 روافد أدبية

حكمة الايدو ..

صحيفة المثقففي تلك المحافظة التي اسكنها الاوربية - الاسيوية  كنت أقف بإنتظار دوري في الأيدو أمام شباك التذاكر لأشتري بطاقة سفر بالعبارة إلى محافظة تبعد مايقرب ساعة ونصف، كان يقف أمامي سيد تبدو عليه أمارات الوقار والهيبة برغم ما تركه عليه الزمن من آثار أصابت جمال مظهره بمقتل، كان  يحول بيني وبين شباك التذاكر وطال حديثه مع الموظفة المسؤولة عن قطع التذاكرحتى قالت له أخيرا "الناس ينتظرون من خلفك، أرجوكِ تنحى جانباً سيدي !".

تراجع  الرجل خطوة واحدة فاسحا أمامي المجال وقبل أن أقطع تذكرتي سألت الموظفة عن المشكلة  فقالت إن الرجل معه ثمن بطاقة السفر وليس معه ليرة واحدة قيمة بطاقة دخول العبارة ويريد أن يقطع تذكرته بالدولار وهذا ممنوع !

قلتُ لها هذه  40 ليرة وأعطه التذكرة، فسحت للرجل مجالا ليعود إلى دوره بعد أن نادته الموظفة مجددا.

قطع السيد تذكرته وتنحى جانباً وكأنه ينتظرني فأعتقدت جازمة  أنه يريد أن يشكرني إلا أنه لم يفعل ذلك بل انتظرني ليتاكد قطع  تذكرتي وتوجهي إلى العبارة لركوبها

وقال لي بصيغة الأمر "احملي لي هذه... مشيرا إلى حقيبته!"

كان الأمر غريباً جداً بالنسبة لي، شعرت بالانزعاج  الا اني آثرت الصمت، قطعا ان  الناس الذين يتعاملون مع الاخرين بلباقة ليس لهم مثيل، الا ان تعامل هذا السيد معي بهذه الطريقة  كان ابعد ما يكون عن اللياقة، حملت حقيبته من دون تفكير وتوجهنا سوية إلى العبارة ليجلس كل منا في مقعده  المحدد، كنت احب الجلوس الى جانب النافذة ومن الطبيعي ان يكون مقعدي بجانب الرجل لأنه كان قبلي في الدور، حاولت أن أجلس قرب النافذة لأستمتع بمنظر البحر وامواجه وامتع ناظري برؤية الدلافين، إنه عالم آخر ترى من خلاله بديع  صنع الله وقدرته سبحانه، الا ان  السيد منعني من الجلوس بجانب النافذة ليجلس هو بالقرب منها من دون أن ينطق بكلمة واحدة، رحتُ أنظر أمامي متغافلة عن ماجرى  إلى أني لمحته ينظر في وجهي ويحدق فيه فطالت التفاتته نحوي من دون أن ينطق بكلمة وأنا أنظر أمامي متجاهلة نظراته  حتى بدأت أتضايق  تارة وأقلق اخرى من تلك النظرات والتي وان كنت لا أراها الا انني أشعر  بها كيف تأكلني فالتفتُ إليه عندها تبسم  قائلا " كنت أختبر مدى صبرك وتحملك " .

- صبري على ماذا  سيدي؟

- على قلة ذوقي، أعرفُ تماماً بماذا كنت تفكرين !

-  لا أظنك تعرف سيدي بماذا كنت أفكر وليس مهماً أن تعرف !

فاجابني بكل تحد وثقة، حسناً سأقول لك لاحقا لكن بالي مشغولٌ الآن بكيفية رد الدين اليك !

قلت له  الأمر لا يستحق، لا تشغل بالك فهو مبلغ لايستحق سيدي!

قال عندي حاجة سأبيعها لك الآن وسأرد لك الاربعين ليرة فهل ستشترينها أم أعرضها على غيرك ؟

-  وهل تريد  مني أن أشتريها قبل أن أعرف ما هي سيدي؟

-  إنها حكمة، أعطني عشرة ليرات لأبيعك إياها !

-  وهل ستعيد لي ليراتي إن لم تعجبني الحكمة ؟

- لا فالكلام وبعد أن تسمعينه لن تتخلي عنه ولايمكنني حينئذ استرجاعه، ثم إن  العشر ليرات  تلزمني لأنني أريد أن أرد بها ديني!

أخرجتُ له عشر ليرات من حقيبتي ودسستها بيده وأنا أنظر إلى تضاريس وجهه

وما زالت عيناه تلمعان كبريق عيني شاب في مقتبل العمر، نظرات عينيه تشي بذكاء ثعلبي، مظهره يدل على أنه سيد متعلم الا انني  لن أسأله عن شيء وأنا على يقين بأنه سيحدثني عن نفسه فرحلتنا ما زالت في بدايتها، أغلق يده على العشر ليرات التي فرح بها كما يفرح الأطفال عندما نعطيهم قطعة من الحلوى او النقود.

وقال أنا الآن متقاعد كنت أعمل استاذا جامعيا جئت من محافظتي لأرافق أحد اصدقائي إلى الجامعة التي كنت اعمل بها وأنفقتُ كل ما كان معي وتركتُ ما يكفيني للعودة إلا أن سائق التاكسي أحرجني وأخذ مني ماتبقى من ليرات فقلت في نفسي سأشتري بالدولار التذكرة ونسيت  أن ذلك ممنوعا.

أحببتُ أن أشكرك بطريقة أخرى بعدما رأيت شهامتك حين دفعت عني دون أن أطلب منك فالموضوع ليس مادياً، ستقولين لي بأن المبلغ بسيط  وأقول لك أنت سارعت بفعل الخير دون تفكير.

قاطعت الرجل مبتسمة كنت متوقعة بأنك ستحكي لي قصة حياتك لكن أين هي الحكمة

قال: فقط دقيقة تمهلي سيدتي !

قلت: سأنتظر فقط دقيقة .

قال: لا لا لا تنتظري ..هذه هي الحكمة .

قلت: لم افهم شيئاً سيدي.

قال: لعلك تعتقدين أنك تعرضت لعملية احتيال  اليس كذلك؟ !

قلت: ربما .

قال: سأشرح لك الحكمة هي فقط دقيقة

لا تنسي هذه الكلمة أبداً  في كل أمر تريدين أن تتخذي فيه قراراً عند التفكر في أي مسأله في الحياة  وعندما تصلي  إلى لحظة اتخاذ القرار أعطِ نفسك فقط دقيقه.,دقيقة واحده إضافية، 60 ثانية لاغير .

هل تعلمين كم من المعلومات يستطيع دماغ الانسان أن يعالجها خلال ستين ثانية،

في هذه الدقيقة التي ستمنحيها لنفسك قبل إتخاذ قرارك قد تتغير أمور كثيرة ولكن بشرط واحد !

قلت له متلهفه وما هو الشرط ؟

قال: أن تجردي نفسك من كل الرغبات وتودعي في داخل دماغك وفي صميم قلبك جميع القيم الإنسانية والأخلاقية والرحمة دفعة واحدة دون تحيز لجهة.

فمثلاً إن كنت قد قررت بأنك صاحبة حق وأن الآخر قد ظلمك فخلال هذه الدقيقة وعندما تتجردي عن نوازع نفسك ربما تكتشفين بأن الطرف الآخر لديه حق أيضاً كما لك أو جزء من هذا الحق وعندها قد تغيري قرارك تجاهه .

إن كنت نويت أن تعاقبي شخصاً ما فإنك خلال هذه الدقيقة بإمكانك أن تجدي له عذراً فتخففي عنه العقوبة أو تمتنعي عن معاقبته وتسامحينه نهائياً.

دقيقة واحدة بإمكانها أن تجعلك تعدلي عن اتخاذ خطوة مصيرية في حياتك لطالما اعتقدت أنها هي الخطوة السليمة في حين أنها قد تكون كارثية .

دقيقة واحدة ربما تجعلك أكثر تمسكاً بإنسانيتك ورحمتك وأكثر بعداً عن أهوائك وغرورك ..

دقيقة واحدة قد تغير مجرى حياتك وحياة غيرك  !

وإن كنت من المسؤولين فإنها قد تغير مجرى حياة مجموعة كاملة من البشر.

فقلت له صحيح  وأنا قبلتُ برحابة صدر هذه الصفقة وحلال عليك سيدي العشر ليرات

بسط يده وقال تفضلي أنا الآن أردُ لك  الدين وأعيد لك ما دفعته عني عند شباك التذاكر والآن أشكرك كل الشكر على ما فعلته لأجلي.

أعطاني الليرات وهو يبتسم في وجهي واستغرقت ابتسامتي أكثر من دقيقة حينها تاهت الكلمات من شفتي لأنتبه إلى نفسي وهو ينحني برأسه ليعبر عن شكره لي  قائلا هل تعلمين أنه كان بالإمكان أن أنتظر ساعات دون حل لمشكلتي فالآخرين لم يكونوا على علم  بمشكلتي وأنا ما كنتُ لأستطيع أن أطلب الليرات من أحد!

قلت له: حسنا وماذا ستبيعيني لو أعطيتك مئة ليرة او اكثر

قال: سأعتبره مهراً  لك واتمنى ان تقبلي بي زوجاً

تعالت  ضحكاتنا في العبارة وطلب مني هاتفي لأن الرصيد الذي في هاتفه نفذ لكي يتصل بابنه وأنا أقول له  فقط دقيقة .. فقط دقيقة

لم أتوقع أن الزمن سيمضي بنا بسرعة. حتى إنني شعرت ببعض الحزن عندما غادرنا  العبارة وعند وصولنا ايدو المحافظة التي نقصدها والمكان الذي ننشده، المفاجأة أنني وبعد مغادرته الايدو بنصف ساعة تقريباً تسلمت رسالتين على جوالي الأولى تفيد بأن هناك من دفع لي رصيداً بمبلغ يزيد عن200 ليرة والثانية منها يقول فيها  كان عندي رصيد في هاتفي سيدتي لكنني احتلت عليك لأعرف رقم هاتفك فأجزيكَ على حسن فعلتك.. إن شئت احتفظي برقمي وإن زرت محافظتي فاعلم بأن لك فيها صديق سيستقبلك فرددت عليه برسالة قلت فيها عندما نظرت إلى عينيك خطر ببالي أنها عيون ثعلبية لكنني لم أجرؤ أن أقولها لك أتمنى أن تجمعنا الأيام ثانية أشكرك على الحكمة واعلم بأنني سأبيعها لآخرين بمبلغ أكبر بكثير.

فقط دقيقة،  هذه حكايتي مع ذاك الرجل الغريب  فيها حكمة تعلمتها فمن يقبلها مني في زمن نهدر فيه الكثير من الساعات من دون فائدة ...؟!

 

ذكرى البياتي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4917 المصادف: 2020-02-21 02:45:21