aesha momadيهبك من روحه

فتانس..وتسكن...وتصفو

 


 

قطرات المحبة / عائشة موماد

 

اتل آيات الوصال

إني أرى ملكا يطوف ببابك

لعله يستحسن ترتيلاتك

ويعبر بها إلى السماء

هناك ....

يهبك من روحه

فتانس..وتسكن...وتصفو

 

آنذاك تعال... ولا تخف

تأهب للصلاة

في محرابه

واستقبل قطرات المحبة

لتروى أرضك...ويزهر بستانك

ويفوح عطرك

فما أحوجك إلى ربيع.

 

MM80والوقت ينشب ظفره في القلب

يبحث عن ظله المنسي

 


 

الحلم ونشوة الألحان / علي سليمان الدُبعي

 

ماكانت الأيام لتفضح وجهها

وتستلقي على الدنيا الجروح

 

كم ياترى يحتلب الناس من ضرع جروحها

ويدمي مقلة العين الجروح

سأسحب حلمنا من تحت أرجوحة الدنيا

وأحيك نسج الحلم من فرحة المولود

 

كانت الذكرى أنساماً في مرابع لعبنا

والصاخبات يُطلّقنّ أسوارهنّ للريح

وينفضنّ حواجب الكتمان

أنا يادنيا بعض جرحك الدامي

الصمت رفيقي المحبوب أغشاه ويغشاني

الليل يدك بابنا الواهن

يطل بأشواكه ليغرس ظله المسنون

 

والوقت ينشب ظفره في القلب

يبحث عن ظله المنسي

ومابين ذكريات الأمس وعقارب الآلام

يسكن حلمنا حاملاً نشوة الألحان

 

اليمـــــــــــن

 

MM80تبقى الأرضُ أرضَ قحطٍ

رمل، طين، حفنة ماء...

 


 

ضياع في الخلق / العامرية سعد الله

 

من هذي الأمّ

من هذي الأرض المعطاء

آخذ طينا ..حفنة ماء

أجعله صلصالا،

أشكله أحلى الأشياء.

أصنع كوخا ...

أنحت حقلا

بالآس أحوطه والورد

أصنع نجما يسطع، يضوي

أصنع شمسا

تشرق، تدفئ،

تبعث نورا،

تمسح دمعا،

تشرق أيامي لا تظلم ...

أنحت طفلا يزرع وردا

أنحت بنتا ترقص تشدو ..

تملأ أيامي أنغاما

يومضُ نورٌ

يلمعُ نجمٌ

يملأ آفاقي بالحبّ

تشرق أنواري لا تخبو

***

أدخل حقلي

يشرق كوخي

يشدو عصفوري للحب

تمضي أيامي كالحلم

يأتي شتائي بعد ربيع

تتراكم في الأفق سحب

تمطر غيماتي طوفانا

تمحو رسمي

يغرق طفلي ...تفنى بنتي

تبقى الأرضُ أرضَ قحطٍ

رمل، طين، حفنة ماء...

 

تونس

 

MM80عندما يعجز الوطن عن احتضان حلمك الصغير، عندما يُقْبِرُ كل آمـالِكَ العَذْبَة في غَيَاهِبِ سجنه القَاسِي، عندما يُغْرِي ظمَأَ عُروقِكَ المُنْهَكة بسَرابِه الهائج، عندما يُلقي بك بعيدا عنه، ويتركك فريسة للمسافات وهي تغازل مُخيِّلتكَ الشّاحِبة وتُمَنِّيك بواقع مُخْمَلِي يَلْقَفُ ما يَـأْفِكُون، تتسارع خُطاك بِلهْفَةٍ وهي تُصارع أمواج العيش الرَّغِيد، لعلها تحظَى منه بقطعة شَهْد تُحَـلِّـي بقايا سنينِ عمركَ الكالِح، وتنعش ولو لِلحظات حياتك التّعِيسَة، قبل أن تَتَخَطَّفَكَ الأشواق وتسْتَلَّ روحك من جسدك المغترب، وتعود بها قافلة إلى مراتع صباها وأحضان أحِبَّتِها، وأطلال عشْقها الأول، فتتهادى أمام عيونك السَّاهرة أطياف الوطن وشُخُوصُه في غَنَجٍ ودَلال، لتسرق منك فرحـة الظَّفَر، وتوقِظ فيك أوجــاع الحنين، وتتركك وحيدا تَـتَـلَـوَّى في غُـربتك مُطْرِقـاً كئِيبا، تهفو في كُلِّ حينٍ إلى قبر أحلامك ..

 

محمد قصيد

madona askarيتسربل الحرّيّة

وينطلق إلى ما بعد الإنسانْ...

 


 

نعيم النّور / مادونا عسكر

 

السّاكن في السّنة الألفْ

القاطن في هياكل النّور الحصينة

المشرفة على مدينة السّلامْ...

القادم من السّماء السّابعة

ليحلّ ربّاً في قلبي

ويأسر النّبض في راحتيهْ

فيمزج التّراب بالدّمْ

ليصوغ أيقونة المجدْ...

في مدينته يتكلّم المطر ولا يهطلْ

يروي للملائكة قصصاً تزخرف أجنحتهم البيضاءْ

يناجي حدقتيه الغارقتين في بحر من الوجومْ

اللّامعتين كاللّؤلؤ المستتر في صدفة

المختبئ من عنف الأمواجْ...

 

لا يعرفه أحدْ

وأعرفه أنا...

يروي لي قصّة الرّيحْ

وسرّ نجمة مهاجرة

يمسك بصوته يدي

ويطير بي

كورقة خريفْ

كريشة طيرْ

كفراشة تخفّ لارتشاف الرّحيقْ...

يرنّم لي شذا الهوى

يشدو زقزقات العصافيرْ

يهدهد أنغام الشّمسْ

فأغفو في قلبه وأستريحْ...

 

كالشّعر هو

خلف الخيال يطيرْ

يتسربل الحرّيّة

وينطلق إلى ما بعد الإنسانْ...

كدمعة قدّيسٍ

تمتزج بلذاذة الحزنِ

وأنين الفرحْ...

كالأجراس في صباحات الأعيادْ

تقرع فرحاً لتعلن بدء تقدمة الحبّْ...

 

هو الكلُّ والكلّ فيه يجتمعُ...

كلّه في كلّي يلتئمُ

كالقطرة في اليمّ تنصهرُ

وكلّي في كلّه حقيقة

كوهج الشّمسِ

وإن خلف سحابة يحتجبُ...

 

سلام عليه

أشعل في ذات الوجود أطايب النّورْ

سلام منه

أحيا في الأرض مباهج النّورْ

سلام فيه

أورق في روحي سنابل سكرى بخمرة النّورْ

سلام عليه

ما عاين وجداني سلاماً

لو لم يرتشف من عبراته سرّ النّورْ

سلام منه

ما أبصرت عيناي نعيماً

لو لم تهبها عيناه غفوة من نورْ

سلام فيه

حلّ فيّ

نور على نورْ...

 

aesha momadكفكف الدمع أيها الأب المكلوم

فبيت العزيز في سكون

 


 

أين أنت يا يوسف؟ / عائشة موماد

 

أين أنت يا يوسف؟

فالدلو خاوية إلا من ماء آسن

يعقوب يلوح بقميصك للمارة بحثا عن إشارة

أراهم يردون عليه التحية في جو صاخب

يعلو على صوت نواحه

 

إخوتك في طريقهم للقصاص من الذئب

السنابل الخضر جفت

والخراف الجائعة ميتة لا محالة

والبئر يهذي باسمك.

 

كفكف الدمع أيها الأب المكلوم

فبيت العزيز في سكون

وزليخا تمشط شعرها وتصدح بالغناء

وجلست وحدك تنتظر وتقول:

أين أنت يا يوسف؟

 

ahmad alshekhawiلا إطار لذكرى جندي

يغازل زجاجة الفشل

 


 

إمرأة الملامح الذابلة / أحمد الشيخاوي

 

كأنك الهارب بجريمتك إلى مدن الثلج

إلى فردوس الكوابيس

أنت المرجوم سلفا

بلعنات وطن صلبته

غداة محفل الختان..

علينا الإنتظار

فكل تراب سيد مثله

هو للفحولة أهل

حين تزمجر النيران..

تخيل لو تقتفي أثرك

خطوة خطوة

السنديانة العملاقة

ذات القداسة

والقسط الأوفر من الوجد

والطقس الخاص

في ملّة قوم

ألفو

تدثر الفؤاد بالصمت،

صمت ما قبل ثورة الطوفان..

في عقول الهجرة إلى أرض الفقد

والقفز في اللهب

لا وجود لصيغة مقبولة

للهزل

آه، ومن نافذة الجرح

تعود امرأة الملامح الذابلة

متأبطة كتب الغيب

جثة تمشي

من عشب حتف إلى آخر

صوتها

مآذن تعزف لحن الخلود

لا إطار لذكرى جندي

يغازل زجاجة الفشل

منتشيا بالسم..

 

11 /10/2014

 

khayri-hazarدَأْبُ الحُزْنِ أَنْ يَجْمَعْ

قُلُوباً حِينَ تَدْمَعْ

 


 

الرباعيات / خيري هه زار

 

أَينَ أَرَى الإِستِقامَةْ

هَلْ جُبِلَتْ لَها قامَةْ

لِكَي أَطوفَ حَولَها

وَأُنْسِجُها مَقامَةْ

***

‌أَمِنْ جُبْنٍ أَمْ سَفاهَة

بِتنا نَعِيشُ التَفاهَة

ما ذَنْبُ الحُكّامٍ إذَنْ

أُنْ أُتْخِمُوا فِي الرَفاهَة

***

أُمَّةٌ تَغزُو الكَواكِبْ

وَأُخرى خَلفَ المَواكِبْ

تَسِيرُ كَسَيرِ العَبِيد

فِي تَزاحُمِ المَناكِبْ

***

وا أَسَفِي عَلَى إِمامْ

يُفْتِي لِلقَتلِ وَالحِمامْ

وَكَأَنَّ الوَرَى عَبِيدْ

مُمْسِكاً فِيهِمُ الزِمامْ

***

بَعْدَ المَوتِ لا رَمَدْ

أَذاقُونَا الكَمَدْ

أَلَسنا نَحْنُ أُمَّة

مِنْ صُنْعِ رَبٍّ صَمَدْ

***

كَفى رَقْصاً عَلَى الحِبالْ

يا مُؤمِناً تَخْشى النِبالْ

عُدْ كَرِيماً إِلى رَبٍّ

يَمْحُو ذُنُوباً كَالجِبالْ

***

عَجِبْتُ مِنْ بُطْيءِ القَدَرْ

كَيْفَ لَمْ يَمْسَحِ الكَدَرْ

مِنْ بَينِنا وَكَالأَقوامْ

خُلِقْنا مِنْ مَحْضِ المَدَرْ

***

تَنْطُحُ خَلْفَنا الثِيرانْ

فَتَقْدَحُ مِنْها النِيرانْ

تُحْرِقُنا لِكَيْ يَبْقى

عِزَّ أَمرِيكا وَإِيرانْ

***

يا غارَةَ اللهِ فِينا

دَعِي الظَّفَرَ يُدْنِينا

مِنْ حُلُمِ أَنقَى الأُمَمْ

بِدَولَةٍ كَي تُغْنِينا

***

قالَ الأَمْسُ لِليَومِ

رَمَيْتَنِي بِاللَومِ

لا أَرى لَكَ فَضلاً

سِوَى قَهْراً لِلقَومِ

***

قالَ العَقْلُ لِلغَباءْ

بَيْنَنا مِنَ الهَباءْ

ما يَدْفَعُكَ نَحْوِي

وَيَرمِي عَيْنِي بِالباءْ

***

دَأْبُ الحُزْنِ أَنْ يَجْمَعْ

قُلُوباً حِينَ تَدْمَعْ

بَعْدَهُ يَأتِي الفَرَحْ

يُفَرِّقُ وَيَقْمَعْ

***

تَتَناغَمُ النُفُوسْ

حِينَ تَشْرَبُ الكُؤوسْ

وَتَأتَلِفُ الأَرواحْ

لَمّا تَثْمَلُ الرُؤوسْ

***

قالَ الصِدقُ لِلكَذِبْ

أَرى الكَلامَ العَذِبْ

يُجافِينِي فِي الزَمَنْ

وَإِلَيكَ يَنْجَذِبْ

***

مِنْ جُمْلَةِ المَآسِي

أَنْ تَرى مَنْ يُواسِي

لا يَلْقَى الخِلَّ الوَفِي

فِي هذا الدَهْرِ القاسِي

***

وَمَنْ غالى فِي البَذلِ

رَمَى النَفْسَ فِي العَذْلِ

هذا دَأبُ الطَيِّبِينْ

بَيْنَ أَصحابِ القَذلِ

***

قالَ الحَقُّ لِلباطِلْ

لَيْسَ لِي إِلاّ العاطِلْ

يَتْبَعُنِي وَيَراكْ

عَزِيزاً فَيُماطِلْ

***

بَلدٌ يَتَمَذْهَبْ

قُطْبُ أَقطابِ المَذْهَبْ

جائِرٌ فِيهِ يَنْحوُ

حَيْثُ إِبلِيسُ يَذهَبْ

***

إِنِّي رَأَيتُ العِتابْ

مِمّا طاَلَ مِنْ كِتابْ

بَينَ أَسفارِ الهَوَى

خَيرَ دَرءٍ وَمَتابْ

***

سَئِمْنا المَنْظَرِ البَشِعْ

لِلظَبْيِ وَاللَيْثِ الجَشِعْ

مَتَى سَتَتلو اليَماماتْ

آيَ السَحابِ المُنْقَشِعْ

 

MM80 قامت الأميرة البابلية من سباتها على صوت عويل الحجر ونشيج الشجر، تضع يدها على خيشومها الزهري فالأرض تضوع خرابا، تضرب بقدميها الأرض وتصرخ قم "حمورابي" يا من توسد عرشُه عينان تجريان عسلا مصفى، قم فقد غدا الشهد قطع جثت تُعصر من مدامع جبال طوروس ..

"حمورابي" عاد الآشوريون، ضاعت نينوى، عادوا يدكون باب الإله، وعمود شريعتك لطخته قذارة بشرية..

"نبوخذ نصر الثاني" أيها الملك الهمام أين أنت تستعيد أرشليم وتطهرها من نجس الخنازير النتنة؟.. انتفض فأزهار حدائقك يرويها حفدة الاسكندر نبيذا أحمر يجري من شرايين أبنائك زلالا استطابه "قورش" الفارسي يطمع في مجد تليد..

قوموا جميعا سقطت عدسة المنظار وقطع المشرط أوتار العود وانتحر..

قوموا جميعا فقد اغتصب الأسد "عشتار" على سقيفة المعبد وتلطخ تراب الزُهرة بوحل الدم...

لم يجبها غير صدى أنّات قادمة من بعيد، إنها بلقيس تعتلي أطلال مأرب تكشف عن ساقيها تبسطهما فوق لجة أرجوانية..

 

أسماء عطة_المغرب

 

MM80أيها الشفاف كبسمة طفل...

سميتك الشجن

 


 

فَرح / أسماء الجلاصي

 

نَخبَك أيُّها الفَرحُ!

اِرتشفْ كأسَك على مهل...

و ارتــوِ

من الخمر

الذي يُغرق روحي

اِلعقْ حساءَك من باطِن كفي..

و اْرقصْ

على نغماتِ أنفاسي

ثم اختبئ بين ظفائري

فعيون الحزن

تترصَّدني..

وتضحك

من وهميَ الثَّرثَار

***

فتى الريح

أيها القريب كنبض خافقي

أيها البعيد كقمر ساطع

يا فتى الريح...

منذ أن أَغْرَيت باب غرفتي

و دخلت كَنورٍ في الظُلمة

منذ أن تسللت خلسةً كعصفور بردان

و تخبأت تحت غطائي

وُلدت بيننا عاطفة جائعة و شعور عظيمٌ نافِذ لا أجد له اسماً...

هم أسموه حبّا...

لقد صرت هاجسي وكل حياتي

سميتك الفرح

فحين يطل وجهك

تحتضنني الشمس و تشرق عيني

و حين تهتف باسمي

يشتعل الجنون في مدن روحي الخامدة

و كلما إبتسمت يا فتى الريح...

لا يسعني الكون من فرط السرور

لأني أعرف أنك حين تبتسم تنبت الصخور وردا

أيها المتجدد في جنونك وفي وقارك

رفقة روحك اللامحدودة

أعيش مع رجل جديد كل يوم

أيها الشفاف كبسمة طفل...

سميتك الشجن

لحبك أيضا أنيابا و مخالبا جارحة

و لأني أعرف أن الطريق معك و إليك محفوف بالمخاطر

فقد انصهرت في روحك عساها تقيني شرورها

 

تونس

 

MM80وبخطوات كئيبة وصلتُ إلى

كوخنا المتهالك من الفقد

 


 

مدينة الذاكرة / مروة الجبوري

 

سمعتُ صوتَ الحنين

وفتحتُ البابَ ..

ومررتُ بأوراق الأمنيات

على رصيف ذكرياتنا ...

المفروش بالورد الأحمر ..

وبخطوات كئيبة وصلتُ إلى

كوخنا المتهالك من الفقد

فوقفتُ لألتقط صورة مع حزني ..

وتابعتُ السير نحو خطوات مجهولة

في مدينة الذاكرة ..

لعلي أجد مخرجاً ..

أعود به دون ذكرى ..

 

MM80وقف امام المراة، عدل ربطة عنقه، تقرب اكثر.. نظر لوجهه، مسح شواربه و ذقنه .. اهتم بأقل التفاصيل وحرص أن يبدو أنيقاً..

رتب اطراف شعره.

كأن سيوفاً بيض شقت ظلمة ليل شعره الاسود!

توقف للحظات، تمعن في الشيب الظاهر في شعره، عدة شعيرات بيض.

دقق في النظر، ادار رأسه يمينا و يسارا بينما ينظر في المرأة ليعرف هل بدأ الشيب يشتعل في رأسه فعلاً؟ ملامح وجهه تغيرت وشعر بحرقة.

حاول أن يعدها، ثلاثة او اربعة او اكثر، ظل مبهوتا ينظر إلى نفسه في المرآة.

-كل شعرة بيضاء هي خطوة اقرب الى الموت .. ها انا ذا أشيب وأكبر، ذلك الطفل المشاكس والشاب الطموح.

أعاد النظر الى الشعيرات البيض، فربما كان مخطئاً او أن انعكاس للضوء هو السبب!

خاب أمله حين تأكد من وجودهن.. تتمايلن و كأنهن تسخرن منه!

فجأة ردد مع نفسه:

- "لن أُبقي عليك ايتها الشعيرات القبيحات" ومسك باحداهن ونتفها بقوة وسرعة.

حدق فيها: "انتِ اذا تجعلينني اشيخ؟

ابتسم ابتسامة المنتصر ..أمسك بأخرى، لكنه تمهل هذه المرة.

ماذا فاعل أنا؟ هل أعادي شعرة بيضاء نبتت في رأسي؟ هل انا ضعيف لهذا الحد؟ ابتسم ساخراً..

- "حبيبي، الشيب يجعلك اكثر جمالاً" قالت زوجته مبتسمة.

التفت إليها، كانت تقف حاملة ابنهما الصغير.

حمل ابنه واستدار لينظر إلى صورة ابيه المعلقة على الجدار .. خطى نحوها ووقف يتأملها. كان ابوه قد توفى منذ عشرة سنوات. سرح بفكره بعيدا و تذكر طفولته ,حين كان يصطحبه الى العمل او المناسبات الاجتماعية، وحين كان يقسو عليه أحياناً. - "هل ساصبح يوما مجرد صورة؟"

بينما كانت هذه الافكار تخيم على رأسه، لمسه ابنه الصغير من وجهه .. نظر اليه، استمر الطفل يداعب وجه أبيه وشعره، ابتسم لإبنه متلذذا بلمساته الناعمة.

أعاد الطفل لزوجته وتأهب للخروج، عند الباب مسح دموعهُ وشعر بحب نحو الشعيرات البيض.

 

حسين السنيد

 

MM80حملت زوايا الكوخ الخشبي أنين الرجل العجوز، يصارع سكرات الموت

احالته السنون العجاف الى كومة عظام يلفها ثوب مهترئ

حضر الأخوة لأتمام مراسيم الجنازة

اتفقوا فيما بينهم قبيل دفن ابيهم ان يقتسموا تركتهم

اشار أحدهم الى الجدار الخشبي ... القنديل لي

قال الأخر

- سأحتفظ بصنارة الصيد

قال اصغرهم

- شاء الله ان يحظى والدنا بجنازة مختلفة عما عهدناه ... لذا سأحتفظ بالكفن

اضرموا النار في الكوخ وتباكوا على الفقيد

 

سيناء محمود

balkis alrobaieشعرت بدوار وضيق في تنفسها وهي تنهض بعد أن زال عنها التخدير بعد العملية التي أجريت لها. أبعدت الأغطية جانبا ونزلت من السرير، تحركت بهدوء وبخطوات قصيرة، خطوات كسلى، بين سريرها ونافذة الردهة المطلة على حديقة المستشفى، وقفت وسط الردهة تلتقط أنفاسها، نقلت نظرها متلفتة حولها تبحث عمّن تفضي إليه بهمومها وأشجانها، فالهموم كما يُقال تقل عند اقتسامها. لم يكن هناك في الردهة سواها، داهمها الحزن، عادت وجلست على حافة السرير، حائرة، لملمت أطراف ثوب المستشفى، حشرتها بين ساقيها. غطـّـت وجهها بكفيها، راحت تبكي مخنوقة بصمت. عادت بها الذاكرة نحو البعيد، مرً في ذهنها شريط سريع من الصور، تذكرت اليوم الذي أُجريت لها عملية قيصرية أثناء ولادة طفلتها البكر.

كان هو إلى جانبها، يرعاها، يواسيها، يعزز صمودها، خالد لم يكن يوما بعيدا عنها.استلقت على السرير ثانية، أغمضت عينيها وسرحت في عالم ذكرياتها، الصور الجميلة انهمرت من ذاكرتها متسارعة، وبينما هي بين الإفاقة والوسن، أحست بيد تداعب شعرها وشفتين التصقت بشفتيها.

ــ خالد؟ أهذا أنت حقا.. أم أنني أحلم؟

ــ أجل ها نحن نلتقي ثانية، ولا زال حبنا حيا فينا بدليل أننا معا الآن.. وفي العتمة

التي أنا فيها والبرد يدخل عظامي، كنتِ أنتِ معي.

ــ شوقي إليكَ ياحبيبي كنار تعتمل في صدري وطيفك لا يفارقني وحبك يمس شغاف قلبي فأنتَ من منحني أول أوراد الحب

ــ حبيبتي، علاقتنا لن تموت وستبقى كتمثال من المرمر، فلنا ذكريات في كل مكان لقد كانت حياتنا سيمفونية رائعة تجسد فيها الخير والوفاء، الحب والعطاء، لم نقل كل شيء في حبنا الكبير ولم نفعل كل شيء لسعادتنا.. أنا لم أتحدث في أذنيكِ أجمل ما أتمنى أو أهمس به.. حبنا الذي شاعت أخباره على ضفاف فرات السماوة، وكأننا

نريده أن يكون شاهدا عليه، هو اليوم كالمادة لا تفنى.

ــ حنيني إليك يجرني بقوة نحو ذكرياتنا الجميلة وهي لمّا تزل خضراء حاضرة في ذهني: كازينو شاطئ دجلة يوم عقد قراننا، السماء ملأى بالنجوم الفرحة بحبنا، متألقـة وأغاني أم كلثوم.. و..و. أنت تستوطن قلبي وذاكرتي.. خبأتك في عظامي وغطيتك بجلدي وذكرياتي معك لاتزال حية، طرية.

ــ أتذكًر يا وفاء كل شيء وأتذكر الأمسيات الجميلة حين كنا نجلس على ضفاف الفرات، والنسيم العبق بأريج زهور بساتين السماوة، والنسائم العذبة تهب علينا حاملة رائحة منعشة من أنواع الفاكهة الطيبة، تتغلغل إلى روحينا مع هواء الربيع الذي يهز أوراق الشجر ناعما حيث كنا ننسى نفسينا، لا نشعر بالوقت وهو يمر، فنبقى حتى تميل الشمس بعيدا وهي تحتضر، تمسح بأشعتها الأخيرة هامات النخيل.

احتضنها خالد مجددا، وراح الحبيبان يسترجعان ذكرياتهما الجميلة وقد تدفقت على لسان وفاء بعد أن ظلـّـت حبيسة في صدرها طوال الأعوام الماضية.

ــ أنتِ جميلة يا وفاء، مرحة كموتسارت، وعنيدة كالموت

أتذكرين يوم أردنا أن نشتري فاكهة من ساحة الميدان بعد يومين من زواجنا حين سألت البائع؟

ـ بكم كيلو الرقي؟

ــ ب…..

ــ أعطني كيلو

وضحكة منكِ حلوة على "غشاميتي" في التسوق. والآن، بعد كل هذه السنين هل تسنى لكِ زيارة مدينتنا؟

ــ أجل يا حبيبي زرتها بعد خمس وعشرين عاما قضيتها في الغربة والمنافي، ويا ليتني لم أزرها لتبقى صورتها الجميلة في ذاكرتي حين غادرتها مرغمة.

لم تعد السماوة كما تركتها في سبعينيات القرن الماضي . فقد تمً تجريد المدينة من ذاكرتها من خلال محو كل ما يرتبط بذاكرة الناس من مقاهي وسينما ومكتبات وحتى طريقة تفكيرهم. كيف أصف لك ما آلت إليه سماوة ثورة العشرين، أرض جلجامش، أرض أوروك ذات الأسوار، أرض المدينة الحضرية الأولى، التي علمّت الإنسانية أبجدية الكتابة، والاختراعات العظيمة، وما أصابها اليوم من بؤس وإهمال. فقد قُصف جسرها المعلق، والفرات الذي يشطرها إلى نصفين يبكي حزينا وقد شحّت مياهه واختفت ملامح القشلة منه، والبساتين التي طالما زهت بنخيلها علىضفافه، رأيتها تبكي عطشا وتسرح فيها الكلاب الضالة، لم يبق في المدينة ما يذًكرنابالماضي الجميل.

ــ لا تحزني ولا تيأسي، وكوني قوية وصلبة كما عهدتكِ ولا تنحني أمام قسوةالأيام، فرغم الاهمال الذي طال المدينة، فإن أصوات الناس تظل تطرد كل قنوط،وسيعم الفرح يوما، وإن اختفى، سيتفجر في أصوات الأطفال.. سيأتي يوم وتعودالبسمة إلى مدينتنا.

جاء صوت الممرضة التي قدمت كي تعطيها الدواء مفاجئا، أيقظها وبعثر أفكارها مجددا، فتحت عينيها لتستيقظ من حلمها مرتبكة. ..

كان لقاءً جميلا لكنه انتهى بسرعة!

 

بلقيس الربيعي

 

balkis alrobaieبإحساس مشتت راح ينقل نظره بين أسطر كتاب مفتوح على مكتبه، وبين فترة وأخرى يمد يديه إلى قدميه وأسفل ساقيه ليهرش مكان لسعة بعوضة خبيثة.

مضى وقت طويل وهو لا يزال ينظر وينظر إلى الصفحة نفسها، يعيد قراءة السطور مراراً وتكراراً، فقد التركيز وهو ينظر إلى الكلمات وكأنها مكتوبة بلغة لا يفهمها، ربما كانت مسمارية في تقديرات عالمه الخيالي. الحروف تتراقص أمامه، الصور تختلط بعوالم التشويش، حاول أن يعيد التوازن إلى نفسه الممزقة، ردد مع ذاته بضرورة أن يسترجع الثقة بعوالمه الحقيقية، ذكّر نفسه بأنه طبيب، عليه أن يستوعب الآخرين، كيفما كانوا، هذا واجبه .. وعمله. صور متعددة كانت تقفز أمام مخيلته، تتراقص، أجسام ضخمة بوجوه قبيحة تظهر فجأة تطالبه بالمزيد، يخاطبها عمّا تريد.. تلك الوجوه تتضاحك قبل أن ترحل.. ترحل سريعا ثم تعود.. تتكرر كلمة يجد لها صدى في الفضاء الواسع .. إجازات .. إجازات.

- دكتور الله وكيلك البارحة حلمت بالعباس وهو يطالبني بنذر عليّ..

دكتور أرجوك! أحتاج إلى يومين إجازة حتى أودي النذر الذي عليّ

وأدعو لك هناك !

- دكتور أمس كان المطر غزيراً و سقط سقف الغرفة، الله يوفقك دكتور، أريد إجازة ثلاثة أيام .. ثلاثة أيام فقط.

- دكتور! أحس نفسي تعبانة و ما اشتهي الطعام ر وأشعر بالغثيان دائماً …

- دكتور ، دكتور ....وتتضخم الكلمة ليصبح رنينها كمطرقة تضرب على أم رأسه بعنف ...

لم يفعل أكثر من أن يفهمًهم بأن الإجازة المرضية لا تُعطى إلا للمريض، وإن الانتاج بحاجة إلى كل ذرة من طاقاتهم...

ورغم عنايته الكبيرة بهم وبأسرهم وتقديمه العلاج المناسب والنصائح لهم، وتتبعه المستمر لحالاتهم وحالات أسرهم المرضية .. ولكن ذلك كله كان في واد وما يفكرون به في واد آخر ..

يسقط الدكتور – دوى ذلك مرارا تبعه صوت إصطدام حجر رمي قصدا على باب بيته وصوت أشخاص يهرولون بعيداً .

أصبح ذلك من الأمور التي اعتادها كل ليلة تقريبا ..إنهم هم أنفسهم

مراجعي المستوصف صباحا .. لم يكتفوا بذلك فكل ليلة تلطخ باب بيته بالأوحال.

أحس كأن شيئا يطبق على أنفاسه، في هذا الجو الحار والرطب ولم يفلح هواء المروحة السقفية أن يخفف من وطأته. وقد زاده تعاسة لسعات البعوض، أغلق الكتاب واستلقى على السرير، نظر نحو السقف ثم سرح نحو البعيد..

mariam altijeكان إقناع الصغير بمغادرة فراشه هذا الصباح مهمة شاقة ككل الصباحات التي مضت، وما زاد الأمر صعوبة أنها أيقظته ربع ساعة قبل المعتاد حتى لا تتأخر عن عملها، وتتعرض لتوبيخ جديد

حاولت إقناعه بتناول إفطاره، الا أنه ظل يدير وجهه يمينا ويسارا معلنا رفضه لكل الاغراءات التي تضعها أمامه..حاولت معه بكل الطرق، لكنه كان عنيدا

فيما كانت تلاطفه وترجوه ليشرب على الأقل كأس الحليب، كانت عقارب الساعة تعاكسها أيضا وتجري بسرعة أكثر من سرعتها المعتادة..

في النهاية استسلمت، وغيرت ملابسه، و تأكدت من أن الحقيبة الصغيرة التي تعدها له قبل أن يستيقظ من نومه تحتوي على كل احتياجاته، كانت تعرف أنه لن يفطر، لذا وضعت فيها من قبل شطيرة خبز، ورضاعة حليب

قبلته وهي تضع له حزام الأمان في الكرسي الخلفي لسيارتها..كانت تفكر أنها أخيرا ستتعود ابتداء من اليوم على الوصول في الوقت المحدد الى العمل، ولن تسمع أي تلميحات، ولن يستدعيها رئيسها الى مكتبه ليعطيها محاضرة عن الانضباط واستياء الزملاء

تنفست الصعداء وهي تفكر أنها لن توضع في هذا الموقف بعد اليوم..

عندما وصلت الى المدرسة، كان طفلها أول الواصلين، لم يكن بالباب غير الحارس...فجأة ارتبكت كل حساباتها..

تاهت بين لحظة تقرر فيها ترك الصغير مع الحارس حتى تصل المربيات، خصوصا أن عمي ادريس رجل وقور ويبدو أنه ثقة، كما أنها ستربح وقتا ثمينا للوصول الى عملها..وبين لحظة أخرى تنتابها فيها المخاوف،وتتذكر كل قصص اغتصاب الاطفال التي سمعتها خلال السنوات الماضية..بين وجه رئيسها اللئيم، وملاحظاته المسمومة، وبين وجه طفلها الذي يرجوها ألا تتركه وحده هنا هذا الصباح...في عمق حيرتها، داهمتها دموع سخية، أوقفت محرك سيارتها، وحولت اتجاه المرآة، حتى لا ينتبه الصبي لدموعها..ووقفت...

 

مريم التيجي

الرباط:10/09/2014

 

kareem abdulahفي غفوةٍ ../ يسقطُ الحلمُ فَزِعاً ../ على أهدابِ الليل ....

الضفائرُ أرجوحةُ عاشقٍ ... ـــ صيّرتهُ ثلوجَ الردى اغنية ممنوعة

و.... على بساطٍ قرمزيٍّ للريحِ ـــ وجهٌ يسافرُ ملفوفاً بأوراقِ الفصول

طوّفَ حولَ غاباتِ الخيزران ـــ منفيّاً في زمنٍ أغبر ...

يُولدُ منْ راحتيهِ عطرُ إمرأةٍ ــــ ومنَ الزفيرِ تُولدُ آهةً مكسورة

يتشظّى صوتُ الظلِّ ../ تتدلّى قصائدُ شيخوختهِ ../ تتقوّسُ تجاعيدُ نهارٍ لا يأتي ../ فتخبو نشوةٌ كانتْ بعيدة

نكهةُ الفيافي عرّشتْ ../ في شهقاتِ أبّهةُ الأفقِ ../ وأزمنةُ النواعيرِ حدباءَ تحتَ مواقدهِ

تتوزّعُ كآبةٌ تستنجدُ برقّاصٍ تائهٍ ـــ وأرصفةُ الأزمانِ تنتظرُ وَقْعَ المطر

هشاشةُ المواعيدِ تتفتّتُ ../ وبذورُ القُبحِ بمخملِ الخديعةِ تتغشّى ../ ووساوسُ الوهمِ تتّقدُ بدهشتها

منْ شقوقِ حيطانِ الرحيلِ ../ عشراتُ النساءِ يتزاحمنَ ../ وفي صرّةِ الهواجسِ ../ يُعلّقنَ راياتَ تفاهاتهِ

باذخةٌ صورُ المذكّراتِ ../ ترنّمُ إشتعالَ اجراس البروق ../ وينابيعُ الفجرِ منفيّاتُ في غرفِ الخواء

سقوفُ الأيامِ سجينةُ الأساور ../ ومكياجُ السواقي ../ تُكحّلُ شرفاتَ المسافات

منْ يرتّلُ قصةَ الصمتِ ../ وقرابينُ التماثيلِ ../ تزيّنُ عَفَنَ الوعود ..؟

منْ يقبّلُ تماسيحَ الكؤوسِ ../ وخيوطُ حنجرةِ إيروس ../ تشدُّ بثورَ الممرات ..؟

لِتغني النخيل بنوتاتِ ترحالها ـــ فخلفَ الحقائب تتحرّرُ الطيوب

 

كريم عبدالله

بغداد

العراق

 

kareem abdulahعطرُ البنفسجِ ممزوجاً بشهقةِ الحنين ــ وعلى الأهدابِ ينامُ سعفُ النخيل ../ بينما الأطيافُ تقدُّ رداءَ الخجل

تتفتّحُ جزرُ الياقوتِ ../ لو تدغدغها مناقيرُ اللمسِ ../ وخلفَ الشرفاتِ تهدأُ الصواري

بقايا حشودُ الليالي ../ تترنّمُ فوقَ غنجِ الندى ../ وثقوبُ الشتاءِ تفتّقُ الغربة

في بقايا الآتي منَ العشقِ ــ تنضحُ شبابيكها ../ فجراً في يُتمها الصارخ

تندلقُ أمواجها تتلاطمُ ../ وكأسها الغافي على كفِّ الارتواء ../ يطيرُ بذنوبِ القطف

تتفتّحُ صرة المفاتنِ ../ يباركُ الحنّاء بخور سراديبها ../ والشر اشف نقيّة القلبِ ../ هيّجتْ دمعةً ثكلى

ينهضُ فردوسها يبسطُ غيمةَ التراتيلِ ــ يغرقُ نايها في تفاصيلِ المطر

يتلوّى قلبها في قبضةِ النزواتِ ــ وكحلها الفرعونيّ مسلاّتٌ سومريّة

على هودجِ التقديسِ ../ يسّاقطُ بذخُ الخواتمَ ../ يتعرّى المرمرُ في معابدِ الهذيان

تحرثُ أرضها ../ ومحراثُ البذورِ يرشُّ صدفاتها ../ والآتي البعيد ../ زخّاتُ نيسان

تنزلُ وقاعَ النهرِ يطفو ../ عطشاً ../ حفنةُ شهوةٍ ../ تخفقُ تحتَ السيول .....

 

بقلم كريم عبدالله

بغداد - العراق

 

mohamad alzahrawiوَهِيَ الْمُزْدَهاةُ

بِالْجُرْحِ وحْشِيّاً

 


 

النّهْر اللاّيُسَمّى / محمد الزهراوي

 

يعْرِفُه اللًيْلُ..

يَسْألُ عنْها

كَما جاء

في الأخْبار.

ويَقولونَ..

مَريضَةٌ مِنَ الْحُبِّ

وشامِخَةٌ كَماعَلى

سجّادَةِ الصّلاةِ.

غَنّوا لَها..

فِي عينَيْها

بَقايا الصّباحِ.

ألا تَروْا؟..

تَنْهَضُ مِنْ

رَمادِ الأساطيرِ

وَهِيَ الْمُزْدَهاةُ

بِالْجُرْحِ وحْشِيّاً

وتَهْذي مِثْل

نافورَةٍ الميْدانِ

بِتُراثٍ مِنَ الْعُرْيِ.

تَحْمِلُ الإبْريقَ

وَما فيهِ لِتَبْدأَ

احْتِفالاً بِهِ وحُلْمَها

الْمُسْتَبْسِلَ الرّحْبَ

ولا تَخْجَلُ بِما

هِيَ علَيْهِ مِنَ

الكُحْلِ والتّبَرُّجِ..

مُتَأنِّقَةً بِمَهارَة

مُزْدانَةً بِغَمّازَتَيْنِ

والْخالِ الْجَميل.

فَيَنْسى أيّامَ

التّيهِ الطّويلَةَ..

جوعَ الجسَدِ

والتّشَرُّد والبَرْد

وزَمانَ الْفَقْدِ

فِي الشّوارِعِ.

هُوَ النّهْرُ

اللاّيُسَمّى يجْري

أمام الوَرى..

حتّى يَنالَ مِن

ساقيْها يرْوي ثَرى

ساحِلِها المُغْوي

وأشْياءها الخَجْلى

هُو اَلْخُيولُ فِي

مَدها الْبَحْرِيِّ

وجَزْرٌ ومَدّ!

يُعِدُّ أعْراساً

لَها فِي ولَهٍ..

يَذْرَعُ بِها الأنْواءَ

فِي الْحُلْم..

يَرْصُدُها لِلتّهَتُّكِ

وفِي هَمِّها يَنامُ

عَلى أسْطُحِ المُدُنِ.

وإذْ يَمْشي..

يَحْمِلُها بَعيداً حتّى

لا تَسْتَسْلِمَ لِهَلاكٍ.

هِيَ تَجْهَشُ

وهَوْدَجُها يَميل.

إذْ لَم يَعُدْ لَهُ

مِن وقْتٍ..

فِي رَماد هذاِ

الشّرْقِ الحَزينِ.

هاهُما فِي الْميناءِ

وعَلى صدْرِهِ

شارَةُ الْهِجْراتِ.

هلْ تَسَعُ

السّفائِنُ كُلَّ

هذا الْحُبّ؟

هُو الْوَميضُ

الآخرُ لا تقولوا

انْتَهى هُوَ في

قلْبها يَخْفِقُ

وسوْفَ يبْدَأُ..

حينَ يَعودُ

مَعَ الْعُشّاقِ

وطُيورِ الْمَساءِ

 

iessa jabli (لو كان هنا، ما كان شيء من ذلك ليحدث. ولكنّه، أنْ كان غائبا، حدث كلّ ذلك وأكثر!)

على الشّرفة وقفت فتاة صغيرة غزلت شعرها ضفائر. لا يزال الجوّ رطبا، رغم أنّ الشّمس أخذت تصعّد في السّماء مبدّدة ظلمة الفجر. وكانت "الصّبّاريّة" تفرك عينيها تزيل عنهما قذى المزابل المكدّسة في كلّ مكان.

كانت فتاة الضّفائر مغرمة بمادّة الإيقاظ. لم تنس يوم عاقبتها معلّمتها لأنّها لم تأت بنبتة الجلبّان في علبة طماطم فارغة كما طلبت. يومها كان أصدقاؤها مزهوّين بنبتاتهم. وكانوا يرمقونها بنظرات جعلتها تشعر بغربة قاتلة.

في ذلك المساء، عادت إلى البيت تجرّ أقدام الهزيمة.

***

في السّاحة الكبيرة تجمّع بنو آدم. لم يتخلّف أحد عن الموعد. كانت الأحذية والنّعال قد امتزجت منذ الصّبح بحوافر البغال والحمير تقودها شوارع "الصّبّاريّة" الواسعة فتنصبّ في السّاحة.

فلاّحون وحرفيّون..

باعة الجملة، باعة التّفصيل.

جمعيّات وطنيّة وأخرى دوليّة.

منظّمات واتّحادات وروابط.

أعراف وعمّال.

أصحاب المصانع والجرائد والدّكاكين والمكتبات والخمّارات والمقاهي والمواخير.

جماهير الكرة واللاّعبون والحكّام.

وكالات الأنباء، مصوّرون وصحفيّون.

سيّاح من كلّ أقطار الأرض..

جاؤوا جميعا فعمّروا السّاحة الكبيرة منذ ساعات الفجر الأولى، فقط ليشعروا كأنّ شيئا لم يكن.. هكذا صرّح أحد الحاضرين لـمّا سأله الميكروفون عن سبب قدومه إلى السّاحة:

- نريد أن نشعر كأنّ شيئا لم يكن!

تشكّلت الأمواج البشريّة حلقة أولى من البوليس ذي الزّيّ الأسود الّذي لا يظهر منه شيء، حتّى العيون اختفت وراء النّظّارات السّوداء العاكسة للشّمس. تحيط بها حلقة ثانية من الكائنات البشريّة المشرئبّة أعناقها نحو وسط السّاحة تنتظر قدوم الموكب، وحلقة ثالثة من البهائم والدّجاج والبطّ من سكّان السّاحة الأصليّين. تطوّق الحلقات جميعا بنايات متداعية للسّقوط كأنّها ماخور، ولكنّها تدفع عنها تهمة البِلى والعهر بالأعلام الوطنيّة وشرائط الزّينة والبالونات الملوّنة الّتي كانت إلى زمن قريب تحمل صورة الرّجل رأس اللّفت، قبل أن يطير في الفضاء بلا عودة. ولا يزال أهل الصّبّاريّة يلعنون الحظّ الّذي أوقعه في فلاة المزابل فنجا من موت محقّق.

كانت النّسائم الخفيفة تتلاعب بالزّينة منذ أعلن الحكم النّهائيّ في قضيّة "خالد الصّبّاريّ" الّذي تحوّل بين ليلة وضحاها من فتى الصّبّاريّة المدلّل وأيقونتها الفريدة إلى لعنة أصابتها، فأضحت تدفع عنها نسبتَه إليها كما تدفع عنك تهمةَ التّحرّش بفتاة وقعت يد ارتباكك على مؤخّرتها، فيما أنت تبحث عن تذكرتك لتُشهرَها في وجه مراقبِ الحافلة الصّفراء في مساء رمضانيّ ثقيل!

***

في المحكمة، وقف خالد عاريا مكبّلا بالأصفاد لا ينطق بحرف.

اسودّت قاعة القصر، قصر العدالة طبعا، بملاءات أصحاب الحقائب الجلد الدّاكنة الّتي تحمل ملفّات القضيّة. هوت مطرقة ذي الشّال الأحمر، وقد انتفخ فجأة كأنّه الورل في الفلاة، فقطعت الجلبة. أسرّ ببعض العبارات إلى معاونه من فوق النّظّارات الخشبيّة المتينة الّتي أعادها إلى مكانها ملتفتا إلى خالد الصّبّاريّ قائلا:

- أنت متّهم بإثارة أعظم زوبعة قلبت تاريخ الصّبّاريّة وما جاورها فلم تبق ولم تذر!

ودون أن تنتظر النّظّارات الخشبيّة جوابا أخذت تصغي إلى الحقائب الجلد تقرأ جملة التّهم المنسوبة إلى خالد الغارق في صمته:

- لقد أحرقت كتاب العبر وحرّفت الإنجيل والتّوراة.

- قلبت قوانين السّير.

- أشرقت الشّمس ثلاثة أعوام، فعمّ القيظ وضرب القحط الأرض. تبخّرت المياه وما نزل المطر. مات الزّرع وعمّ الجوع وانتشر الوباء.

- ادّعيت زورا أنّ "ماركس" زار الصّبّاريّة وقال يحدث فيها انفجار عظيم!

- غيّرت عدد الصّلوات وزدت في عدد آيات سورة التّوبة!

لـمّا ألقيت آخر تهمة، كانت السّاعة الّتي احتلّت مكان إطار الصّورة القديمة، مشدودة إلى الحائط خلف النّظّارات الخشبيّة تشير في حياء ضيف يشعر بالثّقل إلى التّاسعة ليلا.

وحين نظر إليها ذو النّظّارات نظرة من تجاوز مرحلة "الإخبار" إلى مرحلة "النّظر والتّحقيق"، أدرك أنّ ساعة إصدار الحكم الّذي أعدّه منذ أحدث خالد الزّوبعة قد حانت. طرق الخشب ثانية ليقضي على الأصوات الّتي اختلطت في فضاء المحكمة فتواشجت مشكِّلةً سيمفونيّة من ضراط الإبل، ثمّ قال:

- حكمت عليك المحكمة بالإعدام حرقا في السّاحة الكبيرة في الصّبّاريّة!

هلّل الحاضرون وارتفعت أصواتهم بالنّشيد الوطنيّ للصّبّاريّة في حين خرج نفر آخرون منادين بحياة خالد الصّبّاريّ السّاكت كالأخرس.

***

في أطراف الصّبّاريّة سُمع دويٌّ ومنبّهات حادّة فتهيّبت النّفوس ودقّت القلوب والتحمت الأكتاف بالأكتاف، وتسلّل الصّبية بين الأرجل والحوافر، واشرأبّت الأعناق نحو العربة المقفلة بالحديد. فُتحت الأبواب وأنزل خالد الصّبّاريّ والأغلال تقيّد يديه وساقيه حتّى لا حركة، والشّريط اللاّصق على فمه حتّى لا صوت، وقطعة القماش السّوداء على عينيه حتّى لا رؤية. حملوه إلى وسط السّاحة والشّعارات تنادي بإضرام النّار في جسده والحمير تنهق والبغال تصهل، والكلاب السّائبة الّتي غزت الصّبّاريّة تنبح بلا توقّف..

فجأة انسلّ من بين الحاضرين صاحب المطحنة ذات الصّوت المزعج قائلا:

- أنا أولى بإضرام النّار.. لقد قطع سيّء الذّكر رزقي، فأغلقت المطحنة ونزلت أتسوّل لأنّ صوتها أزعجه كما يزعم. لقد كسر فكّي. هاتوا عود الثّقاب وقارورة البنزين.

وما هي إلاّ أن أضرم الطّحّان النّار أمام الكاميرات، فدوّى التّصفيق وهتفت الشّعارات بالموت ضدّ خالد الصّبّاريّ..

حينها فقط، شعر كثيرون أنّ شيئا لم يكن!

***

في الشّرفة المطلّة على السّاحة الكبيرة الواسعة، كانت فتاة الضّفائر تتابع المشهد باسمة. اليوم لن تمتدّ يدها لعصا المعلّمة. كان صديقها خالد الصّبّاريّ قد علّمها في أكثر من صباح كيف تزرع نبتة الجلبّان وتريها الشّمسَ كلّ فجر كي لا تقطع جذعها الخنفساء. تأمّلت زهر نبتتها السّابح في ضوء الشّمس وهي تدندن رغم الجلبة تملأ المكان:

"أرى النّخل يمشي في الشّوارع..

مرفوع الهامة فارع..

يتحدّى.. ويصارع"

كانت تلك آخر أغنية تعلّمتها في حجره قبل أن يقرّر الموت منذ ثلاثة أعوام، أمّا اليوم فقد بصقت على السّاحة ونيران الشّماتة والتّشفّي لا تزال تلتهم تمثاله الحجريّ الأخرس!

 

عيسى جابلي