عادل صالح الزبيديبقلم: فيليب لاركن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

جزّازة العشب

توقفت جزّازة العشب، مرتين؛

جثوت لأجد قنفذا محشورا بين الشفرات،

مقتولا. لقد كان في العشب العالي.

 

كنت قد شاهدته قبل ذلك، بل حتى أطعمته، مرة.

والآن فقد هرست عالمه غير المتطفل

على نحو يتعذر إصلاحه.  لم ينفع الدفن.

 

في الصباح التالي استيقظت ولم يستيقظ.

اليوم الأول بعد الموت، الغياب الجديد

هو دائما نفسه؛

 

علينا ان يهتم بعضنا بالبعض الآخر،

علينا ان نكون عطوفين على بعضنا

بينما لا يزال ثمة وقت.

***

 

.....................

فيليب لاركن: (1922-1985) شاعر وروائي انكليزي من مواليد مدينة برادفورد بمقاطعة كوفنتري. تلقى تعليمه في جامعة اوكسفورد متخصصا في اللغة والأدب وعمل بعد تخرجه أمينا لمكتبة جامعة هــَـل لمدة ثلاثين عاما أنتج خلالها أفضل أعماله الشعرية. نشر أول مجموعة شعرية له في عام 1945وهي بعنوان (سفينة الشمال) ثم روايتين هما (جل) في 1946، و(فتاة في الشتاء) في 1947. ذاعت شهرته كصوت شعري متميز بعد نشره مجموعته الشعرية الثانية المعنونة (الأقل انخداعا) في عام  1955 تلتها مجموعة (أعراس ودسن) 1964 و(نوافذ عالية) 1974 . نال شعر لاركن جوائز عديدة أبرزها وسام الملكة الذهبي للشعر ورشح لمنصب شاعر البلاط خلفا لجون بنجامين في عام 1984 إلا انه رفض إشغال المنصب.

 

 

صالح الرزوقفلاديمير سوروكين

ترجمة: صالح الرزوق


11:45 بعد الظهر

مطعم يار

جلس لوكاشيف، نائب رئيس مصرف متواضع لكن مستقر، وزيلدين المالك لأربع مخازن كبيرة (سوبر ماركت)، حول طاولة مجهزة لثلاثة أشخاص. وكانت فرقة من الغجر تغني على المسرح. وبجانب الطاولة شجرة بتولا طويلة في حوض. وعلى الطاولة، زجاجة فودكا تلمع، وطبق من السلمون يتوهج بلون أحمر. كان الصديقان مخمورين. بدآ في مطعم بوشكين: بتناول 850 مل من الفودكا الروسية القوية، مع عصير التوت البري، والبيرة، والمشروم الأبيض المائي، وفطيرة محشوة، ولحمة مفرومة، وعجينة الكبدة، وسلطة سيزر، وخروف هوسار، وستيرليت بمرق الشمبانيا، وكريمة محمصة، ورقائق بكريمة الكاراميل، وقهوة، وكونياك، وبراندي التفاح. وتابعا في مطعم البسكويت: 380 مل تاكيلا، وشاي أخضر. وسلطة الفواكه.

قال لوكاشيف:”لا فائدة يا بوريا. هؤلاء الغجر لا يرقصون”. وأشعل سيجارة بحركة آلية.

سأله زيلدين:”ألا يعجبونك؟. أنا يعجبني نباحهم”. وملأ  الكوبين الصغيرين وسالت منهما الفودكا على غطاء الطاولة.

رد لوكاشيف وهو يحمل كوبه الصغير:”هيا.. يسببون لي الكآبة”. ورمى محتوياته على شجرة البتولا وقال:” قرف!”.

سأله زيلدين محتارا:” ما هذا، أنت تهدر الفودكا؟”.

“كل شيء”.

“لماذا تريد التخلص من كل شيء؟”.

“لا أحب أماكن من هذا النوع. هيا بنا إلى البريدج. هنامك يمكن أن نرقص مع البنات”.

تعجب زيلدين وهو يتأمل لوكاشيف وقال:”الآن؟. دعك من ذلك. لنشرب!. وماذا عن ساشا؟”.

قال:”كل شيء ممتاز. والآن، انتظر دقيقة”. ثم تذكر فقال:”للحكاية تتمة”.

قال لوكاشيف على نحو غامض:”أي حكاية؟”.

“عن الجرس”.

قال لوكاشيف بصوت بارد:”أي جرس؟”.

“الموجود في كاتدرائية المسيح المخلص!!. الجرس الرنان. الكبير. بوزن اثنين وثلاثين طنا. وهو في الجناح الجنوبي الغربي، على ما أعتقد. حسنا. وكذلك امرأة  غازبروم. كما تعلم. المصابة بسرطان الرئة. وجدت أن الترددات المنخفضة يمكن أن تقتل خلايا السرطان. ولذلك دفعت لهم رزمة. وكل مساء يرفعونها إلى الأعلى بحبل الجرس، وهناك تراها، عارية... ساشا، أيتها العاهرة. لا يمكنني أن أصدق أنك أتيت. قرف. أنت هنا حقا. أنت ها هنا. أيتها المتهتكة المبلولة بالعرق”.

هجم زيلدين من فوق زجاجة الفودكا، وألقى بنفسه على لوكاشيف وحضنه بكل قواه. واهتزت الطاولة. وتمزق جاكيته المقلم، وشخر لوكاشيف. وضغط بأصابعه الطرية كالعجين على رقبة زيلدين الثخينة. وعصر زيلدين رقبة لوكاشيف البيضاء. وزأر لوكاشيف يقول:”يا كيس نفايات موسكو”. وبدأ كل منهما يخنق الآخر.

11:48

بناء غير شرعي من خمس طوابق في شارع التجديد

جلس رجلان متشردان، فاليرا وروستير، على كومة من السجاد الرطب في زاوية من شقة متهدمة. وتلألأ من خلال نافذة مكسورة هلال رفيع. كان الرجلان مخمورين. وكانا ينظفان زجاجة من فودكا روسيا. بدآ الشراب بوقت مبكر في ذلك الصباح عند محطة قطار ياروسلاف: ربع لتر من إستوشينك. نصف رغيف من الخبز الأبيض. بقايا دجاج من شواء في البار. ثم ذهبا بالسيارة إلى حديقة سوكولنيسكي وجمعا ما يكفي من الزجاجات الفارغة ليبيعاها ثم تابعا. ثلاث زجاجات من بيرة أوشاكوف وكعكتين بالقرفة. ثم حصلا على إغفاءة على كرسي عام، وذهبا بالسيارة إلى دير نوفوديفشي، وتسولا  الهبات حتى السماء. ووفرا ما يكفي لشراء زجاجة من فودكا “روسيا”.

قال فاليرا:”انتهينا”. وشرب آخر قطرة في الظلام.

صاح روستير:” هل انتهيت منها؟. قرف ملعون”.

“ماذا؟”.

“لم يبق فيها شيء. اللعنة. كما لو أنني لم أشرب. أنا بحاجة للمزيد”.

وضحك فاليرا وقال:”حسنا. اذهب إلى إزميلوفو في الغد. وهناك سنحصل على كفايتنا يا رجل. غدا. في الغد”. وبدأ يغني شيئا غير مفهوم.

قال روستير وهو يهزأ:” مذا تعني بالغد؟”. وضحك.

رد فاليرا:”قرف. أنا أتبول في سروالي. مجددا. اللعنة”.

قال روستير:” يا وجه قضيبي... أنت ثقب...”. ولكمه.

قال فاليرا:”ما هذا... اذهب وانكح نفسك”. لكمه بالمثل.

وخيم عليها الهدوء لبعض الوقت. ومر محرك ناري مع ضجيج صاخب من تحت النافذة.

سأل روستر وهو يتثاءب:”دراجة العصابة؟”.

واعترض فاليرا بتسلط وقال:” بل خلاطة إسمنت”.

وعادا للهدوء.

وبدأ فاليرا يغني ويضحك مجددا، وهو يفتح فمه لتبرز أسنانه الفاسدة في الظلام. وكان يقول:” غدا.. غـ...ـداااااااا. أنكح غدااااااااا”.

وصاح روستر وهو يقبض على بلعومه:”فقط أغلق هذا الثقب اللعين يا غبي”.

وتنحنح فاليرا وقبض عليه بالمثل.

وبدأ كل منهما يخنق الآخر.

11:48 بعد الظهر

شقة في زقاق زيتسيف فراجيك

كان أليكس، راقص، ونيكولا، مصمم شبكات إنترنت، في السرير عاريين. وسمفونية موزارت الأربعين تعزف بهدوء في الخلفية. كان نيكولا يدخن وأليكس يقطع الكوكائين على قرص مدمج بعنوان “ضرع” لأليكسندر لارتيسكي. كانا قد باشرا قبل أربع وعشرين ساعة في حفلة عيد ميلاد لصديق يعمل بصفة فنان مكياج (0.5 غرام + عصير برتقال)، وتابعا في تابيولا راسا (0.3 غرام + مياه معدنية مفلترة) ونياغارا (0.8 غرام + مياه معدنية مفلترة + سيجاران). بعد ذلك شربا كوبا من الشاي الأخضر في شات غلاس، وانتقلا من فورهما إلى العرض الصباحي من هجوم المستنسخين. ولاحقا خرجا إلى بيت مصمم لا يعرفانه جيدا (1.3 غرام + مياه معدنية فوارة + شاي العصائر + 150 مل ويسكي + عصير تفاح + فطيرة الفريز + عنب + 150 مل شراب المشمش + فريز + شاي أخضر + فريز مع كريمة مخفوقة). وفي المساء عادا إلى بيت نيكولا (0.4 غرام). 

قال أليكس:”القليل فقط يا كول. يجب أن ننتهي منها”. كان يصنع خطين متوازيين باستعمال بطاقة تخفيضات من مخزن للحفلات.

سأل نيكولا:”هل هذا كل شيء؟”. ورمش بعينيه البراقتين الجميلتين.

”هذا كل شيء - الآن - انتهينا”.

وبصمت بدآ بشم الكوكائين بواسطة شلمونة من البلاستيك. ومسح أليكس غبار الكوكائين بأصبعه الرقيقة ثم لمس بها برقة رأس عضو نيكولا. ونظر نيكولا إلى عضوه.

“هل تريد شيئا؟”.

“أريده دائما”.

“اسمع. هل بقي عندنا ويسكي؟”.

“لم يكن لدينا ويسكي من قبل”.

قال نيكولا بدهشة عارمة:”حقا؟؟. حسنا. ماذا لدينا غيره؟”.

“فودكا فقط”. وقبض نيكولا بلطافة على خصيتيه.

قال نيكولا وهو يتمطط:” ألست متحمسا لها.”.

“سأحضرها”.

قفز أليكس وأسرع إلى المطبخ. وأطفأ نيكولا سيجارته في صحن السجائر المعدني. وعاد أليكس صامتا يحمل الفودكا وكأسا صغيرة. وسكب الفودكا. شرب نيكولا. وركع أليكس أمامه وببطء حرك لسانه حول رأس عضو نيكولا الليلكي.

قال نيكولا وهو يمص شفتيه الجافتين:”أولا لنفعلها مثل قنفذ مخملي”.

قال أليكس بلغة إنكليزية:”نعم يا سيدي”. وأحضر من الكرسي حزامين نسائيين مخمليين - الأول أسود والثاني قرمزي. واضجعا على السرير، والتصق جسماهما معا، ولف كل منهما ساقيه حول ساقي الآخر. ولف أليكس الحزام القرمزي حول رقبة نيكولا. وربط نيكولا رقبة أليكس بالأسود. وتقاربت شفاههما، وفتحا فميهما، وتلامس لساناهما. وبدأ كل منهما يخنق الآخر.

11:48 بعد الظهر

كوخ في قرية كولشينو

ركعت امرأتان مسنتان هما نيورا وماتريونا وأدتا الصلاة أمام أيقونة داكنة في علبة. وأنارت الشعلة الزرقاء المنبعثة من مصباح الأيقونة، بصعوبة، وجوه القديس نيقولا والمخلص والأم العذراء. كان الكوخ معتما ورطبا.

“لك نحن نصلي أيها السيد يسوع، ابن الله، ولأمك المقدسة وأبينا في السماء وكل القديسين المباركين، اسمع صلاتنا وارحمنا”.

تمتمت المرأتان العجوزان كل منهما على حدة:”آمين”. وصلّبتا، وانحنيتا، ولامستا الأرض غير الممهدة بجبينيهما، ثم بدأتا بالنهوض بصعوبة. نهضت ماتريونا أولا، وساعدت نيورا من كوعها العظمي.

وقفت نيورا بصعوبة فائقة، واقتربت خطوة من المقعد، وجلست وهي تقول:” أوف.. يا ربي القدير..”.

سألتها ماتريونا:”ربما ستكتبين لفاسيلي في النهاية”. وتحركت نحو الطاولة.

قالت نيورا:”لا. قواي تخذلني”. وتنفست بمشقة.

“حسنا. كتبت كلمة للمريدين. اسمحي لهم بالدخول”.

قالت نيورا وهي تئن:”لن يحين وقت كلمتي قبل ثمانية شهور. أوي. كل شيء يؤلمني”.

“لنتابع هكذا إذا.. مع أنه لا يوجد هدف”.

رفعت ماتريونا غطاء الطاولة. وتحتها، بجانب مكان الخبز والملح، وجدت طبقا فيه كعكة محلاة واحدة. حملت ماتريونا الكعكة، وجلست قرب نيورا، وقسمتها نصفين.

“خذي. تناولي طعامك. حضرتها صباح اليوم”.

“واحدة فقط؟”. وتناولت نيورا نصف الكعكة بيديها الرقيقتين المرتعشتين.

“وماذا إذا...واحدة فقط. بزبدة البقر. لتأكلي”.

“سآكل”.

وأكلتاها بصمت. وهما تمضغان بفم أدرد دون أسنان. وانتهت ماتريونا من طعامها، ومسحت فمها بيدها السمراء، ونهضت، وجرت نيورا من كوعها.

“هيا لنذهب. ولنبتهل إلى الرب”.

“هيا بنا... أيها الرب القادر”. وتابعت العجوز مضغ آخر لقمة، ووجدت مشقة في النهوض.

وخرجتا إلى غرفة الطين المعتمة ذات الأرض المتعفنة. كان القمر يشع من بين ثقوب السقف. وحبل من القنب بأنشوطتين يتدلى من دعامة السقف. قادت ماتريونا نيورا إلى الأنشوطتين.  وساعدتها على لف أنشوطة حول رقبتها. ثم لفت أنشوطتها. وارتدت نيورا وشاحها الأبيض المنقط بنقاط سود. وارتدت ماتريونا وشاحها الأسود بما يتخلله من خطوط بيض. وقبضت ماتريونا على كتفي نيورا العظميين وتعلقت بها. أطلقت نيورا شهقة، ثم تنهدت، وشدت الأنشوطتان عليهما وانزلقت ساقا المرأتين العجوزتين.

11:48 بعد الظهر

مدرسة داخلية. رقم 7. مهجع الحضانة.

ريتا وماشا بعمر خمس سنوات. رقدتا في سريريهما. جنبا إلى جنب. بعيون مفتوحة على سعتها وكانتا تحدقان بالسقف. وكان البقية وكلهن بعمر ست عشرة سنة نائمات. وفي الطرف الآخر من الجدار، كانت الملاحظة والحارس يمارسان الحب. مرت سيارة من تحت النافذة. وانزلقت خطوط مضيئة على السقف.

قالت ماشا:”تنين”.

قالت ريتا:”كلااااا. هذه زرافة”.

وتأوهت الملاحظة آهة حارقة يمكنها أن تخترق الجدار.

سألت ماشا:”ماذا تفعل الملاحظة وبتروفنا هناك”.

“هي والعم بيتروفنا يخنقان بعضهما بعضا”.

“ما معنى ذلك؟”.

“يرقدان في السرير عاريين ويخنقان بعضهما بعضا. بأيديهما”.

“لماذا؟”.

“هكذا يأتي الأولاد. ويرافق ذلك شعور مريح. كان بابا وماما يفعلان ذلك كل الوقت. يتخلصان من ثيابهما ويتعريان دائما ويفعلان ذلك. وماذا عن والديك؟”.

“ليس لي أب”.

لزمتا الصمت لفترة. ومرت سيارة إضافية. ثم أخرى.

“آه.. آه. آه ميش... ليس هكذا؟..”. همهمت الملاحظة في الطرف الاخر من الجدار.

رفعت ماشا رأسها وقالت:”ريتا. هل تريدين أن تتعاركي؟”.

“ولكن بعد ذلك سننجب الأولاد”.

لزمتا الصمت لفترة. وفكرت ريتا بذلك وقالت: “لا نريد ذلك؟”.

“لماذا لا؟”.

“نحن لسنا رجلا وسيدة”.

“آه... إذا لا بأس بذلك. موافقة؟”.

“حسنا. كل ما علينا هو أن نتخلص من ثيابنا”.

“كلااااااا!. الطقس بارد. دعينا نفعلها بثيابنا”.

“إن لم نكن عاريات لن يصح الأمر”.

“حقا؟”.

“آه...آه”.

“حسنا”.

أنفقتا وقتا طويلا بالتخلص من البيجاما. وانتقلتا إلى سرير ماشا. وأمسكت كل واحدة بالأخرى من الرقبة. وبدأن بخنق بعضهن بعضا.

الذين سبق ذكرهم: لوكاشيف وفاليرا وأليكس وماتريونا وريتا لم يشاهدوا أي شيء غريب خلال عملية العراك.لكن زيلدين وروستير ونيكولا ونيورا وماشا لاحظوا سلسلة من الفلاشات البرتقالية والقرمزية، وكانت بالتدريج تتحول إلى وهج بنفسجي خطير. ثم بدأ النور البنفسجي يخفت، ويتبدل إلى أزرق داكن، وفجأة توسع إلى مساحة ضخمة لا نهاية لها. ثم تشكل فضاء شاسع لدرجة لا تصدق من المشاهد المنبسطة الرصاصية والرمادية. وأنارته السماء البنفسجية الداكنة بواسطة قمر مشرق. ورغم الليل، كان الجو ساطعا كأنه نهار. وأنار القمر خرائب المدينة المحترقة حتى أدق التفاصيل. ولمعت نجوم متفرقة في السماء وبين الخرائب كانت امرأة عارية تمشي. وكان جسمها الأبيض المضاء بالقمر يبث إحساسا هادئا ومخدرا. ولم تكن تنتمي للعالم الذي كانت تمشي فوق رماده. وبين ذلك الرماد وتلك الخرائب استلقى الناس الجرحى من جراء الانفجار. بعضهم ينوح، وبعضهم ميت فعلا. ولكن نواحهم لم يضع حدا لهدوء المرأة. كانت تتحرك بخشوع، وتدوس على الأموات والمتألمين. كانت تبحث عن شيء آخر. وأخيرا توقفت.  بين ألواح الحجارة المتفتتة شاهدت كلبة حبلى، وجريحة جرحا مميتا. وجزء كبير من جسمها محترق. وعظام أضلاعها بارزة من خلال الجلد والشعر. وكانت تتنفس بصعوبة وتئن. فقد كانت تحاول أن تلد. ولكن خذلتها قواها. كانت الكلبة تحتضر. وكل جسمها المشوه يرتجف، ويتوتر ويفقد قوته. ولعابها المدمى يسيل من فمها القرمزي، ولسانها الوردي يتدلى من بين فكيها.

مالت المرأة على الرماد القريب من الكلبة. ووضعت يديها البيضاوين على بطن الكلبة المحترقة. وضغطت عليها. انفرجت ساقا الكلبة المدماتان قليلا.وأنّت وأطلقت نباحها القصير. وبدأ الجراء بالخروج من رحمها. واحد، آخر، ثالث، رابع،وخامس. وهز جسم الكلبة رجفة عنيفة. ونظرت للمرأة بعينين دامعتين ومجنونتين. وتثاءبت ثم ماتت. وتحرك الجراء السود وألصقوا أبوازهم الرفيعة بالرماد الفضي. التقطتهم المرأة على حدة وضمتهم إلى صدرها. وبدأ الجراء العميان بامتصاص حليب صدرها.

***

 

..........................

* ترجمها عن الروسية إلى الإنكليزية جيمي غامبريل   Jamey Gambrell.

 فلاديمير سوروكين:  Vladimir Sorokin مولود عام 1954 في بيكوفو. بدأ حياته كمهندس نفط وغاز. ثم تحول للكتابة. وأصبح أسطورة من أساطير المعارضة السرية في ثمانينات موسكو. ثم حاز على مكان رفيع في الحياة الثقافية الروسية الرسمية. تلقى عدة جوائز أدبية رفيعة واشتهر بثلاثيته المعروفة “الجليد” التي نشرتها دار “مجلة نيورورك للإصدارات الحديثة”. وصل لقصيرة المان بوكير الدولية عن مجمل أعماله عام 2013.

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: أتيلا جوزيف

ترجمة: عامر كامل السامرائي

مهداة إلى الشاعر المتألق ناصر الثعالبي

الذي غادر بودابست حاملاً مجموعة الشاعر أتيلا جوزيف


جالسٌ هنا على شفى جُرفِ صَخرٍ نيِّرٍ.

نسماتُ صَيفٍ طريٍّ، تضوعتْ

مثلُ وجبة عشاء شهيِّة دافئة.

أُعوِّدُ فؤادي على الصمتِ.

ليس هذا بمُتَعَذّر -

يجيشُ بما مضى،

اليدين واهنة والرأس ينحني

 

أتطلع إلى أعراف الجبال -

تلألؤ جبينك

يومض كل ورقة

لا أحد على الطريق، لا أحد،

أرى، ثوبكِ تُرفرفُ الريح أطرافه.

وتحت الأعراش الغضة

أرى خصلات شعركِ تنضَّلت مهتزة

فأجفلتْ صدركِ الناعم،

- إذ فاض جدولُ "سينڤا*"-

ها أنا أراه مرة أخرى، يتدفق

على الحصى البيضاء المكورة،

كثغركِ الساحر المُتبسم.

***

 

.......................

* "سينڤا" جدول يجري في مدينة ميشكولتس التي تقع شمال المجر، طوله 30 كيلومتراً. (المترجم)

ولد الشاعر أتيلا جوزيف عام 1905 و منتحراً في عام 1936. يعتبر أحد أكثر الشخصيات البارزة في الشعر المجري المعاصر. عاش حياة قاسية جداً، بين الفقر المدقع، والتنازلات الكثيرة التي أدت به العزلة والشعور المستمر بالإحباط.

التحق بجامعة (سَكد)، ولكن تم طرده نتيجة لاحتجاجات اليمينية بسبب قصيدته اليسارية "بقلب نظيف". ثم التحق بالجامعات الغربية: أستمع إلى محاضرات في جامعة ڤينا، ثم درس في جامعة السوربون في باريس وحسن مهاراته اللغوية. في غضون ذلك، تعرف على الشعر الألماني والفرنسي المعاصر، والذي كان ل"فيلون" تأثيراً كبيراً على شعره.

حاز على جوائز عديدة، ولكن كلها كانت بعد وفاته.

 

صحيفة المثقفقصائد مختارة

من أعمال ريتشارد بروتيغان

الترجمة / سوران محمد

  الإنتظار

تبدو

كالسنين

قبل

ان اقطف

باقة

القبلات

من فمها

وأضعها

في مزهرية الفجر الملون

داخل

قلبي.

.

لكن

الإنتظار

يستحق ذلك.

.

لاني

كنت

عاشقا

***

2

 أنفي يكبر سنا

نعم.

نظرة أيلول عريضة كسولة

في المرآة

قل هذا صحيح.

.

انا ٣١

وأنفي يكبر

سنا.

.

يبدأ من حوالي ١/٢

بُوْصَة

تحت الجسر

و الشيخوخة يطوف

في الأسفل

لبوصة آخری أو نحو ذلك:

ويتوقف.

.

لحسن الحظ ، بقية

الأنف نسبيا

مازال شابا.

.

ولا أدري هل الفتيات

تريدني

مع أنف مسن..

.

يمكنني سماعهن الآن

مومسات بلا  قلوب!

.

"هو لطيف

لكن أنفه

مسن."

3

 توقفنا في أيام مناسبة

توقفنا في أيام مناسبة

وخرجنا من السيارة.

ألقت الريح نظرة علي شعرها.

هكذا  بهذه البساطة.

وأنا التفت لأقول شيئا

4

هايكو الإسعاف

قطعة من الفلفل الأخضر

سقط

من سلطة داخل اناء خشبي:

ماذا اذا؟

***

5

قصيدة حب

انه جميل جدا

أن تستيقظ في الصباح

تجد  نفسك وحيدا

ولا تقول لأحد

تحبهم

عندما لا تحبهم

بعد.

6

لون كالبدء

انسی الحب

أريد أن أموت

في شعرك الأشقر

***

 

...................

* المصدر/

poemhunter.com/richard-brautigan/poems

* نبذة عن الشاعر:

ولد الشاعر في 30 يناير 1935 في مدينة تاكوما، واشنطن، الولايات المتحدة.. بدأ مشواره‌ الادبي في أواسط الخمسينيات للقرن الماضي، كان متأثرا بكتاب كالـ: جاك كيروك، تشارلز بوكوفسكي، إرنست همينغوي، كارلوس وليم كارلوس، له‌ العديد من المؤلفات مابين الشعر والقصة والرواية، من اهم رواياته (صيد سمك سلمون المرقط في أمريکا) 1967.

وقد تميز بأسلوبه الخاص في الكتابة، حيث كان يمتزج بين الفكاهة والجد لرسم واقع خيالي أو بالاحری كي ينسی بهذه الطريقة مأسي حياته الشخصية و ينتقد الواقع الاليم.

كانا للبؤس والحرمان حضورا دائما في حياته و نتاجاتها الادبية، ففي عام 1956 علي سبيل المثال قام بكسر زجاجة شباك لمركز للشرطة كي يسجنونه‌ حيث يكون بوسعه الحصول علی الاكل في السجن، لكن سرعان ما خاب ظنه عندما تم تحويله الی المستشفی النفسي لتلقي علاج الشيزوفرينيا والبارانوي – العلاج بالصدمات الكهربائية-

انتهی مشواره الادبي عندما انتحر في بولنيسا، كاليفورنيا في 16 سبتمبر 1984 عن عمر ناهز ٤٩ عاما..

 

..............................

* القصائد بالانجليزية/

 

The wait

It seemed

like years

before

I picked

a bouquet

of kisses

off her mouth

and put them

into a dawn-colored vase

in

my

heart.

 

But

the wait

was worth it.

 

Because

I

was

in love.

2

My Nose Is Growing Old

Yup.

A long lazy September look

in the mirror

say it's true.

 

I'm 31

and my nose is growing

old.

 

It starts about 1/2

an inch

below the bridge

and strolls geriatrically

down

for another inch or so:

stopping.

 

Fortunately, the rest

of the nose is comparatively

young.

 

I wonder if girls

will want me with an

old nose.

 

I can hear them now

the heartless bitches!

 

"He's cute

but his nose

is old."

3

We stopped at perfect days

We stopped at perfect days

and got out of the car.

The wind glanced at her hair.

It was as simple as that.

I turned to say something--

4

Haiku Ambulance

A piece of green pepper

fell

off the wooden salad bowl:

so what?

5

Love Poem

It's so nice

to wake up in the morning

all alone

and not have to tell somebody

you love them

when you don't love them

any more.

6

Color As Beginning

Forget love

I want to die

in your yellow hair

 

صحيفة المثقف من دفاتر بهلول لفتحي مهذب

ترجمتها إلى الإسبانية:

الأديبة المغربية فتيحة بجاج السباعي.


 

Traducido al español por Fatiha Bejjaj Sbai .

De los cuadernos de Bahlul.

***

Sigo las huellas de los funcionarios

Desnudo

con una barba lisa

voy corriendo detrás de la carroza de los muertos

Mis piernas son dos nieblas

y mis lágrimas son pájaros

Vuelan por las aires

bofetando lentamente la puerta de mi sombra

vertiendo recuerdos profundos

y gritando como una viuda:

Todo se acabó..

No hay sombra que escucha el entonar de los pies

ni palabras que mueven a la piedras del sentido

ni profundidad para la luz

ni puerta para el alma ni lámparas..

ni sentido al significado ni tampoco orilla

Para nuestras eternas heridas

Así nos caemos en el olvido

Caemos en la misión del hielo

Se apagan las raíces de la materia

en la cimas del silencio..

Lloro como abubilla

le perdió una trampa filosófica...

Así nos manipula la oscuridad

según los trípodes de la separación

Así la arena traga su origen

con la cucharada del polvo..

Así se callan nuestras campanas

bajo el bombardeo de la ausencia..

penetrándose en el cuerpo de la tierra..

Rendidas al ritmo de la aniquilación.

 

 

 

 

..................................

من دفاتر بهلول / فتحي مهذب

أقتفي أثر الجنائز

حافيا ..

بلحية متهدلة..

أعدو وراء عربة الأموات

ساقاي غيمتان..

ودموعي عصافير

تحلق في الهواء..

صافقا باب ظلي ببطء..

ذارفا ذكريات عميقة

صائحا مثل أرملة :

إنتهى كل شيء..

لا ظل يصغي لنغمة القدمين

لا كلمات تحرك حجر المعنى..

لا عمق للضوء..

لا باب للروح ولا مصابيح..

لا معنى للمعنى ولا ضفاف

لجرحنا الأبدي..

هكذا نسقط في النسيان

نسقط في مهمه الصقيع..

تنطفئ جذور الهيولى..

في ذروات الصمت..

أبكي مثل هدهد

شرده مأزق فلسفي..

هكذا تطبخنا العتمة

على أثافي الفقد ..

هكذا يأكل التراب سنخه

بملعقة الغبار..

هكذا تخبو نواقيسنا

تحت قصف الغياب..

نوغل في جسد الأرض..

مستسلمين لإيقاع الفناء .

 

 

سعد جاسمبقلم الشاعر: سعد جاسم

ترجمتها إلى الانجليزية

الشاعرة والمترجمة المصرية: نُهى كمال


  You are exactly look like me

Poem : Saad Jasem

Translated by :Noha Kamal

***

One  night

In one  of his heavenly inspirations

God achieved compatibility with himself

Creating you as if you were (Jennifer Lawerance)

When I came about to get acquainted with you

Or you did

-I can barely remember  how we get along)

I was stunned with an aura of magic and ravishment

And you overwhelmed me me with love and temptation

Until I felt like.....

When hanging out with you in the city streets

That the others envied me

For your adorable tender presence

The women were murmuring with something like semi

concealed jealousy and envy

Woow!how fortunate

Because pretty "Jean"

Embraces his arm

As if they were at  Oscars

Or even in a movie of those ones of eternal love

A lovely smile can be detected over your cherry lips

And all the places glow with your celestial stature

With your incandescent hovering wings

As a dove of light

You beat my soul

One night

Where god transfigured and made such compatibility with himself

Creating you as if you were an icon of sky and cinema

And the star of dreams and fields

God turned me to be your enchanted  lover

And the guardian of your infatuation that resembles this poem

Where I have no rivals but God

You were his selection for me

Where I was overflowed with all that passion

This glowing pleasing

Which as a matter of fact is you

You're its reflection

Both in her laugh and stature

Yet,you do not resemble anything but your wild spirit

Through which god showed his inspirations

And  created it for me

As if saying to me(I thy grant you my gift)

To be your poem and paradisiac female

Who 's in my point and vision

Resembles no one

But herself and you

 

 .......................

 

أَنتِ تُشبهينني تماماً / سعد جاسم

 

ذاتَ ليلةٍ

وفي واحدةٍ من تجلياتهِ السماوية

قامَ اللهُ بالتناصِ معَ نفسهِ

فخلقكِ كما لو أَنَّكِ " جينيفر لورنس "

وعندما عرفتُكِ

أو أنتِ عرفتني

-لاأتذكّرُ كيفَ عرفَ أحدُنا الآخرَ –

أصِبْتُ أنا بهالةٍ من السحرِ والإنخطافِ

وغمرتِني أنتِ

بالحبِّ والغوايةِ

حتى أصبحتُ

وعندما أسيرُ معكِ

في شوارعِ المدينةِ

أشعرُ أنَّ الآخرينَ

يغبطونني على حضوركِ

الفاتنِ الرهيفِ

والنساءُ كُنَّ يتهامسنَ بما يُشبُهُ

الغيرةَ والحسدَ الخفيَّ

- واوو كم هو محظوظٌ

لأنَّ " جين " الجميلةَ

تحتضنُ ذراعَهُ

كما لو كانا في حفلِ للاوسكارِ

أو في فيلم من أفلامِ الحبِّ الهوليودية

وكنتِ أنتِ تبتسمينَ بشفتيكِ الكرزيتينِ

فتضيئينَ الأمكنةَ بإشراقاتِ قامتكِ الكوكبيةِ الفارعةِ

وبرفيفِ أجنحةِ فتنتكِ المتلألئة

مثلَ حمامةِ ضوءٍ

خفَقتْ على روحي

ذاتَ ليلةٍ تجلّى فيها اللهُ

وتناصَّ مع نفسهِ

وخلقكِ كما لو أنكِ إيقونةُ

السماءِ والسينما

ونجمةُ الأحلامِ والحقولِ

وجعلَني حبيبَكَ المسحورَ

وحارسَ فتنتكِ التي تُشبُهُ

هذه القصيدةَ

التي لاأتناصُّ فيها

إلّا مع اللهِ

الذي اصطفاكِ لي

فغمرَني بكلِّ هذا الشغفِ

وهذهِ المسرّةِ الساطعةِ

التي هيَ أنتِ

إنتِ التي تُشبهينَها

في ضحكتِها وفي قامتِها أيضاً

ولكنَّكِ ......

لاتشبهينَ إلّا روحَكِ البرّيةَ

التي تجّلى اللهُ

وخلقَها من أجلي

كما لو أنَّهُ يقولُ لي

-خُذْ ياأنتَ

خُذْ هِبتي هذهِ

لتكونَ قصيدتَكَ

وأُنثاكَ الفردوسية

التي هي في رؤيتي ورؤياي

لاتشبهُ إلّا نفسَها

وتشبُهكَ أَنتَ تماماً

***

 سعد جاسم

 

عامر كامل السامرائيللشاعر اليوناني: يانيس إفتاثيادس

ترجمة: عامر كامل السامرائي

مِنْ:

بالأسود والأبيض

عزيزتي العجوز الكسندرا

عدة أسابيع

أشهر

سنوات

مضت منذ ذلك الحين

لكنني ما زلت أتذكر صوت ذلك الهسيس

الذي خرج مِنْ موقد الغاز

ألا يبدو هذا مضحكاً؟

هنالك أشياء أخرى كثيرة تذكرني بكِ

كلماتكِ الحكيمة

مفاهيمكِ

نصائحكِ

غير أن موقد الغاز

وصوت ذلك الهسيس

يقربكِ إليَّ أكثر.

***

 

........................

ولد يانيس إفتاثيادس في أثينا عام 1946. نُشرت له عشر مجاميع شعرية وقصائد للأطفال بالإضافة إلى سبعة كتب روائية قصيرة، إلى جانب خمسة كتب عبارة عن مجموعة مقالات. يكتب عن الموسيقى في احدى الجرائد تحت اسم القلم Apicius. تمت ترجمة مجموعة مختارة من أعماله الشعرية إلى اللغة الإنجليزية وتم اختيار بعض من كتاباته ونشرها في كتب مدرسية بالمدارس الثانوية. في عام 2012 ، حصل على الجائزة الوطنية للقصة القصيرة عن كتابه "الناس المصنوعون من الكلمات" وجائزة أكاديمية أثينا عن مقالاته الموسيقية والأدبية. كما أنه منتج إذاعي في البرنامج الثالث (الشبكة الإذاعية الكلاسيكية الوطنية) وقدم العديد من البرامج عن الموسيقى الكلاسيكية في التلفزيون اليوناني.

 

 

محمد صالح الغريسيشعر: وسليام شيكسبير

تعريب: محمد الصالح الغريسي


 

حين تقسم حبيبتي أنّها جبلت على الحقيقة،

فإنّي أصدّقها، رغم معرفتي بأنّها تكذب،

قد يدور بخلدها أنّني من أولئك الشّباب قليلي الخبرة،

و أنّني لست بارعا في اختراع الأراجيف، وبالتّالي لا يجدي أتّها تفكّر بأنّي صغير،

رغم علمي أنّ أعوامي الّتي مضت كانت الأفضل،كنت أبتسم مصدّقا زيف ما ينطق به لسانها،متجاوزا عن أخطاء الحبّ ببقايا حبّ مريض.

لكن، لماذا كانت حبيبتي تقول إنّها صغيرة؟

 ولماذا لا تقول عنّى أنّني كبير في السنّ.؟

من أفضل الطّباع في الحبّ، أن نقول كلاما لطيفا،

و السنّ، في الحبّ، ليس من المحبذ ذكرها .

لذلك سأكذب في الحبّ، وهو ما سيفعله الحبّ معي..

ما دامت أخطاؤنا في الحبّ، تخمده إلى هذا الحدّ.

2

حبّان لي، حبّ للسّلوى وحبّ للقنوط،

ما يزالان يلهماني كروحين؛

ملاكي المفضّل، رجل عادل تماما،

و أسوأ شبح، امرأة متلوّنة همّها أن تفوز بي قريبا في الجحيم، ألا وهي أنثى الشرّ.

استدرجَتْ ملاكي المفضّل لتبعده عنّي،و أغوت قدّيسي لتجعل منه شيطانا،

مُغَازِلَةً طهره بما بتبخترها.

و يستوي عندها إن كان ملاكي قد تحوّل إلى شيطان قبيح،

أشكّ إن كان من المبكّر المبادرة بالقول: أن يكون كلاهما لي، أن يكون كلاهما لكلّ صديق،

لا بدّ أن يكون أحد الملائكة في جحيم الآخر :

ما من حقيقة عليّ معرفتها سوى أن أعيش في شكّ،

حتّى يحرق ملاكي الشرّير، ملاكي الطيّب ويطرده بعيدا.

3

ألم يكن خطاب عينيك السّماويّ البليغ، الّذي لم يستطع العالم أن يقيم عليه الحجّة،

يقنع قلبي بهذا البهتان الزّائف؟

إنّ نكث العهود حسب اعتقادك لا يستحقّ العقاب.

 لقد أزمعت فراق امرأة، ولكنّي، سأثبت بالدّليل، أنّك إلهة، فأنا لن أتخلّى عنك.

لقد كان وعدي أرضيّا، وأنت حبّ سماويّ:

و النّعمة المكتسبة، تشفي فيّ كلّ ما حلّ بي من لعنة.

لقد كان وعدي نَفَسًا، والنّفس ليس سوى بخار؛

أنت إذا شمس جميلة، تسطع بنورها على هذه الأرض،

فيتصاعد إليك بخار هذا الوعد:

إذا كان مقطوعا، فالذّنب إذا، ليس ذنبي.

 وإن انقطع بسببي، أليس ذلك حمقا، إذ ليس من الحكمة نكث العهد، رغبة في الفوز بالجنّة؟

4

"سيثريا"، الجميلة الجالسة قرب الجدول مع "أدونيس" الجميل الغضّ والأخضر،

قد تودّدت إلى الفتى بنظرة حبّ، مثل هذه النّظرات الّتي لا تصدر إلاّ عن ملكة جميلة،

و كي تسحر سمعه، قصّت عليه جملة من القصص، ولتجلب انتباهه أبدت إليه مفاتنها؛

و لتكسب قلبه كانت تلمسه من هنا وهناك، --

لمسات لطيفة، ما فتئت تغلب عفّته.

لكنّ هذه السّنين غير الناضجة، عوض أن تثير فيه الغرور،

فيرفض حركاتها المغرية،كان على القارض اللّطيف أن لا يلمس السمّ،

لكنّه ابتسم وتجاوب مع كلّ عرض لطيف:

ثمّ استلقت الملكة الفاتنة على ظهرها ثمّ على جنبها :

 فنهض وفرّ هاربا، آه يا أحمق، تقدّم جيّدا إلى الأمام ! .

5

إذا كان الحبّ يجعلني أنكث العهد، فكيف يتعيّن عليّ أن أقسم على الحبّ؟

أوه، لا يمكن للإيمان أن يصمد إذا لم يكن نذر ا للجمال:

رغم أنّي نكثت ما عاهدت نفسي عليه، فإنّي سأثبت لك دوما؛

أنّ تلك الأفكار، كانت لي بمثابة السّنديان، ولديك مثل أغصان السّلال المنحنية.

ادرسي آثار أوراقها، واجعلي من كتابها عينين لك، حيث تكمن كلّّ المتع الّتي يمكن للفنّ أن يدركها.

يكفي أن تكون المعرفة هي العلامة الميّزة لمعرفتك؛

فكلّما تحكّمت في ذلك اللّسان كلّما كانت قراءتك سليمة؛

الكلّ يجهل أنّ الرّوح الّتي تراك دون أن تصيبها الدّهشة؛

هي عندي بمثابة المدح الّذي بمثّل جزء من إعجابي بك:

إنّ عينك يا "جوبيتر" تبدو مثل برق، وصوتك هو رعده الرّهيب،

الّذي لا ينحني لغضب، ألا وهو الموسيقى والنّار العذبة.

سماويّة مثل فنّك فلا تخطئ في حبّ ذلك،

ولتغنّي شكرا للسّماء، بهذا اللّسان الأرضيّ.

6

نادرا ما كانت الشّمس تجفّف الفجر النّديّ، ونادرا ما كان القطيع يذهب إلى السّياج من أجل الظلّ، عندما كانت "سيثريا" محرومة تماما من الحبّ،كان شوقها الدّائم لــ"أدزنيس"قد جعل من صفصافة السّلال تنمو قرب الجدول الصّغير، حيث تعوّد "أدون" أن يهدّئ من غضبه:

حارّا كان اليوم، كأحرّ ما يكون على مقاربته الّتي غالبا ما كانت موجودة .

قريبا يأتي ويرمي بعباءته، ثمّ وقف عاريا تماما، على حافة الجدول الخضراء:

كانت الشّمس تنظر إلى العالم بعين جليلة،

لم يكن بعد منتبها إلى ملكته بالقدر الّذي كانت منتبهة إليه.

كان ينظر إليها خلسة، وقد قفزت حيث كان واقفا:

أيّها الإله "جوبيتير"؛ قالت الملكة،" لماذا لم أكن سيلا" !

7

وسيم هو حبيبي، لكنّه ليس وسيما بقدر ما هو متقلّب،

وديع مثل حمامة، ليس بالصّادق ولا بالوفيّ؛

هو أكثر صفاء من المرآة، وهو أيضا هش كالزّجاج؛

هو أكثر لينا من الشّمع، وفي نفس الوقت صلب كالحديد،

هو باهت كزنبقة، تزيّنت بصبغ دمشقيّ لتجميلها،

ليس ثمّة من هو أكثر منه وسامة، ولا أكثر خداعا لمحوها.

كم كانت شفتها تلامس شفتيّ،

و بين كلّ قبلة وأخرى، تقسم بأعلظ الأيمان على صدق حبّها!

كم من حكاية اختلقتها في سبيل إرضائي، مخيفة حبّي من الضّياع، فلم يزل مرعوبا بذلك!  

و في غمرة احتجاجاتها الصّريحة،

كان ولاؤها وأيمانها، ودموعها، كلّ ذلك كان مجرّد تهريج.

كانت تحترق حبّا، كما يحرق الهشيم بالنّار ؛

لقد أحرقت هي الحبّ، بأسرع ما أحرقت النّار الهشيم؛

و أخمدت الحبّ، وهي ما تزال تواصل كبته؛

لقد تاجرت بالحبّ وسقطت وهي ما تزال تلفّ

هل هذه مُحِبَّةٌ، أم أنّها فاجرة؟

 هي سيّئة في كلّ الأحوال، ولم تكن بارعة في شيء.

8

إذا كانت الموسيقى والشّعر الجميل ينسجمان،

فمثلما للأخت والأخ حاجتهما،

كان على الحبّ أن يكون عظيما بيننا، أنت وأنا،

لأنّك أحببت أحدهما وأنا أحببت الآخر.

إنّ "داولاند" عزيزة عليك، تفتن الإحساس البشريّ، بلمستها السّماويّة على العود؛

كذلك "سبنسر، هو " عندي بفكره العميق، وهو يتجاوز كلّ فكر، لا يحتاج إلى من يدافع عنه.

لقد أحببت سماع الأصوت ذات اللّحن العذب الّتي يحدثها عود "فيبوس" ملكة الموسيقى.

و قد غرقت في فتنتها إلى أبعد حدّ، في حين لجأ هو نفسه إلى الغناء.

كشاعرين غريبين، فإنّ إلاها واحد هو إلهنا نحن الإثنين؛

فارس واحد يحبّ الإثنين معا، والإثنان يكمنان فيك.

9

جميلا كان الفجر، حين كانت ملكة الحبّ الحسناء أكثر شحوبا، بسبب الحزن، من حمامتها البيضاء كالحليب،

من أجل "أدون" الفتى المتكبّر الشّرس، كانت واقفة على التّل المنحدر:

قريبا يأتي "أدونيس" ومعه البوق وكلاب الصّيد؛

لقد منعت الفتى من عبور هذه الأراضي، وهي ملكة مغفّلة أكثر منها ذاتسريرة طيّبة في الحبّ:

قالت : هل رأيت شبابا جميلا حلوا، هنا في هذه المكابح الّتي أثخنها ذكر الخنزير بالجراح، جراح عميقة في الفخذ !

انظر إلى يميني، قالت الملكة:"هنا كان الألم".

أظهرت جرحها: رأى جراحا كثيرة ولم ير جرحا واحدا،

ففرّ محمرّ الوجه من الخجل، تاركا إيّاها وحيدة.

10

يا وردة حلوة، يا زهرة جميلة قطفت قبل الأوان، واختفت في وقت مبكّر،

قطفت وهي في برعمها، واختفت في الرّبيع !

يا جوهرة الشّرق البرّاقة، مدّت للأسف، ظلّها في الوقت المناسب جدّا!

يا مخلوقا جميلا قتله الموت باكرا جدّا بوخزته الحادّة !

كثمرة برقوق خضراء معلّقة في شجرة، تسقطها الرّيح قبل موعد سقوطها.

أبكي لأجلك، وإلى الآن لا أجدلي مبرّرا؛

لماذا لم تتركي لي شيئا من عزيمتك:

و إلى الآن لم تتركي لي أكثر ممّا رغبت؛

لماذا لم ألتمس منك شيئا حتّى الآن:

 آه.. يا صديقتي العزيزة، ها أنا ألتمس منك الصّفح

أنت لم تخلّفي لي سوى الاستياء.

11

"فينوس" والشّاب " أدونيس" يجلسان بجانبها

تحت ظلّ الآس،و قد أخذا يتودّدان إليه:

أخبرت الصّغير كيف أنّ الإله " المرّيخ"كان يختبرها،

و بما أنه وقع في حبّها مثلما وقعت هي في حبّه.

قالت: رغم الّذي حصل، فإنّ الإله المولع بالحرب قد عانقني؛

ثمّ طوّقت "أدونيس" بذراعيها؛

قالت: رغم الّذي حصل فإنّ الإله المولع بالحرب، قد فكّ وثاقي؛

كما لو أنّ الفتى يستعمل حركات الحبّ السّحريّة؛

قالت: رغم الّذي حصل، فقدأطبق بشفتيه على شفتيّ

و مع شفتيه على شفتيها، كان الإطباق محكما

و لمّا حاولتْ استرداد أنفاسها، قفز بعيدا

و لم يعط أيّ اعتبار لقبولها ولا لرغبتها.

آه.. هذا ما حقّقته سيّدتي في هذه الفسحة،

أن تقبّليني، أن تطوّقيني إلى أن أهر ب بعيدا !

12

إنّ سنّ النّكد والشّباب لا يمكن أن يتعايشا

الشّباب مليء يالبهجة والسّرور، الشيخوخة تحتاج إلى عناية دائمة؛

الشّباب مثل فجر يوم صيفيّ، الشّيخوخة مثل شتاء عار؛

الشّباب حافل بالرّياضة والنّشاط، أمّا أنفاس الشّيخوخة فقصيرة،

الشّباب خفيف رشيق، أمّا الشّيخوخة فضعيفة كسيحة؛

الشّباب متّقد وجسور، أمّا الشّيخوخة فواهنة وباردة؛

الشّباب شرس، أمّا الشّيخوخة فوديعة خانعة.

يا أيّتها الشّيخوخة، إنّي أكرهك، يا أيّها الشّباب إنّي أعشقك؛

آه .. يا حبيبي، حبيبي شاب !

يا أيّتها الشّيخوخة، إنّي أتحدّاك: أسرع أيّها الرّاعي الجميل،

لذلك يبدو أنّك بقيت لوقت طويل جدّا.

13

الحبّ ليس سوى خير مغشوش لا طائل من ورائه؛

لمعة برّاقة تومض فجأة؛

زهرة تموت بمجرّد أن تتحوّل إلى برعم؛

كأس هشة، كأس، انكسرت على الفور؛

خير مغشوش، زهرة،

مفقودة، فاخرة، مكسورة، ميتة خلال ساعة.

و بما أنّ الأشياء الضّائعة قد بيعت أو فقدت،

بما أنّ اللّمعان الفاخر الصّافي منعش،

بما أنّا الزّهرة الميّتة ملقاة على الأرض وهي ذاوية،

بما الكأس المكسورة لا يمكن لتعليق أن يعيدها سليمة كما كانت،

فإنّ الجمال إذا ذبل ضاع إلى الأبد،

رغم المادّة، رغم الرّسم، رغم الألم، رغم التكلفة.

14

ليلة سعيدة، نوم هنيء.آه.. لم يكن ذلك من نصيبي:

قالت: ليلة سعيدة فأطارت النّوم عنّي،

ثمّ دفعتني إلى مقصورة معلّقة بعناية،

لتسهب في شكوكها في انحطاطي.

قالت : "وداعا"، ثم عد مجدّدا يوم غد:

لم أقدر على ثمن جيّد، فكان عشائي الحزن.

ما كدت أغادر حتّى رسمت على وجهها ابتسامة عذبة،

سيان عندي أن أحرّم أو أحلّل، في الازدراء أو الصّداقة:

ربّما وجدت سعادة في التّسلّي بنفيي،

ربّما لتجعلني مرّة أخرى أهيم على وجهي هنا وهناك.

كلمة "أهيم"تنطبق على الأشباح انطباقها على شخصي،

مثل، جنى الألم، ولكن لم يحصد الثّروة.

15

يا ربّي، كيف لعينيّ أن تلقي نظراتها إلى الشّرق !

أن يتحمّل قلبي عبء رؤية الصّبح وهو يطلع،

أن يستشهد بكل اتّجاه متحرّك لهذا السّكون الخامل

دون التجرئ على الوثوق في وظيفة عينيّ،

بينما كانت"فيلوميليا"جالسة تغنّي، كنت أنا أيضا جالسا وألاحظ،

و رجوتها أن تبقى تدور في مكانها كالقبّرة؛

لذلك كانت تستقبل ضوء النّهار بأغنيتها القصيرة،

تطرد عنها كوابيس الليلة الظّلماء المزعجة :

كان الليل حافلا بحيث الْتَصَقْتُ بحسنائي،

لقد حقّق القلب ما يتمنّاه، والعينان ما تريدان رؤيته،

لقد تبدّل الحزن بالسّلوان، مزيج من السّلوان والحزن؛

لماذا إذًا، تنهّدت ودعتني أن آتيها في اليوم الموالي.

حيث يمرّ اللّيل وأنا معها بسرعة كبيرة جدّا،

و لكنّنا الآن في دقائق مضافة إلى السّاعات ؛

ما يغيضني الآن أنّ الدّقيقة تبدو وكأنها شهر،

لم يحن الوقت في نظري للشّس كي تسعف الأزهار !

ليلة حافلة،يوم مشرق، نهار جميل نستعيره من اللّيل :

قصير، ليل، الليلة، والطّول، كلّها في حدّ ذاتها، غدا.

ويليام شيكسبير

............................

The Passionate Pilgrim

Poem by William Shakespeare

I.

When my love swears that she is made of truth,

I do believe her, though I know she lies,

That she might think me some untutor'd youth,

Unskilful in the world's false forgeries,

Thus vainly thinking that she thinks me young,

Although I know my years be past the best,

I smiling credit her false-speaking tongue,

Outfacing faults in love with love's ill rest.

But wherefore says my love that she is young?

And wherefore say not I that I am old?

O, love's best habit is a soothing tongue,

And age, in love, loves not to have years told.

Therefore, I'll lie with love, and love with me,

Since that our faults in love thus smother'd be.

II.

Two loves I have, of comfort and despair,

That like two spirits do suggest me still;

My better angel is a man right fair,

My worser spirit a woman colour'd ill.

To win me soon to hell, my female evil

Tempteth my better angel from my side,

And would corrupt my saint to be a devil,

Wooing his purity with her fair pride.

And whether that my angel be turn'd fiend,

Suspect I may, yet not directly tell:

For being both to me, both to each friend,

I guess one angel in another's hell:

The truth I shall not know, but live in doubt,

Till my bad angel fire my good one out.

III.

Did not the heavenly rhetoric of thine eye,

'Gainst whom the world could not hold argument.

Persuade my heart to this false perjury?

Vows for thee broke deserve not punishment.

A woman I forswore; but I will prove,

Thou being a goddess, I forswore not thee:

My vow was earthly, thou a heavenly love:

Thy grace being gain'd cures all disgrace in me.

My vow was breath, and breath a vapour is;

Then, thou fair sun, that on this earth doth shine,

Exhale this vapour vow; in thee it is:

If broken, then it is no fault of mine.

If by me broke, what fool is not so wise

To break an oath, to win a paradise?

IV.

Sweet Cytherea, sitting by a brook

With young Adonis, lovely, fresh, and green,

Did court the lad with many a lovely look,

Such looks as none could look but beauty's queen,

She told him stories to delight his ear;

She show'd him favours to allure his eye;

To win his heart, she touch'd him here and there, --

Touches so soft still conquer chastity.

But whether unripe years did want conceit,

Or he refused to take her figured proffer,

The tender nibbler would not touch the bait,

But smile and jest at every gentle offer:

Then fell she on her back, fair queen, and toward:

He rose and ran away; ah, fool too froward!

V.

If love make me forsworn, how shall I swear to love?

O never faith could hold, if not to beauty vow'd:

Though to myself forsworn, to thee I'll constant prove;

Those thoughts, to me like oaks, to thee like osiers bow'd.

Study his bias leaves, and make his book thine eyes,

Where all those pleasures live that art can comprehend.

If knowledge be the mark, to know thee shall suffice;

Well learned is that tongue that well can thee commend;

All ignorant that soul that sees thee without wonder;

Which is to me some praise, that I thy parts admire:

Thy eye Jove's lightning seems, thy voice his dreadful thunder,

Which, not to anger bent, is music and sweet fire.

Celestial as thou art, O do not love that wrong,

To sing heaven's praise with such an earthly tongue.

VI.

Scarce had the sun dried up the dewy morn,

And scarce the herd gone to the hedge for shade,

When Cytherea, all in love forlorn,

A longing tarriance for Adonis made

Under an osier growing by a brook,

A brook where Adon used to cool his spleen:

Hot was the day; she hotter that did look

For his approach, that often there had been.

Anon he comes, and throws his mantle by,

And stood stark naked on the brook's green brim:

The sun look'd on the world with glorious eye,

Yet not so wistly as this queen on him.

He, spying her, bounced in, whereas he stood:

'O Jove,' quoth she, 'why was not I a flood!'

VII.

Fair is my love, but not so fair as fickle;

Mild as a dove, but neither true nor trusty;

Brighter than glass, and yet, as glass is brittle;

Softer than wax, and yet, as iron, rusty:

A lily pale, with damask dye to grace her,

None fairer, nor none falser to deface her.

Her lips to mine how often hath she joined,

Between each kiss her oaths of true love swearing!

How many tales to please me bath she coined,

Dreading my love, the loss thereof still fearing!

Yet in the midst of all her pure protestings,

Her faith, her oaths, her tears, and all were jestings.

She burn'd with love, as straw with fire flameth;

She burn'd out love, as soon as straw outburneth;

She framed the love, and yet she foil'd the framing;

She bade love last, and yet she fell a-turning.

Was this a lover, or a lecher whether?

Bad in the best, though excellent in neither.

VIII.

If music and sweet poetry agree,

As they must needs, the sister and the brother,

Then must the love be great 'twixt thee and me,

Because thou lovest the one, and I the other.

Dowland to thee is dear, whose heavenly touch

Upon the lute doth ravish human sense;

Spenser to me, whose deep conceit is such

As, passing all conceit, needs no defence.

Thou lovest to bear the sweet melodious sound

That Phoebus' lute, the queen of music, makes;

And I in deep delight am chiefly drown'd

Whenas himself to singing he betakes.

One god is god of both, as poets feign;

One knight loves both, and both in thee remain.

IX.

Fair was the morn when the fair queen of love,

Paler for sorrow than her milk-white dove,

For Adon's sake, a youngster proud and wild;

Her stand she takes upon a steep-up hill:

Anon Adonis comes with horn and hounds;

She, silly queen, with more than love's good will,

Forbade the boy he should not pass those grounds:

'Once,' quoth she, 'did I see a fair sweet youth

Here in these brakes deep-wounded with a boar,

Deep in the thigh, a spectacle of ruth!

See, in my thigh,' quoth she, 'here was the sore.

She showed hers: he saw more wounds than one,

And blushing fled, and left her all alone.

X.

Sweet rose, fair flower, untimely pluck'd, soon vaded,

Pluck'd in the bud, and vaded in the spring!

Bright orient pearl, alack, too timely shaded!

Fair creature, kill'd too soon by death's sharp sting!

Like a green plum that hangs upon a tree,

And falls, through wind, before the fall should he.

I weep for thee, and yet no cause I have;

For why thou left'st me nothing in thy will:

And yet thou left'st me more than I did crave;

For why I craved nothing of thee still:

O yes, dear friend, I pardon crave of thee,

Thy discontent thou didst bequeath to me.

XI.

Venus, with young Adonis sitting by her

Under a myrtle shade, began to woo him:

She told the youngling how god Mars did try her,

And as he fell to her, so fell she to him.

'Even thus,' quoth she, 'the warlike god embraced me,'

And then she clipp'd Adonis in her arms;

'Even thus,' quoth she, 'the warlike god unlaced me,'

As if the boy should use like loving charms;

'Even thus,' quoth she, 'he seized on my lips

And with her lips on his did act the seizure

And as she fetched breath, away he skips,

And would not take her meaning nor her pleasure.

Ah, that I had my lady at this bay,

To kiss and clip me till I run away!

XII.

Crabbed age and youth cannot live together

Youth is full of pleasance, age is full of care;

Youth like summer morn, age like winter weather;

Youth like summer brave, age like winter bare;

Youth is full of sport, age's breath is short;

Youth is nimble, age is lame;

Youth is hot and bold, age is weak and cold;

Youth is wild, and age is tame.

Age, I do abhor thee; youth, I do adore thee;

O, my love, my love is young!

Age, I do defy thee: O, sweet shepherd, hie thee,

For methinks thou stay'st too long.

XIII.

Beauty is but a vain and doubtful good;

A shining gloss that vadeth suddenly;

A flower that dies when first it gins to bud;

A brittle glass that's broken presently:

A doubtful good, a gloss, a glass, a flower,

Lost, vaded, broken, dead within an hour.

And as goods lost are seld or never found,

As vaded gloss no rubbing will refresh,

As flowers dead lie wither'd on the ground,

As broken glass no cement can redress,

So beauty blemish'd once's for ever lost,

In spite of physic, painting, pain and cost.

XIV.

Good night, good rest. Ah, neither be my share:

She bade good night that kept my rest away;

And daff'd me to a cabin hang'd with care,

To descant on the doubts of my decay.

'Farewell,' quoth she, 'and come again tomorrow:

Fare well I could not, for I supp'd with sorrow.

Yet at my parting sweetly did she smile,

In scorn or friendship, nill I construe whether:

'T may be, she joy'd to jest at my exile,

'T may be, again to make me wander thither:

'Wander,' a word for shadows like myself,

As take the pain, but cannot pluck the pelf.

XV.

Lord, how mine eyes throw gazes to the east!

My heart doth charge the watch; the morning rise

Doth cite each moving sense from idle rest.

Not daring trust the office of mine eyes,

While Philomela sits and sings, I sit and mark,

And wish her lays were tuned like the lark;

For she doth welcome daylight with her ditty,

And drives away dark dismal-dreaming night:

The night so pack'd, I post unto my pretty;

Heart hath his hope, and eyes their wished sight;

Sorrow changed to solace, solace mix'd with sorrow;

For why, she sigh'd and bade me come tomorrow.

Were I with her, the night would post too soon;

But now are minutes added to the hours;

To spite me now, each minute seems a moon;

Yet not for me, shine sun to succour flowers!

Pack night, peep day; good day, of night now borrow:

Short, night, to-night, and length thyself tomorrow.

William Shakespeare

 

نجوى السودةقصة الكاتب: صابر رشدي

ترجمة: نجوى السودة


  

Dialogue”

The writer /Saber Rushdy

The translator /Nagwa Alsoda

I saw her until close time, brighter and more influential , though her inclination to be silent ,hiding her opinions to those who repeat on her ears her false heroic qualities. She didn’t pay attention to this ,never tell ,as a kind of decorum and run away from impatience .One of spent years on her city door ,armed with treasures and large fortunes ,waiting a gesture, but at the end he returns emptied ,hurt and surrendered .  I was confused as to her looks while glancing all  irresponsible ,I feel that she ‘s unapproachable castle , hard to penetrate ,I  want to see her face through the shadows ,where it appears out of the guarding clouds . I invited her one day to one of the calm places ! Talk to me about yourself ,about  the secret of the interest of  others of you .She sipped her coffee quietly ,fixed her  absorbed eyes on the cup ,as if she were trying to catch some errant ideas cross the ether at this moment .

Listen !love no longer to be the tower of the present time ,and the kind items no longer hanging around the passages of the heart ,just desires ,rushing after the female ,unveil her rudely ,fierce curiosity , endless sin aspirations

Yes –

Inside every woman pride ,unable to confront its flowing stream ,she looks for that covers her body ,to include with exciting safety ,and  accurate human sense .

The articulations were too charming ,where she waits a little ,before she hovers and spread  the scent of musk in her words .

Please ,go on

I said to her for fear of the meeting goes weak ,and stops .

She went on ,as if she weren’t seen me .

There were valuable glances ,the same as kindness ,out of honest eye ,let the female involve in ideal forms ,she feels that an angle protects her ,gives her spirit ease , helps her to get rid of the body embarrassment ,and the overused love .There ‘s some sort of aesthetics give hades for her serous whispering ,her turns ,her way of behaving ,her narcissist that plentiful with amazing harmony .I was happy to sit with her while she was  flowing in her high speech ,throwing her endless imagination ,with numbers of clever observations ,she was raising her forehead as an inside alarm bestows on her charming shade ,she went ahead in this silence ,where the streets were void of nose and  the human confusions .She tried to get out the meaning  out of the nonsense ,desisting from her previous faults with arrogant unrest ,to the extent I wished didn’t stop .

”Dialogue”

The writer /Saber Rushdy

The translator /Nagwa Alsoda

I saw her until close time, brighter and more influential , though her inclination to be silent ,hiding her opinions to those who repeat on her ears her false heroic qualities. She didn’t pay attention to this ,never tell ,as a kind of decorum and run away from impatience .One of spent years on her city door ,armed with treasures and large fortunes ,waiting a gesture, but at the end he returns emptied ,hurt and surrendered .  I was confused as to her looks while glancing all  irresponsible ,I feel that she ‘s unapproachable castle , hard to penetrate ,I  want to see her face through the shadows ,where it appears out of the guarding clouds . I invited her one day to one of the calm places ! Talk to me about yourself ,about  the secret of the interest of  others of you .She sipped her coffee quietly ,fixed her  absorbed eyes on the cup ,as if she were trying to catch some errant ideas cross the ether at this moment .

Listen !love no longer to be the tower of the present time ,and the kind items no longer hanging around the passages of the heart ,just desires ,rushing after the female ,unveil her rudely ,fierce curiosity , endless sin aspirations

Yes –

Inside every woman pride ,unable to confront its flowing stream ,she looks for that covers her body ,to include with exciting safety ,and  accurate human sense .

The articulations were too charming ,where she waits a little ,before she hovers and spread  the scent of musk in her words .

Please ,go on

I said to her for fear of the meeting goes weak ,and stops .

She went on ,as if she weren’t seen me .

There were valuable glances ,the same as kindness ,out of honest eye ,let the female involve in ideal forms ,she feels that an angle protects her ,gives her spirit ease , helps her to get rid of the body embarrassment ,and the overused love .There ‘s some sort of aesthetics give shades for her serious whispering ,her turns ,her way of behaving ,her narcissist that plentiful with amazing harmony .I was happy to sit with her while she was  flowing in her high speech ,throwing her endless imagination ,with numbers of clever observations ,she was raising her forehead as an inside alarm bestows on her charming shade ,she went ahead in this silence ,where the streets were void of nose and  the human confusions .She tried to get out the meaning  out of the nonsense ,desisting from her previous faults with arrogant unrest ,to the extent I wished didn’t stop .

 

 

جمعة عبد اللهللشاعر اليوناني: يانس ريتسوس

ترجة: جمعة عبد الله

اهداء الى الصديقين العزيزين

عامر السامرائي  وحسين السوداني


 

قال :

أنا انتخب الازرق

 وأنا أحمر

كذلك

جمال جسمكِ الهائل بلا حدود

هائل في فتنته

ضاع امتداده في  الليل

وانكمشت روحكِ

كلما تبتعدين

تقتربين أكثر مني

نجمة أحرقت بيتي

وأطبقت الليالي بخناقها 

وأنا اتنفس بكِ

لساني في فمكِ

ولسانكِ في فمي

غابة مظلمة

حطمها حطّاب

وغابت عنها الطيور

أينما تكونين أكن 

شفتاي تدور حول  أذينيكِ وتهمس

أنه صغير وأليف يتسع لكل موسيقى العالم

في الاشتهاه

بعيداً عن  الولادة

 بعيداً عن الموت

يكون العالم حاضراً

 ماذا يعنيني من العالم

ليتحطم في ليالٍ قليلة

اذا لم تكوني  أنتِ حاضرة فيهِ 

ألتمس اصابعكِ , قدميكِ

ونتوحد روحياً

والآن

تنفسكِ  ينضم دقات نبضاتي

شهران  لم نلتق . كأنه قرن  مر في تسع ثوانٍ

ماذا أفعل يا نجمتي وانتِ غائبة

دمنا الأحمر ..... أنا وانتِ

 وأنا ملكاً لكِ

***

 

النص باللغة اليونانية

Γυμνο σωμα

 

Εἶπε:

ψηφίζω τὸ γαλάζιο.

Ἐγὼ τὸ κόκκινο.

Κι ἐγώ.

Τὸ σῶμα σου ὡραῖο

Τὸ σῶμα σου ἀπέραντο.

Χάθηκα στὸ ἀπέραντο.

Διαστολὴ τῆς νύχτας.

Διαστολὴ τοῦ σώματος.

Συστολὴ τῆς ψυχῆς.

Ὅσο ἀπομακρύνεσαι

Σὲ πλησιάζω.

Ἕνα ἄστρο

ἔκαψε τὸ σπίτι μου.

Οἱ νύχτες μὲ στενεύουν

στὴν ἀπουσία σου.

Σὲ ἀναπνέω.

Ἡ γλῶσσα μου στὸ στόμα σου

ἡ γλῶσσα σου στὸ στόμα μου-

σκοτεινὸ δάσος.

Οἱ ξυλοκόποι χάθηκαν

καὶ τὰ πουλιά.

Ὅπου βρίσκεσαι

ὑπάρχω.

Τὰ χείλη μου

περιτρέχουν τ᾿ ἀφτί σου.

Τόσο μικρὸ καὶ τρυφερὸ

πῶς χωράει

ὅλη τὴ μουσική;

Ἡδονή-

πέρα ἀπ᾿ τὴ γέννηση,

πέρα ἀπ᾿ τὸ θάνατο.

Τελικὸ κι αἰώνιο

παρόν.

Ἀγγίζω τὰ δάχτυλα

τῶν ποδιῶν σου.

Τί ἀναρίθμητος ὀ κόσμος.

Μέσα σε λίγες νύχτες

πῶς πλάθεται καὶ καταρρέει

ὅλος ὁ κόσμος;

Ἡ γλῶσσα ἐγγίζει

βαθύτερα ἀπ᾿ τὰ δάχτυλα.

Ἑνώνεται.

Τώρα

μὲ τὴ δική σου ἀναπνοὴ

ρυθμίζεται τὸ βῆμα μου

κι ὁ σφυγμός μου.

Δυὸ μῆνες ποὺ δὲ σμίξαμε.

Ἕνας αἰῶνας

κι ἐννιὰ δευτερόλεπτα.

Τί νὰ τὰ κάνω τ᾿ ἄστρα

ἀφοῦ λείπεις;

Μὲ τὸ κόκκινο τοῦ αἵματος

εἶμαι.

Εἶμαι γιὰ σένα.

 

 

سوف عبيدقصيدة الشاعرة التونسية:

رجاء إدِلْويس محجوب

تعريب سُوف عبيد


الـــرّابــط 

كلُّ شيءٍ هنا يجعلُكِ وحيدةً

البحرُ ومداهُ

الحَشْدُ وضَوْضَاهُ

الطفلُ ودمعتاهُ

الصّراعُ من أجل الحريّة

الحريّةُ أن نكون إثنين

أو حتّى ثلاثةً أو ألفًا

الحريّةُ أن نكون وَحيدِينَ

وَحيدِينَ أو مُقيّدين

مُقيّدينَ بسلاسل الحُبّ

حُبٍّ بلا قُيود

حُبٍّ بلا دُموع

عندَ ساحل البحر أو تحتَ السّماءِ

أمامَ هؤلاءِ الأطفال الباكينَ

الباكين بين الغَوْغاءِ التي تتقيّأ

تَتقيّأ وِحدتَكِ

وأنتِ تُنادين حُبَّكِ صارخةً

صارخةً تسقُطِينَ في الهاويةِ

في الهاويةِ أنتِ وحيدةٌ

وحيدةٌ أنتِ

بين نظراتِ النّاس مِنْ حَوْلِك

***

 

.....................

القصيدة من مجموعة شعرية بعنوان la fleur des neiges en nuances الذي أقترح تعريبه  ـ زهرة الثّلوج في تلاوينها ـ للشّاعرة والرسّامة رجاء إدِلْويس محجوب الصادرة سنة 2019 وتضمّ إلى جانب النصوص الشعرية باللغة الفرنسية لوحاتها التي تحمل نفس عناوبن القصائد فالديوان إذن جَمْعٌ لثنائية الشعر والرّسم كأن ـ الشاعرة الرسامة ـ تقول إنّ القصائد لوحات من الكلمات وإنّ اللوحات قصائد من الألوان .

الشّاعرة رجاء إدِلويس محجوب تمثّل ظاهرة واضحة في الثقافة التونسية ألا وهي التعبير باللّسان الفرنسي الذي تكتبه وتنشره عديد الأقلام وهو أدب يعكس بوضوح مشاغل المجتمع التونسي في مختلف أبعاده بل إن ذلك الأدب بلغة مُوليار ـ التونسية ـ هو في كثير من الأحيان نافذة للتعريف بقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية ولقد كانت هذه الأقلام صوتا عاليا في مساندة القضايا العربية والإنسانية فهذا الأدب إذن يمكن اِعتباره  جناحًا يحلّق بالوجدان التونسي في الفضاءات العالمية

 

1328 صائببقلم: قسطنطين كفافيس

ترجمة عن الإنكليزية بتصرف:

 صائب خليل


قلتَ: "سأهاجر إلى بلاد أخرى،

سأبحر إلى شواطئ أخرى،

سأجد لنفسي مدينة أفضل.

هنا، كل ما أفعله مصيره الفشل

وقلبي خامد كجثة.

 

إلى متى أترك رأسي يصدأ في هذا المكان؟

حيثما التفتّ، أينما نظرت،

تجابهني الأطلال الكئيبة لحياتي،

هنا، أضعت سنين شبابي

وحطمت عمري!"

 

لن تجد بلاداً أخرى

لن يرسو قاربك على شاطئ آخر

فحيثما ذهبت.. ستتبعك هذه المدينة كظلك

وستجد نفسك تضيع في ذات الشوارع

وستكبر في ذات الأحياء

ويشيب شعرك في ذات الأزقة

 

أيما طريق تختار..

ستنتهي بك إلى هذه المدينة

لا تعقد الآمال على مكان بعيد

لأنك عندما أضعت عمرك في هذا المكان

أضعته في كل مكان في العالم

 

لا سفن تقدر ان تبحر بك

بعيداً عن نفسك

لا ثمة طرق تهرب بها من ذاتك

***

 

.......................

(اللوحة: الدرب الجواني- عنه القديمة – صائب خليل)

 

عامر كامل السامرائيمن مجموعة "أيروتيكا"

للشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمة: عامر كامل السامرائي


ما أجملُكِ! جمالُكِ يُفزعُني. أجوعُكِ. أظمئُكِ.

أطالبُكِ - توارِ! اختفي عن أعيُنِ الناسِ، ولا تتجلي إلا لي أنا وحدي. تَلفَّعي من قمةِ رأسكِ حتى أصابع قدميكِ، بوشاح ٍداكنٍ موشَّى بتنهداتِ أقمار ربيع فضية. مساماتُكِ

تلفظُ أصواتاً ناعمةً: حروفَ علّة، وحروفاً ساكنة، فتُبدعُ كلماتٍ مدهشةٍ، براعُمَ وردٍ تتفجرُ حين الوصالِ. ينْسَرحُ وشاحُك وتتألق،

تحتهُ مدينةٌ يلفُ الغسقُ حاناتها وخَمّارات بحّارتها المعتمة،

أضواءٌ خضراءُ تُنيرُ الصيدلية الخافرة،

كرةٌ زجاجيةٌ

تدورُ مسرعة، تَعْرِضُ بتتابع ٍدول العالم.

السِّكّيرُ يترنحُ من موجةِ الريح ِالتي هَبَّتْ من جسدكِ.

لا تتركيني! ابقِ معي!

حقيقيٌّ جداً، وخياليٌّ جداً.

ثورٌ حجريٌّ

يَثِبُ من فوق القوصرة على العشبِ اليابس ِ. امرأةٌ عاريةٌ

تصعدُ السُلَّمَ الخشبيَّ، بيدها وعاءُ ماءٍ ساخنٍ، يحجِبُ البخارُ وجهها. هناك في الأعالي أزيزُ مروحيةٍ مجهولةٍ تبتعدُ باتجاه ٍمُبهمٍ.

انتبهي! إنهم يبحثونَ عنكِ. اختبئي غائرة بين ذراعي.

الدثارُ الأحمرُ ينمو فراءه بلا توقف - فيتحولُ الدثارُ إلى جهيزة حُبلى.

تحتَ الجهيزة الحمراء تباضعنا بلا حدودٍ، أبعدُ من الزمنِ وأبعد من الموتِ،

شيءٌ فريدٌ، بأُلفةٍ كونية. ما أجملُكِ! جمالُكِ يُجفِلُني.

وأجوعُكِ. وأظمئُكِ. أنصحكِ خبئي نفسكِ!

 

عامر كامل السامرائيللشاعر الجامايكي: كلود مكاي

ترجمة: عامر كامل السامرّائي


 

إذا كان علينا أن نموت، فليكن،

ولكن ليس كما تقتل الخنازير،

تُصطادُ وتحُبَسُ في موطنٍ مَشين

بينما تنبح الكلابُ المسعورة والجائعة حَولَنا

ساخرين من قَدَرِنا اللعين.

 

إذا كان الموتُ لزاماً علينا، فلنَمُت بِوِقارٍ،

لكيلا يراقُ دمنا الكريم،

عبثاً، وسنرغم عندئذٍ حتى الوحوش التي نتحداها

على تمجيدنا وإن متنا!

أيا أبناء أمتي! يجب علينا مواجهة العدو المشترك!

وإن فاقونا عدداً، فلنثبت لهم بأسنا،

وبَدلَ الألف ضربة التي تلقيناها،

لنضربهم ضربة موتٍ واحدة!

حتى وإن مُدَّ أمامنا القبر مفتوحاً؟

 

كالرِّجال سنواجهُ عصابةَ الجبناءِ القَتَلة،

سنُرَصُّ إلى الجدارِ، وسنموت، لكننا سنُقاتل.

 

عبد الله هاشيبقلم: أنطون تشيخوف

ترجمة عن الإنجليزية: عبد الله هاشي

في كوخ واطئ منكفئ على الجانب يقطنه حارس للغابات اسمه أرطيم، يجلس رجلان. أحدهما أرطيم نفسه، قروي قصير القامة، نحيل الجسم، قد عبثت بوجهه يد الشيخوخة فراكمت عليه الغضون والتجاعيد، بلحية أطلقها فاستطالت وابتعدت عن عنقه. وأما الآخر، فكان صيادا عابرا في ريعان الشباب، طويل القامة، يرتدي قميصا جديدا وواسعا، ويضع حذاء عالي الساق يتغطى بالطين وبالأوحال.

وخلف النوافذ، حيث يجثم الليل بظلمته الحالكة، كانت الريح تنشر بعزيفها الهادر ألوانا من الصخب المتواصل إيذانا من الطبيعة بقدوم عاصفة رعدية شديدة محملة بالبرق والرعد والمطر. استمرت العاصفة تنفث ما في جوفها من الولولة المبرحة والضوضاء العنيف، فكانت الأشجار من سطوتها تنحني متألمة ومتوجعة في خضوع واستسلام، ولبثت أوراقها المتطايرة، وهي ترتطم بالغطاء الورقي الذي رتق به إطار نافذة مكسر، لا تكف عن الخشخشة والصليل والجلبة.

بعيون جافلة، ونظرات محدقة ومركزة على الصياد، راح أرطيم، بصوته الأجش، يتكلم في ما يشبه البوح بالأسرار من شدة الهمس، فقال:

- أستطيع أن أقول لك، أيها الشاب، بأنني لا أخاف الذئاب ولا الساحرات ولا الوحوش الضارية، لكنني أخاف من بني آدم. أنت بإمكانك أن تحمي نفسك من الحيوانات المفترسة بواسطة السلاح أو بأية وسيلة أخرى. لكنك لا تستطيع أن تضمن لنفسك الحماية من الأنذال والأشرار.

- بطبيعة الحال، لا أحد يستطيع ذلك. فأنت من الممكن أن تطلق النار على الوحش المفترس، أما أن تطلق النار على اللصوص، فستجد نفسك تحت طائلة المساءلة بما سيقضي عليك بالنفي الى سيبيريا.

- لقد انصرمت عليٌ، ها هنا، ما يقارب الثلاثين سنة من العمل كحارس للغابات، عرفت فيها من المشاكل وأسباب الغمٌ والانزعاج مع الأنذال والأشرار ما يجعل لساني عاجزا عن البوح بكلمة واحدة. فقد كانوا يتنزٌلون عليٌ بما يتعذر أن تجد لهم عدٌاً ولا حصراً. وهذا الكوخ يقوم على مضاءة بمحاذاتها تمر طريق لا تكف تأتي بكل بائس وتعيس ومنكود. يأتي فيهم الوغد ينفث من حوله اللؤم والشر، ومن دون حتى أن يجشم نفسه عناء رفع قبعته، يبادر مباغتاً ومستعجلاً، فيأمرني: "اعطني قليلا من الخبز". وأنا، من أين لي بالخبز؟ ومن أين له بالحق في أن يطلب مني خبزاً؟ هل أنا مليونير ملزم بإطعام كل سكٌير تقذف به هذه الطريق؟ ثم إني لا ألبث أن ألمح عينيه تتلألآن بالإجرام وبالخبث وبالضعة، فيبادرني في الحين بلا ترد صائحا بأعلى صوته: "اعطني قليلا من الخبز". فأعطيه بعض الخبز. وليس لي أن أدخل في مقاتلة الهمج وأشباه البهائم، مناكب الواحد منهم عريضة عرض فناء البيوت، وقبضتا كفيه لها حجم فردتي حذائك. وأنا – أنت ترى بأم عينيك ما أكون. تستطيع أن تسحقني بأصبعك الصغير. حسناً. أعطيه ما يطلب من الخبز، فيلتهمه بكل ما في هذه الدنيا من شره المنهومين. ثم يعمد فيتمدد هاجعاً على طول الكوخ وعرضه. أما ما له صلة بالتلفظ بعبارات الامتنان والشكر- فليس هو بالرجل الذي يقول شكراً. ثم يأتي من بعدهم قوم يسألونك أن تعطيهم مالاً. يعمد الواحد منهم فيسألك: " قل لي، أين فلوسك؟ ". ترى، عن أية فلوس يتحدثون بوجودها عندي ؟ ومن أين لي بها ؟

ابتسم الصياد وقال له:

- وهل يوجد حارس للغابات تخلو يده من المال؟ أنت تتوصل بمرتبك كل شهر. ومن الضروري، علاوة على ذلك، الإقرار بأنك تتاجر سراً في حطب الغابة.

حدق أرطيم في الصياد بعينين يجتاحهما الرعب. واهتزت من الفزع لحيته فبدا كأنه طائر القعقع يتأرجح ذيله. قال:

- إنك لا تزال بعد شابا صغيرا لكي تقول مثل هذا الكلام. وسوف تكون تحت طائلة المساءلة أمام الله عما بدر منك من ألفاظ. ترى من تكون؟ ومن أية ناحية جئت؟

- أنا ناشيد، نجل حاجب المحكمة، من فياصوفكا.

- أجل. ومن غير أن تستمر في العبث بسلاحك. ولقد كان من عادتي، في شبابي، أنا أيضا، أن تنتزعني نزوة العبث بسلاحي. حسناً. حسناً. أوه. أوه.

تثاءب أرطيم واستطرد يقول:

- إنه لمن نكد الطالع ندرة الأخيار والأفاضل، بينما اللصوص والقتلة لا تستطيع لوفرتهم عدٌاً.

- إنك تتكلم وكأنك خائف مني.

- يا للفكرة. ولم أكون خائفا منك؟ إنني أستطيع أن أرى بأم عينيٌ. كما أني أستطيع أن أحيط بإدراك ما حولي. أنت لم تدخل عليٌ عنوة، بل بكل الدماثة والهدوء، وبكل الاحترام والوقار. ثم إنك قمت بالعبور اليٌ مثلما يفعل كل رجل مستقيم ونزيه. وأعلم أبلغ العلم قيمة ومغزى كل ذلك. ثم إنني لا أبالي إن تركتك تأخذ مما لديٌ من الخبز. فلقد ماتت عنٌي زوجتي، ولم يحصل أبداً أن أوقدت النار في الموقد. وأما الوعاء الذي أحضر فيه الشاي، فقد قمت ببيعه منذ زمن. وترى أنه، الى فقري المدقع وعوزي الشديد، لا يمكن أن توجد لديٌ لحوم أو أشياء من هذا القبيل. أما الخبز – فإني أرحب بك إليه كل الترحيب.

في تلك اللحظة، سمع ما يشبه الهرير من تحت المنضدة، ما لبث أن تلته وشوشة وهسيس، هب على إثرها أرطيم يقفز في مكانه ساحبا قدميه من المباغتة، ولبث يتفحص الصياد بعينيه المتوثبتين. فخاطبه الصياد قائلا:

- إنها كلبتي تشتُمُ قطتك.

ثم إنه صاح في الحيوانين المتواجدين تحت المنضدة:

- يا لكما من عفريتين. اضطجعا، وإلا جلدتكما بسياطي. لماذا، أيها العم؟ ما أشد هزال قطتك. ليست شيئا سوى جلداً على عظم.

- لقد تقدم بها العمر وشاخت. وقد آن الأوان لكي تقتل. هكذا، إذن، أنت من فياصوفكا؟

- أنت لا تقدم لها أي شيء لتأكله. يمكنني أن أرى ذلك. وهي، ولو أنها قطة، فهي مخلوق من المخلوقات الحية. هذا أمر يبعث على الخزي والعار.

واستطرد أرطيم متظاهرا بعدم الانصات لكلام الصياد:

فياصوفكا مكان رهيب محفوف بالخطر وبالأذى. الكنيسة هناك تعرضت هذا العام للسرقة مرتين متتاليتين. وكيف للمرء أن يصدق حصول مثل هذه الأفعال الهمجية؟ ليس وحسب أنهم لا يخافون من الناس، بل إنهم لا يخافون حتى من الله. سرقة ممتلكات الله. أن تصدر الاحكام بالشنق في مثل هذه الحال ليعتبر أقل من القليل بكثير. وكان القائمون بالحكم عليها في سالف الازمان قد دأبوا على ضرب أعناق المجرمين والاوغاد.

- تستطيع أن تقسو عليهم بالعقاب الذي تريد، أن تجلدهم وتضربهم وتسحقهم، أو تنزل بهم الاحكام القضائية الزجرية التي تعجبك، فإنك لا تفعل سوى أنك تضيع وقتك. ذلك لأنك لا تستطيع أن تستأصل الطالح والفاسد من رأس إنسان معتاد على الشر والأذى.

تنهد حارس الغابات وقال بصوت مرتعش:

- العذراء المقدسة تسبغ علينا شآبيب الرحمة وتجنبنا كل مكروه. تحفظنا من شرور الأعادي، وتنقذنا من هسهسة المصائب وحفيف كل جائحة. خلال الأسبوع الذي مضى، في بولوفيتش، قام عامل في التبن بتوجيه ضربة في الصدر لعامل آخر. وواصل ضربه حتى قضى عليه. ما تشاء، يا الله، أن يكون، يكون. وما كان مبتدأ الواقعة في نظرك؟ عامل التبن غادر الحانة سكراناً، فالتقى عاملا آخر سكراناً أيضا –

فجأة، مدٌ الصياد عنقه قليلا الى الامام، وشرع يصوب أذنه في عملية إصاخة مركزة لالتقاط بقية من صوت أو صدى. يقاطع حارس الغابات ثم يخاطبه:

- توقف. أعتقد أني سمعت مناد ينادي.

اتجهت العيون المحدقة للرجلين صوب النافذة المظلمة، وأصاخا السمع في انتباه عميق. وتمكنا خلال الضوضاء المنبعث من غصون الشجر من تمييز الأصوات التي عادة ما تدركها الأذن زمن هبوب العواصف. وبدا من الصعب عليهما أن يتبينا في ما إذا كان الامر حقيقة يتعلق بمناداة إنسان أم بعصف من عصوف الريح في المستوقد. في تلك اللحظة، هبت الريح هبوبا شديدا تمزقت له أطراف السقف وتصلصل له الغطاء الورقي للنافذة. وكانت هبٌة حملت بين ثناياها صرخة واضحة لا مراء فيها: " النجدة ".

صاح الصياد، وهبٌ واقفا، وقد شمله الشحوب:

- لا تكف تأتي على ذكر المجرمين والقتلة. ها هم قد حضروا. هناك إنسان يتعرض، الآن، للسلب والنهب.

ونهض حارس الغابات يقف على رجليه وقد اجتاحه الشحوب بدوره، ثم همس:

- الله يحفظنا.

ألقى الصياد عبر النافذة نظرات غير مميٌزة هنا ونظرات أخرى هناك، ثم تقدم بخطوات واسعة الى خارج الكوخ مدمدماً:

- يا لها من ليلة. يا لها من ليلة. قد اسودٌت كأنما قدٌت من قطران خالص. وإنها لبكل مواصفات الليالي المواتية للإقدام على السلب والنهب. هل بلغ سمعك هذا؟ إنها صرخة ثانية.

تأمل حارس الغابات منظر الأيقونة إزاءه، ثم نقل بصره الى الصياد، فاجتاحته موجة من الوهن خرٌ على إثرها متمددا على طول المقعد الطويل مثلما يفعل المصدوم المباغت بالخبر المفجع. قال في ما يشبه النحيب:

- آه، يا بنيٌ. انطلق الى ردهة البيت، وقم بإحكام غلق الباب الخارجي بالمزلاج. ومن الضروري نقل الإضاءة لتشمل الجانب الخارجي للكوخ.

- ولأيٌ غرض مفيد؟

- لا بد أنهم قادمون لكي يدخلوا علينا. من يدري؟ نحن جميعا أصحاب آثام بائسين.

- إن المطلوب منا هو أن نخرج، وهذا أنت تسألني أن أحكم إغلاق الباب الخارجي بالمزلاج. تعال. هل سننطلق؟

رمى الصياد ببندقيته على منكبه،وأمسك بقبعته وهو يخاطب حارس الغابات:

- تدثٌر بمعطفك، وهات معك سلاحك. 

ثم إنه صاح في كلبته:

- تعالي معي يا فليركا.. تعالي.. فليركا..

ومن تحت المنضدة هبٌت الكلبة، وهي مزاوجة ما بين نوعي الساطر والدرواس، وتقدمت مستلقية عند قدمي سيدها يتهادى ذيلها ويهتز.

وصرخ الصياد في حارس الغابات:

- أراك لا ترغب في الوقوف. أولست تأتي معي؟

- إلى أين؟

- لتقديم المساعدة.

وبدرت من حارس الغابات حركة تنم عن الاستخفاف واللامبالاة، شرع بعدها يتكور بلا انقطاع حول نفسه. وإذا به يقول:

- وما الذي يلزمني بالذهاب؟ أتركه لوحده.

- وما يكون السبب الذي يدفعك الى عدم المجيء؟

- بعد كل هذه الحكايات الدموية المفزعة التي ذكرناها، أرفض أن أخطو خطوة واحدة في قلب هذا الظلام الدامس. أتركه لوحده. لقد رأت عيناي في هذه الحراج أشياء توقع الرهبة في النفس.

- وما الذي يخيفك؟ أوليس لديك سلاح؟ هيا بنا. إنه لمن الجبن أن أذهب وحدي. معاً، نحن الاثنين، سوف يكون الأمر رائعاً. هل سمعت هذا؟ إنها صرخة أخرى. انهض.

ارتفعت آهات حارس الغابات، وما لبث أن قال:

- هل تحسب أنني طفل صغير. هل تعتقد بأني سأقبل الذهاب الى هناك كالمغفل لكي أعرض نفسي للقتل؟

- إذن، سوف لن تأتي؟

صمت حارس الغابات ولم ينبس ببنت شفة. ثم إن الكلبة، ربما لسماعها الصرخات الآدمية المستغيثة، شرعت ترفع الى السماء نباحاً مفعما بالكآبة والوحشة والغمٌ.

حملق الصياد غاضباٌ في حارس الغابات ثم صاح فيه:

- هل ستأتي.. إني أسألك؟

وبوجه عابس اتشحت قسماته بالتجهم قال حارس الغابات:

- إنك تقلقني. لك أن تذهب أنت.

غمغم الصياد: " أنت.. أيتها البهيمة القذرة ". ثم وهو يتجه قاصدا الباب: " فليركا.. تعالي.. ".

وانطلق الصياد الى خارج الكوخ وقد ترك وراءه الباب مشرعا. فهبت الريح تجرف أوصال الكوخ. وأومضت الشمعة ثم خبت. ثم أومضت ثانية وتوهجت أضواؤها بالإشراق. ثم لم تلبث أن انطفأت.

وحالما أغلق حارس الغابات الباب من وراء الصياد، راحت عيناه تجوب برك الماء المتناثرة عبر المضاءة، وتستعرض أشجار الصنوبر وهيئة ضيفه تتكشف بين الفينة والأخرى في ومضات البرق، بينما واصل الرعد قصفه المدوي في أطراف قصية وآماد بعيدة.

وبكل العجالة، قذف بالمزلاج في موضعه وهو يهمس:

- رهيب. رهيب. رهيب. يا لها من عاصفة سلطها الله علينا.

حين عودته الى الغرفة، تحسس طريقه الى الموقد، ثم صعد فوقه الى مضجعه، وأسدل الغطاء على رأسه. في انحشاره داخل معطفه المصنوع من جلود الغنم، مكث يصيخ السمع بغية التقاط كل ما يمكن الاصاخة اليه. كانت الصرخات قد توقفت. لكن الرعد عاود هجمته بصخبها الهادر أكثر فأكثر، يقصف القصفة ثم لا يلبث أن يتبعها بقصفة أكبر. وهطل المطر سيولا جارفة ظلت تشتد ضراوة ارتطامها بزجاج النافذة وبلوحة اطارها الورقية.

قال حارس الغابات في نفسه: " يا لها من عاصفة ". وشرع يرسم في خياله صورة للصياد وقد تبلٌل من قمة رأسه الى أخمص قدميه، وقدماه لا تنفكان تزلان به في اصطدامهما ببقايا جذوع الشجر وبالأخشاب المقطعة، ففكر: " لا بد أن أسنانه تصطك من الخوف ". 

لم تنصرم بعد أكثر من عشر دقائق، حين نمى الى سمعه وقع خطوات تلتها دقات قوية على الباب، فصاح:

- من هناك؟

وجاءه صوت الصياد:

- أنا، افتح الباب.

ونزل حارس الغابات من فوق الموقد، وتحسس الطريق الى الشمعة فأضاءها، ثم اتجه الى الباب يفتحه. كان الصياد وكلبته مبتلٌين حتى الجلد. فقد باغتتهما زخات المطر في أوج ضراوتها الجارفة، فأصبحا من فرط ما كان يتصبب منهما كأنهما خرقتان من الاسمال الرثة تفيضان بسيول المطر فيضاً.

وعمد حارس الغابات فسأل:

- ماذا جرى هنالك في الخارج؟

رد عليه الصياد وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه:

- امرأة على متن عربتها خرجت عن الطريق، وسقطت في حفرة.

- يا لها من بلهاء. ثم إنها خافت، على ما أفترض. وهل قمت بإعادتها الى وضعها على الطريق؟

- أرفض أن أجيب جباناً مثلك.

ثم إن الصياد رمى بقبعته المبتلة فوق المنضدة، وواصل كلامه:

- الآن، أعرف بأنك جبان، وبأنك حثالة البشر على هذه الأرض. ولقد كان من المفترض فيك أن تضطلع بمهمتك باعتبارك حارساً، لاسيما وأنك تتوصل بأجرتك الشهرية من أجل القيام بذلك. أنت يا كومة من القمامة، يا عديم النفع، و يا حقير.

وبشعور مقيم بالإثم، زحف حارس الغابات في اتجاه الموقد، ثم استلقى في مضجعه والأنين يتصاعد منه. أما الصياد، فقد جلس فوق المنضدة، وأخذته سنة من التفكير والتأمل، وما لبث، على ابتلاله، أن ارتمى متمددا عليها. وقفز، في اللحظة الموالية، وانتصب. أطفأ الشمعة، وعاد ليتمدد من جديد على طول المنضدة. وما إن ضج الرعد يملأ الدنيا بهزيمه المدوي الفريد حتى دار وانقلب على نفسه، فهب كزخات المطر ينفث الدمدمات:

- وهكذا، فالرجل خائف – وماذا لو كانت المرأة تتعرض لمحاولة القتل؟ من تراه المعني بتقديم يد العون لها وإغاثتها؟ وفضلا عن ذلك، فالرجل متقدم في السنٌ، ويدين بالديانة المسيحية... خنزير قذر.. هذا ما يكون. وإنه كذلك.

ظل حارس الغابات لا ينفك يطلق الزفرات الثقيلة المشمولة بعبارات الضجر والتأفف. بينما لبثت الكلبة فليركا ترجٌ نفسها في الظلام رجٌاً شديدا كيما تتخلص من البلل، فكانت تتناثر عنها قطرات الماء في شتى الاتجاهات والأماكن.

واستطرد الصياد:

- لا يمكن أن أزعم بأنك كنت ستظهر ذرة صغيرة من الاهتمام لو تعرضت المرأة العجوز للقتل. وبعون الله، لم أكن أعرف بأنك رجل مثل هكذا.

أطبق الصمت وساد، وهدأت العاصفة، وابتعدت قعقعة الرعود، لكن تواصل نزول المطر.

واندفع الصياد فجأة يتكلم على نحو عنيف:

- ما ذا لو كنت أنت الذي كان يصرخ طلبا للنجدة وليس المرأة؟ ماذا كان سيكون شعورك، يا بهيمة، إذا لم يسارع أحد لإغاثتك؟ إنك، بتصرفاتك الجبانة، تدفع بي الى حافة الجنون. اللعنة عليك.

عندئذ، وكان قد مر فاصل من الزمن، عاد الصياد يقول:

- إذا كنت تخاف الناس، مثلما هو واضح عليك، فلا بد أن لديك فلوسا تخبئها في مكان ما. ذلك لأن المرء على هذه الدرجة من الفقر المدقع، لا يمكن أن تتملكه مثل هذه الرهبة والخوف.

ومن الموقد جاء صوت أرطيم كنقيق الضفادع:

- ستسأل عن كلامك هذا أمام الله. لست أملك سنتاً واحداً.

- هراء. الجبناء دائما يكون لديهم الكثير من الفلوس. وأرى بأني سوف أنتزعها منك بالقوة، حتى ألقنك درساً.

وبكل الصمت، نزل أرطيم ينسلٌ انسلالا من فوق الموقد، ثم أشعل الشمعة، واقتعد مكانا أسفل الايقونة. كان الشحوب باديا عليه، ولبثت عيناه محدقتين في الصياد، لا ترغبان في الانتهاء من النظر فيه.

واستأنف الصياد كلامه قائلا:

- أجل. من المؤكد أنني سأسلبك فلوسك. ماذا كنت تعتقد؟ أوليس من الواجب على المرء أن يلقن أخاه بعض الدروس؟ قل لي، إذن، أين تخبئ الفلوس؟

سحب أرطيم رجليه اليه ووضعهما أسفل منه، ثم مكث يطرف بعينيه. وخاطبه الصياد:

- بأي شيء تحاول أن تتشبث؟ هل تراك فقدت لسانك؟ يا مهرج و يا تافه. لماذا لا تجيب عن سؤالي؟

وهبٌ الصياد واقفاً، وبخطوة واسعة، تقدم صوب حارس الغابات، ثم خاطبه:

- الرجل قاعد هاهنا وعيناه تجحظان بالنار، تكادان تخرجان من محجريهما، مثل البومة. حسناً. هات الفلوس وإلا فإني سأطلق عليك النار من سلاحي هذا.

وانفجر حارس الغابات في النشيج والانين، وتدحرجت على وجنتيه سلسلة دمعات كبيرة. قال:

- لماذا تعذبني؟ ماذا فعلت لك؟ الله شاهد على كل شيء. ستسأل عن كلماتك هذه أمام الله. ولست تملك الحق أن تسألني أن أعطيك فلوسي.

نظر الصياد الى وجه أرطيم يتقطر بالعبرات، فاجتاح العبوس والتجهم محياه. وفي عدة خطوات، جاب الكوخ، ثم، بغضب، أطبق على قبعته، ووضع يده على سلاحه، ومن بين أسنانه، راح يدمدم:

- إن منظرك ليثير التقزز في النفس. وإني عاجز عن تحمل مواصلة النظر اليك.. ولا يمكن، بأي حال، أن أقضي الليل هنا. الوداع. تعالي يا فليركا.

غادر الزائر الثقيل خارجاً تصحبه كلبته، وانصفق الباب من ورائه بضجة مدوية. ونهض أرطيم وأحكم إغلاقه بالمزلاج. وعمد فرسم على نفسه إشارة الصليب، ثم تمدد في مضجعه.

Wordsworth Classics – Selected Stories: Anton Chekhov

www.wordsworth-editions.com

     

عادل صالح الزبيديبقلم: براين بيلستن:

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

 زوايا نظر متعددة الاختصاصات في الحب

عقدتُ ندوةً أكاديمية

وجمعت العظماء والبارعين

من أنواع عديدة من فروع المعرفة

لغرض النظر في السؤال: "ما هو الحب؟"

**

قال الفلاسفة علينا ان نبدأ أولا مع أفلاطون.

بيـّن المؤرخون كيف انه تغير مع الزمن.

تكلم علماء الكيمياء عن هورموني الأوكسيتوسين والدوبامين.

اعتقد علماء النفس ان الأمر كله في الذهن.

**

علماء السياسة صرحوا انه غير ديمقراطي.

علماء الاجتماع اعتبروه بنية اجتماعية.

علماء الاقتصاد قالوا ان لا شيء آخر يهم

سوى كميته ان كانت قليلة او كثيرة.

**

أوضح اللغويون ان الكلمة جاءت من الانكليزية القديمة.

ادعى اللاهوتيون انها أتت مباشرة من الرب.

أساتذة دراسة وسائط التواصل لم يكونوا حاضرين

لكنهم قالوا إنهم سيرسلون أفكارهم بمدونة فيديوية.

***

 

........................

عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر) على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض مثلما يلفه دخان غليونه ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له اول مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار) 2016 ثم مجموعة أخرى في هذا العام  بعنوان (يوميات احدهم).

 

 

عامر كامل السامرائيثلاث قصائد مجرية

للشاعر المجري: جورج پَتري

ترجمة: عامر كامل السامرّائي

***

شظايا مأساوية

لم يبقَ إلا الزئير

وحتى الزئير ما عاد إلا هسيساً

من حناجر لفها القيح

 ثم سريعاً تلعثم الصمت

طوال الليل، وطول النهار

 

ظُهراً ظننا

وما زلنا عند الظُهر نعتقد

تلكمُ الحجارة ستهتز راقصةً

وستبدأ الهراواتُ تُغني

وتتلألأ الأبراج البالية لامعةً

مثل حلي الذهبِ

وستُنبتُ عُقف الأسلاك الصدئة

بتلات أليفة

 

عند الظهر ظننا

لكننا بين الظهر والظهر قد خسرنا

وبين الظهر والظهر قد سُلبنا

 وصادروا بين الظهر والظهر

ذلك الأحمق مطلبُنا

انتزعوه منا

ظهراً

لِصق عيني وضعوا

الحديد المتوهج

كالشمس.

**

هكذا

هكذا بلا ذاكرةٍ

أَعيشُ أنا بفرحٍ

لا أَعْرِفُ مَنْ قَالَ

وماذا قَالَ،

وأقلُّ ما يُهمُّني، فيمَنْ قَالَ

يتسَاقَطُ في حوض صدِئٍ

يتسَاقَطُ، يتسَاقَطُ المَطَرُ

***

طَرْتُ

وسَافرتُ في رحلاتٍ كثيرة

معَ خُطوطِ الخَيالِ الجَوّيَّة

وَخُطوطُ البَلْقَانِ

وَزُرتُ الكثير مِن البُلدانِ

وبَقيَتْ لي أَمنيَّة وحيدة

أَنْ أَطيرَ على مَتْنِ

الخُطوطِ الفَرَنْسيَّةِ

لا يَهمُّ إِلى ايَن

فقط بعيداً عَنْ هُنَا.

***

 

....................

* إيكاروس أو ما يقابله بالعربي (عباس ابن فرناس) (المترجم)

 

فتحية عصفورتَحليقاتٌ سَماويّةٌ للأديبة آمال رضوان

 ترجمتها للإنجليزية: فتحية عصفور

***

 

Divine Elevations

By: Amal Awad Radwan-(Palestine)

Translated by: Fathia Asfour

Palestinian poet & tranlator

***

Divine Elevations

*The ghost of my tear mumbles

 on a barren woman's breast....

rolls me in the moans of a cloud that sheds you in a pond,

 wide open for remembrance

***

* Out of my death crypts ..

my pain flows ether of hopes...

and your snowy fires

get my shirts perfumed with your features...

those overfilled with rain

***

*Velvet ...is the pupil of your bitterness

Slender are the hurricanes of its dominion

 How it drew me close to a fragment

 of your subsistence

 in the sessions of hungry ascetics !!

 And how it drew me far away

 from your waterdance

 through your divine elevations !!

***

* So why thrusting my fingertips...

those raining candles..

in the caves of dust and harshness?

***

* By the charm of your voice..

that which illuminates me!..

the bow of my loyalty strummed me

 not but on hugging strings

How the breaths of its violin warbled as well !

***

 O you , the daughter of the runnels!

Scoop me up an aromatic tale

 looking for its face in your mirror !

 Shear not the pearl of my pulsing...

For the rhythm of my rainclouds

had not gargled but in your heart ...

 and the evenings of my luster

could not have been perfect

without your bright rainfall

........................

 

تَحْلِيقَاتٌ سَمَاوِيَّةٌ! / آمال عوّاد رضوان

شَبَحُ دَمْعَتِي.. غَمْغَمَ عَلَى ثدْيِ عَاقِرٍ

مَرَّغَنِي.. بِزَفَرَاتِ غَيْمَةٍ تَذْرِفُكِ

فِي بِرْكَةٍ مُشَرَّعَةٍ لِلذِّكْرَى!

***

مِنْ سَرَادِيبِ مَمَاتِي انْسَابَ أَلَمِي

أَثِيرَ آمَالٍ

وَنِيرَانُكِ الثَّلْجِيَّةُ

تُعَطِّرُ قمْصَانِي

بِمَلاَمِحِكِ الْمُتْخَمَةِ بِالْمَطَرِ!

***

مُخْمَلِيٌّ بُؤْبُؤُ مُرِّكِ

مَمْشُوقَةٌ أَعَاصِيرُ سُلْطَانِهِ

كَمْ أَدْنَانِي مِنْ كِسْرَةِ كَفَافِكِ

فِي حَلَقَاتِ جَوْعَى

وَكَمْ أَقْصَانِي عَنْ رَقْصَةِ مَائِكِ

فِي تَحْلِيقَاتِكِ السَّمَاوِيَّة!

لِمَ أَدُسُّ أَنَامِلِي الْمَاطِرَةَ شُمُوعًا

فِي كُهُوفِ الْهَبَاءِ وَالْجَفَاءِ؟

***

وَحَقّ سِحْرِ صَوْتِكِ

الْـ يُضِيئُنِي!

أَنَا مَا عَزَفَنِي قَوْسُ وَفَائِي

إِلّا عَلَى أَوْتَارِ عِنَاقٍ

كَمْ صَدَحَتْ أَنْفَاسُ كَمَانِهِ كَمَان!

***

يَا ابْنَةَ السَّوَاقِي

اُغْرفِينِي حِكَايَةً عِطْرِيَّةً

تَبْحَثُ عَنْ وَجْهِهَا فِي مِرْآتِكِ

لاَ تَجُزّي لُؤْلُؤَ نَبْضِي

فَمَا تَغَرْغَرَ إِيقَاعُ مُزْنِي إِلّا بِقَلْبِكِ

وَمَا اكْتَمَلَتْ مَسَاءَاتُ بَرِيقِي

إِلاَّ بِهُطُولِكِ الْمُشْرِق!

 

 

عادل صالح الزبيديهنري وادزويرث لونغفيلو

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

الأعياد

الأعياد الأكثر قدسية هي تلك

التي نحتفظ بها لأنفسنا في صمت وعزلة؛

 ذكريات القلب السنوية السرية،

حين يفيض نهر المشاعر المفعم؛--

الأيام السعيدة التي لا يتعكر صفوها حتى نهايتها؛

 الابتهاجات المباغتة التي تنبعث من الظلام

مثلما تنبعث النار من الرماد؛

الرغبات الخاطفة التي تنطلق

مثل طيور سنونو تغرد مع كل هبة ريح!

بيضاء مثل ومضة شراع مرتد،

بيضاء مثل سحابة تطفو ثم تختفي في الفضاء،

بيضاء مثل زنبقة بيضاء طافية،

هذه الذكريات الغضة هي؛--

حكاية من حكايات الجن

عن ارض مسحورة لا نعرف مكانها،

لكنها جميلة مثل منظر طبيعي في حلم. 

***

..........................

هنري وادزويرث لونغفيلو (1807-1882) شاعر اميركي من مواليد بورتلاند بولاية مين. تلقى تعليمه في كليتي بودوين وهارفرد وبدأ كتابة الشعر ونشره في الصحف والمجلات المحلية مبكرا. عمل في التدريس الجامعي مدة تفرغ بعدها للكتابة فنشر الكثير من الشعر الغنائي والقصص والروايات والمسرحيات كما ترجم (الكوميديا الإلهية) لدانتي عن الايطالية وعملا آخر عن الاسبانية. من عناوين مجموعاته الشعرية: (أصوات الليل) 1839؛ (قصائد شعبية وقصائد أخرى) 1841؛ (قصائد عن العبودية) 1842؛ (قصائد منزلية))1865؛ (قناع باندورا وقصائد أخرى) 1875 ؛ و(في الميناء) 1882.

 

 

عامر كامل السامرائي

للشاعر المجري: جورج پَتري

ترجمها عن المجرية:

عامر كامل السامرّائي

***

لِجَدّي دائماً

مَرَّةً كُلَّ أسبوعينِ

كانَ جَدّي يَجلِسُ ليقرأَ

مَا تراكم مِنْ جَرائِد.

وكلَّما انتهى مِنْ بَعْضِها

يُقطِّعها إِلى وريقاتٍ صغيرة

بسكّينة تَقْطيعِ الخُبْز

لنسْتعمِلها في المَراحيضِ.

وهكذا لأسبوعين

كُنَّا نَمسحُ مؤخَّراتنا بصَوْتِ الشَّعْبِ.

كانَ جَدّي سَابقاً لعصرِهِ.

**

جَدَّتي

جَدَّتي هيَ التي رعتني

فغدوتُ عامرا

شُجَاعاً، وسيماً، قويّاً.

 

وحين بدأ إطلاق الرصاص

باعتْ سِوارها الذَّهبي

واشترتْ بثمنه وزتينِ

طبختهما، ثم بعجالة أنزلتني

إلى الملجأ..

ومنذ ذلك الحينِ وهي:

تطبخ، وتطبخ، وتطبخ

في هذا الوضع الرَزينِ.

 

كانت جَدَّتي تعرف مسبقاً

 معنى الحروب العالمية،

واضطرابات الجمهورية

والتقلبات،

والانقلابات.

ربةُ بيتٍ..

لا تعرف ما الطائفية:

لدرجةٍ، إنها كانت تُصَلّي

في كنيسة كاثوليكية

رغم إنها لوثرية...

 

أمَّا أنا فكُنتُ انهَشُ بلحم الوزة

في الملجأ،

بينما التهمَتْ الثورة أولاد جَدَّتي.

هكذا غارت السماء على طفولتي

برحمة، وصار ذلك الملجأ غرفتي.

هناك أطعمتني جَدّتي،

وهناك قَيَّد جَدّي اسمي،

 في سجل النفوس،

ورحلت أُمي من هناك،

وشنقوا عمي هناك،

وهاجرن عماتي من هناك،

إلى إنكلترا، تزوجن، ومن هناك

إلى الجنة..

 

كان لنا تنين يُدعى،

ماتياش سالاشي*...

يُرعد ويزبد

هو آكل الأحشاء،

والصراصير،

والكناغر،

والذئاب،

والحشرات،

والآفات،

كل هذه،

وكل تلك الحيوانات

العجيبة، والوحشية

التي ملأت طفولتي.

***

 

......................

* ماتياش سالاشي

هذا الاسم من تأليف الشاعر لكيلا يُتَّهم. فبالحقيقة هو يشير هنا إلى رئيس الوزراء النازي فيرنتس سالاشي. أما اسم ماتياش فهو يشير إلى الحاكم المجري العادل ماتياش. (المترجم)

**

ولد الشاعر جورج بَتري في العاصمة بودابست عام 1943، وتوفي في عام 2000. درس اللغة المجرية والفلسفة في جامعة أوتفوش لوران في الفترة ما بين عام 1966 وعام 1971. عمل صحفياً ثم تفرغ للكتابة عام 1974، ومنع نشر كتاباته من عام 1975 إلى عام 1981 بسبب آرائه السياسية. أسس في الفترة الواقعة بين 1981 - 1989 جريدة معارضة للسياسة المجرية (بيسلو).

 - حصد الكثير من الجوائز الأدبية أهمها: جائزة ديري تيبور عام 1994 – 1998، وجائزة يوجيف أتيلا عام 1990، وجائزة كتاب العام سنة 1991، وجائزة مؤسسة فوروش عامي 1992 -1997، وجائزة الشاعر فوروش شاندور عام 1995، ووسام إمرهَ نادج عام 1995.

- ترجم الأعمال الدرامية لبرتولد برخت ولموليير إلى اللغة المجرية.

- من أهم أعماله الشعرية: "شروح لشخص يُدعى م" صدر في عام 1971، "اندفاع مُعاد" عام 1974، "يوم الاثنين السرمدي" عام 1981، "كرة ثلج في اليد" صدر في نيويورك عام 1984، "مجموعة أعمال شعرية" عام 1986، "ما الذي تبقّى؟" عام 1989، "أشعار جورج بَتري"

 عام 1991، "الوحل" عام 1992.