3269 Rae Armantroutبقلم: الشاعرة الأميركية راي أرمنتروت 

ترجمة: نزار سرطاوي


 كان كبار السنّ يظُنّون أنّ في وسعهم أن يُبادلوا

أكواز الذرة

بالعمر المديد

والأطفالِ السعداء.

أتصدّقُ ذلك؟

أعني،

أن ذلك صحيح؟

أيمكن أن يحلَّ شيءٌ محلَّ شيءٍ آخر

كما يحجبُ القمرُ الشمسَ

أثناء الكسوف؟

2

تخيل أن إنسانًا

مثلك تمامًا 

بجانبك

أو مجرد إنسانٍ آخر.

لو أنّ هنالك كرسيّين،

فسوف ترغبان بالكرسيّ نفسه.

سوف ترغبان بذلك دائما

أشدَّ من رغبتكما بالسعادة أو الحب.

حين تستيقظ،

لن تتذكَّرَ شيئَا من هذا. 

3

لا تنسَ

أنّ الأم تختفي تحت

الإله الذي

لا ينبغي أن يُذكرَ اسمه.

ابق عليها هناك في الأسفل

ستكون في أمسّ الحاجة،

سيعلو صراخها

بعد أن يمضي زمنٌ طويل

......................

Rae Armantrout

Curses

1

The old ones thought they could trade

ears of corn

for long life

and happy children.

Can you believe it?

I mean,

do you think it’s true?

Can one thing replace another

the way the moon hides the sun

during an eclipse?

 

2

Imagine there’s a person

just like you

beside you

or besides you.

If there are two chairs,

you will want the same one.

You will always want it

more than happiness or love.

When you wake up,

you will remember nothing of this.

 

3

Don’t forget,

Mother’s hidden under

God whose name

must not be said.

Keep her down there.

She’ll be needy,

screeching

after so long

 ***

.............................

الشاعرة الأميركية راي أرمنتروت، هي واحدة من الأعضاء المؤسسين لمجموعة الساحل الغربي لشعراء اللغة، الذين يُعتبرون امتدادًا لما بعد الحداثة. ظهرت هذه الحركة الشعرية في أواخرالستينيّات وأوائل السبعينيّات. وقد أكدّ الأعضاء على دور القارئ في أن يمنح للعمل الشعري معناه. ولم يعيروا أية أهمية للتعبير، بل رؤوا في القصيدة بناءً يقوم على اللغة ويتألف منها. أي أنهم تحدّوا فكرة الوجود الطبيعي للمتكلم  وراء النصّ. وهم عمومًا متحيّزون للشعر النثري. غير أن أرمنتروت تتميز عن  شعراء اللغة بصوتها الشعري الغنائي والتزامها بالقضايا الداخلية والمحلية.

ويرى الناقد ستيفاني بيرت أن أرمنتروت تأثرت بالشاعر وليام كارلوس وليامز، وهو واحد  من رواد ما بعد الحداثة، والشاعرة إميلي دكنسون، المعروفة بقصائدها القصيرة. وقد انعكس ذلك في شعرها، حيث تعلمت منهما أن تُفَكّك الأشكال الشعرية الغنائية وتعيد تركيبها، فتقلبَها من الداخل إلى الخارج أو تسيرَ بها إلى الخلف. وتعلمت أيضًا صياغة الأسئلة الكبرى بجمع كلمات مفردة، وترتيب التعابير القصيرة بصورةٍ خلّاقة. وبذلك غدت من أفضل شعراء جيلها.

ولدت أرمنتروت في مدينة فاليجو بولاية كاليفورنيا، وحصلت على درجة البكالوريوس من جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وحصلت على درجة الماجستير من جامعة ولاية سان فرانسيسكو. صدرت لها أكثر من عشر مجموعات شعرية بالإضافة إلى كتاب مذكرات قصيرة صدر في عام 1998. كما نشرت أعمالها النثرية في عام 2007. وتشمل أحدث مجموعاتها "استحضري" (2020)، "ترنُّح" (2018) "توسُّع" (2017)، "قصائد" (2016)، "هو نفسه" (2015) "مكتوب شعرًا" (2009) الحائز على جائزة بوليتزر للشعر لعام 2010 وجائزة دائرة نُقاد الكتب الوطنية لعام 2009. وقد نُشرت قصائدها في العديد من الأنثولوجيات الشعرية والمجلات.

تقيم أرمنتروت في مدينة إيفيرت بولاية كليفورنيا، وهي أستاذة فخرية قي جامعة كليفورنيا في مدينة سان دياغو، التي عملت فيها لأكثر من 20 عامًا، وقضت سنوات طويلة في إدارة "سلسلة الكتابة الجديدة".

 

 

3252 براين بيلستنبقلم: براين بيلستن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 طويت حزني

طويت حزني

ووضعته برفق في صندوق

وربطته بشرائط

وثبت عليه قفلا قويا متينا.

 

دفنته في الحديقة

بحفرة بعمق عشرة اقدام،

لكنني حين عدت الى الداخل

كان الحزن لا يزال معي

 

واجهته وقلت –

ايها الحزن، لقد دفنتك!

فلماذا انت هنا معي؟

لماذا تتعقبني؟

 

قال الحزن – لكن انا لا يمكن دفني!

لأنني جزء منك

عليك ان تحملني في داخلك

انني مقيد بقيود حول قلبك.

***

......................

عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر) على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له أول مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار) في عام 2016 ورواية بعنوان (يوميات احدهم) في العام الحالي. يواظب بيلستن على نشر قصائده على مواقع التواصل على نحو شبه يومي.

 

3241 لويانغبقلم: لو يانغ

ترجمة: صالح الرزوق


 عشت في كنف جدتي الصماء منذ فترة مبكرة من العمر، وكنت أزور أمي وأبي في أيام العيد والمناسبات فقط. وكان يوجد وراء بيت الجدة بركة بئر عميقة، وفي بركة البئر شاهدت لأول مرة النمر الفضي.  ومعظم ما سوف أسرده عليكم له علاقة متينة بالنمر الفضي. كان شكل أقدام النمر يبرز في مخيلتي الكسولة من خلال ذكريات أيام طفولتي، ويترك حضورا عاطفيا ملهما. وأود أن أبدأ حكايتي من بركة البئر.  وهو أسلوب قديم من أساليب تخزين المياه، ولا يزال قيد الاستعمال في ريف مدينة رونغ تانغ. وكما يدل الاسم، هذه الحفر أشبه بالبركة، ولكنها من ناحية العمق تذكرنا بالآبار. ويجب العناية بنظافة بركة البئر: ويحرم على النساء بشدة غسيل المبولة أو الملابس الداخلية فيها. ومعظم البرك العميقة لا يزيد عرضها على 12 مترا، وهو ما يكفي ليسد احتياجات بيتين أو ثلاثة بالجوار. وأحيانا تستعمل بإخماد النار التي تندلع بأكوام العشب أو بيوت الخنازير القريبة. ويقولون إنه تشكلت بركة بئر جدتي الصماء بالطريقة التالية: لعدة سنوات كان جدول يمر ببيتها، ثم صدر قرار جازم بردمه وتحويله إلى شريط زراعي ضيق.  ولكن جدتي الصماء عنيدة، ولم تلتزم بالخطة، مهما شتمها وألح عليها جيرانها. وحينما ردم القرويون الجدول، بقي جزء من عدة أمتار وراء بيتها، فكلفت بتعميقه بعض الرجال الغرباء. وقد حفروا ما يعادل طول عود بامبو، وأصبح الماء أخضر قاتما جدا. وتحول لبركة بئر إضافية في المنطقة. وأطلق القريون عليه اسم بركة بئر عائلة صان.      

ولكن منذ متى كان اسم الجدة صان؟. حينما كنت صغيرا، كانت تلك البركة العميقة مشكلة بالنسبة لي. وكانت الجدة الصماء تقول دائما إنها رأت الماء يحدد لي أقداري، وكانت تخشى إن سقطت في البركة أنه لن ينقذني شيء منها. ولكن متى كنت أشتاق إلى عالم بركة البئر. وهناك صبي آخر في القرية، أكبر مني بسنة واحدة، اسمه دونغ. وفي إحدى المرات قبض على سلحفاة صغيرة جدا وأتى بها ليعرضها علي. كانت سلحفاة صغيرة جميلة. وإذا قلبتها على قفاها، تمد رأسها وأقدامها، وتحركها بيأس بالغ في الهواء. كانت تتخبط بعنف دون أي فائدة. وقد وجهنا الدعوة لفتاة من القرية لتلعب معنا. وكان اسمها جوان. وكانت بعمري. وكان شعر جوان قليلا وأصفر. وتعقده بشكل تاج على رأسها وفق تسريحة تسمى كعكة العصا. انحنت جوان على كونغ وسألت بحسد:”سلحفاة!. كيف قبضت عليها يا دونغ؟”.

قال دونغ بتعال:”أمسكت بها في بركة بئر”.

سألت:”هل يوجد المزيد منها؟”.

رفع رأسه وقال:”بالطبع، الكثير. حينما قبضت على هذه كانت مغطاة بالطين الأسود. وضعتها في إناء نحاسي وغسلتها. انظري كيف هي نظيفة”.

سألته:”كيف تعلم أنه يوجد المزيد؟”.

قال:”لا أدري”. ودفع يد جوان بعيدا عن سلحفاته وأضاف:”أمي من أخبرتني بذلك”.

قالت جوان:”أراهن أن جونغ لم يقبض عليها. وأحضرتها له الخالة ما”.

كانت الخالة ما هي أم دونغ. وكنا نناديها ما ليس لأنها أمه بل لأن لقب عائلتها هو ما. وكانت الخالة ما أصلب امرأة في القرية، وأقوى من أي رجل.

في ذروة الشتاء، كنت أشاهدها تمر من أمام نافذتي في الصباح الباكر. وكانت تحرص على حمل سلة خيزران كبيرة وشبكة ثقيلة على كتفيها، والعصا تطرق الأرض مع كل خطوة. أخبرتني الجدة أن الشبكة مليئة بالسمك والسرطعون الذي اصطادته من منعطف النهر قرب القرية. وإلقاء القبض على سلحفاة في بركة بئر مجرد عبث أولاد بالنسبة للخالة ما، ولذلك صدقت أقوال جوان. لكن دونغ غضب بعد أن تلقى هذا الجرح في كبريائه.  اختطف السلحفاة، ونظر إلينا نظرة ساخطة.

بعد ذلك، سحرني عالم بركة البئر. وكلما فكرت بكل السلاحف الصغيرة المختبئة في الماء الأخضر الداكن، لم أكن أستطيع الركون للراحة. وقررت عدة مرات أن أتسلل وحدي وألقي نظرة. وفي عدة مرات كنت أبلغ مربع الخضار المزروعة وراء البيت، ولا يبقى غير عدة خطوات تفصلني عن البركة. وفي عدة مرات كانت الجدة الصماء تجرني من أذني للخلف نحو المطبخ المختنق بالدخان. وكانت تشير للإناء الذي يغلي وتقول:”آه يا يانغ. يا حفيدي الطيب. طهوت لك صحنا من الخنزير. لو سقطت في البركة وغرقت، لن تتمكن من تذوقه”.

ولبعض الوقت في ذلك الشتاء، كان الطقس صاحيا على غير العادة ودافئا. وقررت الجدة أن تأتي بشخص يقلم لها أغصان أشجار الصفصاف التي تحاصر بركة البئر. وطلبت المعونة من الخال الخامس الأحدب الذي يعيش في القرية. كان الخال الخامس أشرف رجل في القرية. بعمر الثلاثين فقط، ولكن ظهره محدودب مثل رجل بعمر ستين عاما. واختارته الجدة لأنه يعمل بجد ويحتفظ بلسانه صامتا. قالت:”أضف لذلك أنه يفهم بالماء. ولذلك يمكن لآه يانغ أن يهبط في البئر ليلعب، وحتى لو سقط فيه لا يوجد ضرورة للقلق”. وهكذا ارتديت سترة كبيرة مدرعة مع قبعة قطنية وتبعت الخال الخامس إلى بركة البئر التي كنت أحن إليها. وخلفنا الجدة تحذرنا بقولها:”أيها الخال الخامس، لا تسمح لآه يانغ أن يلعب بالماء”. وعندما وصلنا إلى طرف بركة البئر، كان نور الشمس نظيفا وساطعا وهو يطفو على السطح. وبالتأكيد عمل الخال الخامس الأحدب باجتهاد وصمت. وتسلق واحدة من أشجار الصفصاف الطويلة وانشغل هناك. وقفت بالأسفل، وكنت أحيانا أساعده بتقريب غصن سقط بعيدا. وقفت هناك وبيدي الأغصان وأنا أغالب مشاعر الضجر. ثم نظرت إلى الأعلى نحو الخال الخامس وقلت له:”عند دونغ سلحفاة صغيرة. أتى بها من بركة عميقة. هل تعتقد أنه يوجد المزيد؟”.

جلس على غصن متفرع وهمهم:”حتما، الكثر منها”.

“ولماذا لا يمكنني رؤيتها؟”.

تسلق الخال الخامس شجرة أخرى، وتحرك بهدوء ونشاط وهو يعمل. وحمل مقصا حديديا كبيرا أسود ومنشارا بقبضة خشبية، واستعمل الأداتين بالتناوب ثم انهمك بالتدريج في عمله.

وقف آه يانغ على طرف الماء، وبيده غصن ميت، وراقب المزيد من الحطب والأغصان تسقط بهدوء من الشجرة كأنها ريش بني. رفع آه يانغ رأسه لينظر إلى الخال الخامس على الشجرة، وبدا له كأن الأغصان تسقط من داخل جسمه ذاته. تحرك الخال الخامس من شجرة لشجرة، وهو مستمتع بعمله. ولم يكن لديه أقل إحساس أن آه يانغ تحته قد قابل ماء أقداره - فقد سقط في بركة البئر. إذا هناك حادثتان وقعتا في ذلك اليوم.  استمتاع الخال الخامس بعمله. وسقوط آه يانغ في البركة. وأنت تركز على الجانب الأول، وتتناسى الثاني. والحقيقة، في النهاية، بمقدورك أن تبحث في ذكرياتك عن المشهد وتتوقف عند الجانب الآخر، الذكريات الضبابية (مثل صورة قديمة باهتة) وهو شيء تعجز عن منعه. وأفضل ما يمكن أن تفعله أن تلاحظ أن ضفاف بركة البئر غالبا منحدرة، وفي الشتاء، بعد ذبول الأعشاب، تتحول بركة البئر لما يشبه دلوا غير منتظم وعملاق. كان الضوء ساطعا في ذلك اليوم. وماء بركة البئر الأخضر يخفي العديد من السلاحف. وقد ذابت بقعة من الجليد الذي يغطي الأرض تحت قدمي آه يانغ بما يكفي ليرتبك. وكانت أصغر وأخف الأغصان المتساقطة قد لامست جفنيه ورموش عينيه. وسيتبادر لذهنك ما يلي: مع أن البركة تبدو صغيرة بعين بالغ، مجرد حوض استحمام بيضاوي كبير، كانت بالنسبة لآه يانغ محيطا مائيا، هاوية.

والآن الكلام لآه يانغ. وآه يانغ هو من كتب كل الكلمات التي تراها هنا. أراد آه يانغ أن يقبض على سلحفاة ملفوفة بالماء الأخضر مهما كلف الأمر. وأراد آه يانغ أن يثقب حفرة في درعها وأن يربطها بجذور صفصافة بواسطة حبل يمرره من حافة الماء. واستغراق الخال الخامس بعمله لم يسمح له بالانتباه لسقطتي في البركة العميقة. ولم يكن هناك ما يؤخر وصولي لسطح الماء.  ولكن هناك على وجه الماء المشمس قابلت حاجزا منع خطتي. في الواقع أنا لم أسقط في البركة العميقة - فسطح الماء لم يسمح لي بالغرق. فقد كنت أرتدي معطفا مبطنا وسميكا، وقبعة قطنية، وأقبض بيدي على عصا صفصاف. وهكذا استلقيت على سطح الماء.  كان الأمر أشبه بغشاء قوي يغطي بإحكام بركة بئر عائلة صان، ولكنه كان مجبرا على أن ينحني تحتي. هذا هو ماء أقداري. ماء أقداري تماسك بقوة ولم ينكسر تحتي، حتى انطلقت صرخة من عابر سبيل. لاحقا الخالة ما كانت تقول دائما للآخرين ولآه يانغ:”لو لم أشاهده وأصرخ في ذلك اليوم، لغرق الولد بالتأكيد”. وقالت أيضا:”ضفاف بركة بئر عائلة صان منحدرة جدا ولا يمكن لسرطعون أن يزحف عليها”.  

كانت الخالة ما امرأة قوية، ومن حق الجدة أن تدعوها خشنة. كان صوتها خشنا مثل بقية شكلها. ولم تكن تعلم أن صياحها سيربط آه يانغ بسنوات طويلة من المعاناة والندم. فقد كانت أول مرة أشاهد فيها نمرا فضيا. وكما حصل استلقيت على سطح الماء لحظة، ولكن في تلك اللحظة شاهدت أعظم نمر فضي. يا له من نمر جميل. لم يكن حيوانا من هذا العالم، مصنوعا من اللحم والعظم والفرو. كان خيالا ممتلئا بالفضة. أو يمكن أن تقول كان جسما فضيا: فرو فضي، حركة فضية، اعتزاز فضي، لغز فضي. استلقيت على ماء بركة البئر وراقبت النمر الفضي وهو يقترب من الهواء فوقي، ويدنو من وجهي. ومر ضوء الشمس من خلاله وأصبح خلابا ومخدرا، وراقصا وساحرا.  أغلقت عيني المرعوبتين والمبهورتين. وشعرت كأن النمر الفضي يبتلعني كلي برقة. وانتابني الإحساس أنه ابتلعني فعلا وأودعني في بطنه. وشعرت ببطء أنني أتحول لنمر فضي. وهكذا توالت الأمور.

استمرت التحولات بلا نهاية. وأتذكر آخر شيء لاحظته: نمر فضي يبتلع نمرا فضيا مثله. والطفل الذي كان على سطح بركة البئر اختفى تماما، كما لو أنه لم يكن موجودا. وكما قالت الجدة: كان آه يانغ دائما طفلا مريضا وغير محظوظ.  وقد شاهد قارئ الحظ الأعمى ذلك في لحظة ولادته. لم يكن بمقدور قارئ الحظ رؤية الوجوه، ولكن أمكنه رؤية إرادة السماء. علاوة على ذلك اكتشف الآن طريقه المباشر لبيت الجدة، واقترب منه خطوة بعد خطوة من مسافة نائية. وجلس على منصة خشبية في المطبخ وقال:”هذا الطفل نبيل من حياة سابقة. ويمكن للنبلاء القيام بزيارة ولكن ليس التسكع. وفي أقدار هذا الطفل موت قد يتسبب به الماء، والمعدن، والتراب، والخشب. ولن يموت بالنار”. أطبقت الجدة على أذني اليمنى بإحكام، كما لو أنني أرنب يحاول الهروب. وقرصت أذني وسألت قارئ الحظ:”أخبرنا، كيف يمكن كسر اللعنة؟”. أحنى قارئ الحظ رأسه واحتفظ به كذلك لفترة طويلة، ثم قال أخيرا:”حينما يبلغ عامه التاسع، سيكون لهذا الطفل جذور قوية. احتفظي به حيا حتى يبلغ التاسعة - وما أن تمتد جذوره، لا يبقى مكان للخوف”.

وحينما مرت الخالة ما تحت الأشجار، رأتني مستلقيا على سطح بركة البئر، ألتمع، وعلى وشك الغرق. فصاحت، ثم جرتني من البئر العميقة بيديها الغليظتين. وكان الخال الخامس يترنح ويهبط عن الشجرة. ورفعت الخالة ما جسمي المبتل إلى الأعلى وألقتني على ظهر الخال الخامس المحدودب. وقالت لاحقا:”آه يانغ. أنت تبدو مثل منشفة خرجت من حوض الغسيل، وتنقط بالماء”.

وبعد إنقاذي من بركة البئر تعرفت على سوء حظ آخر لازم طفولتي. وكان سوء الحظ هذا، من البداية وحتى النهاية، متعلقا بعضو رجولتي الصغير: لم أكن قادرا على التبول بسهولة، مهما حاولت. كان عضوي لا يعمل. وشيء ما يعيقه. وكنت أنفق يومي بمحاولات يائسة للتبول. وفي غضون ثلاثة أيام لم أصرف غير ما يعادل عدة فناجين. كنت صغيرا جدا على هذه المعاناة والألم. كانت الدموع تحتقن في عيني، وبحثت عن دونغ وجوان وانضممت للعبة يلعبانها بجاروفة معدنية.

قلت لدونغ:”لا أستطيع التبول. وهذا يؤلمني”.

أشار دونغ للجاروفة وقال:”حسنا. أشحذ الجاروفة واقطع بها عضوك. فتتخلص من الألم”.

قلت له:”ياه. هل يمكنك أن تقطع عضوك أنت؟”.

وأدرت له ظهري وقلت لجوان:”لا يمكنني التبول. وهذا مؤلم”.

قالت جوان:”اسمح لي برؤيته”.

وبسرعة أغلقت سروالي المفتوح وواريت عن الأنظار عضو رجولتي المتألم.

واستاءت جوان. وقالت:”لا فائدة منك. حتى أرواح بركة البئر لا ترغب بك”.

احمرت عيناي وأجبت بغضب:”أنت غبية يا جوان. من قال لك ذلك؟”.

“الخالة ما. الخالة ما قالته. هل ستتخاصم معها؟”.

واقتنعت الجدة الصماء بذلك. وحينما سقط آه يانغ في بركة البئر، استقر رعب في بدنه وأوقفه. أحرقت عدة رزم من النقود الورقية عند جذع الصفصافة القديمة قرب بركة البئر. وبينما النقود تحترق، صاحت بصوت مرتفع:”يا طفلي يانغ. تعال إلى البيت لتتناول طعامك. جدتك تطهو اللحم”.

وحتى هذا اليوم أتساءل هل جزء من روحي ضاع فعلا في الأعماق الخضر لبركة بئر عائلة صان. وكل ورقة نقدية أحرقتها الجدة كانت مقصوصة بعناية بشكل هلال جميل. حملني الوالد إلى المستشفى في مدينة رونغتانغ، وكان بجوار مصنع للأدوات الزراعية. وقادني عبر بوابة مغطاة بستائر ثقيلة إلى غرفة ضعيفة الإضاءة. وبدت لي مثل غرفة تبديل الثياب في حمام عمومي قديم. كانت الجدران المبيضة تحمل علامات قرمزية لا معنى لها. وجاء أحدهم بزجاجة ماء حار. كانت القارورة خضراء ومليئة. وضغطها الوالد على حضني وعلى عضوي. آلمتني في البداية، ولكن بعد قليل شعرت براحة ودفء.

قال الوالد:”ستتحسن إذا وفرنا لك الدفء”.

ولم أصدقه لبعض الوقت. ثم سمعت صوتا متميزا لأدوات زراعية تقعقع وتصفر في الجوار. وتوقعت أنه صوت مذراة فولاذية تضرب زوجا من المقصات. وخشيت أن يستعمل الناس في المستشفى الأدوات الزراعية لشفائي. ثم دخل رجل هزيل بوجه مصفر. لم يكن يرتدي المريول الأبيض. وانحنى له والدي وسأله:”هل حان دورنا يا دكتور؟”. كانت الغرفة التالية ضعيفة الإنارة كذلك. وجدت سريرا مرتفعا من حديد أبيض ملتصقا بالجدار. ألقاني الوالد على السرير، وكان مغطى بفرشة متهالكة من العشب. وتوقعت أن ثقوب الفرشة قد تسبب بها أشخاص يرفسون بكعوب أقدامهم. وضع الوالد يده على جبيني وبدا أنه بحالة شرود.  وبردت فجأة زجاجة الماء الحار في حضني. كانت حياتي قبل أن أبلغ تسع سنوات غير آمنة كما لو أنها شيء عائم يرفض أن يستقر في بدني. أقلق صياحي المرتفع في المستشفى طمأنينة وهدوء نصف سكان مدينة رونغتانغ. في تلك الفترة المبكرة من العمر، أدركت ماذا يعني أن تشتم وأنت على سرير حديدي في المستشفى، وأن تلعن الأشخاص الذين يمسكون بأطرافك دون عزم شديد. قبل أن أبلغ تسع سنوات، استلقيت بالقوة على سرير وأجبرت على إجراء عملية لا أجرؤ على تذكرها الآن.

في الأيام التالية، حينما أصبحت مثقفا معروفا في لاوشينغ، رويت حكاية معاناتي هذه لصديقات مقربات، ولاحظت الافتتان والإعجاب الذي انطبع على وجوههن. قلت لنفسي: لكنهن لسن مثل جوان. ولم أتوقع أن تقول إحداهن:”اسمح لي أن ألقي نظرة”. العديد من الأشخاص حاول في تلك الليلة استراق نظرة من النافذة - وكانوا عمالا صغارا من مصنع الأدوات الزراعية. وأخبرني جواسيس النافذة هؤلاء لاحقا أن عمليتي، والتي أجريت دون مخدر، كانت مرعبة فعلا، وأقسى من مراقبة امرأة في لحظة الولادة. وسمعوا النقاش الذي دار بين الطبيب الهزيل والوالد.

سأله الطبيب:”هل يجب أن نخدره؟”.

ورد والدي:”لا، قد يضر بدماغه”.

وتردد الدكتور ثم قال:”قد لا يتمكن من تحمل الجراحة”.

ورد والدي:”الغباء الذي يقتل، وليس الألم”.

سعل الطبيب الهزيل عدة مرات بجفاف وفرك يديه معا ثم قال:”حسنا إذا. عليك أن تساعدنا بتثبيت ذراعيه”.

واستدعى رجلا آخر بوجه خشن ليثبت ساقي. وأخرج من جيبه سلكا طويلا وغريبا. كان أطول من قدم، وطرفه مسطح ومعقوف. وكان أشبه بمنظف أذن عملاق. قدر وزنه وهو يلمع بين يديه. وقال:”حسنا، هل أمسكتما به؟”. ويمكن لجواسيس النافذة أن يسردوا ما تبقى بتفاصيل مطولة. ويمكنهم أن يخبروك كيف أن الطبيب الهزيل مد يدا مصفرة ولمس برشاقة عضو آه يانغ، ثم بحذق ومهارة دس السلك فيه. ثم عانى آه يانغ من الأوجاع كأنه سمكة على مقلاة: وتقوس عضوه، وانكمش، والتف حول نفسه. ثم ضغط أبوه والرجل الآخر أطرافه على السرير. ولم يكن بمقدوره بعد ذلك أن يتحرك، وشرع بالبكاء والشتائم. ثم أصبح صوته تقريبا بعيدا عن أصوات البشر. وتدفقت كمية كبيرة من السائل من عضوه، وكان مزيجا من البول والدم. وابتل الفراش تحته واصطبغ بلون أحمر. وطرق رأسه بالسرير الحديدي طرقة قوية. ولم يعد بمقدوره أن يصيح أو يئن. وواصل البول والدم بالتدفق منه، وبلغ أطراف السرير وانهمر بنقاط على الأرض. وشلت حركة آه يانغ وارتجف، كما لو أنه في نومه.

وعندما كبرت، أخبرني الوالد بفظاظة:”لم نستعمل المخدر كي لا تفقد وعيك”. 

ولزمت الصمت. ومع ذلك فكرت أن “الوعي” ينفع قليلا ولكنه يزيد من حساسية الإنسان للألم. وحتى هذا اليوم يوجد على رف الكتب عندي زجاجة صغيرة أنيقة، وتحتوي على شيئن اثنين يمكن ملاحظتهما بالعين المجردة.. خصلة من الشعر، مقصوصة من رأسي عندما كنت بعمر عام واحد. وحصوة صغيرة مستديرة بحجم حبة بازلاء. والحصوة في الزجاجة هي ما أخرجه من جسمي الطبيب النحيل. وهناك أوقات أتساءل فيها كيف يمكن لشيء مستدير ورقيق كحبة البازلاء أن يسبب لي كل هذا المقدار من الألم. ولكن ما لم يشاهده الجواسيس الواقفون وراء النافذة هو النمر الفضي. أنا من شاهده. بخضم آلامي، شاهدت النمر الفضي مجددا. وكان نمرا فضيا آخر. أو ربما هو نفس النمر الفضي غير أنه بدل طبيعته. النمر الذي كان على سطح بركة البئر لطيف ومشرق. والآخر الذي كان تحت سرير المستشفى الحديدي عنيف ومتحفز. مد النمر الفضي رأسه من الظل الموجود تحت السرير وفتح فمه الواسع والغامض، وعض كاحلي الأيمن. وشعرت بأسنانه تغوص عميقا في عظامي وتجرحها. وشعرت بها وهي تنفذ منها وتبلغ السرير بقوة جامحة. وشعرت كما لو أنها تجرني لظلمة حقيقية. وحاولت أن أقبض على أطراف السرير. وأصبحت ممتنا للأيدي التي أحكمت وثاق أطرافي. وأملت بضغط أقوى ودون شفقة ليثبتني على سرير المستشفى. ولم أكن أريد أن يجرني أحد بعيدا. قلت:”ساعدوني. إنه يريد أن يحملني لمكان بعيد”.

ولكن لم يسمع ولو شخص واحد ما أقول لا من داخل ولا خارج الغرفة. كانت الجراحة قد وصلت لذروتها. ولم يكن لديهم أي نية بالرحمة. وتعبت يداي من التشبث لكن لم أفلت أطراف السرير. في الحقيقة نزفت من مكانين خلال الجراحة. كان عضو آه يانغ ينزف. وكاحل آه يانغ أيضا كان ينزف. نوع من الوجع هناك، ونوع آخر هنا. هل يمكنني الكلام عن المسألة هكذا؟. كنت أريد أن تفهم أن النمر الفضي كان حاضرا فعلا. وجاء عدة مرات. وعلامات أسنانه محفورة بجسمي لهذا اليوم. قاومت النمر الفضي لثلاثة أيام وليال. وخلال الأيام الثلاث والليالي الثلاثة تلك فقدت كل شعوري بأي شيء في المستشفى. وكانت الساحة هي السرير الحديدي، وهناك قاومت النمر بكل استطاعتي وانتصرت في النهاية.

وفي صباح اليوم الرابع، وصل الخال الخامس وحملني من المستشفى على ظهره الأحدب. واستلقيت على ظهره وشاهدت الحقول الواسعة المنبسطة خارج المستشفى. وشعرت بالريح الباردة تهب من الشمال وتداعب خدي المتورمين. استلقيت على ظهر الخال الخامس ونحن نعبر من حقل إلى حقل آخر من هذه الأرض الباردة وسنابل القمح، حتى بلغنا القرية. ولاحظت العصافير التي تطير من أطراف البناية، بأسراب وجماعات محدودة العدد، كما كانت دائما. وقفت الجدة الصماء تحت الشرفات، وهي تلوح لي من مسافة بعيدة. وقفت هناك تنتظر لثلاثة أيام وثلاث ليال. وسألت كل العائدين من مدينة رونغتانغ عني. كان سؤالها يتكرر:”هل بكى آه يانغ؟”. وأتيت إلى جدتي محمولا على ظهر الخال الخامس. قلت في أذنها:”يا جدتي آه يانغ لم يعول. آه يانغ عاد الآن”.

وكان صوتي هامسا وناعما بالنسبة لي. وراقبت جدتي وهي تغطي عينيها فجأة وتبدأ بالنحيب. ونسيت أن تغطي فمها. كان فمها متعبا وفارغا، ثم فتحته، وأصبح كبيرا ومستديرا، أمامي. ولم يكن فما جميلا يستحق أن تنظر له. في الأيام التالية، حينما أصبحت مثقفا في لاوشينغ، بحثت عن طريقة لأكتب عن الكوخ الذي عشت فيه خلال طفولتي مع جدتي الصماء. كتابة بسيطة وصريحة. إن قمت بزيارة الريف المحيط ببلدة رونغتانغ الآن، لن تمر بأي كوخ بهذا الجمال. جدران البيت كانت بسمك قدمين ومصنوعة من التراب والطين. أو بالأحرى من التراب المطروق. والرجل الذي بنى البيت كان يستعمل الطين، ثم يطرقه بعصا قوية ويكومه. وما بين التكويم والطرق يستغرق الجدار الواحد عدة أيام ليكتمل.  واستمتعت بصوت العصا وهي تخبط التراب المبلول. ذلك الصوت كان يذكرني بالريف. كان السقف مصنوعا من بساط قصب مجدول، مغطى بأعواد القمح الذي يوفره حصاد موسم الخريف. كانت مكومة بطبقات ومهارة. واستعمل البناء حجرة مسطحة ليرتب كل طرف من حزم القش حتى يصبح متساويا. ثم شذب الطرف الآخر بمقص واستبعد بحرص الأعشاب والأجزاء المكسورة. حتى أن إضافة عيدان السقف كان بنظام مثالي، استمر القش أصفر وطازجا ولماعا لستة شهور وربما أكثر. وتذكرت العناية الخاصة التي التزم بها البناء وهو يوضب الأطراف، دون أن يشعر بالتخاذل أو تمام الرضا. وبعد أن انتهى، ألحق كوخ الجدة الصماء العار ببقية البيوت. كان له باب ونافذة في المطبخ. وأمام النافذة غراس شجرتي أكي دنيا، وحينما بلغت التاسعة من عمري كانتا قد أصبحتا طويلتين ومزدهرتين، وأطول من أفاريز البيت. 

وأنا أتكلم عن كوخ فارغ. وكما يعرف الجميع، عندما توفيت الجدة الصماء دفنت في حديقة الخضار أمام البيت. ومن ناحية أخرى تقدمت بعمري وتجاوزت التاسعة وفي النهاية ركبت القطار وسافرت إلى لاوشينغ وأسست بيتا. وفي الحقيقة أنا أتكلم عنه كبيت فارغ. لم يكن فيه أحد. فقد غادر كلانا أنا والجدة، ولكن غادرنا بطريقتين مختلفتين. وكلما واجهت الكوخ أشعر بالاضطراب. وكنت أشعر بضرورة ملء فراغه بأشياء ليس لها شكل محدد. ربما عبير الطعام يفيد بذلك. وربما رائحة لحم الخنزير المسلوق وكعك الذرة. وقبل أن أبلغ تسع سنوات، وكلما أنهكني المرض، أو سقطت في الماء، أو سقطت من شجرة صفصاف أو دراق طويلة، وكلما جرحت أو تلقيت ضربة، أو تفاديت الموت بصعوبة، كان مطبخ الكوخ يكفي بما فيه من روائح الأشياء الطيبة لأستعيد توازني. كنت ألتهم خنزير الجدة المسلوق كل عام تقريبا. وكعك الذرة المصنوع باليد كان رقيقا ولذيذا، طرف يشوبه لون بني، وطرف لونه أصفر شاحب. وعلامات اليدين على سطح الكعك كانت واضحة ومؤثرة.

في تلك الأيام المشحونة بالعبير، كانت البنت جوان الصغيرة تأتي دائما باكرا لنلعب حتى يحين وقت الطعام. وكانت جدتي تعزيني بقولها:”علينا جميعا أن نشارك آه يانغ”.

وقالت لي أيضا:”لو شاهدتك جوان وأنت تأكل كعكة الذرة، عليك أن تقدم لها قطعة. وكلما شاهدك شخص ما تأكل، عليك أن تدعوه ليشاركك طعامك”. وشرحت لي أن الطعام يصبح مر المذاق إن نظر إليه الناس لفترة طويلة، ويسبب بالتالي المغص. وأنا متأكد تماما أنه لم يراقب الجدة أحد وهي تجهز كعكة الذرة لآخر مرة. كانت تتلكأ في المطبخ، ومن الواضح دون رغبة بمغادرته. وأنفقت كل يومها فيه. وطيلة اليوم من الصباح حتى المساء، كان دخان الموقد يهب من المطبخ بشكل حلزوني. وفي ذلك اليوم صنعت الجدة خمسمائة وواحدا وستين كعكة ذرة. كل كعكة منها كانت لذيذة، وأفضل مما كانت تفعل في السابق.

ولأنني حرمت من المخدر خلال الجراحة، وهو ما ضاعف من آلامي، قدم الوالد غفارة متواضعة تدل على الندم. 

أحضر لي من بلدة رونغتانغ جرسا صغيرا نحاسيا، بحجم حافر ثور، مع مطرقة مصنوعة من خشب القصب، والطرف العريض ملفوف بالقماش بإحكام. وقدم لي الجرس والمطرقة، وهو يقول:”آه يانغ، لو أنك شعرت بأي ألم، فقط اقرع الجرس هذا بقدر ما يمكن”. 

سألته ولماذا أفعل ذلك.

رد الوالد:”إذا قرعت الجرس، سأسمعك، وسأحضر وأحملك إلى المستشفى”.

نظرت للجرس النحاسي الصغير، دون أن أتجرأ على لمسه. ولكن في ذلك اليوم، بعد أن جهزت كعكة الذرة، قالت الجدة فجأة لي:”اذهب يا آه يانغ إلى القرية في ظهيرة الغد واقرع جرسك”.

سألتها لماذا. فركت الجدة أذني وقالت:”فقط نفذ ما طلبته منك”. 

وراء الكوخ توجد أرض الخضار، وبعدها بركة البئر. وأمام البيت حقول القمح - حقل بإثر آخر. وفي الشتاء، لا توجد فاصولياء وراء البيت. ولن تجدها مهما حاولت. وكل شيء حول الكوخ يتبدل مع تبدل الفصول. وما يجب أن يتوفر هناك في الربيع تجده في الربيع. وما يجب أن يتوفر في الصيف تجده هناك في الصيف. وما يجب أن يتوفر في الخريف تجده في الخريف. وما يجب أن يتوفر في الشتاء تجده في الشتاء. وعليه لا تجد فاصولياء حمراء وبيضاء.

حينما بلغت التاسعة، أصبحت جذوري قوية. وحينما بلغت التاسعة، تركتني الجدة الصماء. كما لو أنه اخترقتها موجة، وماتت تقريبا بسبب الخزي والخجل. تركت ثيابها مغبرة ولم تغسلها. والجميع ذكروا أنها عندما كانت شابة أصغر بالعمر كانت شديدة النظافة وجذابة جدا. كانوا محقين. لم تتمكن من تحمل أحوالها، وفي آخر بضعة أيام غالبا ما كنت أسمعها تكلم نفسها وتقول:”أنا قذرة، يجب أن أموت”. وغابت الشمس، وسطعت من قرية بعيدة. أخرجت الجدة الصماء كعكة الذرة، وقدمتها للجميع تقريبا في القرية. وتمشت بهدوء، بخطوات ثابتة. ولم تلمس قدماها التراب إلا لمسا خفيفا وهي تقدم آخر هداياها للجميع. وطيلة الليل انتشر عبير كعك الذرة في كل أرجاء القرية. وربما كانت تلك الرائحة الثقيلة هي التي أبقتني مستيقظا في تلك الليلة.

ربتت الجدة على لحافي القطني وهي تقول:”نم”.

ولم أرغب أن أغضبها، وتظاهرت أنني نائم. ولكن وسط ظلمات طفولتي، وصلت لأذني أنعم الأصوات، وعيناي شاهدتا كل الأشياء المتحركة. وكان هذا النمر الفضي مختلفا. وربما كان هو نفس النمر الفضي، ولكنه بدل مجددا طبيعته. كانت حركاته بطيئة وحرة كلما اقترب.  وقف أمام باب الكوخ مثل مقعد حجري قديم. باردا وثقيلا. وفي تلك الساعة حين رأيت النمر الفضي لم أكن أعلم أنه نمر، ولم أحسن تفسير لونه، ولا سطوعه. وعبارة “النمر الفضي” شيء فاجأني لاحقا، حينما تقدمت بالعمر، وهي عبارة استعملتها لوصف خبرات أيام شبابي. كان “النمر الفضي” واحدا من البركات التي ضمنتها بعد سبعة عشر عاما من التعلم. وهو ما يعرف باسم “عبارة مركبة”، والعبارة المركبة، كانت ترتبط بكلمات وعبارات غيرها لإغناء كلامي. وفي نفس الوقت كصورة مرئية كانت تضيء مجال خبراتي. وقد استندت الجدة الصماء على شجرة الأكي دنيا الموجودة على يسار النافذة، ووقفت على حجرتين مكسورتين سقطتا من المدخنة، وجرت نفسها بصعوبة لتصعد على ظهر النمر الفضي. كان النمر مطيعا. ويبدو أنه أحنى رأسه وركبتيه. فصرخت “لا تذهبي يا جدة. لا يمكنك أن تسمحي له أن يحملك بعيدا. لا تذهبي. لا تدعيه يأخذك بعيدا”.

هكذا صرخت، وتابعت الصراخ حتى أول خيط من الفجر. وفي ظهيرة اليوم التالي، ذهبت إلى القرية لأقرع جرسي. وقرعته في كل أرجاء القرية، قرعت الجرس وأنا أعدو. وكلما أسرعت بخطواتي ارتفع رنينه، وكلما ارتفع رنينه تضاعفت سرعتي. كنت سريعا، وكنت عالي الصوت. وتمنيت أن أتوقف، وأن يحملني الخال الخامس إلى أمي وإلى أبي. وتمنيت أن أستلقي على ظهره الأحدب وأودع دونغ والخالة ما والبنت الصغيرة جوان التي ستلحق بي.

وسأقول:”لا تتبعيني. عودي أدراجك”.

***

..........................

* الترجمة من الصينية: إريك أبراهامسين بتمويل من مشروع نانجينغ للمواهب الأدبية الشابة.

لو يانغ Lu Yang كاتب صيني معاصر.

 

3236 لاكسميسري بانيرجيالشاعرة الهندية لاكسميسري بانيرجي

ترجمة: نزار سرطاوي

منذ بزوغ الفجر حتى ساعة الغسق مشيت

على امتداد الشاطئ

في قلب الضباب البهيّ

وقد اجتاحتني نشوةٌ غمرتها ضياء الشمس والدموع بالنور

وأنا أجمع حصواتي 

الكريمة وأحصيها واحدةً واحدةً  

حصواتي تلك التي لن أفترق عنها ما حييت

آه كم أعتز بامتلاكها 

وأغلق باب قلبي عليها

كما الجواهر التي تُستخرج من

رحم الأرض... 

حصواتٌ ذات ألوان زاهية

 تعلوها مسحاتٌ من غبار الفضة والذهب

لاهيةٌ عن ألوان السماء التي

سريعًا ما يعتريها التغير

حتى غروب الشمس ...

 

في العتمة اجتاحتي العاصفة الثلجية والأمواج

وجرفتني إلى البحر الهادر

فيما راحت الأمواج العاتية تدفعني إلى الوراء

وضاعت حصواتي الكريمة في البحر

الملاح الوحيد ناداني 

آن الأوان لنمضي

إلى ما وراء العدم...

 

مرّ جيلٌ بعد جيل

البحر يتدحرج عائدًا

وأرى بصماتي على الشواطئ الرملية

والأطفال يلعبون بحصواتي المتلألئة

المَطليّة المُلوّنة

وأيديهم الرقيقة المُكوّرة

تقدمها  قرابينَ للخلود ...

...........................

Pebbles

Laksmisree Banerjee

from dawn to dusk I walked

along the shore-line

in glorious haze

in sunlit and tear-lit trance

collecting, counting

my precious pebbles

those I would never part with

possessed proudly

and closeted in my heart

like gems scooped out of

the earthly womb…

pebbles of alluring hues

smeared with silver and gold dust

unmindful of the fast changing colours of the sky

till sundown…

in darkness the blizzard and billows

swept me into the rumbling deep

as the fierce waves threw me back

my rich pebbles lost in the sea

the lone boatman called me out

it was time for me to go

beyond the Void......

after generations have gone by

the sea rolls back

as I see my seal on the sandy shores

the children playing with my glittering pebbles

glazed and multihued in

their balmy cupped palms

offerings for Eternity…

***

.............................

تعدُّ الدكتورة لاكسميسري بانيرجي واحدة من الأصوات الشعرية البارزة في الهند. وهي أستاذة جامعية وكاتبة وناقدة أدبية ومحررة وتربوية ومغنية. تولت سابقًا منصب نائب العميد، وتُدّرس اللغة الإنجليزية والدراسات الثقافة. وقد صدرت لها ثمانية كتب شعرية وحوالي 160 بحثًا وكتابًا أكاديميًا حول مجالات متنوعة في الأدب والفن والثقافة، وفازت بالعديد من الجوائز.

والدكتورة بانيرجي خبيرة على المستوى المحليّ والدولي في برنامجيْ فولبرايت والكومنولث، حيث تقوم بتدريس الشعر والموسيقى وإلقاء المحاضرات، علاوةً على قراءة الشعر في الجامعات والمهرجانات في العديد من دول العالم. تؤمن باستخدام قلمها وصوتها من أجل التغيير الاجتماعي.

يُذكر أن الدكتور بانيرجي هي المرشح الهندي لرئيس الدولة في مجالس إدارة الجامعات المركزية.

 

محمد عبد الكريم يوسفبقلم: سارة تيسديل

نقل معانيها إلى العربية:

محمد عبد الكريم يوسف


 جاء الملوك من الجنوب

يرتدون فراء جميلا؛

حملوا له ذهبا وعقيقيا،

وهدايا من النبيذ الثمين.

 

جاء الرعاة من الشمال.

كانت معاطفهم بنية وقديمة.

لقد أحضروا له الحملان المولودة حديثًا

لم يكن لديهم أي ذهب.

 

جاء الحكماء من الشرق.

يلفهم البياض .

اهتدوا بالنجم طوال الطريق

لقد مجدوا الليل.

 

جاءت الملائكة من السماء في الأعالي،

وكانوا لهم أجنحة.

و قد أحضروا أغنية بهيجة

يرنمها ضيوف السماء.

 

قرع الملوك على الأبواب،

دخل الحكماء،

وتبعهم الرعاة

لسماع الأغنية تبدأ.

 

رنمت الملائكة طوال الليل

حتى شروق الشمس

لكن يسوع الصغير نام

قبل أن يتم الانتهاء من الأغنية.

 ***

....................

النص الأصلي:

Christmas Carol

By Sara Teasdale

 

 

عبد الوهاب البراهميبقلم: فكتور هيجو

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي


 يغمر الشتاء ببياضه الطريق الوعر

أيامك مرعى للأشرار

يَعَضُّ الشتاء يدك الناعمة؛

ينفخ الكره في فرحك

 

يملئ الثلج  الأخدود الأسود

الضوء خافت...

أقفل  بابك على ريح الشمال

أغلق نافذتك على الغيمة الحالكة

 

ثمّ اترك قلبك مفتوحا!

فقلبك نافذة مقدّسة.

الشمس ملبّدة بالغيوم

لكن ربّما يشعّ الله بنوره!

 

ارْتَب في السعادة ، ثمرة  فانية

ارتب في الإنسان مثقلا بالرغبة

ارتب في  الكاهن والمذبح،

ولكن آمن بالحبّ، يا حياتي!

 

آمن بالحبّ ، دائما كلّه،

لامعا دوما تحت كلّ الحجب!

بالحبّ جمرة المدفأة !

بالحبّ ، شعاع النجوم!

 

أَحِبَّ ولا تيأس .

في روحك ، حيث أمرّ أحيانا،

حيث تهمس أشعاري،

دع كلّ شيء مكانه.

 

الوفاء بلا ملل،

سلام القيم الرفيعة،

والتسامح مع الآخرين،

تخلّص من أخطاءك البريئة.

 

في فكرك حيث كلّ شيء جميل

لا تدع شيئا يسقط أو يتراجع.

اجعل من حبّك شعلتك.

فنحن لا نضيء إلا بما يحرق.

 

لشياطين العداوة

قابلهم بلُطفك الهادئ،

وصبّ عليهم شفقة

كلّ ما ألقوه  عليك من كره.

 

الكره، شتاء القلب.

أشفق عليهم! لكن حافظ على شجاعتك.

حافظ على ابتسامتك القاهرة؛

قوس قزح جميل، أخْرُج من العاصفة!

 

حافظ على حبّك الأبديّ.

الشتاء، هل يطفئ النجم شعلته؟

لا ينزع الله شيئا من السّماء؛

فلا تنزع شيئا من روحك!

***

فكتور هيجو.

.........................

المصدر:

https://www.poetica.fr/poeme-275/victor-hugo-il-fait-froid/

 

عبد الستار نورعليللشاعر توماس ترانسترومر

ترجمة: عبد الستار نورعلي


 1

شيخان، الحما وصهره،  ليزت وفاغنر(1)، يقيمان عند القنال الكبير

سويةً مع المرأة المضطربة المتزوجة من الملك ميداس

الذي يُحوِّل كلَّ شيءٍ يلمسه الى فاغنر.

برودة البحر تتسرّب منْ أرضية القصر.

فاغنر بارز، الصورة الجانبية الشهيرة لكاسبر(2) متعبة أكثر من السابق

الوجهُ رايةٌ بيضاء.

الجندول مُثقَل بحِمل حياتهم، رحلتان: واحدة ذهاباً وإياباً، والثانية ذهاباً.

 

11

نافذة في القصر تحلِّق عالياً، وأثناءها تبرز ملامحُ رجلٍ يُكشّر فجأة

في الخارج يبرز الجندولُ فوق الماء واثنان من قطاع الطرق يجذفانه، كلٌّ بمجذاف.

ليزت قد كتب عدة اتفاقيات تسوية كانت ثقيلةً لدرجة أنَّ عليها أنْ تُرسَل

الى معهد علم المعادن في پادوفا (3) للتحليل.

شُهُب!

كانت ثقيلةً لدرجة أنَّ عليها أنْ تستريح، يمكنها أنْ تنخفض وتنخفض لتغرقَ خلال المستقبل حتى القاع

الى سنوات القمصان البنية.

الجندول ثقيل بحِمل كومةٍ منْ صخور المستقبل.

 

111

ثقوب على 1990

 

25 مارس. اضطرابات تسود ليتوانيا.  

حلمتُ بأنّني زرتُ مشفىً كبيراً.

لا يوجد موظفون. كان الكلُّ مرضى.

 

في نفس الحلم مولودة جديدة

تكلمتْ بلغة سليمة.

 

V1

بجانب الصهر يظهر رجل الزمان ليزت وكأنّه سيد إقطاعيٌّ كبير متآكل

إنّه قناع

العمقُ الذي جرّب أقنعة مختلفة ورفضها اختار له هذا القناع

العمق الذي يتغلغلُ في نفوس الناس دون أنْ يُظهرَ وجهه.

 

V

آبه ليزت معتاد أنْ يحمل حقيبة سفره بنفسه خلال تساقط الثلج وفي ضوء القمر

وعندما يموت لنْ يستقبل جثمانَه أحدٌ في المحطة.

نسيمٌ عليل من كونياك فاخر ألقاه بعيداً وسط مهمة خاصة.

لديه مهمات دائماً.

ألفا رسالة في السنة!

التلميذ الذي أخطأ املائياً كتابة الكلمة يُعيد كتابتها مئةَ مرة قبل أنْ يحقَّ له الذهاب الى البيت.

الجندول مُثقَل بحِمل الحياة، بسيط وأسود.

 

1V

العودة الى 1990 .

 

حلمتُ بأنّي سُقْتُ عشرين ميلاً دون جدوى.

حينها كبُر كلُّ شيء. البلابلُ كبيرة بحجم الدجاج

غنّتْ عالياً لدرجة أنّها أصمّتْ أذنيَّ.

 

حلمتُ بأنّي رسمتُ أزرار بيانو

على مائدة الطعام. عزفتُ عليها، بصمت.

دخل الجيران ليستمعوا.

 

11V

النوطة الموسيقية التي صمتت خلال بارسيفال (4) كلّها (لكنها أصغتْ)

جاز لها أخيراً أنْ تقول شيئاً.

تنهُّدات... مقطوعة موسيقية...

عندما يعزف ليزت الليلة يضغط على دوّاسة البحر الى الأسفل

لدرجة أنّ القوة الخضراء للبحر تنطلق الى الأعلى من خلال الأرض مع الصخور لتغمر البناء كلّه.

مساء الخير ايتها الأعماق الجميلة!

الجندول مُثقَل بالحياة، بسيط وأسود.

 

111V

حلمتُ بأنّي سأبدأ الدراسةَ لكنّني تأخّرتُ.

كلُّ الذين في الفصل يضعون أقنعة على وجوههم.

مَن هو المعلّم لا يمكن التكهُّن.

***

ترجمة: عبد الستار نورعلي

تشرين الأول 2021

.....................

تعليق:

في دورة عام 1882/1883 زار ليزت ابنته (كوسيما) وزوجها (ريتشارد فاغنر) في مدينة فينيسيا. بعدها بأشهر توفي فاغنر. في هذه الفترة ألّف ليزت مؤلفَين موسيقيين اثنين على البيانو أسماهما "الجندول الحزين".

هوامش المترجم

*)  (Sorgegondolen Nr.2  قصيدة منْ مجموعة (Sorgegondolen ) الصادرة 1996، للشاعر السويدي  Tomas Tranströmer)، 1931- 2015) الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2011

1ـ ليزت: هو الموسيقار الهنغاري فرانز ليزت (Franz Liszt ، 1811ـ 1886)

(فاغنر): الموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر ( Richard Wagner 1813ـ1883) تزوج من ابنة ليزت (كوسيما)

2ـ كاسبر ( Kasper): أحد الحكماء (أو الملوك) المجوس الثلاثة الذين جاؤوا من بلاد فارس مع هدايا لمباركة المولود الجديد: المسيح عيسى بن مريم.

3ـ پادوفا (Padova) مدينة ايطالية، كانت مسرحاً لأغلب أحداث رواية شكسبير (ترويض النمرة)

4 ـ پارسيفال (Parsifal) : أوبرا من تأليف فاغنر 1882  

 

3178 ماري إليزابيث فريمن الادب العالمي

بقلم: ماري إليزابيث فري

ترجمة: سوران محمد


 لا تقف عند قبري وتبكي

أنا لست هناك، أنا لم أنم.

أنا الرياح التي تهب.

أنا الماس الذي يلمع على الثلج.

أنا أشعة الشمس على الحبوب الناضجة.

أنا المطر الخريفي الناعم.

عندما تستيقظ في صمت الصباح

أنا الاندفاع السريع

رافعة الطيور الهادئة في رحلة دائرية.

أنا النجوم الناعمة التي تلمع في الليل.

لا تقف عند قبري وتبكي.

أنا لست موجودا هناك، لم أمت

***

.........................

النص بالانجليزي:

Do not stand at my grave and weep

I am not there. I do not sleep.

I am a thousand winds that blow.

I am the diamond glints on snow.

I am the sunlight on ripened grain.

I am the gentle autumn rain.

When you awaken in the morning's hush

I am the swift uplifting rush

Of quiet birds in circled flight.

I am the soft stars that shine at night.

Do not stand at my grave and cry;

I am not there. I did not die.

***

* نبذة عن الشاعرة:

ولدت ماري إليزابيث كلارك عام 1905، وتيتمت وهي في الثالثة من عمرها. في عام 1927 تزوجت من كلود فري، و توفيت عام 2005 عن عمر ناهزت 100عام.

كانت الشاعرة ربة منزل وبائعة الزهور، تعتبر هذه القصيدة من أهم قصائدها والتي كتبتها في عام 1932.

لم تكن هوية مؤلفة القصيدة معروفة حتى أواخر التسعينيات ، عندما كشفت فراي أنها قد كتبت هذه القصيدة. حيث أثبتت شاعريتها للجميع لاحقا.

وقد تم استخدام قصيدتها أيضًا في احدى المناسبات النرويجية تعبيرا عن التعازي لضحايا النرويج الدموي عام 2011 على يد متطرف يميني.

المصدر:

poemhunter.com/poem/do-not-stand-at-my-grave-and-weep

 

 

3161 هيلين هانت جاكسنبقلم: هيلين هانت جاكسن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 صبيحة العام الجديد

ما هي الا ليلة واحدة بين القديم والجديد!

ليلة واحدة فقط وقد حدث الكثير!

اصبح قلب العام القديم منهكا،

الا انه قال: "لقد جلب العام الجديد راحة."

سجّى قلبُ العام القديم آماله

كما في قبر؛ الا انه قال:

"براعم اكليل العام الجديد

تتفتح من رماد الأموات."

كان قلب العام القديم مليئا بالجشع؛

كان يتوق ويتحرق شوقا بأنانية،

ويصرخ: "لا املك نصف ما احتاج.

ضمأي شديد ولا ينطفئ.

ولكن الى يد العام الجديد الكريمة

كل الهدايا سوف تغدق؛

المحبة الحقيقية سيفهمها؛

ومن جميع اخفاقاتي سوف يتعلم.

كنت انا متهورا؛

سيكون هو ذا حياة هادئة وساكنة ونقية.

كنت عبدا؛ سيذهب حرا،

ويجد سلاما جميلا حيث تركت صراعا."

ما هي الا ليلة بين القديم والجديد!

لم تجلب ليلة غيرها تغيرات كهذه قط.

العام القديم لديه عمل لينجزه؛

ما من معجزات تحدث في العام الجديد.

 

دائما هي ليلة بين القديم والجديد!

ليل وبلسم النوم الشافي!

كل صباح هو صباح عام جديد متحقق،

صباح لاقامة مهرجان.

كل الليالي تصبح مقدسة

من اجل الاعتراف وعقد النية والصلاة؛

كل الأيام مقدسة لنستيقظ فيها

فرحا جديدا في الجو المشمس.

ما هي الا ليلة بين القديم والجديد؛

ما هي الا اغفاءة بين الليل والصباح.

ما الجديد الا القديم متحققا؛

كل شروق شمس يشهد ولادة عام جديد.

***

................................

هيلين هانت جاكسن (1830-1885) شاعرة وكاتبة أميركية من مواليد آمهيرست بولاية مساتشوستس. اشتهرت بمناصرتها لقضية سكان أميركا الأصليين فكتبت تاريخا لاضطهادهم ونشرته تحت عنوان (قرن من العار) ورواية تصف معاناتهم تحت عنوان (رامونا). نشرت جاكسن خمس مجموعات شعرية منها (أشعار) 1870 و(أجراس عيد الفصح) 1884.

 

 

سوران محمدمن الأدب العالمي

بقلم: أوكتافيو باث

ترجمة: سوران محمد


 وجه جميل

مثل وردة أقحوان تفتح بتلاتها للشمس

وهكذا أنتي

تفتحين وجهك لي عندما أقلب الصفحة.

.

ابتسامة ساحرة

ستأسرين الرجال بسحرك،

آه، يا جمال المجلة.

.

كم من القصائد كتبت لك؟

كم دانتي كتبوا لكي، بياتريس؟

لوهمك الموسوس

لك يا مصنع الخيال.

.

لكن اليوم لن أكتب كليشيهات أخرى

اكتب هذه القصيدة لك.

لا، لا مزيد من الكليشيهات.

.

هذه القصيدة مخصصة لتلك النسوان

اللاتي تكمن الجمال في سحرهن،

في ذكائهن،

في شخصياتهن،

ليست لمظاهرهن المصطنعة.

.

هذه القصيدة لك يا أيتها النسوة

اللواتي  تحبن أن يستيقظ  شهرزاد

يروي  قصة جديدة كل يوم،

قصة تغني للتغيير

تصاحبها تمنيات المعارك:

معارك من أجل حب الجسد الموحد

معارك للعواطف أثارتها يوم جديد

معركة من أجل الحقوق المهملة

أو معارك من أجل البقاء ليلة أخرى

.

نعم، لكي يا  نساء من ألم حول العالم

لك، نجمة مشرقة تضيء دوما في الكون

لك ، يا أيتها المقاتلة  لواحد وألف معارك

لك يا صديقة قلبي.

.

من الآن فصاعدًا، لن ينحني رأسي للنظر إلى المجلة

بدلا من ذلك، يتأمل في الليل

ونجومه المشرقة،

وهكذا، لا مزيد من الكليشيهات.

***

…..................

هوامش:

- بياتريس: (١٢٦٥ – ١٢٩٠) امرأة إيطالية عُرفت عمومًا على  انها كانت مصدر الإلهام الرئيسي للشاعر الايطالي المشهور دانتي أليغيري (١٢٦٥-١٣٢١).

- المصدر: Poemhunter.com

.................................

No More Clichés

Beautiful face

That like a daisy opens its petals to the sun

So do you

Open your face to me as I turn the page.

 

Enchanting smile

Any man would be under your spell,

Oh, beauty of a magazine.

 

How many poems have been written to you?

How many Dantes have written to you, Beatrice?

To your obsessive illusion

To you manufacture fantasy.

 

But today I won't make one more Cliché

And write this poem to you.

No, no more clichés.

 

This poem is dedicated to those women

Whose beauty is in their charm,

In their intelligence,

In their character,

Not on their fabricated looks.

 

This poem is to you women,

That like a Shahrazade wake up

Everyday with a new story to tell,

A story that sings for change

That hopes for battles:

Battles for the love of the united flesh

Battles for passions aroused by a new day

Battle for the neglected rights

Or just battles to survive one more night.

 

Yes, to you women in a world of pain

To you, bright star in this ever-spending universe

To you, fighter of a thousand-and-one fights

To you, friend of my heart.

 

From now on, my head won't look down to a magazine

Rather, it will contemplate the night

And its bright stars,

And so, no more clichés.

Octavio Paz

***

النص الشعري لأوكتافيو باث بالانجليزية: لا مزيد من الكليشيهات، النص الاشهر لباث حسب الموقع الشعري (بووم هنتر)

المصدر/

www.poemhunter.com/poem/no-more-clich-s/

.........................

من هو أوكتافيو باث؟

١٩١٤-١٩٩٨

ولد الشاعر في مكسيك  عام ١٩١٤ في مدينة مكسيكو، ودرس في جامعة المكسيك الوطنية، لكنه غادر الی منطقة نائية في عام 1936 لإنشاء مدرسة لمساعدة الأطفال الفقراء في ولاية يوكاتان الريفية. في عام 1937 قاتل في الحرب الأهلية الإسبانية في لواء جمهوري بقيادة ديفيد سيكروس. کما عمل فيما بعد كصحفي يساري ودبلوماسي مكسيكي 1946-1951، کان صديقا لبابلو نيرودا و التقی بأندرية بريتون في باريس..

وهو كاتب ومفكر سياسي معا. تعكس أعماله أوجه عدة؛ بما في ذلك الماركسية والسريالية وأساطير الأزتك. يستخدم في قصيدته الطويلة  Piedra del sol / Sun Stone 1957(حجر الشمس) صورًا متناقضة، يتركز فيها على حجر التقويم الذي يمثل عالم الأزتك، تارة يستخدمه الشاعر رمزا للشعور بالوحدة لدى الأفراد وبحثهم عن الوحدة مع الآخرين. کما حصل الشاعرعلى جائزة نوبل للآداب في عام 1990.

في عام 1962 تم تعيينه سفيرًا مكسيكيًا للهند، لكنه استقال عام 1968 احتجاجًا على مقتل 200 من الطلاب المتظاهرين عشية الألعاب الأولمبية. في عام 1971 أسس المجلة الشهرية ( Pluralبلورال) والتي سميت فيما بعد (فويلتا)، والتي استخدمها لتحليل الاشتراكية والليبرالية، وحث فيها المكسيكيين على أن يجعلوا بلدهم مستقلا عن التأثيرات الشيوعية والكتلة الغربية الأمريكية.

ولد باث في مدينة مكسيكو، ودرس في جامعة المكسيك الوطنية، لكنه غادر الی منطقة نائية في عام 1936 لإنشاء مدرسة لمساعدة الأطفال الفقراء في ولاية يوكاتان الريفية. في عام 1937 قاتل في الحرب الأهلية الإسبانية في لواء جمهوري بقيادة ديفيد سيكروس. کما عمل فيما بعد كصحفي يساري ودبلوماسي مكسيكي 1946-1951، کان صديقا لبابلو نيرودا و التقی بأندرية بريتون في باريس..

 

3142 caraبقلم: كارا بلو أدامز

ترجمة: صالح الرزوق


عملت هي وأختها معا بصمت. لم تكن توجد حاجة للكلام. وركزتا تفكيرهما على الكلب، وكانتا تتعاملان معه كأنه فراش. كان نصف كولي، ونصف ألماني، ونصف كلب رعاة، ويبلغ وزنه ثمانين رطلا. وكانتا تتعاونان معا على جر قدميه الأماميتين على السلالم كي يصعد إلى الطابق الثاني من البيت. وخلالها ينوح بهدوء كلما رفعتا ساقه ليتمطى باتجاه السماء.

وضعت طبق طعام الكلب قرب فمه. السابع. هذا سابع يوم لم يتمكن من تناول الطعام بشكل مناسب، وبلعومه امتنع عن أداء عمله، وتوجب عليها وعلى أختها أن تمسكا به بطريقة تساعد الجاذبية على إلقاء الطعام في بلعومه ليستقر في بطنه. وهكذا لا يتضور من الجوع إلا بالتدريج. انتشرت رائحة لحوم قوية من الطبق الذي وضعته قرب أنفه. ونبح الكلب بضعف بالغ، ثم نقر الأرض بقوائمه، وكشر لها. لو تركت له الحق بالاختيار لتوقف عن الطعام منذ أيام، ولسمح لضعفه أن يتحكم به، ولغاب عن عينيها في مكان لا تعرفه: الغياب عن الوعي ثم الموت. الموت: يمكنها أن تذكره، لكنه لا يعرف كيف ينطق، وتساءلت، لفترة قصيرة، كيف امتلكت هذا الكلب لتقاوم به زوجها السابق، حتى الموت، ولذلك لن تتخلى عنه ولو حاولت الطبيعة أن تعدمه بطريقتها المسالمة. قال لها البيطري في إحدى المرات: الكلب لا يشعر بالألم مثلنا. وبالتأكيد هو يعني أن الكلب لا  يتأمل نفسه، ولا يتساءل كيف سيتصرف إذا تطفل عليه غريب، وبمن سيضحي - بحياتها، أم بزوجها السابق، أم بابنتهما، أم بحياته - ومن سيكون الثاني والثالث والرابع ومن سيحل في المرتبة الأخيرة - إن الاستلقاء والذهن متيقظ وتدور فيه هذه الأفكار ليس مصدرا للألم عند الكلاب. والكلب لا يمكنه أن يعتاد على الألم، ولا يستطيع أن يرى أنه ضيف محتمل ومحترم. وكلما أطعمت الكلب بهذه الطريقة، كانت تؤلمه مع أنها تبذل جهدها لجره بلطف من صدره العظمي النحيل على السلالم المكسوة بالسجاد، وحتى لو تركته قريبا من أحضانها، كان ينظر إليها بعينيه البراقتين نظرة تقول: لم أتوقع كل هذا منك.

بعد أن انتهى الكلب من الطعام، شعر بالتعب بخلاف أمس وهذا الصباح - وأراح مقدمة فمه على الطبق، وترك نصف المحتويات من الطعام المهروس مكوما تحت أنفه - ثم تعاونت مع أختها لحمله على السلالم. عرج نحو النافذة، ودار حول نفسه ثلاث مرات، ثم انهار مع تنهيدة على الغطاء القديم الذي فرشته من أجله. تحامل الكلب على نفسه بكرامة ولكن دون اعتزاز، واستلقى كما لو أنه يتخذ وضعا لنفسه فوق البقعة التي سيرتاح عليها للمرة الأخيرة. كانت تفكر باستعمال لحافها القطني - فهو على الأقل يستحقه - لكن لم يكن بمقدورها شراء آخر جديد، والكلب لا يعرف الفرق بين نعومة غطاء ولحاف. نقلت ثقلها من وركها الأيمن المتورم لوركها الأيسر، وهي تمعن بالتفكير. وفي الخارج كانت شجرة البتولا تخشخش وتلمع بألوانها الخريفية. تحرك خيال فوق ذيل الكلب ثم تراجع. ورسمت الشمس شكل حدوة حصان على شعره الغزير. يمكنها تأجيل موته ليوم آخر لو أرادت أو يومين. ولها الحق بالاختيار. غير أنه عليها أن تسرع باختيارها، إنما لا توجد لديها فرصة مع القدر، بل مع الوقت فقط. وحينما غادرت أختها، ومعها البنتان لتناول كوكتيل الحليب ثم النوم. طبعت كل منهما قبلة على رأس الكلب، وثانية، والشعر الطويل والأسود يلامس الغطاء. ثم عانقتاه وربتتا على أقدامه. وأخيرا حل الهدوء على البيت. فاستدعت البيطري للبيت. وجاء فعلا في وقت متأخر من تلك الأمسية. 

من هذا المطبخ، سمعت صوت شاحنته تدوس على الممر المفروش بالحصى. هو رجل كبير ووسيم. وقفت قرب النافذة بعيدا عن الأنظار تراقب قدومه. كان فمه مطبقا كأنها تهم بتقبيله، وكلما اقترب، كانت تسمع صفيره. تسلق السلالم الخشبية التي جهزها زوجها السابق ولكنه تردد عليها قليلا، وتراجع، وتوقف، وفحص المواضع الضعيفة. كانت قد انتبهت لبداية تعفنات، واستعارت كتابا من المكتبة العامة يشرح صيانة المنازل. وهي تحتفظ بهذا المشروع لوقت آخر. حينما لا يجافيها النوم. وهي لا تثق بنفسها والمنشار الكهربائي بيدها. وصلت إلى الباب قبل أن يقرعه.

قالت: ”شكرا لأنك أتيت، ولا سيما أنه يوم أحد”.

كانت تعيش على أطراف طريق ترابي، وبعيد عن العيادة. وكان يعمل ويسكن في عيادته. فشقته فوقها في الطابق الثاني.

ابتسم البيطري. هز منكبيه. وقال:”لم أكن مشغولا. أمرر الوقت فقط”.

قادته لغرفة المعيشة.

سألها:”هنا أم في الخارج؟”.

قالت:”هنا”. سألها إن كانت تفضل أن تكون مع الكلب فقالت: ”نعم”. جلست القرفصاء. وشعر الكلب بألمها فاضطرب. لحس وجهها بغيظ. وفك البيطري علبة أدواته، وعبس بالإبرة التي جهزها حتى يستقر السائل في الأنبوب. واستعمل الكلب قائمتيه الأماميتين ليجر جسمه نحو الأمام حتى أصبح نصفه في أحضانها.

قالت: ”وداعا”. وربتت على أذنتيه الناعمتين، وتحسست مفاصله وهي تجر أذنيه للخلف بالطريقة التي يحبها، بمحاولة لترافق هذا المخلوق، وهو يغادر وعيه الرقيق دون أن يفقد الطمأنينة المعتادة التي تشعر بها دائما بسهولة. ولكنها فشلت. ولم تكن تفكر إلا بنفسها. وجد البيطري شرايينه، نبح الكلب، وتوتر، ثم تراخى، وبقيت عيناه مثبتتين عليها بقلق. كأنه لا يزال يسأل: ما هذا؟. ماذا يقلقك؟.

وطبعا كانت تعرف أن البيطري سيحمل معه جثمان الكلب بعيدا كما طلبت منه. وحينما سألها: ”جاهزة؟”. لم تفهم ماذا يقصد. هزت رأسها بكل الأحوال، واستوعبت الموضوع حينما رفع الكلب بين ذراعيه بحركة واحدة. وبعد أن وقفت، حرك البيطري الكلب بيده ليخفف من ثقله. وبدل جثمان الكلب موضعه بخمود كأنه كيس يضم ترابا مفككا.

قالت: ”شكرا”. لم تكن متيقنة لمن توجه شكرها. ولماذا.

فتحت الباب الأمامي للبيطري.

قال البيطري موجها كلامه للكلب: ”حان الوقت لتعود إلى بيتك أيها الرجل الطاعن بالسن”. ثم قال لها: ”سأرسل لك الفاتورة”.

قالت مجددا: ”شكرا”.

راقبت البيطري يحمل الكلب إلى شاحنته، وآمنت أن الأسوأ قد انتهى، هذه الأمسية على الأقل. ولكن البيطري توقف فجأة، وفتح الكلب فمه، وانسكب منه على الأرض سائل أبيض. ولاحظت اسوداد التراب. وانتظر البيطري حتى انتهى التقيؤ ثم تابع مع الكلب بقية الطريق إلى شاحنته. وألقى الجثة في الخلف.

نادت من الباب: ”انتظر”.

وأسرعت على السلالم، ثم عادت ومعها اللحاف. حملته إلى الشاحنة، وهي تقول لنفسها: أنا امرأة حمقاء.

سألته: ”هل هناك مانع؟”. نفض البيطري رأسه. وتراجع، وسمح لها أن تغطي الكلب باللحاف. كانت أقدامه متناثرة بطريقة غير ودودة كأنه ينام على أرض رطبة. وكان جسمه قد تصلب. وبعد أن لفت بإحكام أطراف اللحاف حول خصره، لم تستسلم لها مؤخرته. قالت لنفسها أيضا: أقدم كل شيء في الوقت غير المناسب.  وللشخص غير المناسب. في الغد، حينما تأتي البنتان، ستخبرهما أن الكلب رحل. وستغضبان لأنها لم تخبرهما من قبل لتتمكنا من توديعه. وستقضم الكبرى شعرها، وستضربها الصغرى كما حصل حينما أخبرتهما أنهما لن تلتقيا بأبيهما لبعض الوقـت. وسألتاها: بماذا أخطأت معه؟. ولكن لا يزال أمامها وقت حتى الغد. الآن هي وحدها. وعليها أن تدع الدجاجة المتجمدة أن تذوب لتحضير الغداء، وأن تغسل اللحاف القديم الذي استلقى عليه الكلب قبل ساعة عندما زحف الظلام على البيت، وجر وراءه برد الليل، غير أنها بالتأكيد ستكون آمنة.

سلحت جهاز الإنذار بإضافة الرمز السري بضربات من أصابعها. وغسلت طبق الكلب في المغسلة. وتركت الماء ينسكب حتى ارتفعت حرارته، ووضعت يديها تحته. وأشعلت النور وهي تدخل إلى الغرفة. وأطفأته وهي تغادرها. وأغلقت الستائر بوجه الظلمات.كارا بلو أدامز CARA BLUE ADAMS: كاتبة أمريكية مولودة في هامبشير الجديدة. عملت بتدريس فن الرواية في جامعة أريزونا. تعيش حاليا في لويزيانا. أصدرت أول كتاب لها بعنوان “لن تستعيدها أبدا” في نهاية عام 2021 وحازت به على جائزة جون سيمونز للقصة القصيرة. 

 

 

خيري حمدانبقلم: كالويان خريستوف

ترجمة: خيري حمدان


разговор

حديث

عندما يتوقّفُ المطر

يظهرُ الحمامُ للعيان.

نادرًا ما يلحظه أحد

لكنّ الحمامَ لا يفتأ يذكّرُ بحضوره.

وأنا أريدُ مثله

أن أتربّع بين غصونِ الصمت،

المغطّاة بماءِ المطر

لأذكّرك بين الحين والآخر

أهميّة الاستماعِ لصوتك.

وأذكّرك أن الوقتَ ما بعدَ المطر

حين يملأ الدفْء الأنحاءَ ثانية

بطيفٍ من خيوطِ الذكريات،

لن يكرّرَ المشهد ذاته

إذا لم يتماهى صوتك مع رحابةِ الفضاء

**

دعنا نتحدّث. 

Церква

كنيسة

تُقرعُ الأجراسُ عندَ اكتمالِ الساعة.

رائحة البخّور،

رائحة الفتيل المنطفئ.

تُضاءُ الشموعُ

تلمعُ الأعينُ الرطبة.

الأبسطةُ المغبرّة ترحّبُ

بخطواتِ المصلّين.

شخصٌ ما يقف في المدخل الخارجي

في العتمة.

يتردّد، هل يدخلُ الكنيسة؟

تُقرعُ الأجراسُ عند اكتمالِ الساعة.

**

съвпадения

مصادفات

تصادفتْ خطواتهم

في طرق عديدة

توقّفت أنظارُهُم

في أماكنَ واحدةٍ

متماثلة.

لكنّ حواسهم

لم تلتقِ

أبدًا. 

**

Крепост

حصن

غصنانِ منكسران

حجارةٌ متساقطة

رأسُ مالٍ مهدور.

وهناك عند المدخلِ

ما بين الحجارةِ المرصوفة

انبثقتْ شجرةُ جوزِ هند

بلغَ جذرُها القرنَ الرابعِ الميلادي

وأوراقها تبثُّ

فيلمًا تاريخيًا

في ظلال المدخل.

**

Гара

محطّة

انطلقَ رصيفُ المحطّة

وبقي القطار.

ابتعدت باقةُ الورد

ولم تظهر اليدان.

وسكّةُ الحديد تراقب صدأها الكامن

بخجل.

***

.....................

* ولد الشاعر كالويان خريستوف عام 1997، أنهى دراسته الثانوية في مدينة غابروفو في قسم اللغة البلغارية والآداب. درس الأدب البلغاري في جامعة صوفيا "القديس كليمنت أوخريدسكي" ويعدّ أحد مؤسّسي الموقع الأدبي “Tetradkata.com”. نشرت قصائده في "الصحيفة الأدبية"، مجلة "الشعر الاجتماعي"، "عالم الأدب"، المناخ "زورنيتسا" وغيرها. كتب القصائد المغنّاة. صدر له ديوان "مبارزات ودّيّة" عام 2018، "مصادفات" عام 2018، "جزيئات مالحة" عام 2020. فاز بالجائزة الوطنية "نيكولا فابتساروف" عام 2019.   

 

رضوان ضاويبقلم: يوهانس لبيوس

ترجمة عن اللغة الألمانية: رضوان ضاوي


 نشرت الليلة الكالحة المرصعة بالنجوم،

هدوءً فوق العالم المتعب،

هنا أذن المؤذن لصلاة العشاء،

 من فوق المئذنة الشاهقة،

وقد وقف كل مسلم خاشعا:

"لا إله إلا الله،

محمد رسوله ".

يكاد ضوء الصباح الأول يلوّن

الوجه النعسان،

فيرتقي المؤذن المئذنة مبكّراً،

من أجل صلاة الصبح،

وقد تأمل كلّ مؤمن ودعا ربّه:

"لا اله إلا الله،

وآدم صفي الله ! "

وحين تلفح حرارة منتصف النهار المرتفعة،

فإن المساجد وحدها تستأثر بالظل،

حيث يركع المسلم ويصلي.

ويقف المؤذن من أعلى،

ليؤذّن، وقد احمرّ من فرط حرارة الشمس الحارقة،

" لا اله إلا الله،

وإبراهيم خليل الله".

 

مالت الشمس عميقاً،

وسرى مفعول الصوت الطويل،

من المئذنة الشاهقة،

وأذن المؤذن لصلاة الظهر.

وفوق التراب يدعو الجميع:

"لا اله إلا الله

وموسى كليم الله".

 

ثم يجنّ الليل المظلم بسرعة.

بعدها احمرت االشمس بشدة

 وهي تشرق !

ويؤذن المؤذن للصلاة

ملقيا نظرة خاطفة من المئذنة الشاهقة

نحو نجمة مجهولة.

"لا اله إلا الله،

وعيسى هو روح الله".

*** 

......................

* يوهانس لبيوس: ولد عام 1858 في برلين، وتوفي في 1926. وهو رجل دين بروتستاني ومستشرق ألماني، وكان يمثل النزعة الإنسية في تلك الفترة.

* المصدر:

القصيدة نشرها صديقي الباحث الألماني في الدراسات القرآنية Serdan Aslan  على صفحته في الفايسبوك بهذا التوثيق:

In: Ex Orient Lux. Jahrbuch der Deutschen Orient-Mission. Hg. Johannes Lepsius. Berlin: Deutsche Orient-Mission, 1903. S. 82-83.

 

 

3126 نانا ماوسكوريWeiße Rosen aus Athen

ورود بيضاء من أثينا 

غـنّـتها المغنية اليونانية نانا ماوسكوري في مهرجان الأفلام العالمية في برلين (حزيران/ تموز 1961)

 ترجمة: بهجت عباس


 الترجمة شعراً (ببعض من التصرف مع الحفاظ على روح النصّ)

وورودٌ هـــــــي بيضـاءُ نَـمَـتْ فـــي أثِـنـا

تَنشِدُ العــودةَ فـــــوراً دون تحقيق المُنــى

فوداعاً يا حبيباً هجرَ البيتَ وعافَ الوطنا

**

كلّمــا يستيقـظ اليــومُ  مُـنــاراً بالسّـنــــــا

كلّما  تُشرق شمسُ الكونِ في هذي الدُّنى

مرّةً أخرى يعـود البَـيـْنُ فـيـمــــــا بينـنـا

**

قاربٌ تُبحِــر فيه بين ريــحٍ وعُـبابِ

مَعْ تحايا وطنٍ لم تحظَ فيه بالرِّغابِ

**

وورودٌ هــي بيضـــــــاءُ نَـمَـتْ فـــي أثِـنـا

تَنشِدُ العــودةَ فـــــوراً دون تحقيق المُنــى

فوداعاً يا حبيباً هجرَ البيتَ وعافَ الوطنا

**

وعلى قاربك الهائـم فــي البُعدِ السّحيقِ

يُزهِــرُ الوردُ بحسنٍ وافتتانٍ ورحيــقِ

لك دون الناس طرّاً لا ولا أيِّ رفيـــقِ

**

عندما تهبط بعد الجهد أرضَ الاغترابِ

لا ترى أيَّ انتظارٍ لك أو أيَّ اصطحابِ

وتُرى الأنجمُ  ليلاً ليس في ذاك الإهابِ

وتَرى الدنيـا اغترابـاً باعثـاً للارتيـابِ

ووحيدٌ أنت فيها غارقٌ فــي الاكتئـابِ

ولذا تصحبك اليـومَ زهــورُ الانتسابِ

**

وورودٌ هــي بيضـاءُ نَـمَـتْ فــــــــي أثِـنـا

تَنشِدُ العــودةَ فــوراً دون تحقيق المُنـــــى

فوداعاً يا حبيباً هجرَ البيتَ وعافَ الوطنا

 

فوداعاً! ووداعاً! ووداعاً!

***

18 كانون الأول 2021

الأغنية

https://www.youtube.com/watch?v=-Yw9BNUwrsA

بهجت عباسالترجمة  نثراً كما في النصّ الأصلي

ورودٌ بيضاءُ من أثينا

تقول لك "عد فوراً"

تقول لكَ وداعاً

ورود بيضاء من أثينا

**

يستيقظ اليومُ،

والشمسُ، تُشرق مرّة أخرى،

والآن يعود الفراق أيضاً 

إليْـنا، نحن الاثنين.

**

أقلعتْ سفينـتُـك الآن

مع الريح والأمواج.

ولكنْ ثمّة تحايا

معك من الوطن.

 **

ورودٌ بيضاءُ من أثينا

تقول لك "عُـدْ فوراً "

تقول لكَ وداعاً

ورودٌ بيضاءُ من أثينا.

**

ورودٌ بيضاءُ تُزهر على متن الزورق

في البعد، البعد المترامي

تُزهر بجمالٍ آخّاذٍ لكَ وحدَكَ

ورودٌ بيضاءُ من أثينا

**

في الأرض البعيدة

حيث لا أحدٌ ينتظرك

حيث النجومُ تبدو في الليل

مختلفة  تماماً

هناك الدنيا جِدُّ غريبةٍ

وأنت وحيد فيها

لذا تصحبك هذا اليومَ

أزهارٌ مِنْ البيت.

 **

ورودٌ بيضاءُ من أثينا

تقول لكَ "عُدْ فوراً "

تقول لكَ وداعاً 

ورودٌ بيضاءُ من أثينا

وداعاً! وداعاً! وداعاً!

***

 الأغنية

https://www.youtube.com/watch?v=-Yw9BNUwrsA

 

Weiße Rosen aus Athen3126 نانا ماوسكوري

sagen Dir: "Komm recht bald wieder"

Sagen Dir: "Auf Wiederseh'n",

weiße Rosen aus Athen.

**

Der Tag erwacht,

Die Sonne, sie kommt wieder

Und wieder kommt nun auch

Der Abschied für uns zwei.

**

Nun fährt dein Schiff

Hinaus mit Wind und Wogen

Doch es sind Grüße

Aus der Heimat mit dabei.

**

Weiße Rosen aus Athen

sagen Dir: "Komm recht bald wieder"

Sagen Dir: "Auf Wiederseh'n",

weiße Rosen aus Athen

**

Weiße Rosen blüh'n an Bord

in der weiten, weiten Ferne

Blüh'n für Dich allein so schön

Weiße Rosen aus Athen.

**

Im fernen Land,

Wo keiner auf Dich wartet,

Da seh'n die Sterne in der Nacht

Ganz anders aus.

Dort ist die Welt so fremd,

Und Du bist einsam

Darum begleiten Dich heut'

Blumen von zuhaus'.

**

Weiße Rosen aus Athen

sagen Dir: "Komm recht bald wieder"

Sagen Dir: "Auf Wiederseh'n",

weiße Rosen aus Athen

 

Auf Wiederseh'n! Auf Wiederseh'n! Auf Wiederseh'n!

 

 

 

 نزار سرطاويقصيدة: أعمال منزلية

للشاعرة مها العتوم

ترجمة: نزار سرطاوي


Household Chores

Maha Alautoom

Translated by Nizar Sartawi

  

So scared you are of the morning light

and gossip of the night        

afraid that your heart

may stop between them

like a wall clock

 

With a song

you walk the day

With modern poetry about love

your household chores

move at a faster pace

your singing grows louder

the dishes and your backache

all sink in your song

and longing floats

 

You don’t ascend up to the river

 

I wear a long dress

I need to stretch myself within you

and be drenched

 

Your voice is coming out from the hearts

of all the women who have piled up inside you

Some eyes are windows

but the meaning lies in the glances

 

The day hammers its nails into your hands

You wait for a messenger

to pull the gravity out

of a body that has turned into a land

At night when all ha slept 

it flies

becoming

a heaven for a soul and a female

***

3115 مها العتومأعمال منزلية

الشاعرة مها العتوم

 

تخافين ضوء الصباح

وثرثرة الليل

تخشين أن يتوقف قلبك بينهما

مثل ساعة حائط

 

بأغنية

تذرعين النهار

بشعر حديث عن الحب

تعلو وتيرة أعمالك المنزلية

يعلو غناؤك

تغرق فيه الصحون

وآلام ظهرك

والشوق يطفو

 

ولا تصعدين إلى النهر

 

ثوبي طويل

واحتاج أن أتمدد فيك

وابتلّ

 

صوتك يخرج من جوف

كل النساء اللواتي تراكمن فيك

بعض العيون نوافذ

لكنها النظرات الدليل

 

يدق النهار مساميره في يديك

وتنتظرين رسولًا

لينتزع الجاذبية

من جسد صار أرضًا

وفي الليل حين ينام الجميعُ

يطير

يصير

سماءٌ لروح وأنثى

***

 د. مها العتوم - شاعرة وأكاديمية أردنية

 

نزار سرطاويترجمة انكليزية لقصيدة:

سيدة المستحيل الاولى

للشاعر المصري عزت الطيري


The First Lady of the Impossible 

Egyptian poet Ezzat Al-Tairi

Translated by Nizar Sartawi

 

“Does she eat fava beans with oil, like me

and drink tea

stronger than night sorrows?

“Does she wake up in the morning,

go to the toilet,

and do what other women do?

“Does she get tired for a few days

during the lunar month?

“Does she ever sweat?

“And when she pours a few sweat drops

like pearls and crystals,

how do they taste?

“Do they have

musk’s savor mixed with roses’ longing?

“And if she fell into a river of pure milk,

would it turn murky?

“And if she killed someone

would the judge try her,

or would he refer the victim to forensic medicine and prove

that he was a coward,

a member of the Brotherhood... who had blasphemed,

release her

on bail of her cheek roses,

and pay her in return

for her tender feet?”

 

Said the crazy poet-boy

when he saw her

***

 3088 عزت الطيريسيدة المستحيل  الاولى

الشاعر المصري عزت الطيري

 

هل تأكل مثلى فولا بالزيت

وتشرب شايا أثقل من حزن الليلِ

وهل تصحو فى الصبح

وتذهب  للمرحاضِ

وتفعل ماتفعله النسوةُ

هل تتعب اياما فى الشهرِ العربىِّ

وهل تعرقُ

حتى لو  عرقت قطرات كاللؤلؤ والبللور

فما طعم العرقِ

وهل

يجمع مابين المسكِ و بين حنين الورد

وهل ان سقطت فى نهر حليبٍ صافٍ

هل يتعكر لون النهر

وهل ان قتلت احدا

سيحاكمها القاضى

ام سيحيل المقتول إلى الطب الشرعى  ويثبت

أن المقتول جبانٌ

عضوٌ  فى تنظيم الآخوان... يسب الدينَ

ويفرج عنها

بكفالةٍ ورد الخدين...ويمنحها مالا أجرا  لحنان خطاها

**

قال الولد المجنون الشاعرُ

حين رآها

 

3072 روبرت بلايبقلم: روبرت بلاي

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 حديث مع الروح

قالت الروح: "هاتني شيئا انظر اليه."

فأعطيتها مزرعة. قالت:

"انها اكبر مما يلزم." فأعطيتها حقلا.

جلسنا كلانا.

 

أحيانا اعشق بحيرة او كوز صنوبر.

لكنها أكثر ما يروق لي.

كانت تعرف ذلك.

وتقول: "واصل الكتابة."

 

ففعلت.

كلما كان الثلج يسقط مجددا، كنا نتزوج ثانية.

كان الموتى المقدسون يجلسون جنب فراشنا.

استمر ذلك لسنين.

 

قالت: "هذا الحقل يصبح اصغر مما يلزم،

الا تعرف أحدا آخر

كي تعشقه؟"

ماذا كنت انت ستقول لها؟

***

..................

روبرت بلاي: شاعر وكاتب وناشط أميركي من مواليد ولاية منيسوتا عام 1926 لوالدين من أصول نرويجية. تلقى تعليمه في كلية القديس اولاف وجامعة هارفرد ثم بجامعة ايوا. حصل على منحة فلبرايت للسفر إلى النرويج لغرض ترجمة الشعر النرويجي إلى الانكليزية فاطلع على شعراء عالميين لم يكونوا معروفين في الولايات المتحدة حينها مما دفعه لتأسيس مجلة لترجمة الشعر العالمي وتقديمه للجمهور الأميركي. ارتبط اسم بلاي بـ (حركة الشعراء الأسطوريين الرجالية) التي بدأها مع مجموعة من الشعراء بعد نشره عام 1990 أهم مجموعاته الشعرية وأوسعها انتشارا (جون الحديدي: كتاب عن الرجال). كما أسس عام 1965 جمعية (شعراء أميركيين ضد حرب فيتنام). نشر العديد من المجموعات الشعرية نذكر في أدناه بضع عناوين منها: (صمت في الحقول الثلجية)1962؛ (الضوء حول الجسد) 1967 (حازت على جائزة الكتاب الوطني)؛ (عجوز يفرك عينيه) 1974؛ (الوقوع في غرام امرأة في عالمين) 1986؛ (تأملات في الروح النهمة) 1994؛ (تناول عسل الكلمات: قصائد جديدة ومختارة) 1999؛ (دافع السفر لمسافات طويلة) 2005 و (التحدث في أذن حمار: قصائد) 2011.

 

 

3073 Melanie Márquez Adamsبقلم: ميلاني ماركيز أدامز

ترجمة: صالح الرزوق


 دون أي علامة تدل على الدهشة وبطريقة روتينية سألتني: “ما اسمك الحقيقي؟”. كانت تتحرى عن اسمي غير الزائف.

أجبت بصوت يشوبه الخوف: ”لم أفهم مغزى السؤال”. حينما كنت في الجامعة كانت القوانين تتجدد باستمرار لضبط النشاط الجامعي على الأرض الأمريكية.

ابتسمت. وظهر صف من الأسنان الحليبية في فمها والتي غطى عليها لونها الأبيض الشبيه بلون مصاص دماء. ثم قالت:”خلاصة الموضوع.. أن الطلاب الأجانب ينتقون بالعادة اسما أمريكيا لأنه.. حسنا، كما تعلمين، الأسماء الحقيقية يصعب لفظها”. ابتسمت بالمثل. لم تكن هذه أول مرة لي أقابل فيها شخصا لا يترك لديك انطباعا أنه يشبه ميلاني. ولن تكون آخر مرة.

قلت: “معك حق. هذا تفسير معقول”. وأومأت بالموافقة، ربما بكثير من التعاطف. وتابعت:”لكن في حالتي هذا هو اسمي الفعلي”. وأشرت للبطاقة الموشكة على السقوط من باب غرفة النوم: وكانت عاصفة من الفراشات الزرق تحيط بالاسم المكتوب.

قالت: “بالواقع حينما كنت شابة، لم يكن بعض الشباب في بلدي يعرفون كيف يلفظون اسمي”.

غطت فمها بيمناها وهي تضحك وقالت:”آه. غريب. حقا”. واهتز كتفاها، وأضافت ذقنها المدببة لمسة شريرة على مظهرها. حينما كنت أدور في أرجاء مطبخك الضيق، منهكة القوى، والجوع ينهش مني بعد الحصة المسائية، غادرت سيندي غرفة نومها وهي جاهزة لتقديم الكعك والحلوى، وهذه أشياء ضرورية وتوجد دائما في طبق من البلاستيك يشكل مركز حياتنا. سألتني كل أنواع الأسئلة عن بلدي الأصلي. وكانت تريد أن تعلم كل شيء عن الطقس والطعام والموسيقا. وكانت تريد أن تسمع أخبار الناس الذين يعيشون في تلك الزاوية من العالم. كيف هو شكلهم. ماذا يفعلون. “لا بد أن الحياة أكثر مدعاة للإثارة هناك”. وكان بريق عينيها وأنا أكلمها عن الإكوادور مثل ما تراه لدى طفل يكتشف للتو سلسلة أفلام كرتونية بالتلفزيون.

لم تغادر سيندي بلدها أبدا. ولم تبتعد لمسافة تزيد على الولايات المجاورة لتينيسي. وكان افتتانها بالغرباء قد بدأ في مدرسة ريفية صغيرة، وهناك زاملت الطلاب أعضاء بعثات التبادل سواء هم من إفريقيا أو آسيا. وتعلقت بهم منذ تلك الفترة. وكلما تكلمت عن أولاد البعثات، يغطي عينيها الضباب، وتسبح غيوم على صفحة وجهها كما تطير الغيوم في السماء الزرقاء. وقد تأثرت في أول مرة بهذه التعابير التي تدل على الألم الواضح وسألتها هل توفي أحدهم لا سمح الله. مسحت الزوايا الداخلية لعينيها بأصابع وردية وقالت:”لا. لم يحصل. ينتابني الحزن فعلا كلما تكلمت عنهم. فهم طيبون جدا”.

وذكرتني بفتاة صغيرة شاهدتها في فيلم في إحدى المناسبات، وهي تبكي بشدة بسبب جراء صغيرة ووسيمة أرادت أن تحتفظ بها. ولكن للأسف أبعدوها عنها بعد فترة قصيرة، حينما بدأت تشعر نحوها بغرام حقيقي.

لم أكن قد قابلت الكثير من الناس، ولذلك أنفقت معظم وقتي مع سيندي. كنا نذهب للتسوق في المجمع الوحيد في المدينة أو في وولمارت. وأحيانا نتجول بالسيارة دون اتجاه، ونتحرى الجبال بحثا عن منطقة مناسبة للتسلق. في مساء ربيعي بارد تمشينا تحت ظل الصنوبريات والقيقب المتشابكة حولنا مثل أصدقاء. وأطربني قفزات السناجب في كل مكان، وسألت سيندي أن تتخيل أننا وسط مسرحية سحرية: السناجب الصاخبة تتحول إلى إغوانا طويلة وجميلة وتستلقي في الشمس عوضا عن أن تركض حولنا مثل المجانين.  وقلت لها: “هل يمكن أن تتخيليها يا سندي؟”. هزت رأسها وتوقعت أنها تتخيل ذلك بتفاصيله. تابعت:”حسنا. أنت الآن في مدينتي: غواياكويل”. واتسعت حدقتاها بشكل بالون أزرق منفوخ. لم يكن من السهل أن أترك تأثيرا بواسطة الحكايات على أحد.

دعتني إلى الكنيسة يوم الأربعاء. قلت لها دون أي اعتبار لدواعي التهذيب: إنني لا أستطيع تحمل الطقوس ما عدا يوم الأحد. وأضفت: حسنا. ليس كل يوم أحد. بل أحيانا. وامتنعت عن إخبارها بمخاوف بسيطة تنتابني: أنني أفكر حينما أكون في الكنيسة الإصلاحية بمعجنات التوت البري والكعك المحشو بالجيلي، وأتخيل أنه في داخل تجويفها الطري أجهزة إنذار، الغاية منها الكشف عن الكاثوليك الدخلاء. وفي الدقيقة التي أدخل بها من الباب، تنطلق صفارة إنذار، ويضيء بوجهي ضوء مبهر، وسرعان ما يأتي قس من المقصورة ليرافقني لخارج البناء. وما أن نصبح في الخارج يخبرني أن صورتي - وروحي المتلهفة، لن ينعما بالجنة أبدا.

وتصر قائلة:”ولكن الليلة الكنيسة محجوزة للجامعة. ولن تعقد أية طقوس. وستشعرين بالمرح والتسلية”. لم أكن أعتقد أن الكنيسة تبعث في الإنسان المرح، ومع ذلك لم أتمكن من أن أقول لها كلا، وعلنيا، أمام وجهها الحزين والرقيق الشبيه بوجوه القطط الصغيرة. تقدمنا عبر مدرج واسع، مليء بالمراهقين بأعمار عشرين عاما تقريبا. وكان على الخشبة، شابان ليسا أكبر بالعمر من المشاهدين، ويعاركان كل أنواع الأدوات والأسلاك. وقبل أن أسأل هل نحن في الكنيسة أم في مسرح موسيقا، خيم الظلام علينا: واشتعلت أضواء النيون على الخشبة واندلعت أصوات موسيقا عالية ورنات غيتار كهربائي. ارتفعت الأيدي وأغمضت الأعين، وكانت سيندي تتمايل ببطء على نغمات معزوفة “كيف هو يحبنا”. كانت النغمات آسرة والكلمات بسيطة وتقول: أستسلم للأصوات الشابة المبتهجة. والمغمورة بروح مسكرة، وخصري يتراقص بمرح وسعادة.

كنا نلتقي على الغداء يوميا تقريبا في مركز الطلبة، ونملأ الصواني بأطعمة جنوبية مشبعة بالدهون لم يكن يتوجب علي تناولها ونحن ندور حول الطاولات بحثا عن طلبة أجانب وسيمين. من بين الموجودين، سرق قلب سيندي شاب بعينه - ببشرة زيتونية وشعر أسود، ونعم، عينين سوداوين أيضا!.

وقبيل عطلة الربيع فاجأتها. تكلمت مع الوسيم الأسمر الذي أغرمت به في غرفة المحادثة بالإنكليزية. كان اسمه خافير وهو من المكسيك.

غردت تقول:”كنت أعلم أنه لاتيني. يجب أن أقابله لو سمحت”. كان يبدو أنها متلبكة ولا تعرف كيف تقرر ماذا تفعل بيديها. ودخلت في سلسلة طويلة من الكلام وخلالها عقدت يديها وأخفت بهما وجهها وأخبرتني كيف أنها كانت دائما تريد صديقا لاتينيا. سألتها بفضول وتحير:”لماذا يا سيندي؟”.

عضت شفتها الرقيقة وقالت: ”هم مثيرون للغاية ورومانتيكيون”. وصمتت تفكر ماذا تقول لاحقا. ثم أضافت: ”لا يوجد تفسير لذلك. لا أعلم السبب بالضبط... الشباب البيض مضجرون!. أريد شيئا مختلفا، هل تفهمينني؟. أبحث عن عاطفة!”. ولمعت الموجات الفيروزية في عينين ممتلئيتين بالاحتمالات.  وحينما كنت أتلصص على صورها المنشورة في الفيس بوك بعد سبع سنوات، لاحظت أن سيندي مخطوبة لشاب هو نسخة من أخيها. وأفترض أن فانتازيا الصديق اللاتيني لم تجد نهايتها السعيدة. وكذلك صداقتنا. فقد أنهكتها الاحتكاكات نتيجة الاشتراك بشقة واحدة. وربما هو الفارق بالعمر أو ربما أن بعض الصداقات يجب أن تنتهي مع آخر يوم دوام في المدرسة.

غالبا كنت أفكر بتلك الأيام البسيطة التي أنفقتها برفقة سيندي، ونحن نتجول بين الجبال والغابات لاكتشاف محيطنا الجديد. وأعتقد أنها أخبرت أصدقاءها عن صديق أجنبي شاركته المسكن: صديق جاء من مكان غريب وبعيد. كانت عيناها تلمعان بلون البحيرات التي تسكن بين هذه التلال الهادئة التي لا أسميها بلدي. ثم خيم عليهما لون ذهبي متورد مثل مغيب الشمس: من جراء ذكرياتنا عن السناجب والغوانا والأصدقاء اللاتينيين.

***

 

............................

ميلاني ماركيز أدامز Melanie Márquez Adams كاتبة أمريكية من الإكوادور.

 

 

سوران محمدبقلم: إميلي ديكنسون

ترجمة: سوران محمد


  منع قلب من انكسار

لو أستطيع منع قلب من انكسار،

لن أعيش خسرانا؛

ولو أخفف من أوجاع  الحياة لأحد،

أو أزيل الألم عن شخص،

أو أساعد ‘أبو الحن’ المغمى عليه

وأضعه في عشه من جديد،

اذاً لن أعيش  دون جدوى.

**

 ٢

قصيرة

في هذه الحياة القصيرة التي لا تدوم سوى ساعة

كم – كم  هو قليل –  ما  في  وسعنا

 ٣

الأمل

الأمل  هو  شيء لە ريش –

يجثم في الروح –

ويغني الألحان بدون كلمات –

ولا يتوقف أبدًا – على الإطلاق –

أحلى – أن يسمع في – الريح –

والوجع يأتي أثناء العاصفة –

هذا ما يحير الطائر الصغير

الذي أبقى الكثير من الدفء –

لقد سمعته علی أبرد الأرض –

وفوق أغرب البحر –

حتى في  أشد الحال ،

لن يسألني فتات خبز.

**

 ٤

فرصة لن تتكرر

لن ترجع مرة أخرى

هذا ما يجعل الحياة حلوة جدا.

تصديق ما لا نؤمن به

لن يسعدنا.

.

لو كان الامر كذلك ، فسيكون في أحسن الحال

وضع استئصال –

هذا ما يفتح الشهية

اذاً كان العكس تماما.

***

…………

* تحليل: لأن هذا النص فيه الايجاز والاختزال والقفز من موضوع لآخر في الابيات، لذا أود توضيحه باختصار: هنا في المقطع الاول تلمح الشاعرة إلی قصر الحياة و هي ذات قيمة لأنها لن تتكرر مرة أخرى، لذا من المفضل أن نتفاءل بعد القيام بدورنا بأحسن وجه و بذل الجهود لبلوغ المرام فيها، وان التصديق على شيء لا نٶمن به لن يفيدنا.. وفي المقطع الثاني تشجع الشاعرة من لا يٶمن بالحياة الاخرى باستئصال الشكوك من جوفه كالذي يستأصل مرضا من جسمه من أجل علاج الباقي، وهكذا الإيمان بالآخرة يفتح الشهية ويملأ النفس صبرا وسلوانا وشوقا وبهجة للحياة السرمدية، لأن الروح لن تموت، بل تنتقل من وضع إلى آخر وهكذا نتخلص من خداع النفس كذلك. (المترجم)

*  ولدت إميلي ديكنسون عام ١٨٣٠، وهي واحدة من أشهر الشعراء الأمريكيين في كل العصور. ومع ذلك ، لم تبلغ شهرتها العامة ذروتها إلا بعد وفاتها في عام ١٨٨٦. حيث نشرت بعد وفاتها مجموعتان من أعمالها في عامي ١٨٩٠و ١٩٥٠.

 **  لم تضع الشاعرة في حياتها أي عنوان لقصائدها، لذا قام البعض بوضع السطر الأول کعنوان لها، لكنني عصرت زبيب المعنى وجعلت عناوين النصوص كلمات قلائل. (سوران)

*** المصادر/

1-The Complete Poems of Emily Dickinson by Emily Dickinson, Thomas H. Johnson.

2- Emily Dickinson – Wikipedia

 ...........................

1

If I can stop one heart from breaking,

I shall not live in vain;

If I can ease one life the aching,

Or cool one pain,

Or help one fainting robin

Unto his nest again,

I shall not live in vain.

***

2

In this short Life that only lasts an hour

How much – how little – is within our power

***

3

That it will never come again

Is what makes life so sweet.

Believing what we don’t believe

Does not exhilarate.

That if it be, it be at best

An ablative estate —

This instigates an appetite

Precisely opposite.

***

4

Hope” is the thing with feathers –

That perches in the soul –

And sings the tune without the words –

And never stops – at all –

And sweetest – in the Gale – is heard –

And sore must be the storm –

That could abash the little Bird

That kept so many warm –

I’ve heard it in the chillest land –

And on the strangest Sea –

Yet – never – in Extremity,

It asked a crumb – of me

 

 

بهجت عباسإغنية ألمانية مُترجمة شعراً مُقفّى

ترجمة: د. بهجت عباس

....................

(أيّامٌ خلت)

كان ذلك عام 1962 عندما حصل على زمالة من خدمة التبادل الجامعي الألماني

  Deutscher Akademischer Austausch Dienst (DAAD)  فكانت نقطة التحول في حياته.

وطئت قدماه أرض ألمانيا أول مرة قبل 47 سنة قادماً من بلد يختلف تماماً . ذهل وأخذه الطرب، فقد كانت هذه الأمنية تعيش في ذهنه اعواماً . كان أول ما سمعه في أماكن الطرب أغنيتين أعجبتاه، كانتا ذواتيْ لحن جميل وكانتا أغنيتيْ العام 1962. أولاهما :

Heisser Sand und ein verlorenes Land

Und ein Leben in Gefahr.

رمل حارّ وأرض ضائعة

وحياة في خطر!

وثانيتهما :

Eine Rose aus Santa Monika

وردة من سانتا مونيكا*

...................

الأغنية نثراً

 وردة من سانتا مونيكا

أخذها بحار معه بعيداً في البحر المترامي الأطراف

وردة من سانتا مونيكا

كلَّ يوم تقول له عـدْ إلى البيت  رجاءً .

*

أحبّـها كثيراً وحملتْ خاتمَـه،

فلـقَـدْ جعلتـه سعيداً،

كانت فاتنةً ذات جسد ممتلئ حيوية،

ولكن الفراق جاء بين عشيّة وضحاها.

*

 وردة من سانتا مونيكا

أخذها بحار معه بعيداً في البحر المترامي الأطراف

وردة من سانتا مونيكا

كلَّ يوم تقول له عـدْ إلى البيت  رجاءّ .

*

أخذت تفرّط أوراق وردة وتقول في الوقت ذاته ؛

سأنتظرك، سأبقى وفيّـة لك .

*

  وردة من سانتا مونيكا

أخذها بحار معه بعيداً في البحر المترامي الأطراف

وردة من سانتا مونيكا

كلَّ يوم تقول له عـدْ إلى البيت  رجاءّ .

***

أواخر كانون الأول (ديسمبر) 2009

......................

الأغنية في شعر مقفّى:

وردةٌ مــن روضة الحبِّ بسانتا مــونِكـــا

هام بحّار بهـــا فـي البحـر يُزجـي الفُلُكــا

وردة مــن روضة الحبِّ بسانتا مــونِكـــا

كلَّ يومٍ ترتجيه: عُدْ إلى البيتِ وإنّي معكا

*

حملتْ خاتِمَــهُ الناطــقَ بالحبِّ الجـزيـــلِ

أسعدَتْ عاشقَها الولهانَ بالخصر النحيــلِ

فلقــدْ كانت بقـدٍّ فاتــنٍ لا مِــنْ مَــثــيـــــلِ

لكنِ الفُرقـــةُ نادتْ بعـد لـيــلٍ بالرَّحــيــلِ

*

وردةٌ مــن روضة الحبِّ بسانتا مــونِكـــا

هام بحّار بهـــا فـي البحـر يُزجـي الفُلُكــا

وردة مــن روضة الحبِّ بسانتا مــونِكـــا

كلَّ يومٍ ترتجيه: عُدْ إلى البيتِ وإنّي معكا

*

وردةٌ تـنـثـرُهــا قـائـلـــةً  دون اصطـبــارِ

سوف أبقــى بوفــاءٍ لكَ، إنّــي في انتظـارِ

*

وردةٌ مــن روضة الحبِّ بسانتا مــونِكـــا

هام بحّار بهـــا فـي البحـر يُزجـي الفُلُكــا

وردة مــن روضة الحبِّ بسانتا مــونِكـــا

كلَّ يومٍ ترتجيه: عُدْ إلى البيتِ وإنّي معكا

***

أوائل كانون الأول (ديسمبر) 2021 

.....................

Eine Rose aus Santa Monica

Carmela Corren

Eine Rose aus Santa Monica

Nahm ein Matrose mit auf's weite Meer hinaus.

Eine Rose aus Santa Monica

Sagt ihm tagtäglich: "Bitte komm nach Haus."

*

Er liebte sie sehr, und sie trug seinen Ring,

Denn sie hatte ihn glücklich gemacht.

Sie war wunderschön und ein blutjunges Ding,

Doch der Abschied, der kam über Nacht.

*

Eine Rose aus Santa Monica

Nahm ein Matrose mit auf's weite Meer hinaus.

Eine Rose aus Santa Monica

Sagt ihm tagtäglich: "Bitte komm nach Haus."

*

 

Sie brach eine Rose und sagte dabei:

"Ich will auf Dich warten, ich bleibe Dir treu!"

*

Eine Rose aus Santa Monica

Nahm ein Matrose mit auf's weite Meer hinaus.

Eine Rose aus Santa Monica

Sagt ihm tagtäglich: "Bitte komm nach Haus."

***

* تقع سانتا مونيكا في أقصى الغرب، في كاليفورنيا! هذا خيال، بل محال إنْ ظنَّ أنه سيراها، هكذا قال في نفسه، ولماذا يزورها؟ ولماذا يحلم بها؟ التساؤلات كانت تدور في ذهنه، ففي الحياة ما هـو أهمّ وأجمل.3060 بهجت عباس

ساحل سانتا مونيكا – ديسمبر 2009

شغله لحن الأغنية وموسيقاها والصوت الجميل الذي تبيّـن له بعد مدة أّنّه صوت إسرائيلي لمغنية قدمت إلى ألمانيا من إسرائيل واندمجت في شعبها وغنت بلغتهم، وهي المغنية والممثلة الإسرائيلية كارميلا كورين المولودة في تل أبيب باسم (ني بيزمان) عام 1938. هذه المغنية كسبت قلوب الألمان بصوتها ولكنتها، واليهود بارعون في أساليب كسب محبة الآخرين بالتمثيل و الغناء والرقص والفنون والعلوم، فلماذا ليس العرب؟ كانت أمنيتها أن تكون راقصة ولكن حادثاً أصابها فأعاقها عن الرقص فاتجهت إلى الغناء . وبعد أن كسبت شهرة في ألمانيا وأدت مهمتها ذهبت إلى أمريكا لتعيش في ميامي (فلوريدا). الأغنية ذكرت وردة من سانتا مونيكا، فتساءل أين تقع هذه المدينة ذات الاسم الساحر؟ ولمّا بحث عنها وجدهاا تقع على خليج سانتا مونيكا في كاليفورنيا غرب مدينة لوس أنجليس التي تحيطها من ثلاث جهات، فكان حلماً أن ينعم بزيارتها لبعدها عن ألمانيا وعن وطنه الأم، العراق، ولقصوره المادّي . ولكن، وبعد مرور 47 سنة على سماع الأغنية وجد نفسه  في  هذه المدينة الجميلة التي تقع على البحر الباسيفيك، يتجول في شوارعها ومخازنها ويتناول الغداء في أحد مطاعمها ويشاهد الناس تسبح  في البحر وهم في شهر كانون الأول - ديسمبر! أمّا كيف حدث هذا ؟ فلذا قصة أخرى .

* لسماع الأغنية يرجى النقر على هذا الرابط:

Carmela Corren - Eine Rose aus Santa Monica 1962 - YouTube