باسم الحسناويتوضيح:

أوضِّحُ الفرقَ بينَ الحبِّ والذلِّ،

           لا سيَّما عند شَخْصٍ شاعرٍ كَهْلِ

أنا أحبُّكِ يعني أنَّني رجلٌ

               أحقُّ محترفٍ للحبِّ بالوَصْلِ

يعني كذلكَ أنَّ اللهَ ميَّزني

       فليسَ في الكونِ شخصٌ رائعٌ مِثْلِي

هم يعشقونَ أذلّاءً نساءَهمو

               وإنَّني شامخاً أهواكِ كالنخْلِ

وربَّما كانَ لي مثل الورى ولدٌ

              وانَّني مثلهم أحنو على نجْلِي

لكنَّني ناظرٌ إن كانَ كوكبةً

             من النُّجومِ وإلا ليسَ من نسْلِي

إني منحتُكِ بَعْلاً من سنا قمَري

           فبوركَ القمَرُ المَطْعونُ من بَعْلِ

        **

قدستُ أشيائي القديمة

في كفِّها نهرُ الفراتِ، ودجلةٌ

             في كفِّها الأخرى ولاتَ عراقِ

قلتُ استجيبي للعناقِ فأرهصت

                   بعناقِها لولا وأدْتُ عناقي

وإذا أردنا أن نعانقَ بعضنا

                     لعناقِنا نسعى بلا أعناقِ

أنا راغبٌ فيها بكلِّ نبوَّتي

                   لكن أمعراجٌ بغيرِ بُراقِ؟

ما لي سوى الشفتينِ من وطنٍ ولي

               علمٌ يرفرفُ من سنا أحداقي

قدَّستُ أشيائي القديمةَ كلَّها

             وعلى الجديدِ أنا قذفتُ بُصاقي

         **

خلاف

لسنا بمتَّفقَينِ فيما نشعرُ

                 أنا أندبُ القتلى وأنتَ تكبِّرُ

كبَّرتَ من أجلِ الحروبِ تشنُّها

                   علماً بأنَّكَ عن إلهِكَ مدبِرُ

لو كنتَ تقصدُ أنَّ ربَّكَ حاضرٌ

                فعلاً بحربِكَ ما رأيتُكَ تفخَرُ

أنْ قد قتلتَ الألفَ في يومٍ وفي

             يومَينِ، بينا ألفَ شخصٍ تأسِرُ

الحربُ بنتُ الكلبِ تكرهُ بعلَها

               ومن الطبيعيِّ الخؤونةُ تفجرُ

يهتزُّ من طربٍ متى قدّامَهُ

           تزني الحليلةُ.. بئسَ هذا المنظَرُ

ويشاءُ إقناعي بأنَّ القحبةَ

          الشوهاءَ من ماءِ السَّحابةِ أطهَرُ!

       **

بطولة

أنا ملكٌ يبكي بكلِّ بطولةٍ

      فما ليَ من شعبٍ سوى معشرِ الدَّمْعِ

أقاتلُ أهلَ الزيغِ من أهلِ ملَّتي

    فهم بَصَري من دون شكٍّ وهم سَمْعي

إذا ما تشهَّيتُ النساءَ وجدتَني

     تزوَّجتُ أنثى من بني السيفِ والنطعِ

أنا لا أظنُّ الحبَّ ظناً وإنَّما

             إذا ما أنا أحببتُ أحببتُ بالقطعِ

وليسَ مهمّاً حين أصبحُ نخلةً

               إذا لم أكن إلا المسافةَ للجذعِ

ولا فرقَ بين الماءِ والنبعِ إنَّما

            نضحتُكَ ماءً فانتميتَ إلى نبعي

         **

في ذكرى الحرب

أتحاولُ الآنَ الوقوفَ على الجحيمِ

                  لكي ترى أبناءَكَ الشُّعراءَ

ماذا يهمُّكَ من توهُّجهم بتلك

                    النار ما دامَ الدخانُ نساءَ

هم يشربونَ خمورهم في قعرها

                 حتى إذا سكروا بدوا أشلاءَ

فكأنَّهم خرجوا لتوِّهمو من

                الحربِ التي لا تقتلُ الأعداءَ

بل تقتل الأخَ والصديقَ بنَبلِ من

               شربَ الأخوَّةَ والصداقةَ ماءَ

يا ليتَ من شاءَ الدفاعَ عن الحمى

                    ببطولةٍ فتكت بنا ما شاءَ

أبطالَنا الأمواتَ قوموا جانباً

                   حتى نرى أبطالَنا الأحياءَ

                **

الأحرار العبيد

هم الأحرارُ أجمعُهم عبيدُ

                      شعارُهمو نفيدُ ونستفيدُ

لقد ركضَ الزمانُ بنا سريعاً

                     ولكن قطُّ ما قربَ البعيدُ

نعم نمنا طويلاً في كهوفٍ

                    إلى أن ملَّنا الزمنُ المديدُ

ونحمدُ ربَّنا أنا مددنا

                    ذراعَينا ليذكرَنا الوصيدُ

وإلا لم نجد كهفاً لنومٍ

                 على حجمِ الكسالى أو يزيدُ

وأنّا كلَّما عهدٌ تقضّى

                     فذا من نكسةٍ عهدٌ جديدُ

                 **

إعلان

باسمي وباسم النهر أعلنُ أنَّنا

                لسنا لأن نبكي على استعدادِ

بل نحنُ من فرحٍ نزفُّ كلامَنا

                 في موكبِ الأولادِ والأحفادِ

لنقولَ شيئاً واحداً هو أنَّنا

                متفائلونَ بقتلِ حرفِ الضادِ

فيكون رمز نضالِنا وجهادِنا

                    في أمةٍ خلقت ليومِ جهادِ

إن تفتخر فلها افتخارٌ بالذي

             اضطهدَ الجميعَ بخطَّةِ استبدادِ

إياكَ لا تخدع بظاهرِ مدحِها

                   للراغبينَ بلحظةِ استشهادِ

لو كانَ حقاً مدحُها ما سلَّمت

                   شرفَ البلادِ لخسَّةِ القوّادِ

                ***

باسم الحسناوي

 

عدنان الظاهر1ـ الترعةُ في واديها أوهامُ

تتشظّى.. تتباعدُ شأواً شأوا

الجُرمُ الفالتُ سهواً إقدامُ

لا ضيرَ تقدّمْ

حولكَ لا شئَ سواكا

فيكَ الخُلوةُ ملأى

فيها ما فيها للقاصي والداني

فيها شوكُ البرِّ وقرُّ شتاءِ الجيلِ الآتي

سلّمْ وادخلْ

السابقُ أولى لولا أنكَ تخشى

تصطنعُ الأعذارَ وتجري خلفكَ زَحْفا

ما نفعُ الغُربةِ تُفنيكَ حطاما

لولا ما فيكَ هناكَ لما شَنْفتَ الأسماعا

خففْ غُلواءَ مَضاءِ التجريفِ القاسي

الأبعدُ محجوزٌ جُرْفا

لا ظُلّةَ لا راحةَ تحت نظارةِ حرِّ الشمسِ

عَلَناً باعوكَ وباعوا مثواكَ وجاروا

فمتى تحرثُ أرضا

ومتى يأتي الباقي طوْعا؟

**

2ـ طفّوا ..

طفّوا الأنوارَ وشيلوا أطرافَ المسرحِ للأعلى

ماتَ القنديلُ وضاعَ الفصلُ الأوّلُ والثاني

ضاقا ذَرْعا

لا مِنْ أثرٍ للمُشرفِ والحاكي

ما قيمةُ إسرافي طَرْقاً بالبابِ

ما جدوى إلحاحي

أطفئْ باقيكَ وسلّمْ مفتاحكَ للجارِ

هذي الطبعةُ لا ناسخَ يُنهيها

إطبعْ أخرى

قلّبْها عَرْضاً طولا

ما ضرّكَ لو جدّدتَ الذكرى

"الطاقةُ لا تفنى"

إدمجْ صوتَ البوقِ بصمتِ الكابوسِ المُستشري

إيّاكَ وحدِّ الموسى طَعْناً هيّا

هيّا نرفعْ أنخابَ حِدادِ الأركانِ السودِ

نرفعُها راياتٍ للنصرِ!

**

3ـ هَرَجُ الفجِّ عميقُ

قارِبْ واشددْ أبراجكَ قوّمها

حرِّكْ أغصانَ التبرِ لئلاّ يسّاقطَ زيتونا

رأسُكَ مفتاحُ الحلِّ النابتِ في أرضِ النجوى

شوكاً ونجوماً وخُزامى

فتمَهلْ وافصلْ رأسكَ عمّا في رأسي

عنوانُكَ مشؤومُ

لا ينفعُ إلاّ للبائعِ والشاري

والضاربِ في دجلةَ فأساً من نارِ

**

4ـ بيني والمُهرَ الناشزَ هولاً فرقُ

يمضي والقبّةُ إنذارٌ مسبوقُ

يا نجمةَ صُبْحٍ أزرقَ فوّاحِ

أنعشتِ سماءَ الأفُقِ الأعلى ساحاً ساحا

يوحي فالبوحُ سلاحُ التوقِ المُستشري قدّاحا

إني رائيكِ وأنتِ القَدَحُ الساقي أرواحا

أضرمتِ سوادَ اللُجّةِ قُلتِ سلاماً

ما جدوى ردّي إنْ قُلتُ سلاما؟

التوقُ الضاربُ سوطاً في ظهري

يُحصي أنفاسَ شموعِ الليلِ الماشي خَلْفي

شدّي أضلاعَ الخزفِ النازفِ إحراقا

هذا بَصَري في مِحجرِ سابقةِ الإنذارِ

لا حدَّ يضيقُ وراءَ الآفاقِ شِقاقا

أو يطغى عِملاقا

مهلاً يا ساقي

النجمةُ أحداقُ الأقداحِ

**

5ـ خُضّيهِ جِذْعا

عاطيهِ ما في الخمرةِ من ثغرِ النارِ

هزّي أعطافكِ أركانا

يسّاقطْ منها بُرهاني

هل يُجدي أنْ أسألَ جِذْعاً مشدوخا

أو أمخُرَ في بحرِ اللوحِ المحزوزِ

تتآكلُ موجاتي صوتاً في صدري

ـ الضجّةُ في الموجةِ خرساءُ ـ

والطيشُ المتغطّرسُ يُنسيني تكويني

ينأى أبعدَ من هذا

يُطفئُ نارا

آهٍ يا ناري من مُرِّ الإنذارِ!

***

عدنان الظاهر

منصر فلاحيا أيهـــــــــــــا القلب الذي اتعبتني

هلا استرحت من الهوى وأرحتني

.

ها أنت أشعلت الغرام تفننا

لم تدر انك بالغرام ظلمتني

.

أحببت من لا تستقيم مــع الهوى

تهب الوعود على الوفاء وتنثني

.

أهدى لها ورد الربيع نضــــاره

وأعارها هاروت سحر السوسن

.

فتانة سامتك هجرا بعدمـــــــا

أدمت حشاك بسهمها المتمكن

.

كم واعدتك وقد مضت مختالة

وأراك تنزف كالطريد المثخن

.

ولكم نصحتك لا تكن متهـــــورا

فرميت نصحي جانبا وعصيتني

.

يا قلب تبا للغــــرام وأهله

ولكل قلب للصبابة ينحني

.

ماكان يهزمني الكماة لدى الوغى

حتى أتيت بحبهـــــــــــا فهزمتني

***

 

الشاعر منصر فلاح - صنعاء

....................

نضاره = نعومته

المتمكن = النافذ

مختالة = متكبرة

الطريد = الذي يطارده العدو أو الصياد

المثخن = كثير الجراح

الكماة = جمع كمي وهو الفارس المدجج

الوغى = الحرب.

 

صحيفة المثقففي عين الكثرة اضعت قلمي

فتبت الى نون لا يسكنها الفقهاء

وتضاءلت الى فكرة

يدسها طفل في مرامي العبث

أو يدحرجها الى أزمنة يظن انها اخوته

اخوة ركزوا الغيب في الطين

وفي أوثاننا الصغيرة من الحاجات

وتركوا الوطن للتأويل والأوقات النامية

فسرحت ضالا في العناوين دون ان تنطقني الأيام

أوثاننا الراكضة في اسم الله بقصد التوضيح!

منهم من سجنه في عصفورة وقال ان الشجر تواريخ صديقة

ومنهم من جاوره في الشعر وقال ان ربي مجاز مكين

ومنهم من اقترحه كي يكمل اشكال التواريخ

ومنهم من قال هو العبور الى شمس وضحاها

انا لا أقيسه برصاصة وأقول له اسرد جناتك على دمي

ولا ابحث عنه في القضايا المومسات وفي اسمال الفلاسفة

ولا ادحرج عدله في اسئلتي

الحمد للصبح الذي نظر في قلبي

ثم ركز ريشته في محبتي وكتب

الله لا يحتاج الى سدنة

ولكنه يحتاج الى وردة *

وعلى الحدائق شرح ذلك

لا الــــــــــــــه

في المسافات الكاذبة

وفي جمل سيبويه الناقصة

وفي الصلوات المنشغلة

بالتنقيب عن حور العين

***

حيدر الأديب

............

* إشارة الى قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا)

 

نادية المحمداويإلى أينَ أنتَ ذاهبٌ بربيعي؟

أو بخطاي المبجلةْ. 

إلى أينَ أيها المحيطُ..

هذا أوانُ الرضوخِ لرغبةِ الربِ

الربُ الذي صمتَ عن كل مأساتي

وأنتَ المسورُ بكلِّ تلكَ الفضائحِ

والنبوءاتَ المذهلةْ. 

أو أنتَ حريتي الكبيرةُ

الآنَ يزدادُ العمرَ ارتباكاً

ويمسُ القلبَ ذكرى فضيحـتِهُ

وتأخرَ نبضُهُ

هذا الليلُ حالكُ السوادِ

وهذه الريحُ تديمُ أنيني

على شوقي إليكَ

سكنَ العالمُ ودمدمتْ الريحُ

بالكائناتَ

وعيناي تحدقانِ من خلفِ زجاجِ نوافذي

كيف ابعثُ لأيامي ذاكرةٌ

تحفظُ ما تبقى من العمرِ

بعدَ كلِّ هذا البردِ والمطرِ والريحِ

بعدَ كلِّ هذا الجنونِ الباهرِ

هذه الليلةُ من الليالي العصيبةِ

تباغتُ محنةَ الروحِ

أنا أنظرها لوحدي

من دونِكِ أنت

ومن دونِ دفءِ روحِكِ قربي

وتضم أسئلتي التي تقبعِ بذاكرتي

أين أنتَ الآن؟

وماذا سأفعلُ بالدنيا من

دونِ رفقتِـكَ وما حاجتي لها

***

نادية المحمداوي

 

مصطفى عليهزاري: هاتِ أسرارَ الغناءِ

                             كأكْسيرٍ يُحبِّذُ لي بقائي

على طولِ الطريقِ لسالكيهِ

                          فما لطريقِ قلبي من كِفاءِ

ولا غيرُ (التواجُدِ) لي دليلٌ

                         الى غارِ التجلّي في حِراءِ

فقد خطفتْ بلابلُهُ يقيني

                            كَتينٍ ناضجٍ بعدَ إشتهاءِ

تُراودُني لِتتنْقُرَ من وتيني

                  دَمي الزاكي المُحرَّقَ في وعائي

تُعتِّقُهُ بأزقاقِ الخوابي

                          لِزَقِّ السائرينَ على خَواءِ

مُعتَّقةٌ مرارتُها رحيقٌ

                  وتحْسَبُها السواقي كال..(خُواءِ)

أدِرْ فيْضَ النُهى كأساً دهاقاً

                          وزدني رشفةً فيها شفائي

لأسْكرَ في الصباحِ بلا صَبوحٍ

                        إذا نَفَدتْ غَبوقي في المساءِ

أنينٌ من صدى الناياتِ يبقى

                           وباقي الكائناتِ الى فَناءِ

فيمْكُثُ في لُحاءِ الحُسْنِ قلبي

                            ويذهبُ ما سواهُ كالغُثاءِ

أُعاتبُ طيفَ معشوقي لماذا

                             قريبٌ طيفُهُ منّي ونائي

أيرضى للذي أفناهُ عشْقٌ

                                يُكابِدُ فُلْكُهُ لُجَّ العماءِ

أنا اللامُنتمي إلّا إليهِ

                      جمالُ الحقَّ قد سرقَ إنتمائي

معاً نستقبلُ الدنيا نهاراً

                           ونذرو قَشَّ أوهامِ الشقاءِ

أغِثْني يا الذي.. وأغِثْ فؤاداً

                          يكادُ يذوبُ في لَمْعِ السناءِ

بهِ أصطادُ ألاءَ التجلّي

                           كراعٍ في خفايا الماوراءِ

أبُثُّ الخلْقَ أياتي وأهذي

                         وعُذْري أنّني أهوى هُذائي

وأغفو مِلءَ أجفاني وأزهو

                                بِذمِّ الناقدينَ أوِ الثناءِ

رغيفُ الشعُرِ في تنّورِ قلبي

                           تلوّى فَوْقَ نيرانِ الشواءِ

ومن قُطْبِ التوتُّرِ دارَ قلبي

                            نُزولاً عِنْدَ نبْعِ الإسْتِواءِ

بإزميلِ الرُؤى قشّرْتُ روحي

                            لِأنثُرَ للورى أبهى بُراءِ

أ سادِنَةَ الحقيقةِ ناوليني

                           نبيذَ الوجْدِ من دَنِّ الخِباءِ

أ خبّأْتِ الحقيقةَ عن فُؤادي ..

                   وحدْسي، حيْثُ بوْصلةُ الرجاءِ

فحقّي والحقيقةُ ، قيلَ، ضاعا

                          ولَمْ يشْفعْ لخاتِمتي ذَكائي

تلألأَ كهْربٌ في بَهْوِ روحي

                         جلا حدسي بنورِ الكهرباءِ

شروقٌ أم هو الإشراقُ قُلّي

                   مِنَ الملكوتِ يسري في فضائي

فَلِلْرائي فُؤادٌ لَمْ تَلُكْهُ

                            أقاويلُ المُرائي والرِياءِ

يطوفُ كَسادرٍ وادي القُدامى

                           بلا نِعلينِ في قلبِ العراءِ

تراءى الحُسْنُ إِذْ صُقِلتْ مرايا

                          صفا بلّورُها فَوْقَ الصفاءِ

فَسُبحانَ الذي فطرَ البرايا

                         وأوْدَعها سناءاً مِنْ (ذُكاءِ)

ولكنْ لوَّثَ المِرْأٓةَ رُخٌّ

                     أزاحَ الشمْسَ عن سوحِ النقاءِ

فَشمّرْتُ الذلائلَ من قميصي

                           كَشاهدةٍ على عهدِ الوفاءِ

غذاءُ الروحِ قد قيلتْ قديماً

                        وهل يحيي السقيمُ بلا غذاءِ

كَحرْفِ رَويِّها المهموزِ صلّى

                        على لُغتي بدمعِ الإصطلاءِ

فتسعى الهمزةُ التعبى (لِياءٍ)

                               كما مُتَكلِّمٌ يسعى لِياءِ

فَيالسكْرانُ بالحرفينِ خُذني

                    الى مَنْ عَتّقتْ (حاءً) بِ..(باءِ)

لِأمْتَحَ بِئرها الملأى نبيذاً

                            ويا ذُلّاهُ لو خابتْ دِلائي

شناشيلٌ لسلمى قد تعالتْ

                        تُري المفتونَ جنّاتِ العلاءِ

تعالتْ أَمْ تجافتْ ثُمّ ألقتْ

                             حشا قلبي بتنّورِ الجفاءِ

تراءتْ في سما روحي بروقاً

                            وتُنذرُني رعودٌ بالتنائي

غزالٌ في مُخيّلةِ المُعنّى

                         تواري بين قطعانِ الضباءِ

تبدّى بعد ما غابَ المُفدّى

                        إذ إمْتنعَ الجمالُ عنِ الخَفاءِ

خَتلْتُ لِصيْدهِ في ظِلِّ شوقي

                      وشوقي كاشِفٌ عنّي غطائي

سهامُ القوسِ قد طارتْ جُزافاً

                       ولم تصطدْ سوى ذَرِّ الهواءِ

فلم يُحْزنْ غزالي حظُّ سهمي

                        ولم يرحمْ دموعي أو بكائي

فصولُ العامِ من كَرٍّ لِفرٍّ

                        فلا صيفي يدومُ ولا شتائي

وأرثي في الربيعِ ربيعَ عُمْري

                 وما فصْلُ الخريفِ سوى عزائي

بِأنّ العُمْرَ توّجَهُ خريفٌ

                             بِحِكمةِ زاهدٍ أو كِبْرياءِ

وأرْصِفةُ المنافي قَبْلَ قلبي

                      نَعتْ وَرَقَ الخريفِ الى هَباءِ

فمَنْ أرثي؟ سنيني ام خريفاً

                       وهل تشفى جُروحي بالرِثاءِ

أ مُجْزِيتي بهجْرٍ لا تُبالي

                              فَرُبَّ تَمَنُّعٍ فِيهِ جزائي

وديماتُ التمنُّعِ مثلُ دمعي

                        تُمنّي الزرعَ في أندى نَماءِ

كما السقّاءُ أضحى دُونَ ماءٍ

                            فَبَلّلَ دمعُهُ جوفَ السِقاءِ

                         **

مصطفى علي

فالح الحجيةتُفديكَ يا وَطني الحبيب قلوبنا

                                كلُ القلوب بروحها تَفْداكا

أرضُ العُروبةِ موطناً لنضالنا

                                  وجهادِنا ووفائِنا بِرضاكا

وتَشابكتْ ايْدي الأحبة ِترتَوي

                                 وتَسامقتْ للعالمينَ سَناكا

نَفْسي فِداءُ الشوق في أرْض ِ الوفا

                              فالخَيرُ والعُطرُ النديُّ شَذاكا

فالقلبُ يصْدحُ عاشِقا عند اللقا

                                 مُتشوقاً اذ يرتوي بِرُؤاكا

أنتَ العِراقُ بحبّهِ يَسْمو العُلا

                             خيرَ البلاد ِ تكاملتْ طغـْراكا

يا أيّها الوَطن ُ العظيمُ بشَعْبهِ

                                وَبذِكره ِالفوّاح شَعّ ضِياكا

وتوالتِ الافعالُ في أرجائه ِ

                              قَـَسَما ً فَكلُّ الطامِعينَ عِداكا

فتَهادتِ الاشْرارُ في نَزقِ ِ الدُجى

                             وَتدافعَتْ نَحو الرّدى تَغـْشاكا

وانفكَّ قـُفل الشّرِّ في حَلكِ الدُجى

                                فَتناثَرتْ أجْسادُهم بِفَضاكا

زُمَرٌ تُزَفُّ الى الشّهادةِ ترتَوي

                              شَهْدَ الجِنان ِ فَتعلّقتْ بِعُلاكا

كلُّ البلادِ تَوشَّحتْ بِسَوادِها

                               وَالحاقدونَ نُفوسُهُم تَزْراكا

خَسِئَتْ نُفوسُ الحاقدينَ فَما لَهُمْ

                              في أرْضِنا غَيرَ البَذاءَةِ ذاكا

وانْحلَّ عُقدُ الشّرِّ مِن نَزَغاتِهِمْ

                                وَتكَفْهَرتْ أرْواحُهمْ بِرُباكا

قدْ ضاقَ لَيلٌ إذ تَنفّسَ فَجْرُه ُ

                             جَعَلوا الكَآبَةَ وَالهُمومَ ر ِداكا

زُمَرٌ وَمِنْ بَحرِ الدِماء ِ رَواؤهُمْ

                          ان ضاقَ في بَحْر ِالحَياةِ سَماكا

وتشابكَتْ كُلُّ الهُموم ِ بِحِقْدِهِمْ

                               فالحاقِدونَ نُفوسُهُمْ تخْشاكا

في مَأتم ِالحُقدِ الدِّفين ِ تَنافرَتْ

                                أحْقادُهُم وَشُرورُهُمْ تَبْغاكا

لا خيرَ فيمَن شَرُّهُ بِفِعالِه ِ

                               وَعَلا نفوس الآمِنين ِ سَناكا

وَتَعالت الاصْواتُ في جَنَباتِه ِ

                             وَاكتسَتْ عُبقَ الوًرودِ شَذاكا

وتبسّمتْ دُنيا العُروبةِ رَحْبَةً ً

                             وَتَعانقَتْ في بَعضِها أ نْداكا

وَعَلتْ كَصَرْخِةِ ماجدٍ بَغدادُنا :

                                اللهُ اكبرُ فالسماءُ.. سَماكا

وَتَجمّعَتْ بَعدَ التـَفرّقِ ِ وِحْدَة ٌ

                          ماذا ارى.. ماذا ارى برُبا كا؟؟

الشعبُ أقْسَمَ ان يَعيشَ مُنافِحا ً

                              ذُل الهَوان ِ. بِنضالِهِ يَرْعاكا

الشعبُ أقسَم َأنْ يُوحِّدَ صَفَّه ُ

                                 مُتلاحِما مُتَراحِما بِسَماكا

وَتَسانَتْ الأنوارُ في أ لق ِ الرَجا

                             وَتَسامَقَتْ نَحو العُلى تغشاكا

فالحَقُّ تَهْـدُرُ عالياً أصْواتُه ُ

                               والخَيرُ يَنْبُتُ غَرْسُهُ بِثراكا

***

الشاعر: د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلـــد روز

 

صالح موسى الطائيما زالَ الليلُ هُنا

يأكلُ مِنِ جُثةِ هذا الحُلم القديم

 بين الشوارع ِ

والأزقة ِ والأبواب

 ما زالَ الموت ُ هُنا يَتَنَكّبُ سَلاطينَهُ

في الصمت الجُمهوري الذي

قد جاوز الصحراءَ

وعقمَ السماء والأوبئة

فالبلدة قد أصبحت تابوتا ً

وتأريخا ً لقيطا ً وسخام

وجماجمَ خاوية ً تترنّحُ

فوق أكتاف ِ خراب ٍ كبير

**

فانتَفضْ أيّها الصمتُ 

ببقايا ضمير ٍ مُتعب ٍ

وبالفجر المؤجّل ِ منذ قرون

فانتفضْ...

وَصَلِّ لحُبّكَ واسْكرْ

إن ّ الصحوَ كفرٌ

أمامَ البشر المتطاير ِ في الأسواق

أو أمامَ الطفل الذي

يأكلُ من بقايا قاتله سنينا ً....

أمامَ العصافير التي لا تنامُ

إلاّ على ريشها الممزق

خُذ ْ كأسا ً أ ُخرى من هذا السراب

فالصحوُ كفرٌ هنا

والشمسُ ظلامٌ وحريق

والليلُ لصوصٌ ونعاج ٌ وذئابٌ 

فاشربْ من عينيك َ الكأسَ الأخيرة

ولا تبك ِ أبداً...أبداً

فالكرة الأرضية ُ ما زالت تفور

والعاشقُ ما زال ينامُ مع الموت ِ

بكلِّ هدوء ٍ وأمان.

***

شعر صالح الطائـي

إباء اسماعيلأنا ظِلُّ شجرةٍ في وطنٍ مَنْفيّ

***

مَنْ قالَ بأنِّي أُطفئُ شجرَ البرقْ؟! ..

وهو أنايَ التي تأخذني

 إلى حرائق الورد المشتَهى،

وسمائي التي تطْفحُ

بطيورٍ مهاجرةٍ

إلى أقصى الأوطانِ المُغَيَّبةْ...

مَنْ قال بأني أُدْمي سنابلَ الحُبِّ

وأرفرفُ كطيرٍ مذبوحٍ على

قِمَّة أشعاري؟!

لا تُصيبُني الفصولُ بنشْوةِ الموتْ؟!

ها هي الأحرفُ التي تستنزفُني

قامتْ مِن مَوتها،

وتحدَّثتْ عن شهوةِ القلبِ

 قبلَ اشتعالِ هذيانِهْ ..

**

ولماذا أطفِئُ شجرَ البرقْ؟

وأنا البرقُ حين يُصيبُ ذاتَهُ

بداءِ الحُرقَةِ الوطنيّةْ...

مَن قالَ أنِّي الأميرةُ

والمجدُ لي؟!...

**

لستُ الأميرةَ

أنا ظلُّ شجرةٍ في وطنٍ مَنفيّ

أنا عصفورةُ التَّشرُّدِ في بلادٍ

تتناسلُ الطفولةُ فيها بالأنابيبْ ..

و تحترقُ في بحْثِها

عنْ بترولِ العرَبْ!!

**

كيفَ للذي يهْوى

أنْ يلمَّ حرائقَهُ عن جسدهِ،

وينامَ في ظلِّ الهيامْ؟!

الذي يهوى امرأةً من نارٍ

أو وطناً من شُعاعِ القذائفِ

 والأمطارِ البركانيةْ،

سيحفلُ بكلِّ أشرعةِ القضاءِ والقدَرْ ..

سيحفلُ بكلِّ ألوانِ التوهُّجِ

في ثمارِ الحُبّ،

 في بريقِ الانهياراتِ الكونيّةْ..

وكيف أُبْعدُ نزيفَ القلبِ عن

حمّى الحميمِ يتقاذفُني

إلى كلِّ الجهاتِ،

ويشْربُني

كأنّي جنونُ جمراتِهِ ؟!!

القلبُ يغْرقُ

 في موجِ بحارِ الحروبِ المستَباحةْ..

العتمُ هو وجهُنا الآخَرُ ..

كيف نُخْفيهِ؟

كيف نبحثُ عن بياضِنا في العتْمِ؟

هذا الكائنُ الذي استباحَ أحلامَنا،

استنهَضَ رؤانا إلى حيثُ السّيوفُ والقنابلُ

هي الحكَمُ الفصْلُ...

والجثثُ في تربةِ الأرضِ

تحرقُ أحلامَها

في العيشِ القتيلْ...

تضيعُ قوافي الأوطانْ.

تَحترقُ أبجدياتُها السماويّةُ

والترابيّةُ والإنسانيّةْ...

فكيف لي أن أغْمضَ قلبي

وأرى الضّوءَ

 في مشْوارِ هذه السنواتِ العجافْ؟!

كلُّ الذي أريدُ لم يأتِ بَعدُ

لكنَّ الذي سيأتي... سيأتي

هذا الذي نبحثُ عنهُ

في أسمائِنا، .. يتفتَّتُ

 كجثثِ الأوطانِ المهدورةْ !..

**

فقط لأنني طائر الإباءْ

سأطيرُ وأعانقُ جمراتِكَ أيّها الوطنْ!

من أِلفِكَ ...إلى إبائكْ ..

إلى سمائِكَ ...إلى حضوري

إلى بسْملةِ الحُبِّ المُنيرْ..

نمْحو طرقاتِ الزَّيفِ

مِنْ حدائقِ وجَعِنا

و نَستنطقُ آياتِ المحبّةِ

في ليلِنا الدَّامي!...

إلى أنْ نفتَحَ أشرعةَ السماءِ بِنورِنا

أو نكشفَ أسْرارَ الضّياءْ..

حيث تعلو قبّراتُنا إلى أفقِها السَّامي

فوقَ الأجسادِ التي

 تسامتْ إلى أفقِها العلْويّ ...

ونادتْ باسْمِ الوطنْ:

إنَّ صفحةَ الحقيقةِ

هي التي ستُكتَبُ

 ببراعمِ النورِ وحبرِهِ المقدَّسْ!..

**

سأُعيدُ إلى قلبكَ الدامي

أرجوانَ شجْوهِ

وبَياضَ طفولتهِ

التي عانقتْ براعمَ أغْصاني..

سأطيرُ إلى آخرِ البرقِ في سمائِنا

لأننا طيرانِ من وردٍ ودماءٍ

سنرتفع فوقَ سحابِ الأمنياتِ

لنسْمو إلى عمقِ المدى

ونصرخُ في وجعِ الأوطانِ المُسْتَباحَةْ...

نسكنُ رعشةَ الحلمِ

في سكْرَةِ الشِّعرِ النبيلْ،

نَخرجُ من قبَّعتي طيرين

في فضاءِ اللغاتْ ..

ومهما كسَّرتْ أرواحَنا

رياحُ البشَرِ العاطلينَ عن الأحلامْ،

سنظلُّ هُنا

لنا ما نشْتهي

من رحيقِ الأملِ

وبذورِ الجنونِ الذي

يشتعلُ في قصائدِنا

حيثُ الوطنُ ذروةُ العِشْقِ

في جمراتِ قصائدِنا المُشْتعلةْ! ..

***

شِعر: إباء اسماعيل

فتحي مهذبالغراب مسدس ضرير..

كل طلقة أقحوانة ميتة..

الهواء يمشي على قدميه

مثل راهب شغلته هواجس الميتافيزيق..

كان أبيض الرأس وله دشداشة

تلمع من بعيد..

كان الهواء حزينا وله مشية الأرملة.

**

إمرأة عميقة جدا

أمواجها بنات شقراوات..

كلما أعبر طريقي الى قاعها..

ترشقني نهداها بضحكة ماكرة..

أخمن أن اسمي في قائمة ضحاياها الجدد .

لذلك غالبا ما أبدو مرتابا

مثل أرنب عضه فراغ عائلي.

**

أيها الصديق الراعف بسم الشوكران..

لا تتسلق قامتي مثل سنجاب قميء

أنا مسلح بشوك الأكاسيا.

**

مثل ورقة قيقب

تسقط يراعة الندم..

الكاهن في البستان

يقلم نتوءات صليبه

صوته أقحوانة حزينة..

استسلم أيها الهدهد المسلح بتاج العارفين..

هبني حقيبتك الملآى بفصوص الحكم..

وليكن ندمي أضيق من سم الخياط.

**

الليل متسول سيمياء..

في ألبوم الرأس عابرون كثر..

ناووس صديقتي العمياء..

شجرة دائمة النسيان..

وبنادق صيد لزلزال مروع..

لكن الفأس لم تزل بفصاحة جيدة

القتل متواصل ..

اشرب أيقونة القديس لتشفى..

واعتن جيدا بقمح التفكير.

**

الفراشة وردة الصوفي..

الجدول مثل نهد ثرثار

مشنوقا يتدلى على حافة أصابعك

البراقماتية..

نسيت خاتمي على أريكة النعاس..

صوتى منسدلا على الكنبة..

خوفي معلقا على حبل أعصابي..

في انتظار أن تعبر أمي مرة ثانية

من شقوقي مخيلتي .

**

نحات جيد

التحيات لك ولتبر الهيولى..

البديهيات تماثيلك المضطهدة..

والرأس ورشتك الأثيرة.

**

اللكمة مروعة جدا..

حواسك نساء عمياوات..

مطوق بأسد أشقر

وبرج مائل من الهنود الحمر ..

آه ما آشقاك أيها الغريب .

**

في المرآة بجعة

هاربة من حوافر جاسوس..

الحرب خلفت بناية مهشمة

تبكي مثل أرملة..

نوافذ سيئة الطباع..

عربة اسعاف مكفهرة

قتلى يسخرون من خاتمة المسرحية..

كان خبزهم طازجا ..

وعيونهم مصابيح مهشمة .

**

انه الشقيق الأصغر

فر من أسد يزأر تحت شباك الأرض

حاملا حزمة يراعات..

صلبانه الأبدي..

هواء المارة النائمين..

يوقظ حصان العمر بمهماز

ليواصل ابتلاع الضباب..

والعدو الى الوراء..

انه السيد النهار ..

مجلجلا مثل نواقيس كنيسة

في صحراء الشك.

**

يا مسيح

لا تذرني ..

المهرج يفقأ عين النبع..

السلوقي لا يعبأ بصلاة الأرنب الهارب..

وتتبعه سنابل الساحرة-..

على الجسر جحافل الغزاة..

سأحاول الهروب مع نيزك

قبل انطفاء الوردة.

**

ما أكثر العميان هنا

العين بندقية صيد المحسوسات..

من الحكمة أن نشحذ عيون الباطن.

واستدراج الأفق الى مكيدة.

**

مصباح صغير

يطوي جناحيه مرة في اليوم..

بيد ساحر من ألف ليلة وليلة.

**

يلبس التاج

ويغزو الحقول..

عائدا من جزر اللامعنى

الى ثلج اليقين.

**

السعادة

تحصين الكلمات

من شرك العادة..

انه لزوم ما لايلزم في فهرسة

الهواجس .

**

دموع الأواني..

حجر يتنهد اثري..

اللاشيء الفارد جناحيه..

الثور الذي يدفع الى التهلكة

بحواس شرهة..

لن أصعد السلالم

ثمة شيطان وملاك

يتقاتلان بضراوة..

أنا شحاذ مجازات في المنفى..

وراوية على عجل يرتق سير النعامة.

***

فتحي مهذب

 

 

محمد الذهبييا صحبةَ الراحِ كيف الراح كم سكروا

               من الندامى وكم في الصحوِ قد قُبِروا

اثنان مرت وقد مرت بلا خجلٍ

                         وهاجسُ الكأسِ لا يبقي ولا يذرُ

بقيتُ ابكي على هندٍ لأوقظها

                          وعفتُ كاسي يناغي ليلَها القدرُ

(يا صحبةَ الراحِ) ما ناحوا ولا عقروا

                         ولا على حيِّنا من غيثهم مطروا

وكم تمنيتُ لو كأسٌ فنرضعها

                          ففي الرضاعةِ إخوانٌ إذا قدروا

(يا صحبةَ الراح) قلبي صار أغنيةً

                        والحانُ قربي ولكنْ رابني الحذرُ

مازلتُ احذرُ كأسي أين تأخذني

                              الى نديمٍ علاهُ الزهو والكِبَرُ

هم الندامى تُرى من عاق باطيتي

                           هم ثقّبوها فسال الدمع والخَمُرُ

وقلتُ أين الندامى أين ضجتُهم

                            وأين منهم عيونٌ زانها السهرُ

غابوا عن الأمس حتى عاد حاضرهم

                        يلهو عن الكأس لا كأسٌ ولا وترُ

أنا تصوفتُ لا أبغي بهم بدلاً

                         إنْ كان في الحدِّ حدٌ فهو منكسرُ

اشرب فديتك خميراً إذا ذُكِروا

                            وإنْ هُمُ أحجموا فالكأسُ تدّكرُ

وذي الشفاهُ على كأسِ الهوى اجتمعت

                           فمالها لا ترى ما يرتئي النظرُ

ما هذا عصري ولا وقتي فأركبهُ

                          خلّفتُ ناقي لدى عباس تحتضرُ

قد كنتُ من جيلهم لكنْ بغوا سفهاً

                              وخلّفوني لدى جيلٍ سيندحرُ

كانوا نداماي لا أعدو فأدركهم

                             ولا اخفُّ إذا ما ليلهم سمروا

لكنهم غادروا صمتي بلا سببٍ

                         ولا الى مجلسٍ يا ويحهم عمروا

وهمتُ همتُ بليلى وهي خائفةٌ

                     ان تمنحَ القلبَ ما ضنتْ به الصورُ

بقيتُ وحدي اسلّي القلبَ في وترٍ

                           نياطُهُ من لهيب الشوق تستعرُ

ففي جحيمي عصاراتُ الهوى نَظُبتْ

                       وفي جناني رأيتُ الشوك يختضرُ

كلُّ الندامى على أطراف داليتي

                          غنيتهم من أنيني بعد ما خمِروا

أرهقتُ سيدَهم نشوى غدتْ حُلُماً

                        وساورتني ظنوني كيف اختصرُ

حتى أتيتِ بأطراف الحديث لقىً

                       قد شابها الوقت فاقتاتتْ بها الغبرُ

جلوتُ عنك بأشعاري صدا زمنٍ

                              فلاح منك بريقٌ فهو يزدهرُ

(يا صحبةَ الراح) انتم من يضنُّ بها

                                أما أنا فبكأسي تكمنُ العِبَرُ

***

محمد الذهبي

 

 

حسن العاصيوحدهم المنتظرين بحزنهم

يزدهون بوردة الفرح

وهم على قاب مخاض الشقاء

لتهبّ أبجديات النزوح

من خاصرة الجروح

وينكفئ شعاع الأمل

في انحناءة قزحية

2

تمرُّ بي

فراشات البحر

تحلّق نحو الغيمات المهاجرة

جهة غصن الضوء

لتمطر في درب الرحيل

لون الصبح

3

تمضي الخطى

نحو دائرة الغفوة الأخيرة

تخلع بعض دروبها

لتستريح

تدخل عتمة العمر

تصلح قدميها

وتمضي

4

يحاصر البحر موج التراب

ألتحف حيرتي

وأغفو على صدى الحزن

أغمض أرق حزني

لأنعتق من الخطايا

موجة حزينة

5

في دروب العمر

يموت وجه الأحلام

نكفنها بحرير القلوب

تبكيها عصافير الصباح

على الشرفات المطفأة

تحضنها خميلة الوادي

لتغفو حزينة

6

تعدو مرايا الوجع

في مواسم الخطايا

تبكي ساحات المدينة

صخب العمر

مثل شفق تُحار له

الضحكات الحزينة

تنحني سنابل الدهشة

وتُغلق على موجة الحقل

واحة الشقاء

7

ذات ركود

أوصد الوجع خيوط الحلم

يترجّل التعب

من صهوة الوقت

يقطف أشلاء السكون

بغيمة بين وهْمَين

ليهتدي المطر

إلى ساقية الصباح

8

ضاق الشرق بفسحة الحياة

تغازل جهاته ضفاف الموت

ألا يدل الدم على القاتل

ويستدل على القتلى بالقبور

على جناح الندى

أسرجنا غيث الموتى

ليغفو في أحضان الأرض

ونختم سحابة الغدير

من الشمس إلى المطر

***

حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

عبد الجبار الحمديؤهناك حيث الحظوظ الواهية... ينكب طابور طويل تعوي حوله همهمات شخوص فركت راحة أيديها علها تستبشر الخير وهي تتأمل أن تنال تذكرة مستقبل... هو لم يعي فكرة الوقوف غير أنه تعود في وطنه أن يقف ضمن الطوابير الطويلة التي عادة ما تكون للحيوانات حيث تساق الى حتفها، قادته أقدامه حيث واهب التذاكر كما الجمع الغفير... عالم مخيف يسير دون أن تشعر به خاصة الطوابير ممتدة الى مالا نهاية وعن ذات اليمين وذات اليسار.. كل ينشد التغيير إلا هو.. يريد ان يعلم الإجابة عن سؤال أرهقه..لم نحن؟؟

ساعة منتصف الظهيرة قد شدت بقِدرِ حرارتها وَهَمَت على ان تصب جام أشعتها على تلك الرؤوس والاجساد التي خرت ذائبة كالشمع، تمسك بفتيل عمرها الذي دفن حيا في باطن أيام... يا إلهي!!! كيف لي ان أتنفس فقد ضاق صدري كأن نهايتي قد توائمت هنا!؟ كان يتابع تلك الموجة التي تتمايل في سراب أعين غطاها العرق فلم تعد تميز أين هي؟؟ أختلطت الطوابير تداخلت الشخوص في الشخوص كل يحاول ان يسدل على نفسه غمامة تقيه غضب الظهيرة... سارع بين جمع مثله نحو بقايا ظل تسابق قبلهم الى الجدار فألتصق به مد ثوبه الى من حاول أن يلوذ معه... وقفوا مصطفين كأنهم ينتظرون لحظة أعدام، أما البقية سارعوا الى نزع ما كان يقي أجسادهم ليضعوه على رؤسهم التي أيقنوا أنها قد فرغت من ماء عقلها.. وإلا ما الذي يدفعهم للوقوف وقد جربوا حظهم لأكثر من مرة؟ علموا أنهم مجرد بيادق لأيام ترثيهم حالها حين رقصت على أجساد ساحات حروب مزقت ثياب العذارى واجهضت النساء الحوامل، بقرت بطون من فيها من ولادات أمل... إنها رسالة الشيطان الذي وقفوا بين يديه ليعلنوا الوفاء له... لحظات مخيفة جاوزها وظهره قد سلخه الجدار وهو يسمعه يقول: كل شيء بثمن، أم ظننت أنك تستظل بي دون أن ينالك لهيب وجعي؟ ها أنت تراني أقف وقد تَفَت عَليَّ وتقيأت أشكال وأصناف ممن وردوا هاهنا... لم يحسنوا الظن بي، حتى أن البعض قد بال أو تغوط في خلسة كالحيوان هكذا هي دسائس الإنسان دلس، فما ان يريد ان يرمي بقاذوراته حتى يستند الى من لا يتكلم ولا يرى ولا يسمع ثم يقوم بفعلته الخبيثة... شأن من ساروا مع موسى بعد أن خط لهم الطريق فخانوه وقبلها أنفسهم لأنهم لا يريدون ربه بل ما عنده من ثروات وملذات، فَجَروا بكل قيمهم حتى وصل بهم الأمر ان يصورا أنفسهم أتقياء تخت غطاء الفقر والعوز بأنهما الطريق الى الجنة... حتى المسيح حين جاءهم بمعجزة لم يصدقوا بل قارعوه وحطوا من شأنه، لم يتبعه إلا من كان قد علم انه طريق الهداية لغاية بعد حين... جلدوه، صلبوه، وتخوزق من كان لا يصدق بموسى ومعجزاته، أما معجزات عيسى فكانت عبارة عن حكايات لساحر مجنون... تناسوا من يكون ومن هي والدته... عاثوا بكتب الأولين، قصوا حكايات جديدة تتوائم مع شيطانهم وربهم الذي يعبدون...الى أن جاء محمد الرسول الخاتم الذي عرفوه عندما حطم أصنامهم وهز عروشهم، فاقهم صبرا ألزم على نفسه أن يكون بيد الله الذي اراد له أن يكون، غير أن نفس النفوس التي وقفت في طوابير تتجمع كي تنال تذاكر الدخول الى عالم لم تعرفه من قبل جموع غفيرة بين المنافق والكذاب بين المرائي والزاني بين العبد والحر... بين من يريد ان يكون ربا وبين من يريد ان يكون عبدا... أختلط عليهم الأمر فعاثوا في الأرض فسادا، بقيت الرسالات مجرد حكايا يرويها الأباء للأبناء والجدادت الى الأحفاد... علقت في أذهانهم أن تلك الحقبة خير من هذه... سلكوا وديان ذات كثبان، الزموا نواياهم أنفسهم، خبؤها كل خبئ نيته تحت أبطه أثخنها نتانة حتى فاحت لم تكن النوايا شريفة او حسنة، بل شرعوا يبيحون القتل والسلب والنهب على إنها شجاعة وبطولة... توافدت عليهم النفوس تريد بيتا ببكة لا للعبادة او الصلاة بل للتجارة وبلوغ متعة الدسائس كم تبيع حتى أشتري ربك الذي صنعت، فكثرة القوادين اتاحت ان تكون العاهرات صاحبات سطوة... ذلك ما اوردته خيم الرايات الحمر التي تتسابق الرجولة والفحولة لنيل مجون بعد ان يتصارعوا من نال ممن لم ينل.. يكثر الصراخ والعويل بل النهيق حتى يتطارحوا الشعر، يتفاخر الرجل منهم على أنه ولغ في جب لغط فيه العديد ممن صحبوه وهو عار من اللباس... فَخرُ العرب كثرة الفتوحات، اية فتوحات؟!! وقد ألزموا ذكورهم أن تكون في مقدمة الفتح... ساروا بعد ان قسموها بين متعة وجهاد نكاح حتى من دبر فالغاية تبرر الوسيلة... فما دام النتيجة توصل الى ان تكون في الجنة المزعومة، وقفت الجموع تستجدي من الرب الحجري ان يمن عليها تسارعوا بجلب النذور للحصول على بطاقات من ربهم الجديد... هاهي الصورة تقلب الأنسان، وها هي نفس الجموع تقف الآن طوابير طويلة منتنة رغبة في تذكرة دخول عالم الرذيلة، عالم اللاحدود... فمن يعمل منكم مثقال ذرة شر يره شعارهم الجديد.. لقد واكبوا القافلة التي لا زالت الكلاب تنبح عليهم بالصلاح... لم يكترثوا، لن يقفوا، إن القرابين التي تقدم جاهزة لأن تسلخ جلودها، تباع على أنها موروثات زمن الجاهلية... لا تركنوا للحقيقة أبدا، فلا حياة لكم بعد هذه الحياة هي الأولى والأخيرة، أصيبوا منها ما يمكنكم إنها قصيرة لا تعولوا على الحلال والحرام، فالدين عبارة عن وسيلة والغاية ان تنال ما تشاء بل تسرق تنهب تستحوذ على ما تشاء... ما هي إلا عبارات يلزمك ربك ان تقولها كي تدخل عالم المجون، من هو صاحب الغد؟؟؟ بالتأكيد لا أحد، إذن عش يومك، لحظتك بكل حقارة الى أن تنال مكانتك بجدارة، كونوا أشباحا فالعالم الإفتراضي يقودكم لان تتركوا الواقع، تتعايشوا مع البدعة والخرافة الرفض دائما بمعنى القبول، تناسخوا بخنثكم، أتركوا رجولتكم على ابواب العاهرات، هلموا تجمعوا إنها تذاكر العالم السفلي الذي تحلمون... فعالمكم العلوي لا يجيد الإتيان بمشيمة ممزقة ورحم مشبع بسيول من الماء العفن... هيا قفوا دون أن تنبسوا بحرف واحد، فمن أراد الدخول عليه أن يتعرى حتى يأخذ تذكرته، لا عار ولا خجل ديتها ختم على مؤخراتكم، لا ينالكم الجزع إنها مجرد وشم بسيط كتلك الوشوم التي تثبت للبعض أنهم من عالم ديوث يتاجر بالبشر لكم ما لكم وعليكم ما عليكم... لا تخافوا الخوازيق فقبلكم كانوا يتأوهون لكن ما أن اعتادوها حتى صاروا يطلبونها رغبة، إنه عالمكم الجديد من يركب البحر لابد له من ان يتذوق ملحه هههههههههه أنه خير ملح لحفظ الود بينكم أيها البشر، الم تقولوا أن العيش والملح هو بمثابة ميثاق شرف؟ هذا هو مثياقكم الحديث سارعوا قبل ان تنفذ التذاكر...

تهافت الجمع حيث الصوت الذي ما ان اشار بيده حتى تكالبت أمة كالبغال تتصارع للوقوف تحت عصارة الشمس لتحصد بطاقة الحظ وهي  تعي أن ما تدفعه لنيل حلم يقظة أفضل حلم من ناموا على وسائده بأفيون دين خدرهم كي يسرق ما وقفوا من أجله تحت أشعة شمس حارقة في منتصف الظهيرة صارخين هل لنا بتذكرة لو سمحت؟؟؟

 

القاص والكاتب

عبد الجبارالحمدي

 

عبد الاله الياسري1-عبد الله سرمد الجميل

2- عبد الإله الياسري

***

1- قال الشاعر عبد الله سرمد الجميل:

آتٍ من المَوصِل الحدبـاءِ أُخبرُكــم

أَنْ لم تزَلْ عندَنـا تُستخـرَجُ الجُثَثُ

 

وأنَّ مَنْ حلَفُــوا كفَّ اليمـيـنِ علـى

حِفظِ العـــراقِ هُـــمُ واللهِ قد حنَثـوا

 

فـلـلـبــلادِ حدودٌ لـيـسَ نـعـبـرُهــــا

وفي البــلادِ أُنـاسٌ لـيـسَ تـكـتـرِثُ

 

ما هزَّهـم قطُّ أنّ الموصــلَ اندثرَتْ

بلْ هزَّ كـلَّ غريــــبٍ ذلـكَ الـحـدثُ!

 

لأنَّ مـوصـلَـنـا أمُّ الـعــــراقِ وهُــمْ

من بَعْدِ ما فُطِمُوا عن خيرِها نكَثوا

 

آتٍ أُحـدِّثُـكـم عـن حامــــلٍ رحلَــتْ

فجسـمُهـا للـذي فيهـا هنــــا جَـدَثُ

 

وعن بيوتٍ قضَيْنـا العُمْـرَ أجمَـعَـهُ

في صَوْنِها وبها الأغرابُ قد مكثوا

 

لـكـنّـنـا نَهَـرٌ نـمـضي لـحـكـمـتِـنـــا

رغمَ الـسُّمومِ التي في مائِنا نفثــوا

 

إنّـا ورِثْـنـا ربـيـعــاً في مـلامِـحِـنــا

أمّـا هُمُ فَسِـوى الأحقــادِ ما وَرِثــوا

 

هُمْ يـزرعونَ صخوراً في حدائقِـنـا

ونحنُ كالـوردِ بينَ الـصخـرِ ننبعثُ

.............

2- وقد عارض عبد الاله الياسري قصيدته بهذه الأبيات قائلاً :

آهٍ علَى الموصلِ الحدبـاءِ قد فنيتْ

وهـل سـيُسـعدُ مَنْ في آهـِهِ شَبِثُ؟

 

لئنْ هَوتْ تحت أَنقـــاضٍ لها جُثثُ

فقد عَلتْ فوق كرسيٍّ لنــــــا جُثثُ

 

شَــتّانَ مابين أَمـواتٍ لقد رحلــــوا

وآخريــــنَ طواغيــتٍ لقد مكثــــوا

 

لاتَعتبـَنَّ علَى مَـوتَى إِذَا سـكتـــــوا

عنها ولم يُظهِـروا حزناً ويكترثـوا

 

إِخـالُ كلَّ العــــراقِ الحيِّ مُجتمعـاً

قـد مـــات ذلّاً ووَارَى عِـــزَّه جَدَثُ

 

أَأَنتَ تحســــبـُه لمَّـــــا يَمُـتْ يَقِـظاً

أَمْ أَنتَ تحســبـُه بالشِّعــر يَنبعـثُ؟

 

إِنّي أَرَى القـــولَ خلّاقــاً بسامعِــه

وكــلُّ قــــولٍ، بـــلا أُذْنٍ لـــه، عَبَـثُ

 

واحسرتاه على قومي قد انقلبـــوا

علَى نفوسِهمُ خصماً، وقد خبثــــوا

 

لشربِ نزفِهـمُ، من جهلِهـمْ، ظمِئــوا

وأَكلِ لحمِهـمُ، من حقدِهمْ، غرِثــــوا

 

كأَنَّمــــا لـــم يَقـــمْ ودٌّ بتُربتِنـــــــا

يوماً ولـم يَـكُ، في أَجيالِنــا، دَمِـثُ

 

لكنْ ستشرقُ من بطنِ الظلامِ لنـا

شمسٌ، ويصبحُ ذكرَى ذلك الحدَثُ

 

 

 

طلال الغوارهناك..

وحيثُ والروابي

ولدتُ أنا

ومن نجمةِ الصبح كانت

 تواكبني رقصةً

رسمتْ جبهتي

ودسّتْ سرائرها في ثيابي

فكان مع الشمس لي موعدا

حين ارتوتْ أحرفي

من حليب الصباح

وسار اخضرار المدى

في ركابي

**

هناك

وحيثُ الأعالي

رفعتني إليها

فسالتْ من خدود الصباح المعاني

هي أوّلُ الخطواتْ

تسيرُ إلى وردةٍ

كي أفيءَ إلى ظلّها

لم يزلْ يتعقّبني عطرُها

ويرسمُ لي آخر الطرقاتْ

**

هناك

تآخيتُ بالعشب

وأطلقتُ روحي

وصار الغيابُ أزاولهُ

لعبةً

واذكر أني

 مضيتُ إلى النهر يوماً بها

وأعني بها لعبتي

كان قلبي بها جذلاً

وصمتي بدهشتهِ من يشاهدْ

حينما خرجت من شقوق يدي

وفي غفلةٍ

خطفتْ موجةً

ثم طارتْ بها في سماء القصائدْ

**

هناك

وعند سهول الليلِ الممتدةِ نحو الفجر

رعيتُ الكلمات

وسرتُ بها 

حتى طرف الروح

أسرجُ ما يجمحُ منها

وبعيداً أخذتني

كنت كمن يمشي فوق الغيم

ألاحقُ ظلّاً

ما كان سراباً

لكني

كنت اطلُّ على نفسي

وارى من حولي

تتناثرُ أشجارُ المعنى

إذاكَ

خطَّ القلبُ رسائله الأولى

واهتزَّ يقينٌ للطرقات

**

هناك

حثثُّتُ القصيدة

نحو حلمٍ جميل

كانت الكلمات من الأمر في عجل

كي تصلْ

بعد خمسين عاما

وما زالت الكلمات 

تتقرّى الطريق

وأنا خلفها لم أزلْ

***

شعر: طلال الغوّار

حسين حسن التلسينيكيف لا يخضرُّ فؤادي

وتفيض مآقيها بفرات الأذكار

وترشُّ دروب الخير

بخفق شذا فردوس الغفار

**

كيف لا يخضرُّ فؤادي

وبذكر اللهِ القهار

وبشمس الأذكار

وبرقص الدفِّ

في روض الكفِّ

في قلب ظلال الصفِّ

طرباً حُباً شوقاً لنشيد إلهِ اللطفِ

صار البدرُ دفَّ الأنوار 

فوق نخيل حنان الكفِّ

**

كيف لا يخضرُّ فؤادي

وغدتْ حباتُ السبحةِ بالأذكار

أطواق الأنجم والأقمار

فوق هامات الأطهار

بالأذكار يبقى خيط السبحةِ 

أفضل مشنقةٍ للنار.

***

شعر : حسين حسن التلسيني

بلاد الرافدين / مدينة أم الربيعين /  2006

 

محسن الاكرمينحين تحرك ايثري من مكان غرفته العلوية، انتصر للموت وخاطبها استدارة نحو الفراغ الزماني بالقول، معظمنا يتنفس برئات فاسدة، لا تنتج حتى أكسجين الحياة، وممكن حتى من أحشائنا التي توقظ نار الفساد والموت. حين نظر إلى الأسفل السحيق، اكتشف أن الأبعاد التراتبية الاجتماعية ما هي إلا مظاهر للظن والتصنيف، ونعمة سيادة التحكم. اكتشف أن الجميع يقف في مواضع مختلفة وبأعداد غير متناهية ولا منسقة، عرف أنها الفوضى الآتية من سوء الترتيب غير العادل، تعلم أن وضع العشوائية لن يتمطط اتساعا وممكن أن ينفجر مدويا من الداخل في أية لحظة، إنها كفايات إيثري الحياتية لتفسير مفاجآت المستقبل ولن تكون قاعدة خبر صادق بالحتمية.

يشعر إيثري بالتعب ويتحرك قدما، رغم العجز الذي يسطر على أطرافه النفسية، ويمتلكه سيطرة على تفكيره وذاكرته. معادلة فكرة الحرية بكونها راسخة في مخيلة إيثري فإن ماتت بالإهمال فهو يعلم علم اليقين أنه سيموت بعدها بالقرب الزمني والمكاني معها، هو يعلم أن الملاك الناصر له سيتخلى عنه ويسحب أيدي الدعم عنه، يعلم أنه سيموت حسرة وألما، دون حاجة إلى خدمة مجانية من ملك الموت.

لم يكن يعلم إيثري من المتسع الزماني غير التمييز بين لفظ الماضي والحاضر والمستقبل، فهو ألف من المتصل الصرفي التلاحق مثل كوكبة نمل آتية ومحملة بذخيرة متنوعة، وممكن أن تحمل حتي الشر لمملكة النمل من بقايا فساد سائد، فقد ألف النمل يورد إيثري، أن يحمل جروح أنفة الشرف وعدم الوفاء الطيع لإكراهات واستبداد الحياة. لكن إيثري في ختم كلامه نحو الفراغ الخاوي، أكد أنه سيبقى يحمل تعيين معنى "أنا " الزماني الدال على ضمير المتكلم. شاهد عند النمل أن الولاء لتحصين غار المملكة يتقوى عند الأنفس العاملة غير المنكمشة في خدمة ذاتها بلا هوادة.

لأول مرة يسترق إيثري السمع من مملكة النمل مثل سليمان قبل حوافر خيول جنوده، لأول مرة يجد أن النمل يتحدث مثل الإنسان بالتبرير وسياسة التسويف القاتلة وتعيين هلامية الخير القادم، لأول مرة يتعلم من النمل أن الشرف يولد داخل الجميع سواسية، لكننا نصنع رقعة شطرنج للعب وترك فسحة للشاه بالفوز.

 حين استمع إيثري بالتمهل والإنصات إلى حكم مملكة النمل وقف نهوضا، حين شاهد بألا أحد يقترب من النمل الجشع وصانع الغرور الطموح الزائد، علم بالفطرة أنهم في خدمة مماثلة لمصالح القائدة الحاكمة لهم، ومن هذه الحكمة عمم إيثري الدعوة إلى بني الإنسان بعدم الأسف عما يفعل وما سيفعل به أصحاب الغرور المتزايد في المتصل الزماني الحاضر والمستقبل.

من جميل الصدف حين التقط إيثري إشارات من صم عموم مملكة النمل، حين تجاهلت تلك الفئات العريضة الحديث واكتفت بأنها لا تفقه شيئا غير لغة الصمت، فهو حكمة من السلف ومن تبعهم بالصمت والموالاة.

تتحرك أمواج سلطة النمل جيئة وذهابا، وممكن أن تستخف بالركد والوثب، لكنها في الأخير ترتطم بالصخر الذي يجرح أنفة الشرف فترتد زبدا هشا رقيقا خاوي الوفاض نحو معاودة الكرة عدة مرات، ولما حتى غرس أمل البداية. إنها رؤية الاشمئزاز التي امتلكت نفسية ايثري وحركت فيه صيغة المطالبة بالمستقبل العادل، إنه صوت الأمة الذي يود العيش الكريم في مملكة نمل ذات المفارقات الاجتماعية.

في عمليات تجسير فجوة حياة النمل المستقبلية والحد من الفوارق المتفاقمة، ممكن أن تسقط العدالة الاجتماعية إلى الهاوية وتنكسر هذه المرة ولا تحتاج إلى ترميم غير جبيرة الفوضى. في مملكة النمل هناك من يفكر، ومن يقوم بالأعمال الشاقة، ومن يستلذ بطيب حسنات الحياة ومن يعيش عيش الذبابة في "البطانة".

حين تحرك إيثري من مكان استراقه السمع من شبكة مملكة النمل، انتصر للحياة هذه المرة، وخاطبها حين استدار نحو العقول المفكرة بالقول، هي التجارب علمتنا ألا نتق في المنعرج الغائر، علمتنا أن " طريق السد تتدي بلا مترد".

***

محسن الأكرمين

.............

فصل من رواية ويلات ذاكرة حالمة: مملكة النمل.

 

 

 

ريكان ابراهيمابسطْ يديكَ

فقد بسطتُ يديّا

أنا ...

لستُ شيعياً ولا سُنّيا

إن التَسنُّنَ والتشيّعَ

لعبةٌ ... تُغري الغبيَّ

لكي يظلَّ غبيّا

اثنانِ مختلفانِ لا جدوى

لِما ... اختلفا عليه

فأكسباهُ دويّا

هذا ينوحُ على الحسينِ

وآخرٌ في الشامِ يبكي

الحاكمَ الأُمويّا

والنَوْحُ لا يُحيي الحسينَ

ولا الرِّثا ...

يُعطي أُمَيّةَ واجباً

شرعيّا

فعلامَ تُعتَصرُ الدموعُ

لِما مضى ...

هل يُبعَثُ الماضي جديداً حيّا؟

الدينُ

ليسَ مذاهباً برّاقةً

صار التناحُرُ ثوبَها

الأبديّا

اللهُ ثُمَّ كتابُهُ، ونبيُّهُ

ثالوثُ طُهرِكَ كي تكونَ

تقيّا ...

ومُحمَّدٌ ختم النبوَّة بعدَهُ

لا مُورِثاً إنْساً ولا

جنيّا

فهلِ النُبوّةُ عَرْشُ حُكْمٍ

يُعتلى

ليصيرَ في أتباعها ملكيّا

هل تُحجِمُ الأكوانُ عنْ

دورانها

إنْ لم يكنْ عمرٌ يُحبّ عليّا

قُل لي: أما كانوا كبيراً

وعيُهمْ؟

أأنا أكونُ على الكبيرِ وصيّا؟

أبوايَ مُختلفانِ في أمريهما

أتظنُّ أنّي

مُصلِحٌ أبويّا؟

‏سلهم لماذا لم يحبّوا بعضهم

أيُرتِّبُ الماضي

الديونَ عَليّا

أنا لا أُزكّي في النفوسِ

مطامعاً ...

‏حُبُّ الزعامةِ لا يُحرِّمُ

شيّا

‏والحكمُ يُغري العاشقينَ

‏بزهوهِ، وهوى الكراسي

‏يفضحُ المخفيّا

‏و الفتنةُ الكُبرى صنيعةُ

 كُلِّ مَنْ

‏امسى يُفكِّر أن يكونَ وليّا

***

‏يا أمّتي هُزّي إليك

‏‏بجِذعِ مَنْ ... عشقوا

‏المذاهبَ بُكرةً وعشيّا

‏وتَضرّجي خجلاً من الضرعِ

 الذي

حلبوهُ، إنَّ الضَرْع كان شهيّا

‏فالمذهبيةُ تزدهي، والطائفيةُ

تنتشي،

‏والامرُ صارَ جليّا

‏والدينُ اصبحَ ثوبَ نومٍ

أطمَعتْ

‏ألوانهُ الشرقيَّ والغربيّا

‏قد كنت سنيّاً فأدهشني

الذي

‏طالعته فغدوت فيه

 شقيّا ...

ورجعتُ شيعياً فأضحكني

الذي

أصبحتُ فيه تائهاً منفيّا

‏فحلفتُ لا هذا ولا هذا فقد

ضاعت عليَّ ...

‏وقد خَلُصت نجيّا

‏يا ليتني من قبل موتي مَيّتٌ

أو كنتُ نسياً

في الورى مَنسيّا

أمس استفقت وكنتُ

احلُمُ أنّني

‏أسّستُ حزباً في المنامِ

فتيّا

حزباً يرى الإسلامَ دونَ

مذاهبٍ حقّاً ...

‏ونَهجاً في الحياة سويّا

ولمحتُ قوماً يشهرونَ

 سيوفهم ...

‏إذ صار ذبحي واجباً

وطنيّا ...

‏قوماً يرون الطائفيةَ

مكسباً ...

‏والمذهبية مطلباً قوميّا

والفتنة الكبرى طريقاً للغِنى

فالمرءُ يُخلَقُ كي يكونَ غنيّا

‏ففززتُ من نومي

مثاراً خائفاً

ومشى يدبُّ الوهنُ في رجليّا

‏وعرفتُ مغزى ما حَلُمت بشرِّه

‏إن الذكيَّ يُفسِّرُ المرئيّا

‏فتركتُ شيعتَهم وسُنّتهم سدىً

لأعيشَ يومي راضياً مرضيَّا

وجهِدتُ أنْ أنسى نصيحةَ

جاهلٍ

فالناصحُ الجهلاءَ ليس ذكيّا

؟

***

د. ريكان إبراهيم

 

 

نادية المحمداويتبعتني أم محمد وابنتها الى المستشفى ودخلنا الممر المؤدي إلى الردهة بعد عناء ومحاولات استعطاف متكررة وممانعة من قبل الموظف المسؤول بسبب حظر الزيارات في ذلك الوقت من النهار. لكنني استطعت أخيرا أن أقنعه بالعدول عن ممانعته وادخل راكضة عبر الممر المؤدي إلى الردهات، كي أراه للمرة الأخيرة.

ها هو ممدد أمامي وحول سريره عدد من الممرضين رجالا ونساء. لم يتغير شكله عما هو محفوظا في ذاكرتي أو عما ألفته في الواقع، نظرات عينيه مذعورة مثل عيون الأرانب الهاربة، والممرضون يتهامسون حوله بلغة لا اعرفها وكأنهم كانوا يحضرونه لإجراء عملية جراحية لا اعرف ما هي أيضا. لكن طبيعة الاستحضار تدل على أنها عملية مصيرية خطيرة.

صورته التي الفتها في الواقع كانت مطابقة تماما لما هو عليه الآن ونظراته أثارت في نفسي رغبة الاحتضان وتملكني شعور أن ارمي نفسي بين أحضانه غير مبالية بهذا الجمع من العيون.

لحظات قاتلة تفصل بيني وبين اتخاذ القرار، تقدمت خطوتين نحو السرير واخترقت حاجز الممرضين بالخطوة الثالثة ثم احتضنتُ يده اليمنى بكلتا يدي تمهيدا لما سيأتي بعد ذلك.

أجهش في البكاء لوحده بينما لم تذرف عيناي دمعه واحدة، كنت أهدئ قلقه لكنه يزداد بكاءً ويتمسك بيدي خلسة للحظة أخرى، كان يتحفز للنطق ويفشل، غير أني كنت على يقين انه سينطق لو بقيت معه ساعة أخرى لكن الممرضين أطبقوا على السرير من جديد وأبعدوني للوراء بعصبية وقسوة،

لا ادري لماذا انضمت أم محمد وابنتها للممرضين وأمسكتا بي بقوة لم استطع مقاومتها وجرتاني خارج الردهة من بين رتاج الباب وكتف أم محمد رأيته يستسلم وكنت مصرة على متابعته بنظراتي المتوسلة لكن أم محمد صدمتْ راسي بالرتاج وصحوت يتملكني فزع شديد ويتصبب من جبيني عرق بارد، وأنفاسي لاهثة كأني كنتُ أركض في مضمار طويل

 

نادية المحمداوي

..........

الجيثوم: قد يبدوا عنوانا غريبا لكنه شائع في جنوب العراق وهو بديل عامي شعبي عن معنى الكابوس لذا وجب التنويه

 

صحيفة المثقفكلما ضاقت الدنيا بي وأغلقت الأبواب في وجهي أقصد جدي. هذا الرجل الذي شارف السبعين من العمر. مرة تعرضت لضيق في الرزق، وبارت تجارتي، وكثر الدين علي، وأثقل الهم ظهري. لم أجد مأوى يأويني، ويرفع عني هذا الضيم إلا جدي. نعم جدي. قصدته طالبا بعض المال. كانت عادة جدي غريبة بعض الشيء، هو لا يعطينا المال، ولكن يقرضنا إياه على أن نحدد موعدا للإيفاء به. موعد نحدده نحن لا هو. أقرضني ألف درهم على أن أردها في نهاية الأسبوع، تمكنت من ذلك.. أتيته فجلسنا نتحدث، ثم ناولته المال مع شكري له، قال بصوت دافئ حنون، وابتسامة صادقة من جد لحفيد يحبه تعلو محياه:

- ضعه يا ولدي في تلك المشكاة..

وضعت المبلغ حيث أمر، ثم انصرفت..

تعددت الحكاية مرات ومرات، وكل يوم آتيه طالبا مبلغا يشير إلى تلك المشكاة لآخذ المال، وعند رده يأمرني بوضعه في نفس المكان.

وذات مرة أخذت المال وقضيت به حوائجي، جئته في اليوم المحدد، جلسنا وتحدثنا، ولم يطلب مني الإيفاء بالدين. خرجت محتفظا بالمال ظانا أن والدي قضى عني الدين، لكنه لم يفعل. كان الدين ما زال في عنقي، ولكن جدي لم يحدثني عنه. جلسنا مرات كثيرة ولم يشر إلى الأمر بالمرة..

وفي يوم ضاقت الأمور بي وساءت الأحوال مرة أخرى، فقصدته طالبا منه أن يقرضني، فأشار إلى المشكاة لآخذ طلبي. توجهت مسرعا، فلم أجد شيئا. قلت بنبرة استفهام:

- يا جدي ليس هنا إلا الغبار.. ولا شيء يدل على وجود مال..

رد علي والابتسامة واضحة على ملامحه:

- لو كنت وضعته هناك لوجدته!؟

احمر وجهي، فطأطأت رأسي وانصرفت. وتأكدت يومها أن جدي لم يكن بخيلا بل حكيما..

 

خليل العمراني