عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: شاندور شيك

ترجمة: عامر كامل السامرّائي

***

اللهم إني أعوذ بكَ

من غصنٍ لا يزهر، ومن شجرة لا تثمر

وأعوذ بك من العقم، والكسل،

ومن سماء لا شمس فيها ولا تمطر

واحفظني اللهم من الكَدِر.

**

جميل اكليل زهور الشباب مرصعُ،

ولطيف رأس المسنين أبيض،

لفصل الشتاء زهوره، كما للربيع أزهار

فارحمني اللهم من بواكر الهرم.

**

واحفظني من أصحاب المنجمين،

لكيلا أعرف ما الذي فاتني، ولا ما الذي أنتظر،

وخذ بيدي، ولا تجعلني من القانتين.

**

لا تجعلني اللهم ممن قنع بعلمه،

ولا بطيبة عيشه، ولا بسقم ملكه

والّا أطمع بأكثر مما لا أملك

**

وإذا ما حضرتني ساعة،

يكون فيها شوقي قد زاد عن حده،

وما عادت فرحة الآخرين تسعدني

فخذ يدي بيدك باردة،

**

وإذا ما عادت خطايا الآخرين تبكيني

وتوقفت عن الحراك مشاعري

فليكن هذا اليوم اللهم قيامتي:

وخلصني من ذلك الكَدِرِ.

 

......................

عن الشاعر:

ولد الشاعر شاندور شيك عام 1889 وتوفي في عام 1963. كان أديباً شاعراً وكاتباً مسرحياً، ومترجماً، كم عمل أستاذاً وكاهناً. أصدر 15 مجموعة شعرية ما بين عام 1910 وعام 1963. كما صدرت له 7 أعمال مسرحية و كتب دينية.

 

عامر كامل السامرائيللكاتب المجري إشتفان أوركين

ترجمة عامر السامرائي

***

لا أتكلم الألمانية.

توجب على بودجونيي والكسايافكا التعاون لإيصال عدة صناديق من الذخيرة الى قمة التل، فقد انغمرا ومعداتهما في الوحل.

عندما جاءت نوبتي للمرة الثالة بدأ مدفع الفرقة ثقيل الوزن ينزلق منحدرا من وسط التل تقريبا. تظاهرت وكأنني أريد الذهاب لقضاء حاجتي وحسب. فهربت..

كنت اعرف الإتجاه الى موقعنا. فقطعت عابرا واحة عريضة مزروعة بزهور دوار الشمس حتى بلغت أرض جذامة. كانت الأرض السوداء الدهنية تلتصق في جزمتي، كأن أكواما من الرصاص – كالذي ينزل بالغواصين إلى اعماق البحر-  قد شُدت إلى قدمي.  استطعت السير حوالي عشرين دقيقة كما يبدو لي حينما تقابلت وجها لوجه مع أحد العرفاء المجريين وعسكري ألماني، لم أعرف رتبته لأنني أجهل نظام الرتب الألمانية.

 

لم يكفي حظي العاثر أن أوصلني إلى أرض جرداء، بل زاد على ذلك لقائي بهذين.

كان العريف المجري واقفا يدخن سكارة، وكان الألماني جالسا على كرسي صغير فارج الفخذين يتناول الطعام طاليا بالجبن قطعة خبز من عصارة تشبه عصارة معجون الأسنان، وقد أشار لي بعينيه على أن أقف. وسأل بالألمانية:-

- ماذا تفعل هنا ؟ (ترجم العريف)

- لقد اضعت فصيلي.

وحالما أكملت عبارتي هذه ترجم له العريف ما قلت.

سأل الألماني:

- أين بندقيتك ؟

- أنا لست جنديا، وإنما استدعيت للجيش كمستخدم مدني.

قال العريف للألماني:-

- هذا يهودي.

أنا أيضا فهمت معنى الكلمة، ورحت أوضح له بأنني لست يهوديا، وإنما دعيت كموزع لجريدة صوت الشعب في مدينة (جور) للإلتحاق بفصيل خاص بالعمال المدنيين.

 

سأل الألماني:

- ماذا ؟

أجاب العريف:-

- يهودي.

نهض الألماني ونفض معطفه من فتات الخبز وتكلم بالألمانية.

فترجم لي العريف:-

- سيقتلك السيد فلدويبل رميا بالرصاص.

شعرت بقطرات العرق تتصبب مني، وأخذت معدتي بالإنقباض. وضع الألماني السداد على رأس العصارة ولفه ثم شهر بندقيته.

لو أنني أتكلم الألمانية، لكنت أستطعت ان افهمه بأنني لا يمكن أن اكون يهوديا لأنني لا احمل شريطا أصفر، ولسارت الأمور بشكل آخر.

- إبتعد عشرة خطوات. (قال الألماني، وترجم لي العريف)

إبتعدت عشرة خطوات، وقد انغمرت في الوحل حتى كاحلي.

- حسنا.  قال الألماني.

توقفت، وقد صوب فلدويبل البندقية نحوي. لا أتذكر سوى أن رأسي أصبح ثقيلا بشكل مفزع، وكادت أحشائي أن تنفجر. أنزل فلدويبل بندقيته وسأل:-

- ماهي امنيتك الأخيرة ؟ ترجم العريف

- اريد قضاء حاجتي.

- حسنا.  قال الألماني.

كان فلدويبل منكسا بندقيته على ثقلها بأتجاهي طوال الوقت الذي كنت فيه مقرفصا أقضي حاجتي، وحالما نهضت رفع ابندقية وسأل:

- إنتهيت ؟ سألني العريف.

قلت:

- إنتهيت.

إتضح لي فيما بعد أن بندقية فلدويبل لم تكن مضبوطة التصويب، فقد كان موصوبا بإتجاه صرتي، وبقيت واقفا على هذا النحو حوالي دقيقة أو دقيقة ونصف. بعدها أضاف فلدويبل وهو لا يزال مصوبا نحوي:-

- نط كما ينط الضفدع.

تبع النط زحف، ومن ثم خمسة عشرة مرة (ضغط الصدر على الأرض)، وفي آخر المطاف قال لي فلدويبل إلى الوراء در.

استدرت إلى الوراء.

- مشية استعراضية. ترجم العريف.

تبعه فلدويبل فقال:-

- إنصرف.

- إلى الأمام سر.

بدأت السير. لم يكن بالإمكان حتى السير، فما بالك بمشية استعراضية. كانت كتل الوحل تتطاير فوق رأسي، ولم استطع السير إلا ببطء رهيب، وفي أثناء ذلك كنت أحس أن فلدويبل كان مصوبا في منتصف ظهري تماما، وبإمكاني حتى الآن أن أشير إلى النقطة التي كانت تصوب إليها فوهة البندقية. لولا ذلك الوحل، لما استغرق رعبي إلا خمسة دقائق فقط. بيد أن نصف ساعة قد مضت على ما يبدو، ريثما تجرأة على الإنبطاح على بطني والإلتفات إلى الخلف.

حتى الإيطالية لا أتكلمها، للأسف لا أملك موهبة لغوية. العام الماضي، عندما كنت اصطاف مع رحلة جماعية نظمتها إحدى الشركات السياحية إلى مدينة ريميني لمدة عشرة ايام، وفي احدى الأماسي، وأمام فندق باذخ إسمه ريجينا بالاس رأيت فلدويبل، ولو أنني وصلت إلى هناك قبل نصف دقيقة لأهلكته ضرباً. ولكن حتى هو لم يلحظني، وراح يرتقي مع مجموعة من الأشخاص سلم حافلة حمراء اللون ذات سقف زجاجي، بينما أخذت أنا اصرخ بالمجرية لافتقاري إلى لغة أخرى:

- لا تتحركوا... إنزلوا هذا الفاشي القذر.

كان الحاجب أطول مني بقليل، سوداني، ذو بشرة سمراء، وراح يتوعدني بسبابته، ثم أشار لي بالمضي من هناك، فما استطعت أن اشرح حتى لهذا الإنسان ما الذي حدث آنذاك، في حين على ما يبدو أنه يتكلم بالإضافة إلى اللغة الإيطالية الفرنسية، والإنكليزية أيضا. بينما انا للأسف عدا المجرية لا اتكلم لغة أخرى.

 

 

عادل صالح الزبيديبقلم: حيان شرارة

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

صحيح، إنني أتحدث إليك،

ليس إليه أو إليها.

2

لقد تم اختيارك عشوائيا

لإجراء تدقيق امني.

 

لا علاقة للأمر بك،

بصفاتك البدنية، أو اسمك.

3

هل تنتمي حاليا

أو هل انتميت سابقا

 

الى منظمة سياسية متطرفة؟

هل تتدرب على الأسلحة؟

 

هل زرت يوما معسكرا تدريبيا؟

هل قمت برزم حقائبك؟

4

انتم أيها الناس ترسلون أبناءكم وبناتكم

في مهمات انتحارية.

 

انتم حيوانات، انتم!

5

لو سمحت تنح جانبا.

لو سمحت اخلع حذاءك.

 

لو سمحت تعال معي.

لو سمحت غادر المبنى.

 

لو سمحت لا تؤذنا.

6

عسى ان تعيش في زمن مثير للاهتمام؟

7

نحن كأميركيين، تعرفون بالضبط

ما الذي نتحدث عنه.

 

كأميركيين، يمكن أن تتعرض لهذا.

كأميركيين، عليك أن تشعر  بالقلق.

8

أ هو أنت من يقع عليه اللوم؟

9

لا يمكننا مساعدك

ليس ثمة شيء يمكننا أن نفعله من أجلك.

10

جاء العملاء يبحثون عنك،

في منزل والدك.

11

أرادوا أن يسألوك أسئلة.

12

سمعت عن كونك

مشتبها به.

 

احتجزوك، استجوبوك،

سجنوك دونما تهم.

 

حاكموك بأدلة سرية،

وجدوك غير مذنب.

 

لا معنى لأن تقوم

بإحداث جلبة—

 

دعـَـوْك تذهب طليقا، أ ليس كذلك؟

13

ما أن تبدأ بالنظر الى نفسك

بشكل مختلف، منفصلا

 

عنك، مختلفا تماما

عنك،

 

حينها بإمكانك أن تصبح مثلنا.

14

ما الذي صنعه التاريخ بك؟

15

فلنأت إلى صميم الموضوع:

كان الأمر دائما

 

مثل النظر في المرآة—

ذلك الوجه هو أنت. أنا هو أنت.

***

شاعر أميركي عربي من مواليد مدينة ديترويت لعام 1972 من أبوين هاجرا من لبنان. درس علوم الحياة والكيمياء في جامعة وين ستيت ونال شهادة الماجستير من جامعة نيويورك، إلا انه انتقل الى تكساس عام 2006 ليحول تخصصه الى الأدب فنال شهادة الدكتوراه في الأدب والكتابة الإبداعية من جامعة هيوستن. نشر ثلاث مجموعات شعرية هي (يوميات الكيميائي) 2001، (حزن الآخرين) 2006، و(شيء مشؤوم) 2016.

 

صالح الرزوقبقلك: هاغيت غروسمان

ترجمة: صالح الرزوق

***

أراد أن يتقمص الحياة

في سطور طويلة، وغرف فارغة

وكتب على سطح ثلاجة قديمة. 

الروح الشاردة  أشرقت من صباه

واشترت أمه  فندقا

ولم يجد لنفسه مكانا.

دون ملاءات تجول بين الممرات

وفي كل غرفة وجد  فرشات عديدة

وفي الليل، سقط على إحداها بالنوم

وفي الصباح  لامست أنفه أنفاس غريبة.

مرتجفا استيقظ  على أرض سوداء

وهناك كان أخوه مغشيا عليه من الإنفلونزا الإسبانية.

وهكذا كتب على سطح الثلاجة القديمة

في غرفة مستأجرة، بقايا حياته المتجلدة.

................................

Thomas Wolfe

Hagit Grossman

***

He wanted to incarnate life

In long lines, in rented rooms

On the roof of an old refrigerator, he wrote.

The wandering spirit arose in his youth

His mother bought a pension

There he had no room

With no sheets he wandered through the corridors,

In each room he saw several mattresses

At night, He fell asleep on one of them

And in the morning a strange breath cuddled his nose

Trembling he rose to the dark floor

There his brother faded from the Spanish flu

And he wrote on the roof of an old refrigerator

In a rented room, freezing remains of life.

 

..........................

هاغيت غروسمان شاعرة تكتب باللغتين العبرية والإنكليزية. تنشر قصائدها في أمريكا ولندن. وصدرت لها عام 2016 مجموعتها (ارتعاشات المدينة)، ولها مجموعة ثانية قيد الطباعة. تركز في قصائدها على مسائل وجودية عامة، وفي المقدمة: الحنين إلى شيء مجهول يصعب تسميته، والخوف من العزلة، والتفكير الدائم بالموت والملل. وربما تعتبر أن الاثنين هما واحد. ودون تردد يمكن أن تنظر لشعر غروسمان أنه صدى لتأقلم الإنسان مع العادات الرتيبة والممجوجة التي تلقينا في وسطها الأقدار. ولا تخلو لها قصيدة من إحساسين طالما أشار إليهما كامو: العبث والعدمية. السيدة غروسمان متزوجة من الناقد الأدبي (يوناتان دايان). وهي أم لولدين.

 

عامر كامل السامرائيللكاتب اليوناني: ميتروپولو كوستولا

ترجمها عن الإنكليزية: عامر كامل السامرّائي

***

جاءت الفتاة الشابة يوم الأحد مرة أخرى. أما هو فقد فتح المحل في وقت مبكر جداً من الصباح دون أي سبب مُعَيّن، كان يغني ويتطلع إلى الشارع. لقد حضرت بثوب شفاف من النسيج الأحمر الفاقع، التف على جسدها بطريقة بدت فيه وكأنها عارية تماماً.

"ما الذي تريد بيعه في يوم الأحد؟" سألته بسذاجة الفتيات في سنها ونظرت إليه بشكل استفزازي وأكملت "ألا تريد تقبيلي، يا أبي؟ لقد قطعت مسافة طويلة".

 دفع الباب خلفها بصخب وترك ذراعه مفتوحة. "احترس، أنت تفسد مكياجي، لا تكن فظاً، لقد التهمت أحد اقراطي مع أذني..، تمهل، قلت لك..، هذا لباس ثمين للغاية..، هل يعجبك؟ كلا..، أنا لا أرتدي أي ملابس داخلية، هذا يجعلك متوحشاً أيها العجوز، أليس كذلك؟ كلا..، لن أخلعه، أنا أشعر بالبرد، أريد كوباً ساخناً جداً من الشاي، هل ما زال لديك شيءٌ من هذا القبيل هنا؟ أشعر وكأنه مضى على غيابي أكثر من شهر، ما رأيك؟ لماذا تتطلع في وجهي هكذا، عن ماذا تبحث؟ هذه أنا، لقد جئت لرؤيتك، اشتقت إليك، والآن الشاي بسرعة. سأقفل المحل، ثم سأخبرك بقصة“.

تحدثت إليه وهي تتنقل بين ذراعيه ومنتصف المحل، حامت حول الأثاث والتحف المثقلة بغبار السنين، "أنا أحب هذا المكان، كما لو أنني في رحلة، تنقصني فقط حقيبة سفر"، وأفاضت ضحكتها الدمع في عينيه، بينما كان يعد لها الشاي، وكلمة "اشتقت إليك" أسكنت في ذهنه شيئاً قد يعني الحب. هراء، هل تستطيع فتاة شابة أن تحب رجلاً بعمر والدها لمجرد إنها تعاشره جنسياً؟ ومع ذلك عادت إليه، وهذا يعني إنها اختارته. بحق الجنة، كيف يمكنه تحمل هذه السعادة؟

"الشاي جاهز" فبَصُر بها من خلف الخزانة. كانت قد تعرت ولفت نفسها بغطاء الأريكة، ووضعت فستانها الأحمر البهيج على كرسي معطوب. ركع أمامها وراح يَلثم أصابع قدميها، والرصعات في ركبتيها، وبطنها، ونهديها الورديين، ومنكبيها، وعينيها، وفمها. "الآن وقد رجعتِ، ستعود لي الحياة "، وأراح خده بلطف على بطنها. "ابقي معي" فأثارتها دموعه الساخنة.

ما هذه التصرفات الغريبة يا أبي؟ أنت تبكي؟ أنا هنا، لن أذهب بعيداً، سأكون لك، يا له من شاي لذيذ! هل هذا من افريقيا ايضاً؟ أتعلم؟ لقد بدأت التعود عليك، رغم أن ذلك لا يعجبني كثيراً. فقد كنت دائماً حرة، فهمت؟ مهلا، انتظر، ماذا تفعل هناك؟ أنت تقودني إلى الجنون. لا تتوقف.

كان قد دفع رأسه بين ساقيها المنفرجتين وراح يمص ذلك الندى الدافئ، شاعراً بها ترتعش كالطير، لكنه بقيَ يمص ويبتلع نضيحها الملتهب، ويشم عبق جسدها وكأنه في مرج من الزهور، "أنتَ رائع"، قالتها وعيناها نصف مغمضتين، فأثارت تلك الكلمة وحشيته، فأنقض على جسدها العاري كئيباً، يائساً، وأولجه فيها عميقاً، فصدرت منها "آه" واهنة جعلته مذهولاً، فراح يكرر من جديد كلمة "أحبكِ"، فانكمش وجهها بعبوس كما يحدث في كل مرة وبدا عليها الامتعاض. لملمت نفسها في منتصف الأريكة فبدت وكأنها كرة حمراء، فحضنها وقال "أحبكِ"، وأخذ يقبلها من كل مكان كالمفتون.

ناولته سيكارة من علبتها. "كنتَ رائعاً، لذا لم أشأ أن أزجرك بسبب تلك الكلمة التي ما دمتَ تكررها" فأغمضت عينيها وقالت:" أشعر بالبرد"، فضمها بين ذراعيه ثم غطاها بشرشف قديم مطّرَز، وراح يقبلها مرة أخرى من كل مكان، فبدى عليها الضجر "كفى" أنا متعبة، وكف عن التفوه مرة أخرى بتلك الكلمات المثير للاشمئزاز. ما الذي تعنيه كلمة "أحبكِ"؟ كلمة بالية لا تعني شيئاً قط، أسمعها منك فقط "أحبكِ"، تعني بعبارة أخرى "رتابة". دثرني، أشعر بالبرد. كم الساعة الآن؟

كان يشعر بالرعب في كل مرة يخطر بباله أنها ستختفي فجأة ولن يراها أبداً مرة أخرى. "ما زال الوقت مبكراً، أريد سماع تلك القصة التي ستخبرينني بها".

جلس على الأرض وأرخى رأسه على ساقيها وقال: "سأسميك الخراب، أو الهاوية، أو أكرون*. سأدعوك نجمة الجنوب، مد البحر أو جزره. أخبريني كيف تريدينني أن أناديك لتأتي عندي، تسمعي ندائي وتأتي، وكل ما أستطيع أن امنحك إياه هو بقية حياتي الخاوية هذه، ولكنني سأبقى أحبكِ بوفاء. حسناً، لا بأس، لن أقول تلك الكلمة مرة أخرى، بيد أني سأكون وفياً لكِ وفاء الكلب، حتى وأن طردتني سأكون سعيداً. هل تريدين أن اتظاهر لك بأنني كلب، أترغبين أن تشاهدي ذلك؟"

فانحنى وراح يحبو على أربع، ونبح بنبرة حزينة، وحَّكَ نفسه بها، فانفجرت ضاحكة، "سأطلق عليكَ اسم (بلاكي)، لقد كان لدي كلب نَفَقَ منذ مدة، وستكون أنت بدله، تعال يا بلاكي، أركض دعني أرى ذلك، ولكن على أربع، ودون مخادعة"

تعب وراح يلهث فبدا وكأنه قد استنفد قواه تماماً" لقد هرمت ياصاحبي، تعال إلى هنا الآن، خذ هذا العظم لك، إلعقه، توسل، امسكْ به، يا لكَ من شاطر".

لفت ساقيها العاريتين حول عنقه، فحشرج مثل كلب "شكراً"، ثم كررها كبشر "شكراً". لقد استجمع كل حواسه لكي يبقي هذا الشعور بالسعادة لوقت لاحق، فيما لو رحلت عنه. ذكَّره صوتها بالموسيقى، فنهض مشدوهاً. "الآن سأقص عليكَ حكايتي. كنت قد ذهبتُ في رحلة دون أن أستعين بقارب، أو بقطار أو بسيارة أو حتى بطيارة، لا شيء من هذا القبيل. دعاني لها أحد أصدقائي الذي نشأت معه. كان عمرنا آنذاك تسعة عشر عاماً، قال لي حينها: "هل ترغبين برحلة؟". لم أفهم قصده، فأجبته: "لمَ لا؟" فذهبت معه. لماذا تنظر إليّ بهذه الطريقة، لم نمارس الجنس أيها العجوز، يا صاحب الغيرة القذرة. لقد قدم لي "الحشيش" ورحنا ندخنه ليل نهار ثمانية أيام متواصلة. لا أدري ما الذي فعلناه، وما الذي حدث في تلك الغرفة، غير أني في أحد الأيام شعرت بالملل، وبينما كان هو في الحمام، هربت. أتدري؟ لقد خدعته. لم أكن أتعاطى الجرعة التي كان يعطيني إياها، وإنما كنت انتظره ينتشي أولاً، ومن ثم أجرب من باب الفضول فقط. عار أليس كذلك؟ لقد علمت فيما بعد أن صديقي قد لطع إصبعه!، فقد تم العثور عليه ميتاً في الحمام. لحسن حظي أنني هربت، وإلا لكنت سأنفجر، ها؟ هل افزعتك؟ حدث مريب! لقد مررت ببعض الأحداث الغريبة في تلك الرحلة وأعتقد أنني وصلت إلى إفريقيا، تخيل!

 

.............................

* نهر في جهنم حسب الأساطير اليونانية (المعرب)

 

صحيفة المثقفللشاعر التشيكي الكبير:

 ميروسلاف هولوب*

ترجمة: حسين السوداني

***

بنى بيته،

أساساته،

حيطانه،

سقفه فوق رأسه،

مدخنته،  دخانه،

إطلالته من الشباك،

**

بنى حديقته

سياجه

زعتره

دوده الأرضي

ندى مساءه

 **

قص قطعته من السماء العالية

لف الحديقة بقطعة السماء

ولف البيت بالحديقة

ولف كل شيء بالمنديل

وذهب

كثعلب القطب وحيدا

في المطر

البارد

الذي لا نهاية له

نحو العالم

***

براغ في  16.10.2019

................

- من مجموعته الشعرية (إذهب وافتح الباب) الصادرة عام 1961

...........................

النص التشيكي

 

Pohádka

Postavil si svůj domek ,

své základy ,

své zdi ,

svou střechu nad hlavou ,

svůj komín , svůj kouř ,

svůj vyhlídku z okna.

**

Postavil si svou zahradu ,

svůj plot ,

svůj tymián ,

svůj žížalu,

svou rosu večer.

 **

uřízel si svůj kousek nebe nahoře.

A zbalil zahradu do nebe

a domek zabalil do zahrady

a všechno zabalil do kapesníku

a šel

sám jako polární liška

chládným ,

nekonečným

deštèm

do světa.

 

محمد صالح الغريسيشعر: لويز آكرمان

تعريب: محمد الصالح الغريسي

(إلـى السيّــد رونشو)

***

1

انظروا إلى هؤلاء الأزواج الّذين لم يصمد زواجهم، وهم يمرّون!

بعضهم في أحضان بعض، في عناق طويل،

جميعهم، قبل أن يختلط الحابل بالنّابل إلى الأبد،

يطلقون نفس القسم:

**

دائما ! كلمة جريئة، تسمع السّماوات المعمّرة ذكرها باندهاش،

و تجرؤ على تكرارها شفاه يصيبها الشّحوب

ثمّ تمسي باردة كالثّلج.

**

أنتم ..يا من أعماركم قصيرة،

لماذا هذا الوعد الّذي ينتزعه أمل متّقد من قلبكم،

تحدّيا عقيما، تطلقونه من لحظة سعادة وانتشاء إلى العدم؟

**

يا أيّها العشّاق، ثمّة صوت من حولكم لا يلين،

يصرخ لكلّ من يولد: » أَحِبَّ في هذه الدّنيا ثم مُتْ «!

فالموت عنيد والسماء فاقدة للإحساس؛

و ليس لك من مفرّ.

**

حسنا ! بما أنّ الأمر ضروريّ

دون إزعاج أو همهمة

فلتحبّوا، ثمّ فلتموتوا!

أقوياء بنفس هذا الحبّ الّذي به تنتشون

وسط الطّبيعة الرّحبة.

2

لا، لا، لم يُقَلْ كلّ شيء للجمال الرّقيق،

عندما يجرف الرّغبةَ سحرٌ لا يُقْهَرُ..

عندما يرتجف طيننا المسكين اشتهاء،

تحت نار قبلة.

**

إنّ قَسَمَنَا ينطلق من روح خالدة؛

و هي الّتي تقلق حين يرتجف الجسد،

فنسمع صوتها وحفيف جناحيها

حتّى في تنقّلاتنا.

**

 نحن إذن، نكرّر هذه الكلمة بما فيها من شهوة،

هذه الكلمة الّتي تصيب الكواكب المشعّة في قبة السّماء بالشّحوب،

كلمة تصل القلوب ببعضها، ومع بدء الحياة،

 تصبح همزة وصل لهم مع السّماء.

**

في نشوة عناق سرمديّ،

يمرّ هؤلاء الأزواج المتحابّون،

و من شدّة خوفهم، لا يتوقّفون

لينظروا إلى ما حولهم.

 **

حين ينهار كلّ شيء ويسقط؛ تراهم يحافظون على صفائهم،

أملهم هو سعادتهم، والقوّة الإلهيّة الّتي يتوكّلون عليها؛

و في الطّريق، حين ترتطم أرجلهم بقبر،

لا يترنّحون أبدا.

**

أنت نفسك أيّتها الطبيعة، حين تصبح غاباتك حاضرة في هذيانهم،

حين تكسين بالأزهار والظلّ دروبهم،

هل ستكون لك وأنت أمّهم، هذه الابتسامة

لو ماتوا عن بكرة أبيهم؟

**

أن نعثر على الرّوح الّتي نبحث عنها

تحت الوشاح الخفيف من الجمال الفاني،

هو لنا بمثابة الخروج إلى الحياة،

و عندما نرى بعضنا البعض، نصيح: » إنّها هي «

ثمّ نفقدها بعد ذلك.

 **

أن نفقدها إلى الأبد! هذه الفكرة الوحيدة،

تحوّل صورة الحبّ في نظرنا إلى شبح.

ما ! هذه الأماني الّتي لا تنتهي، هذا الحماس الّذي لا معنى له

في نظر كائن عمره يوم واحد!

**

و أنت يا أيّها الإله العظيم في العلا،

 يا من تسمع وترى كلّ شيء،

هل ستكون جبانا إلى هذا الحدّ،

حتّى أنّ كلّ مواقف التّشييع المحزنة هذه، وكلّ الجنائز

لا يمكنها أن تؤثّر فيك،

 **

و أنّ بهذا القبر المظلم، حيث تضعنا،

تقول لنا:» دعهم يحتفظون بصرخاتهم غير المجدية.

من العبث البكاء بمرارة على رمادهم؛

فأنت لن تعيدهم إلى الحياة   «!

**

لكن لا ! يا إلهي يا من يقال عنك أنّك طيّب،

أنت تفتح لنا باب الأمل، كي نلتقي لنفترق،

هذا لم يعد قرارك.

كلّ محبوب كان يوما ما على وجه الأرض،

سيكون محبوبا في رحابك.

3

إنّ خلود الإنسان وهم! أضغاث أحلام!

الحبّ كذبة وكبرياء بشريّ!

لم يكن ثمّة أمس، هذا الشّبح العابر

يحتاج إلى غد !

**

لأجل هذه الومضة من الحياة،

 لأجل هذه الشّرارة الّتي تحترق دقيقة في قلوبكم الحائرة،

نسيتم فجأة حمأة الأمومة،

 وأقداركم المحدودة.

**

يا أيّها الحالمون المتهوّرون،

ستفلتون إذن لوحدكم من سلطان القدر،

الّذي يحطّم إذ يَخْلُقُ؟

تخلّوا عن مثل هذا الأمل،

فكلّ الأوحال تتشابه

في مواجهة العدم.

**

أنتم تقولون للّيل الّذي يمضي في حجبه:

"أنا أحبّ، وأرجو أن أرى مشاعلك تنطفئ" .

 اللّيل لم يجب بشيء،

لكنّ نجوم الغد سوف تتألّق فوق قبوركم.

**

تعتقدون أنّ الحبّ الّذي يضغط عليكم بناره الموقدة،

قد أعدّ لكم سعيره وأشعّته؛

و الزّهرة الّتي تكسرونها، تئنّ ثملة:

"نخن أيضا نحبّ" !

**

أنتم تتوقون في سعادة، إلى الرّوح الخفيّة

الّتي تملأ كلّ شيء بنشاطها، الغابات والحقول؛

و تبتسم الطّبيعة، لكنّها جامدة بلا إحساس:

فماذا عساها تسفيد من سعادتكم؟

**

الأمّ السيئة الّتي لا تموت، ليس لها سوى رغبة واحدة،

أن تنجب المزيد والمزيد، دون انقطاع ولا هدنة.

أمّ نهمة، قد استأثرت بالخلود لنفسها،

 وخلّفت لكم الموت.

**

كلّ ما لديها من حرص وتبصّر، هما لمن سيولد لاحقا؛

ما تبقّى، فهو غامض يكتنفه النّسيان في قمّته.

أنتم أحببتم، ويمكنكم أن تضمحلّوا:

أمّا هي فقد تحقّقت أمنيتها.

**

عندما تخترق صدوركم نفحة من الحبّ،

على أمواج من السّعادة

فتجعلكم معلّقين عند أقدام الجمال

بينما تلقي بكم أيد إلهيّة مضطربة؛

 **

و باعتصار هذا القلب الّذي تكاد جذوته تنطفئ؛

تتشكل في هذه الدّنيا صورة أخرى تتألم،

فيتهيّأ لكم أيّها الفانون، أنّكم

ستطفؤون اللانهاية في أحضانكم؛

**

هذه الأوهام المقدّسة، هذه الرّغبات غير الموزونة،

المنفلتة من بين ضلوعكم كأسراب طيور ناشطة،

هذه الأنقال، تعني أنّ الإنسانيّة القادمة قد تحقّقت بعد،

و تفاعلت في صدوركم.

**

سوف يتحلّل هذا الطّين الهشّ

الّذي يتأثّر للحظة بالفرح والألم؛

سوف تبعثر الرّياح هذا الغبار النّبيل

الّذي كان قلبا من قبل.

 **

لكنّ قلوبا أخرى ستولد

هي الّتي ستصل لحمة آمالكم المكسورة، وحبّكم الخامد،

فتديم دموعكم، وأحلامكم، وشعلتكم،

 في العصور البعيدة القادمة.

**

كلّ الكائنات الّتي تشكّل سلسلة أزليّة،

تسارع على التّوالي، في تمرير مشعل الحبّ إلى بعضها البعض.

فيسارع كلّ واحد إلى أخذ المشعل الخالد،

ثم يعيده بدوره.

**

و في اللّيل حيث أَلْقَى بكم القدرُ،

و أَعْمَاكُمْ بريقُ ضوئه التّائهِ، ،

أقسمتم أن تتشبّثوا به دوما:

فإذا هو قد أفلت بعد من يدكم الفانية.

**

عندها، ستكونون على الأقلّ، قد رأيتم برقه المهيب؛

و سيكون قد ترك أثره في حياتكم لفترة ما؛

فيكون بإمكانكم أن تحملوا معكم انبهاركم،

 وأنتم تهوون إلى الحضيض.

**

و عندما يسود في أعماق السّماء الهادئة لاحقا،

كائن بلا رحمة، يشاهد بأمّ عينه،

إذا كانت عينه الأزليّة تعتبر ألم الولادة والموت،

أمرا لا يحرك المشاعر

**

على حافة القبر،  وأنه بنفس هذه النّظرة

 تكون حركة الحبّ هي ذاتها وداعك!

نعم، بيّنوا إلى أيّ حدّ هو الإنسان عظيم حين يحبّ،

و سامحوا في سبيل الله ! 

***

لويز آكرمان

.......................

 

L'amour et la mort

Louise Ackermann (1813-1890)

Recueil : Poésies philosophiques (1871).

(À M. Louis de Ronchaud).

I

Regardez-les passer, ces couples éphémères !

Dans les bras l'un de l'autre enlacés un moment,

Tous, avant de mêler à jamais leurs poussières,

Font le même serment :

**

Toujours ! Un mot hardi que les cieux qui vieillissent

Avec étonnement entendent prononcer,

Et qu'osent répéter des lèvres qui pâlissent

Et qui vont se glacer.

**

Vous qui vivez si peu, pourquoi cette promesse

Qu'un élan d'espérance arrache à votre cœur,

Vain défi qu'au néant vous jetez, dans l'ivresse

D'un instant de bonheur ?

**

Amants, autour de vous une voix inflexible

Crie à tout ce qui naît : « Aime et meurs ici-bas ! »

La mort est implacable et le ciel insensible ;

Vous n'échapperez pas.

**

Eh bien ! puisqu'il le faut, sans trouble et sans murmure,

Forts de ce même amour dont vous vous enivrez

Et perdus dans le sein de l'immense Nature,

Aimez donc, et mourez !

 

II

 

Non, non, tout n'est pas dit, vers la beauté fragile

Quand un charme invincible emporte le désir,

Sous le feu d'un baiser quand notre pauvre argile

A frémi de plaisir.

**

Notre serment sacré part d'une âme immortelle ;

C'est elle qui s'émeut quand frissonne le corps ;

Nous entendons sa voix et le bruit de son aile

Jusque dans nos transports.

**

Nous le répétons donc, ce mot qui fait d'envie

Pâlir au firmament les astres radieux,

Ce mot qui joint les cœurs et devient, dès la vie,

Leur lien pour les cieux.

**

Dans le ravissement d'une éternelle étreinte

Ils passent entraînés, ces couples amoureux,

Et ne s'arrêtent pas pour jeter avec crainte

Un regard autour d'eux.

**

Ils demeurent sereins quand tout s'écroule et tombe ;

Leur espoir est leur joie et leur appui divin ;

Ils ne trébuchent point lorsque contre une tombe

Leur pied heurte en chemin.

**

Toi-même, quand tes bois abritent leur délire,

Quand tu couvres de fleurs et d'ombre leurs sentiers,

Nature, toi leur mère, aurais-tu ce sourire

S'ils mouraient tout entiers ?

**

Sous le voile léger de la beauté mortelle

Trouver l'âme qu'on cherche et qui pour nous éclôt,

Le temps de l'entrevoir, de s'écrier : « C'est Elle ! »

Et la perdre aussitôt,

**

Et la perdre à jamais ! Cette seule pensée

Change en spectre à nos yeux l'image de l'amour.

Quoi ! ces vœux infinis, cette ardeur insensée

Pour un être d'un jour !

**

Et toi, serais-tu donc à ce point sans entrailles,

Grand Dieu qui dois d'en haut tout entendre et tout voir,

Que tant d'adieux navrants et tant de funérailles

Ne puissent t'émouvoir,

**

Qu'à cette tombe obscure où tu nous fais descendre

Tu dises : « Garde-les, leurs cris sont superflus.

Amèrement en vain l'on pleure sur leur cendre ;

Tu ne les rendras plus ! »

**

Mais non ! Dieu qu'on dit bon, tu permets qu'on espère ;

Unir pour séparer, ce n'est point ton dessein.

Tout ce qui s'est aimé, fût-ce un jour, sur la terre,

Va s'aimer dans ton sein.

 

III

 

Eternité de l'homme, illusion ! chimère !

Mensonge de l'amour et de l'orgueil humain !

Il n'a point eu d'hier, ce fantôme éphémère,

Il lui faut un demain !

**

Pour cet éclair de vie et pour cette étincelle

Qui brûle une minute en vos cœurs étonnés,

Vous oubliez soudain la fange maternelle

Et vos destins bornés.

**

Vous échapperiez donc, ô rêveurs téméraires

Seuls au Pouvoir fatal qui détruit en créant ?

Quittez un tel espoir ; tous les limons sont frères

En face du néant.

**

Vous dites à la Nuit qui passe dans ses voiles :

« J'aime, et j'espère voir expirer tes flambeaux. »

La Nuit ne répond rien, mais demain ses étoiles

Luiront sur vos tombeaux.

**

Vous croyez que l'amour dont l'âpre feu vous presse

A réservé pour vous sa flamme et ses rayons ;

La fleur que vous brisez soupire avec ivresse :

« Nous aussi nous aimons ! »

**

Heureux, vous aspirez la grande âme invisible

Qui remplit tout, les bois, les champs de ses ardeurs ;

La Nature sourit, mais elle est insensible :

Que lui font vos bonheurs ?

**

Elle n'a qu'un désir, la marâtre immortelle,

C'est d'enfanter toujours, sans fin, sans trêve, encor.

Mère avide, elle a pris l'éternité pour elle,

Et vous laisse la mort.

**

Toute sa prévoyance est pour ce qui va naître ;

Le reste est confondu dans un suprême oubli.

Vous, vous avez aimé, vous pouvez disparaître :

Son vœu s'est accompli.

**

Quand un souffle d'amour traverse vos poitrines,

Sur des flots de bonheur vous tenant suspendus,

Aux pieds de la Beauté lorsque des mains divines

Vous jettent éperdus ;

**

Quand, pressant sur ce cœur qui va bientôt s'éteindre

Un autre objet souffrant, forme vaine ici-bas,

Il vous semble, mortels, que vous allez étreindre

L'Infini dans vos bras ;

**

Ces délires sacrés, ces désirs sans mesure

Déchaînés dans vos flancs comme d'ardents essaims,

Ces transports, c'est déjà l'Humanité future

Qui s'agite en vos seins.

**

Elle se dissoudra, cette argile légère

Qu'ont émue un instant la joie et la douleur ;

Les vents vont disperser cette noble poussière

Qui fut jadis un cœur.

**

Mais d'autres cœurs naîtront qui renoueront la trame

De vos espoirs brisés, de vos amours éteints,

Perpétuant vos pleurs, vos rêves, votre flamme,

Dans les âges lointains.

**

Tous les êtres, formant une chaîne éternelle,

Se passent, en courant, le flambeau de l'amour.

Chacun rapidement prend la torche immortelle

Et la rend à son tour.

**

Aveuglés par l'éclat de sa lumière errante,

Vous jurez, dans la nuit où le sort vous plongea,

De la tenir toujours : à votre main mourante

Elle échappe déjà.

**

Du moins vous aurez vu luire un éclair sublime ;

Il aura sillonné votre vie un moment ;

En tombant vous pourrez emporter dans l'abîme

Votre éblouissement.

**

Et quand il régnerait au fond du ciel paisible

Un être sans pitié qui contemplât souffrir,

Si son œil éternel considère, impassible,

Le naître et le mourir,

**

Sur le bord de la tombe, et sous ce regard même,

Qu'un mouvement d'amour soit encor votre adieu !

Oui, faites voir combien l'homme est grand lorsqu'il aime,

Et pardonnez à Dieu !

Louise Ackermann.

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: يانوش پيلينسكي

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرّائي

***

نتخبط في شبكة نجمية النسج

كأسماك جُرت إلى الساحل،

أفواهنا فاغرة في الخواء،

تقضم فضاء يابساً.

**

عبثٌ ينادينا همساً

 جمعنا الذي انفرط،

لزامٌ منخنقين

بين وخز الحصى والحجارة

**

نحيا بعضنا ضد بعض!

قلوبنا ترتجف.

لوعتنا تُدمي

أُخُوَتنا، تخنقها.

**

صراخ أحدنا يعلو على صوت الآخر

ولا من صدى يجيب؛

نتنازع ونتقاتل

بلا سببٍ، مرغمين،

نتوب، لكن توبتنا

ليست كالعقاب،

لا تخرجنا من هذا الجحيم

بلا عذاب.

**

نحن نتخبط في شبكة هائلة

وربما في منتصف الليل

سنكون وجبة أكل

فوق منضدة صياد ضخمة

***

 

عادل صالح الزبيديبقلم: براين بيلستن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

كان اسم الوحش فرانكنشتاين.

ليس ثمة شيء كالتغير المناخي.

السوليرو نوع من أنواع القبعات.

الكوكب ليس كرويا بل مسطح.

**

السادسة العمر القانوني لتناول المشروبات.

تحصل النساء أجورا متساوية.

الفيس عزف على لوحات المفاتيح في أغنية (خذ ذاك).

الكوكب ليس كرويا بل مسطح.

**

كان لأخيل كعب مخادع.

الإرهاب يأتي من اللاجئين.

الأرق يصيب أكثر القطط.

الكوكب ليس كرويا بل مسطح.

**

ليس هناك فاشيون في تزايد وانتشار.

رئيس الوزراء لا يكذب أبدا.

من الممكن ان تغير حقيقة ما.

الكوكب ليس كرويا بل مسطح.

 

......................

عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر) على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض مثلما يلفه دخان غليونه ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له اول مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار)2016 ثم مجموعة أخرى في هذا العام بعنوان (يوميات احدهم).

 

 

صالح الرزوقبقلم: نعومي شهاب ناي*

ترجمة: صالح الرزوق

-إلى جانا

***

الصحافية الناعمة

ستخبرنا ماذا ترى.

ستكتب عن الأفعال والغبار

والجنود الذين يسدون الطريق.

**

نعم، هي تعلم كيف تأخذ صورة

بالهاتف النقال. ترفعه عاليا

مثل بالون. نعم، وتشتهي

أن ترقص وتلهو،

وتفضل أن يكون العالم

ورديا. ومن واجبها أن تنقل

ما ترى، و ما يجري.

من زاوية فهمها كل شيء

ضخم- ولكن لا تقلل منها.

فهي أكبر مما أنت عليه.

وإذا دخلت إلى حديقتها

كل ورقة تضيف شيئا للمنظر.

لا تخبئ ما تفعل.

فهي تراك في الساعة 2 صباحا وأنت تلبس

درعك المضاد للرصاص.

ماذا عندها

وأنت تريده؟. كنوزها،

الأزرار اللماعة التي تحبها جدتها.

وابن عمها، وعمها.

ربما هناك قميص...

**

الصحافية الناعمة لاحظت

تحركات على طرقات بعيدة

أبعد حتى من القرية التالية.

وهي تستشير الذباب و

لذلك تصل إليها هبة الغبار أولا.

هل يمكن أن يكون ذلك صديقا؟..

هم يتظاهرون أنهم لا يروننا.

ويأتون في الليل مع أسلحتهم.

ماذا كانت جريمتنا؟. أننا نحب

الحياة مثلهم؟ أنه لدينا كرامة؟.

**

ها هي تنظر من ثقب في السور،

حاجز من الكلمات والأسلاك،

وتشعر بالنار اللاهبة

قبل أن يشعل أي إنسان عود ثقاب.

لكن عندها فكرة أفضل.

 

..................

2019 / من كتابها: الصحافية الناعمة The Tiny Journalist

* شاعرة أمريكية من أصل فلسطيني.

 

 

صحيفة المثقفمختارات من القصائد العالمية

نصوص: تشارلز بوکوفسکي

الترجمة عن الانجليزية: سوران محمد

***

وحيد مع الكل

 قد غطی اللحم العظم

ووضعوا العقل

فيها

وأحيانا الروح ،

والمرأة تکسر

المزهريات فی الجدران

والرجال يشربون

الكثير

ولا أحد يجد

الاخر

ولكن

ينظروا علی الدوام

يزحفوا زحفا

من والی السرير .

**

يغطي اللحم

العظم

واللحم يبحث

عن أكثر من

لحم.

**

ليس هناك فرصة

على الاطلاق:

كلنا عالقون

في مصير

واحد.

**

لا أحد يجد

الآخر بد.

**

قد تمتلء المدينة بالنفايات

والساحات بالقاذورات

والمنازل بالمجانين

وقد تمتلء المستشفيات

وهكذا المقابر

**

ولا شيء آخر

قد يمتلء.

***

2 - لا مساعدة لهذا

هناك مكان في القلب

لن تمتلء أبدا

**

مساحة

**

وحتى في

أفضل لحظات

وأعظم الأوقات

الاوقات

سوف نعرف ذلك

سنعرف ذلك

أكثر من

أي وقت مضی

**

هناك مكان في القلب

لن تمتلء أبدا

و

سوف ننتظر

و

ننتظر

في هذا الحيز.

***

3 - ضحك القلب

حياتك هي حياتك

لا تدعها تمشي حسب مزاج الاخرين*.

كن على الوقت.

هناك طرق للخروج.

هناك ضوء في مكان ما.

قد لا يكون ضوءا ساطعا ولكن

ينير الظلام.

كن على الساعة.

سيعطيك الله الفرص.

اعرفهم.

خذهم.

لا يمكنك التغلب على الموت ولكن

يمكنك التغلب على الموت في الحياة ، أحيانا.

وكلما  تتعلم القيام بذلك أكثر،

سيكون هناك ضوء أبهر.

حياتك هي حياتك.

اعرفها مادامت تملكها.

أنت رائع

ينتظر الله أن يسعد

بك.

...............

* تعبير دارج (idiom) في الانجليزية:”

don't let it be clubbed into dank submission”

***

4 - حظ

عندما

كنا صغارا

كنا نشرب

من هذه

الماكنة...

ندخن

نكتب

كانت

رائعة جدا

ومعجزة

تلك الايام

وما تزال

لكن

الآن فقط

بدلا من

التحرك نحو

الزمن

هو

يتحرك نحونا

يجعل كل كلمة

تحفر

داخل

الورقة

واضحا

بسرعة

وصعبا

هكذا تغذي

الفراغ

المغلق.

..........

**هنري تشارلز بوكوفسكي (1920-1994) شاعر وروائي وكاتب قصة قصيرة أمريكي من أصل ألماني، هاجر الی امريکا مع عائلته وهو ابن ثلاث سنين، بدء مشواره الادبي في خمسينيات القرن الماضي، کان يعيش عيشة الفقراء شظفا وحرمانا وتشردا، في عام 1957م تزوج من الشاعرة باربرا فراي، اشتغل في وظائف عدة، تدور کتاباته حول واقعه المأساوي، وبؤس حياة العصر الرأسمالي، تأثر بکتاب عدة کالـ: أنطون تشيخوف، جيمس ثوربر، فرانز كافكا، كنوت هامسن، أرنست همنغواي، هنري ميلر، جون فانتسي، لويس فرديناند سيلين، روبنسون جيفيرز، فيودور دوستويفسكي، دي إتش لورانس، انطونين ارتود، اي اي كامينغز.

المصادر:

1- poem hunter

2- en/en.wikipedia

.................................

القصائد بلغة الام:

1

Alone With Everybody - Poem by Charles Bukowski

..................................

the flesh covers the bone

and they put a mind

in there and

sometimes a soul,

and the women break

vases against the walls

and the men drink too

much

and nobody finds the

one

but keep

looking

crawling in and out

of beds.

flesh covers

the bone and the

flesh searches

for more than

flesh.

**

there's no chance

at all:

we are all trapped

by a singular

fate.

**

nobody ever finds

the one.

 

the city dumps fill

the junk yards fill

the mad houses fill

the hospitals fill

the graveyards fill

**

nothing else

fills.

......

2

No help for that - Poem by Charles Bukowski

There is a place in the heart that

will never be filled

**

a space

**

and even during the

best moments

and

the greatest times

times

**

we will know it

**

we will know it

more than

ever

**

there is a place in the heart that

will never be filled

and

**

we will wait

and

wait

**

in that space.

............

3

The Laughing Heart - Poem by Charles Bukowski

your life is your life

don't let it be clubbed into dank submission.

be on the watch.

there are ways out.

there is a light somewhere.

it may not be much light but

it beats the darkness.

be on the watch.

the gods will offer you chances.

know them.

take them.

you can't beat death but

you can beat death in life, sometimes.

and the more often you learn to do it,

the more light there will be.

your life is your life.

know it while you have it.

you are marvelous

the gods wait to delight

in you.

............

4

Luck - Poem by Charles Bukowski

once

we were young

at this

machine...

drinking

smoking

typi ng

it was a most

splendid

miraculous

time

still

is

only now

instead of

moving toward

time

it

moves toward

us

makes each word

drill

into the

paper

clear

fast

hard

feeding a

closing

space.

...........................

Charles Bukowski

 

عبد الله هاشي(Anton Chekhov) أنطون تشيخوف

ترجمة من الإنجليزية : عبد الله هاشي

***

أدرك "قليب سميرنوف"، مسٌاح الأراضي، وهو ينزل بمحطة "ديدفيل" أن الضيعة التي يقصدها لإنجاز أشغال المسح المعهودة اليه، لا تزال بعيدة بما يقارب الثلاثين أو الأربعين ميلا . لو يصادف سائقا صاحيا، لم يشرب خمرا، وجيادا قوية صامدة، فإن المسافة ستنزل الى ما دون الثلاثين ميلا . لكن، بسائق سكران، وجياد مهترئة الصفائح، فمما لا شك فيه أن المسافة قد تصل الى الخمسين .

ودلف الى رئيس المحطة يسأله :

- " هلا أخبرتني، من فضلك، عن مكان أجد فيه جياد البريد ؟ "

- " ماذا ؟ جياد البريد ؟ أنت لا تستطيع العثور حتى على كلب تائه في مسافة المائة ميل من هنا، دون الحديث عن جياد البريد . إلى أي وجهة تريد الذهاب ؟

- " أريد الذهاب الى ضيعة الجنيرال " خوخوطوف "، الواقعة في " ديفكينو " .

- " حسناً " . قال رئيس المحطة وهو يفغر فاه من التثاؤب . " اذهب وانعطف خلف المحطة، ستجد هناك بعض سكان الأرياف الذين يتفضلون أحيانا بأخذ المسافرين وعابري السبيل .

تنهد مسٌاح الأراضي في حسرة، ثم دلف، وقد بدا عليه الضجر، الى الجهة الخلفية للمحطة . هناك، وبعد فترة غير قصيرة من البحث والسؤال، ومن الجدال والنقاش والتنازع والقيل والقال، تمكن من الحصول على موافقة مزارع قروي قاتم ٌالجبين من العبوس، هائل البنيان، مفعم بالقوة والحماس، تنتشر على جلده مخلفات بثور الجذري، يرتدي معطفا رثا ممزقا، وينتعل حذاء مصنوعا من القش .

- " يا  لعربتك البئيسة هذه ."  قال المسٌاح للقروي وهو يصعد  لأخذ مكانه  في  العربة .  " إنني لا أستطيع أن أتبين منها الجهة الامامية من الخلفية . "

- " لا تستطيع أن تتبين ؟ إن ذيل الجواد قبالتك . وحيث تجلس سيادتك، هي الجهة الخلفية للعربة . "

كان الجواد القصير القامة صغير السن، غير أنه نحيل، وبقوائم متمددة ومبسوطة، وأذنين مثلٌمتين . وعندما وقف القروي السائق وضربه  بسوطه المفتول،  لم تهتز للضربة إلا رأسه . وحين عمد الى تعنيفه بشدة عبر ضربة ثانية، تأوٌهت العرية وأنٌت، وشملها ارتجاف هلع وخوف، لكأنها ترتعد من الحمى . في الضربة الثالثة، تأرجحت العربة واهتزت . وفي الرابعة، تحركت قليلا، ثم شرعت تتقدم الى الامام ببطء شديد .

- " هل هكذا سيكون عليه الامر على طول الطريق ؟ " سأل المسٌاح وهو مصدوم بشدة، مندهشا من براعة سائقي العربات الروس في المزج ما بين سرعة السلحفاة البطيئة واللطيفة، وبين الضربات القاسية والموجعة للجياد .

لكن السائق هبٌ يسترضيه، ويهدئ من روعه قائلا :  " سوف لن نلبث  أن نصل الى هناك . ذلك إن الفرس الصغيرة لا تزال في مقتبل العمر، وهي نشيطة وخفيفة الحركة . وتحتاج، وحسب، لبعض الوقت لكي تأخذ انطلاقتها . بعد ذلك، لا شيء البتة يوقفها ... استيقظي، أيتها العفريتة . " 

ثم إنهما غادرا المحطة في الغسق .  وامتدت حيال البصر الى اليمين، باردة ومظلمة، سهول فسيحة الأطراف، لا تبدو لها نهاية، لحد ما يتبدى للعابرين بأن ما بعدها لا يمكن أن يكون، بكل اليقين، إلا الطرف النهائي لما خفي من العدم . وتوهج الغروب في ذلك اليوم الخريفي المقرور، لحظة بعد لحظة، ومكثت شفرته تذوب وتتلاشى، شيئا فشيئا، في حضن السماء . وإلى اليسار، على جبين الأضواء الخابية للنهار، انبجست سلسلة من الروابي يحسبها الناظر، مع التضاؤل التدريجي للرؤية، إما أشجارا باسقة، وإما آخر ما تبقى من أكوام التبن المرصوصة في الخلاء . لم يكن بمقدور المسٌاح تحديد المواقع الموالية لشدة انكساف المشهد، حيث وقف السائق بظهره الغليظ والعريض حائلا دون النظر .

- " يا له من مكان مقفر . " قال المساح في نفسه وهو يحاول تغطية أذنيه بياقة المعطف . " لا كوخ ولا دار. لو تهاجمنا اللصوص في هذا الخلاء المهجور، فلن يعلم أحد بأمرنا، حتى لو كنا نضرب بالمدافع . وهاك أيضا هذا السائق غير الجدير بالثقة والأمان . يا لظهره الموحي بالشر والرعب [ ... ] وله خطم يخرق العين بالبشاعة  كأنه حيوان مفترس . " وهبٌ يسأله :

- " انظر اليٌ هاهنا، أيها الصديق . ما اسمك ؟ "

- " اسمي ؟  " كليم " . "

- " حسناً، يا كليم . ما قولك بشأن هذا المكان المهجور . أليس في الامر ما يمكن أن يثير المخاوف من الخطر . لا أحد هاهنا يعتاد أن يلعب أو يمزح . هل تراهم يفعلون ؟

- " أوه . الله يحفظنا . كلا . من يكون هذا الذي سيتجرأ على اللعب والمزاح ؟

- " هذا صحيح  . لكن، وفي كل الأحوال،  فأنا أحمل معي ثلاث مسدسات – كان المسٌاح يكذب - . وأنت تعلم علم اليقين،  أنه من الرعونة تماما  محاولة الهزل مع المسدس .  ذلك لأن مسدسا واحدا  ليعتبر طامة محققة  في وجه حتى عشرة لصوص . "

وكان أن جثم الليل بكلكله على الكون . وفجأة، صرٌت العربة صريرا، ثم أنٌت وتأوٌهت وارتعدت، ثم إذا بها تنعطف في اتجاه اليسار، انعطافا بدا ضداً على مشيئتها .     

  حينها، تقاطرت الأفكار في ذهن المسٌاح : " الى أين يتجه بي الآن ؟ لقد كانت الطريق مستقيمة، وها هو في هذه اللحظة يدور صوب اليسار. أخشى أن يكون الوغد قد اعتزم إخراجي عن الطريق للانفراد بي في هذه الاجمات المنعزلة . ومن المعلوم أن أمورا مثل هذه عادة ما تحصل . " وإذا به يسأل السائق :

-" اسمع . أولم تقل لي بألا وجود للأخطار في هذه الأماكن . حسناً . فيا له من أمر يثير الشفقة والرثاء . ذلك لأنني أهوى المصارعة والعراك مع اللصوص . صحيح، أنا رجل قصير القامة، متوعك الصحة في عين الناظرين، لكنني أملك قوة ذئب هائج . ذات مرة، هاجمني ثلاثة لصوص . ماذا تتصور أنني فعلت ؟ لقد صدمت اللص الأول صدمة خرٌ على إثرها صريعا قتيلا . أما اللصان الآخران، فقد أرسلتهما الى " سيبيريا " للأشغال الشاقة هناك . إنني لا أستطيع أن أعرف من أين تأتيني هذه القوة المرعبة . فقد أمسك بوغد حقير مثلك بيد واحدة، ثم أسلخه سلخاً، وأقشره تقشيراً . "

التفت كليم حواليه، وألقى على مسٌاح الأراضي نظرات عميقة ساحت في مختلف قسمات وجهه من الدهشة والرعب . ثم إنه وجه ضربة للفرس الصغيرة .

وعاد المساح مستأنفا كلامه :

-" أجل يا صديقي . كان الله في عون اللص الذي يسقط في قبضتي . ليس فقط لأني سأتركه بلا يدين وبلا رجلين، ولكن لأنه، فضلا عن ذلك، سيجد نفسه في المحكمة ليقدم الأجوبة عن كل الجرائم التي اقترفها . وذلك حين يتواجه مع قضاة ومحامين من أصحابي وأصدقائي المقربين . فأنا موظف في الحكومة . موظف سام جدا . وعندما أكون مسافرا، مثلما تراني الآن، فإن الحكومة تكون على علم بسفري، وتتخذ كل الإجراءات حرصا منها على سلامتي، وتتابع عن كثب  تحركاتي حتى تتأكد من أن أحدا لا ينوي بي غدرا أو سوءا . اعلم أنه يوجد في هذه اللحظة ضباط شرطة ورجال بوليس يختبئون في هذه الادغال والاجمات المحيطة بنا على طول الطريق . "

وفجأة، صرخ هادرا في وجه السائق :

-" قف . قف . إلى أين أنت ذاهب ؟ إلى أي مكان تريد أن تحملني ؟ "

-" ألست ترى بأم عينيك ؟ نحن في الغابة . "

قال المسٌاح في نفسه :

- " اذن، فالأمر كذلك ... الرعب يداهمني . لا يلزم أن يظهر عليٌ ما يمور في نفسي من المشاعر . لقد تبين له أني خائف منه .  ما الذي يجعله يلتفت للنظر اليٌ مرة بعد مرة ؟  لا بد أنه بصدد التفكير في القيام بأمر جلل .  كنا في بداية الطريق نتقدم بشق النفس .  وها نحن الآن نكاد نطير من السرعة . "  ثم إنه بادر بالسؤال :

- " اسمع يا كليم . لماذا تحث جوادك على كل هذا الاستعجال ؟ "

- " إنني لست من يحثها على الإسراع . هي التي تجري، بكل طواعية، ومن دون أي ضغط . وهي، كلما انطلقت في العدو، لا شيء يمكن أن يوقفها . هي نفسها تشعر بالاسى لأن قوائمها خلقت هكذا، على هذا النحو . "

- " كذبة بائنة، أيها الصديق . أنا متأكد من أنها كذبة . وإني أنصحك بأن تخفض من كل هذه السرعة . اكبح زمام جوادك، هل تسمعني ؟ اكبح زمام الجواد . "

-" ولماذا ؟ "

- " لأنٌ ...لأنٌ أربعة من أصدقائي قادمون في أعقابي منذ خروجنا من المحطة . وإني أرغب في أن يلحقوا بي . لقد وعدوني بأن يلحقوني في هذه الغابة . وسيكون من اللطافة أن أسافر بصحبتهم . فهم رجال أقوياء، وأصحاب أشداء، وكل واحد منهم يحمل معه مسدسا . لماذا تتلفت هكذا في كل الاتجاهات من حولك ؟ ولماذا تتواصل قفزاتك في مكانك كأنك جالس على المسامير ؟ إيه . أنظر الى هنا . ليس ثمة شيء يخصني يستأهل النظر اليه . لا شيء في شخصي يستحق الاهتمام، في آخر المطاف . إلا إذا كان المقصود هو مسدساتي . هاهنا، إذا كنت ترغب أن ترى مسدساتي، أخرجتها لتراها بأم عينيك .  فلتدعني أخرجها . "

وشرع المسٌاح يتظاهر بالبحث في جيوبه بغرض إبراز مسدساته المزعومة . في هذه اللحظة بالذات، وقع ما لم تكن حتى أسوأ المخاوف التي اجتاحته منذ بداية الرحلة لتتوقع حدوثه . لقد قذف السائق بنفسه الى خارج العربة، ولاذ بالفرار وهو يحبو حبوا عبر أطراف الغابة . وكان يصرخ :

- " النجدة .. النجدة ..الملعون أخذ الجواد، وأخذ العربة .. أنقذوني من الموت .. النجدة .. "

كانت أصداء خطواته المتسارعة من الهلع قد شرعت تتوقف بالتدريج عن الوصول الى مسامع المساح . وسرت في الجو خشخشة أوراق الشجر الجافة تبعث بحفيفها المتلاشي على إيقاع الاقدام الهاربة . ثم، همد كل شيء همودا مطبقا . وعم الصمت، واستقر السكون .

ولما تبين للمساح أن المصيبة المحققة  قد استحكمت، كان أول شيء قام به هو إيقاف الجواد .  وعندما تم له ذلك، راح يوسع لنفسه داخل العربة ليتخذ مكانا مريحا . حينها فقط، شرع يتأمل ويفكر ويفحص في الذي جرى .

" هكذا، إذن، يستسلم للخوف، وينسل هاربا . الاحمق . حسناً . ما ذا يلزمني أن أفعله الآن ؟ فأنا ليست لي معرفة بالطريق . وبالتالي، ليس باستطاعتي أن أواصل السير وحدي . ومهما يحدث، فإني إذا استأنفت الرحلة وحيدا، فقد يظهر الامر كما لو أني قمت بسرقة الجواد . ماذا، إذن،  يلزمني أن أفعل ؟ كليم ... كليم .."

وتردد من حوله الصدى : " كليم .. كليم .. "

وعندما انتبه الى أنه من المحتمل أن يقضي الليل بكامله وحيدا في قلب هذه الغابة الكالحة الظلمة،  يتردد في مسمعه الصدى، وعويل الذئاب، وشخير الفرس العجفاء، تملكته قشعريرة كاسحة انكمشت لها أوصاله من الفزع والخوف .

وشرع يصيح بأعلى صوته :

 " كليم .. يا حبيبي كليم .. يا أيها الفتى الرائع .. كليم .. يا طيب .. و يا رائع .. أين أنت الأن ؟ "

وتواصلت نداءاته للسائق على طول ساعتين كاملتين . وحين أوشك صوته على البحاح من المناداة . وحين أذعن لحقيقة مبيته المؤكد في جنح ظلام الغابة، ترامت الى سمعه نسمات رقيقة مشمولة بأصداء همهمة وأنين .

-" كليم .. هل هو أنت، أيها الفتى الطيب ؟ تعال يا عزيزي كليم . هيا، دعنا نستأنف طريقنا . "

-" أنت... أنت تريد أن تقتلني .. "

-" ولماذا سأقتلك يا عزيزي كليم ؟ كنت أمزح فحسب، أيها الفتى الطيب . قسماً بشرفي أني كنت أمزح . أنت ظننت أني أحمل معي مسدسات . لقد اختلقت هذه الكذبة لشدة ما كنت خائفا. دعنا، الآن، نواصل طريقنا . فقد تجمدت أطرافي من البرد والصقيع . "

واعتبر كليم أن الامر لو كان حقا يتعلق بسرقة، لكان الرجل قد وصل، وهو هارب بالعربة وبالجواد، الى مكان بعيد . ثم إنه خرج من الغابة، وكر راجعا وهو يقترب من العربة باحتراس وحذر .

قال له المساح :

-" ما الذي أرعبك، أيها المعتوه ؟ لقد كنت أمزح فحسب . وإذا بك تخاف مني . اصعد . "

وغمغم كليم وهو يهم بالصعود الى العربة :

-" يا سيدي و يا مولاي، لو كنت أعلم أن هذا الامر سيحدث، ما كنت أوافق على نقلك ولو بمائة روبل . لقد أفزعتني، لحد ما شارفت على الموت . "

وضرب كليم الفرس الصغيرة، فارتعدت  العربة وارتجفت .  وعالجها  بضربة ثانية، فتأرجحت العربة واهتزت . وفي الضربة الرابعة، وبينما كانت العربة تتقدم رويدا رويدا الى الامام، سحب مسٌاح الأراضي ياقة المعطف ليغطي أذنيه مستسلماً لنداء تأملات مداهمة . 

في تلك اللحظة فحسب، تأكد في يقينه بأن لا كليم ولا الطريق بإمكانهما أن يشكلا عليه أي مصدر للخطورة .

 

قصة قصيرة مترجمة

..............

Wordsworth Classics - Selected Stories : Anton Chekhov

www.wordsworth-editions.com

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: يانوش پيلينسكي

ترجمة: عامر كامل السامرّائي

***

بين شفاهكَ شكوى باهتة،

عزلة ترتجف،

تبحث عن سواحل مُقفِرة،

خاويةٌ كل أعضائك،

مختوم أنت كما العذاب،

خلف جبينك

فقط نُتفةٌ من بقايا صراخ

عزاءٌ أنت، لا أكثر!

**

لن يحميك عقوق كِياسَتِك،

ولن تتسع لك الحواشي الضيقة،

ترعى مجاميع النجوم

نزوة لا ضفاف لها

فوق قلبك الحائر: تقف

مذهولاً، وتبيح

أن تغمرك نجوماً متناثرات

بحِدَادٍ ثقيل.

***

جميل حسين الساعديشعر كريستيان شوبرت

ترجمة جميل حسين الساعدي

***

هنـــا قــدْ حلَّ أهــلُ الكبريـــــاءِ

مِن الأمــراءِ في هــذا العــــراءِ

 

نعوشــاً ضمّــها قبــرٌ وكانــــوا

هــمُ الأصنــام في دنيا الريـــاءِ

 

شُعـــاعاً مُفزعــأً ألقـى عليــــهِ

نهــــارٌ شاحبٌ واهــي الضياءِ

**

فها هُمْ هامــــدونَ هنــا رقــودٌ

زبانيــــةُ الأنـــامِ كما الحديـــدُ

 

فمـــا يبكــي لفقدهــمُ مُحـــــبٌّ

ولا يرثيهـــمُ حُزنــاً مُــــــريدُ

 

فُرادى في قبورٍ مـــن صخورٍ

وذلٍّ فـــاقَ مــا ذاقَ العبيـــــدُ

**

وجدرانٍ كجــدرانِ السجـــونِ

تطوّقهـــمْ وذا حكــمُ المنـــونِ

 

عتــــاةٌ لـمْ يحسّوا أو يخافــوا

وعيدَ الدينِ ينذرُ فــي يقيــــنِ

 

لقدْ حسبـوا كرامَ النــاسِ بُهْماً

تُســــخّرُ للمصالحِ كًــلَّ حِيـنِ

**

جماجمُ قد عجزنَ عنِ الجوابِ

ذوتْ نظراتُهــا تحتَ التــرابِ

 

هنــا انظفأتْ وكانتْ في تعالٍ

تلّوحُ بالوعيــــدِ وبالعقـــــابِ

 

لِمنْ هوَ دونها وتشيعُ رعبـــاً

بإيماءاتهــا مِنْ كـلِّ بـــــــابِ

 

فإيماءاتُها للنــاسِ تعنـــــــــي

حياةً أو مماتــــاً فـي عـــذابِ

**

وثمّـةَ في الترابِ يدٌ لواها ألْـ

تعفّــــنُ فانحنتْ نحــوَ العظامِ

 

وكمْ مِنْ قبلُ قدْ آذتْ حكيمـــاً

إلى العرشِ اشتكى ظلمَ الطغامِ

 

ببضعةِ أحرفٍ خُطّـتْ رمتــهُ

بأغلالٍ غـــــلاظٍ فــي الظلامِ

**

وصدرٌ قد تحوّلَ ساقَ ميْـتٍ

وكــانَ يلفّـــهُ ثوبٌ مُـذهّـــبْ

 

عليهِ نجمــــةٌ قــدْ زيّنتـــــــهُ

ونيشـانٌ علـى دنــس ٍمُركّبْ

 

كأنّهمـــا إذا لاحــــا لعيـــــنٍ

من اللمعـانِ أشبهَ بالمُـذنّبْ (1)

***

 

..........................

* كريستيان فريدريك دانيال شوبرت شاعر وعازف ومؤلف موسيقي وصحفي ألماني، ولد في. 24.03.1739 في أوبرسونتهايم وتوفي في 10.10.1791 في شتوتغارت عن عمر يناهز الثانية والخمسين، ويعتبر احد الاسماء المهمة في الحركة الادبية المسمّاة ب( العاصفة والإندفاع)، التي بدا كل من غوتة وشيللر نشاطه الأدبي فيها، وأهم ما تدعو إليه هذه الحركة هو العودة إلى الطبيعة بدلا من الحضارة، والأصالة بدلا من التقليد، والدين بدلا من السخرية والعاطفة بدلا من العادات الرسمية . لم ينشر الشاعر في حياته سوى ثلاث قصائد وهذه واحدة منها، وقد أحدثت وقتها دويّا في الأوساط الثقافية والأدبيه، لما تضمّنته من نقدٍ لاذع للأمراء الذين يحكمون ألمانيا، وكان الشاعر شيللر يحملها معه أينما ذهب مكتوبة على قصاصات ورقية وقد ألهمته هذه القصيدة مضافا إليها أفكار عصر التنوير كتابة مسرحيته الشعرية الشهيرة (اللصوص)، التي جسّدت الرفض المطلق للسلطة المطلقة، والنزوع تحو الحرية ألإنسانية من الإضطهاد والظلم الإجتماعي.

وأحبّ أن أنوّه إلى أنّ القصيدة طويلة وقد وقع أختياري على هذه المقاطع التي أراها معبرة عن روح القصيدة ككل.

(1) المذنّب: هو جسم جليدي، حين يدخل في مجال جاذبية الشمس، تزداد حرارتهُ ممّا يسبب انصهار القطع الجليدية، فيصبح ذيلاً برّاقاً يزداد كلّما طولهُ اقتربَ من الشمس.

..................................

 

Fürstengruft

Christian Friedrich Daniel Schubart

**

Da liegen sie, die stolzen Fürstentrümmer,

Ehmals die Götzen ihrer Welt!

Da liegen sie, vom fürchterlichen Schimmer

Des blassen Tags erhellt!

Sie liegen nun, den eisern schlaf zu schlafen,

Die Menschengeißeln, unbetraurt!

Im Felsengrab, verächtlicher als Sklaven,

In kerker eingemauert.

Sie, die im ehrnen busen niemals fühlten

Die schrecken der Religion

Und gottgeschaffene, beßre menschen hielten

Für Vieh, bestimmt zur Fron;

Da liegen Schädel mit verloschnen Blicken,

Die ehmals hoch herabgedrot,

der Menschheit Schrecken!- Denn an ihrem nicken

Hing Leben oder Tod.

Nun ist die Hand herabgefault zum Knochen,

Die oft mit kaltem Federzug

Den Weisen, der am Thron zu laut gesprochen,

In harte Fesseln schlug.

Zum Totenbein ist nun die Brust geworden,

Einst eingehüllt in Goldgewand,

Daran ein Stern und ein entweihter Orden

Wie zween Kometen stand.

 

ضياء نافعقصيدة للشاعرة آنّا أخماتوفا

ترجمها عن الروسية أ. د. ضياء نافع

***

تلك النيران

كانت

تبدو لي،

وكأنها تتطاير حتى الفجر

من اجلي،

ولم أفهم أنا

هل تلك النيران

عيون غريبة كانت

أم ألوان ...

**

وكان

الجميع حولي

يثرثرون

ويثرثرون،

ولم أعرف أنا

حتى الآن،

عدو أم صديق كنت

أنت،

ولم اعرف لحد الان

شتاء أم صيف  كان ..

 

......................

نشرت الشاعرة الروسية الكبيرة آنّا أخماتوفا ( 1889 – 1966) هذه القصيدة العام 1959، ولازالت هذه القصيدة تثير مختلف تعليقات القراء، وقد كتبت احدى القارئات الروسيات مرة تقول – (لو كنت انا الشاعرة أخماتوفا لاسميت هذه القصيدة – تلك النيران ..).

 

محمد صالح الغريسيشعر : لويز آكرمان

تعريب : محمد الصالح الغريسي

***

في قمّة انتشائك بكبرياء لا يعرف الحدودـ

مبهورا ببريق عقلك الضيّق،

صرخت أيّها الإنسان فيّ: » استريحي أيَّتُهَا الطّبيعة !

انتهى عملك: ها أنا قد  وُلدت « !

ما الأمر ! أ عندما تكون المساحة والزّمن في صالحها،

عندما تكون المادّة متوفّرة في متناول أناملها الخلاّقةـ

سوف تتوقّف، العاملة الخالدة،

و هي في نشوة كدّها؟

أأنت من ستكونين حدودي الأخيرة؟

إنّ الذرّة الإنسانيّة يمكنها مستقبلا، أن تعيق انطلاقي؟  

**

لأجل هذه المآسي المختصرة

 سيمتدّ جهدي المتواصل؟

 

لا، لست أنت هدفي، لا، لست حدّي،

و ها أنا أفكّر في خلقك، كي أجتازك؛

أنا لم آت من أعماق الأبديّة المملّة.   

فقط لأتوصّل في النّهاية إلى عدمك.

**

أفلا تراني إذن، أنجز بيدي هذا الكمّ الهائل من الأعمال

 دون عناء ولا فتور؟

أندفع بآمالي وأحلامي،

أسلك ألف طريق، إلى أجل غير مسمى،

أنادي متأنّية تارة، ومتعجّلة تارة أخرى،

أواصل، حتّى في منعرجاتي،

تصميمي على الشّكل، على الحياة، وحتّى على التّفكير،

المادة المبعثرة في صدري؟

آخذ نَفَسِي !  إنّها صرختي الّتي لا مناص منها،

و الّتي لا أستطيع مقاومتها.

كي أخلق الكون، لم يكن بوسعي إلاّ أن ألقيه؛

فتحزن لذلك الذرّة في مدارها غير المرئيّ،

فما يكون من الكوكب إلاّ أن يأخذ في الانجذاب.

**

الحركة الأبديّة، ليست سوى اندفاع الأشياء

نحو المثاليّ المقدّس الّذي يتراءى لرغباتي؛

فأتبعه دون أن أمسك به،

في خطّ السّير التّصاعديّ لمراحل تشكّلي؛

أطلبه من السّماء، من موجة الصّوت، من الهواء الّذي لا تمسكه الأصابع،

من العناصر المشوّشة، من الشّموس اللامعة؛

فإن أفلت منّي أو قاوم نهمي للعناق، فسآخذه من يَدَيِ الزّمن.

**

حين تتراكم عندي المواليد والجنائز،

حين أنشئ أو أحطّم بضراوة،

فما الّذي أفعله غير إعداد رحمي لهذه الولادة العظيمة؟

**

النقطة الّتي تتوقّف عندها خطواتي، هي الّتي تتوقّف عندها أعمالي!

 أعيد الكرّة دائما، ودائما أنطلق من جديد.

لكنّي لا أتوقّف عن الإنجاب، ولا أفتر.

من أجل متعة الإبادة.

**

لقد مارست دور الأمّ السيئة منذ زمن طويل.

لقد وأدت الكثير، وأعدمت الكثير، أنا الأم الّتي في واقع الأمر، تحبّ بلا حدود

طفلا واحدا لم ير النّور.

**

متى يتسنّى لي في النّهاية وأنا مضطربة ومرتعشة،

 أن أفتح ذراعيّ بجنون لابن،

 هو واحد من أمانيّ الّتي طالما انتظرتها

بعد أعمال كثيرة ، وتجارب عديدة كلّلت بالجحود؟

**

من زمن بعيد، وبثقة عالية!

حملت بهذا الابن، كنت أحسّ به وهو يتحرّك بين جنبيّ.

والحبّ الخامد في داخلي، الحبّ الّذي كنت أكبته،

لم يكن ينتظر سواه لكي ينفجر.

**

فليظهر إلى وضح النّهار، والمربّية تهذي،

سأترك نظراته تخترق ثَدْيِي.

- لكنّ وشاحا يحجبك.

فأجدني، للأسف ! أمزّقه:

أن أكتشف نفسي، يعني أنّني أستسلم.

**

 ها هو ذا يضع قوانين العبوديّة، وها هي المفاجأة قد بدت في عينيه،

و قَدْ أَذْعَنَتِ الْقُوَّةُ.

في النّهاية، بصوته وعن طواعية منه.

سوف تبوح منابع الحياة بموجتها المقدّسة، ، وقد تمّ اكتشافها ،

**

إنّه ليفلت منك في اندفاعه الرّائع، يا أيّتها المادّة!

و لا بدّ ليده أن تقطع حلقات البرونز !

و لسوف أرى كائنا حرّا ذا سيادة، يحلّق في ضيائه.

**

أين ستكون وقتها، أنت يا أيّها الكائن يا من ولدت للتوّ،

أو من سيولد لاحقا، يا أيّها الجمهور.. يا أيّها السّرب الّذي

يصاب فجأة بدوار الوجود، فاخرجوا من رحمي جماعات؟

**

سوف تختلط عليكم العصور وتلفّكم في الموت.. في النّسيان؛

تحت أمواجها المظلمة،

و قد صَنَعَتْ لِلْأَجْنَاسِ القادمة مَهْدًا،

من أوحالكم المتكدّسة.

**

أنتَ بالذّات، يا من تعتقد أنَّك العرش،

 وأنّك ذروة الْمَعْلَمِ الإلهيّ الّذي لم يكتمل أبدا،

الإنسان الّذي لم يكن في الحقيقة، سوى تصميم غير كامل

لتحفة حَلْمْتُ بِهَا،

**

كان لا بدّ لك أنت أيضا، أن تموت في ساعتك المحدّدة.

للأسف ! لطالما اغتاظ كبرياؤك وتألّم،

و سوف لن تكونَ في يديَّ الخلاّقتين، سوي طين

ليعجن من جديد.

***

لويز آكرمان 

.................................

 

La nature à l'homme

Louise Ackermann (1813-1890(

Recueil : Poésies philosophiques (1871(.

***

Dans tout l'enivrement d'un orgueil sans mesure,

Ébloui des lueurs de ton esprit borné,

Homme, tu m'as crié : « Repose-toi, Nature !

Ton œuvre est close : je suis né ! »

**

Quoi ! lorsqu'elle a l'espace et le temps devant elle,

Quand la matière est là sous son doigt créateur,

Elle s'arrêterait, l'ouvrière immortelle,

Dans l'ivresse de son labeur ?

**

Et c'est toi qui serais mes limites dernières ?

L'atome humain pourrait entraver mon essor ?

C'est à cet abrégé de toutes les misères

Qu'aurait tendu mon long effort ?

**

Non, tu n'es pas mon but, non, tu n'es pas ma borne

À te franchir déjà je songe en te créant ;

Je ne viens pas du fond de l'éternité morne.

Pour n'aboutir qu'à ton néant.

**

Ne me vois-tu donc pas, sans fatigue et sans trêve,

Remplir l'immensité des œuvres de mes mains ?

Vers un terme inconnu, mon espoir et mon rêve,

M'élancer par mille chemins,

 

Appelant, tour à tour patiente ou pressée,

Et jusqu'en mes écarts poursuivant mon dessein,

À la forme, à la vie et même à la pensée

La matière éparse en mon sein ?

**

J'aspire ! C'est mon cri, fatal, irrésistible.

Pour créer l'univers je n'eus qu'à le jeter ;

L'atome s'en émut dans sa sphère invisible,

L'astre se mit à graviter.

**

L'éternel mouvement n'est que l'élan des choses

Vers l'idéal sacré qu'entrevoit mon désir ;

Dans le cours ascendant de mes métamorphoses

Je le poursuis sans le saisir ;

**

Je le demande aux cieux, à l'onde, à l'air fluide,

Aux éléments confus, aux soleils éclatants ;

S'il m'échappe ou résiste à mon étreinte avide,

Je le prendrai des mains du Temps.

**

Quand j'entasse à la fois naissances, funérailles,

Quand je crée ou détruis avec acharnement,

Que fais-je donc, sinon préparer mes entrailles

Pour ce suprême enfantement ?

**

Point d'arrêt à mes pas, point de trêve à ma tâche !

Toujours recommencer et toujours repartir.

Mais je n'engendre pas sans fin et sans relâche

Pour le plaisir d'anéantir.

**

J'ai déjà trop longtemps fait œuvre de marâtre,

J'ai trop enseveli, j'ai trop exterminé,

Moi qui ne suis au fond que la mère idolâtre

D'un seul enfant qui n'est pas né.

**

Quand donc pourrai-je enfin, émue et palpitante,

Après tant de travaux et tant d'essais ingrats,

À ce fils de mes vœux et de ma longue attente

Ouvrir éperdument les bras ?

**

De toute éternité, certitude sublime !

Il est conçu ; mes flancs l'ont senti s'agiter.

L'amour qui couve en moi, l'amour que je comprime

N'attend que Lui pour éclater.

**

Qu'il apparaisse au jour, et, nourrice en délire,

Je laisse dans mon sein ses regards pénétrer.

— Mais un voile te cache. — Eh bien ! je le déchire:

Me découvrir c'est me livrer.

**

Surprise dans ses jeux, la Force est asservie.

Il met les Lois au joug. À sa voix, à son gré,

Découvertes enfin, les sources de la Vie

Vont épancher leur flot sacré.

**

Dans son élan superbe il t'échappe, ô Matière !

Fatalité, sa main rompt tes anneaux d'airain !

Et je verrai planer dans sa propre lumière

Un être libre et souverain.

**

Où serez-vous alors, vous qui venez de naître,

Ou qui naîtrez encore, ô multitude, essaim,

Qui, saisis tout à coup du vertige de l'être,

Sortiez en foule de mon sein ?

**

Dans la mort, dans l'oubli. Sous leurs vagues obscures

Les âges vous auront confondus et roulés,

Ayant fait un berceau pour les races futures

De vos limons accumulés.

**

Toi-même qui te crois la couronne et le faîte

Du monument divin qui n'est point achevé,

Homme, qui n'es au fond que l'ébauche imparfaite

Du chef-d'œuvre que j'ai rêvé,

**

À ton tour, à ton heure, il faut que tu périsses.

Ah ! ton orgueil a beau s'indigner et souffrir,

Tu ne seras jamais dans mes mains créatrices

Que de l'argile à repétrir.

Louise Ackermann.

***

 

عادل صالح الزبيديبقلم: دون بيترسن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

الجرذ

كتب شاب قصيدة عن جرذ.

كانت أفضل قصيدة كتبت عن جرذ على الإطلاق.

لتقرأها عليك ان تطلب من الجرذ ان يجثم

على ذراع كرسيك حتى تقلب الصفحة.

لذا كتبنا اليه، لكننا لم نسمع شيئا؛

نادينا، ونادينا مرة أخرى؛ ثم أخيرا أبحرنا

الى الجزيرة التي كان يملك المتجر الوحيد فيها

وقرعنا بابه حتى فتحه. أخذنا قصائده.

كانت أيدينا ترتجف من الإثارة.

قرأناها جالسين على صناديق خفيفة،

تحت مصابيح كبيرة.  لم تكن جيدة جدا.

لذا أسدينا بعد ذلك ما نستطيعه من نصائح

حول  مجازاته وصياغاته، أسلوبه العروضي،

عن إقرانه الكلمة بالحدث، واقترحنا عليه ان يقرأ هذا او يقرأ ذاك.

قلنا: "والآن، اكتب لنا مزيدا من القصائد مثل الجرذ."

كل الذي حصلنا عليه منه وقاحة. ثم صمت.

يئسنا منه. منه ومن عجرفته الفجة

وجحوده وضربته الواحدة التي حالفها الحظ.

لكن اليوم قرأت "الجرذ" مرة أخرى. دخانها دل عليها؛

ثم رأيت نظرتها المحدقة اللعينة؛

بيتا اثر بيت تمطت حتى تلاشت في الهواء.

ثم أطلقت فحيحا. "رغم كل المهارة والحذق

لم تكتبني أيها المغفل. ولن تكتبني أبدا."

 

....................

دون بيترسن:  شاعر وموسيقي اسكتلندي من مواليد مدينة دندي لعام 1963. نشر اول مجموعة شعرية له في عام 1993 تحت عنوان (صفر صفر) استقبلت بحفاوة كبيرة وفازت بجائزة فوروورد. كما فازت مجموعته الثانية المعنونة (هبة الرب للنساء) 1997 بجائزة ت. س. اليوت وجائزة جفري فيبر التذكارية. يعمل بيترسن استاذا للأدب الانكليزي في جامعة سنت اندروز ويواصل عمله محررا للشعر في دار نشر بيكادور اللندنية  منذ العام 1997 فضلا عن احترافه الموسيقى كعازف جاز بارع.

القصيدة التي نترجمها هنا ضمتها مجموعته (ضوء الهبوط) الصادرة في عام 2003 والحائزة هي الأخرى على عدة جوائز مرموقة. يقول الشاعر عن قصيدته هذه ما يأتي: "اعتقد انني اعتبر ‘الجرذ‘ قصيدة ليست جيدة جدا عن قصيدة جيدة جدا. انها بالتأكيد القصيدة الوحيدة التي خرجت من جعبة عملي كمحرر، المهنة التي لابد انها أكثر المهن التي يمكن تخيلها لا شاعرية. ليس ثمة ما يقال عنها أكثر من ذلك – انها حول القصيدة حين تكون اكبر من الشاعر، وحول التواضع الذي ينبغي ان نتحلى به أمام القصيدة واللامبالاة تجاه الشاعر."

 

ضياء نافعقصيدة للشاعر فاليري تورغاي

جمهورية جوفاشيا في روسيا الاتحادية

ترجمها عن الروسية أ. د. ضياء نافع

***

العالم

يمكن ان يتغيّر

بقصيدة واحدة

لا أكثر،

قصيدة

تنبض بالايمان،

قصيدة

تتنفس هواء الحب،

قصيدة

تحمل انفاس الرب .

نعم،

العالم

يمكن ان يتغيّر

بقصيدة واحدة

لا أكثر.

***

 

......................

جمهورية جوباشيا تقع ضمن روسيا الاتحادية، وهي جمهورية ذات حكم ذاتي محاذية لجمهورية تتارستان  في روسيا، وعدد سكانها حوالي مليون وربع مليون نسمة، وعاصمتها مدينة جيبوكساري. القصيدة اعلاه منشورة في صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) الروسية بتاريخ 13 – 19 / نيسان / ابريل  للعام 2011

 

ضياء نافعقصيدة للشاعرة الروسية:

 آنّا أخماتوفا

ترجمها عن الروسية:

 أ. د. ضياء نافع

***


مجد الارض كالدخان،

وليس هذا مرامي.

وهبت الحب والحنان

لكل عشّاقي وخلّاني،

أحدهم الان

لازال حيّا

وعاشقا...

والثاني

أصبح برونزّيّا

في الساحة التي

تغمرها الثلوج .

1914

 

.......................

القصيدة في الاصل بلا عنوان ، وقد كتبتها أخماتوفا (1889 - 1966) عندما كان عمرها 25 سنة ، وربما تقصد في قصيدتها هذه (أحدهم لا زال حيّا ...) زوحها الشاعر غوميليوف ، التي كانت زوجته  آنذاك ، اذ انهما انفصلا العام 1918 (انظر مقالتنا بعنوان – غوميليوف الشاعر الروسي المخضرم ) ، اما الشخص الثاني فربما كانت تقصد بوشكين ، والتي كانت أخماتوفا عاشقة لشعره

طوال حياتها ...

ض.ن.

 

بهجت عباسترجمتان بلغتين: ألمانيّـة وإنگليـزية

 لقصيدة الشاعر يحيى السماوي:

 وصايا إينـانـا

ترجمة د.بهجت عباس

***

 

 

 

Deutsch

Inanas* Gebote 

Dichter: Yahia Al-Samawi

Übersetzer: Bahjat Abbas

***

Bevor mich Inana zu ihrem irdischen Paradies einführt,

Und mich als Wächter akzeptiert,

Wenn die Nacht des Schläfriges verdunkelt,

Und als einen Bauer im Garten ihres Tales,

Wenn der Morgen aufkommt,

**

Sagte sie: die liebe sei Schwüre.

Keine Liebe, wenn du den Schwur nicht behaltest,

Solange die Sonne schien,

Und die Abenddämmerung den Sternen gestattete.

**

Ich habe meine Lehren,

Die Gott empfahl

**

Sei kein Wolf an dem Reh

Kein Löwe an dem Schaf

Und keine Papiere,

Wenn das Feuer aufflammt.

**

Und sei kein Verkäufer der

Teuren Liebe mit Teller von Geilheit,

Wenn Du hungrig seiest.

**

Du seiest nicht von meinem Königreich,

Wenn du dich vor Segelvergnügung fürchtest.

Weil Angst vor Senkung.

**

Und du schaust weg an Dornen, die deine Rosen behüten,

Vom Gemein, der verderbt,

Wenn er die Liebenswürdigkeit erlangt.

**

Schüttele nicht die Hand mit dem Lügner, Paria

Und mit dem vollendeten Defekt.

Und mit schwachsinnigem Narr.

**

Und mit gemeiner Wurzel und Zweig

Denn Zweig kommt von der Wurzel

Wie fruchtet der Zweig der verdorbenen Wurzel

Weintrauben und Basilien?

**

Sei Peitsche auf dem Verleugner.

Und Tau auf der durstigen Rose.

Und wenn ein weg verdunkelt,

Sei Licht.

**

Sei die Krücke für Blinde

Und Puppe fürs Kind

Und Nest für die Vögel

Und Regen für die Wüste, wenn sie die

Hitze durstig machen würde.

**

Sei vorsichtig

Vor wem wegen des falschen Glanzes 

Die Ehre verliert,

Vor dem Schurke, der denkt,

Dass Trick und Schweinerei Gewandtheit sind.

**

Ein Kleid aus Lappen mit Ehre ist

Schöner als Seidenkleid

mit Demut.

**

Und ein Brotlaib vom Heu

mit Sinn von Ehre Ist mehr schmeckt

als Brot der Heuchelei .

 

………………………… 

Inana: Göttin des Himmels, des Regen und der Liebe in Sumerischer Mythologie.

 

English

Commandments of Inana*

Written by Yahia Al-Samawi

And translated by Bahjat Abbas

***

Before Inana introduces me to her earthly paradise,

And accepts me as a guard,

When the night for shelter darkens,

And as a farmer in the garden of her valley,

When the morning shines.

**

She said: love is oaths.

No love, if you do not keep the vow

As long as the sun was shining,

And dusk allowed the stars.

**

I have my teachings,

The god recommended

**

Do not be a wolf on the deer

No lion on the sheep

And no papers,

When the fire flares up.

**

And do not be a seller of

Dear love for a plate of lust,

When you are hungry.

**

You are not of my kingdom,

If you are afraid of sailing for pleasure.

For fear of drowning..

**

And you look away at thorns that keep your roses

Away from the rogue, who dissipates,

If he acquires kindness.

**

Do not shake hand with the liar, Pariah

And that with full defect.

And with foolish obscene vulgar.

**

And with a mean of bad root and branch.

Since branch comes from the root,

How does the branch of the rotten root fruit

Grapes and basil?

**

Be whip on the denier.

And dew on the thirsty rose..

And if a way darkened,

Be light.

**

Be the crutch for the blind,

And doll for the child,

And nest for the birds

And rain for the desert when the

Heat would make it thirsty.

**

Be careful

From the face loser because of false glimmer,

And a rogue, who thinks that

The trick and vileness are agility.

**

A dress made of rags with pride is

Nicer than a silk dress

with humility.

**

And a loaf made from hay

For self-pride one is tastier

than a bread of hypocrisy.

 

.......................................

Inana: goddess of heaven, rain and love in Sumerian mythology

..........................

 

وصايا إينانا*

للشاعر يحيى السّماوي

***

قبل أن تُدخِلـني فردوسَها الأرضيَّ  إينانا

وترضى بيَ ناطوراً إذا عَسْعَـسَ ليلُ الخِدرِ

والفلاحَ في بستانِ واديها

إذا الصبحُ ائتـلـقْ

**

قالتِ العشقُ مواثيقُ

فلا عشقٌ إذا لمْ تحفظِ الميثاقَ

ما أشرقتِ الشمسُ

وما آذَن بالنجمِ الغَسَقْ

**

ليْ تعاليمي التي أوصى بها

ربُّ الفلقْ

**

لا تكنْ

ذئباً على الظبيةِ والظبيِ

ولا سَبعاً على الشاةِ

ولا إنْ شبَّتِ النارُ

وَرَقْ

**

ومُبيعاً

ذهَبَ العشقِ إذا جُعتَ

بصحنٍ منْ شَبَقْ

**

لستَ منْ مملكتي

إنْ كنتَ تخشى متعةَ الإبحارِ

خوفاً منْ غَرَقْ

**

وتغضَّ الطّرفَ عنْ شوكٍ يقي وردَكَ

منْ مُبتَذَلٍ إنْ "ظفرَ" الودَّ

فَسَقْ

**

لا تمُدّ اليدَ للآفِكِ والمنبوذ

والكاملِ نقصاً

وسفيهٍ ذي مجونٍ

وحَمَقْ

**

ولئيمِ الجذرِ والغصنِ

فإنَّ الغصنَ نسلُ الجذرِ..

هلْ يُثمِرُ غصنٌ

فاسدُ الجذرِ كروماً

وحَبَقْ؟**

**

كنْ على الجاحدِ

سوطاً..

وندىً للوردةِ العطشى..

وإنْ أظلمَ دربٌ

كنْ ألَقْ

**

وكُنِ العُكّازَ للمكفوفِ..

والدُّميةَ للطفلِ..

وعُشّاً للعصافيرِ..

وللصحراءِ إنْ أعطشَها القيظُ

وَدَقْ***

**

واحذرِ

المُرخِصَ ماءَ الوجهِ منْ أجلِ بريقٍ

زائفِ اللمْعِ

وَوَغْدٍ يحسَبُ الحِيلةَ واللؤمَ

حَذَقْ

**

إنَّ ثوباً منْ حرير الذلِّ

أبهى منهُ في العزِّ رداءٌ منْ

خِرَقْ

**

ورغيفَ التّبنِ

أشهى لأبيِّ النفسِ منْ

خبزِ المَلَقْ

 

...........................

* إينانا: إلهة السماء والمطر والحب في الأساطير السومرية

* الحَبق: بفح الحاء والباء: الريحان.*

*** الودق: المطر بنوعيه الشديد والهيّن.