bahjat abaasترجمة قصيدتين للشاعر

راينر ماريا ريلكه (1875-1926)

 


 

قصيدتان - راينر ماريا ريلكه / ترجمة: بهجت عباس

 

1

في أيِّ حدائقَ

 

أين، في أيِّ حـدائـقَ مَسقـيّةٍ يُمْـنـاً دوماً، على

أيِّ أشجارٍ، مِنْ أيِّ كُؤوسِ أزهـارٍ لطيفةٍ متساقطة التـّـُويْجات

تنضَـجُ الفـواكه الغريبـةُ للمؤاسـاة؟ هذه

الفواكه الثـَّميـنة، التي ربّما تجد واحدة منها في حقل

 

فـقـركَ المَـوْطوءِ. من مرّة إلى أخرى

تندهشُ بخصوص كِـبَـر الفاكـهة،

بخصوص صُـمولهـا وطَـراوةِ قِشـرتِها،

وكيف سَلِـمَتْ من عبث الطير الذي لم يتوقَّـعْها قبـلك،

 

ومن حسد الدودة من تحتُ. ثـمَّ هل توجد أشجارٌ حامت عليها

الملائكة، وتـُرعى بغرابة من بُستـانيّـين مُختـَـفـين كسالى

يحملونها إليـنا دون أنْ يخصّـونـا؟

 

أليست لنا قـدرة أبداً، نحن الظـِّلالَ والأطـيافَ،

خلال نـُضـوجِنـا المُبَكـِّر، وذبولِـنا مرّةً ثانـيةً،

أنْ نـُربـكَ اتِّـزانَ تلك الأصـيافِ الرّائـِقـة؟

 

Rainer Maria Rilke (1875-1926(

1

WO, in welchen immer selig bewässerten Gärten, an welchen

Bäumen, aus welchen zärtlich entblätterten Blüten-Kelchen

reifen die fremdartigen Früchte der Tröstung? Diese

köstlichen, deren du eine vielleicht in der zertretenen Wiese

 

deiner Armut findest. Von einem zum anderen Male

wunderst du dich über die Größe der Frucht,

über ihr Heilsein, über die Sanftheit der Schale,

und daß sie der Leichtsinn des Vogels dir nicht vorwegnahm und nicht die Eifersucht

 

unten des Wurms. Giebt es denn Bäume, von Engeln beflogen,

und von verborgenen langsamen Gärtnern so seltsam gezogen,

daß sie uns tragen, ohne uns zu gehören ?

 

Haben wir niemals vermocht, wir Schatten und Schemen,

durch unser voreilig reifes und wieder welkes Benehmen

jener gelassenen Sommer Gleichmut zu stören ?

 

2

غَـنِّ الحدائـقَ

 

غَـنِّ الحدائـقَ التي لا تعرفهـا يا قلبي؛

كحدائقَ مسكوبةٍ في كأسٍ: واضحةٍ ولا سبيلَ إليها.

ماء ووردٌ من أصفهـان أو شيـراز،

غنِّـها بجَـذل، مَجَّـدْهـا، فليس لهـا مثيـلٌ.

 

أرِ، يـا قلبـي، أنَّك لستَ في غِـنىً عنـها أبداً.

إنَّـكَ في خَـلـَـدِها عندما يكون تيـنُـها نـاضجاً.

إنّك برفقـتها، بين الأغصـان المُـزهِـرة،

عنـدما تأتي رياحُـها المتصاعدة إلى وجهـك.

 

تَجنّب الخطأَ: إنَّ حرمـاناً كثيـراً سيكون

لاتِّخاذِك قَـراراً، هـو: أنْ تكـونَ!

خيطَ الحـرير، أتيتَ داخلاً في النَّسيـج.

 

أيٌّ من الصّـُوَر صنعتَ نفسَكَ جزءً منها

(كُـنـْها ولو لحظة من حيـاة الألـم)

اشعُـرْ بأنَّ السجّـادة الثـَّـميـنَـةَ كلـَّها عُـنِـيَتْ.

 

2

SINGE die Gärten, mein Herz, die du nicht kennst; wie in Glas

eingegossene Gärten, klar, unerreichbar.

Wasser und Rosen von Ispahan oder Schiras,

singe sie selig, preise sie, keinem vergleichbar.

 

Zeige, mein Herz, daß du sie niemals entbehrst.

Daß sie dich meinen, ihre reifenden Feigen.

Daß du mit ihren, zwischen den blühenden Zweigen

wie zum Gesicht gesteigerten Lüften verkehrst.

 

Meide den Irrtum, daß es Entbehrungen gebe

für den geschehenen Entschluß, diesen: zu sein!

Seidener Faden, kamst du hinein ins Gewebe.

 

Welchem der Bilder du auch im Innern geeint bist

)sei es selbst ein Moment aus dem Leben der Pein(,

fühl, daß der ganze, der rühmliche Teppich gemeint ist.

 

wafaa abdulrazaghترجمة لنص الشاعرة

وفاء عبد الرزاق

 


 

رحلة البحث /ترجمة: هناء البياتي

 

I Look for you

In the timeless.

I look for you

In all the exceptions.

I look for you

In the streamlines of the water.

I look for you

Among the fingertips of the beaches.

I look for you

In the   glow of the trembling clouds.

I look for you

In   the   drooping of the rain.

I look for you

Even in the follies.

I look for you

In the lure of the spark for the trees.

I engraved your name

On the waist of the opening rose.

So that Autumn turns crazy and dancing.

Silent,   is the love of the light ,

scandalous,

Having no decision,

But your wound.

Having no whiteness,

But a drop of blood clad in pain.

When I specify your picture,

The earth comes out of its nature,

The sky falls from its frame.

I entered the rivers,

Looking for ink to write to you

I weave the dew as a forest ,

To be integrated with you.

Do not stand amazed,

Dance as you danced like embers

I fetched the night like a child ,

I ignited the lamps of your photos.

Everything has passed ,

The   windows make the wind silly ,

The doors are a lie of mute perfume.

But   the pillow wringles,

Hugging your face as it turns to be the sea!

The sea has become us.

You were my face,

And I was yours.

Nothing new

To let the water alter its course.

If love did not open your chest,

I would climb up the mountain of your follies.

And hold my flame and sing:

We are both lost ... and alien.

 

رحلة البحث / وفاء عبد الرزاق

أبحثُ عنكَ في الأبدي

في الاستثناءاتِ كلِها

في تماهي الماء

بين أنامل الضفاف

في احتدام رعشة السحاب

بنسغِ المطر

أبحثُ عنكَ

حتى في الأخطاء

واستدراج الشرارة للشجر.

نقشتُ اسمكَ

على خصر وردة عُريانة

ليجنَّ الخريفُ ويرقصُ !!

صامتٌ عشقُ الضوءِ،

مفضوحٌ!!

لا قرارَ لي

إلاَّ جُرحكَ

ولا بياضَ لي

غيرُ قطرةِ دمٍ

تتلبَّس الوجعَ.

حين أحدِّدُ رسمَك،

تخرجُ الارضُ عن طبائعها،

وتهبطُ السماءُ إطاراً

أدخلُ الانهارَ

لأستخرجَ حبراً

لأكتبُكَ..

أنسجُ الندى غابةً،

أستقيمُ بكَ

لا تقف مشدوها

أرقصْ

كما رقصتُ جمراً

تفقدتُ الليلَ مثل طفل،

أوقدتُ قناديل صورك.

كلُ شيءٍ يمرُّ !!

النوافذُ تتغابى على الريح،

الأبوابُ كذبةُ عطرٍ صامتٍ

إنَّما الوسادة تتلوى

وغيمة الكحل.

تعانقُ وجهكَ إذ صارَ بحراً!!

البحرُ صارَنا

صرتَ وجهي

وكنتُكَ

ما الذي استجدَّ

أيَ كينونتي

ليغيِّر الماءُ قِبلتَهُ؟

إنْ لمْ يشرحِ الحبُ صدرَكَ

سأتسلَّقُ جبلَ أخطائِكَ

أحملُ شعلتي وأغنِّي:

كلانا تائهٌ ...

وغريب!!

 

bushra albustaniترجمة لنص الشاعرة

بشرى البستاني

 


 

An Iraqi Garden / ترجمة: اسماعيل عبد الوهاب اسماعيل

 

An Iraqi Garden

By: Bushra Al-Bustani

Translated by: Ismail A. Ismail

 

Pass on my gardens

Flowers are thirsty

The prophecy’s ring

Is tightening over my finger

While the scent

Awakes in the wind’s bed

**

Pass on the farms

And the moon is tired

Looking for its night in Iraq

But Iraq is withered

 

حدائق عراقية / بشرى البستاني

مُرَّ على حدائقي،

فالوردُ ظمآنُ

وخاتمُ النبوّةْ

يضيقُ حول إصبعي

وفي سرير الريحِ

يستيقظُ ُ ريحانُ.

**

مُرَّ على البستانْ

فالبدرُ أسيانُ

يبحثُ عن ليلاهُ في العراقِ

والعراقُ ذبلانُ .

 

adil salehترجمة لنص الشاعر الاميركي

تشارلز بيرنستاين

 


 

شكرا لقولك شكرا / ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

شاعر اميركي من مواليد مدينة نيويورك لعام 1950. تلقى تعليمه في جامعة هارفرد ويعد من ابرز اعضاء الحركة الشعرية التي عرفت بحركة (شعراء اللغة). اصدر هو والشاعر بروس اندروز مجلة للحركة بعنوان (L=A=N=G=U=A=G=E) (اللغة) بين عامي 1978 و 1981. نشر بيرنستاين عشرات الكتب بين المجموعات الشعرية والمقالات النقدية والدراسات والترجمات وغيرها فضلا عن عمله محررا واستاذا للشعر والأدب المقارن في العديد من الجامعات المرموقة ومؤسسا للعديد من المواقع الألكترونية المتخصصة في الشعر. وقد نال العديد من الجوائز المهمة وشغل مناصب علمية وفخرية كثيرة. تعد القصيدة التي نترجمها هنا من ابرز القصائد التي تمثل التوجهات والمنطلقات الفكرية والفنية للشاعر ولعموم شعراء اللغة.

 

شكرا لقولك شكرا

 

هذه قصيدة

قابلة للفهم تماما.

ليس هناك

في هذه القصيدة

اي شيء

يصعب

فهمه

بأية حال.

جميع الكلمات

سهلة وذات

صلة بالموضوع.

ليس هناك مفاهيم

جديدة ولا

نظريات ولا

افكار تشوش

فكرك. ليس

لهذه القصيدة

مزاعم

فكرية. انها

عاطفية صرف.

انها تعبر كليا

عن مشاعر

المؤلف: مشاعري انا

الشخص الذي يتكلم

معكم الآن.

انها كلها

عن التواصل.

قلبا لقلب.

هذه القصيدة تقدرك

وتقيمك

كقارئ. انها

تحتفي

بانتصار

المخيلة البشرية

وسط الأخطار

والكوارث. هذه القصيدة

من 99 بيتا،

و 269 كلمة، وفيها من

المقاطع اكثر

مما لدي من الوقت

لعدها. لقد تم

اختيار كل بيت

وكلمة ومقطع

من اجل ايصال

المعنى المقصود فقط

لا اكثر.

هذه القصيدة تتجنب

الغموض والألغاز.

ليس ثمة شيء

مخفي. مائة

من القراء

سيقرأ كل منهم

القصيدة على نحو

متطابق ويستقي

الرسالة نفسها

منها. هذه

القصيدة، مثل كل

القصائد الجيدة، تروي

قصة بأسلوب

مباشر لا يترك

القارئ يخمن

ابدا. وبينما

تعبر احيانا

عن المرارة والغضب

والامتعاض ورهاب الأجانب

والتلميحات العنصرية،

فان مزاجها

ايجابي في النهاية. انها

تجد بهجة حتى في

لحظات الحقد الحياتية

تلك التي تشاركك

فيها. هذه القصيدة

تمثل الأمل

بشعر

لن يدير ظهره

الى الجمهور،

لا يظن نفسه

افضل من القارئ

المؤمن

بالشعر بوصفه

شكلا شعبيا، مثل تحليق

الطيارة الورقية وصيد السمك

بالذباب الصناعي.

هذه القصيدة

لا تنتمي الى

اي مدرسة، لا تعتنق اية

عقيدة. انها لا تتبع

اية طريقة. انها

تقول ما تقوله

تماما. انها

حقيقية.

 

jawdat hoshyarترجمة لقصة الكاتب الروسي

ليونيد أندرييف

 


 

قصة لا تنتهي / ترجمة: جـودت هوشيار

 

نبذة عن المؤلف: يحتل ليونيد اندرييف (1871-1919) مكانة مرموقة في تاريخ الادب الروسي، ويعد من ابرز الكتاب الطليعيين الروس في العقدين الاول والثاني من القرن العشرين، ومؤسس التعبيرية الروسية. وقد ذاعت شهرته بعد ان نشر عام 1901 قصة تحت عنوان "ذات مرة" في مجلة " الحياة الروسية"

كتب اندرييف الى جانب القصة القصيرة عدة مسرحيات رائدة تتميز بقدر عال من الجدة والاصالة معا. وقد ترجمت اعماله خلال حياته وبعدها الى اهم اللغات الاوربية وتحظى بأهتمام النقاد والقراء كروائع ادبية لا تبلى جدتها، ويمتاز معظم نتاجات أندرييف القصصية والمسرحية بالتشاؤم والقنوط. ويعالج عدد من أعماله موضوعات الوحدة والمعاناة الإنسانية. وتستكشف قصته القصيرة الأكثر شهرة "الضحكة الحمراء" (1904م) رعب وهول الحرب. أما روايته القصيرة "السبعة الذين شنقوا" (1908م) فتستقصي مشاعر خمسة ثوريين واثنين من القتلة، بينما ينتظرون إعدامهم. أما مسرحيتاه الأكثر شعبية فهما "حياة الإنسان" (1906م)، و"الذي يتعرض للصفع" (1915م)

تمّ تحويل العديد من قصصه الى أفلام سينمائية في روسيا وفي أميركا (هوليود) كما أن مسرحياته تعرض حتى يومنا هذا في روسيا وبعض البلدان الأوروبية.. وحسب متابعتنا لم يترجم شيء من أعماله الى اللغة العربية، وقد اخترنا احدى اهم قصصه القصيرة لتكون باكورة التعرف على ابداع هذا الكاتب الفذ. وكم من الأفذاذ الآخرين ينتظرون دورهم في الوصول الى القاريء العربي، ولو بعد زمن طويل. فروائع الأدب العالمي جديد دوماً..

 

قصة لا تنتهي

حين ايقظتني زوجتي، كنت قد غفوت بعد عذاب يوم طويل ومجهول، فلاحت لي الشمعة التي كانت ترتعش في يدها، ساطعة كالشمس وسط الظلام. ووراء الشمعة كان ذقنها الشاحب يرتجف ويتعمق السواد في عينيها الواسعتين المجهولتين في هدوء وسكون. قالت: هل تدري....هل تدري؟ انهم يقيمون المتاريس في شارعنا

كان الهدوء من حولنا شاملا ونحن نحدق في عيون بعضنا البعض. عيوننا المجهولة. كنت أحس كيف أن وجهي يشحب. ذهبت الحياة الى مكان ما ثم رجعت مع ضربات القلب المتسارعة. كان الجو هادئا والشمعة تهتز.. الشمعة الصغيرة التي ذكرتني بسيف معقوف. سألتها: هل أنت خائفة؟

ارتعش الذقن الشاحب ولكن عينيها ظلتا ساكنتين تتطلعان اليّ دون ان تطرفا، ورأيت الان فقط كم كانت هاتان العينان مجهولتين ورهيبتين. منذ عشر سنوات وأنا أنظر اليهما وكنت أعرفهما أفضل مما أعرف عيني، غير أني أكتشفت فيهما الان شيئا لا أجد له أسما، كنت سأسميه الكبرياء. ولكن كان ثمة شيء آخر جديد تماما.

أخذت يدها بين يدي. كانت باردة، فأخذت تضغط على يدي بقوة على نحو لم أعهده منها قط، وكان في هذا الضغط أيضاً شيء جديد تماما. سألتها: هل مضى عليهم وقت طويل هنا.

- ساعة واحدة. تسلل أخي في هدوء، ربما خشي ان لا تسمح له بالذهاب.

نهضت ودون سبب ما اغتسلت طويلا، مثلما كنت أفعل في صبيحة كل يوم في العادة، حينما كنت اتوجه الى عملي، فتقف على مقربة مني والشمعة في يدها لتضيء لي المكان. ثم أطفأنا الشمعة واقتربنا من النافذة المطلة على الشارع. كان ذلك في شهر ايار، في أوج الربيع، فأندفع عبر النافذة المفتوحة هواء لم يكن له من قبل وجود في المدينة الكبيرة القديمة..

كانت المعامل والمصانع والقطارات متوقفة عن العمل منذ أيام، والهواء الخالي من الدخان مشبعا برائحة الحقول والبساتين اليانعة وربما الندى، لست أدري من أين تهب هذه الرائحة الشذية في الليل الربيعي، عندما تتوغل بعيدا..بعيدا في ضواحي المدينة، وليس ثمة فنار أو عربة أو أي صوت من اصوات المدن فوق السطح الحجري اللامتناهي. اذا أغمضت عينيك، خيل اليك انك في أحدى القرى. ثمة كلب ينبح. لم أسمع في حياتي قط نباح كلب في المدينة. ضحكت من فرط سعادتي...

- هل تسمعين؟ ثمة كلب ينبح؟

عانقتني وهي تقول: انهم هناك في ناصية الشارع!

أطللنا من النافذة ورأينا حركة ما، لم نر أحداً، بل حركة مراوغة كالظل. وعلى حين غرة سمعنا ضربات شيء ما: فأس أو مطرقة، ضربات رنانة، مرحة- كالتي تسمع في النهر أو في الغابة حين يصلّح قارب أو يشيد سد.

عانقت زوجتي بقوة وأنا أحس باقتراب موعد عمل مرح منغم، بينما كانت هي في هذا الوقت تتطلع من فوق البنايات الى القمر الفتي، المدبب القرن، المائل نحو الافول. قمر فتي ومضحك، مثل صبية تخشى ان تبوح لأحد بأسرارها وتبدو مشرقة في ضياء احلامها. قلت: ترى متى يستحيل القمر بدراً؟

- لا داعي...لا داعي.. ينبغي أن لا تتكلم عن الذي سيأتي

- لماذا؟

- لأنه يخشى الكلمات، لنذهب من هنا.

كانت الغرفة غارقة في الظلام ولم نكن نرى بعضنا البعض، ولكننا كنا نفكر في الشيء ذاته. وعندما نطقت خيل الي ان الذي فعل ذلك هو شخص آخر. لم أكن مرتعبا ولكن صوت ذلك الانسان كان مبحوحا، كما لو كان يختنق من العطش

- ما العمل اذن؟... والأطفال!

- سوف تظلين معهم، يكفيهم وجودك معهم، أما أنا فلا أستطيع البقاء

- وهل أنا قادرة على ذلك؟

اعرف انها لم تتحرك من مكانها، بيد اني احسست بوضوح أنها ذاهبة وبعيدة، ثم اصبح الجو باردا للغاية فمددت يديّ ولكنها أبعدتهما. قالت: للناس عيد كل مائة عام وها أنت تريد أن تحرمني منه ولا أدري لماذا؟

- ولكن ربما ستقتلين ويفنى أطفالنا

- ستكون الحياة رحيمة بهم، وحتى لو ماتوا فانهم...

تلك التي نطقت بهذه الكلمات هي زوجتي، المرأة التي عشت وأياها عشر سنوات. بالامس فقط لم تكن تعرف شيئا سوى أطفالها، وتخشى بكل كيانها وجوانحها أن يصيبهم أي مكروه.. بالامس فقط كانت تتصيد البوادر الرهيبة للمستقبل. ما الذي حدث لها؟ بالامس! ولكنني، انا أيضا نسيت ما كان بالامس.

- اتريدين الذهاب معي؟

- لاتغضب- كانت تظن أن كلامها سيسوؤني - لا تغضب، اليوم حين شرعوا بالطرق هناك، كنت ما تزال نائماً، فأدركت فجأة ان الزوج والاطفال والاشياء الاخرى بأسرها زائلة...أنا احبك جدا – وجرت يدي في الظلام وشدت عليها بتلك الطريقة الجديدة المبهمة بالنسبة لي – ولكن الا تسمع، أنهم يطرقون..يطرقون كأن ثمة جدرانا تتهاوى، يالها من رحابة، يالها من حرية! الوقت الآن ليل ولكن يخيل اليّ ان الشمس ساطعة. كم بلغت من العمر؟ ثلاثين عاما، أي أنني عجوز، ولكنني احس أنني مازلت فتاة في السابعة عشرة، تعرف الحب لأول مرة، وتحب رجلا ما حبا هائلا لا حدود له.

قلت - يالها من ليلة. كأن المدينة أختفت. حقا لقد نسيت كم أبلغ من العمر.

- انهم ما يزالون هناك يواصلون الطرق، وهذا شيء كالموسيقى، كاللحن الذي حلمت به طوال عمري. لم أكن أدري من هو هذا الشخص الذي أحبه، هذا الحب اللامتناهي الذي يود الانسان معه أن يبكي ويضحك ويغني – حب رحب وهائل، لاتحرمني من السعادة. دعني أموت مع الذين يعملون هناك، ويدعون ببسالة الى المستقبل، ويبعثون الحياة في الجثث الهامدة.

- ليس ثمة وقت

- أتظن ذلك

أجل، ولكن من أنت، لم أعرفك من قبل قط. أأنت إنسان؟

ضحكت ضحكة رنانة وكأنها في السابعة عشرة.

- وأنا أيضاً لم أكن أعرف هذا. ولكن قل لي أانت إنسان؟

الأنسان، يا له من كائن غريب وجميل. هذا الذي أرويه الآن حدث منذ زمن بعيد. ولن يصدقني، أولئك الذين يلوكون حياتهم الباهتة ويموتون دون أن يستيقظوا! في ذلك الوقت لم يكن ثمة وقت. كانت الشمس تشرق وتغيب، وعقرب الساعة يدور ولكن لم يكن ثمة وقت. وحدثت أشياء عظيمة ورائعة كثيرة آنذاك. لن يصدقني اولئك الذين ينامون الآن حياتهم الباهتة نوماً ثقيلاً، ويموتون دون أن يستيقظوا.

- ينبغي أن أذهب.

مهلاً.. سأطعمك. فأنت لم تتناول العشاء بعد... ها أنت ترى كم أنا حصيفة! غداً سأرتب مكاناً أميناً للأطفال وسأجدك.

- صحت: يا رفيق

- نعم يا رفيق

- من خلال النافذة هبّ هواء الحقول، وأحياناً كانت تسمع ضربات الفأس المرحة. كنت جالساً الى طاولتي، أتطلع عبر النافذة وأرهف السمع. كان كل شيء جديداً، غامضاً يثير البهجة في قلب الأنسان. تطلعت الى الجدران فبدت لي شفافة، وكأنني أحتوي الأزل بنظرة واحدة. رأيت الجدران تتداعى. انا الوحيد الذي كنت وسوف ابقى الى الابد. كل شيء سيزول، ما عداي. وبدت لي الاشياء من حولي غريبة ومضحكة، ليس لها وجود حقيقي: الطاولة والطعام وكل الاشياء خارج ذاتي. سألتني زوجتي: لم لا تأكل؟

- الخبز! يا للغرابة

تطلعت الى الخبز الصلب الجاف، ولسبب ما أصبح وجهها حزينا. كانت ما تزال تتطلع الى الخبز، ثم عدلت مريلتها والتفتت قليلا الى ذلك الجانب حيث ينام الاطفال. سألتها:

- أتشعرين بالشفقة نحوهم؟. هزت رأسها دون أن تحوّل نظرها عن الخبز.

- كلا، ولكني فكرت في الحياة فيما مضى، لكم هي غامضة، وهذا هو كل مافي الامر - دهشت كشخص أستيقظ من نوم طويل وأجالت عينيها في الغرفة- كل شيء غامض. وكنا نعيش هنا..

- كنت زوجتي

- وهناك أطفالنا

- هنا وراء الجدار توفى والدك

- أجل، مات، مات، مات دون أن يستيقظ

بكت أصغر البنات سناً، ارتعبت من شيء ما. لكم بدا هذا الصراخ البرئ الساذج غريبا، هذا الصراخ الذي كان يطلب بأصرار ما يخصه وسط هذه الجدران الشفافة في وقت كانوا فيه هناك في الاسفل يقيمون المتاريس. قالت هامسة:

- اذهب.

- أود لو قبلتهم

- أخشى أن توقظهم!

- كلا سأكون حذرا.

وتبين أن أكبرهم لم يكن نائما. سمع كل شيء وأدرك كل شيء. كان في التاسعة من العمر، بيد أنه أدرك كل شيء. رمقني بنظرة عميقة صارمة. سألني بلهجة جادة وهو يفكر:

- هل ستأخذ سلاحك؟

- أجل سأفعل

- انه تحت المدفأة

كيف عرفت؟ قبلني.هل ستذكرني؟

قفز من فراشه وهو في ردائه الليلي القصير، ساخناً كله من أثر النوم. وطوق عنقي بيدين دافئتين وناعمتين ورقيقتين. رفعت خصلات شعره، وقبلته من عنقه الدقيق المتقد. قال: هل سيقتلونك؟..

- كلا سأعود

ولكن لم يكن يبكي؟ كان يبكي أحيانا حين أخرج من البيت في الاحوال الاعتيادية. هل مسه أيضا ذلك الشيء؟ من يدري؟ يالضخامة ما حدث في تلك الايام من أحداث عظيمة. نظرت الى الجدران والخبز والشمعة التي كانت شعلتها ترتعش. وأمسكت بيد زوجتي. الى اللقاء..

- هذا هو كل ما في الامر

ثم غادرت البيت. كان الظلام يخيم على السلم وتفوح منه رائحة عفنة. حاصرتني الأحجار والعتمة من كل الجهات. تلمست طريقي وشعرت بذلك الجديد اللامرئي البهيج الذي أمضي اليه في سرور عارم لا حد له.

 

saleh alrazukترجمة لنص الشاعر الأمريكي

و. س. ميروين

 


 

شكرا / ترجمة: صالح الرزوق

 

اسمع

مع هبوط الليل نحن نقول شكرا

وها نحن نقف على الجسور لننحني من فوق الأسوار

ضاعت منا الغرف الزجاجية

وأفواهنا مليئة بالطعام وننظر إلى السماء

ونقول لها شكرا

ونقف بجوار المياه ونشكرها

ونبتسم وراء النوافذ ونحن ننظر إلى الخارج

باتجاهنا

ونعود من سلسلة من المستشفيات ونعود كذلك من مسيرة

وراء الجنازات ونقول شكرا

وبعد نعوات الموتى

سواء كنا نعرفهم أم لا نقول شكرا

وفي الهواتف نقول شكرا

وفي الممرات وفي المقاعد الخلفية للسيارات وفي المصاعد

ونحن نتذكر الحروب والشرطة ترصدنا عند الباب

وخبطات الأحذية تضرب على السلالم نقول شكرا

وفي المصارف نقول شكرا

وبوجوه المسؤولين والأغنياء

وكل من لا يتبدل أو يتغير

نتابع القول شكرا لكم جميعا شكرا

ورغم موت الحيوانات من حولنا

ومع ضياع المشاعر نقول شكرا

ومع سقوط الغابات بأسرع من توالي الدقائق

في حياتنا لا نزال نقول شكرا

وبالكلمات التي تموت كخلايا الدماغ

والمدن التي تنمو فوقنا

نقول شكرا بنبرة أسرع ثم أسرع

ومع أن لا أحد يصغي نقول شكرا

وها نحن نقول شكرا ونلوح بأيدينا

ولو أن الظلام أرخى سدوله.

 

و. س. ميروين W. S. Merwin: شاعر أمريكي معاصر. صدرت أولى مجموعاته عام ١٩٥٢ بعنوان ( قناع ليانوس).

 

ghasan ahmadnamiqترجمة لنص الشاعرة

جني لويس

 


 

لا سَماءَ أخرى أَرْضَتْني / ترجمة: غسـان نامق*

مراجعة: ع. الصائغ

 

أحياناً أداعِبُ شعري، مُتخيِّلاً

يَدَ أبي موضوعةً على حدود الأرض الدافئة

أو راحَه مرفوعة نحو الشمس

 

مُمسِكةً حَبَّةَ بُندق ناعمة مثل وَجْه، لُبُّها

يَكمنُ بأمان داخِلَ قِشْرها حتى أفتحها لأجد

الخواء؛ كانت المسافاتُ شاسعةً جداً

 

عِبْرَ أرضٍ وعرة وغير مُستكشَفة؛ أندفعُ

للأمام وأرجعُ للخلف، أسيرُ مِراراً عِبْرَ

المسافة ذاتها بحثاً عن نهر، مجرى نهر،

 

خطوطِ سكة حديد أو حتى دربِ بغل، أي شيء

مَرَّ هنا من قبل بدلاً من مجرد

أسماءَ في يوميات الحروب – بيت عيسى، دلي عباس،

 

الفلوجة – كلها بعيدة ويصعب الوصول إليها.

وحدَهُ القَمَر، هو بوصلتي. أنحني عليه مُجَذِّفاً

بينما المسافة بيننا تتصلّبُ وتفتر.

 

* مترجم وأستاذ جامعي عراقي مقيم في طرابلس – ليبيا.

 

No other heaven pleased me

Poem by: Jenny Lewis

Sometimes I stroke my own hair, imagining

my father’s hand laid against the contours

of the warm earth or palm up towards the sun

 

cupping a hazelnut smooth as a face, its flesh

safe inside its shell until I break it open to find

nothing; the distances have been too great

 

across broken, unreconnoitred ground; pushing

forward and falling back, going over and over

the same stretch searching for a river, a riverbed,

 

tracks of a railway or even a mule, anything

that’s been that way before instead of just

names in war diaries – Beit Aisa, Deli Abbas,

 

Falujah – all far away and hard to get to with

only the moon as compass, bent at her sculling

as space between us stiffens and cools

 

"جني لويس" شاعرة وكاتبة مسرحية وكاتبة أغاني من بريطانيا. تركز على التعاون في ما بين فنون الشعر والموسيقى والرقص والفنون البصرية. تعمل في تدريس الشعر بجامعة أوكسفورد.

لها العديد من المجموعات الشعرية.

قصيدة "لا سماء أخرى أرضتني" التي نقدم ترجمتها العربية هنا نُشرتْ في "The Oxford Magazine" عام 2013. وظهرت مع مجموعة من القصائد الأخرى وترجماتها العربية في كتاب للشاعرة بعنوان Taking Mesopotamia صدر في مانشستر ببريطانيا عن دار كاركانيت المحدودة عام 2014.

 قمتُ بترجمة القصيدة من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية. بينما قام الأخ الشاعر "ع. الصائغ" بمراجعة الترجمة مشكوراً.

 ظهرت القصيدة في الكتاب المذكور بنصّها الإنكليزي الأصلي وبالترجمة العربية التي قدمناها أعلاه.

 

adil salehترجمة لنص الشاعرة الأميركية

جوي هارجو

 


 

ربما ينتهي العالم هنا / ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

شاعرة اميركية من الهنود الحمر (من قبائل مسكوجي) ولدت عام 1951 في مدينة تولسا بولاية اوكلاهوما. تعد واحدة من ابرز ناشطي وممثلي الموجة الثانية لما يعرف بنهضة سكان اميركا الاصليين خلال اواخر القرن العشرين. حاز شعر هارجو على جوائز عديدة، ومن عناوين مجموعاتها الشعرية: (الأغنية الأخيرة) 1975؛ (اي قمر ساقني الى هذا؟) 1979؛ (المرأة المعلقة من الطابق الثالث عشر) 1983؛ (المرأة التي سقطت من السماء) 1994؛ و(كيف اصبحنا بشرا) 2001.

 

ربما ينتهي العالم هنا

يبدأ العالم على مائدة الطعام. مهما يكن فعلينا ان نأكل كي نعيش.

هبات الأرض يؤتى بها وتعد ثم توضع على المائدة. هكذا الحال منذ الخليقة وهكذا ستستمر.

نطارد الدجاج والكلاب بعيدا عنها. تظهر اسنان الصغار عند اركانها. يحكـّون ركبهم تحتها.

هنا يعطى الأطفال التعليمات حول معنى ان يكونوا بشرا. نصبح رجالا عليها، ونصبح نساء.

على هذه المائدة نثرثر، نتذكر الأعداء وأشباح العشاق.

احلامنا تحتسي القهوة معنا وهي تطوق اطفالنا بين بيديها. تضحك معنا على ذواتنا المتهاوية المسكينة وحين نلملم انفسنا مرة اخرى على المائدة.

لقد كانت هذه المائدة منزلا تحت المطر، مظلة تحت الشمس.

بدأت الحروب وانتهت على هذه المائدة.انها مكان نختبئ فيه حين يخيم الرعب. مكان نحتفي فيه بالنصر الرهيب.

لقد ولدنا على هذه المائدة، واعددنا آباءنا للدفن هنا.

على هذه المائدة نغني بفرح وبحزن. نصلي بسبب المعاناة والندم. نصلي صلاة الشكر

ربما سينتهي العالم على مائدة الطعام، بينما نحن نضحك ونبكي، ونتناول آخر قضمة حلوى.

 

bahjat abaasترجمة المَرثـيَة الثانـية

للشاعر راينر ماريا ريلكه

 


 

المرثية الثانية – ريلكه

طوبيا مع الملَك رفائيل / ترجمة: بهجت عباس

 2111

كلّ مَـلـَكٍ رهيبٌ. ولكنّي، وا ألمي،

أغنّي لكم يا طيورَ روحي المُحتَضَرةَ،

عارفاً ما أنتم عليه. أين هي أيّامُ طوبيا (توبياس)،*

حيث الأكثرُ لمعاناً وقف على باب البيت البسيط،

مُتَخفِّـياً بعضَ الشيء لرِحلةٍ وما كان مُخيفاً أبداً؛

(كم حدّق الفتى إلى الخارج في الفتى بفضول).

الآنَ، لو تخطّى رئيسُ الملائكة، الخطِرُ، من خلف النجوم

خطوةً واحدةً إلى تحت، نحونا: نبضاتُ

قلبنا المتصاعدة ستقضي علينـا. من أنتـم؟

 

المسرّاتُ الأولى، غَنِجـاتُ الخليقـة،

أشكالٌ ساميةٌ، قِمَمٌ مُحْمَـرّةٌ من الفجـر

لكلِّ تكـوين – بذور الألـوهيّـة المُزهِـرة،

مفاصلُ الضِّياء، مَمَـرّاتٌ، سلالمُ، عروشٌ،

مسافاتُ أصلِ الحقيقة، دروعُ نشوةٍ، إحساسُ عاطفةٍ

جيّاشةٍ عاصفةٍ مُضطربةٍ، وفـَجأةً،

مرايا وحيدة، تلك التي تجمع الجمالَ الخاصَّ المُنسابَ

من وجهها في وجهها ذاته مرةً أخرى.

 

ولكنّنا، أنّى نُحِسَّ نتبخّـرْ: آه نتنفـَّسُ

أنفسَنا خارجاً وبعيداً، من جَذوة إلى جَذوة

مُعطينَ رائحةً أضعفَ. حقّـاً أن يقولَ أحدهم لنا:

نعم، أنتَ تجري في دمي، هذه الغرفة، يملأ الربيعُ

ذاتَه منك... ما الفائدة! إنّه لا يستطيع أنْ يحتويَـنا،

نحن نختفي فيه وحَوالَـيْه. وتلكنَّ، الجميلاتِ،

آهِ من يقدر أنْ يحتـفظَ بهنَّ مرّة أخرى؟ يتجلّى

المنظر بلا نهايةٍ في وجوههنَّ ويذهب قـُدُماً. مثلَ

ندى على عشب الفجر، يتبخّر ما لنا منّـا مثلَ الحرارة

من الإناء السّاخن. آه البسمةُ، إلى أين؟

آه أيتها النظرة ُإلى العلى: جديدة، دافئة، موجة ُالقلب

الهاربة ُ-، وا ألمي: ولكنْ هذا هو نحن. هل المجال

الذي نذوب فيه له مَذاق منّـا؟ هل تأخذ الملائكة ُ

حقّاً ثانيةً ما ينساب منها وحده، أو أحياناً، خطأً، بعضاً

من وجودنا معها؟ هل نحن ممتـزجون في أشكالها

كثيراً مثـل الغموض على أوجه النساء الحوامل؟ لا تلاحظه

في دوّامة رجوعها إلى أنفسها. (كيف ينبغي أنْ تلاحظه.)

 

لو أدرك المحبّون هذا، لاستطاعوا أن يتحدّثوا

بروعة في هواء الليل. ولكنْ يظهر أنّ كلَّ شيء

يلفـّـنا في ظلام. أنظر، الأشجارُ هي موجودة ؛ البيوتُ

التي نسكن فيها، لا تزال قائمةً. ولكنّنـا نمـرّ بها كلـِّها

وحدهـا مثلَ تبادل هوائيّ. وكلّهم متـّحدٌ، يكتم سرّاً عنّـا، نصفٌ

خَشيةَ عارٍ ربّما، ونصفٌ كأمَـلٍ غيرِ ناطقٍ.

 

يا عشّاقُ، يا من هم مُكْـتـَـفون، أحدُهم بالآخر،

أسألكم عنّا. تلمِسون بعضُكم بعضاً. هل لديكمْ براهين؟

انظروا، يحدث لي، يداي تـُدرك إحداهما الأخرى

أو أنَّ وجهيَ التّـعِـبَ يأخذ راحتـَه بينهما. يُعطيني هذا

إحساساً طفيفاً. ولكن مَنْ يجرؤُ أن يكون كهذا وحده؟

ولكنْ أنتم، الذين يزيدون نشوةَ أحدِهم الآخرَ إلى

أنْ يُقهَـرَ فيستجديَـكُـمْ: لا مزيدَ -، أنتم الذين ينمـو أحدهم

تحت يَـدَيِ الآخر كالعنب في سنين عـظامٍ، أنتمُ الذين

تتلاشَوْنَ أحياناً، لأنَّ الآخَـرَ سيطر تماماً: أسألكم عنّا.

أنا أعرف أنّكم تلمِسون بعضَكم بعضاً بجـذل، لأنَّ المُداعبةَ تدوم،

لأنَّ الموضع اللطيفَ الذي تلمِسون سوف لا يختـفي،

لأنَّكم تشعرون تحت أيديكم بالديمومة النّقـيّة. لذا يَعِدُ

أحدُكم الآخرَ بالأبديّـة تقريباً عند العناق. ولكنْ، عندما

تجتازون رُعْـبَ اللحَظاتِ الأولى والاشتياقَ عند النافذة،

والمَشْيَ معاً مرةً في الحديقة:

 

أيّها العشّاق، ألا تزالون أنتم كما أنتم؟ عندما ترفعـون

شفاهَكم، بعضُكم نحو بعض، وتبدؤون -: شراباً فوق شراب:

آهِ كمْ غريبٍ أنْ ينسحب الشّاربُ من العمل.

 

ألا تستغربون من إشارة الحذر البشرية عند بلاطة العِلـَـيّة**؟

ألم يكنْ حبّ وفراقٌ مُلقـَـيـانِ بلطفٍ على الأذرع، كما

لو كان صـُنِـعَ من مادة أخرى ليستْ منّا؟ تذكّـروا الأيدي

كيف تستريح بدون ضغط رغم القوّة الموجودة في الأجساد.

المُسيطرون ذاتـيّاً عرفوا معه: كم نذهب بعيداً،

لَمْسُ أحدِنا الآخرَ لهذا يعـود لنا. تَضغط الآلهة أقـوى.

ولكنَّ هذا هو شأن الآلـهة.

 

لو استطعنا أن نجدَ أيضاً قطعة بشريّةً نقـيّةً، مُحتَشَمةً،

ضيِّـقةً، شريطاً من أرضٍ خصبةٍ بين نهر وصخر لأنفسنا.

إذ أنَّ قلبَـنا يرفعنا دوماً أيضاً مثلَ الآخرين. ونستطيع

ألاّ نـَراهُ مُجَسّداً ثانية بعد هذا في صُوَرٍ تُروِّضه، ولا في

أجسام ربّانيّـة، يكبح نفسَه فيها بقدرةٍ أكبرَ.

 

.................

* توبيت Tobit رجل يهودي متديّن كان يسكن في نينوى بعد موت سنحاريب (ملك الآشوريين)، أرسل ابنه طوبياTobiah or Tobiyah  (في اللاتينية توبياسTobias) ليجلب نقوداً كان خزنها من ميديا، مدينة بعيدة. جاءه المَلَكُ رفائيل متخفياً في صورة رجل وعرض عليه مصاحبته في رحلته ليساعده في مهمته.

** غرفة تقع تحت سطح البيت مباشرة (بيتونة).

 

........................

المرثية الأولى

http://almothaqaf.com/index.php/nesos2009/44981.html

المرثية الخامسة

http://almothaqaf.com/index.php/nesos2009/19298.htm

المرثية العاشرة

http://almothaqaf.com/index.php/nesos2009/50957.html

 

Rainer Maria Rilke

DIE ZWEITE ELEGIE

 

JEDER Engel ist schrecklich. Und dennoch, weh mir,

ansing ich euch, fast tödliche Vögel der Seele,

wissend um euch. Wohin sind die Tage Tobiae,

da der Strahlendsten einer stand an der einfachen Haustür,

zur Reise ein wenig verkleidet und schon nicht mehr furchtbar;

)Jüngling dem Jüngling, wie er neugierig hinaussah(.

Träte der Erzengel jetzt, der gefährliche, hinter den Sternen

eines Schrittes nur nieder und herwärts: hochauf-

schlagend erschlüg uns das eigene Herz. Wer seid ihr?

 

Frühe Geglückte, ihr Verwöhnten der Schöpfung,

Höhenzüge, morgenrötliche Grate

aller Erschaffung, - Pollen der blühenden Gottheit,

Gelenke des Lichtes, Gänge, Treppen, Throne,

Räume aus Wesen, Schilde aus Wonne, Tumulte

stürmisch entzückten Gefühls und plötzlich, einzeln,

Spiegel: die die entströmte eigene Schönheit

wiederschöpfen zurück in das eigene Antlitz.

 

Denn wir, wo wir fühlen, verflüchtigen; ach wir

atmen uns aus und dahin; von Holzglut zu Holzglut

geben wir schwächern Geruch. Da sagt uns wohl einer:

ja, du gehst mir ins Blut, dieses Zimmer, der Frühling

füllt sich mit dir... Was hilfts, er kann uns nicht halten,

wir schwinden in ihm und um ihn. Und jene, die schön sind,

o wer hält sie zurück? Unaufhörlich steht Anschein

auf in ihrem Gesicht und geht fort. Wie Tau von dem Frühgras

hebt sich das Unsre von uns, wie die Hitze von einem

heißen Gericht. O Lächeln, wohin? O Aufschaun:

neue, warme, entgehende Welle des Herzens -;

weh mir: wir sinds doch. Schmeckt denn der Weltraum,

in den wir uns lösen, nach uns? Fangen die Engel

wirklich nur Ihriges auf, ihnen Entströmtes,

oder ist manchmal, wie aus Versehen, ein wenig

unseres Wesens dabei? Sind wir in ihre

Züge so viel nur gemischt wie das Vage in die Gesichter

schwangerer Frauen? Sie merken es nicht in dem Wirbel

ihrer Rückkehr zu sich. (Wie sollten sie's merken.(

 

Liebende könnten, verstünden sie's, in der Nachtluft

wunderlich reden. Denn es scheint, daß uns alles

verheimlicht. Siehe, die Bäume sind; die Häuser,

die wir bewohnen, bestehn noch. Wir nur

ziehen allem vorbei wie ein luftiger Austausch.

Und alles ist einig, uns zu verschweigen, halb als

Schande vielleicht und halb als unsägliche Hoffnung.

 

Liebende, euch, ihr in einander Genügten,

frag ich nach uns. Ihr greift euch. Habt ihr Beweise?

Seht, mir geschiehts, daß meine Hände einander

inne werden oder daß mein gebrauchtes

Gesicht in ihnen sich schont. Das giebt mir ein wenig

Empfindung. Doch wer wagte darum schon zu sein?

Ihr aber, die ihr im Entzücken des anderen

zunehmt, bis er euch überwältigt

anfleht: nicht mehr -; die ihr unter den Händen

euch reichlicher werdet wie Traubenjahre;

die ihr manchmal vergeht, nur weil der andre

ganz überhand nimmt: euch frag ich nach uns. Ich weiß,

ihr berührt euch so selig, weil die Liebkosung verhält,

weil die Stelle nicht schwindet, die ihr, Zärtliche,

zudeckt; weil ihr darunter das reine

Dauern verspürt. So versprecht ihr euch Ewigkeit fast

von der Umarmung. Und doch, wenn ihr der ersten

Blicke Schrecken besteht und die Sehnsucht am Fenster,

und den ersten gemeinsamen Gang, ein Mal durch den Garten:

 

Liebende, seid ihrs dann noch? Wenn ihr einer dem andern

euch an den Mund hebt und ansetzt -: Getränk an Getränk:

o wie entgeht dann der Trinkende seltsam der Handlung.

 

Erstaunte euch nicht auf attischen Stelen die Vorsicht

menschlicher Geste? war nicht Liebe und Abschied

so leicht auf die Schultern gelegt, als wär es aus amderm

Stoffe gemacht als bei uns? Gedenkt euch der Hände,

wie sie drucklos beruhen, obwohl in den Torsen die Kraft steht.

Diese Beherrschten wußten damit: so weit sind wirs,

dieses ist unser, uns so zu berühren; stärker

stemmen die Götter uns an. Doch dies ist Sache der Götter.

 

Fänden auch wir ein reines, verhaltenes, schmales

Menschliches, einen unseren Streifen Fruchtlands

zwischen Strom und Gestein. Denn das eigene Herz übersteigt uns

noch immer wie jene. Und wir können ihm nicht mehr

nachschaun in Bilder, die es besänftigen, noch in

göttliche Körper, in denen es größer sich mäßigt.

 

adil salehترجمة لنصوص الشاعر

تشالس سيميتش

 


 

الغرفة البيضاء / ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

شاعر ومترجم وكاتب مقالات أميركي من أصل صربي ولد عام 1938 في مدينة بلغراد بيوغوسلافيا السابقة. عاش سنين الكارثة التي حلت بأوربا خلال الحرب العالمية الثانية وهاجر بعدها في سني مراهقته إلى أميركا ليصبح واحدا من أبرز شعرائها المعاصرين. نشأ في شيكاغو وتلقى تعليمه في جامعة نيويورك ويعمل حاليا أستاذا للأدب الأميركي والكتابة الإبداعية في جامعة نيوهامبشير، ومحررا لمجلة (باريس ريفيو) بالاشتراك مع الكاتبة والشاعرة ميغان أورورك.

نشر سيميتش أولى قصائده عام 1959 ولكنه بدأ مسيرته الأدبية مع أول مجموعة ظهرت له عام 1967 بعنوان (ما يقوله العشب) وسرعان ما جذب المزيد من الاهتمام النقدي وخصوصا عند نشره قصائد له بالانكليزية وترجمات شعرية لشعراء يوغسلاف.

نال شعره جوائز عديدة منها جائزة البوليتزر لعام 1990 عن ديوانه (العالم لا ينتهي: قصائد نثر) (الذي نترجم هنا سبعا منه) وجائزة والاس ستيفنز عام 2007. وانتخب لمنصب شاعر الولايات المتحدة عام 2007. من عناوين مجموعاته الشعرية: (تعرية الصمت) 1971، (مدرسة لأفكار سوداء) 1978، (أغاني بلوز لا تنتهي) 1986، (أرق الفنادق) 1992، (عرس في الجحيم) 1994، (اصطحاب القطة السوداء) 1996، (نزهة ليلية) 2001، و(ستون قصيدة) 2008.

ليس من السهل تصنيف الشعر الذي يكتبه سيميتش. فبعض قصائده يظهر نزوعا سرياليا وميتافيزيقيا واضحا، وبعضها يرسم صورا واقعية كالحة لحالات من العنف واليأس، والبعض الآخر يمزج بين هذه وتلك مما يجعل من الصعب وضع حد فاصل بين ما هو اعتيادي وبين ما يفوق المعتاد. إلا إن أسلوبه أخذ بمرور الزمن يزداد تميزا وتبلورا مما جعل بعض النقاد يشيرون إلى قصائده بوصفها "صناديق أحاجي صينية محكمة البناء." وعلى الرغم من انه لم يتقن الانكليزية إلا عندما بلغ الخامسة عشر من العمر، كما يخبرنا هو، إلا إن إجادته الصنعة الشعرية وبراعته اللغوية تظهران بكل وضوح في غرابة وتفرد صوره الشعرية من جهة وفي قدرته العالية على تنظيم وإيصال رؤاه وتجربته الشعرية إلى متلقيه بسلاسة ويسر من جهة أخرى.

 

الغرفة البيضاء

 

يصعب اثبات ما هو

واضح. كثيرون يفضلون

ما هو مخبـّأ. كنت كذلك ايضا.

اصغيت الى الأشجار.

 

كان لديها سر

اوشكت

ان تبيحه اليّ—

ثم لم تفعل.

 

الصيف اتى. كل شجرة

في شارعي كان لديها

شهرزادها. كانت لياليّي

جزءا من سرد قصصها

 

الجامحة. كنا

ندخل البيوت المظلمة،

المزيد والمزيد من البيوت المظلمة،

الصامتة والمهجورة.

 

كان ثمة شخص مغمض العينين

في الطوابق العليا.

التفكير بذلك والاندهاش منه

جعلاني لا انام.

 

الحقيقة واضحة وباردة،

قالت ذلك المرأة

التي كانت ترتدى ملابس بيضاء دائما.

لم تغادر غرفتها.

 

اشارت الشمس الى شيء واحد

او شيئين كانا قد بقيا على قيد الحياة

بعد الليلة الطويلة.

ابسط الأشياء،

 

صعبة في وضوحها.

لم يحدثوا اية جلبة.

كان يوما من النوع

الذي يصفه الناس بالـ"مثالي."

 

آلهة متنكرة بزي

دبابيس شعر سود، مرآة يد،

مشط بسن مفقود؟

كلا! لم يكن الأمر هكذا.

 

مجرد الأشياء كما هي،

لا تطرف أعينها، تقبع صامتة

في ذلك الضوء الساطع،

والأشجار تنتظر الليل.

 

jawdat hoshyarترجمة لرائعة الكاتب الروسي

أيفان بونين

 


 

الفجر طوال الليل / ترجمة: جــودت هوشيار

 

قصة "الفجر طوال الليل" رائعة أخرى من روائع أيفان بونين ترجمناها من الأصل الروسي ولم يسبق نشرها باللغة العربية. قصة تعد نموذجاً لا يجارى في فن القصة القصيرة. ليس ثمة كاتب آخر استطاع أن يعبر بعمق ورهافة عن المشاعر المتناقضة التى تنتاب فتاة شابة والأحلام التي تراودها في ليلة مصيرية من حياتها، كما عبّر عنها بونين الفنان.

هذه القصة تعكس الفجوة العميقة بين الرغبات والأحلام وبين الواقع لبطلة القصة (ناتاليا)، فهي خلال ليلة صيفية واحدة قضتها وحدها في أحضان الطبيعة - عندما يظل الليل مضيئا حتى الصباح - تغيّر رأيها وتتوصل تدريجياً الى قرار حاسم برفض الزواج من خطيبها (سيفرس). بينما كانت حتى الأمس تميل الى الأقتران به، ولكنها مع حلول الصباح باتت تعلم جيدا وتدرك في قرارة نفسها أنها سترفض هذا الزواج، فهو لم يكن فارس احلامها في يوم من الأيام.

المؤلف هنا يبين ليس تقلبات الشباب، بل قرار البطلة المستقل ويرجع ذلك الى صدق احساسها الداخلي الذي أيقظ روحها ومشاعرها الشخصية العميقة الدفينة. هذه الحالة لا يمكن تفسيرها بكلمات بسيطة، أي كيف إعتادت البطلة تدريجياً ومنذ الصغر على فكرة أنها ستصبح زوجة (سيفرس)، ثم تقرر فجأة أن ترفضه.

يصوّر بونين الحالة العاطفية للبطلة من خلال عالم الطبيعة المحيط بها. هنا – كما هو الحال في معظم قصص بونين - يبرز قدرة المؤلف الفائقة على التعبير الشعري عن مشاهد الطبيعة، التي ساعدته على الكشف عن العوالم الداخلية لأبطال أعماله وعن تنوع مشاعرهم.

عنوان القصة قد يبدو غريبا للقاريء العربي : كيف يمكن أن يكون الفجر طوال الليل، حتى لوكانت ثمة ليال مضيئة في الصيف الروسي؟ ولكننا نرى أن هذا العنوان رمزي الى حد بعيد ويشير الى النور الذي أضاء ذهن البطلة وأيقظ روحها بعد قضاءها ليلة في أحضان الطبيعة مما ساعدها على إدراك الحقيقة وهي أن (سيفرس) ليس فارس أحلامها على الأطلاق.

 

الفجر طوال الليل

قبيل الغروب هطل المطر غزيراً، صاخباً، ورتيباً في الحديقة المحيطة بالدار. وعبر النوافذ المفتوحة في الصالة تسرّب عبير النباتات الربيعية الخضراء منعشاً ندياً.. وفوق السطح تصاعد دوي الصواعق والرعود المشحونة، المشربة بالحمرة، بعد أن أنطفأ وهجها، وتلبدت السماء بالغيوم الداكنة.. ثم عاد الفلاحون من الحقل وقد بلل المطر معاطفهم وأخذوا بفصل أربطة الجياد من المحراث القذر قرب الزريبة، ودفع قطيع الماشية الذي ملأ العزبة كلها بخواره وثغائه، وفي الفناء كانت الفلاحات يركضن خلف الخراف وقد شمرن أطراف أثوابهن فالتمعت أقدامهن البيضاء فوق العشب. كان الصبي الراعي يطارد الابقار وهو يرتدي ملابس بالية ويعتمر قبعة عريضة الحوافي. وكان غريقا في الأعشاب البرية، حتى قمة رأسه، حين أخذت بقرة تصخب وتقفز الى الدغل.. هبط المساء وانقطع المطر ولكن أبي الذي كان قد ذهب الى الحقل منذ الصباح لم يعد بعد..

كنت وحيدة في البيت، بيد أني لم أشعر حينذاك بالسأم قط، لأنني لم أكن بعد، قد استمتعت لا بدوري كربة بيت ولا بحريتي بعد التخرج في المدرسة الاعدادية. كان أخي باشا قد التحق بالمدرسة العسكرية وأختي انيوتا، تقيم في كورسك، وكانت قد تزوجت حين كانت أمي لا تزال على قيد الحياة. لقد أمضينا أنا ووالدي شتاءني الريفي الأول في شبه عزلة. ولكنني كنت شابة قوية البنيان، جميلة الى حد أنني كنت معجبة بنفسي لمجرد أنني أتنفس وأتحرك وأعدو بخفة وأؤدي هذا العمل المنزلي أو ذاك أو أعطي توجيهاتي للخدم. وفي أثناء عملي في البيت كنت اترنم ببعض الالحان من تأليفي فأتأثر بها وعندما أتطلع الى نفسي في المرأة أبتسم بلا وعي. ويبدو أن كل ما كنت أرتديه من ملابس يلائمني على الرغم من بساطتها.

وما أن توقف المطر حتى أرتديت تنورتي وألقيت الشال على كتفي وركضت نحو المطبخ حيث كانت الفلاحات يحلبن البقر. سقطت عدة قطرات من السماء على رأسي الحاسر ولكن السحب الخفيفة المجهولة المعلقة في الاعالي كانت قد تبددت. كان ثمة ضوء خافت شاحب غريب يشيع في فناء الدار، كما يحدث عندنا دائما في أمسيات أيار. ومن الحقول كانت تهب نسائم مشبعة بطراوة العشب الندي مختلطة برائحة الدخلن المنبعث من مدفأة غرف الخدم. تطلعت للحظة الى الغرفة، فرأيت الفلاحين الشباب الذين كانوا يرتدون المعاطف الجلدية البيضاء، جالسين حول المائدة وأمامهم أطباق الحساء، حين ظهرت في عتبة الغرفة نهضوا واقفين أقتربت من المائدة وأنا ألهث من أثر الركض وسألت باسمة:

- أين أبي؟ هل كان في الحقل؟

قالوا في صوت واحد:

كان هناك لفترة وجيزة، ثم رحل مع السيد سيفرس في عربة نقل خفيفة -

- وهل جاء سيفرس؟

كنت على وشك أن أقول هذا وأنا مبهورة بزيارة سيفرس المفاجئة ولكنني صمتّ في اللحظة المناسبة ولم أقل شيئا، أومأت برأسي وأسرعت عائدة الى البيت.

حين أنهى سيفرس أكاديمية بطرس التحق بالجيش لأداء الخدمة العسكرية الألزامية. ومنذ طفولتي كانوا يقولون أنني خطيبته، ولهذا لم يكن في ذلك الوقت يروقني قط. ولكن فيما بعد أخذت أفكر فيه كخطيبي المقبل، في شهر أب سافر للألتحاق بوحدته، ثم جاءنا وهو يرتدي الزي العسكري، والشارات الحربية تزين صدره، وأخذ يتحدث عن ابداع نائب ضابط، قصير القامة...

وأخذت أعتاد على فكرة أنني سأصبح زوجته. شاب مرح، أسمر، وقد اصطبغ وجهه بالأسمرار لتعرضه لأشعة الشمس، وكان النصف الأعلى من جبهته فقط ناصع البياض، كان في نظري أنسانا ظريفا للغاية.

فكرت بانفعال: (اذن فقد أخذ اجازة!). سرني ذلك، فقد كان من الواضح انه جاء من أجلي وفي الوقت ذاته شعرت الضيق الشديد.

. عدت الى البيت على عجل لكي أهيىء طعام العشاء لأبي ولكنني ما أن دخلت البيت حتى رأيت أبي يذرع الغرقة جيئة وذهابا، ووقع خطاه يرن في أرجائها، ولسبب ما فرحت به على نحو غير مألوف، كانت قبعته مرفوعة نحو قمة رأسه ولحيته مشعثة وحذاؤه الطويل الساق وسترته ملطخان بالاوحال، غير أنه بدا في تلك اللحظة تجسيدا للوسامة والرجولة.

سالته؟

- لماذا لم تشعل النور؟

انني يا تاتا – ناداني بالأٍسم الذي كان يناديني به في طفولتي – لن أتعشى الليلة، بل سأنام، فقد هدني التعب، ثم هل تعرفين كم الساعة الان؟ ثم أن الليل الآن فجر،وسيلتقي الفجر بالفجر، كما يقول الفلاحون وأضاف ساهماً:

- كالحليب.

مددت يدي نحو المصباح، ولكنه أوما برأسه ورفع كأسه وأخذ يتطلع من خلاله الى ضوء الشفق كي يستوثق من عدم وجود الذباب فيها. بدأ يشرب الحليب، فيما كانت البلابل تغرد في الحديقة وعبر النوافذ المفتوحة على الجانب الشمالي – الغربي رأيت السماء البعيدة الخضراء، الفاتحة اللون فوق السحب الربيعية الرقيقة الحمراء، جميلة التقاطيع. كان كل شيء على الارض مجهولا والسماء ناعمة في العتمة الليلية الخفيفة. كان من الممكن رؤية كل شيء في الشفق الشاحب الذي لا ينطفىء؟ كنت أجيب على أسئلته حول شؤون البيت بهدوء، ولكن حين قال فجأة أن سيفرس سيزورنا غدا أحسست أنني أحمرّ، غمغمت:

- لماذا؟

- سيطلب يدك، شاب لا بأس به، ذكي ووسيم، وسيكون زوجاً ناجحاً لقد شربنا نخب خطوبتكما

- لا تقل هذا يا أبي – قلت ذلك وطفرت الدموع من عينيّ -

تطلع اليّ أبي طويلا، ثم قبل جبهتي وأتجه نحو باب غرفته وأردف باسما:

الصبح أكثر حكمة من المساء

2

كان الذباب الناعس الذي أثاره حديثنا، يطن على السقف بخفوت وهو يغفو رويدا رويدا. دقت الساعة أحد عشر دقة رنانة، حزينة. (الصبح أكثر حكمة من المساء )، خطرت في ذهني كلمات أبي المهدئة ومن جديد تملكني شعور بالراحة والحزن السعيد. نام أبي وساد الهدوء غرفته منذ وقت طويل ونام كل من في العزبة، كان ثمة شيء ما عذب في هدأة الليل بعد المطر، وفي أغاريد البلابل وشيء ما رائع يشيع في ضوء الليل الخافت البعيد..

شرعت بترتيب المائدة بهدوء، محاولة أن لا أثير أي جلبة وأنا أتنقل على أطراف أصابعي من غرفة الى أخرى. وضعت الحليب والزبدة والعسل في المدفأة الباردة في الممر وغطيت أدوات الشاي بمنشفة رقيقة وأتجهت نحو غرفتي دون أن أفارق الشفق والبلابل.

كانت نوافذ غرفتي المجاورة لصالة الاستقبال مغلقة ولكنني كنت أرى الضوء الخافت في الصالة من خلال الباب المفتوح، حللت ضفائري وأسدلت شعري ثم جلست على فراشي لوقت طويل جاهدة أن يستقر رأي على قرار ما، أغمضت عيني وأنا أتكيء على الوسادة بمرفقي وسرعان ما غلبني النعاس.

قال شخص ما فوق رأسي: (سيفرس). أرتعشت فجأة فأفقت، سرت فكرة زواجي كرعدة باردة، حلوة وفظيعة في جسدي كله، لبثت فترة مستلقية دون أن أفكر، وكأنني في غيبوبة، ثم خيل الي أنني وحيدة في العزبة بأسرها ومتزوجة، وفي ليلة ما كهذه الليلة يعود زوجي من المدينة ويدخل البيت ثم يبدأ بخلع معطفه في الممر، فأنتبه، ودون أن يسمع وقع خطواتي أظهر في عتبة غرفة النوم، فيرفعني على يديه الى الأعلى بفرح عارم.

خيل الي أنني أحبه، أنا لم أعرف سيفرس الا معرفة طفيفة، أما الرجل الذي أمضيت الليل معه في خيالي فلم يكن يشابهه ورغم ذلك فقد بدا لي انني أفكر بسيفرس، الذي لم أره منذ فترة عام تقريبا والليل أضفى على صورته جمالا، وجعله مرغوبا. كنت مستلقية ما أزال في أعماق العتمة والهدوء وأنا أفقد الاحساس بالواقع أكثر فأكثر : (شاب لا بأس به ذكي ووسيم ) كنت أبتسم وأتطلع الى ظلام العيون المغمضة حيث تتراقص وجوه وبقع مضاءة.

وفي الوقت ذاته كنت احس بحلول اعمق ساعات الليل. ماذا لو كانت (ماشا) في البيت لذهبت اليها الان وتحادثت معها طوال الليل. ولكن كلا، قلت لنفسي مرة أخرى، من الافضل أن أظل وحيدة، سآخذها معي حين أتزوج.

تناهي الى سمعي من الصالة صوت واهن لتكسر شيء ما، تنبهت وفتحت عيني: بدت الظلمة في الصالة أكثر كثافة. كل شيء فيّ وفيما حولي تغيّر وأخذ يحيا حياة جديدة، حياة ليلية خاصة، تلك التي لن تكون مفهومة في الصباح. صمتت البلابل ماعدا بلبل واحد كان قد بنى عشه في الشرفة هذا الربيع، أخذ ينقر على مهل، البندول يتكتك بدقة وحذر ورنانة في الصالة والسكون في البيت كأنه أصبح أكثر توترا، أرهف السمع الى كل نأمة وحفيف، أعتدل في فراشي وأحس أنني في قبضة هذه الساعة الغامضة التي وجدت للقبل، للمعانقات المختلسة، وأخذت أكثر الافتراضات، بعيدة الاحتمال تبدو لي طبيعية تماما، تذكرت فجأة أن سيفوس كان قد توعدني مازحا انه سيتسلل ذات ليلة الى حديقتنا للقائي. ماذا لو كان جادا في كلامه ولم يكن يمزح؟ ما ذا لو أقترب من الشرفة بإحتراس دون أن يشعر به أحد. وأخذت أحدق في الظلمة الواهنة بثبات وأنا أتكيء على الوسادة بمرفقي واتصور بتلذذ كل ما كنت سأقول له بصوت هامس خافت يكاد لا يسمع. أفتح باب الشرفة و أنا أتلذذ بفقدان السيطرة على نفسي

وأسمح له أن ينقلني الى أعماق الحديقة الندية عبر رمال الممشى الرطب.

3

انتعلت حذائي وألقيت الشال على كتفي وحين خرجت بأحتراس الى صالة الاستقبال توقفت بجوار باب الشرفة وقلبي يخفق بشدة وبعد أن أيقنت أن الهدوء يخيم على البيت وأنه ليس ثمة سوى دقات الساعة الرتيبة وصدى شدو البلبل، أدرت المفتاح في القفل دون ضجيج، وللتو أصبحت أغاريد البلابل الصادحة في الحديقة مسموعة وأختفى السكون المتوتر. أخذت أتنفس ملء صدري وأعبّ بحرية النسائم الليلية الطرية المتبقية في الممشى بين أشجار البتولا الفتية.

سرت على رمال الممشى الرطبة في الظلام الخافت للغسق الداكن من أثر غيوم الشمال. في أقصى الحديقة كانت ثمة عريشة ليلك وسط أشجار الحور، كان الجو هادئا الى درجة كنت أسمع صوت تساقط قطرات الندى الباردة المتساقطة من الأغصان المعلقة. كان كل شيء غافيا يستمتع بغفوته، البلابل وحدها كانت تستعذب أغانيها الحلوة، وفي كل ظل كان يتراءى لي هيئة أنسان، وفي كل دقيقة كان قلبي يجمد، وأخيرا حين أحتوتني عتمة العريشة واجهتني رائحة دفئها، كنت واثقة تقريبا أن ثمة أنسان ما وسيعانقني بقوة وصمت ولكن لم يكن هناك أحد... ووقفت وأنا أرتعد من الانفعال وأرهف السمع الى الحفيف الرقيق لاشجار الحور، ثم جلست على المصطبة الرطبة.كنت لاأزال أنتظر شيئا ما وأختلس النظرات الخاطفة الى الفجر الشاحب أحيانا، ولمدة طويلة أحسست عن قرب وفي غموض بعبير السعادة من حولي، ذلك الشيء الهائل المخيف - الذي نواجهه جميعا في هذه اللحظة او تلك على عتبة الحياة مسنّي فجأة - ربما فعل ماكان ينبغي أن يفعل، أن يمسي ويختفي، أذكر ان كل تلك الكلمات الرقيقة التي كانت نفسي مفعمة بها، قد أثارت أخيراً الدموع في عيني. كنت وانا استند الى جذع شجرة حور رطبة التقط عزاء شخص ما وحفيف الاوراق الذي ينبعث ثم يموت، وكنت سعيدة بدموعي الصامتة.

راقبت ذلك التحول الحميم عندما ينبلج الفجر من الليل

رايت من خلال أشجار الكرز، كيف أن الظلام أخذ يشحب وكيف أحمرت الغيمة الضاربة الى البياض في الشمال

أصبح الجو نديا، لففت الشال حول جسدي وأخذت السماء الرحيبة تضاء، فبدت في العيون أكبر وأعمق، قطرات الندى الصافية ترتعش على زهرة.

كنت أحب شخصاً ما، وكان حبي في كل شيء، في برد الفجر وعبيره، في طراوة الحديقة الخضراء، وفي نجمة الصبح هذه. ها أنني أسمع قرقعة عربة نقل المياه المارة قرب الحديقة والمتوجهة الى النهر. ثم صياح شخص ما في فناء الدار، صوت صباحي أجش. تسللت من العريشة ووصلت الشرفة بسرعة، وفتحت الباب بخفة وهدوء وركضت على أطراف أصابعي الى العتمة الدافئة لغرفة نومي. في الصباح كان سيفرس يصطاد الغراب في حديقتنا وخيل اليّ أن الراعي دخل الفناء وشرع بضرب القطيع بالسياط بيد أن هذا لم يمنعني من النوم العميق. وحين أفقت كانت الصالة تضج بالأصوات ورنين الأواني. ثم أقترب سيفرس من باب غرفتي وصاح بي : من المخجل أن تنامي الى هذا الوقت المتأخر يا تتيانا الكسييفنا..

أحسست بالخجل حقاً. الخجل من مواجهته، والخجل من رفض طلبه،.أنني ادرك هذا الآن على نحو راسخ. أرتديت ملابسي على عجل، تطلعت في المرآة الى وجهي الشاحب.

أجبته بكلمات ترحيب مازحة، هي أول ما تبادرت الى ذهني، ولكن صوتي كان واهناً الى درجة انه ربما لم يسمعه على الأرجح..

 

bahjat abaasترجمة لنصي الشاعر الألماني

راينر ماريا ريلكه

 


 

قصيدتان للشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه

ترجمة: بهجت عباس

 

زار الشاعر راينر ماريا ريلكه (ولد في براغ عام 1875 وتوفي في سويسرا بسرطان اللوكيميا عام 1926) الحديقة النباتية في باريس التي تقع على الضفة اليسرى لنهر السين بناء على توصية من صديقه النحات (رودان)، والتي تقع في وسطها حديقة حيوان صغيرة، فنظم قصائد كثيرة في حيواناتها.

 

1

متنزّه الببغاوات

تحت شجرِ الزَّيـزفون التركيِّ المُـزهـرِ

على حـوافي المَرج المُعـشَـوشِـبِ،

تـتنفّس الببغاواتُ بهدوء في مواقعها المتأرجحة،

وقد هـزّها الحنينُ إلى أوكارها،

فأخذت تفـكِّـر في أوطانـها

التي، وإنْ لـمْ تَـقعْ أعينـُها عليها، لا تتـغيَّر.

غُـرَبـاءُ في هذه الخضرةِ المتـزاحمة كموكب استعراض،

تتـباهى وتـتعالى وتشـعر أنَّـها فوق الجميع.

وفي مناقيرهـا الثمينة المصنوعة من اليَـشْمِ واليَـشَبِ

تعـلـك شيئاً رمادياً وتقـذفـه بعيداً،

لأنها لا تستـسيغ طعمَـه.

 

ومن تحتها تلـتـقط الطيورُ الحَـزانى مـا قَـذَفـتْه،

بينـما تنحني الببغاواتُ الساخراتُ من فوقها انحناءةَ استهزاءٍ.

وبين كلتـيْهـما تفرغ أواني الطعام سريعاً،

وتـبدأ بالـتأرجح مرةً أخرى وتـنـامُ وتراقبُ،

وبألسُـنها السّـودِ التي تـنطق الكَـذِبَ عن طيب خاطر،

تـعبث بسلاسل الأغلال في أرجلها. تنـتظر مشاهدين.

 

2

الـنِّـمْـرُ

نظـرتُـه مـِنْ تخَـطّي القُـضْـبـان ِ

أصبحتْ كَلِـيـلةً حيثُ لا يستطيع أنْ

يتحمّـلَ شيئـاً أكثـرَ

يتراءى له، كما لـو أنَّ ألفَ حاجزٍ موجودٌ

وخلفَ ألفِ حاجـزٍ ليس ثَـمّةَ عـالَـمٌ.

 

مَـشْـيَـتُـه الرَّقـيـقةُ بخُـطواتِه

الجـبّـارةِ الخفيـفةِ

التي تدور في حَـلقـاتٍ صغـيـرةٍ جـدّاً،

مثل رقـصٍ بقـوّةٍ حـولَ مـركـزٍ

تقـفُ فيه الإرادة القـويَّـةُ خَـدِرَةً.

 

وأحيـاناً فقط تُرفـع السِّـتارةُ

للنّـاس بخفـوتٍ-.

فتدخـلُ صـورةٌ،

تسري خلالَ الهدوءِ المُـتَـوتِّـرِ

للأطـراف-

إلى القلب وتمـوتُ.

 

 

Im Jardin des Plantes Paris

 

1

Papageien Park

 

Unter türkischen Linden, die blühen, an Rasenrändern

in leise von ihrem Heimweh geschaukelten Ständern

atmen die Ara und wissen von ihren Ländern,

die sich, auch wenn sie nicht hinsehn, nicht verändern.

 

Fremd im beschäftigten Grünen wie eine Parade,

zieren sie sich und fühlen sich selber zu schade

und mit den kostbaren Schnäbeln aus Jaspis und Jade

kauen sie Graues, verschleudern es, finden es fade.

 

Unten klauben die duffen Tauben, was sie nicht mögen,

während sich oben die höhnischen Vögel verbeugen

zwischen den beiden fast leeren vergeudeten Trögen.

 

Aber dann wiegen sie wieder und schläfern und äugen,

spielen mit dunkelen Zungen, die gerne lögen,

,zerstreut an den Fußfesselringen. Warten auf Zeugen.

 

2

Sein Blick ist vom Vorübergehn der Stäbe

so müd geworden, daß er nichts mehr hält.

Ihm ist, als ob es tausend Stäbe gäbe

und hinter tausend Stäben keine Welt.

Der weiche Gang geschmeidig starker Schritte,

der sich im allerkleinsten Kreise dreht,

ist wie ein Tanz von Kraft um eine Mitte,

in der betäubt ein großer Wille steht.

Nur manchmal schiebt der Vorhang der Pupille

sich lautlos auf - Dann geht ein Bild hinein,

geht durch der Glieder angespannte Stille -

und hört im Herzen auf zu sein.

 

 

ghasan ahmadnamiqترجمة لنص الشاعرة البريطانية

جني لويس

 


 

السَّـــــبّاح / ترجمة: غســـان أحمد نامق*

Translated by: Gassan Namiq

مراجعة: د. صلاح نيازي

Edited by: Dr. Salah Niazi

 

ضَعْ ثقتَكَ بالماء وهو سيَحمِلُك: ففي نهايةِ المطافِ

هو عُنصرُنا الأولُ: وخلايانا المائيةُ

تصرُخُ ليلتئمَ شَمْلُها، تَدُقُّ

على جدارِ جِلدِنا مثل سُجناءَ عُميان، فتَجَدُ

 

سُبُلاً للعودةِ إلى السيولة: والآن تندفعُ يداي

خلالَ الجَمْعِ إلى هالةِ

هواءٍ مُتَكَسّرٍ، فأراكَ تتغلغلُ

في منطقةِ طينٍ وقَصَبٍ، أو أرى

 

هيئتَكَ المُسْرِعةَ تَسْحو سحاباً ضئيلاً وأنت تَكسِرُ

الغِطاءَ النديَّ للنهرِ وتنثُرُ على الفراتِ

ماساً متساقطاً. وهناك، ما هَرَبتَ منه

هو حرارةُ مُنتصفِ النهار وسريرُ مَرَضِ والدِكَ –

 

ووالدتُكَ التي أنهَكَها العِبءُ الدائمُ:

وبَعدَ ذلك خشونةُ الجنديةِ وقذارةُ الخراطيشِ المُستهلَكةِ

بَعدَ أدائِها عملها الدموي.

وأنتَ الشاعرُ الذي أحزَنَتْكَ المُزرياتُ، وأقلقتْكَ

 

الأخيلةُ، يا وريثَ النمرود، طَفوتَ بمقطوعاتِ

أفكارٍ لا وطنَ لها، كما السمكةِ التي سبحتَ معها.

والآن لديكَ نهرٌ آخر وتحسُّ بجَذبٍ آخر للمَدِّ والجَزْر

جَلَبَ غُرَباءَ إلى طقسِ

 

المنفى، منذ الرومان. وصوتُك يَرتحلُ،

مُتراكماً وثميناً مثلَ فحم رونْذا(1)

الذي جَرَفَهُ أعمامُ أبي، عُمّالُ مناجمَ كأولئك الذينَ

أنشدوا للمسيحِ حين صَعَدَتْ مياهُ تيِنْيويد(2)

 

إليهم عبر المَهوى، فتَركتْ زوجاتُهم

غَلّاياتِهن الفائرةَ ليَهرُبْنَ من مَطابِخهنّ، وأحكمنَ

رَبْطَ شالاتِهنَّ، وهرِمنَ فجأةً مع تشظّي النورِ:

شمعةُ المنْجّمِ الأخيرةُ تهدلّتْ مثل فتاةٍ مشنوقة.

 

.......................

* مترجم وأستاذ جامعي عراقي مقيم في طرابلس – ليبيا.

1- "رونذا": قصبة تقع عند "نهر رونذا" في جنوب "ويلز". ويشار إليها باسم "وادي رونذا" الذي يتكون من واديين اثنين لاستخراج الفحم.

2-  "تيِنْيويد ": قرية واقعة في "قصبة رونذا" في جنوب "ويلز" وفيها منجم فحم.

 

SWIMMER / JENNY LEWIS

 

For Adnan al-Sayegh

 

Trust water and it will carry you: after all,

it was our first element: our aqueous cells

cry out to be reunited, go tapping along

inside our skin like blind prisoners, finding

 

ways back to fluidity: now my hands push

forwards through the gather into a nimbus

of breaking air and I see you move deeper

to a region of mud and reeds, or your fleet

 

shape harrow sketchy clouds as you break

the wet lid of the river, spray the Euphrates

with falling diamonds. Back then, what you fled

was the midday heat and your father’s sickbed

 

your mother frayed by the burden of constant

want: later, the soldier’s rough, the dirt of spent

cartridges after they’d done their bloody business.

You a poet, darkened by contaminants, restless

 

with visions, Nimrod’s inheritor, buoyed by riffs

of thought as stateless as the fish you swam with.

Now you have another river, feel the pull of other

tides that have brought strangers to the weather

 

of exile since the Romans. Your voice travels

out, heaped and precious as the Rhondda coals

my father’s uncles shovelled, miners like those

who sang to Jesus as Tynewydd waters rose

 

up the shaft towards them, their wives leaving

spitting kettles to run from their kitchens, drawing

shawls tighter, suddenly old as light pearled:

the pit’s last candle drooping like a hanged girl.

 

....................

"جني لويس" شاعرة وكاتبة مسرحية وكاتبة أغاني من بريطانيا. تركز على التعاون في ما بين فنون الشعر والموسيقى والرقص والفنون البصرية. تعمل في تدريس الشعر بجامعة أوكسفورد.

لها العديد من المجموعات الشعرية.

 

قصيدة "السَّــبّاح" SWIMMER التي نقدم ترجمتها العربية هنا نُشرتْ في المجلة البريطانية "POETRY WALES" - ع 1، مجلد 48 / 2012. وظهرت مع مجموعة من القصائد الأخرى وترجماتها العربية في كتاب للشاعرة بعنوان Taking Mesopotamia صدر في مانشستر ببريطانيا عن دار كاركانيت المحدودة عام 2014.

 

قمتُ بترجمة القصيدة من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية. بينما قام الدكتور "صلاح نيازي" بمراجعة الترجمة مشكوراً.

 

ظهرت القصيدة في الكتاب المذكور بنصّها الإنكليزي الأصلي وبالترجمة العربية التي قدمناها أعلاه.

 

adil salehترجمة لنص الشاعر الأميركي

رسل ايدسن

 


 

لنتأمل / ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

رسل ايدسن (1935-2014): شاعر أميركي من مواليد كونيكتيكت. بدأ حياته بدراسة الفن فالتحق في سني مراهقته بعصبة طلبة الفن في نيويورك وبدأ النشر في ستينيات القرن الماضي. يعد "السيد قصيدة نثر الصغير" ، كما يحلو لزوجته فرانسيس أن تدعوه تندرا،  أبرز من كتب قصيدة النثر في أميركا. نشر أحدى عشرة مجموعة من قصائد النثر ورواية واحدة بعنوان (أغنية برسيفال بيكوك)(1992) و مجموعة مسرحيات بعنوان (المرض الساقط)(1975). من عناوين مجموعاته الشعرية: (احتفاليات في فضاء عازب)1951، (الشيء عينه الذي يحدث) 1964، (المسرح الهادئ) 1977، (الفطور الجريح) 1985، (النفق)    1994، (المرآة المعذبة) 2001 و (زوجة الديك) 2005.

في أول دراسة بحجم كتاب عن قصيدة النثر في أميركا بعنوان (قصيدة النثر الأميركية: الشكل الشعري وحدود النوع)(1998)، يشير الباحث ميشيل دلفيل إلى أن قصيدة النثر الأميركية في القرن العشرين ينبغي أن لا ينظر إليها على إنها مجرد نثر أضفيت عليه مزايا الشعر من زخرف لفظي ومحسنات بديعية، بل على انه حالة  من "التفاوض" (negotiation) بين حدود الأنواع الأدبية من غنائي إلى قصصي إلى تفسيري إلى تأملي. ثمة إذا قصيدة نثر جديدة تطورت في أميركا على يد غرترود شتاين وراسل ايدسون وتشارلز سيميك، وكذلك على يد مجموعة شعراء عرفوا باسم "شعراء اللغة". يرى دلفيل إن قصيدة النثر الجديدة هذه تتعامل مع الواقع ليس من خلال استخدام أدواته اللغوية ذاتها، أي ليس من خلال التعاطي معه تعاطيا إشاريا مباشرا-لأنه في الحالة هذه  ستكون مرآة عاكسة للغة والايدولوجيا المهيمنتين - وإنما من خلال "تحطيم" (subversion) المسلمات اللغوية  التي يتشكل منها المهاد الإيديولوجي لهذا الواقع.

يصف دلفيل قصائد الشاعر بقوله بان "الوصفة" النموذجية التي يقدمها أيدسون عن قصيدة النثر التي يكتبها  تلتقط الإنسان الحديث العادي لحظة اصطدامه بشكل مفاجئ بواقع بديل يفقد فيه السيطرة على نفسه، أحيانا إلى حد الانغماس انغماسا لا سبيل إلى علاجه-مجازا وحقيقة على حد سواء-ببيئته الحياتية اليومية المباشرة، وهو يقوم بمزج العادي والغريب، أو بخلطهما خلطا مشوشا.

 

لنتأمل

لنتأمل المزارع الذي يجعل من قبعته القش حبيبة له؛ او العجوز التي تجعل من مصباحها الأرضي ابنا لها؛ او الشابة التي اوكلت لنفسها مهمة قشط ظلها من على الجدار....

لنتأمل العجوز التي ارتدت لساني بقر مدخـَّنين كحذاء وسارت في الحقل تجمع رقائق روث البقر المجفف في مئزرها؛ او مرآة اصبحت معتمة بتقادم العمر اعطيت لرجل اعمى صرف لياليه ينظر فيها، مما احزن امه على ابنها الذي لا ينبغي ان يتيه هكذا في غروره....

لنتأمل رجلا سلق وردا لغدائه، تنبعث من مطبخه رائحة بستان ورد يحترق؛ او الرجل الذي تنكر بزي عثة وأكل معطفه، وللتحلية قدم لنفسه قبعة مثلجة....

 

ghasan ahmadnamiqترجمة لنص الشاعرة البريطانية

 جني لويس

 


 

المنجم / ترجمة: غســان أحمد نامق*

Translated by: Gassan Namiq

 

مراجعة: ع. الصائغ

Edited by: A. Al-Sayegh

 

"جني لويس" شاعرة وكاتبة مسرحية وكاتبة أغاني من بريطانيا. تركز على التعاون في ما بين فنون الشعر والموسيقى والرقص والفنون البصرية. تعمل في تدريس الشعر بجامعة أوكسفورد.

لها العديد من المجموعات الشعرية.

قصيدة "المنجم" MINE التي نقدم ترجمتها العربية هنا ظهرت مع مجموعة من القصائد الأخرى في كتاب بعنوان Taking Mesopotamia صدر في مانشستر ببريطانيا عن دار كاركانيت المحدودة عام 2014.

قمتُ بترجمة القصيدة من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية. بينما قام الأخ الشاعر العراقي "عدنان الصائغ" بمراجعة الترجمة مشكوراً.

ظهرت القصيدة في الكتاب بنصّها الإنكليزي الأصلي وبالترجمة العربية التي نقدمها أدناه.

 

المنجم

 

"الفَحمُ؛ ماسٌ أسود. كُلُّ سَلةٍ، طاقةٌ وحَضارة."

- رالف والدو إميرسون(1) -

 

أسلافي كانوا يعملونَ طوالَ اليومِ في الماءِ، يذهبونَ في البزوغِ، ويعودون

بعدَ انسدالِ الظلام – والأحدُ؛ فرصتُهمُ الوحيدةُ لرؤيةِ ضوءِ النهار.

 

القَفَصُ والمِثقابُ يَطرُقان أفئِدتَهم،

واهتزازُ الطاحونةِ(2) المتعاقبُ يدفعُ الصوتَ

عبرَ أجسادِهم إلى صَدعِ الجبلِ.

 

يَسيرونَ ميلاً نحوَ وَجْهِ الفحم، ويهبطونَ في فروعٍ من الهواء

تَفوحُ منها رائحةُ المَعادنِ المصهورةِ والمُهَراةِ

 

في رونذا فاور ورونذا فاخ(3) يَستخرجونَ القارَ

للكوكِ ونارِ الحدّادين، ويَضَعونَ المتفجّراتِ

تحتَ الأحراجِ المدفونةِ.

 

دِلاءُ فحمِهم تَحمِلُ وزنَ العالمِ،

ووجوهُهمُ الإنجيليةُ تُحملِقُ في الأنفاق، وخُشونَتُهم

تمورُ في دمي.

 

كان فحمُهم أَشَدَّ وأَسخَنَ اشتعالاً، والعروقُ الكثيفةُ مَلأى

بآثارِ أقدامِ ديناصوراتٍ حَمَلَها الطوفان

 

مِنْ دلتاتٍ بَعيدةٍ، بُعدَ أم قصرٍ والبصرة

إلى بلاينكليداخ(4) حيثُ جَدّتي، ببَطْنِها المَشدودةِ مِثلَ شِراعٍ،

 

شَهِقَتْ حينَ اندفعَتْ مياهُها(5)

والطفلُ في رَحِمِها بدأ رحلتَه.

 

......................

* مترجم وأستاذ جامعي عراقي مقيم في طرابلس – ليبيا.

1-  فليسوف وشاعر وكاتب أمريكي (1803-1882)

2-  وردت بالنص الإنجليزي كلمة Widow Maker وترجمتها الحرفية هي (صانع الأرامل)، إشارةً إلى أن العمل بهذه الآلة في المناجم يؤدي إلى خسارة في الأرواح. وأثناء ترجمتي القصيدة، إحترتُ بهذه التسمية. فبحثت عنها في مختلف المصادر من قواميس وسوى ذلك، ووجدتُ أن عمال المناجم يطلقون تسميات على مثقاب الحفر وذلك حسب المناطق، بحيث صار من الممكن التعرّف على منطقة المناجم من خلال التسمية التي يطلقها العمال على تلك الآلة.

3- "رونذا فاور"، و "رونذا فاخ": الواديان اللذان يتكون منهما "وادي رونذا" في جنوب "ويلز".

4- "بلاينكليداخ": قرية واقعة في "قصبة رونذا" ضمن "وادي رونذا" في جنوب "ويلز".

5- سائلها الأمنيوسي.

 

MINE

By: Jenny Lewis

 

Coal is black diamonds. Every basket is power and civilization.”

Ralph Waldo Emerson

 

My ancestors worked all day in water, up before dawn, back

after dark – Sunday their only chance at daylight.

 

The cage and drill hammered their hearts,

the riddling grind of the Widow Maker drove sound

through their bodies into the fault of the mountain.

 

They walked a mile to the coal face, down branches of air

smelling of clinkers and ponies.

 

At Rhondda Fawr and Rhondda Fach they mined bitumen

for coke and blacksmith’s fires, laid explosives under buried forests.

 

Their hods carried the world’s weight,

their bible faces stared down tunnels, their roughness

a chafing in my blood.

 

Their coal burned harder, hotter, dense seams littered

with dinosaur footprints carried on the flood

 

from deltas as far away as Umm-Quasir and Basra

to Blaenclydach, where my grandmother, belly taut as a sail,

 

gasped as her waters

broke and the child in her womb started his journey.

 

adil salehترجمة لأربعة نصوص للشاعر الأميركي

 إي.  إي.  كمنغز

 


 

سأتخيل ان الحياة / ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

إي. إي. كمنغز (1894-1962) شاعر أميركي من مواليد مساتشوستس. نشر أول مجموعة شعرية له بعنوان  (زهور تولب ومداخن) عام 1923 تلتها إحدى عشر مجموعة من الشعر الذي يتراوح بين التقليدي كالسونيتات التي كتب العديد منها وبين الشعر التجريبي الطليعي الذي يتميز بانزياحات وخروقات لغوية عنيفة سواء في النحو أو في المفردة الشعرية أو في طريقة تنقيط الجمل. ويحظى شعر كمنغز رغم تفرده بشعبية كبيرة كواحد من أهم شعراء الحداثة في القرن العشرين.

 

1

سأتخيل ان الحياة

 

ليست جديرة بالموت انْ

(وحين ) تشكو الورود

ان جمالها غير مجد

 

لكن رغم ان البشرية تـُـقنع

نفسها ان كل عشبة ضارة

وردة فالورود (سيكون المرء

على يقين) ستبتسم حسب

 

2

غريب كليا في يوم اسود

-سـوّد عيشتي

 

انا الذي وجدت الغفران صعبا لأنه

كان انا نفـــ (هكذا حدث الأمر) ســي

 

--لكننا الآن من صديقين يا لنا

 

3

(مرة مثل شرارة)

 

اذا ما التقى غريبان

تبدأ الحياة-

ليسا فقيرين ليسا غنيين

(عارفان بعضهما فحسب)

لا رقيقان

قاسيان لا

(مكملان بعضهما فحسب)

لست انا وأنت لست

ليس ممكنا؛

صادقان فحسب

-بصدق لمرة واحدة

اذا ما الغريبان (اللذان

هما في قرارتنا نحن

على حقيقتهما) يتلامسان:

الى الأبد

 

(وهكذا حتى حلول الظلام)

 

 

4

و

 

ر

ق

ة

 

ت

س

 

ق

 

ط)

ح

د

 

ة

 

bahjat abaasترجمة لنصوص فرنسيّة

عن الخريف

 


 

أغاني الخريف - أربع قصائد فرنسية

ترجمها عن الإنكليزية: بهجت عباس

 

1

أغنية الخريف

باول فيرلين (1844-1896)

تنهّـدات الكمان المتواصلة

في الخريف

تقطّع قلبي باطّراد رتيب واهن.

 

خانقـة وباردة عندما

تدقّ السّاعة الرهيبة

أتذكّـر

الأيّـامَ الغابرةَ

وأبكي.

 

وأنـا أتجـوّل

في ريحٍ آثـمة

وهي تحملنـي

هنا وهناك

أصير مثلَ ورقة ميتة.

 

2

أغنية الخريف

شارل بودلير (1821-1867)

قريباً سنغـرق في عَـتمة متجمِّـدة

وَداعاً، يا صفاءَ صيفـنا القصير جـدّاً!

قبل الآن سمعتُ الخريفَ بأسىً

على الغابة متساقطاً على فناء الدار المرصوف.

 

الشتاء سيجتاح وجودي: غضب

شنآن، برد، رعب، وعمل قسريّ،

وكالشمس في جحيمها الثلجيّ،

قلبي ليس سوى قطعةِ جليدٍ حمراءَ طافية ٍ.

 

أحِسُّ برعشةٍ عندما أسمع غصناً واهناً يسقط.

ليس للمشنقة صدى أكثرُ صخبـاً.

إنَّ روحي مثـلُ برجٍ يستسلم

لضربة المنجنيق الثقيلـة غير الكليلـة.

 

هادئاً هنيـهة بهذا الصوت الرتيب،

ربّما تابوتٍ، في مكان ما، سُـمـِّـرَ على عجل،

لمن؟ الصيفُ أمسِ، الخريفُ الآنَ!

هذه الضوضاء الغامضة تُسمَعُ كوداع.

 

2

أعشق الضِّياء المُخضَـرَّ في عينيك الواسعتين،

أيها الجمال الهادئ، ولكنْ كلُّ شيء هو مُـرّ هذا اليوم،

لا شيءَ، لا حبٌّ، المخدع أو الموقـد

أعــزّ من شروق الشمس على البحـر.

 

أحبِـبْـني دومـاً، أيها القلب الحنون! كُـنْ أمّـاً،

حتـى لناكـر الجميـل، للشرّيـر،

حبيباً، أختاً، حلاوةً سريعةَ الزوال

لبهاء الخريف أو للشمس الغاربـة.

 

مهمَـة قصيرة الأجـل! القبر ينتظر بلا رحمة.

آه! دعْـني، دعْ  رأسي يستريح على ركبتيك،

مستمتعـاً، نادماً على ذهاب الصَّيف الأبيض الحارّ،

بأشعّـة الخريف الأخيرة، صُـفـراً ولِطافـاً.

 

3

الخريف

لامارتين (1790- 1869)

 

تحيّـاتٌ، أيتها الغاباتُ المتوَّجةُ بالأخضر المستديم!

الأوراقِ المصفـرَّةِ على العشب المتنـاثر!

تحيّـاتٌ، أيتها الأيام الأخيرة الرائعة! حِدادُ الطبيعة

يُـثيـرُ ألمي ويُمَتِّـعُ عينـيَّ.

 

أسير بخطواتٍ حالمة في طريق مهجـور،

وأريد أن أرى ثانية، ولآخـرِ مرةٍ،

هذه الشمسَ المتضائـلةَ والشّاحـبةَ والتي لا ينفـذ

نورُها الواهنُ إلى ظلام الغابات عند قدميَّ إلاّ بالكاد!

 

أجلْ، في أيام الخريف هذه، عندما تموت الطّبيعة،

أجد إغراءً عظيماً في نظراتها المتستِّرة،

وَداعَ صديق، والبسمةَ الأخيرةَ الصادقةَ

من الشِّفاه التي سيغلقها الموتُ إلى الأبد.

 

هكذا أتهـيّأ لأغادر أمدَ عمري،

أندب الأملَ المُحتضَر لأيامي الطَّوال،

وأنظر إلى الوراء مرة أخرى، وبأعين حاسدة

أفكر مَـليّـاً بعطاياها التي لم أنعُـمْ بهـا قطّ.

 

يا أرضُ، يا شمسُ، يا وديانُ، ويا طبيعةً رائعةً جميلة،

أنا مدين لكم بدموع على حافّـة قـبري؛

يُشَمُّ الهواء عذباً ! الضياءُ جِـدُّ نقـيٍّ!

والشمسُ جميلة للمُحتضَـر!

 

الآن أريد أن أشربَ حتى آخـرَ قطرةٍ

من خمر كأس الزَّهرة التي تمزج الرّحيق بالمرارة!

عند قعــر كأس الحياة التي شربتُ

ربما تكون ثمّةَ قطرةٌ من عسل معتدل المذاق.

 

ربما يدّخر لي المستقبل في مستودعه

قبضةً من سعادة، لأملٍ بائسٍ؟

ربما تكون بين الحشد روح أُهمِلَـتْ

تتـفهّم روحي وتتجاوب معـها؟

 

تسقط الزَّهـرةُ فتمنحُ الريحَ عِطرَها،

إلى الحياة، وإلى الشّمس ناطقةً وَداعَـها الأخيـرَ؛

سأموت ؛ وروحي في لحظة انتهـائهـا

ستعطي صوتَ نغمةِ ناقوسِ موتٍ هادئٍ شجيٍّ.

 

4

أوراق الخريف

جاك بريفير ( 1900-1977)

(إلى الدكتور هادي الخليلي)

آهِ كلّي أملٌ أنْ تذكري الأمسَ وأيّاماً جميلـهْ

عنـدمـا كـنّـا رفيـقـيـْن نغـنـّي فـي الخـميـلـهْ،

حيث كان العيشُ أحلى، لنْ تـَرَيْ أبْداً مثيـلهْ

حيث كانتْ شمسُنـا أكثـرَ وَهْـجـاً وسُـطوعـاً

ما لشمسِ اليـومِ تبدو في السَّـما جِـدَّ كـلـيـلــهْ

هي ذي الأوراقُ، أوراقُ غصون الشَّجَراتِ

فـوق جـرّافـة حـرثٍ جُـمـِعَــتْ بعـد شَتـاتِ

هل تريْنَ؟ إنني لست بناس ٍ...

فوق جرّافــة حــرثٍ جُـمِـعـتْ بعــد شتـاتِ،

وكذا الآهــاتُ طــرّاً وجـمـيـعُ الـذِّكـريـاتِ،

 

كلّـهـا مـقـهــورةٌ تحـمـلـها ريــحُ الشَّـمــالِ

فــي خـفـايــا لـيـلــة بـاردةٍ نـحـــوَ الـزَّوالِ

وكـذا النِّسيـان يَـطـويــها إلـى غـيـر مــآلِ

لـنْ تـَريْـني نـاسيــاً أغـنـيـةً غَـنّـيـتِـهـا لـي.

 

لازمة

إنّـها أغـنـيـة ٌ تُـشـبـِهـنــا حُــبّـاً ووَجْـــدا

أنـتِ، يـا أنـتِ الـتـي هـامــتْ غــرامـــا

وأنـا الـوالِــهُ في حُـبـِّـكِ شوقـاً وهـُيـامـا

فلقد عشنا معـاً ننهل كأس الحُـبِّ رغـدا

أنتِ، يـا أنتِ الـتـي هـامـتْ غـــرامــا

وأنا الـوالِـه فـي حُـبِّـكِ شوقـاً وهـُيـامــا

لكنِ الدّهـرُ ضنينٌ يُـبعِــد العشّاق حَسْدا

وبلـطـف دون أنْ يُحـدِثَ صوتـاً أو نـغــمْ

ومن الرَّمل مياه البحر تمحـو كلَّ آثار قدمْ

لمحبّـيـن نَأوا عـن بعضهم قـهـراً ونَكـدا

 

هي ذي الأوراقُ، أوراقُ غصون الشَّجَراتِ

فـوق جرّافـة حـرثٍ جُمـِعَـتْ بعـد شَتاتِ

وكذا الآهـاتُ طـرّاً وجـمـيعُ الذكـريـاتِ

إنّ حُـبّـي، هــادئـاً عَـذبـاً نـقــيّـا،

باسمٌ دومــاً ومـمـتـنّ ٌلهاتـيـكَ الحـيـاةِ

إنَّ حُـبّـي لـك جَـمّ وافــرٌ لـيس يُـحَــدّ ُ

فلقد كُـنتِ بحُسْنٍ ما لـه فـي الكـون نِـدّ ُ

 

فلماذا الظنّ ُأنْ أنساكِ لا حبّ ٌوعهدُ؟

وحياة الأمس أحلى زانها عطر ووردُ

حيث كانتْ شمسُنا أكثرَ وهجاً وسطوعاً

ولقد كنتِ ليَ الأكثـرَ عطفاً يا فـتـاتي

غير أني لم أكنْ أصنعُ غيرَ الحَسَـراتِ

والتي غنّـيْـتِـها لي من أغانيك شجـيّـا

سوف أبقى دائماً أسمعها ما دمتُ حيّـا

لازمة

 

adil salehترجمة لنص الشاعر الأميركي

جون آشبري

 


 

مفارقات ومتناقضات / ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 

شاعر اميركي من مواليد مدينة روتشيستر بولاية نيويورك لعام 1927، تلقى تعليمه في اكاديمية ديرفيلد ثم في كلية هارفرد ونال الماجستير من جامعة نيويورك. يعد آشبري من كبار الشعراء الأميركيين في القرن العشرين فقد نشر عشرين مجموعة شعرية حازت على ابرز الجوائز مثل جائزة البوليتزر وجائزة الكتاب الوطني وجائزة ييل للشعراء الشباب وجائزة بولينغن وغيرها العديد فضلا عن نيله المنح والشهادات والمناصب الفخرية الكثيرة. من عناوين مجموعاته الشعرية: (قَسـَم ملعب التنس) 1962؛ (انهار وجبال) 1966؛ (لوحة شخصية في مرآة محدبة) 1975؛ (ايام قارب السكن) 1977؛ (موجة) 1984؛ (وكانت النجوم مشرقة) 1994؛ (اسمك هنا) 2000؛ (اذ تتبع المظلات المطر) 2001؛ (همسات صينية) 2002؛ (بلد دنيوي) 2007؛ و(سؤال سريع) 2012.

 

يشكل شعر آشبري تحديا بالنسبة لقراء الشعر التقليديين فهو يدعو قراءه الى اسقاط جميع الأفكار والفرضيات المسبقة حول وظيفة الشعر وإغراضه وأساليبه الفنية لصالح الشعر الذي تتمظهر فيه حتمية خضوعه لقيود اللغة وحدودها وكذلك لتقلب الوعي وهلاميته وتطايره، وبذلك يثير اشكالية رافقت الشعر منذ ان وجد وهي اشكالية المعنى الشعري. حين منح اول جائزة وهي جائزة ييل للشعراء الشباب اعترف  محكم الجائزة الشاعر الكبير و. هـ. اودن بأنه لم يفهم كلمة واحدة من المجموعة الفائزة (نشرت عام 1956 تحت عنوان "بضع اشجار")، وقال آشبري نفسه مرة بأنه يتمنى ان يحظى شعره بمزيد من القراء على الرغم من ان النقاد ينظرون اليه بوصفه شاعرا "سرياليا يتحدى شعره حتى قواعد السريالية ومنطقها."  القصيدة التي نترجمها هنا تعد من ابرز قصائده التي تمثل اسلوبه خير تمثيل.

 

مفارقات ومتناقضات

هذه القصيدة معنية باللغة على مستوى واضح جدا.

انظرْ اليها وهي تكلمك. انك تنظر من النافذة

او تتظاهر بالنعاس. انك تمتلكها لكنك لا تمتلكها.

انك تشتاق إليها، انها تشتاق اليك. انكما تشتاقان لبعضكما.

 

القصيدة حزينة لأنها تريد ان تكون لك، ولا تستطيع.

ما المستوى الواضح؟ انه ذلك الشيء وغيره،

بحمل نظام من الأشياء على اللعب. اللعب؟

حسنا، في الواقع، اجل، لكنني ارى في اللعب

 

شيئا خارجيا عميقا، مخططَ ادوارٍ في حلم،

كما في توزيع النعمة في ايام آب الطويلة هذه

دونما معيار. مفتوحة النهاية. وقبل ان تَعرفَ

تضيعُ في البخار وضجيج الآلات الطابعة.

 

لقد تم لعبها مرة اخرى. اعتقد انك موجود ليس إلا

لتدفعني الى فعلها، على مستواك، ثم لا تكونَ هناك

او تكون  قد اتخذت موقفا مختلفا. والقصيدة

قد وضعتني جنبك برفق. القصيدةُ انت.

 

faroq mawasiترجمة لنص

من الشعر العبري

 


 

نساء يصنعن السلام / ترجمة: فاروق مواسي

 

ثمة حركة نسائية نشيطة في إسرائيل تدعى "نساء يصنعن السلام"، والحركة هي من آلاف النساء – كما يؤكدن- ، ويدعون إلى تحريك عملية السلام، وهي تؤمن بدور المرأة في ذلك، فيقمن بالمحاضرات والفعاليات المختلفة.

من آخر النشاطات أنهن قمن بالاعتصام صائمات في خيمة أمام منزل رئيس الحكومة.

......

طلبت مني الشاعرة الفعالة في الحركة فيردا برجر أن أترجم لها قصيدتها حتى تقرأ خلال الاعتصام، فكان أن ترجمت نصها:

 

نساء يصنعن السلام! / فردا بيرجر

 

نساء.

أمواجُ نساءٍ تتعالى، موجةٌ تتعالى من حُـفَـر الصمت،

أمواجٌ تجرُفُ، تقتحمُ،

تجرُف الموجة تقتحمُ حدودَ العِداء.

..

نساء.

يدًا بيد في حلْقةٍ عازمةٍ واحدة،

الأكتافُ جنبًا إلى جنب،

الأرجلُ تخبِطُ في أرضِ الدمعةِ- الدم:

نهايةً للكراهيةِ، للدمِ، للثُّـكْـل.

كفى!

حتى هنا.

...

نساءٌ يصنعن السلام!

كلماتٌ وليست صواريخ،

تحدثوا،

لا بالسيف، في خيمةِ للحوار! نعم،

مع أعداء!

 

تحدثوا أيها الرجال، أيتها النساء

تحدثوا حتى يكون اتفاق-

اتفاقية سلام.

 

badal raffowترجمة إلى الفرنسية والألمانية لنص

الكاتب بدل رفو

 


 

قصيدة هذا زمنها ونار الحرب هائجة على كل الانتهازيين واللصوص والمحسوبين على الثقافة الانسانية ومثقفي الطبل والزرنا ....انه زمن نفاذ الصبر في وجه المزيفين ..دعو الثقافة ووزارة الثقافة بايدي مستقلة بعيدة عن احزابكم ..دعوا الشرفاء والكفاءات تشيد الوطن.. دعوا وزارة الثقافة في كوردستان والعراق بايدي مستقلة بعيدة عن التحزب..هذه قصيدة الانتهازي بثلاث لغات عالمية بالعربية وبالفرنسية من ترجمة الشاعرة والمترجمة عزيزة رحموني وبالالمانية من ترجمة الناشطة يوحنا سكوريانس ..لنقل جميعا لا والف لا للانتهازيين وكل من يساندهم.

 

باللغة الفرنسية من ترجمة عزيزة رحموني

 

Opportuniste

Il avait honte de sa langue natale

La suite du pharaon

Saccageaient les rues de sa ville kurde

Il ne réagissait point

A la chute du dictateur

Il devient nationaliste fervent

Criant :

Que tu es beau mon pays

J’ai tant sacrifié pour toi mon pays

Crois-moi, Mehdi, mon linceul

Là, Badal Mezouri lui crie :

Vous êtes trop nombreux, vous les bâtards

Vous les profiteurs de mon pays.

 

باللغة الالمانية من ترجمة الناشطة يوحنا سكوريانس

 

Der Ausnutzer

Er schämte sich sogar seiner Heimatsprache,

denn.. die unterwürfigen Männer des Diktators,

haben vor Wut die Straßen seiner Stadt zerfressen.

Nach dem Untergang des Herrschers,

ist der Ausnutzer ein großer Heimatliebhaber geworden.

Er brüllte Tag und Nacht:

Meine Heimat, du bist so schön,

du sollst wissen,

für dich habe ich mich aufgeopfert,

du bist meine Wiege und mein Sarg!“

Badal Ravo… brüllte ihm ins Gesicht:

Ihr Ausnutzer seid die Söhne der Huren,

ihr alle seid die Fresser vom größten…..

Stück der Heimattorte

 

إنتهازي

كان يخجل حتى من لغته القومية

حين كان أزلام الفرعون الجبّار

يلتهمون شوارع مدينته الكوردية

وبعد سقوط الطاغية

أصبح أبرز وطني

يهتف ليل نهار:

ما أروعك ياوطني!

أتدري كم ضحّيت من أجلك في المحن؟!

صدّقني يا مهدي ويا كفني!

فصرخ في وجهه

بدل المزوري:

- ما أكثركم يا أولاد الزنى

يا ملتهمي كعكة موطني!