقر، وأنت كقطعة خشبية متسمراً أمام مرآة دكان حلاقة قديم، تحدق بها طويلاً، تبحث عن ابتسامتك المفقودة، وتجمع أوراق ما تبقى من ذكرياتٍ واغنياتٍ قديمة .

يقترب منك الليل ويلتهم الظلام، ما تبقى من ملامح النهار، بينما ترتفع أصوات الموسيقى، وتزين المصابيح الملونة الحدائق العامة، البارات والأزقة الضيقة . ثم يتلاشى ظل المارة وتختفي أصواتهم ويتحول المكان إلى رصيف قاحل، لا تزال تراوح مكانك، تبحث عن شجرة كبيرة، لغرض التبول، تشعل ناراً من الأوراق التي جمعتها من القمامة، تقاوم البرد، لكن هذا الدفء لن يستمر، تمسك عربتك وقبل أن تفكر بالانصراف، تسمع صوتاً يناديك من الخلف، أنه تاجر داهمه الليل هو الآخر .

التاجر: أيها الحمال قف مكانك، هل بإمكانك إيصالي إلى نهاية الشارع ؟

الحمال: نعم، لكن هذه البضاعة ثقيلة الوزن، كيف سأستطيع حملها؟

التاجر يقهقه ثم يضربه على قفاه:

 هيا، لا وقت لدي، أنت جرب فقط، ستكون في المستقبل حمالاً جيداً.

سار الحمال والتاجر يراقبه، تصفع وجهه الرياح الباردة، تتساقط دموعه كالمطر، يتوقف قليلاً، يخرج من جيبه منديلاً يمسح عينيه، يصرخ به التاجر .

: لمَ توقفت أيها الأبله، ألم أقل لك، لا وقت لدي .

الحمال: لا شيء، تذكرت موت أبي .

التاجر: كلنا سنموت، أما بالحمى أو بالكوليرا، لا تحزن هكذا هي الحياة .

الحمال: لقد ذهب للحرب ولم يعد إلينا كاملاً، ومنذ ذلك الحين وانا اصنع له رأساً من طين، أضعه بجوار قبره، كلما زرته، لعله يعود إلينا سالماً من جديد .

  التاجر: انتم الفقراء تتوارثون البؤس، خذ هذا ألف دينار وأنزل البضاعة هنا .

الحمال: هذا المبلغ قليل جداً يا سيدي، الأجرة خمسة آلاف، أخوتي جياع وأمي مرهقة، وهذا الألف لا استطيع أن أشتري به خبزاً .

التاجر: كم أنتم مزعجون، لا فرق بينكم وبين الحيوانات المفترسة، خذ ثلاثة آلاف وأنصرف، لا أريد أن أراك مجدداً .

ومنذ ذلك الحين وأنا أتذكر هذا المكان جيداً، لقد مضى ثلاثون عاماً على تلك الحادثة، فعلا حين يموت الضمير، تكون حياة الغابة والحيوانات أرحم بكثير من تلك الإنسانية المزيفة .

 

حيدر الهاشمي / العراق

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

ذكريات ممزوجة بالوجع والألم والقسوة ، ماضٍ يتكلم بلسان حاضرنا الحالي ، فكم من النفوس تقسو على أخوتها وتمتهن الأسلوب الشرس الخالي الضمير في التعامل مع الغير ..

نص يكتنز بواقع نعيشه للأسف ، نقله لنا الأديب والشاعر القدير حيدر الهاشمي بفنية رائعة والوان وأحاسيس نشعرها بكل قسوتها وألمها ..

صباحك كل الورد والأمل أستاذ حيدر ، لك مني أرق تحية وسلام ..

This comment was minimized by the moderator on the site

صباح الأفراح والمسرات الدائمة , سيدتي الرائعة الشاعرة المميزة استاذة فاتن عبد السلام بلان , تحية لك ولمرورك الجميل الذي اضاف للنصر عطرا وبهاء ـــ كل التحايا

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4452 المصادف: 2018-11-13 07:41:05