MM80ومزيدٌ من الضجيج

يستوطن أذيالَ الزورق

 


 

خطوط كفّهِ والعودة / ديمة محمود

 

صفعةٌ أو صفعتان

في مرّةٍ أو مرّتين

لا تعني أنه الأقوى

ولا أنّ كفَّه الـمـخبـوزةَ بالـبخور

تــتـشـظّـى زنـابـقـهـا

فـتعجنُ قــِنـديل الـغـواية

***

تلك الخطوطُ العابرةُ

من حافّـتي الكفّ إلى وسطه

مازال بها الكثيرُ من أسرارٍ

غاب معظمُها عن حبله الصوتيّ

وظل في رواسب القهوةِ

ولفافةِ التبغِ القابعةِ

في أدنى نقطةٍ على حافّة المحيط

ومزيدٌ من الضجيج

يستوطن أذيالَ الزورق

يقذفُ جزْراً ومَـــدّيـن

ليرتميَ جنينٌ

على شاطئٍ سرمديّ ِ التراب

يتيمِ الأصداف

يخرج فيه وليدٌ من وليد

رسوٌّ يراوحُ متهادياً إلى موجٍ عاصف

عند ثغرِ مذنّـبٍ عابرٍ للموج

***

أخذَ وردكِ ثمّ انصرفَ

حين انكسرتِ

وانهمرَ نـدفُ غيـمِـك خـلفــَه

يـقـتـفي الأثـرَ

لحقتِ به لتعطِيهِ بـتـلـةً

سقطتْ من وردكِ الذي يحتضن

استدار نحوكِ

ارتمى بين البتلات

وجـدّفـتمـا في الـمُـزن

بلا مظلةٍ ولا شالات

 

noor nasraعقدت صفقة مع الريح

كي تهدأ قليلاً..

 


 

بعد الليلة الأولى / نور طلال نصرة

 

بعد الليلة الأولى

لاكتمال القمر

خرجتُ من نظرتك

ممتلئة بالحب

سجينة في الماء

أنزف الغياب

كما الحضور المتشظي

ثم أخدش بلهاثي

تلك الرائحة المنبعثة من كلمة "أحبكِ"

***

سأغسل قلبي

وأجففه جيداً

وأتبع أثر آخر قبلة

وأشمّها

من أين تنبعث

رائحة كل هذا الغياب؟

هل ليديك رائحة؟

***

انطفئ في قلبي

ولنكبر سوية

تحت شجرة الزيزفون

مجنونة هي الأمنيات

تمسك بي من خاصرتي

ولا رغبة لي بالضحك

أحببتك في زمن صامت

حتى قلبي حين انفجر

لم يسمعه أحد..

***

عقدت صفقة مع الريح

كي تهدأ قليلاً..

بعد هبوط الشمس

وتخييم الحزن

سأطير نحوك

قد لا أصيب هدفي

لكني سأقلق الغيم

***

كثيراً ما تغفو السماء بين أيدينا

وكثيراً ما تطبق الوردة فكيّها

وتمد المدينة لسانها

لتلعق الحزن المالح..

***

في قلبي ثمان وعشرون نجمةً

وأمنية مضيئة

سأحرس لها كل مساحات الضوء

لتكبر بهدوء..

بي رغبة لأن أعلّق الأسرار

على حبل الليل

وأتركها تجف

وسأجمع الهالات السوداء

لتضيء كل شامات جسدي..

***

نهض الصباح

فوجد التراب ما يزال رطباً

ما عاد الأمر يجدي نفعاً

سأنزلق بالطين

إن رفعت رأسي

وأغمضت عيني

استحضاراً لقبلتك...

 

MM80عَـلّـهُ يـسـتأنـسُ بــرائـحـةِ الـقـافـيـةِ

الـمنسوجةِ مع الـوريـد

 


 

دُحـنـونـةٌ وحـيَـوَاتٌ أخــرى / ديمة محمود

 

جـنـاحٌ مـكـسـور

وتـسـعُ زجـاجـات

وأربـعـون قـصـيدة

وغــصــنٌ ذابــلٌ لـدُحـنـونـةٍ

تطايرتْ بـتـلاتُـها بـعـد الـيـَبـاس

وعـشـبُ ذاكـرةٍ مـازال وحـدَه يـنـمـو

يُــعــرّش مــن خـطـوط الجـبـيـن

بـيـنـمـا كـلُّ شـيءٍ يـنـطـفـئ

جُـلُّ مـا أمـلُـكـه الآن

***

وأنـا طـفـقـتُ أَخـصِـفُ اغـتـرابـاً

مـن نـخـبٍ جـديـد

يَـلـتـفُّ عـلى عـنـقـي

هـا هــو ذا يـغـرسُ مِـخـلـبـَه فـي الـمِـعـصـم

عَـلّـهُ يـسـتأنـسُ بــرائـحـةِ الـقـافـيـةِ

الـمنسوجةِ مع الـوريـد

أو يُـبـحـرُ مـعـهـا فـي لُـجّـةِ الـحـرف

***

أعـبّئُ الـجـمـيـعَ عـلـى مـتـن لـوحٍ خـشبـيّ

يـتأرجـحُ بـيـن دفّـتـيْ

ريح ثـمـِلـة لا تـغـادر رئـتـيّ

ثـــمّـــةَ مـا يـسـري بـي

لأمـسـكَ بـهـا بـيـن حِـيــنَـيْـن

لا تـزالُ تـعـبـثُ على نـاصـيـة

حـقـلِ ذاكـرتـي

***

هـنـاك حـينـمـا رمَـت بـبـَرَكـتها

عـلى نـاحيـة الـسّـور الـعـتـيـقِ

الـمـتّـكئ عـلـى شجرة الـزيـتـونِ الـمُـعـمّـرة

والـقـمـرُ يـسـتـرِقُ إلـيـنـا ذات صـيـفٍ

مـخـضّـبٍ بـفـراشـاتٍ تـعـانـقُ زِنـدَ الـلـيـل

***

كـلُّ شـيءٍ هـنـاك

مـافـتئ هـنـا

يُـضـرمُ الـتـراتـيـلَ

ويَـجـوبُ مـسـاحـاتي

مـن الـشـرقِ إلـى الـغـرب

ويـَحِـيـكُ قُـفـطـانـاً مـن حـريـرٍ وعـوسـج

ويَـشِـي بــسـفحِ الـمـوج عـلـى أحايـيـن غِـرّة

بــاكـتـمـالٍ لا يـنـقـصُـه

سـوى الاكـتـمـال

 

fatin kashoمظلمة جوانب روحي

تحلم ببنفسج يتفتح يوم اللقاءْ

 


 

وتَفَتّحَ الثغر وردا / فاتن كشو

 

قلت:

ورودٌ هي ضحكاتكِ

حينها تراقصت الأنغام بأذني

وغزلت خميلة حول وجهك

تعلقتُ بخيط حرير

صعدت نحو السماء

تراءت لي مدني الصفراء ْ

تملأ أحداقك

تواريتُ خلف شكي

خلف سطور حياتي

التي كتبت بماءْ

أرهقني سجن طويل ...

والآن بريشة طالت عنان السماءْ

ألون حزني بلون الأرجوان

صعدت أنفاسي

تبخرت في الفضاء

باح القلب بصمته الطويل

خرجت أهاتي تقبّلُ الحياه

تودع الزفرات الراحلة

من قال أن للضحك عيون؟

عيون ترى الحب

تلمح فرح الروح

تبتلُّ بأمطار الحنين

تعربدُ فوق صهيل الشجن

من أقال عثرتي من قمقم الفناءْ؟

بذات صبح فضحت عيونٌ

ما لم تبحه الشفاهْ

أيَّ ليلٍ أسكنُ؟

والنورُ بعينيك وليد؟

أيَّ غروبٍ أعشقُ؟

والحب في قلبك فجر جديد؟

مظلمة جوانب روحي

تحلم ببنفسج يتفتح يوم اللقاءْ

تحلم بعتقٍ من ذات قتلها الكبرياءْ

تتدافع النهايات

تعلن يوم ولادة

لحظة سقطة أزليهْ

خذني إلى جنوني

دثرني بأحلامك النديهْ

أو اُسكن صمتك

فلصمتك أجراسٌ مجلجلة

تُزعزع قراري

تُفيض البرك الساكنهْ

سأحترق كلَّ يوم

قبل موعد الموتة الولادهْ

 

hawaa sakas «شو وينك؟؟»

«حبيبتي بعدني بالمستشفى. ما بقدر اليوم.»

«حبيبي تعال، بترجاك. إلنا شهر ما شفنا بعض.»

«ظروفي قاهرة حبيبتي.»

«شوف، إذا ما إجيت أنا بدي إجي.»

«لوين؟؟»

«ع المستشفى.»

«حبيبتي بلا جنان إسا. أنا مش ناقص.»

«لكان تعال.»

«طيب، خلص. نص ساعة وبكون عندك.»

 لم يستطِع نسيم ذلك الصباح الخريفي، البارد، أن يبعث في نفسي شيئا من البهجة، عندما خرجتُ مسرعا من المستشفى، نحو موقف السيارات، وتأخّري يهدّد كياني. كانت صورة سهير ما تزال ماثلة أمام عينيّ، لا تختفي، وصوتها يرنّ في أذني. ركبتُ سيارتي وانطلقتُ بها. أحسستُ بألمٍ واخزٍ في صدري، كأن سكينا تشقّ قلبي إلى نصفين.

تردّدتْ صورة سهير أمام عينيّ طوال الطريق وهي راقدة في سريرها، مغمضة العينين، هدوءٌ عجيبٌ يغشى وجهها، ويلفّها السكون، كأنّ كل آلامها قد اختفتْ تماما إلى غير رجعة. سهير الحبيبة!  وجهها ما زال يحتفظ بذلك الدفء الذي لطالما أسر قلبي منذ أحببتُها، رغم شحوب وجهها وذبول الجفنين. ذلك ما خطر ببالي حين جلستُ هناك أمامها، في المقعد الذي بجانب سريرها، أمرّ بعينيّ على كل جزء من وجهها المحبّب، تساورني الأفكار وتضطرب بداخلي المشاعر.

كم كانت جميلة، خلّابة، يوم التقينا أول مرة، بعينيها الزرقاوين كالسّماء الصافية، ووجهها الوضّاء ذي الملامح الوديعة، وشعرها الطويل المنساب على كتفيها بتموجاته الناعمة، وابتسامتها العذبة، الوقورة، الدافئة. كانت كالملاك الطاهر، امتزجتْ في ملامحها الرقة والدفء والحنان. سحرٌ نادرُ الوجود كان يشعّ من نفسها، ارتعش له قلبي وضخّ دبيب النبض في عروقي. كانت حبي الأول والأخير، تزوّجنا وأنجبنا ثلاثة أولاد وعِشنا معا أياما جميلة ملؤها السعادة، تسودها المودة والتفاهم.

كانت سهير زوجة وأما مثالية على طول الأيام. تعلّمتْ واشتغلتْ وأغدقتْ علينا من الدفء واللهفة والاهتمام. بنينا معا بيتا جميلا في القرية، عشنا فيه بسعادة مع أولادنا. ابننا البكر تزوج العام الماضي. كم فرحنا به! جهّزنا له الطابق السفلي من البيت، وزوّدناه بكل المستلزمات.  زوجته، هالة، حامل الآن، ننتظر مولودها البكر في أية لحظة.

الكل يحسدني. رائد يذكرني كل يوم كم أنا محظوظ. هو لم يتزوج في حياته. نحن الآن على مشارف الخمسين وهو ما يزال دون زواج. نحن صديقان منذ أيام الطفولة. نعرف بعضنا من أيام المدرسة. درسنا معا في صف واحد. الصداقات بين الرجال نادرا ما تدوم، هكذا يقولون، ولكن رائد وأنا حافظنا على صداقتنا رغم الظروف والفروق. لم أسأله يوما لماذا لا يتزوّج. الكل يسأله أمامي وهو لا يعطي لأحد إجابة صريحة طبعا، ولكن أنا صديقه، أعرف السبب دون أن يقول، وأعرف كيف يفكر. ربما لو وجد في شبابه امرأة مثل سهير كان قد تزوج. ربما. لا أدري، ولكن ذلك لا يعني شيئا. هذا اختياره. اختياره؟ لا، إنما هو القدر.

مثل هذه الأفكار كانت ستضحكه. «في الحياة لا يوجد قدر،» كان سيقول، «نحن من نختار حياتنا، وليس القدر.»

رائد يؤمن أن الأشياء تحدث بسبب أفعالنا وليس بسبب القدر. لا يؤمن بالغيبيات. ربما لهذا لم يتزوج. لأنه مختلف، مختلف عن الجميع منذ الصغر. ولكن ذلك لا يهمّه. لا يهمّه أنه مختلف. ثقته بنفسه كبيرة، يفكّر بشكل مختلف، محى كل ما تعلّمناه في طفولتنا وانطلق في فلسفة خاصة به. فكيف يتزوج؟؟

قلت له مرارا: «لو كنتَ أقل ذكاءً، فقط قليلا، ربما كنتَ تتزوج... مثل الجميع.»

فتنطلق ضحكته المستهترة، الهازئة، وأعلم أنه عميقا بداخله يحسّ بالإشفاق... وربما الاحتقار أيضا. إنه يعرف أنه على حق، يعرف ذلك تماما، ورغم أنه لا يقولها، إلا أنني أرى ذلك في عينيه... في تلك اللمعة التي في عينيه.

الزوج المثالي، هكذا يناديني. نعم أنا الزوج المثالي والابن المثالي والأب المثالي... هكذا كنتُ دائما. لم يكُن لزاما عليّ إرهاق نفسي في التفكير حتى أكون مثاليا. هكذا ولدتُ فكنتُ فأصبحتُ بطريقة شبه طبيعية وتلقائية. وربما ذلك كان لأنني كنتُ محظوظا بسهير. ذلك ما كنتُ أقوله لنفسي طوال حياتي.

ولكن سهير... مع السنين... تغيّرتْ...كبُرتْ... لم تعُد لديها قوة... لم تعُد مهتمّة. هكذا... ببساطة.

فقط أنا لم أتغيّر. لم أستطِع أن أتغيّر... كأنني الوحيد الذي لا يكبر؟؟

حاولتُ. حاولتُ مرارا، ولكن... لا أدري. أحيانا أفكّر: لماذا؟؟ لماذا تغيّرتْ هي وأنا لا؟؟ ما الحكمة في ذلك؟ أهو امتحانٌ من ربّ العالمين؟؟ أهو سوء حظ؟ أم أنه القدر؟

القدر مرة أخرى. كم كان سيضحك رائد من هذه الفكرة. ولكن، طبعا، لم أخبره بالأمر. على الأقل ليس في بادئ الأمر. كنتُ أخجل، أخجل كثيرا... ويؤنّبني ضميري. ولكن ماذا كان بإمكاني أن أفعل؟؟

سألتُ نفسي ذلك كثيرا... ولا جواب.

هناك أسئلة كثيرة لا أجوبة لها، تبقى طوال حياتنا مُبهمة، معلّقة... بلا إجابة، وهذا، بحدّ ذاته، يكشفُ كم تغيّرتُ. كنتُ أظنّ سابقا أنني أملك كل الإجابات على كل الأسئلة. لم أكن أرى أية تعقيدات. كل شيء كان صافيا وواضحا في ذهني. كيف تحوّلتُ، فجأة، كل هذا التحوّل؟؟

ثم... صُدمنا بمرض سهير.

سهير، أيتها الجميلة قلبا وقالبا. ما زلتِ جميلة إلى اليوم. نعم، ما زلتِ جميلة جدا بنظري. كم أحبك. ما زلتُ أحبك رغم كل شيء. هل تصدّقين؟؟

لا أدري هل أوجّه هذا السؤال لك أم لنفسي.

آه، يا سهير. سامحيني، يا حبيبتي. لو أنكِ لم تتغيّري... ما كنتُ قد تغيّرت. كنتُ سأبقى الزوج المثالي.

«ايمتى وصلت؟»  صوتها باغتني وأيقظني من أفكاري.

«قبل شوي حبيبتي.» قلت.

أفرجت شفتاها عن ابتسامة ذابلة، مفعمة بعذوبة ممزوجة بالأسى. اقتربتُ منها وأمسكتُ يدها. كانت باردة.

«حاسة بوجع شي؟» سألتها.

«لا...إسا... ما في... وجع ...» قالتْ بصوتٍ ضعيفٍ، ثم بدَت عليها المشقة وهي تضيفُ: «أنا...»

«شو حبيبتي؟؟»

تقلّصتْ ملامحها.  «أنا اليوم... أحسن. حاسّة... إني... أحسن.» تمتمتْ.

«الحمد لله حبيبتي. هادا خبر كتير حلو.»

ثم وجّهت إليّ نظرة عميقة، محمّلة بدفئها الأنثوي النادر، وقالت بصوتٍ مخنوق بالكاد يُسمع: «أنا... كتير... مبسوطة... حامد.»

ضغطتُ على يدها بحرارة. «وأنا.»

انطوتِ المسافات أمامي كانطواء السنين، حتى توقّفتُ على الإشارة الحمراء. لم تكُن بي رغبةٌ لرؤية أحد ولا محادثة أحد. أحسستُ بالوحدة كما لم أحسّ في حياتي، وحدة قاتلة، رهيبة. تغيرت الإشارة إلى صفراء ثم إلى الخضراء. انطلقتُ مرة أخرى. كيف أترك سهير وأنطلق إلى تلك المرأة؟؟ يا لسخرية القدر. كيف سمحتُ لذلك أن يحدث، أنا الزوج المثالي الذي لم تزغ عيناه يوما طوال خمسة وعشرين عاما من الزواج؟

كنتُ أستسخفُ النساء، أستصغرهن ولا أبالي بحركاتهن، وقلبي تحتله حبيبتي الأبدية، سهير. إلى ذلك اليوم الذي رأيتُ فيه أحلام في بيت رائد.

لم يكُن ذلك الأمر غير مألوف لدى رائد، ولكنه شرح لي بعد ذهابها أنها أتَت لتستشيره في أمر ما، وذلك، ما لم يكُن مألوفا. تعجّبتُ لِم رأى ضرورة لتبرير وجودها. هل أحسّ بشيءٍ غير طبيعي في كلامي معها أو نظراتي إليها في ذلك اللقاء؟ كأنه أراد أن لا أسيء الظنّ بها.

 والحقيقة، أنني كنتُ مأخوذا بها من أول نظرة. هناك أسرارٌ لا نعرف تفسيرها في الحياة، فأنا لا أدري ما سرّ ذلك الانجذاب المفاجئ الذي سيطر على حواسي حين جلستُ أمامها في ذلك اليوم مرتبكا ومشدوها.  أهو ذلك البريق الأخّاذ اللامع في عينيها البنيتين المغريتين؟ أم فتحة شفتيها الشهيّتين الملونتين بحمرة قانية؟ أم هو قميصُها الأحمر ذي الفتحة العميقة التي كشفت انضمامة نهديها؟!

منذ متى كنتُ مأخوذا بنظرات النساء، شفاههن أو نهودهن؟؟

كل شيء فيها كان يصطرخ بي، يعصف بدواخلي ويجرفني في بحر أنوثتها، ورائد لم يكن غبيا، ورغم أنني لم أخبره بوضوح، إلا أنه كان مدركا للتغيّر الحاصل في علاقتي مع سهير ويدرك كم كنتُ أعاني. الرجال يفهمون هذه الأمور حتى لو لم ينطقوا بها كلاما. هل كان مشفقا عليّ؟؟ أحيانا أحسّ أنه حقا كان مشفقا.

أطلقتُ زفرة طويلة. حاولتُ أن أطرد الأفكار من رأسي وأركّز في الطريق، ولكن كلمات سهير تردّدت في ذهني: «أنا كتير مبسوطة.» ماذا قصدتْ بكلامها؟ ولماذا تكون مبسوطة والمرض يهتصر جسمها والآلام لا يوقفها شيءٌ سوى تلك الحبوب المخدّرة التي تغفيها وتبعدها عن كل ما حولها، إلى أن تأخذها غفوتُها الأبدية. ثم، فجأة، خالجني الشعور أن فقدانها قد يمزّق شرايين الفرح في قلبي إلى الأبد.

أركنتُ السيارة بجانب الرّصيف المحاذي للبناية. السّماء كانت رمادية، غيومٌ سوداء تغشاها، والريحُ الغربية اشتدّت منذرة بمطرٍ مقترب.

خطوتُ مسرعا نحو مدخل البناية واعتليتُ بحذر سلم الدرجات. توقفتُ عند الطابق الثالث وتأمّلتُ باب الشقة رقم 6. انتابتني رغبةٌ جامحة لرؤية رائد. هل سيكون في شقّته الآن؟ البارحة قال لي حين اتّصل لسؤالي عن سهير إنه متوعّك الصحة ولن يذهب إلى العمل. ربما من المستحسن أن أطمئنّ عليه.

أطمئن؟؟

رفعتُ يدي وكنتُ على وشك طرق الباب، ولكن، لم أفعل. أكملتُ صعودي إلى الطابق الرابع بخطى سريعة، متوتّرة. وجدتُها على عتبة باب شقتها.... تنتظرني.

«تأخّرت كتير.» قالت والخيبة بادية على وجهها. دخلتُ دون النظر إلى وجهها.

«قلت لك كنت في المستشفى.»

«كيف حالها إسا؟»

«مش منيح.»

«حبيبي، من شهر حالها مش منيح وانت ما تركتها وما تغيّر شي. أكيد إنت هلكان.»

«سهير هي زوجتي، حبيبتي، أم اولادي، وهي مريضة كتير. ما بقدر أتركها. ما بدي أتركها.»

«وأنا؟ أنا مش حبيبتك كمان؟؟»

«سهير محتاجتني إسا أكتر من أي وقت.»

«حبيبي، وأنا محتاجتك، وانت محتاجني. هي مش نائمة إسا؟»

لم أرد.

خطوتُ نحو النوافذ الزجاجية الكبيرة التي في غرفة الضيوف ووقفتُ أنظر نحو الخارج. لم أرَ شيئا سوى وجه سهير.

اقتربتْ مني ووقفتْ قبالتي. «ما اشتقت لي؟»

«أحلام! بكفي!»

فجأة، أحسستُ نحوها بنفور كما لم أفعل من قبل. أحسستُ كأن النار المشتعلة في صدري ستنهشني وتنهشها معي.

«ما لك؟»

«لازم أروح.»

«تروح؟؟»

«لازم أرجع.»

«لوين؟»

«لعند سهير.»

«... سهير...؟؟»

«أنا آسف...»

«على شو؟؟»

«غلطت إني جيت لهون.»

«فكرتك جيت برغبتك.»

«لا. ما كانت رغبتي.»

«لكان شو؟»

«رغبتي أن أرجع لعند سهير.»

«... لكان روح.»

عندما خرجتُ من البناية، كانت قطرات المطر قد بدأت تتساقط من السّماء، تنهمر على رأسي انهمارا وصوتُ الرّعد يقصف الأرض. أسرعتُ إلى سيارتي وارتميتُ في داخلها، وقبل أن أشغّل السيارة، فجأة، رنّ هاتفي. أخذتُه من جيبي بسرعة.

«آلو؟»

«آلو؟»

«نعم... آلو؟؟»

«سيد حامد؟»

«نعم.»

«عم تسمعني؟»

«مين؟»

«أنا من المستشفى. إنت عم  تسمعني؟»

«إيه. شو في؟»

«اتّصلت مشان سهير.»

«ما لها سهير؟!»

«أنت هون بالمستشفى؟»

«إسا راجع. شو ما لها سهير؟»

«لكان ارجع بسرعة.»

«احكي شو ما لها سهير؟؟»

«... سهير... ماتت.»

 

حوا بطواش

كفر كما/فلسطين

11.11.15

 

madona askarجرح في صلب محبّتكَ

يؤلمني ويحلّ العدمْ

 


 

حوار قلبيّ / مادونا عسكر

 

- ما هي البهجة؟

- ملاكٌ جالس على العرش السّابعْ

يقرأ ليَ اسمكَ في كتاب من ذهبْ

فأندهشْ.

- ما هي الدّهشة؟

- إصغاء إلى تراتيل الرّيحْ

تحدّثني عن جمالكَ

يزرع في الغابات أسرار الجمالْ.

- ما هو الجمال؟

- ارتحال في صمتكَ البليغِ

السّاهرِ على راحتي الأبديّة.

- ما هي الرّاحة الأبديّة؟

- امّحاء العالم وانقضاؤهُ

وظهور عالم أنتَ وحدكَ فيهِ.

- ما هي الذّاكرة؟

- لا أتذكّركَ، لا أنساكَ

بل أحياكَ في زمن غير الزّمنِ

في حياة ترنّم حضوركَ

في موت يطرق أبواب المجدِ

وينتزع مباهج الحرّيّة.

- ما هي الحرّيّة؟

- ارتقاء إلى قمّة قلبكَ

حيث لا خوف ولا اشتهاءٌ

لا رغبة ولا إماتة

لا فكرٌ ولا حسٌّ

لا شعورٌ ولا وعيٌ

بل أنت وحسبْ.

- ما هو الخوف؟

- جرح في صلب محبّتكَ

يؤلمني ويحلّ العدمْ.

- ما هو العدم؟

- أن لا تكونَ أنتَ أنتَ منذ الأزلِ

حبيباً اختار كماليَ سكناهُ.

- ما هو الكمال؟

- أن أرنو إلى عينيكَ الهائمتينِ وأسعدُ.

- ما هي السّعادة؟

- صحراء قاحلة، تتدفّق فيها ماؤك الحيّة

سماء ملبّدة، يخترقها همسك الرّقيقُ

سنونوات مهاجرات إلى الشّمالْ

تعاين دفءَ حبّكَ، فتقرّر العودة.

- ما هو الحبّ؟

- قلْ كلمة تحيا بها نفسي.

 

لبنان

 

mohamad almestariشرطية المـرور..

أو الحـب الذي قادني إلى عكاشة*

 


 

لساعات طويلة وقفت متسمرا أنظر إليها من بعيد، كانت جميلة وجذابة، والزي المخزني الذي كانت ترتديه زادني بها إعجابا... تبدو في أواخر العقد الثاني من عمرها، افتتنت بها منذ النظرة الأولى إليها، في ذلك الصباح الصيفي الباكر، الذي كنت أرتـدي فيه قميصا أزرق اللـون...

عبرت الشارع الذي تنظم فيه السير أزيد من سبع مرات، وكل مرة كنت أعبره فيها كنا نتبادل النظرات، فاكتشفت حينها عينين سوداوتين وواسعتين، وشفتين ناعمتين حمراوتين بلا أحمر شفاه، وقامة رشيقة، وشعر أشقـر... لا أنكر أنه خيل إلي في تلك اللحظة أني بطل فيلم رومانسي قادر على تحدي كل الصعاب، خصوصا عندما كنت في حالة رضا عن النفس وثقة زائدة كان مصدرها لباسا جديدا كنت أرتديه.

دنوت منها وقرأت لها السلام: فردت متشكرة: وأضافت، أنظر أمامك جيدا فأنت تعبر الشارع، فأجبتها بصوت متحشـرج: حاضـر... لكـن، هل ذلك من خوفك علي؟ فردت علي بصرامة: مـاذا؟ قلت لا شـيء...

أتذكر أني لم أنصرف ذلك اليوم حتى انتهى وقت عملها، حيث كنت مصمما على الحديث معها. لكن، لسوء حظي فقد نقلتها سيارة أمنية..

عدت يوم غد فلم أجدها في مكانها إلا شرطيا منتفخ البطن، يخرج قميصه من سرواله الواسع، كثير اللغط، ما أقبح الرجال أمثاله، اخترت أن أبقى في انتظارها، فمكثت اليوم كاملا أنتظر لعلها تأتي، لكن من دون جدوى، وذات لحظة سألت نفسي ماذا أنتظر هناك؟ فأجاب خاطري عشقا رائعا لعله يتحقـق.

وفي أثناء ذلك الانتظار، كانت تأتيني بين لحظة ولحظة مكالمات هاتفية من والدتي، «ألو مصطفى، لقد حان وقت الغذاء، أين أنت الآن؟ فنحن في انتظارك». فأجيب بلعثمة في الكلام أني في ندوة علمية!...

في اليوم الثالث، وجدتها في ذلك المكان نفسه، الذي يشهد على صدق إعجابي بها، فابتهجت من حيث أدري ومن حيث لا أدري، وبسرعة عبرت الشارع مقتربا منها، مرحبا «أشافة». فردت التحية، ملمحة. غير أنه في تلك اللحظة تملكني الخوف والخجل، خصوصا وأني لا أعرف كلام الغزل. فانتظرت إلى أن اقتربت من وكالة بنكية لتحتمي من حر الشمس، حين ذلك ذهبت إليها مستعجلا.. من فضلك أريد أن أتحدث معك. فأجابت: تفضل!

بعد خجل كبير حاولت التغلب عليه.. قلت لها أرجو أن تتفهمي مشاعري فأنا قد أعجبت بك من أول لحظة رأيتك فيها، وقبل أن أكمل كلامي؛ فإذا بسيارة أمنية تقف حولنا، فيطل منها رجل شرطة من درجة عميد ممتاز، فيصرخ في وجهها عاليا: هل أنت هنا لتنظيم السير أو للتنزه؟ فأجابت «شاف، شاف» إنه يضايقني ويتحرش بي.. أما أنا، فقد صدمت من تصرفها وصرت تماما عاجزا عن الكـلام.

نزل شرطيان فقبضا عليا وجرجراني إلى «الستافيط» نحو سجن «عكاشة»، بتهمة التحرش ومضايقة امرأة شرطة أثناء مزاولة عملها مع سبق الإصرار والترصد! فذهبا بي إلى مكتب النيابة العامة لأخذ أقوالي. ولما استنطقني ضابط بلكنته الجبلية: يا ابن الشفار يسحاب ليك السيبا في البلاد، شنو قاليك قران عقلك. تكلم.. تكلم! أجبت قائلا: قل في مسبتي ما شئت.. فجوابي لك هو حـب جرني إلى عكاشة.  

 

.....................

* عكاشة: هو سجن مشهور في المغرب، يوجد في عين السبع بالدار البيضاء إحدى كبريات المدن المغربية.

 

محمد المستاري

المغرب

madona askarوينتحب فحواها

ما لم تتضمّخ بحِسِّكَ النّديِّ

 


 

تكلّم حتّى تورق القصيدة / مادونا عسكر

 

تتكلّمْ

فينهار الوجدُ

مفتتناً

برؤياك هائماً

في صرحك المقدّس العظيمِ.

هنيهاتٌ

تومضُ في حضرة اللّحظة

فتورقُ القصيدة

وتذوب سِحراً

في حنايا لغتك العذبة.

تعاينُها

الأساطير العائدة

من مخيّلة الزّمانِ

وما تلبث أن تذوي

وتنتفي أمام جلال الحقيقة.

***

 

وَلَدتُ قصيدتي

ثمرة حبٍّ

في عمقك الأزهريِّ

المتبتّلِ.

ونَمَتْ

وعظُمَتْ

في كنف همسكَ الرّقراقِ

حتّى

انسابت ابتهالاتٍ من ثغر المزاميرِ.

صلواتٌ

أشدوها

عند السَّحَر المتأمّلِ

تضرّعاتٌ

تتهادى

على أهداب الغروب الغافي.

قصيدتي

مزاميرٌ تُتلى

على مذابح حبّكَ

المنطوية في صوتكَ

الأزليِّ

المتجذّرِ في نفسي.

***

 

أيّ نجوىً

يجتاح جوارحها

ما لم تكن

هي

صوتك الشّادي

عبر العصورِ

وكلمتك المتسامية إلى ما بعد الأبدِ.

لعمري

إنّ اللّغة تتلاشى عند أقدام الورى

وتذبل حروفها

وينتحب فحواها

ما لم تتضمّخ بحِسِّكَ النّديِّ.

***

 

أرتّل بصوتكَ

قصيدتي

وأصلّي بكلمتكَ

تضرّعات حبّي

فأَنمو في أناكَ

وأُزهرُ

وتتوغّلُ أنتَ في أنايَ

لغة تتجدّدُ

كلّما نضحت الحياة أنفاسكَ.

 

لبنان

 

MM80يتوافد الزوار إلى المتحف الكبير الواقع في بلاد الشمس صباح كل يوم حتى المساء، يتوسطه باب خشبي ضخم، مزين بالزخارف المختلفة الأشكال، حفر على إطاره الخشبي كثير من النجوم المتناسقة الأبعاد، وفي منتصف كل مصراع شمس منيرة، يميز أي زائر ذي أنف معافى رائحة العفونة فيه ؛ كرائحة بول متكلس على أرضية متروكة، منبعثة من مداد القصاصات المعلقة والمتغيرة باستمرار مع تبدل كراسي الحكم.

تتدلى النياشين والهدايا، منها الخناجر، السيوف، و تتراصف الدمى الشمعية، الرقاع المكتوبة، وصور مختلفة الأحجام للملوك والأمراء، على الحيطان بشكل متناسق، كل تلك المقتنيات والرفات لها قصص عديدة منها الصادقة التي تم حفظها في صناديق مغلقة الإحكام، وأخرى المزيفة والتي بانت على الرفوف وداخل (البوفيهات) المزججة، يعرف عن أسرارها الكثير حارس المتحف ؛بعد أن قضي من عمره ثلاثين عاماً ونيف لحراسته، دأب خلالها على دراسة ما فيه رغم تدني تعليمه،حتى فاق بمستواه المرشدين السياحيين العاملين في المتحف.

ينتاب الحارس شعورٌ غريبٌ عند كل نوبة حراسة ليلية على أن الجميع يتزاورون بينهم،كأشباح فضية، يتعاتبون، يتقاتلون، مازالوا يتآمرون على رداء معروض في صندوق زجاجي،أجروا عليه تعديلات جمة حتى فقد أصالته .

الليل طويل والأبواب مغلقة، يسود المتحف الصمت، إلّا من عرير صراصير الحيطان، اعتاد الحارس ذلك الأمر المريب ؛ كالدفان الليلي، أو طبيب عدلي يمضغ طعامه على جثث الموتى .

لم يزر الحارس القبو التحتاني للمتحف طوال مدة خدمته؛ حذره مدير المتحف من الدخول، على الرغم أنه لم يغلقه أبداً ؛ لأن بابه الخشبي الثقيل ذا المسامير العريضة أمسى متهرئاً من العثة التي عمت تجاويفه.

يساوره الفضول كل ليلة لكشف أسرار ذلك الدهليز ؛ لكن الخوف من سطوة المدير يحول دون ذلك، إلّا تلك الليلة ؛ حينما حسب نفسه مستعداً لمخالفة تلك الأوامر مهما كانت النتائج، وحال انغماسه مع الشمعدان في عتمة القبو، لاحت له أفراسً لها أرجل متعددة كأذرع الإخطبوط منحوتة على جدرانه المتفحمة، كأنها حفرت بسنابكها الأرضية المرصوصة من المرايا، انعكست أشعتها الشديدة على أعين لجموع آدمية باتت مغمضة، طُوّقت أعناقهم بالسلاسل كالسبايا، وعلى الرغم من ذلك كانت البسمة و التفاؤل واضحين على وجوهم المغبرة، كأن النحات أراد بمحاكاته إيصال رسالة ما.

يتوسط باحة القبو باب خشبي يؤدي إلى غرفة واسعة، أحد مصراعيه ملطخ بالنجيع، بانت آثار كسر أوتاد متراسه مفضوحة، يفترش أرضيتها (الموزائيك) بألوانه المتعددة، جعل ضوء الشمعدان من شكله شيئا آخر حتى أمسى كجناح طاووس طويل ممدود على الأرض زاهي الألوان ...

عمت الفوضى داخل الغرفة ؛ كراسي خشبية مرمية، بعض من أرجلها منزوعة، والأخرى متكسرة، تخترق مساندها خناجر بتراء مازالت مغروزة، تناثرت بعض الكؤوس النحاسية المنبعجة هنا وهناك سوى واحدٍ منها مازال يتوسط المنضدة الخشبية يترسب بداخله صدأ أخضر، هناك بقايا ثريّا تتوسط السقف المنقوش بالدوائر والمثلثات والمنحنيات والخطوط غير المستقيمة غيّرت من معالم نجمة ثمانية الرؤوس كانت محفورة في عمق السقف، حتى أمست سداسية الشكل على الرغم من أن الرتوش المزيفة واضحة المعالم كوجه عروس قبيحة مزينة بالماكياج، يتدلى من وتد السقف حبل متين معقوف، تحته كرسي مقلوب على إحدى الجوانب.

ارتعب الحارس من ذلك المنظر؛ لم يجد تفسيراً واضحاً لما يحدث، أخذ ينبش بما تبقى من العفش، مازال هناك صندوق أسود كبير قد كٌسر رتاجه، و حلقة الإقفال ظلت صامدة، فور فتحه الراتج انعكس ضوء الشمعدان من المرايا التي بداخله، أضيئت على أثره الغرفة تماماً، حدق فيها بإمعان، رأى وجهه مسخاً ذا قرنين، أرعبه المنظر، رماها بقوة بعيداً حتى انكسرت، وما كاد يهدأ من خوفه حتى بدا له فضاء الصندوق عميقا ليس له قرار، تراءت له شمس متوهجة مغلولة بقيود سوداء، يفور لظاها كالبركان الثائر، تدور حولها نجوم ناعسة الضوء، غلق الراتج على عجل، على أثر ذلك هرب مسرعاً، خارج المتحف، ظل يرتجف كغصن لبلاب هزته الريح،أفترش الأرض، ممدداً ساقيه، يناجي نفسه:

- ما لي أنا والقبو، أي شيء هذا؟ قرص خده عدة مرات، تمنى لو كان يحلم، حاول فك الرموز والألغاز، لم يصدق ما رأى، وكل مرة يكلم نفسه :

- لا، ليست هي .

ظل على تلك الحال حتى الصباح، ركز نظره نحو الشمس، انتابه العجب ؛كيف ظلت عيناه مفتوحتين من دون أن يغمض لهما جفن بالرغم من بزغ أشعتها القوية ؟و كأنه أكتشف سر تلك الطلاسم، عاد إلى المتحف مسرعا، وما أن توافد الزوار،حتى اعتلى منضدة توسطت قاعة المتحف، لفت انتباه الجميع بعد أن صاح بصوت عال:

- أيها الزائرون، اكتشفت ليلة أمس أشياء كثيرة، عظيمة السر، لست قادراً على وصفها، لكنني أيقنت اليوم أن شمسنا هذه كاذبة، وتلك الصور المحنطة وجوهها مزيفة ورائحتها نتنة، تحمل أقنعة كاذبة، لا يغرنكم بها الغرور ؛ تختلف تماماً عن ما رأيته في قبو المتحف، تعج الأفراس الأصيلة في الأسفل، متأهبة للصعود ؛ لكن فرسانها معلقون، مصلوبون، ينتظرون مَن يحررهم، و هناك شمس مغلولة بخيوط الظلام والنجوم أسرى !

حاول المدير مقاطعته و إنزاله، طلب الجمهور الاستماع إليه حتى النهاية، أكمل الحارس خطابه :

- عثرت على مرآة صادقة، رأيت فيها حقيقة نفسي، كالسن المحشو بالذهب ورائحته جيف، وجذره زيف ؛ حسبته طاحونة الرحى وهو لا يقدر على هرس زبد طري ساح، أؤكد لكم أن شمسنا هذه مصطنعة، أنظروا إليها بأم أعينكم ؛سترون أن أشعتها عاجزة حتى على غلق عيني رجل عجوز مثلي ...

تحلق الجمهور حوله، أرادوا منه إرشادهم إلى القبو، حتى وصلوا السلم، تفاجأ الحارس ؛ كان الباب غير الذي رآه الليلة الماضية، والقبو في أبهى حالاته، الرسوم، الكراسي، الثريّا، المنضدة، الصندوق، كل شيء مرتب بانتظام...

ركض نحو الصندوق، صاح بالجميع، فتحه، وجد المرآة سليمة، وفضاءه محدود العمق، لا شمس مغلولة هناك! سخر منه الجميع، اعتدى البعض عليه بالضرب . وآخرون وصفوه بالمعتوه، افترش الأرض، أدهشه الأمر كثيراً، لازمته نوبات من الضحك، لم يستطع أحد إسكاته.

تنفس المدير الصعداء والحارس مازال مقهقهاً، حتى وصل موظفو المصحة، نهض الحارس بكل هدوء، مرتدياً ثوب المرضى، وبعد أن اقتيد إلى عجلة الإسعاف،أشار إليهم بيده اليمنى نحو الشمس، حدقوا نحوها، ما لبثوا إلّا قليلاً حتى انفجروا مقهقهين معه كالمجانين.

 

رعد الفندي

18 حزيران 2013

 

MM80وأرهَـبوا عـبقَ مُروجِـكِ

في شَهرِ نَيسانِ

 


 

 دُخَان / كوثر الحكيم

 

لا تَـبخَلي الوَصلَ عَـنّي

فَـإنَّ البُـعدَ أضنانـي

أهـواكِ في الصُّـبحِ

وأشواقي في الليل تَـرعاني

فَـكوني اليـومَ قُــربـانـاً

يَـهـيمُ فَــوقَ أزماني

البُـــعدُ يَـقـتُـلُـني

وجَــوُّ الرُّعـبِ والتَـفخـيـخِ والحِـرمانِ،

أيـقَّـظَ فِـيَّ أحـزاني وأدمـاني

يُــدمِّــرُ التَــفجـيـرُ في رُبوعِ مَــديـنَـتِــنا

فَــيخْـتَــنِـقُ الهَـوَاءُ وتَــموتُ أمَانِــيـنــا

وتَـصْبَـحُ بَـعدَها الـدُّنْـيَـا

دُخَاناً فِي ثَـوَانِ

فَلا فَـرْقَ لَـدَى قـاتِـلٍ

قَـد ماتَ ضَميـرُهُ

إنْ أراقَ دَمـاً

أو هَــدَّ مَسجِـداً بِـميدانِ

فَـلا تُـميِّــزُ النِـيرانُ

طِـفــلاً أوْ امْرَأةً

ولا ما بَــيْنَ حَـديـقَـةٍ

أو شَـيْخٍ وحَـيوانِ

فَـفي الأُفُــقِ دَمـارٌ

يَـلوحُ حَـولَ المَكانِ

يَا لَـعَـصْرٍ لا يَـعرِفُ عَــدالَـةً ورَحمَةً

يُـدفَـنُ الشَّرفُ الرَّفيعُ

في الوَحلِ والأطيانِ

غَـدَروك يا بَـغدادُ

وضَاعَ مِـنكِ الأمانُ

وأرهَـبوا عِـبقَ مُروجِـكِ

في شَهرِ نَيسانِ

يا لَـزمانٍ بـائِـسٍ..

عُـنفٌ وفَــقـرٌ مُـدقِـعٌ

أرواحٌ جَــمَـةٌ تُــزهَــقُ

بِـعُـذرِةِ الأديــانِ

 

madona askarحصدتها سنابل مطرٍ

انهمرت بالأمس شوقاً لأرضك العذبة

 


 

الآن وقد حلّ المساء / مادونا عسكر

 

الآن وقد مضى من هذا النّهار جلّه، أراني في أشدّ الحاجة إليكَ

أنت القريب في بعدكِ

والأدنى إليّ من دمي الجاري في أرقّ عروقي

تنبض في أوردتي ورداً أحمر قانياً

وأبيض ثلجياً ساخناً

كالله المتعالي العاشق المتجلّي حباً فينا...

الآن وقد حلّ نغمُ المساء، أحسّ أنّي حيث لا ينبغي أن أكونْ...

أقوم وأحمل إليك غلال القمحِ

حصدتها سنابل مطرٍ

انهمرت بالأمس شوقاً لأرضك العذبة

وستنهمر غداً وبعدهُ

وإلى الأبدِ...

فلا الشّوق تبهتُ أنفاسهُ

ولا تملّ الأرض من جوعها إلى خبزكَ...

الآن وقد ذاب المطر في حنايا الوقت الثّقيلِ

أراني من عينيك أنسكب ألماً

وأفنى زفرات هانئة في صدرك الرّحبِّ

أناجي جلال صوتك المضمّخ بشذا الياسمينِ

يصلّي في قلبيَ موعداً قريباً...

 

thamer saeedانبت الحالمون شاعراً..

قوّضَ أحلامهم!

 


 

الحالمون / ثامر سعيد

 

المبحرون بلؤلؤٍ وحرير

من جنائن دلمون

وأعقلة مقصّبة،

يمّموا شطرَ السوادِ قلوبهم

ثم قالوا للبحرِ: هيتَ لك!

تعللوا بالأفقِ من العروش

وبالموجِ من ليلٍ بلا أجوبة!

بلا راعٍ عافوا فسائلهم

ودكاكينهم بلا أقفال

وبينَ قبور أسلافهم

تركوا وردةً بيضاءَ..

التقطها من حفلةِ المرجانِ

إلهُ المياهِ،

فلا منحتهُ الخلود ولا سكنتهم السكينةُ.

بالدمعِ على القلعةِ القديمةِ

وشموا أسماءهم،

وعلى السورِ قبل أن يندرس.

وفاءوا إلى نخلٍ غريب

ونجومٍ أشعلتها وحشةٌ

ولمْ يطفئها حنين.

بريشٍ ابيضَ وزعيقٍ

في غسقِ المآذنِ والأعشاش،

طيَّروا أحلامهم..

فصار النهرُ سفائنَهم

والسوقُ أمتعةً ومآثر.

أختامٌ ،صناديقهم، ودراهمُ..

وزهورٌ ذابلةٌ ،صناديقي،

ورسائل!

عشقوا النساءَ..

فأدمنوا الأسرارَ والمدن البعيدة

وعشقتهنّ،

لأخطفَ من شفاههنّ القصائدَ

من أجل غلاتهم يحلمون في المطر

وفيه أحلمُ..

لتورقَ في دفاتري الفصول.

انبت الحالمون شاعراً..

قوّضَ أحلامهم!

 

murad mado استفاق من نومه القلق ملأه كوابيس مبهمة، مخيفة. كعادة كل الصباحات الكئيبة منذ تركه الوطن، واستقراره في ارض الغربة، ما ان ازاح ستار النافذه، حتى استقبله الجو الرمادي الملبد بالغيوم، ومطر خفيف ينقرعلى زجاج نافذته المتسخة من الخارج، لينقل الى روحة عبث الطبيعة الحزين....

التلفاز اللعين بات يعشق كل ماهو مؤلم ومرعب، ماعادت هناك اخبار مفرحة، اينما تدير الحاكوم تلتقي بالوجه الاسود للبشرية. أهو عصر العولمة؟ أهو العالم المتحضر حقا؟.. والا كيف تحصد الارواح، وتطلق الصواريخ كيفما تشاء، وتقطع الروؤس، تسبى النساء، وتباع في سوق النخاسة، وخرائط جديدة تتوج بدماء الابرياء.

اليوم ككل الايام: اشلاء قتلى، دماء على الارض ترسم عار السلاطين، صراخ اطفال،عويل نساء، دموع سبايا بعمر الزهور.... وايضا، وجه الطبيعة القبيح في بكاء السماء، وهيجان بحر ماعاد يفرق بين السمك والبشر، تتلاطم امواجه السوداء لتلتهم نساء واطفال يبحثون عن عوالم اخرى، عوالم فيها بشر؟

اخذ فنجان قهوته بين يديه، مصغيا الى سمفونية الحزن المتزاوجة بين اعماق روحه القابعة بالوجع، ومدارات الجريمة في شرع الله.

رشف من قهوته المرة، وزفر من دخان سيكارته المتطاير عبر فضاءات روحه بحلقات شبيهة بافواه نواقيس كاتدرائية عتيقة تلعن زمن الحاضر....اثار انتباهه مظروف ابيض مطرز بوردة حمراء، تركه من يوم امس على المنضدة بعد ان اخرجه من صندوق البريد...فتحه، تأمله... فيه دعوة لحضورحفل زفاف...!

تراءى له طيف بهار وهي تصرخ، وهي تبكي وتتحول من يد الى يد، من لحية الى لحية..لازال القلب مثخنا بالجراح، والروح تائهة تبحث عن اله مجهول... بعيون مبللة بالدمع مزق الظرف واجهش في بكاء مرير....

امه التي قتلها العطش في قيظ آب وهي تهرب الى رشفة ماء...جدائل اخته المتروكة على ناصية طريق بلا نهاية... بكى وبكى حبه المسبي، وهو يتنقل من يد الى يد، ومن لحية الى لحية..؟!

 

مراد مادو

 

MM80 بينما كانت مستغرقة بتأمل علبة اعواد الثقاب، انصرفت ذاكرتها لتبحث عن لحظات تجعلها تتشبث بالعيش، مريم ابنة الاحد عشر عاما استيقظت لتجد نفسها بخيمة في العراء في ظل ظروف قاسية لم تألفها من قبل، اصابها الذعر مع بداية هطول قطرات مطر طفيفة وكأنها جرس انذار! كان احساسا غريبا عليها فقد اعتادت ان تحب صوت زخات المطر والرائحة التي تنبعث حال سقوطه عندما يغسل الاشجار والبيوت، وان تركض تحت رشقاته مع اطفال الحي، استحضرها المشهد وراحت تذكر العبارات التي كانوا يطلقونها والممزوجة بضحكاتهم، أحست برطوبة تلامس قدميها اشعلت عودا، لم تر شيئا، كان بصرها شاخصا في افكارها التي استعرضت لها صورا من ذاكرتها انطفأ العود سريعا كما انطفأت ابتسامتها، كانت تصلي للرب ان لاتستمر تلك السحب الوابلة . تداخل ضجيج مخاوفها مع صخب المكان فالجميع في وضع مربك بسبب مخاوفهم من تلك السحب المثقلة، والتي من الممكن ان تنتزع ماتبقى من احساس الامان من دواخلهم في اية لحظه! لم ينتبه احد لسحب الحيرة في عيون مريم، حتى والدتها فقد كانت مشغولة بأسكات بكاء طفلها الرضيع الذي كان مريضا بعد انتهاء كمية الدواء التي وزعتها فرق الاغاثة الطبية على مخيماتهم قبل مدة، استوقفت مريم صورة ابيها عندما خيم الصمت على ملامحه، لم تتصور يوما ان تراه هكذا، ففي عالم الاطفال الاب هو دائما الرجل الخارق الذي يستطيع حماية ابنائه من اشرار واهوال العالم الخارجي، كانت تشاهد في عينيه احتباس البكاء المؤجل حين نظر الى السماء وردد بصوت خرج من بين الف غصة " شلون ياربي!"، كان ذلك المشهد بمثابة عاصفة هوجاء عصفت بنفسها في اول مرة تظهر لها الحياة بوجه مخيف وزوايا معتمة، تزايد هطول المطر بشكل رهيب بالشكل الذي يجعله يبدو كغضب الهي ! ازداد الموجودون هلعا وراحوا يتراكضون باتجاهات مختلفة، كانت اشباح السعادة تراودها في تلك اللحظات على صورة اهازيج طفولية حين اسمعتها ذكرياتها ماكانت تردده مع اصدقائها عندما يتراكضون على الاسفلت تحت المطر " مطر مطر يا حلبي عبر بنات الجلبي " وكيف كان ركضها يشبه التحليق الى حد ما من فرط السعادة كانت مندمجة مع رغباتها الطفولية، حين حاولت ان تفعل ذلك مرة اخرى غير مكترثة لما حولها من أسى لكنها سرعان ما ادركت ان ذلك غير ممكن فالمكان اصبح عبارة عن بحيرات من الوحل، ومن الصعب المشي فيها حتى ! هرع الجميع لحمل امتعتهم لم يعد المكان صالحا للمكوث فيه فقد غرقت اغلب الخيم . غادر الجميع بعد وصول عجلات لنقلهم الى المساجد في بغداد، كانت مريم مغرقة بالصمت طوال الطريق لم تفصح عن شيء،اشرقت الشمس صباح اليوم التالي .. كانت اصوات زقزقة العصافير تطلق الحانا شبيهة بالحان قيثارة اورفيوس .. كانت قد فقدت اعشاشها او صغارها وربما شيئا آخر، كانت وآلدة مريم قد ارسلتها للبحث عن قلادة سقطت منها لعلها تجدها في الخارج رفعت مريم رأسها للسماء كانت تشاهد الوان قوس قزح التي لاحت في الافق، تأملتها كثيرا مع اشعة الشمس الخفيفة .. لكنها لم تشعر بدفء اشعتها ولم تعد تميز الوان قوس قزح..

 

لبنى محمد

 

madona askarلعلّ الأوان يعانق ذراهْ

وتنسدل آخر وريقات الخريفْ...

 


 

عزف الرّؤى / مادونا عسكر

 

وافيتني ذات مساءٍ

والأبوابُ موصدة

والمقلُ محتجبة

خلف ستائر فاضت مدامعها

تشتهي أنْ

تنسكب في كأس يديكَ

تنهيدات شوق وانتظارْ...

عزف رؤيويّ جليلْ

قادكَ إليَّ

لأرتمي هنيهات في كيانك العذب النّقيّ...

رجوتك أنْ

" إبقَ"،

ما دامت آفاق الرّؤى رحيبة

وأنوار الشّفق لا يخبو وهيج طيبها...

ألا أُمكث قليلاً

لعلّ الأوان يعانق ذراهْ

وتنسدل آخر وريقات الخريفْ...

ثمّة زنابق تتضرّع على مسارح حبّكَ

أعلم أنّك تصغي إلى عبراتها...

أرسلْ لي معها

أمطاراً غزيرة

تبشّرني بحلول الخاتمة

وتجلّي الولادة الجديدة...

 

MM80بصرخاتِ طفلٍ

أضاعتْهُ أمُهُ في الزحام ِ ألهجُ باسمِكَ

 


 

انتظار .. / أسماء الرومي

 

بلهفةِ السواقي

وهي تحتضنُ الماءَ بعدَ غيابٍ

أنتظرُكَ.

 

بصرخاتِ طفلٍ

أضاعتْهُ أمُهُ في الزحام ِ

ألهجُ باسمِكَ

..

بتلويحَةِ جنديٍ نجا من الحربِ

يلوِّحُ لكَ القلبُ ..

 

إعْصمْني بظلكَ

عاريةٌ أقدامُ صبري

ومثقلةٌ خُطاي

 

أسماء الرومي

jamal Mossaouiهناك حبل مشنقة افتراضيٌّ

وهناك الأيام التي أدمنت الرحيل

 


 

فوضى .. وحظ أقل / جمال الموساوي

 

1

هناك حظ أقلّ

الشرفة التي لا تفتح إلا نادرا.

الحديقة التي تحشد عشبها بسرعة ويتماطل البستاني في زيارتها.

المجرفة الكسولة المحايدة في ركنٍ.

مقص العشب المصاب بكساح مزمن.

الجندب الذي قتلته وأشعل كل أكياس الندم في القلب.

الأرجوحة التي كسرتها رياح الأيام الماضية.

الصيف المتردد فيرحل ثم يعود.

المطر الذي يطل من تلك الغمامة في بيت الشاعر:

"كما أَبْرقَتْ قوماً عِطَاشَاً غمامةٌ ... فلما رَجَوها أقْشَعَتْ وتجلتِ".

الساعة الإضافية والساعة المنقوصة.

الأجراس التي في الرأس مثل قرني حلزون.

السلحفاة الصغيرة التي خرجت ولم تعد.

الطائران اللذان اغتالهما القفص قبل أربع سنوات.

الكلب الذي سرقه شخص ما.

عمود الموجات الكهروميغناطسية المهدِّد.

الغبار. الغبار. الغبار.

هناك حظ أقلُّ

لكي يفقد وجه الصباح سحنته الرمادية !

 

2

على نحو أفضل

لا تفتح، على اتساعها،

تلك النافذةَ.

هناك أشباحٌ تصعدُ مع الريحِ،

تقول الأساطير الأولى.

وهناك، احتمالاً، ضوءٌ

يرشّ الروح بسائلٍ غامضٍ

وهناك، بالتأكيد، أنتَ !

بإمكانكَ، من الخارج، أن تتأمل،

على نحو أفضل،

نفسكَ

أيها الحيرانُ

أيها المقيمُ المتحوّلُ

أيها التائهُ الأعمى

يا دليلُ الحالمينَ إلى أنفسهمْ.

بإمكانك أن ترشدَ الطيور إلى القلبِ،

والنحلَ إلى الخلايا السريةِ للكونِ.

بإمكانكَ أن تشعلَ الأغنيةَ من الخارجٍ

هناك في الداخلِ

قيثارتك الريحُ

وتلك النافذةُ الخشبةُ !

 

3

فوضى في الممر

هناك أشياء

لا تسأل عنها.

غرفة في أعلى الفراغ.

نافذة على هواء متخيَّل.

شمس مشرقة من مكان سحيق.

سماء بلا طيور.

أحلام بلا صور.

وناسْ.

هناك شرخ في هذا العالم

في عاطفة أتعبت الشاعر.

هناك هذا الأسف المهيمن.

هذا القرف من الوجه القديم.

هناك حبل مشنقة افتراضيٌّ

وهناك الأيام التي أدمنت الرحيل

دون كلل، والعودةَ في كل مرة.

هناك الكمال الذي لا يدرَك،

والنقصانُ.

النقصان الذي يفضح الكائن

ويسفه النظرية

ويطعن الوردة التي في حديقة الأرق.

هناك الموجة

الموجة البحرية

الموجة الحرارية

الموجة التي تأتي كيفما اتفقَ.

هناك هذه الفوضى التي تغطي المفاصل

مفاصل الفكرة التي تريد أن تصنع العالم

من بقايا

ناسْ.

هناك أشياء

لا تسأل عنها.

لديك في الخريطة فجاج كثيرة.

لديك المتاهة إذن

أيها الماضي،

بحسن نية، إلى الجحيم.

 

MM80 أستيقظ مذعوراً من نومه قبل طلوع الشمس، ليس كعادته بعد أن نام ليلته الماضية مقهوراً لنفاذ شحن شريحة هاتفه الجوال وحساب الإنترنيت منذ عدة أيام، وما عاد يمتلك مالاً لدفع مستحقاتهما، إضافةً إلى طعامه ومصروفه وإيجار شقته الواقعة في الطابق الخامس ضمن عمارة سكنية قرب جامعة القاهرة التي يدرس فيها، لم يعرف الأسباب الموجبة التي منعت وصول الحوالة المالية البريدية من بغداد حتى الآن.

أكمل هندامه على عجل من دون أن يشطف وجهه، التقط بعض الكتب وأدواته الهندسية، خرج من شقته مرتبكاً، قفل بابها بهدوء، حابساً أنفاسه، تجاوز الطوابق الثلاثة بنجاح والطابق الأرضي الذي يسكن فيه صاحب العمارة، زفر شهيقه الساخن، ورغم تنفسه الصعداء، لكنه مازال مضطرباً، تمنى أن يطير بجناحين خجلاً، فهناك من لم يدفع له الديون المترتبة عليه أيضاً، ضمن الدكاكين الواقعة في العمارة ذاتها، منهما البقال الحاج متولي، وحسنين صاحب كشك الأكلات السريعة،،اللذان يبدآن عملهما مبكراً، ولأنهما طيبان وكريمان معه فقد تفهما وضعه جيداً، أسرع الخطى و حال وصوله مخرج بوابة العمارة، حاول عبور الشارع متحاشياً رؤية أحدهما، لكنه لم يفلح حينما صاح به الحاج متولي:

- أيه يا أحمد، لا أحِم ولا دَستور، مفيش حتى صباح الخير لعمك متولي...

- اعتذر عمو، صباح الخير، والله دايخ بزماني، ما أعرف شَسوي، والديّانة كثروا، وأهلي لا خبر منهم ولا الحوّالة، على أساس دبروا المبلغ، بس انكطعت أخبارهم من يومين والقاهرة مثل ماتشوف صايرة نار مثل بغداد يوم سقطت بيد الأمريكان ..

قاطعه الحاج متولي:

- لا لا يا أحمد، الدنيا لِسه بخير، عدرك مِش مقبول، هي الدنيا طارت ولا طارت ..

-  عمي الناس حقه تريد فلوسهه، هاي صار شهرين، البارحة رحت لمكتب الحوالات بالجامعة، رؤوف أفندي خلاني أيأس من كل شي ... بس ما أيأس من رحمة الله ... كلي عمو شسوي؟

- والنعم بالله .... ما كل شي إتطع بعد الاعتصامات والتظاهرات، المطار بقالوا تلات أيام مّسكَر، ودا إلي تسموه الانترنيت سمعت من الولاد بردو إتقطع، مبعرفش حيتقطع إيه و اللا إيه .... حنشوف كمان وكمان ... يبني المحروسة بتحترق...

-  يا عمي الحاج: عود انهزمت من بغداد، حسبالي ارتاح بمصر وأكمل دراستي وآني حكيت لك شلون ماتت أختي بتفجير جامعة بغداد حتى ما عثرنه أثر لجثتها، حظي أسود و مسدود بوجهي وين ما روح....

- لا حول ولا قوة إلّا بالله، جت الحزينة تفرح ....، معلشّ يَبني كُل عقدة ولها حلّال، روح لسيدنا الحسين واللا السيدة زينب، فضفض شوية، ربنا يفتحها ف وشك و يفرجها عليك آدر،كريم ......

 سكت الحاج قليلاً ثم سأله هامساً:

- مش عاوز حاجه يَبني ؤول متكسفش أنا برده ف مآم والدك..

- لا حجي ما قصرت.. الله يطّول عمرك ويعافيك ..

سار في حال سبيله نحو الجامعة، وفي عينيه دمعه، زاد قنوطه شيئاً فشيئاً، بكي هامساً، كان يفكر بشيء ما يساعده في مأزقه، خصوصا وأنّه اقتنع تماماً بأمر صعوبة وصول الحوالة، و لم يفكر أبداً باقتراض المال من أحد حتى من زملائه العراقيين، هم أسوأ منه حالا، لمحت له فكرة بيع ساعته الثمينة لكن مَن يشتريها منه في هذا الوقت الصعب وتلك الظروف التي تمر بها مصر! بكل الأحوال، تبدو فكرة بيعها مقبولة حتى لو بالتقسيط المريح ...

أشرقت الشمس ومعها ازداد ضجيج السيارات وزحمة الناس، وروائح الأطعمة الشهية، شعر بالجوع عندما رأى عربة الفول المدمس متوقفة على أحد الأرصفة، خصوصا انه لم يذق الطعام منذ ظهيرة أمس، مد يده في جيبه، باحثاً عن بعض القروش المتبقية لديه، ضرب فخذه بيده عندما تذكر أنّهُ قد وضعها في جيب البنطلون الجينز، استمر في مشيه، لاحت له علبة عصير معدنية مطروحة جانباً قرب كراسي انتظار سيارات الأجرة، انتشلها خلسة، شعر ببرودة في منتصفها، ارتشفها بجرعة واحدة، علق في فمه عقب سيجارة كان مغموساً داخل العلبة، رماها غاضباً في منتصف الشارع من دون شعور منه، لاحت على مسمعه شتيمة من سائق سيارة مسرعة، زادت من غضبه وتذمره، أخذ يجوب الشوارع بغير هدى، جاءته فكرة العمل بأيةِ وظيفة حتى لو كانت مهينة، لكن، استدرك في نفسه صعوبة ذلك و في هذا الوقت بالذات .

بدت له قبة الجامعة عن قرب، كأنها تمثال أبو الهول، شامخة، ساحرة، ازدانت في قلبه مسرة، عله يجد أحداً من زملائه يقترح حلاً لمصيبته، أسرع بخطاه نحو مساطب الحديقة المقابلة لمكتب البريد في الجامعة والذي لم يفتح بعد، انتظر طويلا ً، لاحت له وردة جوري حمراء يانعة، قطفها خلسة، تظاهر بشمها، طأطأ رأسه، علسها، كتيس جائع، رغب بقطف أخرى، لكن ميرفت زميلته، جاءت مبكرة ليست كعادتها، تبادلا التحية، سر برؤيتها كثيراً،سألها:

- خير ماكو شي، جاية من وكت ...

- لا يا حمادة، أنا طُول الليل سهرانة مع زَمايلِي في المخيم اللي عاملينه ف ساحة المظاهرات، الواد علي زميلنا العرائي كان معانا، طيب ؛ أنا رايحه دلوقتِ أراجع الدروس ف المدرج ... بالمناسبة، أظن مِن بُكره، مَحدِشّ حَيجي الجامعة، أوكي .. باي ..

- الله وياج .

ظل صامتاً هنيهات من الوقت ما لبث أن ترك المسطبة، متجها نحو مكتب بريد الجامعة، أشارت قصاصة ورقية ملصقة على النافذة الزجاجية مُوقّعة من قبل رؤوف أفندي إلى غلق المكتب حتى إشعار آخر لظروف أمنية، وعلى الرغم من يقينه بمصير الحوالة، لكنه شعر بانهيار كبير في قواه، وأن ساقيه لم تعودا تستطيعان حمله، ارتشف قليلاً من ماء النافورة، شاطفاً وجهه بقليل منه ..

 

خرج من الجامعة مكتئباً، ضجراً، أراد الرجوع إلى شقته، ود لو تطوى الأرض ليصل إليها، غير أنّهُ استدرك الذل و الإهانة،اللتين من الممكن أن يتعرض لهما هناك، احتار كثيراً، خاصة والنهار في أوله، لمح ميرفت تسرع بخطواتها نحو موقف (الأوتبيس)، صاح بها بعد أن غمرته الفرحة لرؤيتها ثانية، توقفت متأنية:

- ها وين رايحة، مو عندج امتحان ..

- امتحان أيه ياحمادة، هُوَّ فيه حَد ف الجامعة، اِظاهر خلاص عزِّلوا ...

- لا، موخوش خَبر ... صُدك، آني صرت مثل هذا القاعد على البعير وعضه الكلب..

- أنا رايحه المخيم تيجي معايا ..

صمت قليلاً، يعلم جيداً انه لا يحمل مليماً واحداً في جيبه، ومن المعيب أن تدفع له ميرفت الأجرة، لكن بالوقت نفسه، إنها فكرة لا بأس بها لتقضية بعض الوقت، تعذر بذكاء، مقترحاً لها الذهاب إلى المخيم سيراً على الأقدام، للرياضة والحديث معاً، رحبت ميرفت بمقترحه، فتحت حقيبتها، ناولته قطعة من الكاكاو، فرح بها، تمشيا بهدوء تام، كأنهما عاشقان،سألها:

- ميرفت انتم شتريدون من الحكومة؟

- يا حمادة، الحكومة بقت عامله زي بطليموس الثالث عشر، مبتاخدش رأي حد، خايفه على الكرسي و متبته فيه، سابت الناس اللي مرميه في كل حته، من غير مكان يتاويهم، ولّا حتى شغلانة، و مش لاقيين اللقمة بعد ما بقى سندويتش الفول بالشيء الفُلاني، والأحزاب عاملة زي كليوباترا السابعة، بيدوروا على قيصر تاني علشان يزيحوا بيه بطليموس عن البلاط، دا هو اللي حاصل، لكن شعب مصر مش حيسكت يا احمد، دي مصر، أم الدنيا، كفيانا ظلم وخوف، ووووو .. حقولك إيه بس و اللا إيه، ما أنت عارف كل حاجه، بقالك دلوقت تلت سنين معانا ..

- لا .. لا طبعاً أعرف كلش زين، بس آني خايف عليكم، يتكرر مثل ما صار بالعراق، والله هذا الربيع خايف منه، وتلعنوا اليوم الأسود الصار بيه الربيع ..

- لا يا احمد، متقولش كده، الشعب هو السيد، والعالم معانا، صدقني، أنا مستعدة أموت مِيت مرة علشان مصر وأهلها الطيبين ...

صمت قليلاً، قارن حديثها بحاله وما يجري في بلده، هي ليست وطنية أو تحب بلدها أكثر منه، أراد غلق الموضوع، لكنها بادرته بسؤال:

- أيه أخبار أهلِنا في العراء، عاملين أيه؟

- ميرفت، العراق و ما أدراك ما العراق، مشكلتنا أحنا نعرف وين ألحرامي و منو يسرق البيت، نحتاج إلى كهرمانة تصب الزيت على الجرار، بس لحد الآن ما ظهرت كهرمانة، صارت الوطنية بس سوالف، مثل قصص ألف ليلة وليلة .

- طيب و الاختلاف اللي حاصل بين المذاهب!

- لا هاذا مثل مشكلة الأقباط والمسلمين عدكم، تمثيلية سوّاها الحاخام، أعطيج مَثَل، آني من طائفة وأمي من طائفة أخرى، وزوجة أخوي كردية، بس ما اخفي عليج هذا الأمر راح يتوسع ويصير بكل البلدان، لأن أكو من يريد يخرب إذا بقى شي من عروبتنا المهزومة ..

ردت ميرفت بنكته لتضفي بعض المرح:

- يعني عاملين زي عيلتنا بالضبط، بابا زملكاوي، وماما أهلاوية، وانا مرة مع دول ومرة مع دول ...

قهقها، طيَّب الحديث من خاطر أحمد بعض الشيء، حتى استكان من همه قليلاً ..إلى أن وصلا المخيم الذي تحشد فيه جمعٌ غفيرٌ من الناس، شيب وشباب ونسوة، يحملون رايات ولافتات مختلفة الألوان والشعارات، انغمسا معهم، ما لبثا قليلاً حتى أحاط رجال الأمن بالمخيم من كل اتجاه، جذب وشد، لم تكن نية أحمد التواجد إلّا للفضول وتمضية بعض الوقت، لكن الحماسة التي رآها من المتظاهرين ووطنيتهم العالية حفزت إحساسه الوطني وشعوره بالتقصير تجاه وطنه بعد أن هجره، حتى نسي تماماً أمر الحوالة، كل ذلك دفعه لأن يصرخ قوياً، أشد صراخاً من المتظاهرين المصريين، ويُنشد معهم هتافاتهم وأغاني الحرية في الصفوف الأمامية.

 هاجم رجال الأمن المخيم، تفرق الجمع، سقط مضرجاً بالدماء تحت أقدام المعتصمين، قبضوا عليه، سحلوه، أوسعوه ضرباً بالهراوات والركلات، صاح بهم وبأنفاس مخنوقة:

- آني عراقي، اتركوني ...

- بتؤول عرائي ... أيه اللي حدفك علينا، هي نائصاك يابن الكلب!

رموه داخل سيارة (البوكس. ومعه عدد من المتظاهرين، أغمي عليه، يجر أنفاسه ببطء شديد، أخذ يهذي، وبين كل لحظة وأخرى يرفع كلتا يديه أمام وجهه، كأنه يحاول حمايته، يصيح بصوت متهدج:

- عوفوني، عوفوني، لا .. لا .. لا تضرب آني عراقي.

وبينما كان محرك سيارة (البوكس) يزمجر إلى جهة مجهولة، غير أن طبطبة يد ثقيلة على خديه عادت له وعيه:

- يا أحمد، يا أحمد إيه اللي جابك الساعة دي..

فتح عينيه بتثاقل:

- منو رؤوف أفندي!

- أيوه، عمك رؤوف ..

أخذ رؤوف أفندي يمسح الدم والتراب عن وجه أحمد بمنديل له، وضع رأسه في حضنه و استدرك قائلاً:

- رحت فين أمبارح يا بني، دورت عليك في كل حته ف الجامعة لما دُخت، م الحوالة وصلت بعد ما سبتني على طول!

 

رعد الفندي

العراق

18 شباط 2014

 

sami-hasanكوني كونًا لا يمكنُني...

أن أحصُرَ أبعادَه.

 


 

فوقَ العادة / سامي حسن

 

كوني أنثى...

فوقَ العادَةْ.

كوني جيشَ تتارٍ يغزو...

لا أحصي أعدَادَهْ.

قلبي كالتّنورِ فكوني...

نيرانًا وقّادةْ.

كوني كالسّكينِ، وزيدي...

في قلبي إخمادَهْ.

كوني مسًّا لا تبطلُهُ...

آياتٌ وعبادَةْ.

كوني بهوًا أسطوريّا...

يُذهلُ مَن يرتادَهْ.

كوني حُلمًا ضخمًا يحرِمُ...

قلبَ الليلِ سَوادَهْ.

كوني كالمُحتلِّ السّادِي...

يستهوي استبدادَهْ.

كوني نزقَ الثورة لمّا...

يستجرفُ أفرادَه.

كوني رحِمًا...

يحبلُ فيّا...

يرهقُني في عُسرِ وِلادةْ.

كوني حِممًا...

في بركانٍ...

يسحقُ ما يرتادَهْ.

أو زلزالًا يضربُ قلبي...

ويُقلّعُ أوتادَهْ.

كوني شرقًا...

كوني غربًا...

كوني كونًا لا يمكنُني...

أن أحصُرَ أبعادَه.

كوني عِشقًا غيرَ الفِطَرِ...

كوني رعدًا قبلَ المطرِ...

لا تأتي بهوادَةْ.

كوني عشقًا أستغربُهُ...

يأتي فوق العادةْ.

 

الإسكندرية (مصر)

 

madona askarحتّى ألامس قدس قلبك المنغمسِ

في سكون قلبي...

 


 

على جناحي كلمة / مادونا عسكر

 

أطير إليكَ

على جناحيْ كلمة

ترأف برؤىً

من شدّة اليقين تتألّم وتتأوّهُ...

تنقلني إلى ثغرك العذبِ

تصلّي بي مزامير المساءِ

فيثمل في روحك سلام كلمتي...

أطير إليكَ

على جناحي دمعة

تزرعني في طرفك الحزينِ

فأهوي على الخدّين وأضيع بين الزّفراتِ ...

لا تمسحني...

بل اجمعني من نفسي

واسكبني فيضاً دامعاً

ودعني أهوي

وأهوي

حتّى ألامس قدس قلبك المنغمسِ

في سكون قلبي...

ها إنّي فيه أعاين تدفّق النّبضِ

المتّقدِ...

أحطّ على أغصانك وأغرّد نهاراً جديداً

يهب الرّيح سرّ الهبوبِ

ويمنح المطر سرّ الهطولِ

ويبلّغني اتّحاداً بكلمتكَ.