صالح الرزوقبقلم: دافيد سواردلو

ترجمة: صالح الرزوق

إذا تشربنا الموت مثلما نفعل بالنور أوالمطر،

يا حبيبتي، الأشجار المحيطة بنا

لن تكون معنا إلى الأبد، اسمحي لي بالاقتراب

من الأعشاب وحدي لأنتظرك

هناك. وخذي وقتك لتأمل

السماء، وتلك الغيوم السوداء

والأجسام

الداعمة المتدحرجة عير الكون.

إذا تشربنا الموت كما نفعل بالنور أو المطر،

لن أتمكن من إرشادك كيف تهبطين على سفح التلة بشجاعة، وكيف تنظرين إلى

صفصافة أحببناها. لا يمكنني أن أخبرك كيف

نكون وحيدين، منشفتك البيضاء

لا تزال في يدك، وعصفور صغير راقد

على الحافة. كنت طفلا على هذه التلة

ودون إله، وأنا كنت من

تستمعين لأغنيته في غيبوبة النوم. أنا

الذي كنت وحيدا.

أينما نظرت، ستجدين

الأعشاش، ولكنها الآن غير ظاهرة، وأقداح

الظلام ترقد على الأغصان

وهذه أنت تفتشين مع بداية المساء

حينما بدأ  ينظر إلينا نظرته الأخيرة.

أنا هو من زرع الأشجار التي ستحضر لحظة موتنا.

وأبناؤنا سوف

يرتبون أجسامنا ويصغون لها، ونحن وللأبد ببن طيات الأرض،

نرتل ونترنم.

***

 

............................

دافيد سويردلو  David Swerdlow  أستاذ الأدب الإنكليزي الحديث في جامعة ويستمنستر الأمريكية في بنسلفانيا. له مجموعتان شعريتان هما (ثقوب صغيرة في الكون، 2003) و(أجسام على الأرض، 2010). ورواية عن إطلاق نار عشوائي في مدرسة أمريكية بعنوان “رجل التلفزيون”. صدرت عام 2019 عن دار جيكميت بروداكشن في كندا.

 

محمد صالح الغريسيشعر: آنّا آخماتوفا

تعريب: محمد الصالح الغريسي


حين تعانقني نسائم الإلهام الرّقيقة،

أجدني جسرا بين السّماء و الأرض،

لكل القلوب العامرة بقيم الابداع  السّامية

 فأجدني ملكا، حين أتنفّس شعرا

 

فقط  إذا تمنّت ذلك روحي، جنّيتي،

فسوف أمنحكم الشّريط السّاحليّ الآمن،

حيث يحمل  البحر الورديّ  بوشوشتة ، أمواج المدّ الحالمة لتبلغ أرض الأحلام.

 

أنا لا يعجزني شيء، فقط جرّبوني، فأنا رائع

أملك ةجذور الطّيبة و الحبّ،

فلو أردت، لصنعت من  الغيوم و البرق،

شرشفا بديعا يزيّن سريركم

 

و إنّي لقادر  يا عزيزتي، أن أبتدع  كلاما غاية في التّميّز

ممّا سيغيّر قوانين  العالم بأكمله،

لأقيم له  من جديد مهرجانا خاصّا به

ثمّ أمنع الشّمس من السّقوط  في زمهرير اللّيل.

 

أنا مُلْهَمٌ  من نوع  مختلف تماما،

أنا جسر  بين السّماء و الأرض،

لكل القلوب العامرة بقيم الإبداع  السّامية

أنا  ملك، حين أتنفّس شعرا.

 

آنّا آخماتوفا

...................

 

 

When I Write Poems

Poem by Anna Akhmatova

 

 When I'm embraced by airy inspiration,

I am a bridge between the sky and earth.

Of all what heart high-values in creation

I am a king, when breathing with a verse!

 

Just if my soul wishes it, my fairy,

I shall give you the peaceful coast band,

Where, with a hum, the pinky sea is carrying

The dreaming tide to reach the dreaming land.

 

I can do all, just trust in me: I'm mighty;

I have the roots for kindness and for love;

And if I want, from clouds and from the lightning

I'll make a cover your sweet bed above.

 

And I can, dear, create a word such special,

That it would change laws of the whole world,

To call again its own celebration

And stop the sun from fall in the night cold.

 

I'm all another in my inspiration,

I am a bridge between the sky and earth.

Of all what heart high-values in creation

I am a king, when breathing with a verse!

Anna Akhmatova

 

صالح الرزوقبقلم:  آن إنرايت

ترجمة صالح الرزوق


كان الرجل الذي في الزاوية مغطى بالطحين. معطفه أبيض، وحذاؤه أبيض وعلى رأسه قبعة ورق أبيض غير مستوية تماما. وحول فمه وأنفه علامات حمر بسبب تعرق الجلد حيث ارتدى القناع ليحمي نفسه من الغبار. وما تبقى كان جاهزا ليتحول إلى عجين لو غادر مكانه ووقف تحت المطر.

وكان برفقته زميله. وكانا معا يتأملانها وهي جالسة في طرف الغرفة الآخر ومعها كوب من بيرة غينيس وجريدة قديمة تركها أحدهم وراءه.

سأل الرجل الأبيض:"ما رأيك بها؟".

قال رفيقه:"لا يجدر بي أن أقترب منها ومعي كيس أقراص الخبز". كان الرجل أعسر. أو على الأقل يستعمل يده اليسرى ليحمل مكيال البيرة. وكان له وجه رقيق مثل وجوه مساء السبت. مشاكس. يمكن أن يكون لرجل مستعد لاختطاف بنت شابة ثم ينتهي به الأمر إلى مبارزة مع المغامر إيرل فلاين. لقد شاهدته وهو يختال بمشيته بثياب مخملية، ويقلب الطاولات ويقفز من الثريات،  ويقاتل دون سيف ولكن بكيس من القنب ومنه تسمع صوت قعقعة واحتكاك كأنها تنبئ بالسخط و الغضب. 

لا بد أن يجرحه إيرل فلاين جرحا بليغا وسينحني فوق بلعومه ليطعنه طعنة أخيرة وقاتلة، لكن يسقط كيس أصابع الحلوى، ويتدحرج على السلالم، ثم فوق البنت الشابة الجميلة ويجعلها تئن. وستفك البنت العقدة وتلقي محتويات الكيس.

قالت بذهنها:"يا لهذه اللغة الغريبة التي تتكلم بها". وكان على وجهها نصف ابتسامة. وهزت رأسها كما لو أن لغتها طبيعية. "طبيعي" بالعادة يعني ضمنا أمريكي. ولكن اعتادت أن تقول: أنا كندية. وربما كندا بلد مضجر جدا. ولكن من يفكر بالتاريخ وخبراته السابقة في ظل هذا الطقس المتقلب؟.

ليس عند الايرلنديين معاناة من الطقس باستثناء وقت التبدل المعتدل من الرطب بالضباب إلى المبلول بالمطر، وهم ينظرون للتاريخ كأنه أحداث تجري الآن وأمامنا. وكانا ينشدان لفترة طويلة أغنية وهما بجوعرقي يبعث على الكآبة. واعتقدا أنها إنسانة ضائعة من نفسها.

طبعا أنا رقيقة وضعيفة. فكرت هكذا. وأنتما ستكونان ضعيفين لو أن حياتكما محصورة في منطقة بمحطة وقود واحدة أمام البيت وبجانبها طبيعة تغطي نصف العالم. المشاهد المنبسطة تجعلني ضعيفة، والدببة التي تبحث في النفايات يمكن أن تتطفل على وحدتي، كما تفعل لسعات ذبابة الحصان، ولدغة الجليد، ولسان النار، والشمس القوية التي تشرق مثل قنبلة. السماء تسبب للإنسان الحيرة الشديدة- وهذه هي الطريقة المناسبة الوحيدة لتعيش وتكون موجودا.

استأجرت شقة في راثمينس حيث على ما يبدو لا يعيش غير السود وحيث تفتح الدكاكين طوال الليل. وكان البيت “قديما” لدرجة مقبولة، ولكن أزعجتها الجدران. كما أن الباب الذي يقود من غرفة النوم إلى الصالة كان بلا مفاصل. وأرعبها إطار الباب المفتوح كلما نامت، ليس لاحتمال ما يمكن أن يدخل منه، ولكن خشية أن تسقط من السرير وتنزلق من فراغ الباب إلى حيث لا تدري. (وفي الدوش كانت تغني 'كيف هي الأحوال في غلوكامورا؟' (1) و'عد يا بادي ريللي(2)، إلى باليجامسيدوف’(3)).

ورأت الرجل الأبيض بجوارها، وكان يطلب منها النظر في أوراقها، ثم جلس ليقرأها.

قال الرجل المسائي من وراء البار المهجور:"اذهب واسألها إن كانت تود أن تأتي".

"اسألها بنفسك".

"من أين أنت؟". قال رجل المساء وهو يحمل مكيالي بيرة ويقترب من طاولتها.

ثم قال وهو ينظر لبوطها الأبيض اللماع:"يا إلهي. لديك حذاء ممتاز. لا شك أنك اشتريته من مكان آخر".

قالت:"من كندا".

قال نصفه الشرير:"يمكنها الكلام. أخبرتك أنها تستطيع أن تتكلم".

وقال الرجل الأبيض:"لا لا يمكنك أن تصحبيه معك لأي مكان". ولكنها قررت أنها يجب أن تنام معه. لم لا؟. فقد مرت فترة طويلة بعد تجربتها في تورنتو.

سألته:"هل تريد شرابا؟".

وفاجأها الصمت الذي حل عليهما.

قال الرجل الأبيض:"أنا في حالة تقاعس. يعني أتهرب. أتملص من العمل. وعما قريب سيفصلونني منه". ويبدو أنها لم تفهم.

ففتح راحتيه مثل قديس ليريها بقايا العجين بين خطوط الحظ وقال:"انظري. انا أعمل هناك. في المخبز".

قالت:"حزرت ذلك. ويمكن أن أشم رائحة الخبز الطازج".

كتبت هذه القصة في رسالة لشريكتها في المسكن في تورنتو. وهي حول "قليل من الخشونة". أو عن جنس عنيف في زقاق من الطوب الأحمر. وتفاصيل عاطفية عن مسائل تتعلق بالثقافة وبجوانب متعددة من اساليب التعبير عن أنانيتنا المفرطة.  ولسوء الحظ لم يكن الرجل موضوع القصة  بثياب من الجلد. ورائحته ليست مثل مارلون براندو. بل هو نحيل جدا. ولغته مليئة بالأخطاء. ولم يكن يغطيه الزيت والعرق، وإنما العرق والطحين.

ويبدو أن الجنس المكبوت والساخط (أو العنيف) فاجأه. ونظرت لرجل ينزلق من أعلى الجدار نحو الأسفل ويداه على وجهه. وقد فقد قبعته الورقية. وكان هناك طحين أمامها تحت المطر.

قال لها:"لم أفعل ذلك من قبل”.

"حسنا ولا أنا".

"لم أفعل أي شيء مثله من قبل".

"آه. مسكين".

"ومفصول من عملي". ثم دعته إلى بيتها.

انتصاب. يا للسخرية. عمتي الكبيرة موراغ خرجت من تابوتها وهي في الطريق إلى المقبرة. لن أنسى ذلك ما حييت. لو سمعت الزعيق فقط. كان ابن عمتي شون يقود شاحنة صغيرة حينما بتبدل في ثقل ما يحمله. أصبح خفيفا. أو على الأقل يمكن أن تفترض أن هذا ما جرى، فهو لم يتكلم عن ذلك أبدا ولا يمكنك أن تتأكد. غير أنه كان حزينا لموتها ويمسك المقود بيد واحدة ويبكي ويكفكف دموعه بالثانية. وكان يقود رغم ذلك، ومؤخرته مغطاة بالغبار. أقسم أنني شاهدت موراغ تقف على قدميها كما لو أنها تقف على مفاصل وعتلات، كما لو أنها لوح خشبي من الأرض وارتفع ليضربك على وجهك. وصاحت "شون!. عد أدراجك!”. كنت بعمر ست سنوات، ومهما ادعوا أنني أكذب لا يمكنني أن أنكر ما حصل”.

رأت في سريرها رجلا رقيقا أبيض، وحينما نهض ليذهب إلى دورة المياه، اختفى في إطار الباب كما لو أنه خيط ضوء يمر من باب يغلق. لم يكونا مخمورين. وانتظر، لأنه لا يعرف ماذا يفعل غير ذلك. كان ضعيفا، مثل رجل أطلق سراحه من السجن، واصطدم بغريب في الشارع، وشعر بالامتنان لهذه الصدفة. نظر لغريمه، فتحركت القصص التي كانت تسكنها،  وأملت أنها وجدت مأواها الأخير والنهائي.

“وهكذا أخبرني تود عن هذه المرأة التي أغرم بها.لا عيب في ذلك، ولكن لماذا على الرجال أن يتخلوا عن كل ثيابهم قبل أن يخبروك عن المرأة التي يحبونها؟. وها نحن، نجلس على مقاعد بشكل U في مشرب للشاي، وأنا أقول:" من فضلك يا تود. لا عليك. لن يلحق بي مكروه. ومن فضلك ارتد ثيابك".

'ما الفرق الآن. يمكنني أن أنفق بقية حياتي معه، وأنا أمارس الجنس الممل. بصدق. هو يمارس الحب كما لو أنني فقمة، شيء ضخم وعجيب. وأنفقت نصف ساعة وأنا أربت بيده على طرف مؤخرتي اليسرى، تصرف لا يريحني كثيرا، المؤخرة أكثر أجزاء جسمي تبلدا وسقوطا بالأخطائ. ثم كأنني اندفعت نحوه، كما لو أنني زقاق في طريق المدرسة. ولم أكن متأكدة انه جاء، أو أن الصورة سقطت من الجدار.. فهو حب حقيقي'.

انتظر لليوم التالي ولكنها لم تذهب إلى المدرسة. وفتحت رجاجة نبيذ طيب وبدأت بتعليمه، ونسيا الطعام. وفتحا غطاء نافذة غرفة النوم زفاجأهما مذاق الهواء. كان رقيقا جدا ومس قلبها لكن كانت ضحكته عريضة.

'مررنا بمحاذاة هذه البركة، في الغابة، في وسط مكان مجهول. وكانت جافة، وقاعها من البلاط، وينمو العشب من بين التشققات. وكان هناك سلم معدني في الزاوية لا يفيد شيئا. وهكذا هبطنا وشعرنا كأننا تحت الماء. وكأننا نسبح في الهواء. ثم جاء هذا الشاب الأحمق، وقف على الحافة وقال إنه سيغوص. يا ربي. هل كنت مرعوبة. تخيلت رأسه ينكسر على الرخام. وبدأت أصيح حتى أغمي علي. الرجال يعتقدون دائما أنني عصابية وأفترض أن هذا صحيح”.

“هل أنت كذلك؟”.

“أفترض”.

كان ممتنا لذلك. مهما كان الأمر. بالمقارنة مع جسمها، كان ذهنها سهلا ويمكن فهمه. كانت هناك بقع نبيذ على الملاءات التي لف نفسه بها كأنه قيصر. وبدأ يغني، ويذرع الغرفة بخطواته، ويتأمل قدميه الحافيتين، ولم تكونا قبيحتين كالسابق. أما شفرة الحلاقة في حمامها فقد سببت له الهلع وسأل عن الرجال الذين مروا من هنا ولم يشاهدهمم. وهكذا مارست معه الحب عند المغسلة ونظر لوجهه في المرآة، كما لو أنه أعمى.

ولكن الجنس لم  يدهشه مثل الناس الذين يفعلون ذلك دائما ولا يفشون سرهم. لم يفعل شيئا باستثناء إطلاق ضحكات بلهاء. قال:”هم يفعلون هذا في الليل والنهار. ولا يعترفون. لو تجولت في الشارع ستعتقدين أنهم مختلفون. وتعتقدين أنهم يتعرفون على بعضهم بعضا ويتبادلون الابتسامات. مثل <أنا أعلم وأنت تعلمين>. إنه السر الذي يشترك به الجميع. باستثنائي”. 

وزاد إشراق النور. وسأل:”وماذا عن المرأة. كيف يبدو لها؟”.

قالت:”وأنى لي أن أعلم. أخبرني ماذا عن الرجال؟ أحيانا بعد فترة من الوقت يبدو الأمر كأن جسمك كله يرتعد من الشهيق والبكاء، حتى يمكن أن تقول كأن كبدك مغمور بالحزن من هنا وهنا. لكن هذا طيب المذاق  ليس مر الطعم.”.

“قلت أين بالضبط؟”.

وغمرته لمستها حتى ابتلت العظام واضطر أن يحرر نفسه، خشية أن يحصل شيء لم تخبرنا عنه. وهذا ما كان.

في اليوم التالي خابر رجل المساء الذي عبر عن دهشته بصوت مسموع من الطرف الآخر من الغرفة. طلب ثيابا من شقته ونظر إليها وضحك بينما الأسئلة تنسكب من الهاتف.

كان اسم رجل المساء جيم ودخل إلى بيتها بروح فكاهية وهو يعتذر. ولكن كيفن نهره برأسه قرابة مفاصل إطار الباب فطالب بثيابه. قال ل متهكما:” أيها المخصي” . ثم غادروا جميعا ليشربوا.

ولاحظت في الحانة جفنيه. كانت تختفي حينما ينظر إليها، فيبدو مقيتا ومتعجرفا. لم يكن بمقدورها أن تفهم معظم كلامهما وكانا يضحكان طوال الوقت. كان يرتدي بلوزة من النايلون، وسروالا من الجينز الرخيص وحذاء رديئا.

قال:”اعتقدت أن الصديق من نوع.. آه، ابن حرام مدهش”. وتكلم و“عينه تبرق بريقا موجعا. هل سمعت بحرف ب بالخط العريض. إنه بدائي. من النوع الذي يحب رؤية الدم على الملاءة أو أن تكون عروسه عاهرة. أعني... ما يلبي رضا المازوشيين. وكما نعلم جميعا، هذه هي طبيعة الحي الذي أعيش فيه مع أن الإيجار مرتفع. وأنا بحاجة لمزارع إيرلندي رومنسي بقلب طيب ولكن ابن حرام في نفس الوقت. وهكذا كان ينظر  إلينا على كل حال كأننا نرتكب خطيئة أو نتصرف بأخلاق كاثوليكية أيضا، وبدأت أتشاحن معه كل الوقت. قال:”وهل استمتعت بوقتك؟”. قلت له إن كيفن أفضل من يمارس الجنس في هذاالجانب من المحيط الأطلسي. يا غبي! أعرف ذلك!. وضحك كيفن وتحسنت ... مشاعري. ثم قلت:”ربما فاجأك؟”. قال:”أبدا. هذا ما يتناقلونه في شارع ليسون”، إنها طبيعة حياتهم في زقاق الإسراف بممارسة الحب. ضحكت وقلت: “يصعب أن تراه كأنه لم يفعلها من قبل”... ثم خيم الصمت.

ثم ذهبت إلى دورة المياه، وبعد عودتها، كان صديقه قد اختفى.

سألتها:“لماذا وقع اختيارك علي، ما دمت لا أعني لك شيئا؟. هذا ما تقولينه، أليس كذلك؟. كنت تقولين المفروض أن أنصرف”.

“لا تيأس. أنت إنسان عظيم!. وستجد عشيقة عظيمة”.

قال: “كان عليك ممارسة الحب مع جيم. كنتما متفاهمين وأنا بينكما مثل أحمق”.

قالت:”آسفة”.

 

تخلى عن حذره وتهذيبه معها. ورافقها في طريق العودة إلى الشقة وكان المفروض أن يعود أدراجه إلى بيته.

قالت:”إذا. مرحبا بالجنس العنيف. لقد استمتعت بذلك”. فقد كسرها نصفين كأنها عود ثقاب.

”أنت كثيرة الكلام”.

 وبعد قليل التفت إليها وتحسس جسمها من كتفيها وحتى وركها، وهويمرر يديه على بشرتها ببطء وبمعنى. وشعرت بنفسها تسرع إلى السرير على بساط أسود وتخترق الفراغ الذي يفترض أنه باب. وكان يبدو أنها تكبر بالعتمة وتبتلع الغرفة.

“حينما كنت صغيرة، كان هناك منحوتة تذكارية في المقبرة وكانت غرفة التحضيرات مغطاة بغبار الرخام. كانت الطاولة بيضاء، والأرض بيضاء، وعلبة الكوكاكولا الموجودة في الزاوية بيضاء. وهناك خزانة قديمة أمام الجدار وبابها مفتوح. وكل شيء خامد وصامت كأنه مصنوع من الحجر. وفي الخارج كانت الصخرة بالنقوش المحفورة عليها “للتكريم والذكرى” أشبه بنكتة. مجرد دليل”.

بعد أن غادر، شاهد ظل الطحين على السجادة، مكان كومة ثيابه، كأنها معالم جثة. وهذا دليل حديث عليها.

***

 

....................

1- غلوكامورا: قرية متخيلة في إيرلندا.

2- مطرب إيرلندي شعبي و عازف غيتار.

3- بلدة صغيرة في مقطعة كافان الإيرلندية.

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: بيتر زافادا

ترجمة: عامر كامل السامرّائي

الطيورُ فارقتْ أغانينا،

وتسَاقطتْ نبرة نبرة،

فتصَّدَع الصخرُ لسُقوطِها،

وبَلغَ الأرض بضوضاءٍ صاخبة.

 

الأشجارُ تُفارقُ ألوانها،

وتَقِفُ عارية

مجردة مِنْ فِطرتها.

 

لَمْ يعُد إِسمي كما كان،

أُلمْلمُ فِيه نَفْسي،

أَختبئُ في فجواتِهِ المُنعزلة،

لكي أكونَ الذي غادرتهُ الكلماتُ.

 

مِثلُ الريح مِنْ على جسدي

تنسَلخُ الأيامُ

وتتبدلُ أخاديدُ وَجهي

تجاعيداً يُعمّقُها الزمن

***

 

......................

* جزيرة في اليونان (المُترجم)

 

 

تامي الشيخ عليقصة: أو. هنري

ترجمة: تامي الشيخ علي


في دنفر كانت ثمة َ حشود ٌ من الرّكاب ِ تتدفقُ إلى عربات القطار السريع

" بي آند إم " المتوجهِ شرقاً. في إحدى العربات كانت ثمة َ امرأة ٌ شابة ٌ فائقة الجمال تجلسُ وقد نمتْ ثيابها عن ذوق ٍ رفيع ٍ محاطة ً بكل أسباب الراحة والرفاهية التي يتميزُ بها مسافر ٌ متمرّس. بين الوافدين الجدُد ِ كان ثمة َ رجلان شابّان أحدُهما بهيُّ الطلة ِ وذو ملامح جريئة ٍ وصريحة ٍ وأنيقُ اللباس ِ، فيما كان الآخرُ شخصاً مكدَّراً كالح َ الوجه مفطوراً على الجدّية ِ ومضطربَ اللباس. وكان كلّ ٌ منهما مقيداً إلى الآخر.

حين طفقا يعبران ممشى العربة كان المقعد الشاغر الوحيد المتبقي هو المقعد المعكوس المواجه للشابة الجذّابة، فجلس الاثنان اللذان رُبطَ كلٌّ منهما بالآخَر عليه.

وقعت نظرة ٌ من المرأة الشابّة عليهما بلا مبالاة ٍ رشيقة ٍ ونائية ٍ ثمّ، وبابتسامة أضفت على ملامحها المزيدَ من السطوع والإشراق وبتورّد ٍ رقيق ٍ اعتلى وجنتيها، مدّتْ يداً صغيرة ً مكسوّة ً بقفاز ٍ رماديّ. وحين تحدّثتْ دلّ صوتها العذبُ الجهوريُّ والمتروّي على أن صاحبته معتادة ٌ على التحدّث وعلى وجود ِ منْ يسمعها. قالت:

- حسن ٌ يا سيد إيستون. إن كنتَ ترغب في دفعي إلى التكلّم أوّلا ً فإنني أعتقد أن عليَّ أن أفعل ذلك. ألا يمكنك أبداً أن تميّز َ الأصدقاء القدامى عندما تقابلهم في الغرب؟

أوقظ الشابُّ الأصغرُ نفسهُ على نحو ٍ حادّ ٍ لدى سماع صوتها وبدا أنه كان يكافح ارتباكاً طفيفاً طرأ عليه لم يلبث أن طرَحهُ على الفور ثمّ شبكَ أناملها بيده اليسرى وقال مبتسماً:

- الآنسة فيرتشايلد! سأطلبُ منك ِ أن تعذري يدي الأخرى فهي مشغولة ٌ الآن.

ورفعَ يدَهُ اليمنى على نحو  طفيف ٍ وكانت تكبلها عند الرُّسغ ِ إلى يد ِ رفيقه اليسرى "إسوَرَة ٌ " برّاقة ٌ، فاستحالت النظرة ُ المسرورة ُ في عيني الفتاة وببط ء ٍ إلى رعب مرتبك. بهت التوهجُ في وجنتيها وانفرجتْ شفتاها في أسى ً مسترخ ٍ وغامض. ضحك إيستون ضحكة صغيرة وكأن ذلك أمتعهُ، وكان على وشك التكلم مرة أخرى عندما سبقه الآخر ُ إلى ذلك. كان الرجلُ ذو الوجه الكالح ِ يراقب ملامحَ الفتاة بنظرات ٍ خفية ٍ من عينيه الحادّتين. قال:

- معذرة ً إن تكلمتُ أيتها الآنسة غير أني أرى أنك تعرفين الماريشال. لو طلبْت ِ منه أن يتحدّث َ عني بكلمة ٍ عندما نصل إلى السجن فسوف يقوم بذلك، ولسوف يسهلُ هذا الأمورَ بالنسبة إليّ. إنه يأخذني إلى سجن " ليفن وورث " وإنها فترة ُ سبع ِ سنوات ٍ بسبب التزوير.

قالت الفتاة ُ بنفس ٍ عميق ٍ وقد استعادت لونها:

- أوه. هذا ما تفعله هنا إذن؟ ماريشال !!

قال إيستون بهدوء:

- عزيزتي الآنسة فيرتشايلد. كنتُ مرغَماً على القيام بشيء ٍ ما، فالنقود تبدو وكأنها تكتسبُ أجنحة ً وتعرفين أن المرء يحتاج إلى نقود ٍ ليجاري أقرانه ُ في واشنطن. لقد أبصرْتُ هذه الفتحة في الغرب و..... حسن ٌ، ليست الماريشالية ُ منصباً رفيعاً كمنصب السفير تماماً، ولكن.....

قالت الفتاة بدفء ٍ:

- لم يَعد ِ السفيرُ يتّصل، ولم يكن في حاجة قَطُّ إلى ذلك. عليك أن تعرفَ هذا. إذن أنت َ الآن واحد ٌ من أولئك الأبطال الغربيّين البواسل، تمتطي صهوة َ الحصان وتُطلق ُ النارَ وتتوغلُ في جميع أنواع المخاطر، وهذا يختلف عن الحياة في واشنطن. الأصدقاء القدامى يفتقدونك.

وعادت عينا الفتاة مبهورتين وقد اتسعتا قليلا ً لتستقرّا على الأصفاد المتلألئة. قال الرجل ُ الآخر:

- لا تقلقي بشأنها أيتها الآنسة فجميع ُ الماريشالات يكبلون أنفسهم مع سجنائهم ليمنعوهم من الهرب. السيّد إيستون يعرف عمله.

تساءلت الفتاة قائلة:

- هل سنراكَ في واشنطن مرة أخرى عما قريب؟؟

قال إيستون:

- ليس عما قريب على ما أعتقد إذ أخشى أن تكون أيامي الصاخبة قد ولتْ.

قالت الفتاة على نحو ٍ لا صلة له بالموضوع:

- أعشقُ الغرب.

كانت عيناها تشعان على نحو ٍ رقيق ٍ وسرَحتْ بنظرها خارج نافذة العربة. طفقتْ تتحدّث بصدق ٍ وبساطة بعيداً عن بهرجات الترف والتكلف:

- قضينا، أنا والماما، الصيف َ في دنفر. رجعتْ هي إلى المنزل قبل أسبوع لأن أبي كان متوعكاً بعض الشيء. كان في مقدوري أن أعيش َ وأن أكون َ سعيدة ً في الغرب. أعتقد أن الهواء هنا يلائمني. النقود ليست كلّ شيء غير أن الناس دائماً يسيئون فهم َ الأمور ويبقون أغبياء.

دمْدَمَ الرجلُ ذو الوجه الكالح قائلا ً:

- حسن ٌ أيها السيد الماريشال. هذا ليس عدْلا ً. إنني في حاجة إلى مشروب ولم أدخنْ طيلة َ اليوم. ألم تتحدّثْ لفترة طويلة كافية ؟؟ خذني إلى جناح المدخنين الآن فأنا أستعِرُ شوقاً إلى تدخين غليون.

نهض المسافران المكبلان على أقدامهما وقد ارتسمتْ على وجه إيستون الابتسامةُ البطيئةُ نفسها. قال بمرح:

- ليس في مقدوري أن أرفضَ التماساً للسماح بالتدخين. إنه الصديقُ الوحيدُ لسيئي الطالع. وداعاً أيتها الآنسة فيرتشايلد فالواجب يدعوني كما تعلمين.

ومدَّ يدَهُ لتوديعها. قالت وهي تعيد إضفاءَ سمات ِ الترف والتكلف على نفسها:

- من المؤسف للغاية أنكَ لستَ ذاهباً إلى الشرق. يتحتم ُ عليك َ الذهابُ إلى " ليفن وورث " على ما أعتقد ؟؟

قال إيستون:

- أجلْ. عليَّ الذهاب إلى " ليفن وورث ".

ومشى الرجلان بشكل ٍ جانبيّ ٍ في ممشى العربة مُتجهين ِ إلى جناح المدخنين. كان الراكبان الجالسان في مقعد ٍ قريب ٍ قد سمعا معظم َ أطراف المحادثة. قال أحدُهما:

- إن ذلك الماريشال ينتمي إلى صُنف ٍ ممتاز ٍ من الرجال. بعضُ هؤلاء الغربيين على حقّ.

سألهُ الآخر:

- أليسَ صغيراً على شغل ِ منصب ٍ كهذا؟؟

فهتفَ المتحدّث ُ الأوّلُ قائلا ً:

- صغيراً ؟؟ يا لَلعجب !! ألمْ تدرك ما الأمر؟؟ هل تناهى إليك قطُّ أن ضابطاً يمكن أن يكبلَ سجيناً بيدِهِ اليمنى ؟؟

***

 

.......................

 أو. هنري: هو الاسمُ الأدبيُّ، أو الاسمُ المستعارُ، للكاتب الأمريكي ويليام سيدني بورتر.

- وُلدَ عام 1862 في غرينسبورو في ولاية كارولاينا الشمالية في الولايات المتحدة.

- تلقى تعليمه في مسقط رأسهِ ثم عمل في صيدلية عمهِ لمدّة خمس سنوات.

- في عام 1882 انتقل إلى تكساس وفيها أصدر مجلة أسبوعية ً ساخرة لم تدُمْ طويلا ً، ثم استلم عموداً في صحيفة " هدسون ديلي بوست" اليومية.

- بعد ذلك توظفَ في مصرف أوستن.

- في عام 1894 اتهمَ بالاختلاس، ففرَّ إلى نيو أورليانز ثم إلى هندوراس ولم يعدْ منها إلا عام 1897 حين سمع أن زوجته مصابة بمرض ٍعضال ٍ لا سبيل إلى الشفاء منه وأنها قيد الاحتضار.

- في أوهايو حكمتْ عليه إصلاحية ُ المجرمين الفيدرالية ُ بالسجن خمس سنوات، قضى منها فعلياً ثلاث سنوات في سجن تلك المدينة من عام 1898 إلى عام 1901.

- في السجن قابل حارساً كان في غاية اللطف والإنسانية معه، وكان اسمُ الحارس أورين هنري، واعترافاً بصنيع ِ ذلك الحارس معه تسمى باسمهِ في كلّ كتاباته، وكان قد بدأ كتابة القصص في السجن.

  في عام 1902 جاء إلى نيويورك، وبدأت قصصه تنهمر على المجلات، وكان

إنتاجهُ لمدّة ثماني سنوات غاية ً في الغزارة إذ خلفَ أكثر من ستمائة قصة كاملة.

 في عام 1904 نشر روايته الوحيدة " ملفوف وملوك "، وكان في الثانية والأربعين من عمره آنذاك.

- في عام 1906 نشر مجموعته القصصية " الملايين الأربعة" التي رسختهُ في عالم الأدب.

- توفي أو. هنري ( ويليام سيدني بورتر) عام 1910 بداء السلّ ودُفنَ في أشيفيل في كارولاينا الشمالية.

- من أشهر أعماله: " الملايين الأربعة" (قصص)، " المصباح المزركش" ( قصص)، " قلب الغرب" (قصص)، " صوت المدينة" (قصص) و" طرُق القدَر" (قصص).

 

عادل صالح الزبيديامسك يدي ودعنا نقفز من هذه الحافة الصخرية الشاهقة

براين بيلستن:

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 "هيا! لنقفز من هذه الحافة الصخرية الشاهقة! سيكون ذلك ممتعا!"

هكذا طالب الناس جميعا (في الواقع، اقصد ما يزيد على نصف

أولئك الذين كلفوا أنفسهم ان يتكلموا أصلا).

نظرتُ الى الصخور في الأسفل؛ طريق طويل للسقوط.

 

قلت: "لكن هذه الحافة الصخرية يزيد ارتفاعها على الثلاثمائة قدم

ويقول طبيبي ان قفزت فسأموت."

صاحوا: " لا تصغ الى الخبراء. بإمكانك ان تثق بنا.

قرأنا كل شيء عن الأمر على جانب إحدى الحافلات."

 

لعدم اقتناعي، قابلت عضو البرلمان عن منطقتي

وشاركته مخاوفي. اضطر الى الموافقة وقال:

"يا الهي! بالتأكيد ستقطعك الصخور إربا!

لماذا بحق السماء تذهب للقفز من الحافات الصخرية الشاهقة؟"

 

"انها إرادة بعض الناس،" قلت ذلك

فانقلبت تعبيرات وجهه رأسا على عقب،

ثم عدل كلامه قائلا: اعتقد انك تتصرف ميلودراماتيكيا.

المشكلة فيك أنت. انك غير ديمقراطي."

 

على قمة الحافة الصخرية انتظرنا. صامتين وقفنا.

ثم هتف صوت يقول: "هلا تذكروني لماذا يكون القفز من الحافات الصخرية جيدا؟"

لكننا نظرنا الى أحذيتنا فحسب، حائرين مرتبكين،

ثم بسبب ارتباكنا امسكنا بأيدي بعضنا وقفزنا.

***

 

.......................

عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر) على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض مثلما يلفه دخان غليونه ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له اول مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار)2016 ثم مجموعة أخرى في هذا العام بعنوان (يوميات احدهم).

 

 

صالح الرزوققصائد مختارة للشاعر الأمريكي:

سكوت ماينار

ترجمة: صالح الرزوق (مع الشاعر)


* ما نقصده ذكرناه

ما نقصده ذكرناه

في هدوء مطبق كأنه البحر

أو عاصفة رمادية تأتي

لعتبة بابك أو تقف

مقوسة الظهر وهي تتأرجح

في الهواء، ومنخارها مرفوع

وتقول آه يا إلهي، آه يا إلهي

مثل من قبض عليه  ضياء السماء

الأخضر قبل جولة

في البلدة.  ثم ها هي تعدو في طياتها

قبل أن تتوسم في نفسها

مكانا آخر

وتبدو محشورة في شوارع المضلع

القديم ثم تلف

وتثني صورة يمكن أن تلتقطها

بكاميرا قديمة

لها عمر جدك

حينما كانت الورقة تعني الخادم

والقلم يعني الثؤلول

أو القفص، هذه قصة مغامرات

مفخخة بالوقت ومحسنة

لتبدو كأنها طائرة من ورق حلقت مرة واحدة

واعتادت على الرياح

وهناك تعلمت كيف  تستلقي.

ما قصدناه يعني أن تتمهل

قليلا

قبل أن يحملك القطار

أو يحجزها وهو بطريقه

خارج البلدة لمكان غير معلوم

أو لشيء له اسم

مثل اسمك

وهو يقول ويكرر:مدرج بالرماد، يا رمادا ملء البصر، يا أيها الرماد (*).

 *من الواضح أن الكلمات متشابهة باللفظ ومختلفة بالمعنى. واستغل الشاعر هذه الظاهرة ليقول شيئا له أكثر من معنى.

**

أوهام حقيقية

رغبت أن أرى طروادة عن قرب.

وهكذا أخرجت مجهري،

المجهر الذي أحتفظ به من أيام صباي،

وضبطت المنظم

حتى رأيت في مجال بصري

الرمل والسماء. رأيتها هناك

تحت الشمس كأنها منشفة

على شاطئ وبثلاثة أبعاد وطارت

لتغرق فيه.

.....

وكنت شديد الانتباه لذاتي الأخرى

التي تركتها ورائي في مسقط رأسي داخل المخبر

وركلت العلبة التي وقفت عليها

لمزيد من التأكد. ولكن لم أكن

منفصلا عن ذلك المكان. توجب علي أن أكون

في مستويين بوقت واحد، هذا العالم وذاك العالم -

مثل دانتي على الورق

وهو يراقب دانتي الذي يمسك بالقلم.

إنها مفارقة.. أنا أعلم

ذلك من وحي خبراتي، حين  أغادر ذاتي بالقوة  وأستسلم

لظروف لا أقوى عليها.

ثم انكفأت

على حياتي لأعيشها وأنا أترنح - أحيانا ببطولة،

وأحيانا مثل لص ومخرب وجبان.

وها هو السطر يستمر نحو أسفل

الصفحة مثل سيزيفبرفقة صخرته.

**

يوم بارد

انظر! هذه كرة ثلج في جهنم

 “شارلز سيميك”-----

تحت في الجحيم، بدأت

درجة الحرارة بالهبوط. وألسنة النار بدأت

بالتجمد. الخطوة التالية أن تشعر

كأن فيرمونت موجودة في الأسفل.

ها هي أشجار الصنوبر داخل أعمدة من اللهب،

الحمم تتصلب بشكل طرقات أخاذة،

وقليل من الصخور الضخمة تتكسر فعليا

مثل ثمار الجوز، والحقول الحزينة

تغطيها ملاءة من الثلوج. ويضرب سيزيف

ساعة قديمة ويقفز من الباب.

ويبني الحشد المعتاد من الشعراء

مخبأ صغيرا تحت ظل الظل -

ثم نسمي ذلك “كوميديا”.

**

صوت شارلز سيميك (1)

تاملت فيه مطولا،

وفحصت داخل حروف العلة،

ونظرت للحروف الصائتة كأنها أهرامات،

أو سرا مشرقا

لا نراه إلا بأشعة إكس.

في خاتمة المطاف.. وجدت حكمة صغيرة

وصلتني من راهب أعمى،

كان في طريقه إلى المدينة على ظهر فيل..

ومعه شبح يواخين رودريغو(2) -

ها هي أصابعه تقشر أوتار

الغيتار كأنه نورس

يقفز فوق السفوح.

وإليكم الآن ومضة ضوء صغيرة في السماء

أنا أراها في آخر مغارة من مغارات جهنم -

مثل اللعاب، أصابع عازف الكمان

تسيل على أطراف الكأس.

.................

1- شاعر أمريكي من أصول صربية.

2- ملحن إسباني

............................

what is meant is said

what is meant is said

into dead calm like the sea

or a storm come gray

to your doorstep or stoop

 

stood up and rocking

into the air, snout lifted

saying oh my, oh my

as one caught in the green-sky

 

light before a twister

the town took and ran with

before reimagining itself

a new place

 

spaced in the old quadrant

blocks rolled up and twisted

in rolls a picture might take

in an old camera

 

of your grandfather’s age

when page meant servant

and pen meant sty

or cage, a story of chivalry

 

bated with time and improved

like a kite flown once

and used to the wind

where it knows how to lay

 

what is meant is meant to stay

for a while

before the train takes you

or holds it on its way

 

out of town to somewhere

or something with a name

like yours

repeating grade, greyed, grey 

**

 Real Illusions

I wanted to see Troy up close.

So I got out my microscope,

The one I had years ago as a boy,

I wound the dial

Round till sand and sky 

Zoomed in. I saw it there

In the sun like a 3-D

Beach towel and floated down

To get into it.

I was aware of my other self

Back home in my laboratory

And kicked the box at my feet

To be sure. But there was no leaving

That place. I had to be in two

Stories at once, this world and that—

Like Dante on the page

Watching Dante with his pen.

It was a paradox I knew

From experience, to be forced outside myself

By circumstances I couldn’t control.

In a kind of enjambment then

I lived my life—sometimes heroically;

sometimes coward, looter, thief.

The line moving down

A page like Sisyphus and his rock.

**

Cold Day

Behold! A snowball in hell

—Charles Simic

 

Down in Hell, the temperature

Begins to fall. A few fires start   

To freeze. The next thing you know

It’s like Vermont down there.

Pine trees inside pillars of flame,

 

Lava stiffens to a beautiful road,

A few sturdy boulders actually crack

Like walnuts, and the Mourning Fields  

blanket with snow. Sisyphus punches

 

An old time-clock and walks straight out the door.

The usual crowd of poets builds

A little shelter under a shadow’s shadow—

And suggests we call this “The Comedy.”

 

*Charles Simic’s Voice

 

I’ve studied it,

Looked inside its vowels,

Examined consonants as if they were pyramids,

Like they held a secret

We can only see with x-ray.

 

But in the end, all I have is my little catechism

Given to me by a blind priest

Who rode an elephant into town,

And the ghost of Joachin Rodrigo —

Whose fingers peeled down strings

Of a guitar like seagulls

Leaping off a cliff.

 

And here’s heaven’s little flashlight

In a last cave of Hell—

Like his moist, violinist’s finger

Rubbing the rim of a glass.

 

...........................

سكوت ماينار  Scott Minar شاعر وأكاديمي وموسيقي أمريكي. يعمل بالتدريس في جامعة أوهايو /لانكستر. وله عدة مجموعات شعرية أهمها: الوسواس الخفي، العزف بالنحاس، جلجامش وقصائد أخرى. وسيصدر له في صيف عام 2021 مجموعة جديدة عن دار ماموث (بنسلفانيا) بعنوان “عن جسمك وعظامه: سبع قصائد على شرف ي ي كومنغز وأربعة عشر أغنية سريالية”. ومنها هذه المختارات المترجمة بالتعاون مع الشاعر.

 

صالح الرزوققصائد للشاعر البولوني

تادويواش روزيفيتجش

ترجمة: صالح الرزوق

* جدائل الشعر

بينما كل النساء في الحافلة

برؤوس حليقة

أربعة عمال خدمة بمكانس مصنوعة من أغصان البتولا

يكنسون

وينظفون الشعر.

ووراء زجاج نظيف

يتكوم الشعر القاسي

لأولئك الذين اختنقوا في غرف الغاز.

هناك دبابيس وأمشاط صغيرة

عالقة بالشعر

والشعر لا يخترقه الضياء

ولم تفرقه النسمات

ولم تلمسه أي يد

أو قطرة مطر أو قبلة من شفة.

في الصناديق العريضة

غمامات من الشعر الجاف

سقطت ممن اختنق

وخصلة باهتة

وجديلة مربوطة بشريط ملون

لعب بها في المدرسة

صبيان أشقياء.

**

 * الناجون

عمر إيمي أربعة وعشرون

حين ذهبت إلى المسلخ،

أنا نجوت.

ما يلي مترادفات فارغة:

رجل ووحش

حب وكراهية

صديق وأحمق

ظلام ونور.

أسلوب قتل البشر والحيوانات

نفسه

وقد شاهدت:

شاحنات مليئة برجال مقطعة أوصالهم

ولا يمكنهم النجاة.

الأفكار كلمات متجردة:

الفضيلة والجريمة

الحقيقة والكذب

الجمال والدمامة

الشجاعة والجبن.

الفضيلة والجريمة لهما الوزن نفسه

وقد شاهدت ذلك:

في إنسان هو كلاهما

مجرم وفاضل.

أنا أبحث عن معلم وسيد

يمكنه شفاء بصري وسمعي و

طلاقتي بالكلام

ويمكنه مجددا أن يسمي الأشياء والأفكار

ويمكنه أن يعزل الظلمة عن الضياء.

أنا في الرابعة والعشرين

وقادوني إلى المسلخ

مع ذلك نجوت.

**

* العودة

فجأة انفتحت النافذة

ونادت الوالدة

حان الوقت للدخول

وانفتح الجدار

ودخلت إلى الفردوس بحذاء موحل

واقتربت من الطاولة

وأجبت على الأسئلة بخشونة..

أنا على ما يرام.. دعوني

وشأني. وضعت رأسي بين يدي

وجلست مطولا. كيف يمكنني أن أخبرهم

عن ذلك الطريق

الطويل والمتعرج.

هنا في الفردوس الأمهات

تنسجن اللفاحات الخضر

والذباب يطن

والوالد يغفو قرب الموقد

بعد ستة أيام من العمل.

كلا— بالتأكيد لا يمكنني أن أخبرهم

أن البشر.. كل منهم

في حنجرة وحلق الآخر.

 

* ترجمها عن البولونية آدم جيرمفسكي

.........................

تاديواش روزينفيتجش ‏Tadeusz Rozewicz شاعر بولوني مولود عام 1918. و توفي عام 2014. يكتب أيضا الرواية والمسرح. وله 15 مجموعة شعرية.

 

عادل صالح الزبيدييحيا أولئك الذين فشلوا

إضراب عمال الحرير في باترسن، 1913

بقلم: مارتين إيسبادا

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


يحيا أولئك الذين فشلوا!

وأولئك الذي غرقت سفنهم الحربية في البحر!

وأولئك الذين غرقوا هم أنفسهم في البحر!

وكل الجنرالات الذي خسروا معاركهم، وكل الأبطال المندحرين!

والأبطال المجهولين الذين لا يعدون والذين يساوون أعظم الأبطال المعروفين!

- والت ويتمان

**

1- الراية الحمراء

قالت الصحف إن المضربين سيرفعون

راية الفوضى الحمراء فوق معامل الحرير

في باترسن. في تجمع الإضراب نهض احد عمال الصباغة

من نابلس وكأنه يخرج من بخار معمله

رفع يده وقال: ها هي الراية الحمراء.

وهو ملطخ ببقع لامعة من أصباغ حرير

أربطة العنق وأغطية الرأس، جلده وأصابعه مسلوقة

مقابل ستة دولارات أسبوعيا في المصبغة.

 

 

جلس دونما كلمة أخرى،

غاص في الأبخرة، اسمه ووجهه

فركهما إصبع النسيان مثل قطعة نقد رومانية

نبشوها من ارض مولده بعد ألف عام،

بينما كان المضربون

يصرخون بكلمات التسبيح الوحيدة التي كان سيسمعها.

**

2- النهر يغرق الشارع

كان الفلانتينو الآخر، ليس الشيخ الرومانسي

ومصارع الثيران لقصور الأفلام الصامتة الذين كانوا يموتون بعمر مبكر جدا،

بل الفلانتينو الواقف فوق درجات منزله ليرقب الشرطة السريين

الذين استأجرتهم الشركة وهم يطاردون مفسدي الإضرابات نحو عربة ترولي

وجوقة من المضربين يجأرون بالكلمة المحظورة متخاذل.

لم يكن مضربا ولا متخاذلا، ولكن الرصاصة التي أطلقت لتفريق

الجمهور سحبت السدادة من برميل النبيذ لظهر فلانتينو.

استلقى جسده جنب زوجته ذات البطن الكبيرة، شاحبا كأنه جناحا فراشة.

 

سحب حصانان على وجهيهما وشاحان أبيضان العربة الى المقبرة.

سار عشرون ألفا من المضربين خلف النعش، مغرقين

الشارع مثل النهر الذي كان يجهز المصانع بالإنارة،

يتموج بين شواهد القبور. الدم بالدم، هكذا صرخت تريسكا: عند هذه الإشارة،

ألقت آلاف الأيدي أزهارا وأشرطة حمراء

في القبر، حتى تلاشت الجنازة في بحر احمر.

**

3- الحشرات في الحساء

كان ريد خريج هارفرد. كان يكتب في مجلات نيويورك.

بيل الضخم، منظم الإضراب، ثبت عينه السليمة على ريد واخبره

حول الإضراب. كان يقف في شرفة مبنى قبالة المصنع

ليتفادى المطر ويصغي الى مساعدي النساجين. طلب منه الشرطيون

ان يتقدم. طلب خريج هارفرد اسما يتوافق

مع الرقم على الشارة، وحاول رجال الشرطة ان يخلعوا

ذراعيه من مفصليهما. حين سأله القاضي عن عمله،

أجاب ريد: شاعر. قال القاضي: عشرين يوما في سجن المقاطعة.

 

كان ريد خريج هارفرد. علم المضربين أناشيد هارفرد،

الأنغام التي ينشدونها مع كلمات ثورية على أبواب المصنع.

المضربون علموه كيف يجد الحشرات في الحساء، وهم يتكلمون بألسنة

إنجيل الاتحاد الواحد الكبير والثماني ساعات باليوم،

ويملئون السجن حتى يضطر السجانون الى فتح الأبواب. كتب ريد:

هناك حرب في باترسن. بعد ان انتهت، رحل على ظهر حصان مع بانشو فيا.

**

4- المحرضة الصغيرة

اقتحم رجال الشرطة على ظهور خيولهم حبل حدود الإضراب.

رفع النساجون أيديهم متصالبة على وجوههم،

أيد تعرف النول مثلما كانت أيدي آبائهم

تعرف النول، والهراوات هشمت أصابعهم.

كانت هانا بعمر السابعة عشرة، قائدة حبل حدود الإضراب،

جان دارك إضراب الحرير. اسماها المدعي العام

المحرضة الصغيرة. قال القاضي: عار. ان عملت ذلك ثانية،

فسيرسلها الى إصلاحية الولاية للفتيات في ترينتن.

 

هانا غادرت المحكمة لتعود لقيادة الإضراب.

طاردت احد مفسدي الإضراب في الشارع، وهي تصرخ بكلمة عار باللغة الييدية.

حين عادت الى المحكمة، أطلقت صوت استهجان على حكم القاضي

بحق مضرب آخر.  حصلت هانا على عشرين يوما في السجن عن ذلك.

كانت تنشد طوال الطريق الى السجن. بعد الإضراب جاءت القائمة السوداء،

والعمل في متجر حلويات زوجها ، والكلمات التي تشير الى العار.

**

5- مرحى لأولئك الذين فشلوا

المضربون الذين بلا أحذية يخسرون الإضرابات. عشرين عاما بعد

عودة مساعدي النساجين والصباغين بأعين غائرة الى النول والبخار،

قاد ماتزيوتي مسيرة عمال مصنع الحرير الآخرين في جادة باترسن،

مرددين أناشيد الاتحاد القديمة المطالبة بزيادة خمسة سنتات عن كل ساعة.

مرة أخرى هشمت الهراوات الوجنات كأنها أكواب الشاي.

ضغط ماتزيوني كلتي يديه على رأسه، مستخرجا أشرطة حمراء

من فروة رأسه. لن يكون هناك خمسة سنتات عن ساعة العمل الواحدة

في المصنع، عن حرير أربطة العنق وأغطية الرأس. الجماجم تذكرت الخشب.

 

الدماغ المرمي على جدار الجمجمة تذكر أيضا:

أبناء ايطاليا، حلقة العمال، الاتحاد المحلي 152، العمال

الصناعيون في العالم، بيل الأعور الكبير وفلين الفتاة الثائرة

تتكلم بألسن الآلاف عن نبوءة يوم الثماني ساعات عمل.

كان ابن ماتزيوني سيصبح طبيبا، وابنته شاعرة.

مرحى لأولئك الذين فشلوا: لأنهم يصيرون النهر.

***

 

......................

مارتين إيسبادا: شاعر أميركي من أصول لاتينية ولد في بروكلين، نيويورك عام 1962 . تلقى تعليمه في جامعتي وسكونسن - ماديسن ونورث ايسترن . نشر أول مجموعة من القصائد السياسية تحت تأثير والده الناشط السياسي البورتوريكي عام 1982 تحت عنوان (فتى الجليد المهاجر بوليرو) ثم تلاها بمجموعة (أبواق من جزر طردهم) في 1987 و(الثورة دائرتا يدي عاشق) في 1990. نال ايسبادا العديد من الجوائز والمناصب الفخرية. من عناوين مجموعاته الشعرية الأخرى (تخيلوا ملائكة الخبز) 1996؛ (عالم فلك من المايا في مطبخ الجحيم) 2000؛ (جمهورية الشعر) 2006؛ (كرة المتاعب) 2011 و(يحيا أولئك الذين فشلوا) 2016.

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: مارتون شيمون

ترجمة: عامر كامل السامرّائي

مهداة للصديق الشاعر الدكتور ريكان إبراهيم


حتى مع الوز البريِّ ليس لكَ من سبيل

لأنها تعود إلى أوطانها،

وأنا لا أريد الالتفاتة مرة أخرى،

لا أريد من الماضي أكون،

أُنظر، أنا أقنع نفسي،

بأن شيئاً لم يكن.

لا أدري، إذ بالإمكان تجنب

دوام المرء على النسيان،

حتى وأن لم يغتفر-

فجميل أن تقول أحب كلَّ الناس.

وتحب نفسك بعد كل شيء.

تخيَّل شاطئاً مهجوراً، كيف يكون،

ما الذي آل إليه، وما حدث.

محض صمت، أعشاب برية، جرائد،

سماعات أذن منسية في الرمل.

ليس فيها غير طنين الصمت.

تخيَّل أيَّ شيء، ولا تدعني أُخبرك.

تخيَّل وكأنك في حلمك، رأيتَ القيامة،

هكذا أهون عليك.

تخيَّل كلَّ هذا،

تخيله هاهنا في الحَشَى.

فلا سماء، ولا جُرف، ولا مَهْرَب.

لا يهم..،

فقط كن أنت الذي أتذكرك من تلقاء نفسي.

***

 

 

صالح الرزوقآنا شفيرشجينيسكا

ترجمة: صالح الرزوق


في الساعة الخامسة صباحا

قرعت الباب.

وقلت من وراء الباب: في مستشفى في شارع شيلسكا،

ابنك، الجندي يحتضر.

فتح الباب، دون أن يفك السلسلة.

وراءه كانت زوجته

ترتعش.

قلت: ابنك يطلب أمه،

كي تأتي.

قال: أمه لن تأتي. وكانت زوجته وراءه

ترتعش.

قلت: سيسمح له الطبيب

ببعض النبيذ.

قال: من فضلك انتظر.

ومرر لي من خلف الباب زجاجة،

ثم أغلق الباب بالمفتاح.

وأغلقه ثانية بمفتاح آخر.

وكانت زوجته خلف الباب

تعول

كأنها في المخاض.

***

ترجمها عن البولونية: بوريس دراليوك

عن مجموعة: أوهام العصر الحديث. إعداد ماكيني إيكين، وكيوشي ماتسوياما وإميلي بولي. منشورات جامعة سان دييغو. 2016.

آنا شفيرشجينيسكا  Anna Świrszczyńska  شاعرة بولونية من مواليد وارسو. توفيت عام 1984.

 

حسين علي خضيركونستانتين دميتريفيتش بالمونت

ترجمة: حسين علي خضير

إهداء إلى كل امرأة في هذا الكون


المرأة معنا عندما نولد

المرأة معنا في الساعة الأخيرة.

المرأة هي الراية عندما نقاتل

المرأة هي فرحة عيوننا المفتوحة.

حبنا الأول وسعادتنا

هي التحية الأولى في أفضل أمنية .

هي لهيب المشاركة في المعركة

من أجل الحق.

المرأة هي الموسيقى. 

المرأة هي الدنيا.

***

 

.......................

كونستانتين دميتريفيتش بالمونت (١٨٦٧ - ١٩٤٢). شاعر روسي معروف

 

عادل صالح الزبيديبقلم: نيكول كالهان

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

 أصل الطيور

لساعات، كانت الأزهار تكفي.

قبل الأزهار، كان آدم يكفي.

قبل آدم، مجرد ان تكوني ضلعا يكفي.

يكفي ان تكوني جد قريبة من قلبه، يكفي

ان تشعري بذلك الإيقاع الجميل المطرد، يكفي

ان تكوني جزءا من شيء اكبر يكفي.

وقبل الضلع، كونك من طين كان يكفي.

وقبل الطين، مجرد كونك من تراب كان يكفي.

وقبل التراب، كونك عـَدَما كان يكفي.

1388 نيكول كالهنولكن حينها يكفي لم يعد يكفي.

أحنت الأزهار رؤوسها، كأنها تقول: يكفي،

وهكذا تمنت حواء شيئا بشدة محاطة بأزهار الفوانيا ووحيدة بما يكفي

وكانت الأمنية تكفي

لجعل كوز الصنوبر ينبت له جناحان؛ كانت الأمنية تكفي

لأن تشير الى السماء، تقول: طائر، وتنتظر شيئا ليغرد. 

***

 

....................

نيكول كالهن: شاعرة أميركية صدرت لها مجموعة شعرية بعنوان (بين قارتين) في عام 2018 بالاشتراك مع الشاعرة الفلسطينية سمر عبد الجابر ومجموعة (في مركز المدينة) 2017 ، ومجموعة بعنوان (الإنسان العميق العطب) 2016؛ ومؤلفات أخرى بالاشتراك مع أديبات أخريات، وتعمل أستاذة في كلية تاندن الهندسية بجامعة نيويورك.

 

 

صالح الرزوقبقلم: آن إينرايت

ترجمة: صالح الرزوق


كانت كاثي غالبا مخطئة بكل شيء. ورأت أن هذا يدهشها. فهي مخطئة بما يخص مذاق الموز، ومخطئة بما يخص مستقبل البوب. ومخطئة بتحديد مكان نهاية حياتها. وكانت تحب الزوايا والمفاجآت وتبديل الضوء. ومن بين كل الأقدار الممكنة (الشر والإجرام والخدمة والرهبنة)، اختارت أن تعمل وراء منصة لبيع الحقائب في دبلن، وأن تحصل على عطلة في الفصل المشمس. ولعشرة سنوات تعايشت مع القفازات والمظلات، بألوانها الباهتة وطياتها الأنيقة. كانت الحقائب متدرجة الألوان، من الأزرق حتى البني والأسود الكلاسيكي. وكان الأصفر والأحمر والأبيض في طرف واحد،أما المصموعة من البلاستيك كانت على الحامل المعدني، ويمكن لأي زبون أن يسرقها.  ولم يكن بمقدور كاثي أن تخبرك عن متجر الحقائب وأحواله. فهو منها. كانت له رائحة أحلامها الجلدية. ولكن حتى هذا لم يكن يسرها. وبالرغم من تقارب وتراصف القفازات والفراغ الذي يملأ الحقائب من الداخل، رأت أن المتجر في حالة فوضى لا يمكنها التحكم بها. كانت تبيع حقائب اليد للناس ليحملوها، وهي من جلد حيوان فضي مطوي لا يمكن أن يحتوي علبة سجائر أو أي نقود ما لم تكن ورقية. أو حلقة مفاتيح. قالت امرأة شابة لزميلتها:” هذه تتسع لبطاقة اعتماد وللواقي الذكري فقط”. وهكذا شعرت كاثي بضغط الوقت وهو يبدل اتجاهه.

ثم نجحت في بيع حقيبة جيدة، ناعمة وقاسية وسعتها مدهشة - حقيبتها المفضلة، وهي من النوع الجيد. بقفل قوي وغطاء قابل للطي مع رائحة عطرية ذكية. وباعت حقائب من القماش لنساء شابات، من الكانافاه أو الشاموا. وكبيرة بما فيه الكفاية وتستوعب مستلزمات الحياة، الثياب الداخلية الضرورية، ورواية، وعطر مزيل الرائحة. وكانت الغضون تغطي وجوه النساء أثناء الاختيار. تراها مهمومة من التفكير بالجلد والسعر والشكل واللون. وكانت كاثي توائم العيون الزرق مع الزي الأزرق،  والفم الصغير مع الشاموا الناعم والطري. وكانت تبيع الجلد الأصلي لنساء بكعوب عالية، نساء متسرعات بجزادين صغيرة وأنيقة.  وبمهارة كانت تقود زبونة بعد أخرى لحقيبة مدهشة لا بد منها، ولا تعبر عن رغباتهن فقط وإنما عن شيء فوق هذه الرغبات. كانت كاثي تعرف لماذا تصنع الحقائب. لكنها شخصيا تضع كل شيء (وهو ليس كثيرا) في واحد من جيوبها. وصنفت النساء بفئتين: القادرات وغير القادرات. وكانت لديها عاطفة جامدة تجاه القادرات، فهن لسن بحاجة إليها. وغالبا ما يرتكبن الأخطاء. وغالبا واضحات، وهذا يساعدها على أداء عملها، ولكن الإنسانة المؤمنة، ومثل كل شيء له علاقة بالإيمان، لا بد من بعض الغموض. على سبيل المثال كيف يمكن لإنسانة أن تقتنع بلون ثياب البحارة؟.

ولكن هناك أيضا نساء غير قادرات. امرأة على سبيل المثال: لا يمكنها ارتداء اللون الأزرق. المرأة التي تستطيع أن تحمل أشياء مطبوعة، ولكن على أن لا تلمس بها وجهها. امرأة يمكنها ارتداء الخرز ولكن ليس الأقراط. امرأة لديها حياة سرية مليئة بالأحذية الغريبة، أو إنسانة لا يمكنها أن تعبر من منصة للعطور أو أن تشتري العطر، إلا إن كان هدية لغيرها. امرأة تأتي إلى البيت ومعها جيليه “رويال” كلما حاولت شراء بلوزة. امرأة تبكي في مخزن الثياب الداخلية. وامرأة تضحك وهي تجرب القبعات. امرأة تشتري معطفين من لونين مختلفين. وتصبح المشكلة أسوأ حينما تأتين ببناتهن للتسوق معهن. ويمكن كاثي أن تشم رائحة الاثنتين القادمتين، من قسم أدوات المطبخ.

تزوجت كاثي في وقت متأخر وكانت مجتهدة بعملها. كان عليها أن تجد رجلا. وما إن وجدت رجلا، اكتشفت أن المدينة مزدحمة بالرجال. وكان عليها أن تتكلم وتضحك لينتبه لها الآخرون. وكان عليها أن تختار. هل كانت تفضل الرجال الأصحاء بعيون بنية؟. هل تحب ذلك الرجل الأشقر بعينين شديدتي الزرقة؟. وما رأيها بوجهها، ونتوءاته وطياته؟. في النهاية، ذهبت بطريقها مع معلم لطيف من فيرفيو ويعمل موظفا. اختلسته من امرأة شابة كانت تتمسك به ولها عينان غريبتان. باعتها كاثي حقيبة مزركشة من ماركة غولدستون. اختيار “خاطئ” لكن لم يكن للأمر “أهمية”.  كان الجنس مفاجأة سعيدة. وهوعموما نشاط إفرادي. وكان يبدو كأنه يشتتها ويلم أشلاءها في نفس الوقت. 

وفي أحد الأيام وقعت كاثي بالحب مع امرأة متشردة وجوالة، جاءت للمتجر وجذبتها ابتسامتها وكان يبدو أنها اختارتها بنفس السهولة التي انتقت بها حقيبة من جلد العجل الأرجنتيني لونها بني كالتبغ، ويمكن تعليقها على الكتف. ولها جيوب من الجلد، وبطانة من جلد الخنزير، وقفل يعمل بالضغط.  يا لها من مفاجأة.  هذه المرأة، بعينيها المتعبتين الزرقاوين، سألت كاثي عن رأيها، وسمعت كاثي نفسها تقول:”حلوة جدا. كأنها منقوعة بالعسل” - عبارة سمعتها في التلفزيون. لم تطرف المرأة بعينيها. وقالت:”هل لديك مثلها بلون أسود؟”. كان لون الحقيبة بنيا. ويئست كاثي من هذا التردد. التطريز لن يكون واضحا لو أن اللون أسود، واللون هو كل شيء، فقالت كاثي:”الأفضل أن تكون بنية، حتى إن اضطررت لشراء حذاء جديد. إنها فعلا حقيبة فاتنة”.

عموما لم تشتر المرأة الحقيبة البنية ولا فكرت بالسوداء. حكت الجلد بقفا إبهامها وهي تتخلى عن الحقيبة. ونظرت إلى كاثي. كانت يائسة. واستدارت بكتفيها العريضين والرشيقين، وبشعرها الجاف والمغسول، وبأنفها الشامخ، وتنهدت، وغادرت المتجر. وأنفقت كاثي بقية يومها تفكر، ليس بيديها، ومفاصل أصابعها الطويلة، ولكن بثدييها العريضين المتباعدين. أحدهما مائل نحو المظلات والآخر نحو اللفاحات. وتساءلت هل لهذه المرأة ثنيات وخطوط تتدلى حول خصرها، وهل داعبتها من قبل امرأة. وكيف يمكن أن تتكلم و ماذا ستقول كاثي بعدها.  وهل ما تخفيه من طيات متشابه مع حال كاثي أم أنه مختلف عنه مثل اختلاف زنبق البرية عن النرجس. كانت أمسية مثيرة جدا. وبدأت كاثي ترتبك. وارتكبت الأخطاء. وباعت الحقائب غير المناسبة لنساء غير مناسبات وماتت دعابتها.  وانتظرت امرأة أخرى لتحمل الحقيبة البنية بلون التبغ ولترى ماذا يمكن أن يحدث. كانت تبيع دون تمييز. ونظرت لكل امرأة تقترب منها دون أن تفهم ماذا يحصل. وطبعا، كان يمكنها تبديل عملها.  أن تقود حافلة. أو أن تعمل وصيفة في مستشفى. على سبيل المثال في جناح اختبار الجهد المزدحم بأشخاص جادين وجسورين. فالنساء لا تتعرضن لذبحات قلبية. وقد تأتين في فترة الزيارة وتتكلمن كثيرا أو تتمسكن بالصمت. ويمكنها أن تخمن من يحب ببساطة أو بصمت. ويمكنها أن تحدد من يحمل مشاعر الكراهية. ويمكنها أن تنظر لحقائبهن دون أن تكوّن فكرة أخيرة عنها، كلما وضعنها على الواقي الزجاجي أو فتحنها لاستعمال المحاروم الورقية. وربما أحيانا تسقط دمعة فيها.

أفرغت كاثي حسابها في الجمعية السكنية، وذهبت إلى قسم القبعات، ومعها حقيبة بلاستيكية محشوة بالنقود.

قالت:”أريد يا رومانا أن أشتري قبعة مما لديك”. وكررت نفس الشيء مع الأحذية. ولكنها انتقت نمرة خمسة ونصف. ولم تكن تتذمر حينما انتهت. ألقت النقود في حصالة المتجر المليئة. نادت سيارة عامة وحملت العديد من الحقائب حول رقبتها وحول ذراعيها. كل الناس نظروا إليها. ثم استلقت في السرير لأسبوع، وقليل من الخجل يغمرها. واحتفظت بالحقيبة الفاتنة، ذات جلد العجل البني والقفل المضغوط. ولكنها أتلفتها. واستعملتها بحمل أشياء ثقيلة. وبدأ النوم يغافلها حتى خلال النهار.

 

......................

آن إينرايت Anne Enright: روائية من إيرلندا. حازت على المان بوكر عن روايتها (لم الشمل) التي صدرت عام  2007. من أهم أعمالها “إنجاب الأطفال” وهو مقالات عن الأمومة والجندر، “الفالس المنسي” رواية، “الطريق الأخضر” رواية،  “التقاط الصور”، قصص و”طقس الأمس” قصص. ومنها اخترنا هذه القصة.

 

 

جمعة عبد اللهالشاعر اليوناني أوديسيوس أيليتس:

أوديسيا إيليتس / Οδυσσεα Ελυτη

مقطع من قصيدة طويلة بعنون:

حرف واحد (Το Μονογρμμα)

ترجمة: جمعة عبد الله


 

أحبكَ  أتسمعني؟

أبكي على حال الناس المحبوبين

أبكي على السنوات القادمة بدوننا

أغني حتى تمر الحقيقة

صدقتني أم لا

واحدة معلقة بالهواء، والاخرى معلقة بالموسيقى

 بهذه الحقيقة أغني

أبكي على الجسد الذي لمسته ورأيت العالم

أتكلم عنك وعني

 لأني أحبكَ حباً

واعرف كيف أدخل مثل البدر

في أي مكان اخر هو لكَ

أنثر وريقات الزهور لتمنحني القوة

في النوم واليقظة تأخذني اليكَ

أسمع صوت الامواج تداعبك، وتقبلك وتهمس بوداعة (ماذا) و(ها)

دائماً انتَ نجمة ودائما أنا ظلام

دائماً أنت تمثال حجري، وأنا في ظلك أكبر

نافذتك مغلقة وأنا الهواء الذي يفتحها

لأني أحبكَ حباً

دائماً أنت العملة وأنا العبادة نتبادلها سوية.

في كل الليل نسمع هزيز الريح

على الاقل اتنفس فيكَ

ليس لدي سوى الجدران الاربعة،

اصيح بكَ حتى يبح صوتي

رائحتك استنشقها والناس غاضبة مني

لأن حبي لا يزهر في مكانٍ آخر

من المبكر ان يتحملوا حبنا

من المبكر أن يفهموا حبنا

لهذا أهتف أحبك. أتسمعني؟

لا تتركني وترحل. أتسمعني؟

سيأتي يوماً تسمع نداء حبي. أتسمعني؟

لا أذهب الى اي مكان آخر. أتسمعني؟

ليس هناك مكان آخر يتسع لحبنا.. أتسمعني؟

هذه زهرة العاصفة. أتسمعني؟.

 قطعناها سوية الى الابد

ولا يمكن أن تزهر في مكان آخر

لا ارض. لا نجمة. أتسمعني ؟

لا يوجد تراب. لا يوجد هواء لمسناه

هو نفسه. أتسمعني؟

***

النص اليوناني:

Το Μονόγραμμα του Οδυσσέα Ελύτη (απόσπασμα)

Σ’ αγαπάω μ’ ακούς;

Κλαίω، πως αλλιώς، αφού αγαπιούνται οι άνθρωποι

κλαίω για τα χρόνια που έρχονται χωρίς εμάς

και τραγουδάω για τα αλλά που πέρασαν، εάν είναι αλήθεια.

Για τα «πίστεψέ με» και τα «μη.»

Μια στον αέρα μια στη μουσική،

εάν αυτά είναι αλήθεια τραγουδάω

κλαίω για το σώμα πού άγγιξα και είδα τον κόσμο.

Έτσι μιλώ για σένα και για μένα..

Επειδή σ’ αγαπάω και στην αγάπη

ξέρω να μπαίνω σαν πανσέληνος

από παντού، για σένα

μέσα στα σεντόνια، να μαδάω λουλούδια κι έχω τη δύναμη.

Αποκοιμισμένο، να φυσάω να σε πηγαίνω παντού،

σ’ έχουν ακούσει τα κύματα πως χαϊδεύεις،

πως φιλάς، πως λες ψιθυριστά το «τι» και το «ε.»

Πάντα εμείς το φως κι η σκιά.

Πάντα εσύ τ’ αστεράκι και πάντα εγώ το σκοτάδι،

πάντα εσύ το πέτρινο άγαλμα και πάντα εγώ η σκιά πού μεγαλώνει.

Το κλειστό παντζούρι εσύ، ο αέρας πού το ανοίγει εγώ.

Επειδή σ’ αγαπάω και σ’ αγαπάω.

Πάντα εσύ το νόμισμα και εγώ η λατρεία που το εξαργυρώνει

τόσο η νύχτα، τόσο η βοή στον άνεμο.

Τόσο η ελάχιστη σου αναπνοή που πια

δεν έχω τίποτε άλλο μες στους τέσσερις τοίχους،

το ταβάνι، το πάτωμα να φωνάζω από σένα

και να με χτυπά η φωνή μου

να μυρίζω από σένα και ν’ αγριεύουν οι άνθρωποι.

Επειδή το αδοκίμαστο και το απ’ αλλού φερμένο

δεν τ’ αντέχουν οι άνθρωποι κι είναι νωρίς، μ’ακούς;

Είναι νωρίς ακόμη μέσα στον κόσμο αυτόν αγάπη μου

να μιλώ για σένα και για μένα.

Είναι νωρίς ακόμη μες στον κόσμο αυτόν، μ’ ακούς;

Είμ’ εγώ، μ’ ακούς; Σ’ αγαπάω، μ’ ακούς;

Πού μ’ αφήνεις، που πας، μ’ ακούς;

Θα ’ρθει μέρα، μ’ ακούς; για μας، μ’ ακούς;

Πουθενά δεν πάω، μ’ ακούς;

Ή κανείς ή κι οι δύο μαζί، μ’ ακούς;

το λουλούδι αυτό της καταιγίδας και μ’ ακούς;

Της αγάπης μια για πάντα το κόψαμε

και δεν γίνεται ν’ ανθίσει αλλιώς، μ’ ακούς;

Σ’ άλλη γη، σ’ άλλο αστέρι، μ’ ακούς;

δεν υπάρχει το χώμα δεν υπάρχει ο αέρας που αγγίξαμε،

ο ίδιος، μ’ ακούς;

....................................

الشاعر: اوديسيوس أيليتس: (1911 - 1996)

- من الشعراء اليونان البارزين

- اشترك في المقاومة ضد النازية الالمانية

- في عام 1960 حصل على جائزة الدولة الاولى في الشعر

- في عام 1979 حصل على جائزة نوبل للاداب

- ترجمت دواودينه الشعرية الى الكثير من لغات العالم

- كما حصل على الجوائز والتكريم. منها منحه شهادة دكتواه فخرية من جامعة السوبورن الفرنسية

- في عام 1995. في زمن رئيس الوزراء السابق (أدوني ساماراس) رشح لتولي منصب رئيس الجمهورية اليونانية. لكن الشاعر رفض المنصب.

× تعاون مع الموسيقار العالمي ميكيس ثيدرو ذاكيس، في تحويل قصائد الى اغاني

وهذا رابط احدى قصائده الغنائية :

 https://youtu.be/ubucwyGCHQU

 

 

علي القاسميبقلم: الأديب الأمريكي إرنست همنغواي

ترجمة: علي القاسمي


انفتح بابُ مطعمِ هنري ودخل رجلان. وجلسا إلى منضدة المطعم الرئيسة. فسألهما النادل جورج: "ما طلبكما؟"

قال أحدهما: " لا أعرف. ماذا تريد أن تأكل يا آل؟"

فأجاب آل : " لا أعرف. لا أعرف ماذا أريد أن آكل."

وأخذ الظلام بالهبوط خارج المطعم. وكان من الممكن رؤية مصابيح الشوارع وهي تُضاء من خلال النافذة. وراح الرجلان يطالعان لائحة الطعام. ومن الجانب الآخر للمنضدة أخذ آدمز يراقبهما، وكان يتحدّث مع جورج عندما دخلا.

قال الرجل الأوّل:

ـ "سآخذ شرائح خنزير مشويّة مع صلصة تفّاح وبطاطس مطحونة."

ـ " هذه الأكلة ليست جاهزة بعد."

ـ " ولماذا وضعتموها على لائحة الطعام إذن؟"

نظر جورج إلى الساعة المعلَّقة على الحائط خلف المنضدة، وقال:

ـ " إنّها الساعة الخامسة."

فقال الرجل الثاني: " الساعة تشير إلى الخامسة وعشرين دقيقة."

ـ " هذه الساعة تزيّد عشرين دقيقة."

فقال الرجل الأوّل :

ـ " فلتذهب الساعة إلى الجحيم. ماذا عندك من الطعام؟"

قال جورج: " أستطيع أن أعطيكما أيَّ نوع من الشطائر (السندويتشات). يمكنكما أن تأخذا لحم الفخذ بالبيض، أو لحم الظَّهر بالبيض، أو الكبدة مع لحم الظَّهر، أو شريحة لحم مقليَّة."

ـ " أعطني دجاجة مع بازلاء خضراء وصلصة قشدة وبطاطس مطحونة."

ـ " هذه الأكلة تُقدّم في العشاء."

ـ " كلُّ الذي نريده يُقدّم في العشاء، ها؟ هذه هي الطريقة التي تعملون بها."

ـ " يمكنني أن أعطيك لحم فخذ بالبيض، أو لحم ظهر بالبيض، أو كبدة ــ"

ـ " سآخذ لحم فخذ بالبيض"، قال ذلك الرجلُ الذي يُدعى آل. وكان يلبس قبَّعةً عريضةً ومعطفاً أسود وقد شُدَّت جميع أزراره على الصدر، وله وجه صغير أبيض وشفتان مضمومتان؛ و يرتدي شالاً حريرياً وقفّازين.

ـ " أعطني لحم ظهر بالبيض" قال الرجل الآخر؛ وكان بنفس حجم آل. وكان وجهاهما مختلفَين، ولكنَّهما ارتديا نفس الملابس كما لو كانا توأمين. فكلاهما لبس معطفاً ضيِّقاً. وجلسا منحنيَين إلى الأمام، متكئَين على مرفقيهما على المنضدة.

وسأل آل:

ـ " أ لديكم أيّ شيءٍ للشرب؟"

فأجاب جورج :

ـ "الجعة الفضيّة، أو البيفو، أو الزنجبيل."

ـ " أعني هل لديكم شيءٌ يُشرب؟"

ـ " فقط ما ذكرتُ"

قال الآخر:

ـ " هذه مدينة حارّة. ماذا يسمّونها؟"

ـ " سوميت"

فسأل آل صديقه:

ـ " هل سمعتَ بها من قبل."

أجاب صديقه:

ـ " لا."

فسأل آل:

ـ " وماذا تفعلون هنا ليلاً؟"

فقال صديقه:

ـ " يأكلون العشاء. يأتون هنا ويأكلون العشاء."

وقال جورج:

ـ " هذا صحيح."

فسأل آل جورج:

ـ " إذن أنتَ تظنّ ذلك صحيحاً؟"

قال جورج:

ـ " بالتأكيد ".

ـ " أنتَ ولدٌ نبيه، أليس كذلك؟"

قال جورج:

ـ " بالتأكيد"

قال الرجل الآخر الصغير:

ـ " حسنا، أنتَ لستَ نبيهاً. أليس كذلك، يا آل؟"

ـ " إنّه غبيّ" قال آل ذلك، واستدار إلى آدمز وسأله :

ـ " ما اسمك؟"

ـ " آدمز"

فقال آل:

ـ "‎ ولدٌ نبيهٌ آخر. ألا تظنّ أنّه ولدٌ نبيهٌ، يا ماكس؟"

قال ماكس:

ـ " هذه المدينة مليئة بالأولاد النابهين."

ووضع جورج الصحنَين على المنضدة وفي أحدهما لحم فخذ بالبيض وفي الآخر لحم ظَهر بالبيض. ووضع إلى جانبهما صحنَين فيهما بطاطس مقليّة، وأغلق البويب المؤدّي إلى المطبخ.

فسأل آل :

ـ " أيهما طلبك؟"

ـ " ألا تذكر؟

ـ " لحم الفخذ بالبيض."

ـ " إنّه ولد نبيه حقّاَ." قال ماكس، ومال إلى الأمام وأخذ لحم الفخذ بالبيض، وأكل كِلا الرجلَين بقفازيهما. وراقبهما جورج وهما يأكلان.

ـ " ما الذي تنظر إليه؟" هكذا سأل ماكس وهو يحدّق في جورج.

ـ " لا شيء."

ـ " فلتذهب إلى الجحيم. كنتَ تنظر إليّ."

فقال آل:

ـ " ربّما كان الولد يقصد المداعبة."

ضحك جورج.

ـ " لا ينبغي لكَ أن تضحك" قال له ماكس " لا ينبغي لك أن تضحك مطلقاً، فهمتَ؟"

قال جورج:

ـ " طيِّب."

فقال ماكس مخاطباً آل:

ـ " إذن هو يعتقد أنَّ الأمر طيِّب."

ووجه آل السؤال إلى ماكس قائلاً:

ـ " ما اسم الولد النبيه هناك خلف المنضدة؟"

فقال ماكس موجها كلامه إلى آدمز:

ـ " أنتَ، أيّها الولد النبيه! اذهبْ إلى الجهة الثانية من المنضدة بجانب صديقكَ."

سأل آدمز:

ـ " وما المقصود؟

ـ " لا يوجد أيُّ قصد."

وقال آل: " من الأفضل لكَ أن تذهب إلى الجهة الثانية، أيّها الولد النبيه!" فذهب آدمز إلى الجهة الثانية من المنضدة.

وسأل جورج:

ـ " وما المقصود؟"

قال آل:

ـ " ليس هذا من شأنكَ اللعين. مََن هناك في المطبخ؟"

ـ " الزنجيّ."

ـ " ماذا تعني بالزنجيّ؟"

ـ " الزنجيّ الذي يطبخ."

ـ " اطلبْ منه أن يأتي."

ـ " ما المقصود؟"

ـ " اطلبْ منه أن يأتي."

ـ " في أيّ مكان تظنّ نفسك؟"

قال الرجل المدعو ماكس:

ـ " نعرف تماماً أين نحن. هل نبدو هازلَين؟"

قال له آل:

ـ " كلامك يبدو هزلاً. لماذا تجادل هذا الصبيّ. اسمعْ" وقال لجورج:

ـ " قُلْ للزنجيّ أن يأتي هنا."

ـ " ماذا ستفعل به؟"

ـ " لا شيء. استخدم دماغك، أيّها الولد النبيه! ماذا نفعل بزنجيّ؟"

فتح جورج النافذة الصغيرة التي تطلُّ على المطبخ ونادى:

ـ " سام! تعال هنا دقيقة."

انفتح باب المطبخ وجاء الزنجيّ، وسأل:

ـ " ما هناك؟"

وألقى الرجلان الجالسان إلى المنضدة نظرةً عليه.

وقال آل:

ـ " حسناً، أيُّها الزنجيّ! قِفْ هناك بالضبط."

فنظر سام إلى الرجلَين الجالسَين إلى المنضدة، وقال:

ـ " نعم، يا سيدي!" فنزل آل من مقعده وقال:

ـ سأذهب إلى المطبخ مع الزنجيّ والولد النبيه. ارجعْ إلى المطبخ، أيّها الزنجيّ! وأنتَ اذهبْ معه، أيّها الولد النبيه!"

وسار الرجل الصغير خلف آدمز وسام الطبّاخ إلى المطبخ. وأُغلِق الباب خلفهم. وجلس الرجل المدعو ماكس إلى المنضدة مقابل جورج. ولم ينظر إلى جورج ولكنّه كان ينظر في المرآة التي تعكس ما هو كائن خلف المنضدة. وكان مطعم هنري في السابق صالون حلاقة.

وقال ماكس وهو ينظر في المرآة: " حسناً، أيّها الولد النبيه! لماذا لا تقول شيئاً؟"

ـ " ما المقصود من كلِّ هذا؟

فقال ماكس منادياً:

ـ " ها، يا آل! يريد الولد النبيه أن يعرف ما المقصود من كلِّ هذا."

وجاء صوت آل من المطبخ قائلاً:

ـ " ولماذا لا تخبره أنتَ؟"

ـ " ماذا تظنّ وراء كلِّ ذلك؟"

ـ " لا أدري."

ـ " ماذا تظنّ؟"

وكان ماكس ينظر إلى المرآة طوالَ الوقت الذي يتكلّم فيه.

ـ " لا أريد أن أقول شيئاً."

ـ " ها، يا آل! يقول الولد النبيه إنّه لا يريد أن يقول ما يظنّ بكلِّ ذلك."

وقال آل من المطبخ:

ـ " لا أستطيع أن أسمعكَ جيّداً." ودفع، بقنينة صلصة طماطم، النافذةَ التي تمرُّ منها الأطباق إلى المطبخ، وأضاف:

ـ " اسمعْ، أيّها الولد النبيه!" وقال من المطبخ مخاطباً جورج:

ـ " ابتعدْ قليلاً من البار، وأنتَ، يا ماكس، تحرّك قليلا إلى اليسار." وكان مثل المصوِّر الذي يتّخذ الترتيبات لصورة جماعيّة.

وقال ماكس:

ـ " كلّمني، أيّها الولد النبيه! ما الذي تظنّ أنّه سيحدث؟"

لم يقُلْ جورج شيئاً.

فقال ماكس:

ـ " أنا أُخبِركَ. سنقتل سويديّاً. هل تعرف سويديّاً طويلاً اسمه أولي أندرسون؟"

ـ " نعم."

ـ " يأتي هنا كلَّ ليلة ليأكل، أليس كذلك؟

ـ " أحياناً يأتي هنا."

ـ " يأتي هنا في الساعة السادسة، أليس كذلك؟

ـ " إذا أتى."

فقال ماكس:

ـ " نعرف كلَّ ذلك. والآن تحدّث عن شيءٍ آخر. هل تذهب إلى السينما؟"

ـ " أحياناً."

ـ " ينبغي عليك أن تذهب إلى السينما أكثر. فالأفلام السينمائيّة مفيدة لولدٍ نبيه مثلكَ."

ـ " لماذا تريدان أن تقتلا العجوز أندرسون؟ ما الذي فعله بكما؟"

ـ " لم تُتح له الفرصة لفعل أيِّ شيءٍ بنا. حتّى أنّه لم يَرَنا قط."

وجاء صوت آل من المطبخ: " وسيرانا مرَّةً واحدة فقط."

فسأل جورج :

ـ " إذن لماذا تريدان أن تقتلاه؟"

ـ " سنقتله لفائدة صديق. فقط لنُسدي معروفاً لصديق، أيُّها الولد النبيه!"

قال آل من المطبخ:

ـ " اسكتْ! اللعنة، إنّكَ تتكلَّم أكثر من اللازم."

ـ " حسناً، أريد أن يستمتع الولد النبيه، أليس كذلك، أيّها الولد النبيه؟"

فقال آل:

ـ " إنّكَ تتكلّم أكثر من اللازم. إنّ الزنجي والولد النبيه يستمتعان بمفردهما. لقد ربطتهما مثل راهبتَين صديقتَين حميمتَين في الدَّير."

ـ " أفترضُ أنّكَ كنتَ في دَير."

ـ " ومن يُدريك"

ـ كنتَ في دَير يتوفّر فيه الطعام اليهوديّ. هذا ما كنتَ فيه."

ونظر جورج إلى الساعة.

ـ " إذا دخل كائن من كان، اخبره أنّ الطباخ غير موجود. وإذا ألحّ أحدهم اطلبْ منه أن يدخل إلى المطبخ ويطبخ لنفسه. هل فهمتَ ذلك، أيّها الولد النبيه؟

قال جورج:

ـ " طيّب. وماذا ستفعلان بنا بعد ذلك؟"

قال ماكس:

ـ " هذا يعتمد. هذا من الأشياء التي لا نعرفها إلا في حينها."

فنظر جورج إلى الساعة. وكانت السادسة والربع. وانفتح الباب من الشارع. ودخل سائق حافلة، وقال:

ـ " مرحباً جورج! هل أستطيع أن أتناول العشاء؟"

فقال جورج:

ـ " لقد خرج سام. وسيعود بعد نصف ساعة تقريباً."

قال السائق:

ـ " من الأفضل أن أواصل السير.".

ونظر جورج إلى الساعة. وكانت السادسة والدقيقة العشرين.

قال ماكس:

ـ " هذا لطيف، أيّها الولد النبيه!" " أنتَ (جنتلمان) صغير اعتياديّ."

فقال آل من المطبخ:

ـ " يعرف أنّني كنتُ سأطلق النار على رأسه."

قال ماكس:

ـ " لا، ليس ذلك. فالولد النبيه لطيف. إنّه ولد لطيف. وهو يعجبني."

وفي الساعة السادسة وخمسٍ وخمسين دقيقة قال جورج:

ـ " إنه لن يأتي اليوم."

وكان هناك شخصان في المطعم. ودخل جورج المطبخ ليعدَّ شطيرةً من لحم الفخذ بالبيض لزبونٍ أراد أن يحملها معه. فرأى في داخل المطبخ آل، وقبعته العريضة مائلة إلى الخلف، وهو جالس على مقعدٍ عالٍ بجانب البويب. وكان آدمز والطبّاخ موثوقين ظهراً لظهر في الزاوية، وقد شُدّت منشفة في فم كلِّ واحد منهما. أعدّ جورج الشطيرة، ولفّها في ورق مشمّع، ووضعها في كيس، وجاء بها، ودفع الرجل ثمنها وانصرف.

فقال ماكس:

ـ " الولد النبيه يستطيع أن يفعل كلَّ شيء. يمكنه أن يطبخ كلَّ شيء. ستجعل من فتاةٍ ما زوجة سعيدة، أيّها الولد النبيه!"

قال جورج: ـ

ـ " نعم" ، وأضاف: " صديقك أولي أندرسون لن يأتي."

فقال ماكس: " سنعطيه عشر دقائق أُخرى."

وظل ماكس يراقب المرآة والساعة. وأخذتْ عقاربُ الساعة تشير إلى السابعة، ثم إلى السابعة وخمس دقائق.

قال ماكس:

ـ " تعال، يا آل! يحسن بنا أن نذهب. إنّه لن يأتي."

فقال آل من المطبخ:

ـ " الأفضل أن نعطيه خمس دقائق أُخرى."

وخلال تلك الدقائق الخمس، دخل رجل إلى المطعم، وبيّن له جورج أنَّ الطبّاخ مريض. فسأل الرجل قائلاً:

ـ " اللعنة، لماذا لا تأتون بطبّاخٍ آخر؟ ألم تفتحوا المطعم للزبائن؟"، ثم خرج.

قال ماكس:

ـ " انهض، يا آل!"

ـ " وماذا عن الولدَين النبيهَين والزنجيّ؟"

ـ " إنّهم على ما يرام."

ـ " أتظنّ ذلك؟"

ـ " بالتأكيد. لقد انتهينا من الموضوع."

فقال آل:

ـ " أنا لا أحبّ ذلك. هذا مزلق. وأنتَ تكلَّمتَ أكثر من اللازم."

قال ماكس:

ـ " أوه، يا للجحيمّ. كان علينا أن نستمتع، أليس كذلك؟"

قال آل:

ـ " ومع ذلك، فقد تكلمتَ أكثر من اللازم.". وخرج من المطبخ.

وكانت ماسورة مسدَّسه تكوِّن انتفاخاً خفيفاً في المعطف الضيِّق عند الخصر. وسوّى معطفه بيدَيه المغطاتَين بالقفازَين. وقال لجورج:

ـ " إلى اللقاء، أيُّها الولد النبيه! عندك حظٌّ كثير."

فقال ماكس:

ـ " هذه هي الحقيقة. ينبغي أن تراهن في سباق الخيل، أيّها الولد النبيه!"

وخرج كلاهما من الباب. فراقبهما جورج من الشبّاك وهما يمرّان تحت المصباح ويقطعان الشارع. وكانا في معطفَيهما الضيِّقَين وقبعتَيهما العريضتَين مثل فرقة مسرحيّة. وعاد جورج من خلال البويب المُتأرجِح إلى المطبخ مُلتحِقاً بآدمز والطباخ. فقال سام:

ـ " لا أريد شيئاً من ذلك بعد اليوم. لا أريد شيئاً من ذلك بعد اليوم."

ووقف آدمز مُنتصِباً. ولم يكُنْ قد وضع أحدٌ منشفةً في فمه من قبل. وقال وهو يحاول إخفاء خوفه:

ـ " قُلْ لي، ما الموضوع، يا تُرى؟"

فقال جورج:

ـ " كانا سيقتلان أولي أندرسون. كانا سيُطلِقان عليه النار عندما يدخل المطعم ليأكل."

ـ "أولي أندرسون؟"

ـ " مؤكَّد."

وتحسَّس الطبّاخ زاويتي فمه بإبهامَيه. وسأل:

ـ "هل انصرفا؟"

أجاب جورج:

ـ " نعم، انصرفا الآن."

فقال الطبّاخ:

ـ " أنا لا أحبُّ ذلك. أنا لا أحبُّ شيئاً من ذلك مطلقاً."

قال جورج لآدمز:

ـ " اسمعْ، من الأفضل أن تذهب لرؤية أولي أندرسون."

ـ " حسناً."

قال سام الطبّاخ:

ـ " من الأفضل أن لا تتدخَّلا في هذا الموضوع مطلقاً. من الأفضل أن تظلا بعيدَين عنه."

فقال جورج:

ـ " لا تذهب، إذا كنت لا تريد ذلك."

قال الطبّاخ:

ـ " إنَّ خوضك في هذا الموضوع لا يدرّ عليك بفائدة. ابقَ بعيداً عنه."

قال آدمز لجورج:

ـ " سأذهب لأراه، أين يسكن؟"

أدار الطبّاخ ظهره قائلاً:

ـ " الأولاد الصغار يعرفون دائماً ما يريدون أن يفعلوا."

قال جورج لآدمز:

ـ " إنّه يسكن في عمارة هيرش لإيجار الغرف".

ـ " سأذهب إلى هناك."

وكان المصباح، خارج المطعم، يُلقي ضوءَه على أغصان شجرة عارية. ومشى آدمز على رصيف الشارع بمحاذاة السيّارات، واستدار عند عمود المصباح في شارع فرعيّ. وبعد ثلاثة دور وصل إلى عمارة هيرش لإيجار الغرف. وصعد آدمز الدرجتَين وضغط على زرِّ الجرس. وفتحت امرأةٌ الباب:

ـ " هل أولي أندرسون هنا؟"

ـ " أ تريد أن تراه؟"

ـ " نعم، إذا كان موجوداً."

وتبع آدمز المرأة مُرتقياً السلَّم إلى الطابق الأوَّل، ثم إلى نهاية الممرِّ. وطرقتِ الباب.

ـ " مَن هناك؟"

قالت المرأة:

ـ " هناك شخص يريد أن يراك، يا سيد أندرسون!"

ـ " أنا آدمز."

ـ " ادخلْ."

ففتح آدمز الباب ودخل في الغرفة. كان أولي أندرسون مُمدَّدا على السرير وهو يرتدي كامل ملابسه. كان في السابق ملاكماً مُحترِفاً من الوزن الثقيل. وكان طويلاً أكثر من اللازم بالنسبة إلى الفراش. كان مُستلقياً ورأسه على وسادتَين. لم ينظر إلى آدمز.

قال آدمز:

ـ " كنتُ في مطعم هنري، ودخل شخصان وأوثقاني والطبّاخ، وقالا إنّهما سيقتلانك."

وبدا كلامه سخيفاً عندما نطق به. ولم يقُلْ أولي أندرسون شيئاً.

وواصل آدمز كلامه قائلاً:

ـ " حجزانا في المطبخ. وكانا سيطلقان النار عليك لو دخلت المطعم لتناول العشاء."

نظر أولي أندرسون إلى الحائط ولم يقُلْ شيئاً.

ـ " وارتأى جورج أنّه من الأفضل أن آتي وأخبرك بذلك."

فقال أولي أندرسون:

ـ " ليس هنالك من شيء أستطيع أن أفعله في هذا الشأن."

ـ " سأصفهما لك."

قال أولي أندرسون ـ " لا أريد أن أعرف أوصافهما،" ونظر إلى الحائط وأضاف:

ـ " شكراً لك لأنّكَ أتيت لتخبرني بالموضوع."

ـ " لا شكر على الواجب."

ونظر آدمز إلى الرجل الضخم المستلقي على السرير.

ـ " ألا تريدني أن أذهب لأخبر الشرطة؟"

قال أولي أندرسون:

ـ " لا، لا ينفع ذلك بشيء."

ـ " هل هنالك من شيء يمكنني أن أفعله من أجلك؟"

ـ " لا. لا شيء يمكن فعله الآن."

ـ " ربّما كان الأمر مجرَّد تهديد."

ـ " لا، ليس مجرّد تهديد."

وتحوَّل أولي أندرسون إلى الجدار. وقال وهو يتكلَّم في اتّجاه الجدار:

ـ " الشيء الوحيد هو أنّني لا أستطيع أن اتّخذ قراراً بالخروج. فأنا هنا طوال النهار."

ـ " ألا يمكنكَ مغادرة البلدة."

قال أولي أندرسون:

ـ " لا، لقد انتهيتُ من كلِّ تلك التنقُّلات." ونظر إلى الحائط وأضاف:

ـ " لا شيء يمكن فعله الآن"

ـ " ألا يمكنك إصلاح الأمر بطريقةٍ ما؟"

ـ " لا، فقد وقعتُ في المحذور." وأضاف وهو يتكلَّم بنفس الصوت المستوي: " لا شيء يمكن فعله. بعد قليل سأحزم أمري بالخروج."

فقال آدمز:

ـ " يجب أن أعود وأرى جورج."

قال أولي أندرسون:

ـ " مع السلامة". ولم ينظر ناحية آدمز " شكراً على مجيئكَ هنا."

وخرج آدمز. وبينما كان يغلق الباب، رأى أولي أندرسون بكامل ملابسه وهو مُستلقٍ على الفراش ينظر إلى الحائط.

قالت صاحبة العمارة في الطابق الأرضيّ:

ـ " لقد بقي في غرفته طوال النهار. أحسب أنّه ليس على ما يرام. قُلتُ له: يا سيد أندرسون! يحسن بك أن تخرج وتتمشّى قليلاً في يومٍ صحوٍ كهذا اليوم، ولكنّه لم يشعر برغبة في ذلك."

ـ " إنّه لا يريد الخروج."

قالت المرأة:

ـ " آسفة لأنّه ليس على ما يرام. إنّه رجل لطيف جدّاً. كان يحترف الملاكمة، كما تعلم."

ـ " أعرف ذلك."

قالت المرأة:

ـ " لا يمكنك أن تعرف ذلك من ملامح وجهه أبداً". وظلا واقفَين يتحدّثان قرب باب العمارة من الداخل. وأضافت قائلة:

ـ " إنّه رجل مُهذَّب جدّاً."

ـ " حسناً، ليلة سعيدة، يا سيدة هيرش!"

قالت المرأة:

ـ " أنا لستُ السيدة هيرش؛ إنّها تملك العمارة في حين أقوم أنا بالعناية بها فقط. إنّني السيدة بيل."

فقال آدمز:

ـ " حسنا، ليلة سعيدة، يا سيدة بيل!"

قالت المرأة:

ـ " ليلة سعيدة."

وسار آدمز في الشارع المُظلِم حتّى بلغ الزاوية عند المصباح ثم استدار ماشياً بجانب السيّارات حتّى وصل إلى مطعم هنري. وكان جورج في داخله خلف المنضدة.

ـ " هل رأيت أولي؟"

،" قال آدمز:

ـ " نعم؛ هو في غرفته ولا يريد الخروج."

وفتح الطباخ البويب من المطبخ عندما سمع صوت آدمز، وقال:

ـ " لا أريد حتّى أن أسمع عنه." وأغلق البويب.

وسأل جورج:

ـ " هل أخبرتَه بالموضوع؟"

ـ " طبعاً، أخبرتُه ولكنّه يعرف الأسباب."

ـ " ماذا سيفعل؟"

ـ " لا شيء."

ـ " سيقتلونه."

ـ " أحسب ذلك."

ـ " لا بدّ أنّه تورَّط في شيءٍ ما في شيكاغو."

ـ " أحسب ذلك."

ـ " يا له من شيءٍ خطير!"

فقال آدمز:

ـ " إنّه شيءٌ مخيف."

ولم يقولا شيئاً آخر. وانحنى جورج وتناول منشفةً ومسح بها المنضدة.

وقال آدمز:

ـ " أتساءل ما الذي كان قد فعله؟"

ـ " احتال على شخص ما. هذا ما يقتلونهم من أجله."

قال آدمز:

ـ " سأنتقل من هذه البلدة."

قال جورج:

ـ " نعم، ‎ هذا خير ما تفعل."

ـ " لا أحتمل التفكير فيه وهو ينتظر في غرفته ويعرف أنّه سيُقتل. إنّه شيءٌ مُخيف حقّاً."

قال جورج:

ـ " حسناً، من الأفضل لكً ألا تفكِّر في الأمر."

 

...........................

* في عام 1999، احتفلتِ الأوساط الثقافيّة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة بالذكرى السنويّة المئويّة لميلاد الروائيّ الشهير أرنست همنغواي Earnest Hemingway، الذي يُعَدّ رائدًا من روّاد الأدب الأمريكيّ الحديث، إذ إنَّه غيَّر أسلوب السرد القصصيّ باللغة الإنجليزيّة، ونحا به نحو البساطة والوضوح في التعبير، وابتكر تقنيات سردية جديدة، في مقدمتها "جبل الجليد" أي أنك ترى قمة جبل الجليد في المحيط، وتقدِّر حجم الجبل المغمور في الماء، فالقصة تستخدم التلميح بدل التصريح، وعلى القارئ أن يعمل خياله لمعرفة التفاصيل.

تختلط الأسطورة بالحقيقة فيما يتداوله الناس عن حياة همنغواي الزاخرة بالمغامرات وركوب المخاطر، نتيجةً للهوايات العنيفة التي كان يزاولها مثل صيد الأسود في أفريقيا، والتزلُّج على الجليد في النمسا، وما كتبه عن مصارعة الثيران في إسبانيا، وغير ذلك. فعندما زرتُ منزل همنغواي الذي أصبح متحفاً في جزيرة كي ويست في ولاية فلوريدا الأمريكية، كانت هنالك بعض القطط التي يشاع عنها أنها من أحفاد قطة همنغواي، على حين أنني قرأت مقالاً يؤكِّد أنّ تلك القطط لا علاقة لها بهمنغواي من قريب أو بعيد، بل تعود إلى حارس المتحف.

تطوَّع همنغواي للاشتراك في الحرب العالميّة الأولى (1914ـ1918) ولكنَّه رُفِض بسبب باطن قدمه المُسطَّح، ولدى إصراره، جُنِّد بصفة سائق سيّارة إسعاف في الجبهة الإيطاليّة. وقد أُصيب هناك بجرحٍ خطيرٍ.

وبعد نهاية الحرب، استقرَّ، مع زوجته الأولى، في باريس (1921ـ1926)، مراسلاً صحفيّاً ثمَّ تفرَّغ هناك لكتابة القصّة والرواية. وكتب في باريس أوّل رواياته، من وحي تجربته في الحرب، وعنوانها " الشمس تشرق ثانية"(1926) قبل أن يعود إلى الولايات المّتحدة. وتسرد روايته السيرذاتيّة " الوليمة المتنقّلة" التي كتبها قبيل وفاته والتي ترجمناها إلى العربية، جانباً من حياته في تلك الفترة التي عاشها في باريس.

وتطوع مراسلاً حربيّاً في إسبانيا خلال الحرب الأهليّة الإسبانيّة (1936-1939). واستوحى من تلك الحرب روايته " لمن يقرع الجرس؟". وعدداً من قصصه القصيرة الرائعة، مثل قصته “ شيخ على الجسر” التي سبق أن ترجمناها في كتابنا “ مرافئ على الشاطئ الآخر”.

وعاش همنغواي في جزيرة كي ويست الأمريكيّة في منزل كبير قبل أن يستقرّ في أحد شواطئ هافانا في كوبا إبتداءً من سنة 1940 حتى نجاح الثورة الكوبيّة بقيادة فيدل كاسترو سنة 1959. وكان يمارس هواية صيد السمك هناك. وكتب في هافانا قصّته الطويلة " الشيخ والبحر" التي نشرتها مجلة "لايف" الأمريكية سنة 1952 والتي ترجمناها إلى العربية. وحاز همنغواي بفضل هذه القصة جائزة البولتزر الأمريكيّة سنة 1953، ثم نال جائزة نوبل سنة 1954.

وحوّلت صناعة السينما الأمريكية معظم روايات همنغواي وقصصه إلى أشرطة سينمائية رائعة. كما تحظى مجاميعه القصصية ورواياته العديدة بإقبال القراء في إنحاء العالم. وقد اختار الكاتب الأمريكي جون أبدايك قصَّة " القتلة" التي نترجمها في هذا الكتاب، ليضمّها إلى كتابه "أحسن القصص الأمريكيّة القصيرة في القرن العشرين" الصادر عام 1999.

تزوّج همنغواي أربع مرّات وخلَّف عدداً من الأولاد. وتوفّي منتحراً عام 1961. وكان والده الطبيب قد انتحر قبله، وانتحرت بعده بمدة طويلة حفيدته الممثلة مارغو همنغواي.

** صدرت في كتاب : علي القاسمي. أبدع أروع القصص الأمريكية المعاصرة (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2018).

 

عامر كامل السامرائي

للشاعر المجري: زاڤادا پيتر

ترجمة: عامر كامل السامرّائي


هُنالكَ شاطئٌ، سيكون حَاضِراً بعد بضع دقائق.

سَأدرك حينها، إلى أين سيَنفُذ هذا الطريق الذي،

مِنْ هنا لا تُرى نهايته.

 

مُنحدِراً يَمتدُّ عَموديّاً على البحرِ،

حَيثُ تَتَوالى النَّوارسُ، وتنسابُ مُضطربة

حَتَّى تَضِلَّ طَريقَها إِلى الماءِ.

 

عَلى تلك الضفة، تميلُ المنازل

نَحو الضوء خُفية، مثل زهور الشمس،

وَالعتمة التي تهبط فجأة،

تَمنحُ الساحات أسماء جديدة.

 

سَأدرك حينها، كيف تتجسد الساعات،

ولنْ تُبقى مساحة تكفي، للوقت المتراكم باطراد.

فَالذي آتٍ، يزاحم ما انتهى.

(2)

أَقفُ دائماً بين حدثين.

أَسندهما، لكيلا ينهارا.

تَنبسِطُ كفي على جدار المستقبل.

تَمسك بمقبض الباب البارد دون ريبة،

لِأدخُل قريباً.

 

فَربما هي تعرف شيئاً،

لَستُ قادراً على تَخيُّله،

تَندفع ببداهةٍ حيثما يجب،

كُلَّ يوم تخادع الموت بدلاً عني.

(3)

أَنا لا أنتهي عند جِلدي.

حُدودي، كحَبْليّ أرجوحة،

أَتخطاها، وأفيض على ضفافي التي أعرفها.

 

العالمُ يلامس جسدي،

يَترشح من مساماتي.

أتطلع إليكِ، بينما يتموج صدركِ باضطراب،

كما البدر، حِين يجذب نحوه مائج البحر.

 

ثُمَ سماء صافية،

وصارية بلا شراع مهجورة،

وشجيرات اجتذبت تحت ظلالها الخليج.

 

تَوَّدُ كلماتنا لو تفشي ما في دواخلنا،

لكننا عالقون في حناجرها

صوتاً هزيلاً ننغمر في مقطع عَرَضيّ

***

 

......................

نبذة عن حياة الشاعر:

ولد الشاعر زاڤادا پيتر في بودابست عام 1982، وهو الابن الوحيد للكاتب المجري زاڤادا پال ولمؤرخة الفن السيدة آجنش جيتفايي. حصل على عدة شهادات جامعية في الإدارة والاقتصادي، وشهادة من كلية الآداب التي تعلم فيها اللغة الإنكليزية والإيطالية، كما حصل على شهادة الماجستير والدكتوراه.

صدرت له عدة مجاميع شعرية:

- حَيث انقطع.  عام 2012

- عَسل. عام 2015

- حُطام في ظل الريح. عام 2017 (والتي تحتوي هذه القصيدة)

 

صالح الرزوقبقلم: جيمس كيلمان

ترجمة: صالح الرزوق


 

قال سانديرسون:”صفحتك سوداء يا دانكان”.  نظر من فوق رأسه لمكان ما ونخر من أنفه ثم أضاف:”كنا على وشك فصلك من العمل منذ المرة الماضية”.

رد دانكان:”ولكن يا سيد سانديرسون لهذا الغياب أسباب موجبة”. ونظر لجهة أخرى من الحياء والخجل.

حمل الملف وقال:”وما عذرك لكل هذا. متى كنت هنا آخر مرة. انظر لسجلاتك”. وخبط على الصفحة بيده اليسرى وتابع:” تشرين الثاني: السادس منه. والثامن. والتاسع. والرابع عشر. والعشرون. والواحد والعشرون. والثاني والعشرون”. وألقى سانديرسون بالورقة من يده.

قال دانكان:”ولكن قدمت شهادة صحية لثلاثة أيام”.

قطب سانديرسون ملامحه وقال:” شهادتك لا تنفع. أقصد ماذا سيقول رؤسائي. كلا.سندفع لك حتى نهاية الألسبوع. والآن دعني أفكر. اليوم هو الثلاثاء أليس كذلك؟”.

“نعم”.

“حسنا. حسنا” قال وسجل ملاحظة على ورقة ثم جلس وظهره على مسند كرسيه الجديد.

“والآن يا دانكان. يمكنك العودة إلى البيت وتبديل ثيابك. ثم اذهب إلى المستودع قبل أن يغلق. أو اذهب في الغد. نعم. ربما الغد هو الأفضل”.

“لا عمل اليوم لي إذا؟”.

رفع حاجبيه بدهشة وقال:”اليوم!. لا. لا”. وامتص سانديرسون الهواء بصوت مسموع من بين أسنانه المطبقة، وأضاف مجددا:”كلا!”. وكان صوته مرتفعا وهو يهز رأسه الأصلع بقوة وعنف.

ونهض دانكان وقال:”وهل ستكون البطاقات جاهزة في الغد أيضا”.

نظر  سانديرسون بغرابة إلى دانكان، ولاحظ شعره نصف الطويل، ثم خفض نظراته، وهو يتأمل ياقة بلوزته الرسمية تحت جاكيت البذة وقال:”كما تعلم منذ البداية لم أعتقد أنك تناسب هذا النوع من العمل”. 

شعر دانكان بدمائه تفور في رأسه. يا للمسيح. هذه إهانة. كانت فعلا إهانة.

غمغم سانديرسون يقول:”حاول أن تجمع أشياءك قبل 2:30. اتفقنا؟”. ورفع سماعة الهاتف بيده.

تساءل إذا كان بمقدور سانديرسون أن يسمع ضربات قلبه. ثم انحسر الغضب فقال:”حسنا. سأنفذ تعليماتك يا سيد سانديرسون”.  واستدار وفتح الباب. وبدأ سانديرسون يطلب رقم الهاتف. ونظرت سكرتيرته لدانكان وهو يغاد من الباب الأمامي. وتوقف دانكان لحظة وهو يبتسم وقال:”يا له من قذارة صغيرة؟. أليس كذلك؟”.

التفتت المرأة بكرسيها الدوار وسحبت درجا من خزانة الملفات. أغلق الباب وراءه وتابع عبر البواية إلى الخارج وسار حتى موقف الحافلة. حسنا. هذه هي الخاتمة. من الطيب أن تكون حرا مجددا. ولكننا لا نزال في كانون الثاني؟. وقت سيء من العام لطلب الإعاشة. وربما تكون ممنوعة بحجة سوء التصرف والسلوك. أنت لا تعرف كيف تحسن التصرف بالوقت يا سيد دانكان. أهااا. إنها خطيئة لا تغتفر. ولا يوازيها غير اغتصاب زوجة ملاحظ العمال في المنطقة. ولكن على مديرية شؤون العاملين أن تدفع لأنه هناك زوجة وطفل؟. فجأة نادى شاب يرتدي ثياب مفتش الحافلات:”جاك دانكان؟”. نظر دانكان حوله.

قال:”آه. أليك. كيف حالك؟”.

“ماشية”.

وأشار المفتش للمكتب وقال:”لماذا أنت هنا؟”.

“غياب. تقارير بالتأخير. التنمر”. وهز دانكان كتفيه.

“يا للمسيح. لا بد أنك بحالة سيئة الآن”.

“إي”. ونظر للطريق أمامه.

قل أليك مع ابتسامة:”أفكر بعطلة لأرتاح”.

رد دانكان:”يبدو أن حافلتي تقترب”.

قطب ملامحه وقال:”حسنا يا جاك. ربما نلتقي في وقت ما في بار بيلز”.

“ربما. هل معك يا أليك سيجارة؟”.

“إي”. وقدم أليك علبة سجائر. وقال:”هل تريد سيجارتين؟”.

“إي. إن كنت تستغني عنهما يا رجل”.

“لدي الكفاية. هل أنت تمزح”. وقدم له ثلاث سجائر. وانفجر جاك بالضحك وهز رأسه وقال:”يا له من أمر محرج. اللعنة”.

توقفت الحافلة بجانب الرصيف، واقترب دانكان من الباب. ثم التفت وقال:”نلتقي يا أليك”. وصعد على متنها وجلس في المقعد الخلفي. وأخذ آخر نظرة من المرآب قبل أن تستدير الحافلة من حول المنعطف نحو شارع غلاسكو الرئيسي. كان دانكان يحفظ عن ظهر قلب كل حفرة وهضبة في هذا الطريق. ويمكنه أن يسمي كل بار وصالة رهونات بين حدود المدينة وغارت هيل. استقر في مقعده وأغلق عينيه. كان ينام في بالحافلة بسهولة، بسهولة تامة وفي كل الأوقات. الحافلات ليست سيئة. فالوقت كان مزعجا وفظيعا بما يكفي ولكن يمكنك أن تحصد مبلغا محترما إن عرفت كيف تضبط وقتك. لكن يا للمسيح. كم الوقت الآن سيء بالنسبة للمعونة. وزوجته قلقة من ذلك. ولا تقدره كمايجب. ولعله خرج من رأسها. لكن ربما يجد عملا مؤقتا أو عملين. أن يشرف على استراحة أو مشرب. لديه خبرة سابقة بهذا المجال. عموما، حان الآن الوقت لمكيال من البيرة قبل أن يدفن نفسه في البيت. وهي لا تنتظر عودتي قبيل منتصف الليل في كل الأحوال. وبمقدوره أن يتسكع قليلا. ولعله يراهن بجنيهين على الأحصنة. من يعلم؟. ربما يحالفه الحظ. استغرقت الرحلة إلى شارع كيليرمونت من محطة حافلات غارت هيل أربعا وخمسين دقيقة بالضبط. وحينما نظر جاك في ساعته كان الوقت 2.30 بعد الظهر. ساعة متأخرة بالنسبة لمكيال بيرة. وكان لديه في جيبه 4 قطع نقدية ومساحة حرة تساوي طول وعرض هذا العالم. غير أن هذا لا يكفي لمشاهدة فيلم. مع ذلك أمامه فرصة للرهان أو لجولة على طاولة السنوكر.  ثم لم تكن لديه لفافات إضافية. سار جاك إلى الكشك واشترى نصف أونصة من صان فالي وعلبة ريزلاس. كان يفضل أن يعتمد على الرحلات المجانية بالحافلة. فموظفو المؤسسة وغيرهم من عمال شركات النقل الأخرى اتفقوا بشكل غير رسمي أن يعفوا عموم المفتشين والسائقين من ثمن التذاكر على كل الخطوط إن كانوا بالبذة. ولكن أحيانا كان جاك يضطر للدفع في حافلة المؤسسة إن تصادف أن المفتش من الجيل القديم. وأفراد هذا الجيل في الشركة من الشخصيات القاسية والمتحجرة.. ربما لأنهم كانوا يعملون بالترام. وقسما بالله، هذه مهمة شاقة في تلك الأيام - كانوا يرتدون الياقة البيضاء، وربطة العنق السوداء ومعها حذاء أسود كذلك. كان مظهرهم أفضل من أصحاب الرواتب الجيدة. إي، إي، إي. ليس كما هي الأحوال حاليا. أبدا. وقرر أن يعود أدراجه إلى البيت ويخبر جوان. من الأفضل أن ينتهي من هذا الموضوع. وتابع في شارع بوشنان. وتمهل قرابة دكان جيراردس لثياب الرجال. رأى هناك ربطة عنق ممتازة في الواجهة. تأملها بإعجاب. وفكر أن يقتنيها من أجل عيد الميلاد. كان شارع بوشنان مزدحما بسبب موسم أعياد الميلاد ولا سيما في شارع أرغايل حيث المتاجر والمستودعات باهظة التكاليف.  ربطة العنق هناك تكلف خمس جنيهات ونصف الجنيه. كان شارع أرغايل مشغولا بألوف البشر. وهم بحركة دائبة. وبأيديهم أكياس من ورق وحقائب التسوق. وعندما تبدلت إشارة المرور انطلقوا في الطريق وأصبح رجل الشرطة بياقته الحمراء قليل الحيلة وليس بمقدوره أن يتصرف. سوى أن يشير لهم بيده ليتابعوا سعيهم. بقي أقل من أسبوعين، وضغط الشراء يتزايد قبيل ميقات العيد. كان طابور الحافلة يتمدد أمام أرنوت. ووصل طوله لثلاثين ياردا وكان جاك في نهايته. ولسوء الحظ توجب عليه أن يأخذ دوره في الصف الطويل مثل غيره، فهو يعمل بالحافلات الزرق وليست لديه أفضلية في هذه الشركة. وكان الناس في الطابور يتذمرون، وجاك يصغي لهم بحيادية. من الواضح أن الحافلة رقم 63 و64 لم تظهرا من عشرين دقيقة تقريبا. وكان الثلج بدأ بالتساقط. رجل صغير الحجم وقف بعد جاك. فتح زاوية فمه اليسرى وقال:”برد منيوك. أليس كذلك؟”.

رد جاك:”إي”.

وبصق الرجل الصغير على الحافة، ورفع ياقة معطفه، وأرخى قبعته لتغطي رأسه حتى وصلت أذنيه. و أشار لحافلة تتلكأ عند إشارة المرور وسأل:”ماذا هناك يا ابني؟. هل ذاك هو رقم 64؟”.

قال جاك:”لا. رقم 63”.

“يا للمسيح” قال الرجل الصغير وطامن ما بين كتفيه وانكفأ على نفسه. واشتعل الضوء الأخضر واقتربت الحافلة من الموقف. وهبط منها ثلاثة أشخاص. ومدت المفتشة رأسها ونادت:”أول ثلاثة”. حوالي ثماني نساء قفزن بعزم وإصرار.

“قلت أول ثلاثة!”.

قالت إحدى النساء:”كنا بالانتظار منذ نصف ساعة كما تعلمين”.

ردت المفتشة:”يا للعار. انتظريني حتى ألقي إليك السلم لتتسلقي على الظهر”.

قالت امرأة أخرى:”لا يوجد أكثر من خمسة ركاب واقفين”. ولكن الباب الأوتواتيكي أغلق قبل أن تنتهي من كلامها. وابتعدت الحافلة ثم توقفت مجددا وانفتح الباب وصاح السائق:”أنت. جاك!”. انتبه دانكان وقفز بسرعة دون أن ينتبه للنظرات المستنكرة التي طارده بها الناس الواقفين حوله.

قال:”هاري... متى بدأت هنا”.

رد السائق:”منذ  ثلاثة شهور”. وأغلق الأبواب وانطلق بعيدا.

قال له:”هكذا أفضل من أن تبقى مع تلك الجماعة هناك”.

قال جاك:”الطقس صعب. ولكن حالفني الحظ اليوم”.

“إي”.

“هل سمعت أنهم طردوني من عملي”.

قال السائق:”لا يهم إن حصلت على تزكية”.

“آه. طالبت بذلك”.

وانخرط كلاهما بضحكة واحدة.

“لماذا لا تنضم إلينا هنا”.

قال جاك:“كلا يا هاري. انتهيت من الحافلات. على الأقل في الوقت الحالي”.

كانت الحافلة تمضي من تحت الجسر المركزي.

سأل السائق:”هل من أحد يفكر بالهبوط؟”.

قال جاك وهو ينظر في الممر:”لا”.

قال هاري:”إذا انتظر”.

رفع الناس الواقفون بالطابور عند الموقف أيديهم. وأبطأ السائق الحافلة قليلا على سفح الهضبة، ثم توقف عند الرصيف. وأقلع دون إنذار وزاد من سرعته ملوحا بيده على سبيل التحية، وهو يبتعد في شارع هوب. وانفجر جاك بالضحك. وقال:”يا له من عمل لعين”.

قال هاري مقطبا ملامحه:”اسمع الركاب”. كانوا جميعا يتكلمون بعصبية ويشيرون لغرفة السائق في المقدمة. وجاءت المفتشة  وهي تبتسم. كانت بحدود ثلاثين عاما وترتدي ثيابا أنيقة ونظيفة. قالت:”لقد استفزهم تصرفك. انظر كيف جميعا يثرثرون”.

سأل جاك:”هل شاهدت وجوه الناس في الموقف”.

قالت:”هذا حالهم دائما”. وبدأت بعملها وباشرت بجمع ثمن البطاقات. وتوقفت الثرثرة فجأة. قال هاري:”شيلا معروفة بشكل جيد. حينما تبدأ عملها يلوذون بالصمت”.

ابتسم جاك وقال:”إي. أرى ذلك”.

قال هاري:“شيء يثلج الصدر. فهي في العمل منذ حوالي عشرة سنوات”.

وعادت المفتشة أدراجها وقدمت لهما السجائر. سأل هاري بعد قليل:”أين تعيش يا جاك؟”.

“في باتريك يا رجل. شارع بيث”.

“بجوار المرآب”.

“إي. قبل ساندي رود”.

وتوقفت الحافلة عند الإشارات في تقاطع باتريك.

وتابع جاك كلامه فقال:”غرفة ومطبخ. ومعه مرحاض”.

سألت شيلا:”شراء؟”.

“لا. ستة جنيهات في الشهر مع الضريبة. وتوجد تخفيضات”.

سألته شيلا:”إي. مثل بيت من الشركة”.

قال السائق:”هذا رائع. ولا سيما لو أنه بيت في كاستل ميلك”. ابتسم جاك كأنه موشك على البكاء وقال:”إي. أو في درام”.

قالت شيلا:”أختي تسكن في درام شابيل. وهي مرتاحة تماما.هذا يعتمد على مكان البيت بالضبط”.

رد جاك:”إي. عموما هنا يجب أن أغادر”.

“حسنا. لا تنس أن تزورنا في ويت شيف في أول أمسية ممكنة يا جاك. أنتهي من العمل مبكرا هذا الأسبوع. وسأكون حتما هناك في ليلة الجمعة”.

“حتما. ربما أفعل ذلك”. وهبط من الحافلة وهو يقول:”إلى اللقاء”. وسار في شارع كروفورد الفارغ تقريبا.  لم يبق أحد إلا في  مطلعه وآخره وفي البيت القديم قرابة محطة الخطوط الحديدية. فهو مسكون في الوقت الراهن. وبدأ جاك يشعر بالكآبة لأن كل شيء يحتاج لتفسير حتى تفهم جواني موقفه. وانعطف باتجاه رقم 136 وداس على براز قديم كان هناك. قال وهو يشخر”أولاد حرام”. ولكن لم يحترق من الغضب كما يجب. ومسح حذاءه بصفحة من جريدة. وهنا لفتت العناوين نظره. وقرأ بصوت مرتفع:”باكستير يغادر رانجيرز؟. يا للمسيح ما هذا الكلام”. ونظر للتاريخ وقال بصوت مخنوق”1966”. صعد السلالم. كان السلم مكسورا ومهشما في بعض المواقع. والرطوبة تسيل من جدران مطلية بلون أحمر. وكانت أسماء وشعارات العصابات مكتوبة في كل مكان وبطلاء من ألوان مختلفة. كان آل دانكان يقيمون في الطابق الأخير أمام بيت آل مونان. نقر على الباب وسمع صوت زوجته يأتي من المطبخ. وأمكنه رؤية خيال من ثقب الباب. ثم انفتح الباب قليلا وفورا على وسعه. قالت المرأة بدهشة:”جاك؟”.

قال:”مرحبا”. ودخل وقبلها.

ثم سألها:”أين بائع الحليب إذا”.

ابتسمت لهذه الطرفة القديمة وقالت:”هل لديك فرصة؟”.

عبس قليلا وقال:”كلا. إيه. طردوني. هل عندنا شاي؟”. وتابع نحو المطبخ وملأ الغلاية. ثم وضعها بقابس الكهرباء.

ورآها تقف بالباب وتسأل:” ما الأمر يا جاك؟”.

قال بلا مبالاة:”فصلوني. لعدم الالتزام بالمواعيد”.

“آه”.

“يمكن أن نصمد أسبوعين. عموما الآن وقت الأعياد. يعني عطلة”.

ارتمت جوان على الأريكة.

فقال جاك وهو يقترب منها:”سأحصل على رواتب ثلاثة أسابيع قريبا”.

قالت المرأة:”أوه. جاك. ما هذا؟”.

قاطعها بقوله:“اسمعي. يمكن أن أجد عملا وفورا إن أردت؟”.

نظرت له وهي ترفع عينيها نحو وجهه وقالت:”أين؟”.

وضع يده على كتفها وقال:”في الشركة. ما خطبك. ألا تفهمينني؟”.

“لا تكلف نفسك”.

نهضت والغلاية تفور.

“شاي؟”.

“إي. أفكر بالانتظار لما بعد العام الجديد ثم أبدأ”.

سكبت الماء في إبريق الشاي.

“يا له من عام جديد”.

قال جاك بهدوء:”أوخ. اصمتي كرامة للرب”.

سألته:”وماذا سيحصل إن لم يقبلوك؟”.

رد جاك:” إنهم يبحثون بالملقط عن الرجال. وعموما سأجد عملا صغيرا أو اثنين على الهامش”.

تنهدت وقالت:”مثل ماذا؟”.

“فنادق ومطاعم أو في مشرب. لا تقلقي. يوجد شواغر كثيرة”. وتقبل الشاي منها ورشف ببطء. فتنهدت مجددا بحزن وتعاسة وقالت:”وهكذا لن نجد فرصة لنكون معا. الآن لا نلتقي إلا بصعوبة”.

“على الأقل لن أعمل بنوبات”.

سألته:“هل يمكن أن تعمل مندوب مبيعات؟”.

“أحتاج لبذة رسمية”.

“لديك اثنتان”.

رد جاك:”آخ. هما مدعاة لليأس. لم أكن متحمسا لهما دائما”. ولف سيجارة.

“كنت أعتقد أنك توقفت عن التدخين؟”.

ضحك ضحكة قصيرة وقال:”توقفت عن شراء السجائر الجاهزة. فقط نصف أونصة بقرشين”. وتوقف وتخلص من ثيابه. وسأل:”هل تعرفين أين بنطالي”.

ردت جواني:”الأزرق؟”.

“إي”.

“في الخزانة، إن لم تبدل مكانه”.

ذهب عبر الغرفة ووجده معلقا في الخزانة. وكانت الطفلة تغرغر لنفسها. مال على السرير واختزل ضحكة صغيرة. وجاءت زوجته وهو يحمل الطفلة.

سألته:”هل عملتها؟”.

قطب ملامحه وهو يرقص بالطفلة وقال:”يبدو. لها رائحة منفرة”.

قالت:”قابلت أمي صباح اليوم. وسألت متى سنزورها”.

سألأها:”وماذا قلت لها؟”.

“قلت سأتصل”.

“نزورها غدا مساء”.

قالت بحذر:”قد يحجزك والدي معه ”.

رد جاك وهو يبدي اهتماما واضحا:”هذا ممكن؟”.

“اقترح ذلك سابقا يا جاك”.

“نعم. أذكر”. قال وهو يقدم لها الطفلة. وتابع:”ربما أوافق”.

“هل أخبره بشيء”.

قال بنفاد صبر:”:لا. اتركيها لوقتها”.

قالت المرأة بصبر:”حسنا. وماذا تريد مع الشاي؟”.

“الحساء مثل الجمعة الماضية”.

“حسنا”. ابتسمت له وابتعدت من الغرفة وهي تحمل الطفلة. والتقط جاك كتابا وجلس ليقرأ فيه. 

 

............................

* جيمس كيلمان  James Kelman: روائي اسكوتلاندي. من دعاة اللامركزية واستقلال اسكوتلاندا. حائز على البوكر عام1994. له نشاط في جمعيات حقوق الإنسان والمجتمع المدني. يكتب بلغة غلاسكو المحكية. والقصة من مجموعته: بار قديم قرابة الملائكة.

 

 

عادل صالح الزبيديبقلم: جوي هارجو

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

هذا الصباح أصلي من اجل أعدائي

ومن الذي ادعوه عدوي؟

لا بد للعدو ان يكون أهلا للاشتباك.

انعطف باتجاه الشمس وأواصل المشي.

القلب هو الذي يسأل السؤال، وليس عقلي الغاضب.

القلب هو النسيب الأصغر للشمس.

انه يرى ويعلم كل شيء.

1372 جو هاريوانه يسمع صرير الأسنان حتى وهو يسمع كلمات التمجيد.

ينبغي لباب العقل ألا تنفتح إلا من القلب.

والعدو الذي يدخل يواجه خطر التحول الى صديق.

***

 

..........................

جوي هارجو: شاعرة وموسيقية أميركية من الهنود الحمر (من قبائل مسكوجي) ولدت عام 1951 في مدينة تولسا بولاية أوكلاهوما. تعد واحدة من ابرز ناشطي وممثلي الموجة الثانية لما يعرف بنهضة سكان أميركا الأصليين خلال أواخر القرن العشرين. حاز شعر هارجو على جوائز عديدة، وهي أول شاعرة من السكان الأصليين تشغل منصب شاعر الولايات المتحدة الذي انتخبت له مؤخرا. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (الأغنية الأخيرة) 1975؛ (أي قمر ساقني الى هذا؟)) 1979؛ (المرأة المعلقة من الطابق الثالث عشر) 1983؛ (المرأة التي سقطت من السماء) 1994؛ و(كيف أصبحنا بشرا) 2001.

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: مارتون شيمون

ترجمة: عامر كامل السامرّائي


أُمي، البقع الداكنة التي على سطح القمر

أسموها بحاراً. بلا شك فهي بحار افتراضية،

ليس لها علاقة بالماء، وقد تكون كل تلك

وجهات نظر ليس إلا،

إذن تلك البقعة الداكنة التي أضحت ثديك،

هي بحر أيضاً – ما زلتُ أتذكر جيداً.

ولأنهم لا يَسمعوا ما في الإعماق – أكان حقاً كل شيء لا يوصف؟

"سأكون لبيباً، فقط توقفي – ها، حتى هذه ستكون غير ضرورية."

أُطلي وجهي بأصباغك التي تركتيها، هكذا أُجَرِّب أن أُحب نفسي أكثر.

واظنني، في نهاية المطاف، سأشرب هاتين القارورتين

من عطركِ الموجودتين منذ ذلك الحين – فما عسىاني فاعل بهما؟

قلتِ شيئاً، على ما يبدو: أخيراً.

لكنني لم أنتبه.

ومنذ ذلك الحين لا تواصل بيننا، فهذه ليست علاقة.

خطوات ليست إلا فوق ساحل بحر افتراضي.

في الضفة التي ليس لها نهاية.

***

 

.............................

نبذة عن الشاعر:

ولد الشاعر مارتون شيمون عام 1984 في مدينة كالوچا. بدأ بنشر قصائده عام 2004. درس في جامعة كارولي كاشبار اللغة اليابانية قسم الترجمة. صدرت له لحد الآن ثلاث مجاميع شعرية.

استقطابات عام 2013

عرس الثعالب عام 2018

أغاني من الطابق الأرضي المرتفع عام 2018 (والتي تضم هذه القصيدة)