 ترجمات أدبية

محنٌك فوق العادة

عبد الله هاشي(Anton Chekhov) أنطون تشيخوف

ترجمة من الإنجليزية : عبد الله هاشي

***

أدرك "قليب سميرنوف"، مسٌاح الأراضي، وهو ينزل بمحطة "ديدفيل" أن الضيعة التي يقصدها لإنجاز أشغال المسح المعهودة اليه، لا تزال بعيدة بما يقارب الثلاثين أو الأربعين ميلا . لو يصادف سائقا صاحيا، لم يشرب خمرا، وجيادا قوية صامدة، فإن المسافة ستنزل الى ما دون الثلاثين ميلا . لكن، بسائق سكران، وجياد مهترئة الصفائح، فمما لا شك فيه أن المسافة قد تصل الى الخمسين .

ودلف الى رئيس المحطة يسأله :

- " هلا أخبرتني، من فضلك، عن مكان أجد فيه جياد البريد ؟ "

- " ماذا ؟ جياد البريد ؟ أنت لا تستطيع العثور حتى على كلب تائه في مسافة المائة ميل من هنا، دون الحديث عن جياد البريد . إلى أي وجهة تريد الذهاب ؟

- " أريد الذهاب الى ضيعة الجنيرال " خوخوطوف "، الواقعة في " ديفكينو " .

- " حسناً " . قال رئيس المحطة وهو يفغر فاه من التثاؤب . " اذهب وانعطف خلف المحطة، ستجد هناك بعض سكان الأرياف الذين يتفضلون أحيانا بأخذ المسافرين وعابري السبيل .

تنهد مسٌاح الأراضي في حسرة، ثم دلف، وقد بدا عليه الضجر، الى الجهة الخلفية للمحطة . هناك، وبعد فترة غير قصيرة من البحث والسؤال، ومن الجدال والنقاش والتنازع والقيل والقال، تمكن من الحصول على موافقة مزارع قروي قاتم ٌالجبين من العبوس، هائل البنيان، مفعم بالقوة والحماس، تنتشر على جلده مخلفات بثور الجذري، يرتدي معطفا رثا ممزقا، وينتعل حذاء مصنوعا من القش .

- " يا  لعربتك البئيسة هذه ."  قال المسٌاح للقروي وهو يصعد  لأخذ مكانه  في  العربة .  " إنني لا أستطيع أن أتبين منها الجهة الامامية من الخلفية . "

- " لا تستطيع أن تتبين ؟ إن ذيل الجواد قبالتك . وحيث تجلس سيادتك، هي الجهة الخلفية للعربة . "

كان الجواد القصير القامة صغير السن، غير أنه نحيل، وبقوائم متمددة ومبسوطة، وأذنين مثلٌمتين . وعندما وقف القروي السائق وضربه  بسوطه المفتول،  لم تهتز للضربة إلا رأسه . وحين عمد الى تعنيفه بشدة عبر ضربة ثانية، تأوٌهت العرية وأنٌت، وشملها ارتجاف هلع وخوف، لكأنها ترتعد من الحمى . في الضربة الثالثة، تأرجحت العربة واهتزت . وفي الرابعة، تحركت قليلا، ثم شرعت تتقدم الى الامام ببطء شديد .

- " هل هكذا سيكون عليه الامر على طول الطريق ؟ " سأل المسٌاح وهو مصدوم بشدة، مندهشا من براعة سائقي العربات الروس في المزج ما بين سرعة السلحفاة البطيئة واللطيفة، وبين الضربات القاسية والموجعة للجياد .

لكن السائق هبٌ يسترضيه، ويهدئ من روعه قائلا :  " سوف لن نلبث  أن نصل الى هناك . ذلك إن الفرس الصغيرة لا تزال في مقتبل العمر، وهي نشيطة وخفيفة الحركة . وتحتاج، وحسب، لبعض الوقت لكي تأخذ انطلاقتها . بعد ذلك، لا شيء البتة يوقفها ... استيقظي، أيتها العفريتة . " 

ثم إنهما غادرا المحطة في الغسق .  وامتدت حيال البصر الى اليمين، باردة ومظلمة، سهول فسيحة الأطراف، لا تبدو لها نهاية، لحد ما يتبدى للعابرين بأن ما بعدها لا يمكن أن يكون، بكل اليقين، إلا الطرف النهائي لما خفي من العدم . وتوهج الغروب في ذلك اليوم الخريفي المقرور، لحظة بعد لحظة، ومكثت شفرته تذوب وتتلاشى، شيئا فشيئا، في حضن السماء . وإلى اليسار، على جبين الأضواء الخابية للنهار، انبجست سلسلة من الروابي يحسبها الناظر، مع التضاؤل التدريجي للرؤية، إما أشجارا باسقة، وإما آخر ما تبقى من أكوام التبن المرصوصة في الخلاء . لم يكن بمقدور المسٌاح تحديد المواقع الموالية لشدة انكساف المشهد، حيث وقف السائق بظهره الغليظ والعريض حائلا دون النظر .

- " يا له من مكان مقفر . " قال المساح في نفسه وهو يحاول تغطية أذنيه بياقة المعطف . " لا كوخ ولا دار. لو تهاجمنا اللصوص في هذا الخلاء المهجور، فلن يعلم أحد بأمرنا، حتى لو كنا نضرب بالمدافع . وهاك أيضا هذا السائق غير الجدير بالثقة والأمان . يا لظهره الموحي بالشر والرعب [ ... ] وله خطم يخرق العين بالبشاعة  كأنه حيوان مفترس . " وهبٌ يسأله :

- " انظر اليٌ هاهنا، أيها الصديق . ما اسمك ؟ "

- " اسمي ؟  " كليم " . "

- " حسناً، يا كليم . ما قولك بشأن هذا المكان المهجور . أليس في الامر ما يمكن أن يثير المخاوف من الخطر . لا أحد هاهنا يعتاد أن يلعب أو يمزح . هل تراهم يفعلون ؟

- " أوه . الله يحفظنا . كلا . من يكون هذا الذي سيتجرأ على اللعب والمزاح ؟

- " هذا صحيح  . لكن، وفي كل الأحوال،  فأنا أحمل معي ثلاث مسدسات – كان المسٌاح يكذب - . وأنت تعلم علم اليقين،  أنه من الرعونة تماما  محاولة الهزل مع المسدس .  ذلك لأن مسدسا واحدا  ليعتبر طامة محققة  في وجه حتى عشرة لصوص . "

وكان أن جثم الليل بكلكله على الكون . وفجأة، صرٌت العربة صريرا، ثم أنٌت وتأوٌهت وارتعدت، ثم إذا بها تنعطف في اتجاه اليسار، انعطافا بدا ضداً على مشيئتها .     

  حينها، تقاطرت الأفكار في ذهن المسٌاح : " الى أين يتجه بي الآن ؟ لقد كانت الطريق مستقيمة، وها هو في هذه اللحظة يدور صوب اليسار. أخشى أن يكون الوغد قد اعتزم إخراجي عن الطريق للانفراد بي في هذه الاجمات المنعزلة . ومن المعلوم أن أمورا مثل هذه عادة ما تحصل . " وإذا به يسأل السائق :

-" اسمع . أولم تقل لي بألا وجود للأخطار في هذه الأماكن . حسناً . فيا له من أمر يثير الشفقة والرثاء . ذلك لأنني أهوى المصارعة والعراك مع اللصوص . صحيح، أنا رجل قصير القامة، متوعك الصحة في عين الناظرين، لكنني أملك قوة ذئب هائج . ذات مرة، هاجمني ثلاثة لصوص . ماذا تتصور أنني فعلت ؟ لقد صدمت اللص الأول صدمة خرٌ على إثرها صريعا قتيلا . أما اللصان الآخران، فقد أرسلتهما الى " سيبيريا " للأشغال الشاقة هناك . إنني لا أستطيع أن أعرف من أين تأتيني هذه القوة المرعبة . فقد أمسك بوغد حقير مثلك بيد واحدة، ثم أسلخه سلخاً، وأقشره تقشيراً . "

التفت كليم حواليه، وألقى على مسٌاح الأراضي نظرات عميقة ساحت في مختلف قسمات وجهه من الدهشة والرعب . ثم إنه وجه ضربة للفرس الصغيرة .

وعاد المساح مستأنفا كلامه :

-" أجل يا صديقي . كان الله في عون اللص الذي يسقط في قبضتي . ليس فقط لأني سأتركه بلا يدين وبلا رجلين، ولكن لأنه، فضلا عن ذلك، سيجد نفسه في المحكمة ليقدم الأجوبة عن كل الجرائم التي اقترفها . وذلك حين يتواجه مع قضاة ومحامين من أصحابي وأصدقائي المقربين . فأنا موظف في الحكومة . موظف سام جدا . وعندما أكون مسافرا، مثلما تراني الآن، فإن الحكومة تكون على علم بسفري، وتتخذ كل الإجراءات حرصا منها على سلامتي، وتتابع عن كثب  تحركاتي حتى تتأكد من أن أحدا لا ينوي بي غدرا أو سوءا . اعلم أنه يوجد في هذه اللحظة ضباط شرطة ورجال بوليس يختبئون في هذه الادغال والاجمات المحيطة بنا على طول الطريق . "

وفجأة، صرخ هادرا في وجه السائق :

-" قف . قف . إلى أين أنت ذاهب ؟ إلى أي مكان تريد أن تحملني ؟ "

-" ألست ترى بأم عينيك ؟ نحن في الغابة . "

قال المسٌاح في نفسه :

- " اذن، فالأمر كذلك ... الرعب يداهمني . لا يلزم أن يظهر عليٌ ما يمور في نفسي من المشاعر . لقد تبين له أني خائف منه .  ما الذي يجعله يلتفت للنظر اليٌ مرة بعد مرة ؟  لا بد أنه بصدد التفكير في القيام بأمر جلل .  كنا في بداية الطريق نتقدم بشق النفس .  وها نحن الآن نكاد نطير من السرعة . "  ثم إنه بادر بالسؤال :

- " اسمع يا كليم . لماذا تحث جوادك على كل هذا الاستعجال ؟ "

- " إنني لست من يحثها على الإسراع . هي التي تجري، بكل طواعية، ومن دون أي ضغط . وهي، كلما انطلقت في العدو، لا شيء يمكن أن يوقفها . هي نفسها تشعر بالاسى لأن قوائمها خلقت هكذا، على هذا النحو . "

- " كذبة بائنة، أيها الصديق . أنا متأكد من أنها كذبة . وإني أنصحك بأن تخفض من كل هذه السرعة . اكبح زمام جوادك، هل تسمعني ؟ اكبح زمام الجواد . "

-" ولماذا ؟ "

- " لأنٌ ...لأنٌ أربعة من أصدقائي قادمون في أعقابي منذ خروجنا من المحطة . وإني أرغب في أن يلحقوا بي . لقد وعدوني بأن يلحقوني في هذه الغابة . وسيكون من اللطافة أن أسافر بصحبتهم . فهم رجال أقوياء، وأصحاب أشداء، وكل واحد منهم يحمل معه مسدسا . لماذا تتلفت هكذا في كل الاتجاهات من حولك ؟ ولماذا تتواصل قفزاتك في مكانك كأنك جالس على المسامير ؟ إيه . أنظر الى هنا . ليس ثمة شيء يخصني يستأهل النظر اليه . لا شيء في شخصي يستحق الاهتمام، في آخر المطاف . إلا إذا كان المقصود هو مسدساتي . هاهنا، إذا كنت ترغب أن ترى مسدساتي، أخرجتها لتراها بأم عينيك .  فلتدعني أخرجها . "

وشرع المسٌاح يتظاهر بالبحث في جيوبه بغرض إبراز مسدساته المزعومة . في هذه اللحظة بالذات، وقع ما لم تكن حتى أسوأ المخاوف التي اجتاحته منذ بداية الرحلة لتتوقع حدوثه . لقد قذف السائق بنفسه الى خارج العربة، ولاذ بالفرار وهو يحبو حبوا عبر أطراف الغابة . وكان يصرخ :

- " النجدة .. النجدة ..الملعون أخذ الجواد، وأخذ العربة .. أنقذوني من الموت .. النجدة .. "

كانت أصداء خطواته المتسارعة من الهلع قد شرعت تتوقف بالتدريج عن الوصول الى مسامع المساح . وسرت في الجو خشخشة أوراق الشجر الجافة تبعث بحفيفها المتلاشي على إيقاع الاقدام الهاربة . ثم، همد كل شيء همودا مطبقا . وعم الصمت، واستقر السكون .

ولما تبين للمساح أن المصيبة المحققة  قد استحكمت، كان أول شيء قام به هو إيقاف الجواد .  وعندما تم له ذلك، راح يوسع لنفسه داخل العربة ليتخذ مكانا مريحا . حينها فقط، شرع يتأمل ويفكر ويفحص في الذي جرى .

" هكذا، إذن، يستسلم للخوف، وينسل هاربا . الاحمق . حسناً . ما ذا يلزمني أن أفعله الآن ؟ فأنا ليست لي معرفة بالطريق . وبالتالي، ليس باستطاعتي أن أواصل السير وحدي . ومهما يحدث، فإني إذا استأنفت الرحلة وحيدا، فقد يظهر الامر كما لو أني قمت بسرقة الجواد . ماذا، إذن،  يلزمني أن أفعل ؟ كليم ... كليم .."

وتردد من حوله الصدى : " كليم .. كليم .. "

وعندما انتبه الى أنه من المحتمل أن يقضي الليل بكامله وحيدا في قلب هذه الغابة الكالحة الظلمة،  يتردد في مسمعه الصدى، وعويل الذئاب، وشخير الفرس العجفاء، تملكته قشعريرة كاسحة انكمشت لها أوصاله من الفزع والخوف .

وشرع يصيح بأعلى صوته :

 " كليم .. يا حبيبي كليم .. يا أيها الفتى الرائع .. كليم .. يا طيب .. و يا رائع .. أين أنت الأن ؟ "

وتواصلت نداءاته للسائق على طول ساعتين كاملتين . وحين أوشك صوته على البحاح من المناداة . وحين أذعن لحقيقة مبيته المؤكد في جنح ظلام الغابة، ترامت الى سمعه نسمات رقيقة مشمولة بأصداء همهمة وأنين .

-" كليم .. هل هو أنت، أيها الفتى الطيب ؟ تعال يا عزيزي كليم . هيا، دعنا نستأنف طريقنا . "

-" أنت... أنت تريد أن تقتلني .. "

-" ولماذا سأقتلك يا عزيزي كليم ؟ كنت أمزح فحسب، أيها الفتى الطيب . قسماً بشرفي أني كنت أمزح . أنت ظننت أني أحمل معي مسدسات . لقد اختلقت هذه الكذبة لشدة ما كنت خائفا. دعنا، الآن، نواصل طريقنا . فقد تجمدت أطرافي من البرد والصقيع . "

واعتبر كليم أن الامر لو كان حقا يتعلق بسرقة، لكان الرجل قد وصل، وهو هارب بالعربة وبالجواد، الى مكان بعيد . ثم إنه خرج من الغابة، وكر راجعا وهو يقترب من العربة باحتراس وحذر .

قال له المساح :

-" ما الذي أرعبك، أيها المعتوه ؟ لقد كنت أمزح فحسب . وإذا بك تخاف مني . اصعد . "

وغمغم كليم وهو يهم بالصعود الى العربة :

-" يا سيدي و يا مولاي، لو كنت أعلم أن هذا الامر سيحدث، ما كنت أوافق على نقلك ولو بمائة روبل . لقد أفزعتني، لحد ما شارفت على الموت . "

وضرب كليم الفرس الصغيرة، فارتعدت  العربة وارتجفت .  وعالجها  بضربة ثانية، فتأرجحت العربة واهتزت . وفي الضربة الرابعة، وبينما كانت العربة تتقدم رويدا رويدا الى الامام، سحب مسٌاح الأراضي ياقة المعطف ليغطي أذنيه مستسلماً لنداء تأملات مداهمة . 

في تلك اللحظة فحسب، تأكد في يقينه بأن لا كليم ولا الطريق بإمكانهما أن يشكلا عليه أي مصدر للخطورة .

 

قصة قصيرة مترجمة

..............

Wordsworth Classics - Selected Stories : Anton Chekhov

www.wordsworth-editions.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مرة أخرى يطيب لي يا صديقي العزيز المترجم القدير، السيد عبد الله هاشي، أن أهنئك على اختيارك لقصة جميلة من قصص تشيخوف، وترجمتها بأمانة وبأسلوب سلس.
ويسعدني أن أقترح عليك ترجمة مجموعة من قصص تشيخوف وإصدارها في كتاب مستقل بعد نشرها في صحيفة المثقف.
أكرر تحيتي وتهنئتي متمنياً لك التقدّم والهناء.
علي القاسمي

علي القاسمي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4779 المصادف: 2019-10-06 01:48:10