محمد صالح الغريسيشعر: لويز آكرمان

تعريب: محمد الصالح الغريسي

***

راكب السّفينة المظلمة، حين يسمع

 صخب الأمواج من حوله،

 ويرى مياه البحر الشّاسع المظلم،

ترتفع على مرمى البصر لتغمره،

*

دون أمل في الخلاص، وحين يُفْتَحُ الجسر مواربا

من بين الصّواري المرعوبة المعطوبة،

يرفع جبينه خارج الماء الّذي يغمره،

و يطلق في عرض البحر آخر صرخة.

*

صرخة بلا جدوى ! صرخة تمزّق القلوب !

ارتجفت لها الطّيور المحلّقة أو العابرة

خلف السّحاب من الرّعب،

بينما الرّياح الهائجة في الفضاء،

تردّد في خنقها وهي تصرخ.

*

مثلَ هذا المسافر في بحار مجهولة أتيه،

و أكاد أختفي وسط الأمواج الهادرة؛

الهوّة عند قدميّ، والغيوم فوق رأسي، 

تتراكم، تحيط بها الصّواعق من كلّ الجوانب.

*

الأمواج والسّماء يطوّقان ضحيّتهما،

يصارعان الضّجيج والظّلام بكلّ بسالة؛

و مركبي، بعد أن فقد صاريته،

ظلّ يجري بلا بوصلة:

 فريسة لصراعاته

*

 

لكن، هذه أمواج أخرى..

إنّها حقّا لعاصفة أخرى

تشنّ معارك في الفضاء المظلم؛

فالبحر أشدّ عمقا، والغرق بالذّات

لا مفرّ منه، وهو أكثر هولا.

*

إنّها للعبة جلبها الإعصار وهو الّذي يتحكّم فيها،

مليئة بالكنوز وبمعدّات السّفينة تغمرها المياه،

فهذه السّفينة المفقودة، محورها الإنسان،

و نحن هم الغرقى.

*

و طاقم السّفينة المذعور،

 يناور في الظّلّ دون جدوى؛

غير أنّ الرّعب واليأس والحزن

يجلس أمام دفّة القيادة،

يوجّهه القدر نحو حاجز صخريّ.

*

أنا إن لم أعترف، لست سوى قدر أعمى

صعد على ظهر سفينة غريبة معطوبة،

ثمّ، لا أريد أن أنتهي لقمة سائغة

 في فم ذلك القدر الأصمّ المتخاذل.

*

ما دام رفاقي ذوو الوجوه الشّاحبة،

قد بقوا صامتين،

مذهولين في خضمّ المحن العصيبة القصوى،

فعلى صوتي أن يزيل هذا الرّكام من اللّعنات

الّتي تتهاطل ضدّا السماء.

*

و لكي يتفجّر فجأة في دفق أكثر حيويّة،

كان لي وأنا أقاوم هجوم الأمواج السّوداء،

من كلّ القلوب ما يشبه مركزا وحيدا

تجمّعت فيه كلّ مشاعر الإحباط.

*

فلتهتزّ إذن نبراتي الجريئة بكلّ ما أوتيت من قوّة،

و لتختلج هذه السّماوات الصمّاء ذاتها من هول المفاجأة؛

فلا الأجواء ولا الأمواج الغبيّة كلاهما بحاجة إلى قشعريرة تثبت أنّهما قد فهما.

*

آه ! يا لها من صرخة مقدّسة، فليكن لكلّ صرخة احتضار:

أن تحتجّ، أن تتّهم وهي تتلاشى.

طيّب ! ها أنا ذا قد أطلقت صرخة الجزع والرعب الّذي لا ينتهي،

و استطعت أن أغرق.

***

لويز آكرمان

..........................

Le cri

Louise Ackermann (1813-1890)

Recueil : Poésies philosophiques (1871).

***

Lorsque le passager, sur un vaisseau qui sombre,

Entend autour de lui les vagues retentir,

Qu'a perte de regard la mer immense et sombre

Se soulève pour l'engloutir,

*

Sans espoir de salut et quand le pont s'entr'ouvre,

Parmi les mâts brisés, terrifié, meurtri,

Il redresse son front hors du flot qui le couvre,

Et pousse au large un dernier cri.

 

Cri vain ! cri déchirant ! L'oiseau qui plane ou passe

Au delà du nuage a frissonné d'horreur,

Et les vents déchaînés hésitent dans l'espace

À l'étouffer sous leur clameur.

*

Comme ce voyageur, en des mers inconnues,

J'erre et vais disparaître au sein des flots hurlants ;

Le gouffre est à mes pieds, sur ma tête les nues

S'amoncellent, la foudre aux flancs.

*

Les ondes et les cieux autour de leur victime

Luttent d'acharnement, de bruit, d'obscurité ;

En proie à ces conflits, mon vaisseau sur l'abîme

Court sans boussole et démâté.

*

Mais ce sont d'autres flots, c'est un bien autre orage

Qui livre des combats dans les airs ténébreux ;

La mer est plus profonde et surtout le naufrage

Plus complet et plus désastreux.

*

Jouet de l'ouragan qui l'emporte et le mène,

Encombré de trésors et d'agrès submergés,

Ce navire perdu, mais c'est la nef humaine,

Et nous sommes les naufragés.

*

L'équipage affolé manœuvre en vain dans l'ombre ;

L'Épouvante est à bord, le Désespoir, le Deuil ;

Assise au gouvernail, la Fatalité sombre

Le dirige vers un écueil.

*

Moi, que sans mon aveu l'aveugle Destinée

Embarqua sur l'étrange et frêle bâtiment,

Je ne veux pas non plus, muette et résignée,

Subir mon engloutissement.

*

Puisque, dans la stupeur des détresses suprêmes,

Mes pâles compagnons restent silencieux,

À ma voix d'enlever ces monceaux d'anathèmes

Qui s'amassent contre les cieux.

*

Afin qu'elle éclatât d'un jet plus énergique,

J'ai, dans ma résistance à l'assaut des flots noirs,

De tous les cœurs en moi, comme en un centre unique,

Rassemblé tous les désespoirs.

*

Qu'ils vibrent donc si fort, mes accents intrépides,

Que ces mêmes cieux sourds en tressaillent surpris ;

Les airs n'ont pas besoin, ni les vagues stupides,

Pour frissonner d'avoir compris.

*

Ah ! c'est un cri sacré que tout cri d'agonie :

Il proteste, il accuse au moment d'expirer.

Eh bien ! ce cri d'angoisse et d'horreur infinie,

Je l'ai jeté ; je puis sombrer !

Louise Ackermann.

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المَجَريّ (الغَجَريّ):

كاروي بَاري

ترجمة: عامر كامل السامرّائي

***

لم تخن أبداً أخاديد الأرض المفتوحة حتى قلبها،

تطرق ذئاب العُزْلَة الخرساء بابها كل ليلة،

تُدخِلهم، وتُهَدْهدَهُم إلى جَنْبها في السرير،

وبمخالب - كالمذراة،

يطرُدن القطط البرد من فناء دارِها،

يَنزلنَ في البئر ليُمسكنَ بالقمر،

يَجئنَ به، ويُعلقنَّه في مَطبَخِ أمي: أضيء!

*

تجلس أمي في مَطْبَخها

تتلوى في كفها وردة،

يَقضِمُ ضَفِيرتها

شعاع القمر المُسَمَّر على الحائط:

فتلمعُ عِقْصَتُها في ضوئِه.

*

في شُباكها تصدح ديَكة بريّة،

توقظُ الفجر

بحناجر لُحمت بنار،

وأمي جالسة،

ألا تراها؟ ابنها ايضاً جَانِبٌ بنفسه،

لا يأكل، يملأ قصائده بالنحيب،

يملأ قصائده بالنحيب، قصائده.

*

 في أخاديد الأرض المفتوحة حتى قلبها

 ستختبئ مَرّة،

سأبحث عنها:

وسأنتزع بأسناني من على وجهها

كل القبلات المتخثرة كالحجر،

وأَسِنُّ بعظامها

مِحراثها الذي ورثته.

 

بن يونس ماجنانا واحد من الغرباء فقط

***

 

By Ben Younes Majen

I’m just another stranger in town

I’m just another stranger on the street

So please ignore me

If you see me

Do not say hello

Just walk right on

Like you’ve never saw me before

 *

Just walk and walk right on

 *

I could swim the sea

And be noticed

I could fly the horizons

And be spotted by the clouds

But I’m just a stranger on this Earth

A specimen from the flow of the crowds

So just walk past me

Do not even stare at me

 *

I could wear a mask

Paint my face blue

Write a poem

Sing a song for you

Or sit on a park bench without you

 *

I could be famous

In my own way

Or an unknown entity

You can either take it

Or leave it

To rot in the obscurity

Don’t let that trouble you

So if you see me again

Just ignore me

Don’t nod or waive your hand

Because I’m just a stranger on your land

 

 

عامر كامل السامرائيللكاتب المجري: إشتفان أوركين

ترجمة: عامر كامل السامرائي

***

"مكالمة هاتفية في 12/ كانون الأول/1969"

- أتكلم مع الكاتب؟

- نعم.

- قرأت في الصحيفة تواً، بأنهم سيعرضون مساء اليوم في التلفاز مسرحيتك المعنونة "فورونييج"، وقرأت تصريحاتك أيضاً، فهل حضرتك نفس الشخصية؟

- نعم سيدتي.

- ذَكرت، بأَنكَ كَتبتَ تلك المسرحية وأنت في مخيم لأسرى الحرب. أَهذه حقيقة أَمْ قلتها لأجل الإثارة فقط؟

- بل حقيقة.

- أرجو المعذرة، لأنني اتصلت بكم من دون سابق معرفة، لكنني أود أن اذكر اسماً فقط، واحبُ أن اعرف إِن كنتم تتذكرونه أَمْ لا. فهل باستطاعتي ذِكرِه الآن؟

- تفضلي.

- بيتر بوغنار.

- بيتر بوغنار.

- نعم أنا أُمُه.

- أعتذر جداً سيدتي. لا أتذكر اسم ابنكم. أين تظنين التقيت به؟

- في أيار عام 1942 استدعي ابني إلى الجبهة، وحضرتك كنت في (فورونييج)؟

- نعم.

- أرسل لي مع رفيقه الذي عاد إلى الوطن معوقاً، قصاصة ورق كَتب فيها "نحن في كوشينتشكو".

- أهو الذي رآه آخر مرة؟

- ليس هو. فقد وصلتني منه رسالة ثانية من مخيم "تامبوف" لأسرى الحرب.

- أنا أيضاً كنت هناك سيدتي.

- حضرتك أيضاً؟ في تامبوف؟ ولم تتذكر بيتر بوغنار؟

- كنا الآف المجريين هناك. وماذا كتب ابنكم العزيز من هناك؟

- في عام 1942 عاد إلى الوطن شاب من مخيم تامبوف، وجلب معه قائمة طويلة بأسماء الأسرى الذين كانوا يعيشون هناك.

- هذا غير ممكن سيدتي.

- ما الذي تريد قوله؟ ما هو غير الممكن؟

- أرجو المعذرة، لا اقصد إلامك، فربما أخطأت برقم السنة. ففي عام 1943 لم يستطع أحد العودة إلى الوطن من تامبوف.

- أنا كلمته شخصياً. كان عبارة عن جلد وعظم. وقد أراني اسم ابني في القائمة.

- حصل هذا بالتأكيد، ولكن ليس في عام 1943.

- لماذا ليس في عام 1943؟

- لأن تامبوف تقع في الشرق، وبعيدة، في أقصى الاتحاد السوفيتي، وكانت الحرب آنذاك على أوجها، لذلك لم يتمكن أحد من العودة إلى الوطن. ليس في تلك السنة فحسب بل وفي السنة التي تلتها. وحتى في عام 1945 كان من النادر أن يحدث مثل ذلك.

- إذن لندع أرقام السنين. حضرتك كم بقيت في تامبوف؟

- ما يقارب الثلاث سنين.

- ولم تتذكر بيتر بوغنار؟

- كنا كثيرين جداً، وتغيرنا باستمرار، إضافة إلى أن قابليتي على تذكر الأسماء سيئة. ولكن عدم تذكري هذا لا يعني شيئاً. فاذا كان ابنكم قد وصل إلى مخيم تامبوف فمن المؤكد إنه لم يكن من المفقودين.

- أن يكون ابني قد فُقد؟ كيف استنتجت ان ابني مفقود؟

- أنا لم أقل ذلك سيدتي، بل بالعكس تماماً. نحن فقدنا ستين ألف قتيلاً في فورونييج، من بينهم عشرات الألوف اختفوا دون أثر. بعدها همنا على وجوهنا نتخبط بشكل عشوائي خلف خطوط الجبهة لعدة أسابيع، ولكن الذي استطاع الوصول إلى مخيم تامبوف مثلاً، فهذا قد ترتبت أموره ضمن تلك الظروف. فسجلوا اسمه في سجل، وكانوا يقرأون الأسماء بالترتيب يومياً، ويقدمون المواد الغذائية، وكذلك أرسَلوا إلى المستشفى من أصيب بمرض... فاذا كان ابنكِ هناك فبالتأكيد لم يكن من المفقودين.

- لكنك لم تتذكره؟

- كلا، للأسف. لقد مضت أعوام طويلة على ذلك.

- كان ابني صديقاً حميماً ل "إِمْرهَ شالايي". هذا أيضاً لا تتذكره؟ كان عضواً في الحزب قبل استدعاءه للجبهة بسنين. ألم تسمع عنه حتى بهذه الصفة؟

- كلا، يا سيدتي.

- ولكن مثل هذه الأمور واضحة مهما بلغ عددهم.

- هذا صحيح.

- لو كنتَ مع أسير كهذا، فهل ستستطيع نسيانه؟

- لا أريد أن أحزنك يا سيدتي..

- لكنني أُريد أن أعرف. هل بإمكانك خلال سبعة وعشرين عاماً أن تنسى صديقاً مثل "إِمْرهَ شالايي"؟

- كلا، ما كنت سأنساه سيدتي.

- قل لي بصراحة. هل تظن أن ابني لم يكن في تامبوف؟

- أنا لم أقل ذلك سيدتي.

- قبل قليل قلت إن ذلك الشاب لم يعد إلى الوطن من تامبوف.

- قلت فقط، إنه لم يكن باستطاعته العودة إلى الوطن في عام 1943.

- أنتظرُ عودته منذ سبعة وعشرين عاماً. إنه ابني الوحيد. منذ ذلك الوقت فقدت زوجي أيضا. مع ذلك، أرجوك لا تشفق عليَّ، فأنا أريد معرفة الحقيقة، الحقيقة الساطعة. إذا لم يعد الشاب من تامبوف، فمن أين كتب لي ابني؟

- الجواب على هذا صعب سيدتي.

- انتظرْ لحظة من فضلك، لقد تبادر إلى ذهني شيء ما. ألا يوجد بطريق الصُّدْفة في الاتحاد السوفيتي مدينتا تامبوف؟

- تقصدين مدينتين بنفس الاسم؟

- ولمَ لا؟ إحداهما التي كنت فيها حضرتك، والأخرى التي كتب منها ابني. أهذا مستحيل؟

- ليس مستحيلاً.

- هاا، اليس كذلك؟ القائمة رأيتها بأم عيني، والشاب قابلته أيضاً، لقد كان عبارة عن جلد وعظم... هو الذي جاء من تامبوف الثانية، لأنه لا يوجد تفسيرٌ آخر لهذه القضية.

- في الحقيقة ليس هناك تفسيرٌ آخر.

- ولذلك لم تلتقِ حضرتك بابني؟

- لذلك لم التقِ به سيدتي.

 

عادل صالح الزبيديللشاعرة: امتياز داركر

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

جميع الناس يرتدون السواد.

خارجين من مواقف المواصلات،

متزاحمين في الحافلات، عابرين الشوارع،

متكدسين في المصاعد

*

يبدون مثل حروف هاربة

من الكلمات التي أحاول جاهدا أن افهمها.

ليس هناك طريقة لإصلاحهم

تجعلهم الحركة والمرايا والزجاج المصدع

ضبابيين كما هم.

*

957 امتياز داركرأحاول أن أدوّنـَك

على هذا الفراغ الأبيض

بخط غير مختزل، ابعث فيك الهدوء

ابعث فيك السكينة

أحيطك بذراعيّ،

ألمس وجهك،

أتحسس وجنتك،

 أضمك وقتا

يكفي لأن تقرأ

الكلمات التي كنا نركـّبها

 

.................

شاعرة وفنانة وصانعة أفلام وثائقية بريطانية باكستانية ولدت في مدينة لاهور بولاية البنجاب عام 1954 من أبوين باكستانيين هاجرا الى اسكتلنده ليستقرا في غلاسكو مع طفلتهما الرضيعة. نشرت عدة مجموعات شعرية منها (بطاقات بريدية من الرب) 1997؛ (أتكلم باسم الشيطان) 2003؛ (الإرهابي على مائدتي) 2006 و(فوق القمر) 2014. تعد امتياز داركر من ابرز شعراء بريطانيا المعاصرين وقد نالت جوائز عديدة وتبوأت مناصب أدبية مرموقة. نترجم قصيدتها هذه بمناسبة رفضها منصب شاعر البلاط البريطاني مؤخرا فمنح للشاعر سايمون آرميتاج.

 

صحيفة المثقفقصائد نثر للشاعر الروسي: إيفان تورجينيف

Poems in prose

ترجمة: قحطان جاسم

***

"عصفور الدوري"

كنت عائدا من الصيد،

أتمشى على طول جادة الحديقة،

وكلبي "تريزور" يركض أمامي.

فجأة أبطأ خطواته، ثم بدأ النظر الى الأمام كأنه يتعقب صيداً.

نظرت على طول الممر، رأيتُ عصفور دوري على الأرض،

تحيط الصُفرةَ منقاره وأسفل رأسه.

كان قد سقط للتو من العش (كانت الريح قد هزت اشجار البتولا، بعنفٍ، على طول الممر)،

وجلس  غير قادرٍ على الحركةِ،

مرفرفا بجناحيه الصغيرين بيأس.

كان كلبي يقترب ببطء منه، عندما أندفع عصفور دوري أسود،

نازلا من شجرة قريبة كالحصاة، أمام أنفه تماما،

منفوش الريش، مفزوعا، بزقزقات يائسة وشفوقة،

أفرد جناحيه مرتين أمام الفكين الفاغرين ذات الأسنان اللامعةٍ.

قفز لينقذَ فرخَه؛ ألقى بنفسه أمامه..

لكن كلّ جسده الصغير كان يرتعش رعبا؛ إنذاره كان قاسيا وغريبا.

كان متهالكا من الذعر، مضحيا بنفسه –

أيّ وحش هائل قد بدا الكلب له !

ومع ذلك، لم يمكنه أن يبق على غصنه العالي بعيدا عن الخطر..

قوة أقوى من إرادته دفعته الى الأسفل.

وقف تريزوريّ ساكنا، وانسحب..

فقد ادرك هو ايضا هذه القوة بجلاء.

أسرعت وطلبت من الكلب السائب أن يتوقف،

وابتعدنا مفعمين بالإحترام.

بلى! لا تضحك. شعرت بالإحترام لذلك الطائر البطل الصغير،

لباعث حبه .

الحب، فكرتُ، هو اقوى من الموت أو الخوف من الموت.

الحب هو الوحيد المعين والمحرك للحياة.

1878 نيسان

***

"حساء الكرنب"

مات الأبن الوحيد للفلاحة الأرملة،

الفتى ذو العشرين، وأفضل عامل في القرية.

السيدة مالكة الإقطاعية، عند سماعها عن محنة المرأة،

ذهبت لزيارتها في نفس يوم الدفن، فوجدتها في البيت.

واقفة في وسط الكوخ، أمام الطاولة.

كانت تغرف بيدها اليمنى، دون استعجال،

وبحركة متناسقة، حساءَ الكرنب (يدها اليسرى متراخية وممتدة بلا حياة الى جانبها)

من قعر قدر إسوّد من السخام،

وتبلعه ملعقة بعد ملعقة.

*

كان وجه المرأة صفيقا وقاتما،

عيناها حمراوان ومتورمتان..

لكنها حافظت على صلابتها واستقامتها كأنها في كنيسة.

بحق السماء ! فكرت السيدة،

"كيف بوسعها أن تأكل في مثل هذه اللحظة..

أيّ مشاعرٍ فظة لديهم حقا، كلّهم !"

*

في تلك اللحظة تذكرت السيدة، أنّها، لبضع سنوات خلت،

عندما فقدت إبنتها ذات التسعة أشهر، رفضت وهي في حزنها،

قصرا ريفيا جميلا قرب بيترسبورغ، وقضت كل الصيف في المدينة!

في هذه الثناء واصلت الفلاحة إبتلاع حساء الكرنب.

لم تتمالك السيدة نفسها في النهاية. " تاتيانا" قالت..

أنا مندهشة حقا !  هل من الممكن أنك لا تعيرين أهمية لابنك ؟ كيف لم تفقدي شهيتك ؟ كيف يمكنك أن تأكلي ذلك الحساء !

ولدي فاسيا مات، قالت الفلاحة بهدوء، وانهمرت دموع الأسى مرة اخرى على خديها الغائرين " إنها نهايتي أيضا، بالطبع؛ أنه ينزع قلبي مني حيّة. لكن ينبغي عدم ضياع الحساء ؛ فثمت ملح فيه.

هزّت السيدة كتفيها فحسب وغادرت. لم يكلفها الملح كثيرا.

أيار 1878

***

"ثريان"

عندما اسمع المدائح عن الرجل الغني روتشيلد، الذي وهب من ثروته الكبيرة آلافا كاملة لتعليم الأطفال، رعاية المرضى، ولدعم العجزة، أبجّله ويهزّ مشاعري.

لكن حتى وأنا أوقره ومتأثر به،

لا يسعني إلاّ أن أتذكر عائلة الفلاح البائسة التي استقبلت حفيدتها اليتيمة

لتعيش معهم في كوخهم المتداعي الصغير

" أذا أخذنا كاتكا " قالت المرأة" فسنصرف آخر فاردينغ  لدينا عليها"

ولن يكون لدينا ما يكفي للحصول على ملح لتمليح قطعة خبز لنا."

"حسنا" سنأكله بدون ملح، أجاب زوجها الفلاح.

ولذا فأمام روتشيلد طريق طويل ليصل ذلك الفلاح.

July 1878

***

"اللغة الروسية"

في أيام الشك،

في ايام التأملات الكئيبة عن مصير بلادي،

أنتِ، الفن الوحيد

يا لغتي الروسية العظيمة، الحرّة  والصادقة!

بقائي ومعيني،

لكن، كيف لا أنغمر من أجلكِ في اليأس،

وأنا أرى كلّ ذلك الذي يجرى في البلاد ؟

لكن مَن بوسعه أن يفكر أن لغةً كهذه، ليست موهبة شعب عظيم !

June 1882.

***

"الاحمق"

عاش ثمتَ أحمق،

عاش لفترة طويلة في سلام ورضى؛

لكن إشاعات بدأت تصل اليه تدريجيا؛

أعتبر من كل النواحي مثل غبي سُوقيّ

خَزِيَ الأحمق وبدأ يفكر بكآبة

كيف يمكنه أن يضع نهاية لتلك الشائعات الكريهة

فكرةٌ مفاجأةٌ أضاءت عقلَه الصغير البليد..

وبدون أقل تأخير، وضعها قيد التطبيق.

إلتقاه صديق في الشارع، وطَفِقَ يمدح رسّام مشهور..

" عجيب !" صاح الأحمق، " ذلك الرسام  أنتهى منذ فترة طويلة..الا تعرف هذا ؟ لم أتوقع منك ذلك ابدا..أنت متخلف عن ركب الزمن تماما."

إرتعب الصديق، ووافق الأحمقَ فوراً.

" مثل هذا الكتاب الرائع قرأت البارحة !" قال صديق آخر اليه.

" عجيب" صاح الأحمق، استغرب انك لست خجلاً. ذلك الكتاب غير مفيد لأي شيء؛

الجميع فهموا حقيقته منذ فترة طويلة. الا تعرف هذا ؟ أنت متخلف عن ركب الزمن تماما."

إرتعب هذا الصديق أيضا، ووافق الأحمق.

" ايّ زميل رائع صديقي ن.ن.!" قال صديق ثالث الى الأحمق. " الآن، ثمت مخلوق كريم حقا !"

" عجيب" صاح الأحمق " ن.ن. وغد مشهور ! خان كل علاقاته. كل فرد يعرف هذا.

أنت متخلف عن ركب الزمن تماما !

الصديق الثالث كان مرتعبا ايضا، ووافق الأحمق وتخلى عن صديقه.

أيّا كان ومها كان الممدوح في حضور الأحمق، فلديه ذات الإجابة عن كل شيء.

بعض الأحيان يضيف بتأنيب: " وهل مازلت تؤمن بالسلطات؟

"حقود ! خبيث !" بدأ اصدقاؤه يقولون عن الأحمق." لكن أيّ عقل !

" وأيّ لسان !" سيضيف آخرون، " أوه، نعم، أن لديه موهبة !"

وانتهى الأمر عند محرر صحيفة مقترحا على الأحمق أن يتولى تدقيق عمودهم (اليومي).

وراح الأحمق ينتقد كلّ شيء وكل وفرد بدون أن يغير، على الاقل، اسلوبه، أو صيحات تعجبه.

الآن هو الذي خطب ضد السلطات، يكون نفسه سلطة، والشباب يوقرونه ويخافونه.

وأيّ شيء آخر بوسعهم أن يفعلونه؟ ورغم أن على الفرد، كقاعدة، أن لا يبجلّ أي شخص..لكن في هذه الحالة، اذا لم يبجله أحد، سيجد الفرد نفسه متخلفا عن العصر!

يملك الحمقى وقتا طيبا بين الجبناء.

April 1878.

***

....................

* في عام 1985 كنتُ قد نشرت، وبأسم مستعار ق. المالكي، بعضا من قصائد نثر لإيفان تورجينيف في صحيفة " صوت الرافدين" التي كانت تصدر في سوريا، وفي مجلة القاعدة الفلسطينية، واليوم أعيد نشر عدد من هذه القصائد اضافة الى قصائد جديدة .وعلى حد علمي لم تترجم تلك القصائد الى العربية باستثناء خمس قصائد  ترجمها عن الروسية ونشرها في صحيفة إياف السعودية عام 2005 الكاتب برهان الشاوي، وفيها واحدة من قصائدي المنشورة آنذاك، والتي أعيد نشرها هنا ايضا، واعني بها " حساء الكرنب". لم تختلف ترجمته كثيرا عن ترجمتي تلك الا في بعض مواضع قليلة، رغم انه ترجمها عن النص الاصلي.

أعيد اليوم ترجمة تلك القصائد مضيفا اليها قصائدا جديدة، ولا تختلف ترجمتي الحالية عن الترجمة الاولى، باسثتناء وجود بعض الاختلافات الطفيفة، التي تعود أما الى قلّة خبرتي آنذاك،  أو الى أن النصوص التي نقلتُ عنها تختلف بعض الشيء عن النصوص الحالية التي أنقل عنها.

يمكن أن اضيف هنا، أن ترجمة  نص عن لغة غير اللغة الأم للنص المترجم عنه، ليس بمثلبة أو إساءة أو يقلل من قيمة النص المترجم لو كان مترجما عن لغته الاصلية، إذا تم نقل النص عن  ترجمة رصينة لمترجم يمتلك خبرة طويلة عن تلك اللغة.

تكمن اهمية هذه القصائد في أنها تكشف جانبا مهما، وهو أن قصيدة النثر لم يكن روادها الفرنسيون فقط، بل تستمد عناصرها من جهات مختلفة في العالم.

طبعت قصائد تورجينيف النثرية لأول مرة في جريدة " البشير الاوربي" في عام 1882،سمّاها. وقد أوضح في واحدة من رسائله، التي عزم أن تكون مقدمة للقصائد :" اعزائي“ Senelia”

القرّاء، لا تقرؤوا هذه القصائد دفعة واحدة، إذ أنها من المحتمل أن تنهككم، وبالتالي، سينزلق الكتاب من بين يديكم. اقرؤوها منفصلة واحدة اليوم، واحدة غداً، وفيما بعد، ستثير واحدة منها، أو أكثر في قلوبكم شيئا ما، حتما ".

أما في طبعة جريدة "البشير الاوربي" فقد جاء :"  أن تلك الملاحظات والافكار والتصورات العابرة التي دوّنها الشاعر تحت إنطباعات الحياة المعاصرة، العلنية والسرية، كانت للسنوات الخمس من عام 1978 حتى عام 1882.

* ستصدر ترجمتي لقصائد النثر لإيفان تورجينيف كاملة خلال هذا العام. 

* بعض هذه القصائد ترجمت عن مجلة الأدب السوفييتي 1983، ع .12، والبعض الآخر تُرجمت عن  شبكة الأدب .

 

عامر كامل السامرائيللكاتب التشيكي: هاشيك ياروسلاف

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرائي

***

أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان، هو أن يقع بين براثن سيدة تحب الأدب، والتي تدعو عشاق الكتاب إلى صالة بيتها ليتجمهروا حولها، وتقيم لهم لقاءات أدبية يتم خلالها تقديم الشاي وقطعتين من الكعك هي نصيب كل صديق للكتاب.

حقاً، ما كان ينبغي عليَّ الذهاب إلى دار السيدة - هرزانوفا - لحضور حفلة الشاي الأدبية لكنني رغبت في تلبية دعوة صديقي، الذي أقنعته مرة بأنني أملك في بيتي نسخة أصلية من ديوان الشاعر الفارسي حافظ مجلدة بجلد بشر. فقام صديقي بنشر هذا الخبر بين محبي الأدب وراعيتهم السيدة هرزانوفا التي عبرت عن رغبتها بتقديمي لها للتعارف.

في الصالة وجدت 12 وجهاً متحمساً، كنت أرى في بعضها الأدب العالمي نفسه يحملق بي. كان مجيئي موضع ترحيب وسرور واضح. وفي رأيي أن صاحب كتاب كهذا مغلف بجلد بشر للشاعر حافظ يستحق بجدارة أن يكون من نصيبه أربع قطع من الكعك. فعليه التقطت من الصحن أربع قطع من الكعك، بحيث لم يبقَ للآنسة صاحبة النظارات الجالسة بعدي شيء، فبلغت بها الحسرة بسبب ذلك إلى الحد الذي جعلها تتحدث عن غوته وكيفية اختيار الأقارب.

جلس أمامي شاب يبدو وكأنه مؤرخ أدب، وبشكل مفاجئ وجه لي سؤالاً على النحو التالي:

- هل جنابكم تعرفون غوته بالكامل؟

فأجبته بجدية:

- من رأسه حتى أخمص قدميه.

كان الشاب يحتذي حذاءً أصفرَ ذا شرائط وعلى رأسه قبعة بُنية اللون من جلد الماعز، ويعمل رقيباً للضرائب في دائرة جمارك الأغذية، ويسكن في شارع الراهبات في غرفة بإيجارٍ شهري.

نظر إليَّ أصدقاء الكتاب بشيءٍ من الأسف والامتعاض، ولكي تُغشي السيدة المضيفة على هذا الحَرَجْ سألت:

- حضرتك أيضاً من المهتمين بالأدب جداً اليس كذلك؟

فـأجبتها:

- سيدتي الموقرة، في وقت ما قرأت العديد من الكتب منها: الفرسان الثلاثة، وقناع الحب، وكلب بيشكرفيلي، وروايات أخرى، وقد كان جاري يحتفظ لي وبشكل مستمر بالروايات الست السياسية المسلسلة لكي أقرأها كلها مرة واحدة أسبوعياً. كنت مهتماً بالقراءة بشكل غير معتاد، وكنت أتوق دائماً لمعرفة هل ستقبل الكونتيسة ليونا بالزواج من القزم ريتشارد الذي لأجله قتلت والدها، والذي بدوره أطلق الرصاص على خطيب ليونا وأرداه قتيلاً بسبب الغيرة. نعم، فعلاً للكتاب سطوة عجيبة. وعندما ساءت أحوالي، قرأت شاب ميسينا. ذلك الشاب المسكين الذي صار لصاً وهو لا يزال في التاسعة عشر من عمره. وكان يُدعى لورينسو. بالتأكيد، قرأت الكثير، ولكن ما عدت أقرأ. لا تهمني الكتب مطلقاً.

امتقعت وجوه أصدقاء الكتاب تماماً، فسألني شخص طويل القامة ذو عينين شائكتين، بحزم وبصوت جارح وكأنه قاضي تحقيق:

- هل تهتم بأميل زولا؟

- لا أعرف عنه سوى القليل – قلت – ولكنني سمعت أنه سقط في حصار باريس أثناء الحرب الفرنسية -الألمانية.

- تعرف من هو موباسان؟ - سألني ذات الشخص غاضباً.

- قرأت له كتاب لمحات عن سيبيريا.

- أخطأت حضرتك! – تأوهت بها الآنسة صاحبة النظارات التي تجلس بقربي:

- حكايات عن سيبيريا كتبها كورولينكو و سيروسيفسكي، و موباسان كاتب فرنسي!

- ظننته هولندياً – قلتها بهدوء. – ولكن ما دامه فرنسياً فلربما هو الذي ترجم قصص سيبيريا تلك للغة الفرنسية.

- ولكنك تعرف تولستوي اليس كذلك؟ - سألت السيدة صاحبة الدعوة.

- شاهدت تشييعه في السينما. ولكن من وجهة نظري، شخص بهذه الشهرة مثل تولستوي الذي اكتشف عنصر الراديوم، كان يستحق تشييعاً أكثر بهاءاً.

خيم الصمت في الصالة لعدة لحظات. مؤرخ الأدب الذي يجلس قبالتي، شخصني بعينين محمرتين وسألني بصوت لاذع:

- غير أنك بالتأكيد تعرف الأدب التشيكي جيداً؟

- ببيتي تستطيع أن تجد في دولاب ملابسي الداخلية كتاب الأدغال، أظن هذا يكفي – قلتها بشموخ.

- ولكن كيبلينغ كاتب إنكليزي! – قالها باكياً ودفن وجهه بين كفيه سيد غلب عليه الصمت طوال الوقت.

- لم أتكلم عن كيبلينغ! – صرخت شاعراً بالإهانة.

- أتحدث عن توجيك مؤلف كتاب الأدغال.

سمعت رجلين وقورين يهمسان، بأنني حيوان، هاذان الشخصان المجهولان كانا يهمسان بصوت عالٍ لكي يُسمعاني ما يقولان.

توجه نحوي شاب طويل الشعر شاحب الوجه شابك يديه وكأنه يُصَلّي.

- حضرتك لا تفقه من جمالية الأدب شيئاً، ولستَ قادراً على تقييم الأسلوب، ولا على معرفة الترتيب الرائع للجُمَل، بل حتى الشِعر لا يثير حماسك. هل سمعت بتلك القصيدة العاطفية للشاعر ليلينكرون، التي يستشعر بها جمال الطبيعة: "يسير الغمام عالياً، الغمام الأزرق يحلق فوق الجبال وفوق الهضاب، وفوق حزام الغابات غامقة الخضرة"؟

وأكمل رافعاً صوته ومتكئاً على كتف صديق الأدب الجالس بقربه:

- وماذا تقول في نار دانونزيو؟ ليتك قرأت احتفالات البندقية، إنها تمثيل جميل ومعبّر للحب الذي يدور في خلفية الرواية...

نظر إلى مصباح الغاز، ومسح على جبينه منتظراً بماذا سأجيب. فقلت:

- بالفعل لم أفهم تماماً لماذا أضرم النار دانونزيو هذا في أوقات الأعياد؟ بِكَم حُكِمَ عليه؟

- دانونزيو أشهر شاعر إيطالي – أوضحت لي بلا كلل الآنسة صاحبة النظارات.

- غريب – قلتها ببراءة ملائكية.

- ما الغريب في هذا؟ سأل صارخاً أحد السادة الذين لم يتفوه ولو بكلمة يتيمة لحد تلك اللحظة. – وأضاف، هل حضرتك تعرف ولو شاعراً واحداً من شعراء إيطاليا على الإطلاق؟!

أجبته بشكل مهيب:

- بالطبع. روبنسون كروسو!

نظرت حولي مثل قائد حرب منتصر.

أما محبي الأدب الاثنا عشر وأصدقاء الكتاب فقد شابت رؤوسهم في تلك اللحظة، فحملني محبي الأدب وأصدقاء الكتب أولئك الاثنا عشر الذي شابوا بوقت مبكر وقذفوا بي جميعهم وبقوة من نافذة غرفة الطابق الأرضي إلى الشارع.

 

.................

نبذة عن الكاتب:

ياروسلاف هاشَك : كاتب تشيكي ولد في 30 أبريل عام 1883 وتوفي في 3 يناير عام 1923.

كان صحفياً وكاتباً فكاهي وبويهيمي فوضوي. اشتهر بروايته " The Good Soldier Švejk"، وهي مجموعة غير منتهية من الحوادث الهزلية حول جندي في الحرب العالمية الأولى وهجاء لاذع لشخصيات السلطة عديمي الكفاءة. تمت ترجمة تلك الرواية إلى حوالي 60 لغة، مما يجعلها الرواية الأكثر ترجمة في الأدب التشيكي.

 

نور محمد يوسفقصة: ريموند كارفر

ترجمة: نور محمد يوسف

مراجعة: محمد عبد الكريم يوسف

***

في وقت مبكر من ذلك اليوم، تغير الطقس وبدأت الثلوج في الذوبان في المياه القذرة. كانت خيوطه تهبط من النافذة الصغيرة العالية التي تطل على الفناء الخلفي. كانت السيارات تزدحم بالشارع في الخارج، والظلام بدأ يحلّ. ولكن كان الظلام يحل في الداخل أيضًا.

كان في غرفة النوم وهو يحشو الملابس في حقيبة عندما جاءت إلى الباب.

أنا سعيدة لأنك ترحل! أنا سعيدة لأنك ترحل! قالت. هل تسمعني؟

تابع وضع الأشياء داخل الحقيبة.

يا ابن الكلب ! أنا سعيدة للغاية لأنك ترحل! ثم بدأت في البكاء. لا تستطيع حتى أن تنظر في وجهي، أليس كذلك؟

ثم لاحظت صورة الطفل على السرير والتقطتها.

نظر إليها وهي تمسح دموع عينيها وتحدق به قبل أن تعود وتذهب إلى غرفة المعيشة.

قال لها: أعيدي لي تلك الصورة.

أجابته قائلة:  فقط خذ الأشياء الخاصة بك واخرج من هنا.

لم يجبها. أقفل الحقيبة وارتدى معطفه  ثم،ظر في أرجاء غرفة النوم قبل أن يطفئ النور و خرج إلى غرفة المعيشة.

وقفت في الممر المؤدي إلى المطبخ الصغير، ممسكة بالطفل.

قال لها: أريد الطفل .

أجابته قائلة : هل أنت مجنون؟

لا لست مجنونا ، لكنني أريد الطفل. سأطلب من شخص أن يأتي ليأخذ أشياءه.

أجابته قائلة:  إنك لن تلمس هذا الطفل. بدأ الطفل في البكاء فأزاحت البطانية من حول رأسه.

قالت وهي تنظر للطفل: أوه .

تحرك باتجاهها.

قالت له: كرمى لله . ثم رجعت خطوة إلى الوراء داخل المطبخ.

أريد الطفل.

اخرج من هنا!

استدارت وحاولت أن تضع الطفل في زاوية خلف الموقد.

لكنه تقدم ووصل إلى الزاوية خلف الموقد وشد الطفل بيديه بقوة.

قال لها: أبعدي يديك عنه .

أجابته باكية:  ابتعد عنه ! ابتعد عنه !

بدأ الطفل الذي احمرّ وجهه بالصراخ . وخلال الشجار أوقعا أصيص الزهور المعلق خلف الموقد . حشرها على الحائط  محاولا فك قبضتها عن الطفل. ثم أمسك الطفل بقبضته وشده بأقصى ما يستطيع.

قال لها:  ابتعدي عنه .

أجابته قائلة: لا . أنت تؤذي الطفل .

قال لها:  أنا لا أؤذي الطفل.

لم يدخل،افذة المطبخ أي ضوء.  وكان وسط العتمة يحاول بيد واحدة أن يفك يديها القابضتين بينما يمسك الطفل الذي يصرخ باليد الأخرى تحت ذراعه،احية الكتف.

شعرت أن أصابعها بدأت تُجْبَرُ أن تفتح . وشعرت أن الطفل يذهب منها .

صرخت وهي ترخي يديها: لا!

قالت إنها سوف تحصل عليه، على الطفل .أمسكت بزراع الطفل الأخرى . أمسكت الطفل من معصمه وانحنت متكئة،حو الوراء .

لكنه لم يستسلم . شعر أن الطفل ينزلق من يديه فسحبه،حو الخلف بقوة شديدة .

وحسمت المسألة بهذه الطريقة .

 

............

العنوان الأصلي للقصة :

Little Things (Popular Mechanics)  , Raymond Carver , 1981

 

عامر كامل السامرائيمختارات شعرية من مجموعة قصاصات

للشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمة: عامر كامل السامرائي

***

يمكنك أن تمسك بي - هكذا قال.

يمكنك أن تسجنني

أو أن تقتلني

ولكن هل يمكنك أن تمسك بذلك الطير؟

أو بالهواء الذي أُخفيه

تحت أظفري؟

***

عَوْرَةٌ في الجدار

كم أحكمت سَدّها.

أتظن أنك استطعت

أن تخفي الساعة والأفعى؟

***

في الريح العاتية

فوق في الأَعَالِي

النوارس الناصعة البياض تحلق

إنها الحرية.

***

أصيافٌ متوهجة والجَنَادِب

بواخرٌ تمخُر بأقصى سُرعتها

في الليالي

الفتيات يحفرن في الرمل ثقوباً

يُخبئنَ فيها صنادِلَهُنَّ

ويَرجِعنَ في الحلمِ حافيات.

***

في كل مرة نَتَعَثّر

نبتهل

نتذكر

نتنفس الصعداء

غير أن أقدامنا ثُقِبت

وأرواحنا كذلك.

***

خرجتَ من البحر

راقبتُ، كيف يقطر منك الماء.

التمعت القطرات.

لم أرى غير ذلك.

أقسم لك.

***

من القصب شذبوا سِهاماً،

طائراً -  ومزماراً يستدرج فرساً.

كل ثقب

يُرينا

مالم نريد أن نراه.

***

دُمْ على تدليل هذا الكلب البغيض!

رميت له خبزك؟

(والحلوى؟)

في النهاية سيلتهمك أنت أيضاً.

***

ما ضاعَ

أو ما لم يأتي بعد

لا تَبكيه.

الذي بقيَ لَكْ

الذي لم تُعطيه بعد

إبكِ هذا.

***

إذا كان لديك ثلاثة ألوان

الأزرق، الأحمر، الأصفر

بها يمكن أن تصنع الباقي

لا حاجة للأسود

إنه موجود.

والأبيض أيضاً.

***

انطلق الثور المُجندل

فَارَّاً نحو الساحة.

بحقائبهم خلفه ركضوا

أطفال المدارس

جمعوا دمه

ليجعلوه حبراً

للأصفار أو للأعشار.

***

كانت العصافير تعرفه جيداً

تحط على ركبتيه

تنقر أصابعه

فتشوا جيوبه.

هناك

أمسك بها، خنقها

القديس الصغير ذو الشعر الشائك.

***

محل العطور الصغير

ورشة النجار

الصيدلية

لوحان خشبيان سميكان

مسامير.

حَمَلَ مقعده الصغير

وجلس على الرصيف.

طوبى للكلب الأعرج

طوبى لضوء الشمس

طوبى للجلاّد.

أتقول: رجل شجاع.

كلا. جبان

 

عادل صالح الزبيديقصيدة في مديح الحيض

للشاعرة: لوسيل كليفتن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

لو كان هناك نهر

أجمل من حافة

القمر الحمراء هذه

المتوهجة كالدم

لو

كان هناك نهر

اشد وفاء من هذه

العودة الشهرية

الى الدلتا ذاتها

لو كان

هناك نهر

أشجع من

هذا القدوم والقدوم في دفقة

من الشغف، من الألم

لو كان هناك

نهر

أقدم من ابنة حواء هذه

أم هابيل وقابيل

لو كان هناك في

الكون نهر كهذا

لو

كان هناك في مكان ما ماء

أقوى من هذا الماء

الجامح

فلندعو كي يجري أيضا

في الحيوانات

جميلا ووفيا وقديما

وأنثويا وشجاعا

 

................

لوسيل كليفتن (1936-2010) شاعرة أميركية من مواليد مدينة نيويورك. يتميز شعرها باحتفائه بالتراث الأميركي الأفريقي، وبتناول قضايا المرأة وحقوقها ومساواتها مع التركيز على الجسد الأنثوي. نشرت أول مجموعة شعرية لها بعنوان (زمن حسن) عام 1969 أدرجتها صحيفة نيويورك تايمز ضمن قائمتها لأفضل عشرة كتب لذلك العام. نشرت بعد ذلك مجموعتها الثانية بعنوان (أخبار جيدة عن الأرض) عام 1972 ثم (امرأة عادية) في 1974 توالت بعدها مجاميعها الشعرية التي كان آخرها بعنوان (أصوات) عام 2008 ، فضلا عن تأليفها مجموعات قصصية عديدة وكتبا في أدب الأطفال. حازت كليفتن على جوائز عديدة ورشحت مرتين لنيل جائزة البوليتزر.

 

عامر كامل السامرائيللكاتب السلوفيني: إيفان تسنكار

ترجمة: عامر السامرائي

في حياتي كثيراً ما آذيت من هم أَحب الناس إلى نفسي. أن تفعل مثل هذه الآثام، فكأنك ترتكب بحق المولى خطيئة لا تغتفر، لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة، ولا يمكن محوها ولا نسيانها. أحياناً تمر عليها سنين طويلة وهي صامتة وكأنها خبت في القلب، أو إنها ضاعت، أو تورات في صخب الحياة. لكنها فجأةً، وفي لحظة فرح أو أثناء الليل عندما تجفل من النوم بسبب كابوس مزعج، تتهافت الذكريات الثقيلة على الروح فتوقظ فيها وجعاً تشعر بحرقته وكأنك ارتكبت تلك الخطيئة تواً. يمكنك بسهولة طرد أي ذكرى من خاطرك، بابتسامة أو بنية حسنة اتجاه من اسأت إليه، إلا هذا الإثم، فلا يمكنك جليه. سيبقى ظله الأسود مخيماً على قلبك إلى الأبد.

عادة ما يوهم الأنسان نفسه بالفرح فيقول: " ما كان قصدي هكذا أبداً !، بل عقلي المضطرب هو الذي يجعل من ظل الشمس ليلة داكنة" كل ما حدث كان شيئاً تافهاً، حدث عادي ممكن أن يقع في اليوم مئات بل الآف المرات".

المواساة خدعة: الأنسان في قرارة نفسه يعرف بمرارة تلك الحقيقة. فالأثم هو الأثم، سواء ارتكبناه مرة أم ألف مرة. أو إننا نرتكبه كل يوم بقصد أو بجهالة. القلب ليس قانوناً جنائياً يستطيع أن يحكم على السارق بغير ما يحكم على المجرم القاتل. القلب يعرف جيداً بأن "اللئيم يستطيع أن يَقتُلَ بعينه، أما الشجاع فيَقتُلَ بسيفه" ويُغفَر للسيف أسرع مما يُغفَر للنظر. ولا هو بعقيدة دينية تقضي بين كبائر الآثام وبين الزلات البسيطة، سواء بالقول أو بالفعل. القلب قاضي عادل لا يخطئ، ويستطيع أن يرى ويحكم من خلال حركة خفية أو من خلال شعور، أو من نظرة عابرة لم يلاحظها أحد، أو من كلمة لم نجهر بها بعد، أو من فكرة لم تكد أن ومضت على جبين. بل أكثر من ذلك، فهو يعرف من خلال طرقة باب، أو من وقع خطوة، أو من رشفة شاي.

الكتب الدينية لم تذكر جميع الآثام وإنما بعض منها. لو كان القلب هو القسيس الذي يجلس للاستماع إلى خطايا المؤمنين لكانت جلسة الاعتراف طويلة ومرعبة!

الذنب الذي يمكن أن يغتفر هو ذلك الذي يمكنك أن تعبر عنه بلسانك وأنت نادم على ما فعلت. ولكن الذنب الفاحش، والفاحش جداً، هو ذلك الذي تبقى ذكراه في القلب إلى آخر رمق في الحياة، يبقى صامتاً وبشعاً.

لا يبوح الأنسان بالذنب إلا لنفسه عندما يتمدد في الليل متحجراً يؤرقه ذلك، ويكون لحافه أثقل على صدره من الحجر.

"لم أسرق، ولم أزني ولم اقتل نفساً كذلك. أنا روحي طاهرة!"

كاذب! ألم تقشر تفاحة وأنت تمر من أمام أنسان جائع، ونظرت إليه بدون استحياء؟ هذا أسوأ مما لو أنك سرقت أو زنيت أو قتلت. القلب، ذلك القاضي العادل يعفو عن القاتل الذي يمسح على رأس طفل يبكي بينما هو ذاهب إلى المقصلة، أسرع من أن يعفو عنك أيها الطاهر! لأن القلب لا يعرف توافه الأمور ولا فقرات القوانين.

قبل خمسة عشر عاماً عدت إلى قريتنا، ولازمت دارنا ثلاثة أسابيع، تملكتني طوال تلك الفترة حالة من الكدر، وبدت لي دارنا مكفهرةً تماماً، كان لدينا نحن الأثنان شيء ثقيل، شيء مقرف، كما لو أنها ظلال مشبعة بالرطوبة قد أثقلت علينا. نمتُ الليلة الأولى في الغرفة، واستيقظت أكثر من مرة، رأيت أمي وهي تقوم من السرير وتجلس إلى الطاولة. جلست صامتة دون أن تتحرك، وكأنها نائمة، ضاغطةً براحتها على جبينها، كان وجهها الأبيض يتلألأ، رغم أن الشرفة كانت مغلقة، ولم يكن في الخارج أثر لا لضوء قمر ولا حتى لنجمة. تنصتُ بانتباه شديد، وعرفت حالاً بأني لم أكن استمع إلى تنفسها وهي نائمة، بل نحيبها المكبوت ونشيجها المتقطع. أخفيت رأسي تحت اللحاف، ولكني حتى في حلمي كنت أسمع بكاء أمي الثقيل. انتقلت إلى مكان تحت سقف البيت حيث يوضع القش، تسلقت أشبه ما يكون بالسلم على درج محطم شديد الانحدار إلى مضجعي هذا، وفي القش صنعت لنفسي مكاناً للرقاد، ووضعت منضدة في الفسحة الصغيرة أمام الباب، كانت نافذتي تطل على جدار رمادي مُتَصَدِّع. كتبت دون رغبة مني بروح متعبة وفي وسط أفكار معتمة أول قصة حب. أرغمت مخيلتي عنوة على أن تتصور شوارع المدينة البيضاء، والمروج المرصعة بالزهور، وأريج الحقول لكيلا أفكر في نفسي ولا في حياتي.

فجأة اشتهيت بشدة القهوة الداكنة، لا أدرى كيف خطرت على بالي الآن. ولكنني اشتهيتها، ربما لأنني أعرف تماماً بأنه لا يوجد في بيتنا الآن حتى خبز يؤكل فما بالك بالقهوة. الإنسان في تصوراته شرير وبلا رحمة. نظرت لي أمي بعينين فزعتين اتسعت كالدائرة، ولم تتفوه بشيء. عدت إلى مكاني تحت السقف كئيباً مغموماً دون أن أنبس ببنت شفة أو ألقي عليها السلام، ورحت أكمل كتابة كيف أحبا ميلان وبريدا بعضهما، وكيف كانا مخلوقين نبيلين وسعيدين ومرحين.

"يدٍ بيد، بكل عنفوان، في وسط وهج الصباح كانا يغتسلان بالندى..."

على الدرج سمعت وقع خطوات، جاءت أمي، ببطء وبخطوات واثقة أرتقت السلم، تحمل لي في يدها فنجاناً من القهوة. الآن أتذكر، لم تكن أبداً أجمل مما كانت عليه في تلك اللحظة، تألق شعاع شمس الظهيرة مائلاً من خلال فتحة الباب في عين أمي مباشرة، كانت تلك العين أكبر وأكثر صفاءً، انعكس فيها نور السماء، ورحمة السماء وحبها. وبانت على شفتيها ابتسامة، مثل الفرح الذي يلف الطفل وهو يحمل هدية. أما أنا فأشحت بوجهي عنها وقلت لها بصوت متجهم خبيث:

- دعيني وشأني! ... ما عادت لي رغبة فيها!

لم تكن قد صعدت بعد إلى مضجعي، لم أرى منها سوى وجهها ونصف قامتها.

عندما سمعت كلماتي، لم يرف لها جفن، وإنما ارتجفت يدها التي كانت تحمل فنجان القهوة فقط، نظرت إلى بوجل، وانكدر في عينيها النور. تضرج وجهي بالدم من خجلي، فتقدمت نحوها بخطى حثيثة.

- هاتيها يا أمي الحبيبة!

لكن الأوان كان قد فات، لم يعد ذلك النور في عينيها، ولا تلك الابتسامة على شفتيها.

ارتشفت القهوة، وواسيت نفسي بالقول:

"سأقول لها في المساء تلك الكلمة الطيبة المطالب بقولها، وسأبوح لها بحبي."

لكني لم أقل لها تلك الكلمة لا في ذلك المساء ولا في اليوم الثاني، بل لم أقلها لها حتى في آخر لحظاتها.

بعد ثلاث أو أربع سنوات وانا في الغربة، جاءت لي امرأة غريبة بفنجان قهوة داكنة إلى غرفتي، فارتعشت حينها. شعرت بنخزة قوية في قلبي فصرخت من حدة الوجع، لأن القلب قاضي عادل لا يعرف توافه الأمور.

 

......................

نبذة عن الكاتب:

ولد إيفان تسنكار (Ivan Cankar) في بلدة كارنيول في فيرنيكا بالقرب من ليوبليانا (عاصمة سلوفينيا حالياً). كان واحداً من العديد من أطفال الحرفيين الفقراء الذين هاجروا إلى البوسنة بعد وقت قصير من ولادته. ترعرع وعاش مع والدته، نيا تسنكار  بيفك. كانت علاقته بأمه وثيقة ولكن متناقضة وجدانياً. في وقت لاحق، أصبحت تمثل في كتاباته شخصية الأم المضحية بالنفس والمعرضة للقمع والخنوع. وكانت تلك واحدة من أكثر السمات المعروفة في نثر تسنكار وقصصه. قصة "فنجان من القهوة الداكنة" واحدة من تلك القصص التي تظهر بوضوح ما أشرت إليه في المقدمة. "المترجم"

 

عادل صالح الزبيديبقلم الشاعرة: ماريان مور

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

أنا أيضا أكرهه: ثمة أشياء تفوق في أهميتها

كل هذا العبث.

الا انه مع ذلك فحين يقرأه المرء وهو يكن له كل الاحتقار،

 فانه يكتشف انه على الرغم من كل شيء

فثمة مكان فيه لما هو أصيل.

أيد يمكنها الإمساك، أعين

يمكنها ان ترقرق دمعها، شـَعر يمكنه ان يقف.

*

ان كان لابد، فهذه الأشياء مهمة

ليس لأنها يمكن أن تفسر تفسيرا مبالغا فيه

ولكن لأنها مفيدة؛ 

فحين تتزايد قدرتها الاشتقاقية الى حد تصبح معها غير مفهومة،

يمكن أن يقال الشيء نفسه عن لساننا،

بأننا لا نعجب بما لا نقدر على فهمه:

الخفاش، متدليا بالمقلوب او باحثا عن شيء يأكله،

أفيال تتدافع، حصان هائج يتدحرج،

ذئب لا يعرف التعب تحت شجرة،

الناقد الذي لا يتزحزح وهو يحك جلده مثل حصان يستشعر برغوثة،

مشجع البيســبول، خبير الإحصاء —

 وليس شرعيا

التمييز ضد "الوثائق التجارية والكتب المدرسية"؛

كل هذه الظواهر مهمة.

الا انه على المرء ان يميز على أية حال:

حين يجرجره أنصاف الشعراء نحو الشهرة،

فالنتيجة ليست جميلة،

ولن نقبل به

الى ان يتمكن الشعراء من بيننا من ان يكونوا

"متـّبعي الخيال اتباعا حرفيا"—متنزهين عن

الغطرسة وعن التفاهة، وان يكون بمقدورهم

ان يعرضوا للفحص

حدائق خيالية فيها ضفادع حقيقية.

وفي غضون ذلك، فانك ان طالبت

بمادة الشعر الخام بكل خاميـّتها من جهة

وبما هو أصيل فيه من جهة أخرى،

فانك ستكون حينئذ مهتما بالشعر.

................

ماريان مور (1887-1972) شاعرة وناقدة ومترجمة اميركية تعد من اقطاب الحداثة الشعرية الأنكلواميركية في القرن العشرين. ولدت في مدينة كيركوود بولاية ميزوري وتلقت تعليمها في كلية برين مار لتنال شهادة في التاريخ والاقتصاد والسياسة. بدأت نشر قصائدها في مجلتي (ايغويست) و(شعر) فنالت استحسانا نقديا كبيرا. تعد القصيدة التي نترجمها هنا من أشهر قصائدها.

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري : كاروي بَاري

ترجمها عن المجرية: عامر السامرّائي

***

أيُها الزنبق بلباسِ مهندِ

هبطتُ في ظلك القاني

في رنين دقات قلب الزهور،

بحرقتي ذاتِ النقود الفضية،

أشعلتَ غابة لحظاتي.

*

طيورٌ منحوتة من  دُخَان،

تحوم فوق أجمة النارِ،

تُرفرف فوق سراديق الغيوم

بأجنحة - دَخْناء

يَشُدُ النعيق مناقيرها النافرة من الشرارِ

*

صبيٌ مُتوج بسُخامٍ

يتلوى بنارِ غابة اللحظاتِ،

دمٌ يغلي في أصِيصٍ أسودٍ:

دمُ أرق الليالي،

إفتح لی غرفة كأسك،

فزمن قاسٍ يطاردني،

وفي فناء الحسرات

شجرةٌ عجفاءَ تزهو

تسلحها أنتَ ضد محبوبتي،

أزنبق أنتَ بثوبِ مهندِ؟

 

جميل حسين الساعديشعر: هيرمان هيسة

ترجمة: جميل حسين الساعدي

أهدي هذه القطعة الشعرية إلى الصديق الشاعر جمال مصطفى تلبية لرغبته بأن أترجم بعضا من أشعار الشاعر الألماني هيرمان هيسة على أن تكون الترجمة شعرا موزونا مقفى

***

كتــــُـبُ العالـــمِ هــذا كلّها **** ليسَ فـــــي مقدورها أن تسعــــــدَكْ

بلْ إلـى نفسِكَ تُومي خفية ً **** عُدْ إليـــــــها سوف تلقى مقصــــدَكْ 

                              ـــــــــــــــ                            

فهناكَ الشمسُ والنجمُ معا  **** كلُّ مــــــــا تحتاجــهُ حتّـــى القَمَـــرْ

إنّمــــا النورُ الذي تقصدهُ **** ســــــاكنٌ فيكَ ولكــــــــنْ مُستتـــــــرْ

                           ــــــــــــــــــ

حكمــة ٌ تبحثُ عنها جاهدا ً**** مِــــنْ زمــانٍ في رفوفِ المكتبــاتْ

قد أتتكَ الآنَ حتّـــــى أنّها **** قدْ أضاءتْ في جميــــــع الصفحـاتْ

 

...........…

Hermann Hesse: Alle Bücher dieser Welt …Alle Bücher dieser Welt

Bringen dir kein Glück,

Doch sie weisen dich geheim

In dich selbst zurück.

Dort ist alles, was du brauchst,

Sonne, Stern und Mond,

Denn das Licht, wonach du fragst,

In dir selber wohnt.

Weisheit, die du lange gesucht

In den Büchereien,

leuchtet jetzt aus jedem Blatt –

Denn nun ist sie dein.

 

Cette chanson est dédié

Aux gangs de

bandits qui ont

Gouverné l’Algérie

Depuis des décennies et décennies

Mille et mille mercis

Le peuple vous dit

Par ce que vous avez

Volé mes rêves et ma vie

Et vous avez détruit mon pays

Et ma patrie bien aimée

Les tribunaux et serkadji

Vous attendent ou vous allez

Ô gangs de bandits merci

Pour tout ce que vous avez fait

Et pour cela

Le peuple vous dit

Que vous êtes le grand Satan

Et les démons

Dans des visages d’êtres humains

Vous n’avez jamais été pour nous

Notre sauveur

Ou notre Jésus ou notre messie

Ni notre messager

Ni notre Dieu créateur

Ni le fils de Jupiter

Ni un nombre de leur famille

Mais vous êtes les new colons

Qui règnent dans ma patrie

Depuis une longue nuit

Et vous êtes les sorciers

Qui ont détruit mon pays

Bien aimée : hélas

Tout le pays est ruiné

Ni santé ni industrie

Ni tourisme ni loisirs

Ni joie ni sourire

Car tout ce qui est beau

Dans mon pays

Vous l’avez enterré

Et vous avez brûlé tout espoir

Dans notre vie

Et si vous pouviez

Vous nous priver

De toute gouttes de pluie

Ô gangs de bandits

Nous n'avons jamais imaginé

Que notre brave peuple

Un jour comme les souris

Cherche leur nourriture

Et leur habits

Dans les déchets

Ô gangs de bandits

Tôt ou tard , vous serez jugés

Pour tous les crimes

Que vous avez commis

*

Ô gangs de bandits

Vous avez semé la haine

Jusqu'à la folie

Entre arabe et Shaoui

Entre Kabyle et Niyli

Entre et mozabite et targui

Et pour cela , vous êtes

Des démons Maudits

Et vous avez oublié

Que nous sommes tous frères

Notre mère est l'Algérie

Ô gangs de bandits

Tout le peule est soulagé

Quand vous êtes partis

Parce que vous avez

Volé nos rêves et notre vie

Ô gangs de bandits

Qui a kidnappé ma patrie

Avant que mon brave peuple

Soit levé tels que les anges

Qui sont des cieux descendus

Et t'a dit : sarkadji

Attend les sales harkis

Et à dieu les voyages organisés

Vers paris ou vers les Champs-Élysées

Et adieu les luxueux Chalutiers

Et les jets privés

Et soyez le bienvenu

Dans les cellules de Serkadji

Après vous le soleil

Sera levé sur les plaines

De notre sacré pays

Et les fleures du Printemps

Vont bientôt fleurir

Dans chaque coin

De notre paradis

Bien aimé

Ô gangs de bandits

Vous avez brûlé notre belle patrie

Depuis que vous êtes venez

Notre glorieux peuple est devenu

Un peuple colonisé

Et a l’enfer vous allez exceller

Et toute sa vie était perdue

Et a la misère il était attaché

Ô gangs de bandits

Tout le peuple est fou de joie

Quand vous êtes partir

Ô gangs de bandits

Aujourd’hui

Ni peste et choléra

Ni cancer ni gangrène

Dans notre pays

*

Ô gangs de bandits

Vous payez le prix

De tous les crimes commis

Comme toute voleur et malfaiteur

Et après vous l’espoir

Pousse dans nos cœurs

Comme des éclaires de lumière

Comme des fleures dans les cœurs

De nos fils ٫ pères et mères

dans nos praires ٫ dans notre forêt

dans nos jours

Comme dans notre nuit

Dans le grand sud

Comme dans l'Aurès et la Kabylie

Dans tout les coins

De notre pays sacré

Et bien aimée l’Algérie

Ô gangs de bandits

Enfin nos martyres ٫

Larbi Ben M'hidi

Et  Hassiba Ben Bouali

Dorment en paix et tranquillité

Dans le paradis

Ô gangs de bandits

Notre glorieux peuple

Est heureux de cette épopée

Comme un mari qui goûte sa

Premier baiser

comme une gamine qui touche

La première fois sa poupée

Comme un gamin qui court

Dans un champ de fleurs

A perte de vue

Ô notre peuple bien aimée

Merci et merci

Mille et mille fois

Pour cette révolution bénie

Qui nous ont affranchis

De toutes épidémies

Et voila après leur longue nuit

Le cauchemar est fini

Car aujourd’hui

Je suis un citoyen

Et non un sujet

Pour ce gangs de bandits

*

Ô gangs de bandits

Qu'avez-vous fait ?

La misère parade

Dans toutes les rues

De mon pays

Car les terres sont brulées

Et les usines sont détruites

Et vendues á nos ennemis

L’éducation est brisée

La jeunesse est devenue

Comme des mépris

Elle a perdu tout espoir

A une meilleure vie

Dans notre Algérie

Cette Algérie est devenue

Un paradis pour

Ce gangs de bandits

Prenez vos bagages

Et quitté notre patrie

Car votre langage nous dit

Que vous êtes des étrangers

Que vous êtes un enfant

Ingrat dans notre mère l’Algérie

L’Algérie mon amour

Depuis le jour ou je suis né

Et je chante leur amour

Devant toutes portes et fenêtres

Dans tous les théâtres

Et des galeries

Et tant que je serre

Les mains avec mes amis

Le temps d’un déjeuner

Avec ma famille

Ô gangs de bandits

Vous étiez une épine dans

Nos cœur qui a été chassée

Qui a été expulsé

Vous êtes le mal et le passé

Et nous nous sommes

Le brillant demain dans ce pays

*

Enfin merci mon peuple

Parce que vous avez

Libéré notre patrie

Et le soleil sera levé

Pour l'éternité

Et ma patrie sera

Un champ de bien

Et des grains de blés

Qui poussent dans

Les plaines de ma patrie

A perte de vue

Aujourd’hui les lumières

De la liberté va dégager

Les ombres qui ont régné

Dans mon pays

Depuis des années

Aujourd’hui ni despotes

Ni tyrannie

Ni dinosaures

Ni gangs de bandits

Aujourd’hui mes amis

Mes copains et mon peuple

Bien-aimés

Je suis heureux

De ce qui s’est passé

Car dans toutes les placettes ٫

Dans tous les boulevards ٫

Et les rues

Le peules comme

Un vol de gitans gazouille

Comme un violon qui chante

Des rimes de la liberté

Et comment ce gangs de bandits

A imaginais qu'elle allait écraser

Et qu’ elle allait enterrer ce grand peule

Enfant de Djamila et de Ben M'hid

Ô gangs de bandits

Attendez et attendez

Si notre génération est épuisé

Le flambeau et la relève

Seront levés par une autre génération

Et la marche sera terminée

*

Ô gangs de bandits !

Vous avez volé le lait

De mon bébé

Vous avez volé le sourire

Et le bonheur de nos familles

Vous avez volé les rêves

Des braves jeunes

Et des belles jeunes filles

Et vous avez opprimé les vieux

Et les personnes âgées

C’est pour cela

Que le peuple vous a dit

Que vous êtes sale et mauvais

Partez loin d'ici

Prenez vos valises

Et vos voles est dégagez

l’Algérie après vous va rajeunir

Et les fleurs du Printemps

Pousseront dans tout les coins

De mon pays

Ô gangs de bandits

Aujourd’hui notre peuple

Est fou de joie

Car tout les diables et les démons

Sont partis loin de chez nous

Et à jamais

Oh quelle fierté !

Car toutes les bêtes

Qui sucent leur sang

Sont partis loin d'ici

Pour que notre patrie

Embrasse le salut jusqu'au

Jour du jugement dernier

*

Mes compatriotes

Disent à celui qui dit

Qu’ il n'est pas algérien

Nous nous sommes des algériens

Et nous sommes fiers d'être algériens

S'il vous plaît ٫ laissez-nous

Et partez loin d’ici

Quittez notre berceau

Quittez notre Bâteau

Quittez notre ruisseau

Quittez Notre mer notre demeure

Et tout ce qui est à nous

Parce que tout ce qui est

Sous nos cieux

Vous jettera avec des pierres

Et des cailloux

Car vous êtes un fardeau

Sur nos dos

Et nous n'avons

Pour vous que

Des gifles et des Coups

Et en enfer

gangs de bandits

Éloignez vous loin de chez nous

Notre patrie après vous

L’essor et le progrès et la dignité

Vont les embrasser

Ô voleurs et mal élevés

Comme toute gangs de bandits

Vous et votre famille

Occupent les palais

Et le peuple dort dans des courbés

Vous et votre famille

Embrassez une vie dorée

Et nous les misérables

Dans l’enfer de la pauvreté exilés

Vous croyez que vous êtes

Parmi nous une classe élue

Et nous votre esclaves non affranchi ?

Ô gangs de bandits

Le brave peuple s'est révolté

Et l’Algérie est libérée

Ô gangs de bandits

Vous êtes le mal incarné

Vous êtes l’horreur

Qui règne sou le ciel de mon pays

Depuis des décennies

Vous êtes les égorgeurs qui a commis

Des génocides dans ce pays

Et vous êtes les créateurs de tous

Les malheurs qui ont régné

Dans notre pays

Ô gangs de bandits

Nous nous somme plus

Ni les intouchables

Ni les mauvis

Et vous n’êtes plus les nobles

Dans ce pays

Et votre sang n'est pas bleu

Et il ne l’a jamais été

Et par votre carrière

je ne suis pas ébloui

Car vous n’êtes qu’un

gangs de bandits mal élevée

C’est pour cela que

Le peuple vous a dit

Dégagez ، dégagez

Vous et votre clan et parti

Loin d’ici

*

Depuis 62 vous n'avez rien fait

Que des mensonges

Et un système corrompu

Et vous n'êtes pas celui qui possède

Les clés du paradis

Pour que vous me

Donnez des promesses

Qui dise que ma vie sera dorée

C’est pour cela je vous dit

Dégagez ، dégagez jour et nuit

Et nous ne serons jamais des amis

Car vous avez brisé mon peuple

Et ma patrie

Comme s'ils étaient vos ennemis

Prenez vos valises

Et partez

Loin d’ici

Le peule tôt ou Tard

Vous oubliera

Comme si vous n'avez jamais existé

Et comme les épines

qui nous ont piqués

Et comme tous les traîtres

Qui ont trahi cette patrie

La plaie guérira un jour

Nous oublierons le mauvais passé

Ô voleurs et gangs de bandits

La partie est fini car mon

Brave peuple s'est révolté

Et l’Algérie est libérée

Allez et partez

Loin d’ici

le pardon ne plus demander

On vous dira

Nous Les oublierons jamais

Vos crimes commis

Contre notre mère  patrie

Enfin on dit

"  Allah yahfud bladi "

Que Dieu bénisse l'Algérie

And god bless Algeria

E Dios bendiga a Argelia

E Dios bendiga a Argelia

 

بن مهيدي / الطارف

 

صحيفة المثقفللشاعرة الأرمينية سيلڤا كابوتيكيان

نقلها من اللغة الروسية وقدم لها:

 أ. د. حسن البياتي

***

لماذا ؟!

أجل، ياحبيبي، أجل!

طلبتُ اليك الرحيلْ،

نهرتُك: دعني، من المستحيلْ

علينا البقاءْ.

أجل، ياحبيبي، أجل!

وقلتُ: وداعاً، الى لا لقاءْ!

فقد كنتُ غضبى عليك.

ولكنَّ دمعي الهتونْ،

برغم كلامي، جرى في العيونْ.

لماذا، حبيبي، لماذا

صدقت كلامي ووجدي عليكْ

واغمضت عن ادمعي مقلتيك؟!

لماذا؟!

*

الرسالة

ما أكثر المرات التي قرأت فيها رسالتك!

حتى لأكاد احفظها عن ظهر قلب.

واليوم، وودت أن أعيد تلاوتها من جديد،

لكي أبدد الاحزان.

بحثت عنها في دفاتري، بين وريقاتي المتناثرة...

واخيراً، اهتديت اليها في كتاب (ﭭوﭼيك).

ابتسمتُ... وابتسم ﭭوﭼيك.

لَكم هي صافية تلك الابتسامة على الصورة!

في مقلتيه المتألقتين حباً...

أبصر البهجة، كما لو انها الدعوة أنْ: تمتعي بالحياة!

هو سعيد، لأنّ السِفْر الذي كتبه بالدم

تغفو في حناياه... رسالةُ حب.

*

 

أنتَ...

أنت في مهجتي، في أنفاسي،

في أشجاني وفي مسراتي.

تتوهج في اغنياتي كاللهب أنت،

أتطلع الى الآخرين، لكنما امام ناظري أنت.

أيما دار ولجتُ، هنالك تحل ضيفاً أنت.

أنت الهواء والضياء، وأنت العاصفة والسكون.

الى أين ياترى، الى أين منك المفرّ؟!

*

ساعة الجدار

النجوم تسكب انوارها اللبنية،

العالم منغمس في الظلام...

لكن ساعة الجدار مازالت،  دونما كلال،

تملأ الدار بتكتكاتها العالية.

إنها – في الليل والنهار- تصنع

السعادةَ لوليدي الصغير.

 

........................

سيلڤا  كابوتيكيان شاعرة ارمينية ذائعة الشهرة ترجمت جملة من قصائدها الى لغات عدة.

ولدت الشاعرة سنة 1919 في مدينة يرﭭان (عاصمة جمهورية ارمينيا السوڤيتية) وفيها أنهت مراحل دراستها حتى تخرجها عام 1941 في كلية الاداب بجامعة يرﭭان. كما امضت، فيما بعد، سنتين دراسيتين في معهد غوركي للآداب في مدينة موسكو.

أحبت سيلڤا  الادب منذ سني دراستها الاولى وكانت البداية مع الشاعر الالماني الكبير شيلّر، حيث قرأت – بالارمنية – كتاباً ضخماً عن حياته، كما اطلعت على نماذج من شعره. وهي ما زالت تتذكر البيت الختامي لإحدى قصائده:

(انت تقف، ايها الانسان، على اعتاب عصر جديد).

لقد اعجبها كثيراً هذا البيت الشعري، فأخذته وأضافت اليه (ابياتاً اخرى). وهكذا بدأت – كما تقول هي - (نشاطها الادبي). وأتجهت في قصائدها الاولى الى التعبيرعن واقع الحياة وقضاياها العامة، أكثر من الاهتمام بالتعبير عن عالمها الداخلي او مشاكلها الخاصة. وكان مدرس الأدب، الذي اطلع على بعض ما عرضته عليه من نتاجها، في طليعة مشجعيها والمعجبين بشعرها. وقد ألقى، في احدى الحفلات المدرسية، واحدة من قصائدها – بنفسه - امام الجمهور الذي صفق لها طويلاً. وكان ذلك في حدود عام 1933. ومن حينها اطلقوا عليها لقب (شاعرة المدرسة).

بدأت شاعرتنا النشر في صحف الطلائع، ثم في المجلات الادبية. وحازت على عدة جوائز في المسابقات الادبية للطلائع والشباب. وهكذا فحين بدأت حياتها الجامعية سنة 1936 كانت شهرتها قد سبقتها (كشاعرة شابة).

في عام 1945 صدرت مجموعتها الشعرية الاولى التي ضمت قصائد في موضوعات الوطن والحب والحرب كما اشتملت على بعض القصائد المكرسة لولدها. وقد خلقت هذه المجموعة الشعرية جواً مثيراً من النقاش الحار، بسبب من بعض موضوعاتها المتشحة بالحزن والأسى، او كما عبر النقاد حينذاك (المتسمة بمسحة من المزاج التشاؤمي). بعذ ذلك دعيت سيلڤا  – مع شعراء آخرين – من يرﭭان الى موسكو للمشاركة في المؤتمر الاول للادباء الشباب في الاتحاد السوڤيتي.

وقد ترك اسهامها في اعمال المؤتمر، وكذلك وجودها في موسكو وتعرفها على ناسها ومعالمها،  اثاراً بارزة في نفسها، وفي تطوير وتعميق شاعريتها. يضاف الى ذلك ما أفادته ايضاً من تجوالها في ربوع الجمهوريات السوڤيتية المختلفة. وقد ظهر أثر ذلك واضحاً في مجموعتها الشعرية الثانية الصادرة عام 1952 تحت عنوان (أقربائي)، وحازت هذه المجموعة على جائزة أدبية. ثم توالت، بعدها، دواوينها الشعرية الاخرى: (على الطائر الميمون)، (حديث صريح)، (الأحجار الوردية)، (تأملات)، (أعيش بقلبي)، وغيرها...

شعر سيلڤا  كابوتيكيان مفعم بعواطف الحب الانساني العارم: حب للارض والناس، حب لفتى احلامها، وحب لولدها. وقد كرست لهذين الحبيبين الغاليين طائفة كبيرة من قصائدها. لكن حبها الكبير لوطنها ارمينيا ولابناء شعبها كان وما زال، فوق كل شيء.

تقول سيلڤا : (اينما حللت كانت بلادي ارمينيا معي، لصيقة بي، وكذلك ابناء شعبي، كما الام مع طفلها، وكصورة الام في عيني الوليد).

قصائد سيلڤا  الذاتية ملتهبة بشتى الاحاسيس والانفعالات الانسانية التي تختلج في قلوب المحبين. فيها التعبير البسيط العميق الصريح عن لحظات السعادة والشقاء والرضا والغضب، والوئام والخصام واللقاء والفراق، والانتظار والوداع... وما يترك كل ذلك من آثار الفرح او الحزن، الهدوء او الاضطراب، والطمأنينة او القلق...

وهذه قصائد أربع انتقيتها من مجموعتها الشعرية المختارة الصادرة – بالترجمة الروسية - عام 1959 في موسكو.

بقي أن اقول إن القصائد الاربع، جميعها، هي دون عناوين، أصلاً. أما العناوين المثبتة هنا، فقد وضعتها بنفسي، معتمداً الجو العام لكل قصيدة.

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: كاروي بَاري

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرائي

***

كنتُ شجرةَ تُفاح

كنتُ ثعباناً

برقعاً يتنفس فوق جسد محبوبتي

كنتُ وردةَ خشخاش

تَنَصَّلَتْ من الحقلِ

مخدوشة بالنور

ريحاً فُوضَت لتصغي

إلى بوح قطرة دم،

*

الجمرُ يَشْخرُ رَماداً،

يَحلمُ بي تواً،

بشعري الذابل، بكلماتي، بيدي

يَرى الغيوم تتناثر فوق راحتي مطراً

طحنته رَّحَى السماء العالية،

بأيامي التي تحلق بها أكناف الطيورإلى السماءِ،

*

في وهج الأضواء الساطعة، يَرى مخاوفي ،

من بين حلقات ضوء اصطدام الصَّنْج،

يحلمُ بدخان ٍ ينبعث من مساماتِ وجهي الموسوم

يا إلهي، أما زِلتِ تعرفيني؟

أوتار- رماد نارٍ خبَتَ أجيجها

يدوزنها سموه، الذي تُمَشطينَ بأهدابكِ،

بين عتمة خصلاته أشعة بدر راسخات ؟

جماح مُنْتَحِرة تنجرف على الرمل الأبيض

زعانف - قوس قزح أتسمعين خفقاتها ؟

إنصَتي لجلبة  قدومي، أُطِلُ من الساحِل،

بعَمَارَة مهرج مدججة بالأجراس

بجرح في القفا نكأته أبتسامة،

ما عاد يُسمَعُ صريف انياب الطباشير

على لوحة التقويم،

عبثاً غمزعيون عُرف - الحراب، في بريقٍ مهجور،

 ما عادت تُسحَبُ خطوط - حديد فوق الأنهرِ: جسوراً،

ضِّرَامٌ توزع أوامراً- مدخونة، موتى يبعثون

ما عاد لأقصى الأرض المحروثة طماها الأسود

وصفعة يدي للهواء،

بقايا من غضبي.

 

...............................

نبذة عن حياة الشاعر:

ولد الشاعر كاروي بَاري عام 1952 في قرية جبلية صغيرة في مقاطعة بورشود، تدعى بوك ارانيوش، في عائلة غجرية يبلغ عدد أولادها سبعة أولاد كان كاروي خامسهم.

بعد إنهاء مرحلة الدراسة الأبتدائية إلتحق بالمدرسة الثانوية في مدينة ميشكولتس، ومن ثم درس في معهد الفنون المسرحية في ديبريتسن. وبعد التخرج درس الآداب في جامعة كوشوت لايوش.

كان لا يزال طالباً في المدرسة الثانوية عندما نٌشرت له أول مجموعة شعرية والتي لاقت نجاحاً عاصفاً بحيث طبعت مرتين على التوالي. ولكن لسوء الحظ تم سحب مجموعته من الأسواق بسبب محتواها السياسي في منتصف السبعينيات، وسجن على أثرها في واحد من أشد السجون حراسة في المجر، يدعى (نجمة سَكَد). بعد إطلاق سراحه تم تهميشه في المجتمع الأدبي لسنوات.

كان شاعراً ورساماً تشكيلياً ومترجماً للشعر المعاصر. كتب عن الفولكلور والتقاليد الغنائية والقصيدة الملحمية الشعبية الغجرية. عرضت لوحاته الفنية لأول مرة في معرض بمدينة غودولو بالقرب من العاصمة، وفي وقت لاحق، عرضت في العاصمة بودابست وفي مدينة ديبريتسن ومدينة سَكَد وباريس وبرلين وستراسبورغ.

تنشر قصائده بانتظام في عدة لغات اجنبية وفي العديد من المجلات والمختارات الشعرية الأجنبية. نشرت أعماله أيضاً في طبعات خاصة مستقلة في إيطاليا ومن قبل جامعة بولونيا، وفي فرنسا، ومؤسسة روتردام الهولندية كما طبعت مجموعاته باللغة الإنجليزية في سانفرنسسكو والألمانية في برلين. وتم ترجمة ونشر بعض من قصائده إلى اللغة العربية مع مجموعة من الشعراء المجريين في مجلة (إبداعات عالمية) عام 2005 والتي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي.

أعماله الشعرية:

فوق وجوه الموتى 1970

نيران منسية 1973

كتاب البكم 1983

ينطلق الساحر ليتمشى (قصائد مختارة وأخرى جديدة) 1985

21 قصيدة 1992

الحلي لمرادف الكلمات 1994

الصمت 2017

 

 

عادل صالح الزبيديبقلم الشاعر: شيموس هيني

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

يحرص البناءون حين يبدأون ببناية

على أن يختبروا السقالات؛

*

يتأكدون من عدم انزلاق الألواح الخشبية عند النقاط المثقلة،

يؤمـّنون جميع السلالم، ويحكمون شد صامولات المفاصل.

*

ومع ذلك كل ذلك ينهار حين ينتهي العمل

ليظهر جدرانا من الأحجار الثابتة الصلبة.

*

لذا، فيا عزيزي، قد يبدو أحيانا

ان الجسور القديمة تنهار بينك وبيني

*

فلا تخف أبدا. يمكننا ان ندع السقالات تسقط

واثقين من اننا قد بنينا جدارنا.

 

..........................

* شيموس هيني (1939-2013) شاعر ومؤلف مسرحي ومترجم ايرلندي حائز على جائزة نوبل للآداب لعام 1995 ولد في مقاطعة لندن- ديري بايرلندة الشمالية. تلقى تعليمه في جامعة كوينز حيث بدأ بكتابة الشعر ثم ليعمل استاذا بكلية سانت جوزيف في بلفاست في اوائل ستينيات القرن الماضي. شغل كرسي الشعر في جامعتي هارفرد واوكسفورد، ويعد من اهم شعراء الانكليزية في عصرنا.

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر الأمريكي: تشارليز سيميك

ترجمة: عامر كامل السامرائي

***

كان العالم قد حل هنا

هادئاً باختلافه

لأجل ذلك فقط قَدِمت

على متن قطار عند الأصِيل

إلى حَيْثُ لم ينتظرك أحد.

***

لمدينة منسية

لكآبتها

حَيْثُ أضعت طريقك

وأنت تبحث عن مكان يؤويك

في متاهة الشوارع المتشابهة

***

ثمُ سمعت

وقع خطاك

وكأنك تسمعه لأول مرة

تحت ساعة الكنيسة

التي توقفتْ كما فعلتَ تواً

***

بين شارعين فارغين،

يتوهجان تحت ضَوْءُ شَّمْس العصر،

متواضعين يمتدان إلى ما لا نهاية

لأجلك، لكي تندهش

قبل أن تمضي.

 

صالح الرزوقللشاعر: ستانلي بلاملي

ترجمة: صالح الرزوق

***

متى علمت أنه يجب أن أحملها معي

كي أستفيد منها حين اللزوم، لنقل لأضعها

في الجيب،

فالليل نفسه ليس معتما بما فيه الكفاية

ولكن يجب أن نضيف له

بعض الظلمات، حفنة بعد حفنة إن هناك ضرورة،

حتى يصبح مثل أمي الجالسة طوال الليل

في غرفة دون أنوار، وهي تدخن، ثم تغيب عن أنظارنا؟.

أينما ذهبت، أنا

سأذهب وراءها.

في الصباح، لا يوجد شيء ولكن ملاءة فقط

وبقايا كل غيابها، والشعور المتطاير في الجو بالسعادة.

وكل هذه الوحدة، نوع من الوجود الطاهر

والفراغ، لدرجة لا يمكن أن يصل لها أحد،

ولكن أمي مثل نسخة أخرى مني في حياة مختلفة،

لقد ذهبت إلى المكان الذي سأذهب إليه، والليل الآن

معتم بما فيه الكفاية

ويمكنني أن أستمر وحدي كما لم أكن

وحدي من قبل على الإطلاق.

 

.............................

ستانلي بلامليStanley Plumly : شاعر أمريكي من مواليد عام 1939. عمل بالتدريس في جامعة أوهايو وتوفي عام 2019. من أهم أعماله زرافة (1974)، أجسام صيفية (1983)، الزواج بين الأشجار (1997)، قلب قديم (2007)، ساعات يتيمة (2012) وغيرها. الترجمة بالتنسيق مع الشاعر فيليب تيرمان.