المثقف - روافد أدبية

فَسحة بين الركام

فاضل العباسفي الشتاء نلتف حول المدفأةٌ النفطية التي ننتظر ان يتلون لهبها باللون الازرق كما تقول امي لتعطي حرارة بلا دخان يخنق جو الغرفة ويجعلنا نسعل طوال. الليل الشتائي الطويل

فْرَشَتْها امي بفراش خشن، مصنوع من حبال النايلون الذي قالت عنه انه يمنع الرطوبة ويمتص البرد، ومَدَّت فوق جزء منه سجادة صغيرة حيكت كذلك من خيوط صناعية. استبدلتها بواحدة من الصوف صنعت يدويا مع بائع متجول ينادي على بضاعته مع قدوم كل شتاء .

في الصيف كانت ترتبه وتنُضِدَه مع بقية الأفرشة فوق خِزانة خشبية، اشترتها لتخزن في رفوفها صُرَّرَ ملابسنا المستخدمة .

أنحشرتْ أجسادنا حول المدفأة، وتزاحمنا، وتوسط الزحام أبي الذي يجعل للمكان لوناً وطعماً ممزوجاً بكلماته وحكاياته . يحمص أقراص الخبر فوق المدفأة لتصبح أطيب وألذ عندما يغمسها بعصير التمر (الدبس) المخلوط  مع طَّحِينة السمسم السائلة.

للمدفأة واجبات أخرى فعليها نصنع الشاي، ونسخن العشاء بينما يقوم ابي بشواء البلوط والجوز الذي يُطَعِمُهُ بالتمر الجاف ليرسم الليل  ذكرى وبصمة في عقولنا ونفوسنا .

في هذه الغرفة التي خطَ كل واحدٍ منا على جدرانها ذكرى له ورسم بمختلف الاقلام الملونة يسيدُها قلم الرصاص افكاراً متنازعة، متناقضة بين خطوط طولٍ وعرضٍ ،ورسومات اطفالٍ عشوائية، فبدت كأنها خرائط لقارات لا تسكن الارض .

كنا نجتمع للفطور ،والغداء، والعشاء وكثيراً ما يغلبنا النعاس فنفترش اي بقعة فيها، ويدفع بعضنا البعض ليجد له فَسْحَة بين ركام الاجساد المرهقة، المتعبة من اللعب واللف ،والدوران في أزقة الحي كأننا طيور النورس نبحث عن سمكةٍ، وضفدع ضال.

عند كل صباح يذهب ابي الى عمله بينما تنشغل امي في أعمالها البيتية الروتينية، المملة،

الممزوجة، بآهاتها، وتذمرها من عبثنا ولعبنا المتهور في اثاث البيت البالية.

كانت تتشاجر مع نفسها وبغضب لتُسمِعنا.

هُنَّ مُتهالكات وانا رَكَدتُهنَّ كمنظرٍ امام الناس.....

لماذا تعبثون بِهن؟...

والله مللتُ من عدم سماعكمْ كلامِي

ولسوف اضربُ كل من لا يطيعْ الكلام.

أعتدنا صباح كل يوم سماع تهديداتها ،

دون مبالاة نعاود العبث والبحث عن شيٍء افتقدناه او نظن ان الأم تُخبِأه في صررها .فتجلس تشدُ عُقدها مرةً ثانية.

 

في بعض الايام تذهب أمي للسوق الكبير في المدينة الذي يبعد عن دارنا كثيراً.

اما أغلب الايام تتسوق من السوق الصغير المقابل لدارنا.

خرجت امي وكانت وجهتها السوق الكبير،

أوصتني بالانتباه للبيت وأخوتي

الذين لازال بعضهم راقداً الا انا ،والاخت الكبيرة التي تصغرني بأربع سنين .

كانت تحتضن المدفأة

نادتني بان نارها خَبَتْ لان النفط قد نضب.

ملئتُ دلو النفط لأملأ المدفأة

ولقلة المعرفة، وثقل الدلو أنسكب بعض من النفط ،على الجوانب وعلى نار المدفأة

التي التهبت من الداخل.

أنتابني الخوف والفزع سحبتها من تحت بعيداً عن الغرفة. صرخت على أختي بالخروج من الدار مع الاخرين،

وعند باب المطبخ انقلبت المدفأة، وارتفعت النار لتملأ كل الممر.

هربت الى خارج البيت مناديا أهل السوق بالمساعدة

أسرع الكثير منهم يسبقهم صاحب الدكان المقابل لدارنا

أنهال على المدفأة بتراب الحديقة، يعاونه الاخرين .

خمدت النار وانفصلتْ المدفأة الى نصفين .

عادت أمي من السوق، أستقبلها نسوة الشارع بالخبر .

هرولتْ فزِعةً،

حَمِدَتْ الله على سلامتنا ونجاتنا.

عند الظهر عاد أبي وانشغلَ بإصلاح المدفأة بعد ان ربط جزأيها بسلك نحاسي

وَغَيَّر فتيلتها .

عند المساء اوْقِدتْ المدفأة وعاد دفأها ولهبها الازرق مع دفئ تحلقنا حولها.

***

فاضل العباس - العراق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4528 المصادف: 2019-01-28 09:10:54