 روافد أدبية

مدينة بارادايس

نادية المحمداويفي ساعة متأخر من الليل دقت صفارات الإنذار تعلن حالة الطوارئ في البيت الكبير ذي الأسوار الخضراء وهاجت الحيوانات وعلا الصياح والارتباك بين أفراد العائلة. كانت ساعة الجدار تشير إلى الثانية صباحا .....

الدخان الرطب يغطي سماء بارادايس التي تقع على مقربة من مدينة سان فرانسيسكو ذات الجسور المعلقة. الأم كلوديا رغم تخطيها الخامسة والخمسين عاما لم يعيقها تقدم العمر فنهضت بخفة وعزيمة منقطعة النظير وايقضت زوجها أنطوان الذي يكبرها بسنتين فقط  ونزلوا سلالم الدار مسرعين وفتحوا الأبواب ليجدوا النار تحاصر منزلهما وقد التهمت الأسوار الخارجية للبيت وكل ما يحيط به والحيوانات هائجة وتتدافع بجزع من شدة الحرارة وكأنها تعرف حجم الخطر الذي يتهددها الآن. ركضت كلوديا وزوجها وفتحوا أبواب الحظائر على مصراعيها وساعدوا الحيوانات على الانطلاق والابتعاد عن النار ما أمكن. ابنتهم سارا وابنهم ديفيد رغم صراخ الأم ونداءاتها المتكررة نزلوا متأخرين قليلا بعد أن ارتدوا ملابسهم واعدوا حقائب صغيرة للطوارئ. حاولوا أول الأمر بإطفاء للحريق في المخزن ولكن النار تسربت لداخل البيت وأفشلت محاولتهم فتراجعوا إلى مرآب المنزل ثم انفجرت أنابيب الغاز في البيت وانهار جزء كبير من سقف المنزل وتسربت النار إلى بقية الغرف واحدة تلو الأخرى .....

استقل الأبوان وابناهما سيارة واحدة وغادروا المرآب بأقصى ما يمكنهم من سرعة بعد أن بدأت النار تجتاح بقية السيارات المركونة فيه.

النار تحاصر المخارج وتمنعهم من المغادرة، تقذف في طريقهم كرات من النار وكأنها بفعل فاعل. والدخان يحجب الرؤية ورائحة شواء أجساد الحيوانات. أدركت السيدة كلوديا أنهم أفاقوا من نومهم متأخرين وعليها أن تناضل من اجل أولادها وزوجها فاقتحمت النار بسيارتها ونفذت بأعجوبة إلى خارج محيط اللهب الذي ظل يتصاعد خلف سيارتها المسرعة والجميع ينظرون إلى رماد البيت والمزرعة وحياة عمرها أكثر من نصف قرن تلاشت من الوجود في طرفة عين....

 

نادية المحمداوي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

قصة مع قصرها ، مكثفة، مركزة على حدث واحد ، حريق المنزل ، وما احدثه من خوف وهلع ودمار، لم يقتصر على ساكنيه ، وإنما امتد ليطال الحيوانات، وصف رائع، كأنك امام مشهد سينمائي، كل ذلك يدل على قدرة نادية المحمداوي على اثارة القارئ، اتمنى لك ابداعا متواصلا، ادعوك عزيزتي نادية الى قراءة روايتي( بيت الام) المنشور منها ثلاث حلقات، وهذه الدعوة وجهتها لحضرتك، حتى يطلع كل منا على انتاج الآخر ، لمزيد من الاستفادة والتجربة ودمتي بألف خير.

صالح البياتي
This comment was minimized by the moderator on the site

دمت بالف خير شكرا لك انها قصة من واقع الحياة التي حدثت اثناء الحريق في كاليفورنيا
شكرا لك وسوف اطلع على روايتك شكرا مرة اخرى

نادية المحمداوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4467 المصادف: 2018-11-28 10:07:05