majeeda albaliلا يهم ان كان لون الخوف يستظل شفتيك بالازرق

لا يهم ان كان البرد داخل الغرفة الوحيدة بصدرك يحتمي فيك ب الرشح

ولا يهم ايضا يا صديقي

ان كان زيت القناديل الحالمة فيك كل ليلة يشح

مروا من هنا جميعا...

كضحايا مسلسلات مدبلجة تشبه الشعوذة والماء الفاتر والفراغ

ردوا تحية صمتنا على عتبات السماح بالخناجر

لم يصل بعد جلبابهم الى هناك باكمله ... ولن يصل

قماشه من شعيرات جلدنا النائمات على السواد بالبياض

كان طويلا يمشط على الارض أحزاننا وكدمات شاردة والتراب

وكنا يا صاحبي

نسرع الخطى الى الوراء باتجاه ذواتنا لكي لا نسلم من العذاب

وكان الصبح في المقل لصيقا بالضباب

ما ان نرمي بابصارنا الى هناك حتى تروي عيوننا اقداح الندم

الدمع على شفتيك يقلقني وانا المحتمي بك كالبرد

هل حقا باتت الفتيلة بيننا "لاشيء"

كانه التاريخ مرة اخرى لا ينصف من تَركوا بلا افواه

يعيد نفسه بالتأني في التدوين غير ناصف احدا الا إياه

نكذب كثيرا لنمسك فراشات الحلم قليلا

نرى قوس قزح في فقاعات الصابون ونصدًق...

نكتب عن الماء المثلج ونحن حبيبات رمال الصحراء

زهرة الدفلى الصائمة بيننا تكبر كل يوم ونحن في اشعارنا نكتب عن شقائق النعمان وفصول الحصاد

نرسم الشمس ضاحكة فوق بيت ريفي يصدح بصياح الديكة وقت الفجر ...ولا نراها

ونرقص ايضا يا صديقي في سماء لا تظللنا إطلاقا وان كنا في عشقنا نهواها

للنهايات ذاكرة من فولاذ ورصاص وأوراق تبغ وجرعات مخدرات لا تفيد ...

ادونها بسلام على صدرك يا اخي لعل الرشح يصيبني بدلا منك

ولعل الأزرق بشفتيك ينتفض قليلا لتنام الشامة بأمان ...

وقد نامت ... فلتشح زيوت كل القناديل؟؟؟

 

مجيدة البالي

01/06/2016

FLORIDA USA

 

MM80كان ساجدا بذلـّة ورجاء، دموعه الحارّة تغسل عينيه ولحيته. الليل البهيم جاثم على جنبات القرية، السّكون يملأ الغرفة الفارغة.....يا إلهي .....ردّ إبني. مرّ شهر منذ إختفاءه، كلّ يوم ينتظر الليل، ليسجد، ليدعو ربه. عندما تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، صاح الديك، زاد صفير الرّيح.رنّ الهاتف الحزين، جاءت بعض البشائر عن رؤية أحدهم للطـّفل المفقود...لكن ليس الأمر بأكيد. عندما كان الأطفال يلعبون، كان قلبه ينفطر...ليته كان معهم بقهقهته العاليـّة، بخفـّة ظلـّه، يحاول كبت دموعه لكن ...هيهات له. من على المنبر قال الإمام...أدعوا ربّكم تضرّعا وخفية...أدعوا الله أن يعيد الطـّفل لأهله. الغبار يملأ الأفق الممتد، إحتمى الجميع في بيوتهم، أوصدت الأبواب، خشعت الأصوات وتطايرت حبـّات الغبار والأوراق الخضراء وبلغت القلوب الحناجر. دقائق معدودة ولاحت في الأفق زرقة السماء، لقد عادت الحياة من جديد. قال كبير القرية..لا تحزن يا رجل...ثق بالله سيعود إبنك قريبا.جاء صبية صغار وقالوا ..يا عمّ متى سيعود؟ شوقنا له زاد. أدعوا ربّكم...أدعوا ربّكم ببراءتكم .لقد أحسَّ بفسحة فرح تجثم على صدره، لم يشعر بهذا منذ أكثر من شهر، يارب...تفاءلَ خيرا هذه المرّة. عندما إنفلق الصبح ولاحت أشعـّة الشمس، كانت الأمّ تعجن خبز الشعير بيدين متعبتين لفـّهما وهن شديد. تعالى الصّراخ في الخارج...صاح أحدهم...لقد عاد الولد...لقد عاد الولد. قالت الأم..عادت البسمة وقهقهة الولد العاليـّة ستملأ القرية. سهام اللـّيل لا تخطئ أبدا يا ولدي. كان الولد يداعب لحية والده التي غسلتها دموع الفرح. أجل يا أمي...لاتخطئ...لاتخطئ أبدا. ولفّ ذراعيه حول الولد وراح يقبـِّله دون توقـّف. محمد بتش"مسعود" الجزائر

MM80تمرّدي على أزمنةِ الصّخبِ ..

احتفلي بهوس اللقاء ..

 


 

مرساة الأمل / العامرية سعدالله

 

ألقي مرساتي ..

تعصفُ بها عواصفُ الصّخبِ

تمزّقُ أوصالَ الصمتِ

تقطعُ حبالَ الزّيفِ

مجاديفُ الوسنِ تتحطّمُ

تتشظّى ..

ترسو في موانئ الفراغِ ..

يا سُفنَ التيهِ الشاردةَ

هلّا توغلتِ في أعماقي

وغزلتِ من باقاتِ الأملِ

خيوطَ حنينٍ وارفةً ...

 

يا نوارسي الغريبةَ

تمرّدي على أزمنةِ الصّخبِ ..

احتفلي بهوس اللقاء ..

دعي شموسي تستفيقُ

تُهدي أنفاسَها لصقيعِ الشّتاءِ ..

تنسجُ من أنفاسِ الفجرِ

باقاتٍ تستحمُّ على أهدابِها قطراتُ النّدى ..

فتورقُ عرائشُ الفرحِ

وتتفتّحُ دهاليزُ الزمنِ المهجورةَ

تؤسسُ لمملكة الخلد ..

 

تونس

 

ali alsheekh من أقصى ضفّة للغياب عائد أنا. من لجّة الخواء ومسافة لليتم أسقطت من سطوري حروف الوله العتيق. أحلّق كطائر هارب من صقيع المدن القصيّة في الشّمال. السّماء الفاحمة ومواسم الحزن المشرعة على الرّوح الكسيرة تستقطر دموع البحر وجعاً متثائباً يقيم منذ حين. هناك استبدلت رأسي بنحيب الأشرعة.

-"لا مكان للرّؤوس الباردة أيّها الغريب".

رأسي المليء بالفراشات الميّتة ووجع الحقول، أسندته لينام بسلام في حضرة الأفق على مرأى من عويل الرّيح.

-"تعال أيّها الغريب هناك بعض النّبيذ الأحمر والسّمك المقدّد".

أشرب نخب الموت وهمهمات الليالي البعيدة المزنّرة بالثّلج. الموت هنا حاجة صباحيّة. والمقبرة استحالت غابة من رؤوس الحمقى.

"امضِ أيّها الغريب.. خذ رأسك الفتيّ وامضِ".

وفي مساء موغل في الصّقيع حملت جسدي البارد حزناً كنهر من رخام، إلى شراع تشدّه سواعد البحّارة صوب الجنوب. أغمض عينين من ركام، وأغفو بين حنايا الذكرى وخيوط المدى. وعلى تخوم الشّمس يشقّ غناء أحد البحّارة حجاب الصّمت الواجم. صوت حنين وارف بالنّشيج. الآن على مسافة رعشة أنا إليك قادم. أحسّ أنّ رأسي الخاوي بدأ يلتصق بجسدي، وهمسة خجولة تعبر أضلعي البارزة كصخور حانقة.

عائد أنا... أجل أنا عائد... هلا فردتِ ضفائرك للرّيح... واغتسلتِ بنور الصّباحات..

وأسلمتِ جسدك الفضيّ لغواء العطر..!.

اجمعي يا أميرتي لطائف الزّهر من مدن البحر. وانثري أقمارك الصّغيرة على الدّروب القادمة إليك. وعلى شرفة الليل ارمقي طيفي بلهفة صاخبة و....

 

علي الشيخ

سوريا

 

MM80لعلّ شمساً ماانفكّت تختمر

ملؤها الأقحوانُ زخـمٌ عـتـيٌّ

 


 

هُــدبٌ ومُـتّـسَـع / ديمة محمود

 

ادنُ ما بِوُسعكَ

هاتِ يديكَ بملء الكون

يغـمُـركَ الـضـجيـج

يشقُّ العَتمةَ

يقارعُ نصلَ السيف

ولا تجذبُه الزوايا

***

أطلق أجنحتَك

والفظْ كلَّ الظّنون

وكلَّ الرزايا

وارتدِ معـاطـفَ النور

ووجِّـه خـطوطَ المـاء

والـثُـمْ شِـفـاه الأفُقِ الـمُـنـبـجـسِ

بانكـسارِ الشـعـلةِ في تِـبـر عـقـلِك

على مرايا الحقيقة

***

عانقِ المجرّةَ

واحتسِ الزيتَ المقدس للزيتون

ولتمتلئ رئتاك سَكرى

بكلّ الكواكب والعَـنـقـاوات

***

هُدبُ الغيوم مازال به مُـتّسـع

وأنت الجديرُ بِهاتيكَ الشهب

نجومٌ بِكفكَ

ومِغزلُ روحكَ نسيجُه لـمّا يكتمل

تنفّسَ حرّاً

وظَــلّ يرنو لِـعَـتْـقِ الفِكَر

يعـبُّ السّـواقي

ويَجْبلُ من طينهِ

عجيناً يَحُلُّ الـسّـوارَ

وبلسماً يداوي أنينَ الـمُكـتـلِم

***

لعلّ شمساً ما انفكّت تختمر

ملؤها الأقحوانُ زخـمٌ عـتـيٌّ

وعشبٌ روَتْهُ بِجُـلِّ المِداد

يلفُّ الوجودَ

يُخضّبُ البرايا

فلا يُـبـقـي ولا يَـذَر

من سـلاسـلَ أو ألـم ..

 

majeeda albaliوالقديس بقارعة المارقين

لم يكمل رسم السماء...

 


 

كاس ما بعد الهلوسة / مجيدة البالي

 

قضايا مغيبة بين ثنايا قصيدة

أصابع طائشة بين شك و يقظة

العتمة الفائضة عن الليل

تتمسك بتلابيب الشتات...

***

 

ما معنى ان تختلف مع خطوك؟

ان تلتفت الى الوراء

لتراك تمشي ... عكس هواك

وانت تسال القصيد

كيف انهيك

لأعود لنفسي...

***

 

سبحة الكهرمان

ترتيلات الدراويش

بقايا شموع باكية

والقديس بقارعة المارقين

لم يكمل رسم السماء...

***

 

لاضيع مني اكثر

افتح باب الريح

اشم عبق القصيد

...اكتمني

واشتم السر

***

 

*.... تلاثي الأبعاد ذاك الكاس على اللوحة ... تستطيع ان تمسك به لتتاكد انك ثمل ... و ان رفعته الى فمك إياك ان تصيب اللوحة بالبلل

 

MM80 كان القارب المتهالك يمخرعباب البحر، تهاجمنا الأمواج مرة وتدبرأخرى، يوم كامل ونحن على الماء البارد، القارب مكتظ وضيق، منذ ابحارنا لم نذق شيئا، كان البرد والجوع يمزّقان الجميع، كان منظرالغروب رائعا تمنـّيته لو كان في وطني من على شرفة منزلي. عندما خيـّم الظلام زادت مواجعي، تذكـّرت قول الشاعر....وليل أرخى عليّ سدوله بأنواع الهموم ليبتلي. تعالى بكاء طفل صغير جائع...قطعة خبز ياجماعة...قالت أمّه بنبرات قطـّعت أوصالي. عمّ سكوت ثقيل مميت القارب، حوقلتُ مرة، استغفرتُ مرّات، عبثا كنتُ أبحثُ في جيوبي علـّني أجد بعض الفتات، لم يكن معي سوى جسمي وروحي، لقد أنفقتُ كلّ ما أملك لعبور البحر، منيت نفسي بأحلام وردية...لقد تعطـّل المحرك...قالها صاحبه بغضب وأشبع المحرك سبـّا وشتما.

يا الهي...المطر...تعالى الصّراخ والعويل، هاجت الأمواج، لم أدركيف حدث الأمر، كنتُ أسبح مُمْسكا بحقيبتي، بدأت أغيب عن وعيي، أحسست بيد تسحبني. كانت الآضواء البيضاء تنير المكان. عندما فتحت عيناي كان الصباح، عرفت أنّ حرس السواحل أنقذوني، لقد نجا ثلاثة منـّا فقط. قيل لنا في مركز الإيواء..ستعودون لأوطانكم، تمنيتُ لو بقيتُ في وطني الجريح. قال مرافقي..اللـّعنة على حكـّامنا وأفرغ مافي جعبته، تكلم وأطنب، لم يستطع السّكوت، أحسستُ بصداع شديد، كان العرق يغسلني، سمعت أحدهم يطلب الطبيب، الحقنة المؤلمة أيقضتني. عندما كنتُ في الطائرة شدّني الحنين لرائحة تراب وطني، تذكــّرت الغروب من على شرفة منزلي...ما أجمله.  

 

محمد بتش‘مسعود‘

الجزائر في:15 ديسمبر2015

 

MM80أملأ كؤوسهم بنشوة التمني لـ وجهه

واحتفظ بالطريق لي وحدي

 


 

ماذا يفعل في مرآتي؟ / عايده بدر

 

الفراشة التي صارعت المسافات لتصل كتفيه

لم يصرعها الضوء

سحبتها أمواج العتمة في صوت الشاعر

***

 

خطواته تخفض إيقاع الوحدة في عناق

وأنا أرقص هناااك بقدميَّ وذراعيه

***

 

في غيابه ترتدي الطرقات غبارها

وتصطنع المسافات صوته

تستسقي المطر

***

 

ما أضيق المسافة بين حرفين اجتمعت أناملنا لتكتبها

***

 

كي لا يطالبني العشاق بالتخلي عن ملامحي

أملأ كؤوسهم بنشوة التمني لـ وجهه

واحتفظ بالطريق لي وحدي

***

 

العاشق يفتح كفيه

كلما ضاقت بالمسافات العبارة

***

 

ماذا يفعل في مرآتي؟

وأنا لم أولد بعد

 

22-9-2015

 

daad dorayedthabitأروع مشتقاته هي وحدويته

لايشاركك به أحدٌ ، لكل المه

 


 

لنعلم الألم معنى الألم! / دعد دريد ثابت

 

المٌ تسمي نفسك الماً؟

أنت لاتعلم مغزى الألم ولا فضيلته

لا لونه لا عفونته ولا ملمسه

تعال  ؛ أعلمك لب الألم وصميمته

أدعوك لتدخل لبي وتعلم مني الألم

بادئ الأمر، عليك أن تنسى كل ماعلموه لك

إخلع ما ألبسوه لك وحشوك به

رداءك الكاذب وجحود المك المزعوم

دعني أعلمك أسرار الآلام وشهواتها

أروع مشتقاته هي وحدويته

لايشاركك به أحدٌ ، لكل المه

ينهشك يمزقك

لاتستطيع حتى التعبير عن مكنوناته

لاوجود فلسفي لك بدون هذه الأرواح الملتذة بعذابها

دعنا نتلُ رجفان العزلة فصلاً تلو الآخر

فقد جفت منابع مطارق الألم

تقمص رقصي وستفهم

خلجات خصري ورعشات يدي

المٌ، عزلةُ، وحشةٌ، غربةُ لاتهجع

مفردات لامعنى لها ولاقيح مضمخُ

أن تطلب المزيد وترتعش الماً بالألمِ

وتضجَ سروراً بالملمس الناتئ المسنن

أن تعتاده كما تعتاد الخشبة الصفراء لسعة النارِ

أن تعتاد الأم فقدان أكبادها الواحد تلو الآخرِ

وتلطم الصدر والوجه بمزيدٍ من الالم

أن يطلبه السجين كما يَطلبُ من الحلم

بتلثيم شفاه حبيبة، إغتصبوها ورحلوا

بين لسعةِ سوطٍ وأخرى وبين أنةٍ وأخرى

ينتفض الجسدَ خجلاً

طلباً للمزيد من الشبق

بالألم يداوى الألم

لننسى الحياء والكرامة

قطّعوني أوصالا وأرموها في المدفأة

لن نقاوم ولن نشكي

سترقص الأطراف جذلاً

والقلب سيشوى ناضجاً لبركان هامدٍ

أما اليدان فستقطران حروفاً زيتية لماعة

تقفزً حرقاً على السنة النار

جمل الجحيم الأبدي

نولد بالألم ونعيش الألمَ

ومن دوننا تشعر باليتم

ندك الأرض بقوة نشوة الألم

نتفوا ريشي في كل بقاع ريشة

في هامات الغيم وزوايا بيوت مهاجرة

وعلى أرصفة غطتها ثلوج رمادية

دعست عليها أحذيتهم

ومابين روح مغادرة وأخرى قادمة

وبين وعود كاذبة لنفوس منافقة

وبطون لاتحوي غير أمعائها

وُشمت هناك محفورة في اللب

نزهو للقياه

ويبكي لفراقنا

فتسمو بنا وجوداً وعزة

آه، ماأعذبك من وجود

أنت عبد لنزواتنا

ولاتسطيع منا فكاكاً

لاتحزن لن أفارقك وإن رحلت

سآتي لزيارتك بعد كل موت

فأنا مشاكسة حتى بالمي

فأملي في المي لن يُفنى

هل فهمت ووعيت الآن

معنى الألم؟؟

 

MM80تـبتّـلَ في أهدابِ قرنفلةٍ

عانقَ صفصافةً عند ضفّةِ النهر

 


 

تَـــوحُّـــــد / ديمة محمود

 

عزف القمرُ لـحـنَ الـريـح

وضع نجمةً أو نجمتين

عقد ربطةَ عنقِه

وراحَ يغوصُ

في الطريقِ المرصوفِ

بين الياسمينِ والزنبق

.

.

التأمَ مع كلِّ الموجودات

وردّدَ مـقطوعةَ العنفوان

تـبتّـلَ في أهدابِ قرنفلةٍ

عانقَ صفصافةً عند ضفّةِ النهر

خاطَ جـفـنـيْه مع تـلابـيـب الغيم

.

.

.

هـدهـدتْـه بنفسجةٌ

فَصحا من وَسَـنِـه

واستحالتْ أنفاسُه صهيلاً

فانـبــثـقَ فرَسُـه

.

.

.

أسرعَ الخطا نحوي

صار وجـهـاً واحـداً

تجلّى أمامَ عينيّ

في كلِّ وجوه الزحام

وفهمتُ كيف يُذيبُ الحبُّ

وكيف يُـنـبـِتُ الشّوقُ

وجـهـاً واحداً

في وجوهٍ كثيرة

ويُــوقِدُ ظَهر الـرِيـــح

لِـلـقـاءٍ مـمـكـن ..

 

MM80ومزيدٌ من الضجيج

يستوطن أذيالَ الزورق

 


 

خطوط كفّهِ والعودة / ديمة محمود

 

صفعةٌ أو صفعتان

في مرّةٍ أو مرّتين

لا تعني أنه الأقوى

ولا أنّ كفَّه الـمـخبـوزةَ بالـبخور

تــتـشـظّـى زنـابـقـهـا

فـتعجنُ قــِنـديل الـغـواية

***

تلك الخطوطُ العابرةُ

من حافّـتي الكفّ إلى وسطه

مازال بها الكثيرُ من أسرارٍ

غاب معظمُها عن حبله الصوتيّ

وظل في رواسب القهوةِ

ولفافةِ التبغِ القابعةِ

في أدنى نقطةٍ على حافّة المحيط

ومزيدٌ من الضجيج

يستوطن أذيالَ الزورق

يقذفُ جزْراً ومَـــدّيـن

ليرتميَ جنينٌ

على شاطئٍ سرمديّ ِ التراب

يتيمِ الأصداف

يخرج فيه وليدٌ من وليد

رسوٌّ يراوحُ متهادياً إلى موجٍ عاصف

عند ثغرِ مذنّـبٍ عابرٍ للموج

***

أخذَ وردكِ ثمّ انصرفَ

حين انكسرتِ

وانهمرَ نـدفُ غيـمِـك خـلفــَه

يـقـتـفي الأثـرَ

لحقتِ به لتعطِيهِ بـتـلـةً

سقطتْ من وردكِ الذي يحتضن

استدار نحوكِ

ارتمى بين البتلات

وجـدّفـتمـا في الـمُـزن

بلا مظلةٍ ولا شالات

 

noor nasraعقدت صفقة مع الريح

كي تهدأ قليلاً..

 


 

بعد الليلة الأولى / نور طلال نصرة

 

بعد الليلة الأولى

لاكتمال القمر

خرجتُ من نظرتك

ممتلئة بالحب

سجينة في الماء

أنزف الغياب

كما الحضور المتشظي

ثم أخدش بلهاثي

تلك الرائحة المنبعثة من كلمة "أحبكِ"

***

سأغسل قلبي

وأجففه جيداً

وأتبع أثر آخر قبلة

وأشمّها

من أين تنبعث

رائحة كل هذا الغياب؟

هل ليديك رائحة؟

***

انطفئ في قلبي

ولنكبر سوية

تحت شجرة الزيزفون

مجنونة هي الأمنيات

تمسك بي من خاصرتي

ولا رغبة لي بالضحك

أحببتك في زمن صامت

حتى قلبي حين انفجر

لم يسمعه أحد..

***

عقدت صفقة مع الريح

كي تهدأ قليلاً..

بعد هبوط الشمس

وتخييم الحزن

سأطير نحوك

قد لا أصيب هدفي

لكني سأقلق الغيم

***

كثيراً ما تغفو السماء بين أيدينا

وكثيراً ما تطبق الوردة فكيّها

وتمد المدينة لسانها

لتلعق الحزن المالح..

***

في قلبي ثمان وعشرون نجمةً

وأمنية مضيئة

سأحرس لها كل مساحات الضوء

لتكبر بهدوء..

بي رغبة لأن أعلّق الأسرار

على حبل الليل

وأتركها تجف

وسأجمع الهالات السوداء

لتضيء كل شامات جسدي..

***

نهض الصباح

فوجد التراب ما يزال رطباً

ما عاد الأمر يجدي نفعاً

سأنزلق بالطين

إن رفعت رأسي

وأغمضت عيني

استحضاراً لقبلتك...

 

MM80عَـلّـهُ يـسـتأنـسُ بــرائـحـةِ الـقـافـيـةِ

الـمنسوجةِ مع الـوريـد

 


 

دُحـنـونـةٌ وحـيَـوَاتٌ أخــرى / ديمة محمود

 

جـنـاحٌ مـكـسـور

وتـسـعُ زجـاجـات

وأربـعـون قـصـيدة

وغــصــنٌ ذابــلٌ لـدُحـنـونـةٍ

تطايرتْ بـتـلاتُـها بـعـد الـيـَبـاس

وعـشـبُ ذاكـرةٍ مـازال وحـدَه يـنـمـو

يُــعــرّش مــن خـطـوط الجـبـيـن

بـيـنـمـا كـلُّ شـيءٍ يـنـطـفـئ

جُـلُّ مـا أمـلُـكـه الآن

***

وأنـا طـفـقـتُ أَخـصِـفُ اغـتـرابـاً

مـن نـخـبٍ جـديـد

يَـلـتـفُّ عـلى عـنـقـي

هـا هــو ذا يـغـرسُ مِـخـلـبـَه فـي الـمِـعـصـم

عَـلّـهُ يـسـتأنـسُ بــرائـحـةِ الـقـافـيـةِ

الـمنسوجةِ مع الـوريـد

أو يُـبـحـرُ مـعـهـا فـي لُـجّـةِ الـحـرف

***

أعـبّئُ الـجـمـيـعَ عـلـى مـتـن لـوحٍ خـشبـيّ

يـتأرجـحُ بـيـن دفّـتـيْ

ريح ثـمـِلـة لا تـغـادر رئـتـيّ

ثـــمّـــةَ مـا يـسـري بـي

لأمـسـكَ بـهـا بـيـن حِـيــنَـيْـن

لا تـزالُ تـعـبـثُ على نـاصـيـة

حـقـلِ ذاكـرتـي

***

هـنـاك حـينـمـا رمَـت بـبـَرَكـتها

عـلى نـاحيـة الـسّـور الـعـتـيـقِ

الـمـتّـكئ عـلـى شجرة الـزيـتـونِ الـمُـعـمّـرة

والـقـمـرُ يـسـتـرِقُ إلـيـنـا ذات صـيـفٍ

مـخـضّـبٍ بـفـراشـاتٍ تـعـانـقُ زِنـدَ الـلـيـل

***

كـلُّ شـيءٍ هـنـاك

مـافـتئ هـنـا

يُـضـرمُ الـتـراتـيـلَ

ويَـجـوبُ مـسـاحـاتي

مـن الـشـرقِ إلـى الـغـرب

ويـَحِـيـكُ قُـفـطـانـاً مـن حـريـرٍ وعـوسـج

ويَـشِـي بــسـفحِ الـمـوج عـلـى أحايـيـن غِـرّة

بــاكـتـمـالٍ لا يـنـقـصُـه

سـوى الاكـتـمـال

 

fatin kashoمظلمة جوانب روحي

تحلم ببنفسج يتفتح يوم اللقاءْ

 


 

وتَفَتّحَ الثغر وردا / فاتن كشو

 

قلت:

ورودٌ هي ضحكاتكِ

حينها تراقصت الأنغام بأذني

وغزلت خميلة حول وجهك

تعلقتُ بخيط حرير

صعدت نحو السماء

تراءت لي مدني الصفراء ْ

تملأ أحداقك

تواريتُ خلف شكي

خلف سطور حياتي

التي كتبت بماءْ

أرهقني سجن طويل ...

والآن بريشة طالت عنان السماءْ

ألون حزني بلون الأرجوان

صعدت أنفاسي

تبخرت في الفضاء

باح القلب بصمته الطويل

خرجت أهاتي تقبّلُ الحياه

تودع الزفرات الراحلة

من قال أن للضحك عيون؟

عيون ترى الحب

تلمح فرح الروح

تبتلُّ بأمطار الحنين

تعربدُ فوق صهيل الشجن

من أقال عثرتي من قمقم الفناءْ؟

بذات صبح فضحت عيونٌ

ما لم تبحه الشفاهْ

أيَّ ليلٍ أسكنُ؟

والنورُ بعينيك وليد؟

أيَّ غروبٍ أعشقُ؟

والحب في قلبك فجر جديد؟

مظلمة جوانب روحي

تحلم ببنفسج يتفتح يوم اللقاءْ

تحلم بعتقٍ من ذات قتلها الكبرياءْ

تتدافع النهايات

تعلن يوم ولادة

لحظة سقطة أزليهْ

خذني إلى جنوني

دثرني بأحلامك النديهْ

أو اُسكن صمتك

فلصمتك أجراسٌ مجلجلة

تُزعزع قراري

تُفيض البرك الساكنهْ

سأحترق كلَّ يوم

قبل موعد الموتة الولادهْ

 

hawaa sakas «شو وينك؟؟»

«حبيبتي بعدني بالمستشفى. ما بقدر اليوم.»

«حبيبي تعال، بترجاك. إلنا شهر ما شفنا بعض.»

«ظروفي قاهرة حبيبتي.»

«شوف، إذا ما إجيت أنا بدي إجي.»

«لوين؟؟»

«ع المستشفى.»

«حبيبتي بلا جنان إسا. أنا مش ناقص.»

«لكان تعال.»

«طيب، خلص. نص ساعة وبكون عندك.»

 لم يستطِع نسيم ذلك الصباح الخريفي، البارد، أن يبعث في نفسي شيئا من البهجة، عندما خرجتُ مسرعا من المستشفى، نحو موقف السيارات، وتأخّري يهدّد كياني. كانت صورة سهير ما تزال ماثلة أمام عينيّ، لا تختفي، وصوتها يرنّ في أذني. ركبتُ سيارتي وانطلقتُ بها. أحسستُ بألمٍ واخزٍ في صدري، كأن سكينا تشقّ قلبي إلى نصفين.

تردّدتْ صورة سهير أمام عينيّ طوال الطريق وهي راقدة في سريرها، مغمضة العينين، هدوءٌ عجيبٌ يغشى وجهها، ويلفّها السكون، كأنّ كل آلامها قد اختفتْ تماما إلى غير رجعة. سهير الحبيبة!  وجهها ما زال يحتفظ بذلك الدفء الذي لطالما أسر قلبي منذ أحببتُها، رغم شحوب وجهها وذبول الجفنين. ذلك ما خطر ببالي حين جلستُ هناك أمامها، في المقعد الذي بجانب سريرها، أمرّ بعينيّ على كل جزء من وجهها المحبّب، تساورني الأفكار وتضطرب بداخلي المشاعر.

كم كانت جميلة، خلّابة، يوم التقينا أول مرة، بعينيها الزرقاوين كالسّماء الصافية، ووجهها الوضّاء ذي الملامح الوديعة، وشعرها الطويل المنساب على كتفيها بتموجاته الناعمة، وابتسامتها العذبة، الوقورة، الدافئة. كانت كالملاك الطاهر، امتزجتْ في ملامحها الرقة والدفء والحنان. سحرٌ نادرُ الوجود كان يشعّ من نفسها، ارتعش له قلبي وضخّ دبيب النبض في عروقي. كانت حبي الأول والأخير، تزوّجنا وأنجبنا ثلاثة أولاد وعِشنا معا أياما جميلة ملؤها السعادة، تسودها المودة والتفاهم.

كانت سهير زوجة وأما مثالية على طول الأيام. تعلّمتْ واشتغلتْ وأغدقتْ علينا من الدفء واللهفة والاهتمام. بنينا معا بيتا جميلا في القرية، عشنا فيه بسعادة مع أولادنا. ابننا البكر تزوج العام الماضي. كم فرحنا به! جهّزنا له الطابق السفلي من البيت، وزوّدناه بكل المستلزمات.  زوجته، هالة، حامل الآن، ننتظر مولودها البكر في أية لحظة.

الكل يحسدني. رائد يذكرني كل يوم كم أنا محظوظ. هو لم يتزوج في حياته. نحن الآن على مشارف الخمسين وهو ما يزال دون زواج. نحن صديقان منذ أيام الطفولة. نعرف بعضنا من أيام المدرسة. درسنا معا في صف واحد. الصداقات بين الرجال نادرا ما تدوم، هكذا يقولون، ولكن رائد وأنا حافظنا على صداقتنا رغم الظروف والفروق. لم أسأله يوما لماذا لا يتزوّج. الكل يسأله أمامي وهو لا يعطي لأحد إجابة صريحة طبعا، ولكن أنا صديقه، أعرف السبب دون أن يقول، وأعرف كيف يفكر. ربما لو وجد في شبابه امرأة مثل سهير كان قد تزوج. ربما. لا أدري، ولكن ذلك لا يعني شيئا. هذا اختياره. اختياره؟ لا، إنما هو القدر.

مثل هذه الأفكار كانت ستضحكه. «في الحياة لا يوجد قدر،» كان سيقول، «نحن من نختار حياتنا، وليس القدر.»

رائد يؤمن أن الأشياء تحدث بسبب أفعالنا وليس بسبب القدر. لا يؤمن بالغيبيات. ربما لهذا لم يتزوج. لأنه مختلف، مختلف عن الجميع منذ الصغر. ولكن ذلك لا يهمّه. لا يهمّه أنه مختلف. ثقته بنفسه كبيرة، يفكّر بشكل مختلف، محى كل ما تعلّمناه في طفولتنا وانطلق في فلسفة خاصة به. فكيف يتزوج؟؟

قلت له مرارا: «لو كنتَ أقل ذكاءً، فقط قليلا، ربما كنتَ تتزوج... مثل الجميع.»

فتنطلق ضحكته المستهترة، الهازئة، وأعلم أنه عميقا بداخله يحسّ بالإشفاق... وربما الاحتقار أيضا. إنه يعرف أنه على حق، يعرف ذلك تماما، ورغم أنه لا يقولها، إلا أنني أرى ذلك في عينيه... في تلك اللمعة التي في عينيه.

الزوج المثالي، هكذا يناديني. نعم أنا الزوج المثالي والابن المثالي والأب المثالي... هكذا كنتُ دائما. لم يكُن لزاما عليّ إرهاق نفسي في التفكير حتى أكون مثاليا. هكذا ولدتُ فكنتُ فأصبحتُ بطريقة شبه طبيعية وتلقائية. وربما ذلك كان لأنني كنتُ محظوظا بسهير. ذلك ما كنتُ أقوله لنفسي طوال حياتي.

ولكن سهير... مع السنين... تغيّرتْ...كبُرتْ... لم تعُد لديها قوة... لم تعُد مهتمّة. هكذا... ببساطة.

فقط أنا لم أتغيّر. لم أستطِع أن أتغيّر... كأنني الوحيد الذي لا يكبر؟؟

حاولتُ. حاولتُ مرارا، ولكن... لا أدري. أحيانا أفكّر: لماذا؟؟ لماذا تغيّرتْ هي وأنا لا؟؟ ما الحكمة في ذلك؟ أهو امتحانٌ من ربّ العالمين؟؟ أهو سوء حظ؟ أم أنه القدر؟

القدر مرة أخرى. كم كان سيضحك رائد من هذه الفكرة. ولكن، طبعا، لم أخبره بالأمر. على الأقل ليس في بادئ الأمر. كنتُ أخجل، أخجل كثيرا... ويؤنّبني ضميري. ولكن ماذا كان بإمكاني أن أفعل؟؟

سألتُ نفسي ذلك كثيرا... ولا جواب.

هناك أسئلة كثيرة لا أجوبة لها، تبقى طوال حياتنا مُبهمة، معلّقة... بلا إجابة، وهذا، بحدّ ذاته، يكشفُ كم تغيّرتُ. كنتُ أظنّ سابقا أنني أملك كل الإجابات على كل الأسئلة. لم أكن أرى أية تعقيدات. كل شيء كان صافيا وواضحا في ذهني. كيف تحوّلتُ، فجأة، كل هذا التحوّل؟؟

ثم... صُدمنا بمرض سهير.

سهير، أيتها الجميلة قلبا وقالبا. ما زلتِ جميلة إلى اليوم. نعم، ما زلتِ جميلة جدا بنظري. كم أحبك. ما زلتُ أحبك رغم كل شيء. هل تصدّقين؟؟

لا أدري هل أوجّه هذا السؤال لك أم لنفسي.

آه، يا سهير. سامحيني، يا حبيبتي. لو أنكِ لم تتغيّري... ما كنتُ قد تغيّرت. كنتُ سأبقى الزوج المثالي.

«ايمتى وصلت؟»  صوتها باغتني وأيقظني من أفكاري.

«قبل شوي حبيبتي.» قلت.

أفرجت شفتاها عن ابتسامة ذابلة، مفعمة بعذوبة ممزوجة بالأسى. اقتربتُ منها وأمسكتُ يدها. كانت باردة.

«حاسة بوجع شي؟» سألتها.

«لا...إسا... ما في... وجع ...» قالتْ بصوتٍ ضعيفٍ، ثم بدَت عليها المشقة وهي تضيفُ: «أنا...»

«شو حبيبتي؟؟»

تقلّصتْ ملامحها.  «أنا اليوم... أحسن. حاسّة... إني... أحسن.» تمتمتْ.

«الحمد لله حبيبتي. هادا خبر كتير حلو.»

ثم وجّهت إليّ نظرة عميقة، محمّلة بدفئها الأنثوي النادر، وقالت بصوتٍ مخنوق بالكاد يُسمع: «أنا... كتير... مبسوطة... حامد.»

ضغطتُ على يدها بحرارة. «وأنا.»

انطوتِ المسافات أمامي كانطواء السنين، حتى توقّفتُ على الإشارة الحمراء. لم تكُن بي رغبةٌ لرؤية أحد ولا محادثة أحد. أحسستُ بالوحدة كما لم أحسّ في حياتي، وحدة قاتلة، رهيبة. تغيرت الإشارة إلى صفراء ثم إلى الخضراء. انطلقتُ مرة أخرى. كيف أترك سهير وأنطلق إلى تلك المرأة؟؟ يا لسخرية القدر. كيف سمحتُ لذلك أن يحدث، أنا الزوج المثالي الذي لم تزغ عيناه يوما طوال خمسة وعشرين عاما من الزواج؟

كنتُ أستسخفُ النساء، أستصغرهن ولا أبالي بحركاتهن، وقلبي تحتله حبيبتي الأبدية، سهير. إلى ذلك اليوم الذي رأيتُ فيه أحلام في بيت رائد.

لم يكُن ذلك الأمر غير مألوف لدى رائد، ولكنه شرح لي بعد ذهابها أنها أتَت لتستشيره في أمر ما، وذلك، ما لم يكُن مألوفا. تعجّبتُ لِم رأى ضرورة لتبرير وجودها. هل أحسّ بشيءٍ غير طبيعي في كلامي معها أو نظراتي إليها في ذلك اللقاء؟ كأنه أراد أن لا أسيء الظنّ بها.

 والحقيقة، أنني كنتُ مأخوذا بها من أول نظرة. هناك أسرارٌ لا نعرف تفسيرها في الحياة، فأنا لا أدري ما سرّ ذلك الانجذاب المفاجئ الذي سيطر على حواسي حين جلستُ أمامها في ذلك اليوم مرتبكا ومشدوها.  أهو ذلك البريق الأخّاذ اللامع في عينيها البنيتين المغريتين؟ أم فتحة شفتيها الشهيّتين الملونتين بحمرة قانية؟ أم هو قميصُها الأحمر ذي الفتحة العميقة التي كشفت انضمامة نهديها؟!

منذ متى كنتُ مأخوذا بنظرات النساء، شفاههن أو نهودهن؟؟

كل شيء فيها كان يصطرخ بي، يعصف بدواخلي ويجرفني في بحر أنوثتها، ورائد لم يكن غبيا، ورغم أنني لم أخبره بوضوح، إلا أنه كان مدركا للتغيّر الحاصل في علاقتي مع سهير ويدرك كم كنتُ أعاني. الرجال يفهمون هذه الأمور حتى لو لم ينطقوا بها كلاما. هل كان مشفقا عليّ؟؟ أحيانا أحسّ أنه حقا كان مشفقا.

أطلقتُ زفرة طويلة. حاولتُ أن أطرد الأفكار من رأسي وأركّز في الطريق، ولكن كلمات سهير تردّدت في ذهني: «أنا كتير مبسوطة.» ماذا قصدتْ بكلامها؟ ولماذا تكون مبسوطة والمرض يهتصر جسمها والآلام لا يوقفها شيءٌ سوى تلك الحبوب المخدّرة التي تغفيها وتبعدها عن كل ما حولها، إلى أن تأخذها غفوتُها الأبدية. ثم، فجأة، خالجني الشعور أن فقدانها قد يمزّق شرايين الفرح في قلبي إلى الأبد.

أركنتُ السيارة بجانب الرّصيف المحاذي للبناية. السّماء كانت رمادية، غيومٌ سوداء تغشاها، والريحُ الغربية اشتدّت منذرة بمطرٍ مقترب.

خطوتُ مسرعا نحو مدخل البناية واعتليتُ بحذر سلم الدرجات. توقفتُ عند الطابق الثالث وتأمّلتُ باب الشقة رقم 6. انتابتني رغبةٌ جامحة لرؤية رائد. هل سيكون في شقّته الآن؟ البارحة قال لي حين اتّصل لسؤالي عن سهير إنه متوعّك الصحة ولن يذهب إلى العمل. ربما من المستحسن أن أطمئنّ عليه.

أطمئن؟؟

رفعتُ يدي وكنتُ على وشك طرق الباب، ولكن، لم أفعل. أكملتُ صعودي إلى الطابق الرابع بخطى سريعة، متوتّرة. وجدتُها على عتبة باب شقتها.... تنتظرني.

«تأخّرت كتير.» قالت والخيبة بادية على وجهها. دخلتُ دون النظر إلى وجهها.

«قلت لك كنت في المستشفى.»

«كيف حالها إسا؟»

«مش منيح.»

«حبيبي، من شهر حالها مش منيح وانت ما تركتها وما تغيّر شي. أكيد إنت هلكان.»

«سهير هي زوجتي، حبيبتي، أم اولادي، وهي مريضة كتير. ما بقدر أتركها. ما بدي أتركها.»

«وأنا؟ أنا مش حبيبتك كمان؟؟»

«سهير محتاجتني إسا أكتر من أي وقت.»

«حبيبي، وأنا محتاجتك، وانت محتاجني. هي مش نائمة إسا؟»

لم أرد.

خطوتُ نحو النوافذ الزجاجية الكبيرة التي في غرفة الضيوف ووقفتُ أنظر نحو الخارج. لم أرَ شيئا سوى وجه سهير.

اقتربتْ مني ووقفتْ قبالتي. «ما اشتقت لي؟»

«أحلام! بكفي!»

فجأة، أحسستُ نحوها بنفور كما لم أفعل من قبل. أحسستُ كأن النار المشتعلة في صدري ستنهشني وتنهشها معي.

«ما لك؟»

«لازم أروح.»

«تروح؟؟»

«لازم أرجع.»

«لوين؟»

«لعند سهير.»

«... سهير...؟؟»

«أنا آسف...»

«على شو؟؟»

«غلطت إني جيت لهون.»

«فكرتك جيت برغبتك.»

«لا. ما كانت رغبتي.»

«لكان شو؟»

«رغبتي أن أرجع لعند سهير.»

«... لكان روح.»

عندما خرجتُ من البناية، كانت قطرات المطر قد بدأت تتساقط من السّماء، تنهمر على رأسي انهمارا وصوتُ الرّعد يقصف الأرض. أسرعتُ إلى سيارتي وارتميتُ في داخلها، وقبل أن أشغّل السيارة، فجأة، رنّ هاتفي. أخذتُه من جيبي بسرعة.

«آلو؟»

«آلو؟»

«نعم... آلو؟؟»

«سيد حامد؟»

«نعم.»

«عم تسمعني؟»

«مين؟»

«أنا من المستشفى. إنت عم  تسمعني؟»

«إيه. شو في؟»

«اتّصلت مشان سهير.»

«ما لها سهير؟!»

«أنت هون بالمستشفى؟»

«إسا راجع. شو ما لها سهير؟»

«لكان ارجع بسرعة.»

«احكي شو ما لها سهير؟؟»

«... سهير... ماتت.»

 

حوا بطواش

كفر كما/فلسطين

11.11.15

 

madona askarجرح في صلب محبّتكَ

يؤلمني ويحلّ العدمْ

 


 

حوار قلبيّ / مادونا عسكر

 

- ما هي البهجة؟

- ملاكٌ جالس على العرش السّابعْ

يقرأ ليَ اسمكَ في كتاب من ذهبْ

فأندهشْ.

- ما هي الدّهشة؟

- إصغاء إلى تراتيل الرّيحْ

تحدّثني عن جمالكَ

يزرع في الغابات أسرار الجمالْ.

- ما هو الجمال؟

- ارتحال في صمتكَ البليغِ

السّاهرِ على راحتي الأبديّة.

- ما هي الرّاحة الأبديّة؟

- امّحاء العالم وانقضاؤهُ

وظهور عالم أنتَ وحدكَ فيهِ.

- ما هي الذّاكرة؟

- لا أتذكّركَ، لا أنساكَ

بل أحياكَ في زمن غير الزّمنِ

في حياة ترنّم حضوركَ

في موت يطرق أبواب المجدِ

وينتزع مباهج الحرّيّة.

- ما هي الحرّيّة؟

- ارتقاء إلى قمّة قلبكَ

حيث لا خوف ولا اشتهاءٌ

لا رغبة ولا إماتة

لا فكرٌ ولا حسٌّ

لا شعورٌ ولا وعيٌ

بل أنت وحسبْ.

- ما هو الخوف؟

- جرح في صلب محبّتكَ

يؤلمني ويحلّ العدمْ.

- ما هو العدم؟

- أن لا تكونَ أنتَ أنتَ منذ الأزلِ

حبيباً اختار كماليَ سكناهُ.

- ما هو الكمال؟

- أن أرنو إلى عينيكَ الهائمتينِ وأسعدُ.

- ما هي السّعادة؟

- صحراء قاحلة، تتدفّق فيها ماؤك الحيّة

سماء ملبّدة، يخترقها همسك الرّقيقُ

سنونوات مهاجرات إلى الشّمالْ

تعاين دفءَ حبّكَ، فتقرّر العودة.

- ما هو الحبّ؟

- قلْ كلمة تحيا بها نفسي.

 

لبنان

 

mohamad almestariشرطية المـرور..

أو الحـب الذي قادني إلى عكاشة*

 


 

لساعات طويلة وقفت متسمرا أنظر إليها من بعيد، كانت جميلة وجذابة، والزي المخزني الذي كانت ترتديه زادني بها إعجابا... تبدو في أواخر العقد الثاني من عمرها، افتتنت بها منذ النظرة الأولى إليها، في ذلك الصباح الصيفي الباكر، الذي كنت أرتـدي فيه قميصا أزرق اللـون...

عبرت الشارع الذي تنظم فيه السير أزيد من سبع مرات، وكل مرة كنت أعبره فيها كنا نتبادل النظرات، فاكتشفت حينها عينين سوداوتين وواسعتين، وشفتين ناعمتين حمراوتين بلا أحمر شفاه، وقامة رشيقة، وشعر أشقـر... لا أنكر أنه خيل إلي في تلك اللحظة أني بطل فيلم رومانسي قادر على تحدي كل الصعاب، خصوصا عندما كنت في حالة رضا عن النفس وثقة زائدة كان مصدرها لباسا جديدا كنت أرتديه.

دنوت منها وقرأت لها السلام: فردت متشكرة: وأضافت، أنظر أمامك جيدا فأنت تعبر الشارع، فأجبتها بصوت متحشـرج: حاضـر... لكـن، هل ذلك من خوفك علي؟ فردت علي بصرامة: مـاذا؟ قلت لا شـيء...

أتذكر أني لم أنصرف ذلك اليوم حتى انتهى وقت عملها، حيث كنت مصمما على الحديث معها. لكن، لسوء حظي فقد نقلتها سيارة أمنية..

عدت يوم غد فلم أجدها في مكانها إلا شرطيا منتفخ البطن، يخرج قميصه من سرواله الواسع، كثير اللغط، ما أقبح الرجال أمثاله، اخترت أن أبقى في انتظارها، فمكثت اليوم كاملا أنتظر لعلها تأتي، لكن من دون جدوى، وذات لحظة سألت نفسي ماذا أنتظر هناك؟ فأجاب خاطري عشقا رائعا لعله يتحقـق.

وفي أثناء ذلك الانتظار، كانت تأتيني بين لحظة ولحظة مكالمات هاتفية من والدتي، «ألو مصطفى، لقد حان وقت الغذاء، أين أنت الآن؟ فنحن في انتظارك». فأجيب بلعثمة في الكلام أني في ندوة علمية!...

في اليوم الثالث، وجدتها في ذلك المكان نفسه، الذي يشهد على صدق إعجابي بها، فابتهجت من حيث أدري ومن حيث لا أدري، وبسرعة عبرت الشارع مقتربا منها، مرحبا «أشافة». فردت التحية، ملمحة. غير أنه في تلك اللحظة تملكني الخوف والخجل، خصوصا وأني لا أعرف كلام الغزل. فانتظرت إلى أن اقتربت من وكالة بنكية لتحتمي من حر الشمس، حين ذلك ذهبت إليها مستعجلا.. من فضلك أريد أن أتحدث معك. فأجابت: تفضل!

بعد خجل كبير حاولت التغلب عليه.. قلت لها أرجو أن تتفهمي مشاعري فأنا قد أعجبت بك من أول لحظة رأيتك فيها، وقبل أن أكمل كلامي؛ فإذا بسيارة أمنية تقف حولنا، فيطل منها رجل شرطة من درجة عميد ممتاز، فيصرخ في وجهها عاليا: هل أنت هنا لتنظيم السير أو للتنزه؟ فأجابت «شاف، شاف» إنه يضايقني ويتحرش بي.. أما أنا، فقد صدمت من تصرفها وصرت تماما عاجزا عن الكـلام.

نزل شرطيان فقبضا عليا وجرجراني إلى «الستافيط» نحو سجن «عكاشة»، بتهمة التحرش ومضايقة امرأة شرطة أثناء مزاولة عملها مع سبق الإصرار والترصد! فذهبا بي إلى مكتب النيابة العامة لأخذ أقوالي. ولما استنطقني ضابط بلكنته الجبلية: يا ابن الشفار يسحاب ليك السيبا في البلاد، شنو قاليك قران عقلك. تكلم.. تكلم! أجبت قائلا: قل في مسبتي ما شئت.. فجوابي لك هو حـب جرني إلى عكاشة.  

 

.....................

* عكاشة: هو سجن مشهور في المغرب، يوجد في عين السبع بالدار البيضاء إحدى كبريات المدن المغربية.

 

محمد المستاري

المغرب

madona askarوينتحب فحواها

ما لم تتضمّخ بحِسِّكَ النّديِّ

 


 

تكلّم حتّى تورق القصيدة / مادونا عسكر

 

تتكلّمْ

فينهار الوجدُ

مفتتناً

برؤياك هائماً

في صرحك المقدّس العظيمِ.

هنيهاتٌ

تومضُ في حضرة اللّحظة

فتورقُ القصيدة

وتذوب سِحراً

في حنايا لغتك العذبة.

تعاينُها

الأساطير العائدة

من مخيّلة الزّمانِ

وما تلبث أن تذوي

وتنتفي أمام جلال الحقيقة.

***

 

وَلَدتُ قصيدتي

ثمرة حبٍّ

في عمقك الأزهريِّ

المتبتّلِ.

ونَمَتْ

وعظُمَتْ

في كنف همسكَ الرّقراقِ

حتّى

انسابت ابتهالاتٍ من ثغر المزاميرِ.

صلواتٌ

أشدوها

عند السَّحَر المتأمّلِ

تضرّعاتٌ

تتهادى

على أهداب الغروب الغافي.

قصيدتي

مزاميرٌ تُتلى

على مذابح حبّكَ

المنطوية في صوتكَ

الأزليِّ

المتجذّرِ في نفسي.

***

 

أيّ نجوىً

يجتاح جوارحها

ما لم تكن

هي

صوتك الشّادي

عبر العصورِ

وكلمتك المتسامية إلى ما بعد الأبدِ.

لعمري

إنّ اللّغة تتلاشى عند أقدام الورى

وتذبل حروفها

وينتحب فحواها

ما لم تتضمّخ بحِسِّكَ النّديِّ.

***

 

أرتّل بصوتكَ

قصيدتي

وأصلّي بكلمتكَ

تضرّعات حبّي

فأَنمو في أناكَ

وأُزهرُ

وتتوغّلُ أنتَ في أنايَ

لغة تتجدّدُ

كلّما نضحت الحياة أنفاسكَ.

 

لبنان

 

MM80يتوافد الزوار إلى المتحف الكبير الواقع في بلاد الشمس صباح كل يوم حتى المساء، يتوسطه باب خشبي ضخم، مزين بالزخارف المختلفة الأشكال، حفر على إطاره الخشبي كثير من النجوم المتناسقة الأبعاد، وفي منتصف كل مصراع شمس منيرة، يميز أي زائر ذي أنف معافى رائحة العفونة فيه ؛ كرائحة بول متكلس على أرضية متروكة، منبعثة من مداد القصاصات المعلقة والمتغيرة باستمرار مع تبدل كراسي الحكم.

تتدلى النياشين والهدايا، منها الخناجر، السيوف، و تتراصف الدمى الشمعية، الرقاع المكتوبة، وصور مختلفة الأحجام للملوك والأمراء، على الحيطان بشكل متناسق، كل تلك المقتنيات والرفات لها قصص عديدة منها الصادقة التي تم حفظها في صناديق مغلقة الإحكام، وأخرى المزيفة والتي بانت على الرفوف وداخل (البوفيهات) المزججة، يعرف عن أسرارها الكثير حارس المتحف ؛بعد أن قضي من عمره ثلاثين عاماً ونيف لحراسته، دأب خلالها على دراسة ما فيه رغم تدني تعليمه،حتى فاق بمستواه المرشدين السياحيين العاملين في المتحف.

ينتاب الحارس شعورٌ غريبٌ عند كل نوبة حراسة ليلية على أن الجميع يتزاورون بينهم،كأشباح فضية، يتعاتبون، يتقاتلون، مازالوا يتآمرون على رداء معروض في صندوق زجاجي،أجروا عليه تعديلات جمة حتى فقد أصالته .

الليل طويل والأبواب مغلقة، يسود المتحف الصمت، إلّا من عرير صراصير الحيطان، اعتاد الحارس ذلك الأمر المريب ؛ كالدفان الليلي، أو طبيب عدلي يمضغ طعامه على جثث الموتى .

لم يزر الحارس القبو التحتاني للمتحف طوال مدة خدمته؛ حذره مدير المتحف من الدخول، على الرغم أنه لم يغلقه أبداً ؛ لأن بابه الخشبي الثقيل ذا المسامير العريضة أمسى متهرئاً من العثة التي عمت تجاويفه.

يساوره الفضول كل ليلة لكشف أسرار ذلك الدهليز ؛ لكن الخوف من سطوة المدير يحول دون ذلك، إلّا تلك الليلة ؛ حينما حسب نفسه مستعداً لمخالفة تلك الأوامر مهما كانت النتائج، وحال انغماسه مع الشمعدان في عتمة القبو، لاحت له أفراسً لها أرجل متعددة كأذرع الإخطبوط منحوتة على جدرانه المتفحمة، كأنها حفرت بسنابكها الأرضية المرصوصة من المرايا، انعكست أشعتها الشديدة على أعين لجموع آدمية باتت مغمضة، طُوّقت أعناقهم بالسلاسل كالسبايا، وعلى الرغم من ذلك كانت البسمة و التفاؤل واضحين على وجوهم المغبرة، كأن النحات أراد بمحاكاته إيصال رسالة ما.

يتوسط باحة القبو باب خشبي يؤدي إلى غرفة واسعة، أحد مصراعيه ملطخ بالنجيع، بانت آثار كسر أوتاد متراسه مفضوحة، يفترش أرضيتها (الموزائيك) بألوانه المتعددة، جعل ضوء الشمعدان من شكله شيئا آخر حتى أمسى كجناح طاووس طويل ممدود على الأرض زاهي الألوان ...

عمت الفوضى داخل الغرفة ؛ كراسي خشبية مرمية، بعض من أرجلها منزوعة، والأخرى متكسرة، تخترق مساندها خناجر بتراء مازالت مغروزة، تناثرت بعض الكؤوس النحاسية المنبعجة هنا وهناك سوى واحدٍ منها مازال يتوسط المنضدة الخشبية يترسب بداخله صدأ أخضر، هناك بقايا ثريّا تتوسط السقف المنقوش بالدوائر والمثلثات والمنحنيات والخطوط غير المستقيمة غيّرت من معالم نجمة ثمانية الرؤوس كانت محفورة في عمق السقف، حتى أمست سداسية الشكل على الرغم من أن الرتوش المزيفة واضحة المعالم كوجه عروس قبيحة مزينة بالماكياج، يتدلى من وتد السقف حبل متين معقوف، تحته كرسي مقلوب على إحدى الجوانب.

ارتعب الحارس من ذلك المنظر؛ لم يجد تفسيراً واضحاً لما يحدث، أخذ ينبش بما تبقى من العفش، مازال هناك صندوق أسود كبير قد كٌسر رتاجه، و حلقة الإقفال ظلت صامدة، فور فتحه الراتج انعكس ضوء الشمعدان من المرايا التي بداخله، أضيئت على أثره الغرفة تماماً، حدق فيها بإمعان، رأى وجهه مسخاً ذا قرنين، أرعبه المنظر، رماها بقوة بعيداً حتى انكسرت، وما كاد يهدأ من خوفه حتى بدا له فضاء الصندوق عميقا ليس له قرار، تراءت له شمس متوهجة مغلولة بقيود سوداء، يفور لظاها كالبركان الثائر، تدور حولها نجوم ناعسة الضوء، غلق الراتج على عجل، على أثر ذلك هرب مسرعاً، خارج المتحف، ظل يرتجف كغصن لبلاب هزته الريح،أفترش الأرض، ممدداً ساقيه، يناجي نفسه:

- ما لي أنا والقبو، أي شيء هذا؟ قرص خده عدة مرات، تمنى لو كان يحلم، حاول فك الرموز والألغاز، لم يصدق ما رأى، وكل مرة يكلم نفسه :

- لا، ليست هي .

ظل على تلك الحال حتى الصباح، ركز نظره نحو الشمس، انتابه العجب ؛كيف ظلت عيناه مفتوحتين من دون أن يغمض لهما جفن بالرغم من بزغ أشعتها القوية ؟و كأنه أكتشف سر تلك الطلاسم، عاد إلى المتحف مسرعا، وما أن توافد الزوار،حتى اعتلى منضدة توسطت قاعة المتحف، لفت انتباه الجميع بعد أن صاح بصوت عال:

- أيها الزائرون، اكتشفت ليلة أمس أشياء كثيرة، عظيمة السر، لست قادراً على وصفها، لكنني أيقنت اليوم أن شمسنا هذه كاذبة، وتلك الصور المحنطة وجوهها مزيفة ورائحتها نتنة، تحمل أقنعة كاذبة، لا يغرنكم بها الغرور ؛ تختلف تماماً عن ما رأيته في قبو المتحف، تعج الأفراس الأصيلة في الأسفل، متأهبة للصعود ؛ لكن فرسانها معلقون، مصلوبون، ينتظرون مَن يحررهم، و هناك شمس مغلولة بخيوط الظلام والنجوم أسرى !

حاول المدير مقاطعته و إنزاله، طلب الجمهور الاستماع إليه حتى النهاية، أكمل الحارس خطابه :

- عثرت على مرآة صادقة، رأيت فيها حقيقة نفسي، كالسن المحشو بالذهب ورائحته جيف، وجذره زيف ؛ حسبته طاحونة الرحى وهو لا يقدر على هرس زبد طري ساح، أؤكد لكم أن شمسنا هذه مصطنعة، أنظروا إليها بأم أعينكم ؛سترون أن أشعتها عاجزة حتى على غلق عيني رجل عجوز مثلي ...

تحلق الجمهور حوله، أرادوا منه إرشادهم إلى القبو، حتى وصلوا السلم، تفاجأ الحارس ؛ كان الباب غير الذي رآه الليلة الماضية، والقبو في أبهى حالاته، الرسوم، الكراسي، الثريّا، المنضدة، الصندوق، كل شيء مرتب بانتظام...

ركض نحو الصندوق، صاح بالجميع، فتحه، وجد المرآة سليمة، وفضاءه محدود العمق، لا شمس مغلولة هناك! سخر منه الجميع، اعتدى البعض عليه بالضرب . وآخرون وصفوه بالمعتوه، افترش الأرض، أدهشه الأمر كثيراً، لازمته نوبات من الضحك، لم يستطع أحد إسكاته.

تنفس المدير الصعداء والحارس مازال مقهقهاً، حتى وصل موظفو المصحة، نهض الحارس بكل هدوء، مرتدياً ثوب المرضى، وبعد أن اقتيد إلى عجلة الإسعاف،أشار إليهم بيده اليمنى نحو الشمس، حدقوا نحوها، ما لبثوا إلّا قليلاً حتى انفجروا مقهقهين معه كالمجانين.

 

رعد الفندي

18 حزيران 2013

 

MM80وأرهَـبوا عـبقَ مُروجِـكِ

في شَهرِ نَيسانِ

 


 

 دُخَان / كوثر الحكيم

 

لا تَـبخَلي الوَصلَ عَـنّي

فَـإنَّ البُـعدَ أضنانـي

أهـواكِ في الصُّـبحِ

وأشواقي في الليل تَـرعاني

فَـكوني اليـومَ قُــربـانـاً

يَـهـيمُ فَــوقَ أزماني

البُـــعدُ يَـقـتُـلُـني

وجَــوُّ الرُّعـبِ والتَـفخـيـخِ والحِـرمانِ،

أيـقَّـظَ فِـيَّ أحـزاني وأدمـاني

يُــدمِّــرُ التَــفجـيـرُ في رُبوعِ مَــديـنَـتِــنا

فَــيخْـتَــنِـقُ الهَـوَاءُ وتَــموتُ أمَانِــيـنــا

وتَـصْبَـحُ بَـعدَها الـدُّنْـيَـا

دُخَاناً فِي ثَـوَانِ

فَلا فَـرْقَ لَـدَى قـاتِـلٍ

قَـد ماتَ ضَميـرُهُ

إنْ أراقَ دَمـاً

أو هَــدَّ مَسجِـداً بِـميدانِ

فَـلا تُـميِّــزُ النِـيرانُ

طِـفــلاً أوْ امْرَأةً

ولا ما بَــيْنَ حَـديـقَـةٍ

أو شَـيْخٍ وحَـيوانِ

فَـفي الأُفُــقِ دَمـارٌ

يَـلوحُ حَـولَ المَكانِ

يَا لَـعَـصْرٍ لا يَـعرِفُ عَــدالَـةً ورَحمَةً

يُـدفَـنُ الشَّرفُ الرَّفيعُ

في الوَحلِ والأطيانِ

غَـدَروك يا بَـغدادُ

وضَاعَ مِـنكِ الأمانُ

وأرهَـبوا عِـبقَ مُروجِـكِ

في شَهرِ نَيسانِ

يا لَـزمانٍ بـائِـسٍ..

عُـنفٌ وفَــقـرٌ مُـدقِـعٌ

أرواحٌ جَــمَـةٌ تُــزهَــقُ

بِـعُـذرِةِ الأديــانِ