عامر كامل السامرائيثلاث قصائد مجرية

للشاعر المجري: جورج پَتري

ترجمة: عامر كامل السامرّائي

***

شظايا مأساوية

لم يبقَ إلا الزئير

وحتى الزئير ما عاد إلا هسيساً

من حناجر لفها القيح

 ثم سريعاً تلعثم الصمت

طوال الليل، وطول النهار

 

ظُهراً ظننا

وما زلنا عند الظُهر نعتقد

تلكمُ الحجارة ستهتز راقصةً

وستبدأ الهراواتُ تُغني

وتتلألأ الأبراج البالية لامعةً

مثل حلي الذهبِ

وستُنبتُ عُقف الأسلاك الصدئة

بتلات أليفة

 

عند الظهر ظننا

لكننا بين الظهر والظهر قد خسرنا

وبين الظهر والظهر قد سُلبنا

 وصادروا بين الظهر والظهر

ذلك الأحمق مطلبُنا

انتزعوه منا

ظهراً

لِصق عيني وضعوا

الحديد المتوهج

كالشمس.

**

هكذا

هكذا بلا ذاكرةٍ

أَعيشُ أنا بفرحٍ

لا أَعْرِفُ مَنْ قَالَ

وماذا قَالَ،

وأقلُّ ما يُهمُّني، فيمَنْ قَالَ

يتسَاقَطُ في حوض صدِئٍ

يتسَاقَطُ، يتسَاقَطُ المَطَرُ

***

طَرْتُ

وسَافرتُ في رحلاتٍ كثيرة

معَ خُطوطِ الخَيالِ الجَوّيَّة

وَخُطوطُ البَلْقَانِ

وَزُرتُ الكثير مِن البُلدانِ

وبَقيَتْ لي أَمنيَّة وحيدة

أَنْ أَطيرَ على مَتْنِ

الخُطوطِ الفَرَنْسيَّةِ

لا يَهمُّ إِلى ايَن

فقط بعيداً عَنْ هُنَا.

***

 

....................

* إيكاروس أو ما يقابله بالعربي (عباس ابن فرناس) (المترجم)

 

فتحية عصفورتَحليقاتٌ سَماويّةٌ للأديبة آمال رضوان

 ترجمتها للإنجليزية: فتحية عصفور

***

 

Divine Elevations

By: Amal Awad Radwan-(Palestine)

Translated by: Fathia Asfour

Palestinian poet & tranlator

***

Divine Elevations

*The ghost of my tear mumbles

 on a barren woman's breast....

rolls me in the moans of a cloud that sheds you in a pond,

 wide open for remembrance

***

* Out of my death crypts ..

my pain flows ether of hopes...

and your snowy fires

get my shirts perfumed with your features...

those overfilled with rain

***

*Velvet ...is the pupil of your bitterness

Slender are the hurricanes of its dominion

 How it drew me close to a fragment

 of your subsistence

 in the sessions of hungry ascetics !!

 And how it drew me far away

 from your waterdance

 through your divine elevations !!

***

* So why thrusting my fingertips...

those raining candles..

in the caves of dust and harshness?

***

* By the charm of your voice..

that which illuminates me!..

the bow of my loyalty strummed me

 not but on hugging strings

How the breaths of its violin warbled as well !

***

 O you , the daughter of the runnels!

Scoop me up an aromatic tale

 looking for its face in your mirror !

 Shear not the pearl of my pulsing...

For the rhythm of my rainclouds

had not gargled but in your heart ...

 and the evenings of my luster

could not have been perfect

without your bright rainfall

........................

 

تَحْلِيقَاتٌ سَمَاوِيَّةٌ! / آمال عوّاد رضوان

شَبَحُ دَمْعَتِي.. غَمْغَمَ عَلَى ثدْيِ عَاقِرٍ

مَرَّغَنِي.. بِزَفَرَاتِ غَيْمَةٍ تَذْرِفُكِ

فِي بِرْكَةٍ مُشَرَّعَةٍ لِلذِّكْرَى!

***

مِنْ سَرَادِيبِ مَمَاتِي انْسَابَ أَلَمِي

أَثِيرَ آمَالٍ

وَنِيرَانُكِ الثَّلْجِيَّةُ

تُعَطِّرُ قمْصَانِي

بِمَلاَمِحِكِ الْمُتْخَمَةِ بِالْمَطَرِ!

***

مُخْمَلِيٌّ بُؤْبُؤُ مُرِّكِ

مَمْشُوقَةٌ أَعَاصِيرُ سُلْطَانِهِ

كَمْ أَدْنَانِي مِنْ كِسْرَةِ كَفَافِكِ

فِي حَلَقَاتِ جَوْعَى

وَكَمْ أَقْصَانِي عَنْ رَقْصَةِ مَائِكِ

فِي تَحْلِيقَاتِكِ السَّمَاوِيَّة!

لِمَ أَدُسُّ أَنَامِلِي الْمَاطِرَةَ شُمُوعًا

فِي كُهُوفِ الْهَبَاءِ وَالْجَفَاءِ؟

***

وَحَقّ سِحْرِ صَوْتِكِ

الْـ يُضِيئُنِي!

أَنَا مَا عَزَفَنِي قَوْسُ وَفَائِي

إِلّا عَلَى أَوْتَارِ عِنَاقٍ

كَمْ صَدَحَتْ أَنْفَاسُ كَمَانِهِ كَمَان!

***

يَا ابْنَةَ السَّوَاقِي

اُغْرفِينِي حِكَايَةً عِطْرِيَّةً

تَبْحَثُ عَنْ وَجْهِهَا فِي مِرْآتِكِ

لاَ تَجُزّي لُؤْلُؤَ نَبْضِي

فَمَا تَغَرْغَرَ إِيقَاعُ مُزْنِي إِلّا بِقَلْبِكِ

وَمَا اكْتَمَلَتْ مَسَاءَاتُ بَرِيقِي

إِلاَّ بِهُطُولِكِ الْمُشْرِق!

 

 

عادل صالح الزبيديهنري وادزويرث لونغفيلو

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

الأعياد

الأعياد الأكثر قدسية هي تلك

التي نحتفظ بها لأنفسنا في صمت وعزلة؛

 ذكريات القلب السنوية السرية،

حين يفيض نهر المشاعر المفعم؛--

الأيام السعيدة التي لا يتعكر صفوها حتى نهايتها؛

 الابتهاجات المباغتة التي تنبعث من الظلام

مثلما تنبعث النار من الرماد؛

الرغبات الخاطفة التي تنطلق

مثل طيور سنونو تغرد مع كل هبة ريح!

بيضاء مثل ومضة شراع مرتد،

بيضاء مثل سحابة تطفو ثم تختفي في الفضاء،

بيضاء مثل زنبقة بيضاء طافية،

هذه الذكريات الغضة هي؛--

حكاية من حكايات الجن

عن ارض مسحورة لا نعرف مكانها،

لكنها جميلة مثل منظر طبيعي في حلم. 

***

..........................

هنري وادزويرث لونغفيلو (1807-1882) شاعر اميركي من مواليد بورتلاند بولاية مين. تلقى تعليمه في كليتي بودوين وهارفرد وبدأ كتابة الشعر ونشره في الصحف والمجلات المحلية مبكرا. عمل في التدريس الجامعي مدة تفرغ بعدها للكتابة فنشر الكثير من الشعر الغنائي والقصص والروايات والمسرحيات كما ترجم (الكوميديا الإلهية) لدانتي عن الايطالية وعملا آخر عن الاسبانية. من عناوين مجموعاته الشعرية: (أصوات الليل) 1839؛ (قصائد شعبية وقصائد أخرى) 1841؛ (قصائد عن العبودية) 1842؛ (قصائد منزلية))1865؛ (قناع باندورا وقصائد أخرى) 1875 ؛ و(في الميناء) 1882.

 

 

عامر كامل السامرائي

للشاعر المجري: جورج پَتري

ترجمها عن المجرية:

عامر كامل السامرّائي

***

لِجَدّي دائماً

مَرَّةً كُلَّ أسبوعينِ

كانَ جَدّي يَجلِسُ ليقرأَ

مَا تراكم مِنْ جَرائِد.

وكلَّما انتهى مِنْ بَعْضِها

يُقطِّعها إِلى وريقاتٍ صغيرة

بسكّينة تَقْطيعِ الخُبْز

لنسْتعمِلها في المَراحيضِ.

وهكذا لأسبوعين

كُنَّا نَمسحُ مؤخَّراتنا بصَوْتِ الشَّعْبِ.

كانَ جَدّي سَابقاً لعصرِهِ.

**

جَدَّتي

جَدَّتي هيَ التي رعتني

فغدوتُ عامرا

شُجَاعاً، وسيماً، قويّاً.

 

وحين بدأ إطلاق الرصاص

باعتْ سِوارها الذَّهبي

واشترتْ بثمنه وزتينِ

طبختهما، ثم بعجالة أنزلتني

إلى الملجأ..

ومنذ ذلك الحينِ وهي:

تطبخ، وتطبخ، وتطبخ

في هذا الوضع الرَزينِ.

 

كانت جَدَّتي تعرف مسبقاً

 معنى الحروب العالمية،

واضطرابات الجمهورية

والتقلبات،

والانقلابات.

ربةُ بيتٍ..

لا تعرف ما الطائفية:

لدرجةٍ، إنها كانت تُصَلّي

في كنيسة كاثوليكية

رغم إنها لوثرية...

 

أمَّا أنا فكُنتُ انهَشُ بلحم الوزة

في الملجأ،

بينما التهمَتْ الثورة أولاد جَدَّتي.

هكذا غارت السماء على طفولتي

برحمة، وصار ذلك الملجأ غرفتي.

هناك أطعمتني جَدّتي،

وهناك قَيَّد جَدّي اسمي،

 في سجل النفوس،

ورحلت أُمي من هناك،

وشنقوا عمي هناك،

وهاجرن عماتي من هناك،

إلى إنكلترا، تزوجن، ومن هناك

إلى الجنة..

 

كان لنا تنين يُدعى،

ماتياش سالاشي*...

يُرعد ويزبد

هو آكل الأحشاء،

والصراصير،

والكناغر،

والذئاب،

والحشرات،

والآفات،

كل هذه،

وكل تلك الحيوانات

العجيبة، والوحشية

التي ملأت طفولتي.

***

 

......................

* ماتياش سالاشي

هذا الاسم من تأليف الشاعر لكيلا يُتَّهم. فبالحقيقة هو يشير هنا إلى رئيس الوزراء النازي فيرنتس سالاشي. أما اسم ماتياش فهو يشير إلى الحاكم المجري العادل ماتياش. (المترجم)

**

ولد الشاعر جورج بَتري في العاصمة بودابست عام 1943، وتوفي في عام 2000. درس اللغة المجرية والفلسفة في جامعة أوتفوش لوران في الفترة ما بين عام 1966 وعام 1971. عمل صحفياً ثم تفرغ للكتابة عام 1974، ومنع نشر كتاباته من عام 1975 إلى عام 1981 بسبب آرائه السياسية. أسس في الفترة الواقعة بين 1981 - 1989 جريدة معارضة للسياسة المجرية (بيسلو).

 - حصد الكثير من الجوائز الأدبية أهمها: جائزة ديري تيبور عام 1994 – 1998، وجائزة يوجيف أتيلا عام 1990، وجائزة كتاب العام سنة 1991، وجائزة مؤسسة فوروش عامي 1992 -1997، وجائزة الشاعر فوروش شاندور عام 1995، ووسام إمرهَ نادج عام 1995.

- ترجم الأعمال الدرامية لبرتولد برخت ولموليير إلى اللغة المجرية.

- من أهم أعماله الشعرية: "شروح لشخص يُدعى م" صدر في عام 1971، "اندفاع مُعاد" عام 1974، "يوم الاثنين السرمدي" عام 1981، "كرة ثلج في اليد" صدر في نيويورك عام 1984، "مجموعة أعمال شعرية" عام 1986، "ما الذي تبقّى؟" عام 1989، "أشعار جورج بَتري"

 عام 1991، "الوحل" عام 1992.

 

ضياء نافعقصيدة للشاعر اوغستينو نيتو / انغولا

ترجمها عن الروسية" أ. د. ضياء نافع

***

 القيود -

رنينها في الطرقات ،

وفي هديل حمام الغابات..

وفي انين النخيل الباسقات..

**

واللهيب

يتأجج في جذور الاعشاب ..

و فوق سطوح الاكواخ...

وفي كل الطرقات ..

 جموع الشعب

جموع الشعب

جموع الشعب

جموع الشعب،

 المشردون المنفيون من كل مكان

في كل الطرقات...

يسيرون،

بتوهج يسيرون..

وبايقاعات...

في الضوء ايقاعات ،

وفي اللون ايقاعات،

وفي الصوت ايقاعات،

وفي الحركات ايقاعات،

وفي خطوات الارجل الملطخة بالدماء

 ايقاعات،

وفي الدم الذي يسيل من تحت الاظافر

ايقاعات،

في كل مكان

 ايقاعات،

ايقاعات..

 آه

يا نداءآت

بلادي الجريحة ...

 

.......................

اوغستينو نيتو ( 1922- 1979 ):  شاعر وشخصية سياسية كبيرة في تاريخ أنغولا المعاصر / رئيس حزب الحركة الشعبية لتحرير انغولا ، واول رئيس لجمهورية انغولا الشعبية منذ تأسيسها عام 1975 والى تاريخ وفاته عام 1979 / يعد - ولحد الان - البطل القومي لانغولا / بدأ بنشر قصائده منذ العام 1947 ، وصدر اول ديوان له باللغة البرتغالية عام 1961 / قصائدة مترجمة الى لغات عديدة منها – الايطالية والروسية والصينية والصربية والعربية ...

 

محمد صالح الغريسيشعر: فرنسيس بونج

تعريب: محمد الصالح الغريسي

***

الخريف كلّ الخريف، ليس في النّهاية، أكثر من شاي بارد.

و الأوراق الميّتتة من كلّ الأنواع، جميعهامشبع بالمطر.

لا إمكانيّة فيها للاختمار ولا لِتَكَوُّن الكحول:

إذ لا بدّ من انتظار الرّبيع ، حتّى يؤتي وضع كمّادات على ساق خشبيّة مفعوله.

 

يتمّ الجرد عشوائيّا.

 كلّ أبواب قاعة الاقتراع تنفتح وتنغلق، منصفقة بعنف.

إلى السلّة.. إلى السلّة ! إنّ الطّبيعة تمزّق مخطوطاتها،

 تحطّم مكتبتها، تسقط آخر ما لديها من ثمرات.

 

ثمّ تتوقّف فجأة عن جدول عملها. تبدو قامتها على الفور هائلة

شعثاء، ورأسها في الضّباب. و ذراعاها تضطربان، تتمتّع باستنشاق الرّياح الباردة الّتي تنعش أفكارها.

تمرّ أوقات النّهار قصيرة، لذلك سرعان ما يخيّم اللّيل،

فيفقد الكوميديّ حقوقه.

 

بين الكواكب الأخرى في الفضاء ،تستردّ الأرض مكانتها الهامّة.

الجزء المضاء منها، أكثر ضيقا، تخترقها الوديان والظّلال.

أحذيتها تشبه تلك الّتي ينتعلها المتشرّدون ،

 قد شرقت بالماء فراحت تصدر موسيقى.

 

في هذا الجمهور الصّاخب من الضّفادع،

هذا المجمع الغامض الصحيّ،

الكلّ يستردّ قواه، يقفز من حجر إلى حجر ، متنقّلا بين المروج.

و تتكاثر الجداول

 

إليكم ما يسمّى بالتّمشيط الجميل،

و الّذي لا يحترم المواثيق !

فها هي بلباس شبه عار،

غارقة في الماء حتّى العظام.

 

ثمّ إنّ هذا ليدوم لفترة، ولا يجفّ على الفور.

ثلاثة أشهر من التّفكير الشّافي ؛

دون ردّة فعل من الأوعية الدّمويّة،

دون ميدعة، دون قفّازات لبديّة.

لكنّ بنيتها القويّة ما تزال صامدة في هذه الحالة.

 

ثمّ حين تبدأ البراعم الصّغيرة في البروز من جديد،

فهل هي واعية بما تفعل وما يمكن أن ينجرّ عن ذلك،

- لئن كانت تبرز بحذر وقد جمّدهاالصّقيع وورّد وجهها،

فإنّماذلك عن دراية بالأمر.

 

أمّا هنا، فتبدأ قصّة أخرى،

قد تكون ذات علاقة،

و لكن لا رائحة فيها لمسطرة سوداء،

يمكنها أن تساعدني مستقبلا أن أضع سطري تحت هذه.

 

.........................

فرانسيس بونج (بالفرنسية: Francis Ponge) (و.1899 - 1988) شاعر فرنسي حاصل على جائزة نيوستاد للأدب عام 1974.[6]

ولد في مدينة مونبلييه جنوب فرنسا لعائلة بروتستانتية، وسافر إلى بلجيكا وهولندا وإنكلترا وألمانيا، ثم عاد إلى باريس ودرس القانون في جامعة السوربون، كما درس الأدب في جامعة ستراسبورغ، خدم في الجيش الفرنسي بين عامي 1918-1919، وفي عام 1931 عمل في بريد دار هاشيت، وفي عام 1937 انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي حيث ترك باريس منذ بداية الحرب العالمية الثانية وبدأ بمساندة المقاومة منذ عام 1937 حتى عام 1974، ولدى عودته مع عائلته إلى باريس ترك الحزب الشيوعي وعمل في التدريس. بدأت شهرته ككاتب بعد نشر مؤلفه "الانحياز للأشياء" عام 1942.[7]

 

ويكيبيديا

 

عامر كامل السامرائيللشاعر الإغريقي: روفينوس

ترجمها عن المجرية:

 عامر كامل السامرّائي

***

زانيَة، تُحِبُّ العهْر، 

تَجُولُ الْمَرْسَى حَتَّى مَطلع الفجرِ

تَهزُّ عَجيزَتهَا كأنها مَرْكَبٌ.

 

مِنْ بَينِ كُلِّ مُومِسَاتِ المَرْسَى

هِيَ الأَجمَلُ،

مِثْلُ زَوْرَقٍ مُزَرْكَشٍ،

تُزيَّنُ وجْهُها كُلُّ ساعَةٍ.

 

فكَمْ مِنْ رُبّان غَرِقَ لأَجلِها،

وَكَمْ مِنْ نَاسِكٍ، كادَ أَنْ يُهْلِكهُ المَوجُ:

لَوْلَا شِدَّةُ الصَّاري.

 

تَسْتَقْبِلُ مُسافِرينِ مَعًا

كَوْنُها مرَكبٌ صَلبٌ

يَرْكَبُ الأَوَّلُ مِنْ قُبُلٍ

وَمِن دُبُرٍ يَصْعَدُ الثاني

***

 

هناء مهتابنصوص مترجمة

للشاعر: صالح بوعذا

ترجمة: هناء مهتاب - الأهواز/ ایران

**

بغتةً

 صُداحٌ

رائحة الدمِ

وجاء تشرین

بتلک الزرقة القَصیّة

وجسداً منساباً فوق أرصفة کارون الرّمادیة

هبت الرّیحَ،

ثارَ شالٌ،

و من طراوة نهود صبیات ثملة

تنبعث رائحة ثورةٍ

والحیاة؛

تَنسَکبُ من شطآن نظراتهن الأرجوانیة....

***

آه

أيتها الفاتنة الصامتة

     يا سليلة الغيم والريح

         جفاء جسمكِ،

               كانَ

                   تمهيداً

              لتَحریر نظراتي...

***

هي!

   ربما

      جلجلة

         صوتٍ شَجّي

في حنجرة الريح المذبوحة!

***

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: كاروي باري

ترجمة: عامر كامل السامرّائي

***

ما متُّ بَعد،

إلا أني أهجرُك،

ماضٍ لتحتِ الثرى، إلى هوّةٍ مفتوحة،

أهبط بأجنحة بلا ظلّ،

فتملئين عينيك بالمِلح،

وتهتفين من بعدي، ولكني لن ألتفت

مرة أخرى أبداً، ولن أعود،

سأترك لكِ

خَيْامُ المشارقِ،

وكل خمائل-لُثُم السماء،

والأشعة التي تبدأ نوبتها

تلك التي تنفض النعاس

عن الخاملين:

وعن رُتبِ حُراسِ قطرات الندى الغافية..

 

بأنفاسكِ تتلمسين نسيج الديجور،

والشفق المُسَوَّر بالرموش،

أتبَعُ مساراً في الثرى، لا ملاذ إلا إليه

مطرزاً بهمساتِ الجذور

 ولغير المسمى، يلبس الدهر ثوباً،

مُرصعاً، يتأمل البحر الذي يبحثُ عني..

 بأصابع زرقاء

بين شِعاب الصخور الساحلية.

 

تستيقظين، ترتدين ثيابكِ، تتعثرين في المطبخ

تُعِدِّينَ القهوة وتحاولين إقناعَ نفسكْ

ما من شيء قد تغير

فالفجرُ هو نفسه ينتشر كالنارِ في الهشيم،

مثلما من قبل، كما يبقى،

يُطوِّقُ حبل القشّ المتين

عنق أغصان الزهور،

يتمدّد الضباب على سُلَّم البتلات الدائري

بينما حديقة الفجر

ستضحى غير التي كانت،

وتصير خطواتكِ أكثر اضطراباً فوق الطريق،

وتهمسُ لكِ بصوت عالٍ هذه المرة

الإعلانات المتغيرة الألوان..

 

 وستتوارى في عتمة مخابئها

كنوزكِ بلا أثر:

ضحكاتٌ كالأقراط محنيَّة أوتارها

وذكرياتِهِ المخبأة

وأنتِ تتحدثين لعيون عاشِقَينِ

هَرِما بجْنبِ بَعْضِهِما

دون أن يُسْمَعُ لكلماتكِ صدى،

جوقات من الورد منثورةٌ

في كل مكان: باقات، أكاليل،

شَواهِد تعدو نحو الأرض،

كما تعدو النسور، متعثرة نحو الفريسة،

والسحب الساريات هنّ كذلك آيات بينات،

 

أوراقُ أشجار تحتذي نِقَم،

وأعشاب ذابلة لحقول مهجورة

أسمعُها تسير نحوي، وأنا

لزامٌ عليَّ اجتياز جدران الخُلَّدِ،

أجرجر جناحيَّ بين ذُراها،

تحمل على كنفها سلَّة من صقيع

تترقبني أشواك شتوية،

تتناظر، وترتجف،

مَلَكٌ شاخصٌ في وسط الثلج،

رداءهُ رماد مَضفور،

تساقطٌ غزير..

يُسَوِّرُ شبكة قضبان بيضاء

يحاصرها بلا هوادةٍ،

كقفصٍ مِن حَديد!

***

 

صالح الرزوققصيدتان للشاعرة هاغيت غروسمان*

ترجمة: صالح الرزوق

***

هذا وقت آخر للحب.

طالما هناك لاجئ واحد، سيكون هناك

همسات وأمطار.

 

في العراء، حكام لامبالون،

ويكتبون قوائم الكتب الممنوعة

ويهيبون بالفنانين لتأدية قسم الولاء

للدولة.

 

لكن في الملجأ خبأنا الحب عن الأنظار.

غير أنه مجرد لمسة مخملية

ورسائل فقط.

 

وإذا غادر مخبأه،

سيكون ممنوعا.

 

وإذا لم نعترف

بالظلم الذي يعذب الآخرين

سنقع في قبضة الحكام القساة،

أما من سقط في حفرة مخبأنا

سيحميه الحب من الغدر.

***

* وردة الجسد

ما هوالسر الذي تتستر عليه جذور الحب لديك؟.

وردة الجسد تغني أغنية الأعصاب

وثلاثة ثمار مقطوفة في داخلها النواح والعويل.

ما هو السر  الذي تتستر عليه جذور الحب لديك؟.

في أزمنة لا يسعنا تذكرها العتمات تغني أغنية شريرة.

وفي فجوة الليالي الطويلة، أنت تنهمر فوقي

ومن شرايينك الزرق الدم يهبط همسا في أكواب فارغة.

وإذا تابعت الشراب من يديك الباردتين

تستمر قطرات الدم بالهطول

حتى يمتلئ الكوب في الليل. وها هو الظلام يذهب،

ووجهك يصعد إلى الطابق الثاني

وغبار الأرض لا يزال يقبل حراشف جسدك.

وعبير النبيذ المتيبس ينتشر من بين أسنانك.

لكن ضحكتك تخفت لتصبح مثل هوة

تنحو باتجاه الضوء البنفسجي، باتجاه

الليل،

حيث يندلع ضوء أبيض.

***

ترجمة صالح الرزوق

.............................

* من مجموعتها المعدة للنشر (كتاب الجسد). صدر لها في لندن مجموعة بعنوان (رعشات المدينة) عام 2016.

 

صائب خليلبقلم: قسطنطين كفافي

ترجمة: صائب خليل

***

لماذا نحن ننتظر في الميدان؟

لأن البرابرة يصلون اليوم.

 

لماذا تتوقف الحركة في مجلس الشيوخ؟

لِمَ يجلسون بهدوء ولا يسنّون القوانين؟

لأن البرابرة يصلون اليوم.

فلا فائدة أن يسنّ الشيوخ القوانين

البرابرة هم من سيضع القوانين.

 

لماذا استيقظ الإمبراطوْر باكراً هكذا؟

ولم يجلس مزيناً عند بوابة المدينة؟

لأن البرابرة يصلون اليوم

والإمبراطور ينتظر قائدهم،

وقد جهز الهدايا، وحفظ قائمة الألقاب المبجلة

 

لماذا لبس قناصلنا وقضاتنا اليوم معاطفهم القرمزية

وتزينوا بالأساور المرصعة بالجواهر،

ووضعوا في اصابعهم خواتم الزمرد البراق؟

لماذا يمسكون العصي الموشاة بالفضة والذهب؟

لأن البرابرة يصلون اليوم

والزينة تدهش البرابرة

 

أين خطباؤنا المفوهون

لم لا يلقون خطبهم مثل كل يوم؟

لأن البرابرة سيأتون اليوم

وهم يملٌونّ الخطب ويضجرون البلاغة

 

لماذا هذا الفزع والاضطراب المفاجئ

يرتسم على الوجوه؟

ولماذا يغادر الناس الشوارع والساحات؟

لماذا يتجه الجميع إلى بيوتهم

وقد استبد بهم الشرود؟

لأن المساء قد هبط ولم يأت البرابرة

لقد وصل حراس الحدود

قالوا ما عاد للبرابرة وجود.

 

لكن بلا برابرة، ما الذي سيحل بنا؟

البرابرة كانوا حلا من الحلول!

***

 

 

صالح الرزوقإميلي روسكو

ترجمة: صالح الرزوق

***

ولكن العالم، في البداية، كان عاريا: صمت

معدني باستثناء الريح وهي تفسر معنى

الذرات. الجو حالة صناعية

ترشح من شقوق القشور:

الريش يطفو مثل الزجاج

والبقايا، والهواء موشور حار.

ثم، المزيج النهائي: الميثان

والأمونيا وبخار الماء وثاني أكسيد

 الكربون (مادة بلا شكل) تحول

الشمس إلى خلايا، وتتأكسد. ومع ذلك لا يزال،

العالم يترمد، بلا صوت

باستثناء الريح المكتوبة بالفضة

على سطح المياه. وفي المناطق الرقيقة، المادة المغطاة بالأشنة

الخضراء  تصبح رئة: شهيق،

وزفير. ثم تزهر - وحل

السبخات المنتفخة، والإفرازات الكبريتية والتحلل الذي

يحمي الأوزون من الاحتراق. وفوضى عناصر الهواء تنتظم

بقافلة من السحب والتيارات. وها هو

أول عالم محتمل ينضج تحت هذا

الغشاء الواقي:  وهو الأزرق الوحيد الذي يجعل منا الأرض.

***

 

..................................

 إميلي روسكو Emily Rosko: شاعرة أمريكية معاصرة وأستاذ مساعد في جامعة شارلستون. لها ثلاث مجموعات شعرية، هي (يسمو بالصخور، 2011) و(مخزن البضاعة الخام، 2005) و(ابتداع الطقس، 2018) الصادرة عن منشورات جامعة أكرون.

 

 

ضياء نافعقصيدة للشاعر الكوبي خوسيه مارتي

ترجمها عن الروسية: أ. د. ضياء نافع

***


 

 اطعنّي

بخنجرك،

 ولينغرس،

ولينغرس

 خنجرك

بين أضلاعي!

 عندي أنا

قصائدي،

وهي أقوى

 من خنجرك!

**

دعه،

 دع هذا الالم الرهيب يسري،

 و للسماء دعه

 يلطّخها،

والبحار دعه

 يجفّفها،

فقصائدي

 - في ذروة

 ألمي -

 تخلق اجنحة

لألمي

***

 

.............................

خوسيه مارتي (1853 – 1895) – شاعر كوبا الكبير، ويعدّ شاعر امريكا اللاتينية قاطبة.

 

صحيفة المثقفشذرات بوهيمي

للشاعر فتحي مهذرب

ترجمة: صلاح محمد الحسن

***

 

 Délire de Bohémien

 

Puisque le ciel est une vieillarde,

porté par un astronome,

sur ses ailes de la fantaisie,

essayant de tirer ses météores par les dents,

et de laver ses jambes ridées,

dans la sueur de l’océan.

 

Puisque le ciel est des germes,

truquées,

ou des bergers, des voyants, et de nombreux prêtres,

se vantent de son mirage brillant

un chariot néant traîné par nuages blessés,

suite à l'évasion des prophètes et des philosophes de mon crâne.

 

Puisque la terre tourne comme un chameau aveugle,

autour d'un puits abandonné,

Puisque la terre est une cage pleine de corbeaux,

Puisque la terre est une monture noire,

qui avale, chaque matin, ses petits,

Puisque la terre est un otage dans la marche de nuit et de jour,

et la lune est un voisin aveugle,

qui a tué tous ses parents lors d’une raide astronomique,

qui sollicite la nuit,

s’aidant par l’autrui,

dans sa mission éternelle,

Des fois, je vois son image déchirée au fond d’un puits,

accompagnée par des grenouilles bavardes,

 

Puisque ta voix est une balle,

et mon corps n’est qu’une alouette,

Puisque je suis menacé par un cercueil,

suspendu à ta bouche sans dents,

Puisque je suis un troubadour dans des fosses communes ...

chassé par des tempêtes dans les hauteurs de l’absurde,

Puisque le monde est un mensonge bien tissé,

et que ce bel arbre se cache dans un miroir,

suite à une conspiration familiale,

Puisque mon esprit est semé d'embûches,

et ma tête est une grotte pleine de brouillard,

mes sens sont des sables mouvants,

Puisque à l'intérieur de mes murs,

il y a des ancêtres de passage,

et un vieux tremblement de terre,

qui dort tel un phoque mort,

des hues d’un Saint, échappé du massacre,

un ruisseau triste qui croque le blé de l’oubli,

le bruit des bateaux et des pêcheurs,

se suicidant dans ma poitrine,

Puisque je suis dédié à l’abime,

je vais tirer sur ce chariot du corps,

et disparaitre,

telle une fumée dans l’air

***

Salah Mohamed El Hassan .

.....................

 

شذرات بوهيمي / فتحي مهذب

 

لأن السماء عجوز يحملها فلكي

على ظهر المخيلة..

يحاول سحب نيازكها بأسنانه..

وغسل ساقيها المغضنتين

بعرق المحيط..

لأن السماء حجارة كريمة مزيفة..

يتباهى بسرابها الخلب عرافون وقساوسة كثر..

عربة عدمية تجرها غيمة جريحة..

بعد هروب الأنبياء والفلاسفة من تلة رأسي..

لأن الأرض تدور  مثل جمل ضرير

حول بئر مهجورة..

لأن الأرض قفص مليئ  بالغربان..

لأن الأرض دابة سوداء

تأكل صغارها كل يوم..

لأن الأرض رهينة في غواصة الليل والنهار..

لأن القمر جار ضرير

قتل جميع ذوي قرباه في غارة فلكية..

يشحذ في الليل..

مستعينا بغيره..

في مهمه الأبدية..

أحيانا أرى صورته مشققة في بئر..

تسامره ضفادع ثرثارة..

لأن صوتك قذيفة

وجسدي حمامة مطوقة..

لأني مهدد بتابوت يتدلى من فمك

الأدرد..

لأني منشد أشعار في مقابر جماعية..ومطارد عواصف في مرتفعات اللامعنى..

لأن العالم خدعة محبوكة باتقان..

لأن شجرة جميلة اختفت في مرآة

اثر مؤامرة عائلية..

لأن عقلي محفوف بالمزالق ..

ورأسي مغارة مدججة بالضباب..

وحواسي رمال متحركة..

لأن داخل حيطان بيتي أسلافا عابرين ..

زلزالا مسنا ينام مثل فقمة نافقة..

صفير عظام  قديس فر من مذبحة..

جدولا حزينا ينقر قمح النسيان..

ضجيج مراكب وصيادين

انتحروا داخل قفصي الصدري..

لأني منذور للهاوية ..

سأفتح النار على عربة الجسد وأختفي مثل دخان في الهواء .

 

 

حسين علي خضيربقلم: ميخائيل ناتانوفيتش أيزنبرغ

ترجمة: حسين علي خضير

***

ملأَ الظلام فجأةً

حدقة العين المشدوهة.

يحاول جاهداً التخويف

بالساعة الاخيرة

ولن يرضخ لما هو جديد.

**

السحابة التي غطت القمر.

أوسع من الدائرة،

أما الظلام أكثر اتساعاً.

جذور الخوف، جذور البصر

تلامس شدة الأعمى.

***

 

.........................

*ولد ميخائيل ناتانوفيتش أيزنبرغ في مدينة موسكو عام ١٩٤٨، وهو شاعر روسي معاصروناقد ادبي، حصل على جوائز عديدة ومن ابرزها جائزة اندري بيلي في عام ٢٠٠٣.

 

صالح الرزوقبقلم: غراهام غرين

ترجمة صالح الرزوق

***

أصابت العجوز الدهشة قليلا، لأنه أصبح الآن معتادا على الأحداث الطارئة، وذلك عندما استلم من يدي أحد الغرباء جواز سفر لا يحمل اسمه، مع إذن دخول وخروج لبلد لم يتوقع أو يرغب بزيارته. كان عجوزا متقدما بالعمر، ومعتادا على الظروف الصعبة للحياة التي يعيشها بمفرده دون أي تواصل مع البشر: حتى أنه أنس لبعض السعادة من جراء الحرمان. كان لديه غرفة مفردة يعيش وينام فيها: مجرد مطبخ وحمام صغيرين. وكل شهر يصله من جهة ما لم يعرفها مبلغ إعانة قليل ولكن يكفيه. وربما له علاقة بالحادث الذي وقع له منذ سنوات وسرق منه ذاكرته. وكل ما بقي في ذهنه من تلك الحادثة صوت صاخب، وومضة نور خاطف مثل البرق، ثم ظلام طويل تملأه أحلام مضطربة وقد أفاق منها أخيرا في نفس الغرفة الصغيرة التي يعيش فيها حاليا.

قال له الغريب: "ستحظى باستقبال في المطار يوم 25 من الشهر، وستقاد لطائرتك. وفي نهاية المطاف سيقابلك أحدهم وستكون لك غرفة جاهزة. ومن الأفضل لك أن لا تتكلم مع أحد على متن الطائرة".

"الخامس والعشرون؟. هذا شهر كانون الأول، أليس كذلك؟". كان يصعب عليه معرفة أين هو من الوقت.

"طبعا".

"سيكون إذا يوم عيد الميلاد".

"عيد الميلاد لم يعد له وجود. ألغوه منذ ما يزيد على عشرين عاما. بعد حادثتك".

و بدأ يتساءل- كيف يمكننا إلغاء يوم من حياتنا؟. وبعد أن غادره الرجل، نظر للأعلى كأنه يتوقع أن يهبط تفسير من السماء، وشاهد صليبا خشبيا صغيرا معلقا فوق سريره. وكان طرف الصليب مكسورا وكذلك إحدى ذراعيه. كان قد وجد الصليب منذ سنتين، أو ربما ثلاثة، في علبة النفايات التي يستعملها بالإشتراك مع الجيران الذين لم يتكلم معهم أبدا. قال بصوت مرتفع: ”و أنت؟ هل ألغوك من حياتهم أيضا؟”.

ويبدو أنه وجد الإجابة في هذه الذراع المكسورة. “نعم”. كان هناك اتصال بينهما بطريقة ما، كأنه بينهما ذاكرة مشتركة. لكن لم يكن يربطه أاي علاقة مع جيرانه. منذ أن عاد للحياة في هذه الغرفة لم يكلم أحدهم أية كلمة، كان يشعر أنهم يخشون الكلام معه. كما لو أنهم يعرفون شيئا عنه ولكن هو بذاته لا يعرف. ربما جريمة اقترفها قبل هبوط هذه الظلمة. وكان هناك دائما رجل في الشارع ولا يعتبره من بين الجيران، فقد كان يتبدل يوميا، ولم يبادر أحدا بالكلام، ولا حتى السيدة المسنة التي تعيش في الطابق العلوي وتنشر الإشاعات. ومرة في الشارع نادته باسم - ليس المدون في جواز السفر - مع نظرة جانبية يمكن أن تقول إنها موجهة لكليهما- الرجل العجوز والرجل الذي يعمل بالمراقبة. وكان اسما شائعا جدا، وهو يوحنا.

وفي إحدى المرات، ربما لأن اليوم كان دافئا ومشرقا بعد أسابيع من المطر، وجه العجوز ملاحظة للرجل الواقف في الشارع حينما كان في طريقه لإحضار الخبز. قال له: "باركك الله يا صديقي العزيز". وقطب الرجل أساريره كأن ألما مفاجئا ما حل عليه وأدار له ظهره. وتابع الرجل إحضار خبزه وكان طعامه الدائم. وانتابه الشعور أن أحدا يقفو أثره حتى المتجر. كان كل الجو غامضا قليلا، ولكن لم يتغلغل الاضطراب إلى أعماقه. وفي مرة سابقة ذكر للمستمع الوحيد الحاضر أمامه، الرمز الخشبي المكسور "أعتقد أنهم يريدون أن يتركوني أنا وأنت وحدنا". وكان متأكدا، كما لو أنه في موضع ما من ذلك الماضي المنسي والمظلم قد عانى من عبء لا يطاق ولكن الآن قد تحرر منه.

وحل اليوم الذي يعتبره عيد ميلاد وكذلك الرجل الغريب.

-"سأقودك إلى المطار. هل انتهيت من حزم متاعك؟".

"ليس عندي أشياء كثيرة لأحزمها ولا أمتلك حقيبة".

"سأحضر لك حقيبة". وفعل ذلك. وعندما كان الرجل غائبا حزم العجوز المنحوتة الخشبية في سترته الاحتياطية اليتيمة ووضعها في الحقيبة بمجرد حصوله عليها وغطاها بقميصين وبعض الثياب الداخلية.

"هل هذا كل ما لديك؟".

"في عمري يحتاج المرء لأشياء قليلة".

"وماذا تحمل في جيبك".

"كتاب فقط".

"دعني أنظر إليه".

"لماذا؟".

"هذه هي التعليمات".

انتزعه من بين يدي العجوز ونظر لصفحة الغلاف."ليس لك الحق به. كيف وقع بيدك؟".

"إنه بحوزتي منذ أيام الطفولة".

"كان يجب أن يصادروه منك في المستشفى. سأبلغ عن المخالفة".

"لا يمكن أن تلوم أحدا. فقد حملته بالخفاء".

"ولكن أتيت مغميا عليك. ولم تكن قادرا على إخفائه".

"أتوقع أنهم انشغلوا بإنقاذ حياتي".

"هذا أسميه جريمة الإهمال".

"اأكر أن أحدهم سألني عنه. وأخبرتهم الحقيقة- كتاب عن التاريخ القديم".

"تاريخ ممنوع. سأحمله إلى الفرن لحرقه".

قال العجوز: "لكنه ليس بذي أهمية. أولا اقرأ فيه ولو القليل. وسترى".

"أنا لا أفعل ذلك. وأنا مخلص للجنرال".

"آه. أنت محق طبعا. والإخلاص فضيلة عظيمة. ولكن لا تهتم. فأنا لم أقرأ منه شيئا يذكر منذ سنوات.

وأفضل فصوله محفوظة هنا في رأسي. ولا يمكنك أن تحرق رأسي".

رد الرجل بقوله: "لا تعتمد على ذلك".

كانت هذه آخر كلماته قبل أن يصلا المطار، وهناك تبدل كل شيء على نحو غريب.

حيا ضابط بالبذة الرسمية العجوز وكان مجاملا جدا حتى أنه شعر أنه عاد إلى الماضي البعيد. يمكن القول إن الضابط حياه بطريقة عسكرية وقال: "طلب مني الجنرال أن أتمنى لك رحلة طيبة".

"إلى أين تأخذني؟".

لم يرد الضابط على السؤال، ولكن سأل الحارس المدني: "هل هذه هي كل أمتعته؟".

"كلها، لكن استبعدنا كتابه".

"دعني أفحصه". وقلب الضابط لينظر لصفحة العنوان. ثم قال: "طبعا أنت تؤدي واجبك. ولكن لا مانع من أن تعيده إليه، هذه الظروف استثنائية. فهو ضيف الجنرال، وعموما لا خطر الآن من كتاب من هذا النوع".

"القانون...".

"حتى القوانين تصبح قديمة وباطلة".

وكرر العجوز سؤاله بطريقة معدلة: "أي شركة سأسافر بها؟".

"وأنت بحاجة لتجديد معلومات يا سيدي. ليس لدينا غير شركة واحدة الآن- العالم أصبح متحدا".

"آه يا إلهي، آه يا إلهي، يا لها من تبدلات".

"لا تقلق يا سيدي، انتهى عصر التبدلات. العالم مستقر وبحالة سلم. ولم يعد للتغيير معنى".

"وإلى أين تأخذني؟".

"إلى مقاطعة أخرى. أربع ساعات طيران فقط. وبطائرة الجنرال الخاصة".

كانت طائرة مدهشة. كان فيها ما يمكن أن تقول عنه غرفة جلوس مزودة بالكراسي الواسعة، وتكفي لستة أشخاص فقط، ولكن يمكن تحويلها إلى أسرة: ومن خلال باب مفتوح وخلال مرورهم أمكنه مشاهدة حمام- لم يشاهد حمامًا منذ سنوات (الأستوديو الصغير الذي يعيش فيه مزود بالدوش فقط) وانتابته رغبة قوية لقضاء الساعات التالية ممددا في الماء الدافئ. وفصل بار الكراسي عن مطبخ، وعرض عليه مضيف خجول جدا أن يختار مما يبدو أنه شراب متنوع بعدد الأمم، لو أمكن لنا أن نتكلم عن أمم مختلفة في هذا العالم الموحد. وحتى ثيابه المتواضعة لم تؤثر بدرجة خجل واحترام المضيف. وربما هو ينكمش على نفسه لكل ضيف من ضيوف الجنرال مهما كان غير مناسب أو وضيع.

احتل الضابط مقعده على مبعدة كما لو أنه يود أن يتركه بسلام برفقة كتابه الممنوع، ولكنه شعر برغبة عميقة لهذا الهدوء والصمت. لقد تعب من الأشياء الحافلة بالمعميات: لغز الأستوديو الضيق الذي غادره، ولغز التوتر الذي لا يعلم غير الله مصدره، وهذه الطائرة العجيبة وأخيرا الحمام.. وعقله، كما يحصل غالبا، بدأ ينبش في ذاكرته، ولكنه توقف فجأة عند صوت صرير مباغت والظلمات التي أعقبته... كم عدد السنوات التي مرت؟. كان كما لو أنه يعيش تحت تخدير تام ولكنه الآن يتلاشى. وهو على متن هذه الطائرة الجبارة الخاصة انتابه دون إنذار الخوف من الذكريات التي تنتظره في حال استعادة وعيه الكامل. وبدأ يقرأ في كتابه، وانفتح أتوماتيكيا بسبب القراءة المستمرة على فقرة يعرفها عن ظهر قلب: "كان في هذا العالم الذي صنعه بيديه ولكن العالم لا يعرفه جيدا".وسمع صوت المضيف في أذنه يقول: "هل تريد بعض الكافيار، يا سيدي، أم كأسا من الفودكا، أم تفضل كوبا من النبيذ الأبيض دون نكهة؟".

ودون أن يرفع عينيه عن الصفحة التي يعرف محتواها قال: "لا، لا، شكرا لك. لست جائعا ولا أشعر بالعطش".

أعادت قرقعة الكأس التي أخفاها المضيف ذاكرته. وحاولت يده بتلقائية أن تضع شيئا على الطاولة أمامه، ولدقيقة من الوقت رأى أمامه مضيفا يعتني بغرباء أحنوا رؤوسهم، كان هناك صمت عميق ثم صدرت تلك القرقعة المخيفة وحل بعدها الظلام...

وأيقظه صوت المضيف. قال: "حزام الأمان يا سيدي. سنهبط في غضون خمس دقائق".

انتظره ضابط آخر في أسفل السلم وقاده إلى سيارة أكبر من السابقة. وحركت المراسم وآيات الاحترام والترفيه ذكرياته. ولم يشعر بالكآبة، كما لو أنه مر بكل ذلك في سنواته الماضية: وحرك يده بميكانيكية وانزلقت عبارة من فمه، قال: "أنا خادم الخادم"، وبقيت ناقصة عندما انصفق الباب.

وتحركت السيارة في الشوارع الفارغة باستثناء عدة أرتال أمام بعض المخازن. وعاد يقول "أنا خادم".

ارج الفندق كان المدير بانتظارهم. انحنى باحترام وقال للعجوز" أنا فخور باستقبال ضيف الجنرال شخصيا. وأتمنى أن تجد المكان مريحا خلال إقامتك القصيرة. كل ما عليك أن تأمر...".

ونظر العجوز بدهشة للطوابق الـ 14. وسأل: "كم ستطول إقامتي هنا".

"أنت حجزت ليلة واحدة".

وقاطعهما الضابط بسرعة قائلا: "و هذا يسمح لك بلقاء الجنرال غدا. أراد أن ترتاح الليلة جيدا بعد عناء رحلتك". وبحث العجوز في ذاكرته وتذكر اسما. كأن ذاكرته تعود له بأجزاء مكسرة.

"جنرال ميغريم؟".

"كلا. كلا. الجنرال ميغريم مات منذ 20 عاما مضت".

وحياه حارس وقف على الباب ببذته وذلك حينما دخلوا إلى الفندق. وكان الاستقبال جاهزا مع المفاتيح. قال الضابط: "سأدعك هنا، يا سيدي، وغدا سأحضر لأرافقك في الساعة 11. الجنرال سيقابلك في 11.30".

وقاده المدير إلى المصعد. وبعد أن ابتعد كلاهما بأمان التفت موظف الاستقبال إلى الضابط وقال: "من يكون هذا السيد؟. ضيف الجنرال؟. من هيئة ثيابه يبدو أنه معوز جدا".

"هو البابا".

"البابا؟. أي بابا؟". سأل الاستقبال، ولكن الضابط غادر الفندق دون أي رد.

وعندما غادر المدير انتبه العجوز أنه مرهق، ورغم ذلك فحص ما حوله بدهشة. وتلمس الفراش الطري السميك على السرير المزدوج. وفتح باب الحمام وشاهد طيفا من القوارير الصغيرة. وأقلقه أمر واحد وهو إخراج الرمز الخشبي الذي خبأه بحرص. وضعه أمام المرآة على طاولة الزينة. وألقى ثيابه على كرسي وكما لو أنه يطيع أمرًا تمدد على السرير. لو أنه فهم أي شيء مما يجري، لما قاوم النوم عينيه. ولكن أن لا يفهم أي شيء لم يمنعه من الاسترخاء في الفراش، ثم حل عليه النوم مباشرة، ومعه الأحلام، وعندما استيقظ تذكر جزءا منها.

كان يتكلم - وشاهد هذا بوضوح- وكلامه كان في اسطبل واسع لجمهور لا يزيد على دستة من الأشخاص.

على أحد الجدران صليب أبتر مع قامة شخص بذراع واحدة، مثل الذي أخفاه في حقيبته. ولكنه لم يتذكر ماذا قال، لأن الكلام كان بلغة - أو عدة لغات- هو لا يعرفها أو لا يتذكرها. وبدأ حجم الإسطبل ينكمش حتى أصبح لا يزيد على مساحة الأستوديو الصغير الذي أتى منه، وأمامه ركعت امرأة مسنة بجانبها بنت صغيرة. ولم تكن البنت على ركبتيها، ولكن نظرت إليه بنظرة استهانة وكان يبدو كأنها تقول له بصوت مسموع: "لم أفهم كلمة مما تقول. لماذا لا تستطيع أن تتكلم بشكل مناسب؟".

واستيقظ على إحساس مقلق بالسقوط واستلقى على سريره بيأس دون أن ينام في محاولة ليجد طريقة يعود بها إلى أحلامه ويبادل الطفلة كلاما يمكن أن تفهمه. حتى أنه جرب بعض الكلمات العشوائية. قال بصوت مرتفع: "باكس*" (آلهة السلام - المترجم). ولكنها كلمة أجنبية حتى على مسمعه. جرب غيرها "حب". وخرجت من بين شفتيه بسهولة، ولكن بدت له الآن كلمة شائعة تحتمل المعاني المتناقضة. ووجد أنه لا يعرف معناها شخصيا. فهي شيء ليست لديه عنه خبرات مؤكدة. ربما- قبل الصرير المفاجئ والظلام الذي تلاه - كان لديه طرف خيط، ولكن لو أن الحب له أهمية حقيقية لا بد إلا وأن تبقى ذكرى صغيرة منه.

وقاطع أفكاره المضطربة دخول النادل الذي أحضر له صينية مع قهوة وأنواع من الخبز والكرواسان لم يسبق له رؤيتها في المخبز الصغير الذي يحصل منه على وجباته القليلة.

قال: "طلب مني الكولونيل أن أذكرك يا سيدي أنه سيكون هنا في الـ 11 ليرافقك إلى الجنرال وثيابك الخاصة بهذه المناسبة جاهزة في الخزانة. إن نسيت أن تحضر معك شفرة للحلاقة بسبب السرعة ستجد شفرة وفرشاة وكل ما يلزم في الحمام".

قال للنادل: "ثيابي على الكرسي"، وأضاف على سبيل طرفة ودية: "عموما لم أحضر إلى هنا وأنا عار تماما".

رد يقول: "و لكن أخبروني أن أتخلص منها. وكل ما تحتاج له موجود هنا". وأشار للخزانة.

نظر العجوز لسترته وسرواله وقميصه وجوربيه. ولمرة إضافية حينما التقطها النادل بحذر، عادت له نفس الفكرة: أن الثياب تحتاج للغسيل. ولم بجد حكمة في سنواته الأخيرة من هدر تقاعده البسيط في المغاسل. فهو لم يكن يقابل من الناس وبانتظام غير الخباز، وبعض الرجال الذين يؤمنون به ويتبعونه، وأحيانا جاره الذي يتعمد أن لا ينظر إليه وحتى أنه يعبر الشارع ليتحاشاه.

يمكن للثياب الحديثة أن تكون ضرورة اجتماعية عند الآخرين، ولكن لم تكن لديه حياة اجتماعية. ابتعد النادل عنه فوقف بسرواله الداخلي يفكر بهذه المعميات. ثم جاءت دقات على الباب ودخل الضابط الذي أتى به.

"لماذا لم ترتد ثيابك بعد. ولم تأكل شيئا. الجنرال ينتظرنا بوقت محدد".

"النادل أخذ ثيابي".

"ثيابك في الخزانة". وفتح الباب وشاهد الرجل ثوبا أبيض وقبعة بيضاء. قال: "لماذا؟. ماذا تريد؟. ليس من حقي أن...".

"الجنرال يريد أن يكرمك. وسيكون هو ببذة كاملة أيضا. وهناك حرس شرف بانتظارك. عليك أن ترتدي بذتك مثله".

"بذتي؟".

"أسرع واحلق ذقنك. سيكون هناك بالتأكيد التقاط صور للصحافة العالمية. صحافة العالم الموحد".

أطاع النصيحة وفي غمرة اضطرابه جرح نفسه بعدة مواضع. ثم دون رغبة منه ارتدى ثوبه الأبيض وقبعته البيضاء. وكانت هناك مرآة طويلة على باب الخزانة فتفحص نفسه بها.

قال: "أبدو مثل كاهن".

"كنت كاهنا. واستعرنا هذه الأثواب من متحف البشرية العالمي لأجل هذه المناسبة. مد الآن يديك".

ففعل. كانت السلطة تتكلم. ووضع الضابط خاتما حول أحد أصابعه.

قال: "اضطر المتحف لإقراضنا الخاتم. تحت إصرار الجنرال. فهذه مناسبة لا تتكرر. من فضلك اتبعني".

وعندما هما بالمغادرة لفت انتباهه الرمز الخشبي الموضوع على طاولة الزينة. فقال: "لم يكن حريا بهم أن يسمحوا لك بحمله معك".

لم يرغب العجوز بالتسبب بمشاكل لأحد. قال: "أخفيته بحذر".

"لا عليك. يمكن القول إن المتحف سيسره أن يضمه لمجموعته".

"ولكن أريد أن احتفظ به".

"لا أعتقد ستحتاج إليه بعد أن تقابل الجنرال".

مرت السيارة عبر عدة شوارع خالية وغريبة قبل أن يبلغوا ساحة عريضة. وأمام ما يبدو أنه كان في أحد الأيام قصرا وقف صف من الجنود وهناك توقفت السيارة. قال له الضابط: "سنحط رحالنا هنا. لا تتوتر.

الجنرال يريد أن يستقبلك بحرس الشرف استقبالا مناسبا مثل رئيس دولة سابق".

"رئيس دولة؟. أنا لا أفهم".

"من فضلك. تقدمني".

أوشك العجوز أن يتعثر بالثوب لولا أن الضابط أمسك ذراعه. وما أن انتصب بقامته هناك بلغه صوت صرير وكاد أن يسقط للمرة الثانية. وفجأة عاوده ذلك الصوت الثاقب الذي سمعه سابقا، قبل أن يلفه بين طياته الخطر المجهول، لكنه الآن تضاعف عدة مرات. وتذكر الصدمة التي أوشكت أن تهشم رأسه وتشطره نصفين ومن تلك الفجوة بدأت ذكريات حياته تتسرب. وكرر: "أنا لا أفهم".

"هذه تشريفات".

نظر للأسفل نحو قدميه وشاهد ثنيات الثوب. لاحظ يديه وشاهد الخاتم. وانبعث صوت معدني. كان الجنود يقدمون سلاحهم.

ثم استقبله الجنرال باهتمام وعبر عن رأيه بصراحة فقال: "أريد أن تعلم اأني لم أكن مسؤولا عن محاولة قتلك بأي شكل. كان خطأ جسيما ارتكبه واحد ممن سبقوني، وهو الجنرال ميغريم. الأخطاء الجسيمة يمكن أن تقع في الأيام اللاحقة لأي ثورة. واستغرقنا مائة عام لتأسيس عالم موحد وسلام دولي. بطريقته كان ميغريم خائفا منك ومن الأتباع القليلين الذي استمروا معك”.

“خائف مني؟".

"نعم. يجب أن تفهم أن كنيستك مسؤولة عن عدة حروب تاريخية. نحن ألغينا الحرب".

"ولكنك جنرال. وشاهدت في الخارج عددا من الجنود".

"هم باقون لحماية السلام العالمي. وربما بعد مائة عام سيختفون أيضا مثل كنيستك".

"وهل اختفت كنيستي؟. ذاكرتي تخونني منذ فترة بعيدة".

قال الجنرال: "أنت آخر مسيحي على قيد الحياة. أنت شخصية تاريخية. ولهذا السبب رغبت بأن أحتفل بك".

وأخرج الجنرال علبة سجائر وقدمها له. وقال: "هل تود أيها البابا يوحنا أن تدخن معي. وآسف لأنني نسيت رقمك المتسلسل. هل أنت يوحنا الرابع عشر؟".

"البابا؟. آسف لأنني لا أدخن. لماذا تقول عني البابا؟".

أشعل الجنرال سيجارة وتابع: "أنت آخر بابا ولكنك لا تزال تحمل هذه الصفة. ويجب أن تعلم أننا لا نحمل ضغينة ضدك شخصيا. كانت لك منزلة عظيمة. ونحن نشترك بالعديد من المطامح. وبيننا أشياء متشابهة. وهذا أحد الأسباب التي جعلت الجنرال ميغريم يعتقد أنك عدو خطير. وما دام لديك أتباع أنت تمثل الخيار الثاني. وما دام هناك مجال للاختيار ستكون هناك حرب. ولكن أنا لا أوافقه على أسلوبه. أن يطلق عليك النار بتلك الطريقة السرية كما كنت تقول- أينحصل؟".

"في صلواتي؟".

"لا. لا. كان احتفالا عاما يحرمه القانون". وشعر العجوز أنه خسر. سأل: "صلاة الأحد؟".

"نعم. نعم، أعتقد أنها الكلمة الصحيحة. المشكلة في ترتيباته أنها يمكن أن تحولك إلى شهيد وتؤخر برنامجنا بما فيه الكفاية. من المؤكد أنه كان هناك دستة من الناس في - ماذا قلت عنه؟. صلاة الأحد. ولكن هذه الطريقة خطرة. وأدرك خليفة الجنرال ميغريم ذلك، أما أنا فقد تبعت الخط الآمن. لم نسمح للصحافة أبدا أن تشير لك ولو إشارة عابرة. أو لحياتك الهادئة بعد التقاعد".

"لا أفهم أبدا. اغفر لي. ولكن بدأت أتذكر بعد أن اطلق جنودك النار الآن...".

"حافظنا عليك لأنك كنت آخر زعيم لأولئك الذين يسمون أنفسهم مسيحيين. البقية انسحبوا دون مقاومة. يا لها من حزمة أسماء غريبة - شهود يهوة، اللوثريون، الكالفينيون، الأنغليكان. كلهم مع الزمن ماتوا على التوالي. أما جماعتك كانت تدعو نفسها الكاثوليك وحسب زعمهم هم الممثلون الحقيقيون لكل المسيحية رغم أن المذاهب الباقية قاتلتهم. وتاريخيا اأترض أنكم أول من نظم نفسه وكنتم تدعون أنكم أول من آمن وتبع ذلك النجار اليهودي".

قال العجوز: "أتساءل كيف كسر ذراعه".

"ذراعه؟".

"آسف. كان ذهني شاردا".

"تركنا ما بقي منك حتى النهاية لأنه لديك حتى الآن بعض المريدين ولأننا نشترك معكم ببعض الأهداف.

السلام الدولي، والقضاء على الفقر. ومرت فترة استفدنا فيها منك. استخدمناك للقضاء على الدولة الوطنية من أجل أشياء أهم. ولم تعد خطرا حقيقيا، وهذا جعل خطوة الجنرال ميغريم غير ضرورية أو على الأقل سابقة لأوانها. والآن نحن مقتنعون أن كل هذا الهراء انتهى، أصبح من المنسيات. لم يعد لديك أتباع، يا بابا يوحنا. راقبتك بدقة لما يزيد عن العشرين عاما الأخيرة. ولم يحاول شخص واحد أن يتصل بك. وليس لديك سلطة والعالم ينعم بالوحدة والسلام. وأنت لست عدوا يمكن أن نخشاه. وأنا أشعر بالأسف لك، على السنوات الطويلة والمتعبة التي مرت عليك في معتزلك. بطريقة ما الإيمان مثل التقدم بالعمر. لا يمكنه أن يستمر للأبد. الشيوعية تعبت وماتت، وكذلك الإمبريالية. والمسيحية ماتت أيضا ما عدا بالنسبة لك. وأعتقد أنك كنت بابا جيدا مثل بقية البابوات. اذهب، أنا أريد أن أمن عليك بتخليصك من تلك الظروف الكئيبة".

"أنا ممتن لك. ولكنها ليست كئيبة كما تعتقد. لدي أصدقاء. ويمكن أن أتكلم معهم".

"ماذا تعني يا رجل؟. كنت وحدك. وكلما خرجت من باب بيتك لشراء الخبز تكون وحيدا".

"كان ينتظر أوبتي. وأتمنى لو أن ذراعه غير مكسورة".

"آه، أنت تتكلم عن تلك المنحوتة الخشبية. يسعد متحف الأساطير أن يضمها لمجموعته. ولكن حان الوقت لتناول موضوعات خطيرة، بعيدا عن الأساطير. أنت ترى ذلك السلاح الموضوع على طاولتي. أنا لا أومن بعذاب الناس بلا ضرورة. مع احترامي لك. أنا لست الجنرال ميغريم. وأريد أن تموت برأس مرفوع.

تكون آخر مسيحي. وهذه لحظة تاريخية".

"هل تنوي أن تقتلني؟".

"نعم".

وشعر العجوز بالراحة، وليس الخوف. وقال: "سترسلني للمكان الذي حلمت به طوال آخر عشرين سنة من حياتي".

"إلى الظلام؟".

"آه، الظلام الذي عرفته هو غير الموت. فهو غروب للضوء فقط. وأنا شاكر لك".

"تمنيت أن تتناول آخر وجبة لك معي. كرمز. رمز على الصداقة بين اثنين ولدا ليكونا عدوين".

"سامحني، ولكنني لست جائعا. فلنبدأ بالإعدام".

"على الأقل، يا بابا يوحنا، اشرب معي كأس نبيذ".

"شكرا لك. سأقبل دعوتك".

وسكب الجنرال كأسين. واهتزت يده قليلا وهو يشرب كأسه. ورفع العجوز كأسه كما لو أنه يحييه. وقال بصوت خافت بعض الكلمات التي لم يسمعها الجنرال كما يجب، فقد كانت بلغة لم يفهمها. 'Corpus domini nostri ليحفظ جسد يسوع روحك...".

وما أن شرب عدوه المسيحي الأخير كأسه، حتى أطلق النار. وما بين الضغط على الزناد وانفجار الرصاصة مر بذهنه شك غريب ومرعب وتساءل: هل ميمكن أن ما يؤمن به هذا الرجل شيء صحيح؟.

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: كاروي باري

ترجمة: عامر كامل السامرّائي

***

لم يبقَ سوى بُعدَ الأقاصِ

وضجيج وقع خطى اليأسِ

والدمُ في العروقِ:

سربُ بجع-كالمِلح

يتزاحم في الأَورِدة الزرقاء،

 

لم يبقَ سوى نداء لا مناصَ منه،

أجهّزُ وجهي

في أصِيلٍ مُسَنّدٍ بشعاع

من قَرمَد- حرير براعم الزنابق، فمًا

ومن مَعْبَر الأيام أنفاً،

عيوناً من ذروة خَبَبٍ بلا صوتِ،

 

أجهّزُ وجه طفولتي،

جدارُ الدار يهمسُ بكلماتٍ مبهمةٍ

ويُسْمَعُ لها أزيزاً،

كأزيز سحابة تحلق بغنائم،

تَميل الشمس، على معالم جرح لا يندملْ..

وقعُ خطى هارب تسارعت لرؤية منزل

 

يَمثلُ الماضي

يتجلى

فتنكشف معالم خفية

هواءُ الصيف ينسجُ خيوطهُ النعيب

الشجيرات التي من خلفها

يلعب الغجر القِمار

ينبعث من بين شفاههم دخان

بقربهم برزخٌ من سديم،

أسيصبحُ الحاضرُ

ماضيا؟

أهي السماءُ تطرق على عتبات النوافذ؟

أم زنابقُ الحديقةِ رغوةً؟

قلقٌ؟

أتطلّعُ إلى نفسي،

أحقاً أنا، مَن يتجول في الحقول بلا ظلّ..

أأنا الذي، يركعُ جاثياً،

بين الأشجار المحشوة بالرماد

أنا

لحمٌ، ودمٌ، وعظام،

 

لم يَعد إلا الخراب

وإرجاءُ الحرمان

وتُظلِمُ، كما تتجلى الحياة

يزدادُ الصمت، أمام أفقٍ يلتهم قرص النار

ويبزغُ القمر مترنحاً من أعلى قمة الجبل

على الخواء الممدود،

في يدهِ مطرقة: قرعُ نواقيس طويل

أوجه العالم المطعون بإبرة التطريز

يَسْوَدُّ..

تَسْوَدُّ

التضاريسُ، والسهوبُ

والرسوماتُ المزوقة

على الأسوار الخرسانية لمحطاتِ السككِ الحديدية

وأمواجٌ تتقاسمُ الأسماك،

كُهُوف النساك..

والدول المبدلة للخرائط

 

للهاجعين مبكراً

للنائمين مبكراً

أنا أسأل، وأنا أجيب

- كيف كانت حياتك؟

- رغداً، بدقةٍ كما خُطْتْ،

كقصيدةِ قطٍّ ما كُتِبتْ

- للعدم، وجدوى الوجود؟

وزفير الانتظار يلفُّ كلَّ شيء

تتلامسُ الميادين..

 

وميضُ زوارقَ الدوريات يشقُّ عُمق الأنهرِ الجارية

خفقُ أجنحةٍ، وتوهجُ مصابيح لصوت النباح

رجلٌ في حلمهِ،

يهذي بصَخَب مع آخرين بلغةٍ مبهمة،

أناسٌ يقذفون بشخص إلى هوّةٍ سحيقة،

يتركونه هناك

لا يدري، ماذا حلَّ

الصبح، أم الظهر، أم المساء

لكنّه يعلمُ أنهُ لن يبرحَ الهاوية حياً

وهجٌ حاد يلفُّ المكان.

***

 

عادل صالح الزبيديبقلم: نعومي شهاب ناي:

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

300 ماعز

في حقول جليدية.

هل الماء جارٍ في الصهريج؟

هل ستجثم معا، أجسادا دافئة تضغط بعضها بعضا؟

(أ هو عام الماعز ام الخروف؟

يتجادل العلماء حول الأبراج الصينية،

تابعا او قائدا)

هيا قدها الى ركن دافئ،

جسوم صغيرة متجهة نحو جسوم اكبر.

قدها الى الدغل الذي يقطع الريح الجليدية.

ليلة قارسة أخرى تنقضّ—

أو لستِ قلقة عليها؟ هكذا سألت صديقتي

التي تعيش وحدها في حقل تربية المعيز،

بعيدا من هنا في بلدة اوزونا.

تهز كتفيها وتجيب: "لست كذلك حقا،

انها تعرف ماذا تفعل. انها معيز."

***

 

.........................

نعومي شهاب ناي:  شاعرة وروائية عربية أميركية ولدت في فلسطين عام 1952 لأب فلسطيني وأم أميركية. بدأت النشر مبكرا تحت تأثير أمها وأصدرت كتيبين شعريين عامي 1977 و1978 تحت عنوان (اذرع موشومة) و(من العين إلى الأذن)، إلا أن أول مجموعة شعرية مكتملة صدرت لها عام 1980 تحت عنوان (طرق مختلفة للصلاة) توالت بعدها عدة مجموعات منها (القفاز الأصفر) 1986، (الحقيبة الحمراء) 1994، و(وقود: قصائد) 1998، (نحلة العسل: قصائد وقطع نثرية قصيرة) وغيرها. نال شعر ناي جوائز عديدة وشغلت مناصب فخرية كثيرة. (تجدر الإشارة الى أن الأبراج الصينية الواردة في القصيدة هي اثنا عشر برجا تمثلها الحيوانات، احدها الماعز، وتحدد بالسنة القمرية لتتكرر دوريا كل اثنتي عشرة سنة. اما اوزونا فهي بلدة في مقاطعة كروكيت بولاية تكساس سميت بهذا الاسم لنقاء هوائها، اي عدم تلوث طبقة الأوزون فوقها.)

 

 

صحيفة المثقفبقلم: جاك بريفير

ترجمة: م.م. إيناس جاسم علي

***

حرك رأسه وقال: لا

وبقلبه قال:  نعم

نعم لما يحب، ولا  للأستاذ

واقفاً

سأله الأستاذ

كل المسائل ُطرحت

وفجأة

استسلم للضحك الهستيري

ومسح كل شيء

الأرقام والكلمات

التواريخ والأسماء

الجمل والألغاز

ورغم تهديد الأستاذ

وصرخات الاستهجان

التي يطلقها الأطفال الأذكياء

أخذ يرسم وجه السعادة بمختلف الألوان

على لوحة الحزن السوداء

***

 

.........................

جاك بريفير من ديوان (كلمات) 1945

*جاك بريفير شاعر وسينارست فرنسي ولد في 4 شباط  1900 في مدينة نويي على نهر  السين. وتوفي في 11 ابريل 1977 في أومونفيل. بعد نجاح ديوانه الشعري (كلمات) اصبح بريفير شاعراً شعبياً بفضل لغته البسيطة والقريبة من الناس . أشتهر في العالم الفرانكوفوني وُدرس شعره في المدارس الفرنسية كما أنه كتب عدة سيناريوهات خاصة للسينما.

 

عادل صالح الزبيديللشاعر: و. س. ميروين

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

ثلاث قصائد

اللغة

ثمة كلمات معينة توجد في نطاق معرفتنا لن نستعملها مرة أخرى، ولن ننساها أبدا. نحن نحتاجها. مثل قفا الصورة. مثل نخاعنا ولون أوردتنا. ننير مصباح نومنا عليها، كي نتأكد، وها هي ذي، بدأت ترتجف ليوم الشهادة. ستدفن معنا، وتبعث مع الباقين.

**

انفصال

غيابك قد اخترقني

مثل خيط يخترق إبرة

كل ما افعله يغرز مع لونه.

**

مرثية

لمن سأريها

***

 

......................

و. س. ميروين (1927-2019) شاعر أميركي من مواليد مدينة نيويورك؛ تلقى تعليمه في جامعة برنستون حيث درس لغات الرومانس التي جعلت منه فيما بعد مترجما بارعا للشعر اللاتيني والاسباني والفرنسي. سافر الى فرنسا واسبانيا وانكلترة ليستقر في لندن خلال الخمسينات وليعمل في الترجمة. عند عودته إلى أميركا أصدر أولى مجموعاته الشعرية بعنوان (قناع للإله جانوس) التي اختارها الشاعر و. هـ اودن لتفوز بجائزة جامعة ييل للشعراء الشباب عام 1952 مثنيا في مقدمته لها على براعة الشاعر الشاب الفنية واللغوية. في العقد التالي بدأ ميروين بنشر مجاميع شعرية بشكل منتظم يظهر فيها تأثير الشاعرين والاس ستيفنز وروبرت غريفز فضلا عن المدرسة الصورية وتتناول موضوعات أسطورية ورمزية متنوعة. في عام 1960 أصدر مجموعة بعنوان (السكارى في الأتون) يظهر فيها تغير في الموضوعات ونزوع متزايد نحو الذاتية والشخصانية فتميز شعره خلال الستينات بجرأة التجريب في الأوزان والشكل الشعري والسردية غير المباشرة وقد بين ذلك في مقال له بعنوان (الشكل المفتوح) عام 1969 . تعد مجموعتاه (القمل) 1967 و(حاملو السلالم) 1970 (فازت هذه الأخيرة بجائزة البوليتزر) أفضل مجموعاته الشعرية وأبعدها تأثيرا. تميل مجموعاته الأخيرة إلى تناول بعض موضوعاته القديمة بأساليب جديدة وتتميز بمزيد من التكثيف الصوري والحلمية وتمجيد العالم الطبيعي. له أعمال عديدة في الشعر والنثر والترجمة وفازت أعماله بالعديد من الجوائز.