 ترجمات أدبية

فنجان من القهوة الداكنة

عامر كامل السامرائيللكاتب السلوفيني: إيفان تسنكار

ترجمة: عامر السامرائي

في حياتي كثيراً ما آذيت من هم أَحب الناس إلى نفسي. أن تفعل مثل هذه الآثام، فكأنك ترتكب بحق المولى خطيئة لا تغتفر، لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة، ولا يمكن محوها ولا نسيانها. أحياناً تمر عليها سنين طويلة وهي صامتة وكأنها خبت في القلب، أو إنها ضاعت، أو تورات في صخب الحياة. لكنها فجأةً، وفي لحظة فرح أو أثناء الليل عندما تجفل من النوم بسبب كابوس مزعج، تتهافت الذكريات الثقيلة على الروح فتوقظ فيها وجعاً تشعر بحرقته وكأنك ارتكبت تلك الخطيئة تواً. يمكنك بسهولة طرد أي ذكرى من خاطرك، بابتسامة أو بنية حسنة اتجاه من اسأت إليه، إلا هذا الإثم، فلا يمكنك جليه. سيبقى ظله الأسود مخيماً على قلبك إلى الأبد.

عادة ما يوهم الأنسان نفسه بالفرح فيقول: " ما كان قصدي هكذا أبداً !، بل عقلي المضطرب هو الذي يجعل من ظل الشمس ليلة داكنة" كل ما حدث كان شيئاً تافهاً، حدث عادي ممكن أن يقع في اليوم مئات بل الآف المرات".

المواساة خدعة: الأنسان في قرارة نفسه يعرف بمرارة تلك الحقيقة. فالأثم هو الأثم، سواء ارتكبناه مرة أم ألف مرة. أو إننا نرتكبه كل يوم بقصد أو بجهالة. القلب ليس قانوناً جنائياً يستطيع أن يحكم على السارق بغير ما يحكم على المجرم القاتل. القلب يعرف جيداً بأن "اللئيم يستطيع أن يَقتُلَ بعينه، أما الشجاع فيَقتُلَ بسيفه" ويُغفَر للسيف أسرع مما يُغفَر للنظر. ولا هو بعقيدة دينية تقضي بين كبائر الآثام وبين الزلات البسيطة، سواء بالقول أو بالفعل. القلب قاضي عادل لا يخطئ، ويستطيع أن يرى ويحكم من خلال حركة خفية أو من خلال شعور، أو من نظرة عابرة لم يلاحظها أحد، أو من كلمة لم نجهر بها بعد، أو من فكرة لم تكد أن ومضت على جبين. بل أكثر من ذلك، فهو يعرف من خلال طرقة باب، أو من وقع خطوة، أو من رشفة شاي.

الكتب الدينية لم تذكر جميع الآثام وإنما بعض منها. لو كان القلب هو القسيس الذي يجلس للاستماع إلى خطايا المؤمنين لكانت جلسة الاعتراف طويلة ومرعبة!

الذنب الذي يمكن أن يغتفر هو ذلك الذي يمكنك أن تعبر عنه بلسانك وأنت نادم على ما فعلت. ولكن الذنب الفاحش، والفاحش جداً، هو ذلك الذي تبقى ذكراه في القلب إلى آخر رمق في الحياة، يبقى صامتاً وبشعاً.

لا يبوح الأنسان بالذنب إلا لنفسه عندما يتمدد في الليل متحجراً يؤرقه ذلك، ويكون لحافه أثقل على صدره من الحجر.

"لم أسرق، ولم أزني ولم اقتل نفساً كذلك. أنا روحي طاهرة!"

كاذب! ألم تقشر تفاحة وأنت تمر من أمام أنسان جائع، ونظرت إليه بدون استحياء؟ هذا أسوأ مما لو أنك سرقت أو زنيت أو قتلت. القلب، ذلك القاضي العادل يعفو عن القاتل الذي يمسح على رأس طفل يبكي بينما هو ذاهب إلى المقصلة، أسرع من أن يعفو عنك أيها الطاهر! لأن القلب لا يعرف توافه الأمور ولا فقرات القوانين.

قبل خمسة عشر عاماً عدت إلى قريتنا، ولازمت دارنا ثلاثة أسابيع، تملكتني طوال تلك الفترة حالة من الكدر، وبدت لي دارنا مكفهرةً تماماً، كان لدينا نحن الأثنان شيء ثقيل، شيء مقرف، كما لو أنها ظلال مشبعة بالرطوبة قد أثقلت علينا. نمتُ الليلة الأولى في الغرفة، واستيقظت أكثر من مرة، رأيت أمي وهي تقوم من السرير وتجلس إلى الطاولة. جلست صامتة دون أن تتحرك، وكأنها نائمة، ضاغطةً براحتها على جبينها، كان وجهها الأبيض يتلألأ، رغم أن الشرفة كانت مغلقة، ولم يكن في الخارج أثر لا لضوء قمر ولا حتى لنجمة. تنصتُ بانتباه شديد، وعرفت حالاً بأني لم أكن استمع إلى تنفسها وهي نائمة، بل نحيبها المكبوت ونشيجها المتقطع. أخفيت رأسي تحت اللحاف، ولكني حتى في حلمي كنت أسمع بكاء أمي الثقيل. انتقلت إلى مكان تحت سقف البيت حيث يوضع القش، تسلقت أشبه ما يكون بالسلم على درج محطم شديد الانحدار إلى مضجعي هذا، وفي القش صنعت لنفسي مكاناً للرقاد، ووضعت منضدة في الفسحة الصغيرة أمام الباب، كانت نافذتي تطل على جدار رمادي مُتَصَدِّع. كتبت دون رغبة مني بروح متعبة وفي وسط أفكار معتمة أول قصة حب. أرغمت مخيلتي عنوة على أن تتصور شوارع المدينة البيضاء، والمروج المرصعة بالزهور، وأريج الحقول لكيلا أفكر في نفسي ولا في حياتي.

فجأة اشتهيت بشدة القهوة الداكنة، لا أدرى كيف خطرت على بالي الآن. ولكنني اشتهيتها، ربما لأنني أعرف تماماً بأنه لا يوجد في بيتنا الآن حتى خبز يؤكل فما بالك بالقهوة. الإنسان في تصوراته شرير وبلا رحمة. نظرت لي أمي بعينين فزعتين اتسعت كالدائرة، ولم تتفوه بشيء. عدت إلى مكاني تحت السقف كئيباً مغموماً دون أن أنبس ببنت شفة أو ألقي عليها السلام، ورحت أكمل كتابة كيف أحبا ميلان وبريدا بعضهما، وكيف كانا مخلوقين نبيلين وسعيدين ومرحين.

"يدٍ بيد، بكل عنفوان، في وسط وهج الصباح كانا يغتسلان بالندى..."

على الدرج سمعت وقع خطوات، جاءت أمي، ببطء وبخطوات واثقة أرتقت السلم، تحمل لي في يدها فنجاناً من القهوة. الآن أتذكر، لم تكن أبداً أجمل مما كانت عليه في تلك اللحظة، تألق شعاع شمس الظهيرة مائلاً من خلال فتحة الباب في عين أمي مباشرة، كانت تلك العين أكبر وأكثر صفاءً، انعكس فيها نور السماء، ورحمة السماء وحبها. وبانت على شفتيها ابتسامة، مثل الفرح الذي يلف الطفل وهو يحمل هدية. أما أنا فأشحت بوجهي عنها وقلت لها بصوت متجهم خبيث:

- دعيني وشأني! ... ما عادت لي رغبة فيها!

لم تكن قد صعدت بعد إلى مضجعي، لم أرى منها سوى وجهها ونصف قامتها.

عندما سمعت كلماتي، لم يرف لها جفن، وإنما ارتجفت يدها التي كانت تحمل فنجان القهوة فقط، نظرت إلى بوجل، وانكدر في عينيها النور. تضرج وجهي بالدم من خجلي، فتقدمت نحوها بخطى حثيثة.

- هاتيها يا أمي الحبيبة!

لكن الأوان كان قد فات، لم يعد ذلك النور في عينيها، ولا تلك الابتسامة على شفتيها.

ارتشفت القهوة، وواسيت نفسي بالقول:

"سأقول لها في المساء تلك الكلمة الطيبة المطالب بقولها، وسأبوح لها بحبي."

لكني لم أقل لها تلك الكلمة لا في ذلك المساء ولا في اليوم الثاني، بل لم أقلها لها حتى في آخر لحظاتها.

بعد ثلاث أو أربع سنوات وانا في الغربة، جاءت لي امرأة غريبة بفنجان قهوة داكنة إلى غرفتي، فارتعشت حينها. شعرت بنخزة قوية في قلبي فصرخت من حدة الوجع، لأن القلب قاضي عادل لا يعرف توافه الأمور.

 

......................

نبذة عن الكاتب:

ولد إيفان تسنكار (Ivan Cankar) في بلدة كارنيول في فيرنيكا بالقرب من ليوبليانا (عاصمة سلوفينيا حالياً). كان واحداً من العديد من أطفال الحرفيين الفقراء الذين هاجروا إلى البوسنة بعد وقت قصير من ولادته. ترعرع وعاش مع والدته، نيا تسنكار  بيفك. كانت علاقته بأمه وثيقة ولكن متناقضة وجدانياً. في وقت لاحق، أصبحت تمثل في كتاباته شخصية الأم المضحية بالنفس والمعرضة للقمع والخنوع. وكانت تلك واحدة من أكثر السمات المعروفة في نثر تسنكار وقصصه. قصة "فنجان من القهوة الداكنة" واحدة من تلك القصص التي تظهر بوضوح ما أشرت إليه في المقدمة. "المترجم"

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

االاديب والمترجم القدير
لقد ابدعت بالترجمة . لقد قدمت الحبكة السرية بشكل واضح جداً . وحافظت على الرؤية التي اردها الكاتب ايصالها الى القارئ , بهذا السرد الممتع والمشوق . واظهرت بوضوح الكوامن والاحاسيس الداخلية . وهذه القيمة الابداعية في الترجمة , في ايصال النص بوضوح وبطريقة مشوقة , دون اخلال والتلاعب بالنص . لذلك اظهرت عوامل الحسرة والالم الداخلي في المتن السردي . حقاً ان موضوع هذه القصة , يشغل بال الكثير منا . حقاً نشعر بالاسف والحسرة على اعز الناس الينا . مقابل حبهم وعطفهم , ولا يمكن ان نجد مثل حنان وحب وعطف الام على ابنها . لذا نشعر اننا قد اذينا هؤلاء اعز الناس الينا , بالسلوك والتصرف , تجاه حب الام الطاغي ( "لم أسرق، ولم أزني ولم اقتل نفساً كذلك. أنا روحي طاهرة!" ) . ولكن نعرف قيمة هذا لحنان والحب حين نكتوي بالغربة او الفراق . عندها نشعر بالمرارة والذنب . وما فنجان القهوة الداكنة او المرة . استيقظت شريط الذاكرة بالام التي تعودت تقديم فنجان القهوة الداكنة , استيقظت الذكريات القديمة , لذلك كان رد الفعل مختلف .
قصة اعتبرها تحفة انسانية خالصة . تجاه المشاعر الحنان والحب الام . واتصور نحن في الغربة , واجهتنا هذه المشاعر والاحاسيس ذاتها .
تحياتي ودمت بخير وصحة

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الأديب والناقد المبدع الأخ جمعة عبد الله

لك مني جزيل الشكر والتقدير على متابعتك للترجمات وتعليقاتك التي تثلج صدري دائماً.
القصة الوجدانية هذه تحمل بين سطورها الكثير من الأحزان التي عبرت عنها أستاذي بحسك المرهف ومشاعرك النبيلة التي فعلاً تتقاطع مع الكثير منا نحن الذين نعيش لوعة الغربة والفراق، فراق الأهل والوالدين والوطن.

نعم.. للأسف الكثير منا يرتكب تلك الخطايا ربما دون قصد ولكن عندما نتأملها جيداً نجد فيها أوجاع مؤلمة، كالتي تركناها في الآخر دون أن ننتبه.

هذه القصة هي واحدة من القصص التي جمعتها خلال سنوات طويلة من القراءة وأعطيت للمجموعة عنوان الخطايا فجميع القصص لها لحن واحد مؤلم ولكن بطرق وأحاسيس مختلفة. هذه المجموعة لم ترى النور بعد، فسوق (النخاسين) اصحاب دور الطباعة والنشر منشغل في طبع الروايات. فآثرت على نشرها هنا غير نادم، مكتفياً بتعليقاتك وإعجابك بالنص الذي آستفز فيك كل هذه المشاعر النبيلة.

ودمت بخير وعافية

عامر السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

ماذا أقول غير أني استمتعت بالنص حتى نسيتُ أنه مترجَم و لم أشعر للحظة واحدة بأن الأستاذ عامر السامرائي يركل الحروف في غير ملعبه ، و لا بأنني في غربة عن الأحداث أتابعها بنهمٍ و أسابقها الأسطر حتى النهاية و حتى غلبتني جمالا .. شكراا لآختيار النص و أسراب شكر تحلق بين يديك الكريمتين لهذه الترجمة اللذيذة .

حنان عباسي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديبة والقاصة المبدعة حنان عباسي

أشكرك على مرورك الكريم وتعليقك اللطيف، وأسعدني جداً استمتاعك بالقراءة.
بالحقيقة وعلى حد قولك أنا أركل الحروف في غير ملعبي مرتين فالنص هذا ترجمته عن اللغة المجرية ولغته الأصل هي التشيكية أو السلوفينية. ولكن يبدو أن كل الأوجاع متشابهة مهما تعددت اللغات.

ودمتي بخير وإبداع مستمر

عامر السامرائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4643 المصادف: 2019-05-23 08:23:09