عبد الاله الياسريإِنْ تَضحكْ تُرجِعْ لي صبحـاً

في الليـلِ، وتُطلِعْ لي شمسَـــهْ


"لُوْسِيْ" في الوحشةِ ليْ أُنْسَهْ     هي أحلَى أَسباطي الخمســهْ

إِنْ تَضحكْ تُرجِعْ لي صبحـاً     في الليـلِ، وتُطلِعْ لي شمسَـــهْ

أَوْ تَهمــسْ في أُذنـيَّ: "أُحبُّــــــكَ"، أَسـكـــرْ من تلك الهمســهْ

أَوْ تَــلثـمْـنـي أَفــــــرحْ ظنَّــاً     أنْ تُنـقِـصَ من خدِّي يَبْسَــــهْ

أَوْ تَلمسْـنـي تَـرقـصْ روحي     وتُـغـنِّ هُيـــامـــــاً باللمسـَـــهْ

فكــأنّ أصـابعَهـــــا سحــــرٌ    قد أَحيـتْ في مَيْـتٍ حِسَّــــــهْ

فـأعـــادتْ فيــــه الـــروحَ فَـقَـــامَ، وأَلـقَى عـن حَيٍّ رَمسَـــــهْ؟

يَتخيَّـلُ ليْ ــ إِنْ تُقبــلْ ــ أَنّي     مُعـتــقَــــلٌ أَنـهَى حَبْسَــــــــه

تُلـغـي ســنـواتي طلعتُـهــــــا     وتَــردُّ لطفـــــلٍ بيْ أَمسَـــــهْ

وتُـزحــزحُ عن وجهي شَـيْخـــوخَتَـــه، وتُمسِّـــحُ ليْ يأسَـــــــهْ

تَصفـو الأَيَّـــام، وإنْ كــدرتْ،     معهـــا، وتَطيبُ ليَ الجلســـهْ

لـولاهـــا لــم يُســرَجْ لي العمـــرُ، ولــم يَلمــحْ طرفـيْ قَبْسَــــهْ

بُنـيــتْ ظُلَـــمٌ فــوقـي وأنـــا     لــم أَبنِ لمصبـــاحي أسَّــــــهْ

مَن ضاعـتْ نفسُــه في ولــدٍ     يَكشــفْ في أَسـبــاطٍ نفسَــــه

١

كــمْ قــد غَمَـزَتْــني قائلـــــةً:     "كورونا"، إذ سمعتْ عطسـهْ

لتُـجـنِّـبَـنــي المــوتَ وكــــمْ      جُرِّعـتُ بـلا مرضٍ كأسَــــه

فـرفعــتُ لجعجعــةٍ صـوتَــاً      خَفَّضتُ لهـا قَبْـــلاً جِرْسَـــهْ

وظَهـرتُ بعينيـهــــا بَطَــــلاً      قـد كانـتْ سـيـرتُـه عكسَــــه

لا يَـعــظـــــمُ فـــي عيـــنٍ إلّا     مَن قَــوَّى زَنْـــدَه أو فَـلسَــــه

مَن يَســألُ عن ذَهَـبٍ في الســــوقِ لنِحريــرٍ؟ أَعـنِي طِرسَـــــه

"لوسي" لا أبـلغَهــا البــاري      نَكَبــاتِ الـجَـــدِّ ولا نَحسَــــه

أَخبَى شـمـعَ الأَفـــراحِ أَســا      هُ، وَوارتْ غربتُـــه عـرسَـــهْ

مـــا إنْ يَشــفَى مـن نَكْسَتِـــــه الأُولَــى حتَّـى يَــلقَـى نَكْسَــــــهْ

يَعـوَجُّ الظهــــرُ لـــه قوســاً      ويَزيـدُ ــ ولـم يَقنـعْ ــ قوسَــه

سـألتْـني إذْ مَشطتْ شَعـري:      مَن شَـوَّهَـه، ولوَى غِرسَـــهْ؟

مَـن لَطَّخَــــه بالفضَّــــةِ يـــا      جَـدِّي؟ قـالـتْ: لَطِّــخْ رأَسَـــهْ

يَدري ذو العِمَّةِ أَنْ "لـوسِـي"     لـــمْ تَـعـنِ اللهَ ولا قُـدسَــــهْ؟

لـو يُسـتفـتَى، أَفـتَى:"كَفَـرتْ"      ليُـؤكِّــــدَ بالفتــوَى مَسَّــــــهْ

بَبَغــــاءٌ فـي ديــنٍ.مـــا أَحــسَــبُـــــه يَــــــدري إِلا طقـسَـــــه

٢

وحَكــتْ صــوراً لطبـيــــبٍ للأَسْــنَــانِ، كِمَــامَـتَـــــه، لُبْسَـــــهْ

وفــمي فَتَحـتْ فَــرأَتْ طَلَـلاً      وأَطالـــتْ، واقفــــــةً، جَسَّـــهْ

سَــأَلتْ: كــمْ من سـنٍّ بَليــتْ      منــهُ؟ كــمْ من آسٍ مَسَّــــــهْ؟

لفـــمٍ لاتَـحــزنْ قـالـــتْ لي:      ســيُعيـدُّ اللَّهُ غــداً ضِرسَـــهْ

"يُحيي اللَّهُ الموتَى" قــالــتْ       أُمِّي. مــا قــالـــتْ لا تَـنْـسَـــهْ

مـــا أَجمـلَـهــــــا! سُــحقـــاً للقُبْـــــحِ بثغـــرٍ شـــــاهَ، وللخِسّـــهْ

يـاربِّ احفظْهــا مـن زمـــنٍ      وَعـــرٍ وأَزِلْ عنهــا بؤسَـــه

ومكـــــانٍ قِيـــــلَ لإِنســــانٍ      لـكـنّي لــم أعــرفْ جِنسَـــه

لَـبَـسَ الأَقصَى بالأَقربِ.لــم      أَفهمْــه، ولــم أَفكُــكْ لَـبْسَـــه

أَوَ آدمُ نــاجِـلُــــــــهُ حقَّــــاً؟      لايُشْـبِــــهُ معدنُــــه رِسَّـــــهْ

يَـنـفي بالقـــولِ نَجـاستَــــــه      ويُؤكِّــد في فعـــلٍ رِجسَــــه

هل يُصغي للتـاريــخِ؟، وهل      يَستوعبَ إنْ أصغَى درسَـه؟

مــا أَكذبَــــــه مـن مخلـوقٍ!      كـم شـــرٍّ في خيـــرٍ دسَّـــهْ!

وجبــانٍ لـــمْ يُـظـهِــــــرْ إلّا      لضعيــفٍ مظلــــومٍ بـأسَـــهْ

مـاأَغـلَـى مَبـنَى صـورتِــــه      لكــنَّ معــانـيَـــــها بَـخْسَــــهْ

٣

حُرِقـتْ غـابـاتُ العدلِ، وكـمْ      مِـنْ حَطّــابٍ أَلقَى فــأَسَــــه!

غَصَّـتْ بــرمـــادِ الظُلــــمِ الأَرضُ. وإِنِّـي مُرتَـقِــبٌ كـنـسَـــــهْ

***

عبدالإله الياسري - اوتاوا / كندا

في 18 كانون الثاني2022

 

كريم الاسديعدتُ يا أحبتي بعد اغتراب طويل لرؤية الوطن والأهل ومدينة المولد..

أفكار ومشاعر وهواجس شتّى كانت تعصف بي بين أمل وألم، وحزن وفرح، واشتياق ووجل، وتوثب وتردد، وحنين وحذر، بيد انني وبعد لحظات من تحليق الطائرة استسلمت الى عوالم الأعالي في الذاكرة ورحت استحضر الوجوه الغائبة التي سأراها والأماكن القديمة التي سأعود اليها..

كان لزوماً علي بعد وصولنا الى محطة أولى وقضاء استراحة لفترة يوم ان استقل طائرة ثانية ستحلّق مباشرة الى الوطن.. أحسست بغربة شديدة حين لاحظت ان الجالسين حولي من المسافرين الى بلدي كلهم أغراب بيد انني لذتُ بصور وجوه الأهل والأصدقاء والنهر والبساتين والنخيل وطيور الماء وهي تمر أمامي مثل شريط سينمائي باهر الألوان والأحداث.. حين أعلن مذياع كابينة الطيران اننا فوق سماء المدينة الهدف حاولت جهدي ان أرى مشهد غابات النخيل وربما ملتقى النهرين من الأعالي، فكنت اطل على مدينة مغتربة في الزمان عن المدينة التي أود ان أراها أو التي عرفت ملامحها على الأقل.

بعد رحلة بالسيارة مع جمع من الأهل والأصدقاء انتظرني في المطار وصلت الى بيتنا في المدينة القريبة، بيتنا الثابت في مكانه والذي تغيّر في بعض أحواله اذ بنى أهلي بعض الغرف الاضافية في الطابق الأرضي والطابق الثاني وعدّلوا في تصميم بناء البيت، بيد ان الأرض هي الأرض، وغرفة الاستقبال التي انتظرني فيها أقرباء وجيران وأصدقاء هي نفس غرفة الاستقبال القديمة في الموقع.

زارني الكثيرون معظمهم من معارفي السابقين ومن زملاء الدراسة، وفي اليوم الثالث من اقامتي اتت مجموعة من أبناء المنطقة بينهم شخص متردد وخجول كان يريد ان يزورني فيخجل الى ان وجد صحبه الذين أتى معهم.. انه (سليم) الذي كنت أعرف انه من أصدقاء العائلة، وانه يعشق الشِعر، وهو صاحب صوت جميل ورخيم اذا غنّى ان اقتنع بالغناء، وان لم أسمعه مغنياً في حياتي، اذ يبدو ان صوته تطوّر وأنا في الغياب، اذ كان صغير العمر نسبياً حين بدأ اغترابي. بيد انني كنت أتذكر دائماً قريباً له.

كان قريبه واسمه (حامد) حلّاقاً من حلّاقي المدينة.. أنهى خدمته العسكرية وعاد الى مدينتنا ليؤسس محل حلاقة صغير وأنيق في نهاية سوق المدينة وحيث تنفتح بحيرة تربط مدينتنا بمدن آُخرى من جهات الشمال والغرب والجنوب، وحيث تجلس بائعات الأسماك عند الساحل بانتظار بضاعة الصيادين الطازجة التي يجلبونها الى صفاة السمك أخر موقع في سوق المدينة من جهة الشمال.

كنت طالباً في الثانوية حينما اذهب لحلاقة شعري عند الحلّاق حامد.. كان لطفه جمّاً، لا يفارقه الترحيب والابتسامة والسؤال عن أحوالي وأحوال الأهل، فنحن معارف. وحين أودعه وأريد دفع أجور الحلاقة له كان يرفض بشدّة، بيد انني أصر على الدفع فهذه مهنته ورزقه وليس لهذا علاقة بصداقتنا العائلية، ثم ان أهلي أعطوني المزيد من النقود، فكان يقتنع بصعوبة فيأخذ بحياء أجرته.

حينما انتظر دوري في الحلاقة في صالونه الصغير كنت أتأمل الصور واللوحات التي رسمها بنفسه والعبارات التي ألَّفها وكتبها بمختلف فنون الخط العربي، فمع كل لوحة عبارة.. كان مذهلاً في قابلياته في الرسم والخط والتأليف.. وأنا استغرب ولا أسأله في أي اكاديمية تعلّم هذا حيث كنت أتوقع انه خريج الدراسة الابتدائية أو المتوسطة على أعلى تقدير.

بعض لوحاته كانت عن الطبيعة بيد ان معظم اللوحات كانت صوراً لفتيات ونساء أحار كيف أصف جمالهن، نبالة ملامحهن، اغواء نظراتهن، ترتيب أو تناثر شعورهن، بهاء عيونهن، استطالة أعناقهن، تنوّع حالاتهن الوجدانية الناطقة بين سعادة وحزن، انتظار وخيبة، اغراء وتعفف. انها وجوه يصاحبها غالباً جزء من الاجساد التي تليق بحمل هذه الوجوه وتتناغم معها.. وتأتي فوق كل هذا قابليته الباهرة في اختيار وتنسيق الألون انسجاماً مع الحالة الوجدانية.

لطالما فكّرت في أمر ربّات الجمال اللائي يغدقن هذا الابداع على حامد رسماً وأدباً وخطّاً.

تحت احدى الصور الجميلة جداً لفتاة رائعة الحسن باكية العينين كان كتب عبارة بخط الرقعة الجميل وباللون الأسود:

(ايه أيها الزمن قفْ قليلاً ودعنا نتمتع ببعض لحظات السعادة العابرة ).

من ذاك الزمان البعيد وأنا أتذكر هذه العبارة مقرونة ببهاء الصورة وتلك السيدة العشرينية أو الثلاثينية التي تكاد تخرج من الصورة لتتكلم معي.

امتدحتُ فنَّه وتعدد قابلياته أمام الزائرين في غرفة استقبال بيتنا وقريبه سليم يسمع، وعبَّرتُ عن رغبتي في رؤيته أو زيارته..

فاذا بقريبه سليم يقول: البقاء في حياتك، حامد توفى للأسف.

قلتُ له: كيف، لقد كانت صحته على أحسن ما يرام.

قال لي: توقَّف عمله في الحلاقة، ولم يعد يدر عليه ربحاً بسبب سوء الوضع الاقتصادي للبلد والناس فاضطر للتطوّع كمفوّض في سلك الشرطة كي يتمكن من اعانة عائلته، وفي يوم من الأيام اتاهم أمر بالخروج كمفرزة لمتابعة رافضي الخدمة العسكرية الذين التجأوا الى أعماق بحيرات الأهوار، وكانوا مسلحين وشرسين ولا يسلمون انفسهم بسهولة، فحدث اشتباك مسلّح واطلاق رصاص كان هو أحد ضحاياه.

***

قصَّة قصيرة..

كريم الأسدي

..................

* ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه القصَّة القصيرة: اليوم الثامن والعشرون من كانون الثاني، في برلين. بيد ان التفكير في كتابتها يعود الى زمن أقدم.

 

 

نجاة الزبايريَدِي في يدهِ

يجُرُّني نحو زوابعهِ

أَنَّى حللتُ يتدثر بإِهَابِ بوْحِي

مثل ساحرٍ صَغِير

يُخْرِجُ كل يوم من قبعتهِ

أشياءَ وأشياءْ.

وهذه الكَفُّ المُوصَدَةُ

تَنْثُرُ حُطامِي.

تُحَوِّلُ ذَاتي لِمَوْقدٍ

تحترق فيه القصائدُ

يا لوقاحتهِ يقتحمُ أزْمِنَتِي

ويُفْردُ جَناحيْهِ بين استعاراتِي 

مستأنسا بِالسَّرَاب

وَأَنَا غَيْمَةٌ بِلاَ قَدَمَيْنِ

لاَ أَعرفُ مَا الجَوابْ !.

2

لماذا يتوسَّدُ كَفَّ الشتاءْ

مثل مُحارِبٍ تائهٍ في غربتهِ

يبحثُ خلفَ المعاني الحزينةِ

عن بُنْدقيةٍ خلعَت قَذَائِفَها.

وحْدهَا معزوفةُ الليلِ

تطلُّ عليه من أنفاسِ الجَمْر

تتَدَحْرَجُ بينَ يَديهِ رسائلُ المَنافِي

يَتْرُكُها وَراءَهُ

كَما لَعْنَةٍ تَسجُنُ خُطُواتِهِ

فِي زُقاقِ الواهمينْ؟ 

3

البيَاضُ المُتَرَامِي

يَعْبُر أَجْزَاءَ مِنِّي

يَقِفُ قابَ قوسينِ

من جِسْرِ الهَذَيَانِ

يُهَدْهِدُ من شفتي النايِ

مَوّالاً للبُكاءْ

وكأننا طلاسِم كتبتْهَا

ريشُ الهَبَاءْ.

***

نجاة الزباير

15 يناير 2022

 

محسن عبد المعطيمجموعة قصص قصيرة جدا ومضات


 غَزَلْ

غَازَلْتُ عَزْرَائِيلْ؛ فَكَّرْتُ فِي الْمَوْتْ .

*

نَظْرَةْ

نَظَرْتُ فِي عَيْنَيْهَا؛ نَادَتْنِي .

*

سَهْرَةْ

سَهِرْتُ مَعَ الْوَمْضَةْ؛ فَكَّرْتُ فِي السِّجَالْ .

*

خَفَقَانْ

وَجَدْتُهَا؛ خَفَقَ قَلْبِي لَهَا .

*

بُكَاءْ

عَشِقْتُهَا؛ بَكَيْتُ عَلَى صَدْرِهَا .

*

لَمْ أَنْسَ

لَمْ أَنْسَ حُبَّهَا الْجَمِيلْ؛مَا زِلْتُ فِي قَلْبِهَأ .

*

تَمَنِّي

تَمَنَّتْنِي؛تَمَنَّيْتُهَا .

*

لَسْتُ هُنَا

قُلْتُ:لَيْلَايْ؛قَالَتْ:لَسْتُ هُنَا .

*

تَهْنِيجْ

هَنَّجَ الْكُومْبِيوتَرْ؛فَكَّرْتُ أََنْ أُصَالِحَهْ .

*

ضَغْطْ

فَكَّرْتُ آخُذُ سُكَّرْ؛ جَاءَنِي الضَّغْطْ .

*

شِّيكُولَاتَهْ

صَرَخَ قَلْبِي؛ جِئْتُهُ بِالشِّيكُولَاتَهْ .

*

حُبِّهَا

فَكَّرْتُ فِي حُبِّهَا؛شَجَّعَنِي قَلْبُهَا .

*

خَوْفْ

رَاجَعْتُ قَصِيدَتِي الْمَنْشُورَةَ عَنْ فِلِسْطِينْ؛خِفْتُ أَنْ تَظُنَّنِي انْشَغَلْتُ عَنْهَا .

*

اِنْشِغَالْ

اِنْشَغَلْتُ بِالْوَمَضَاتْ؛تَرَكْتُ بِرْنَامِجاً عَنِ امْرِئِ الْقَيْسْ .

*

وَمْضَةْ

وَمَضَتْ لِي بِشُعُورِهَا؛وَدِدْتُ لَوْ أُعَانِقُ قَلْبَهَا .

*

مَنْ هِيَ ؟!!!

سَأَلَنِي قَلْبِي:مَنْ هِيَ؛قُلْتُ:حَبِيبَتِي .

*

رَقْصْ

أَمْطَرَتْنِي بِالتَّعْلِيقَاتْ؛رقَصَ الْقَلْبُ عِدَّةَ رَقَصَاتْ .

*

إِسْرَارْ

نَاجَيْتُ الْهَمْ؛أَسَرَّ لِي بِحُبِّهْ .

*

شَخصِيَّتُهَا

أُعْجِبْتُ بِشَخْصِيَّتِهَا؛عَبَّرَتْ لِي عَنْ بَهْجَتِهَا .

*

مَعَهَا

كُنْتُ مَعَهَا بِقَلْبِي؛وَكَانَتْ أَشْوَاقِي مُتَأَجِّجَةٌ لَهَا .

*

تَفْكِيرْ

فَكَّرْتُ فِيكِ وَمَا زِلْتْ؛وَجَدْتُنِي وَحِيداً بِدُونِكْ .

*

أَهُوَ الْحُبْ؟!!!

تَعَلَّقْتُ بِكْ ؛سَأَلَتْني نَفْسِي: أَهُوَ الْحُبْ؟!!! .

***

بقلم: أ. د. محسن عبد المعطي

 

 

بدايةً ....

يجب أن أعترف أنا إنسانٌ تلاحقني الخيباتُ أينما يممتُ وجهي ..

الخيباتُ تطاردني ليلَ نهار كأنها تعويذةُ العمر ....

أُتيحتْ لي فرصٌ كثيرة لم استغلها، مثلما عشقتُ نساءًا كثيرات أضعتهن خلفَ جَنازتي، وها أنا أبحرُ وحدي، بجناحٍ مكسور، وقلبٍ مُمزق، في زورقِ العمرِ التائه ...

***

في أيلول/ سبتمبر عام 1990 التحقنا نحنُ خريجي الكليات الإنسانية للخدمةِ العسكرية الإلزامية - إلى كليةِ الضباط المُجندين في بغداد.

في هذا الوقت يكونُ قد مرَّ قرابةَ الشهر على اجتياح القوات العراقية للكويت.

استغرقتْ عمليةُ الالتحاق بفحوصاتها وتدريباتها وقتًا تجاوزَ الأربعين يومًا، وأيضًا تضمَّنتها مراجعات للاختبار البدني في مبني الكلية العسكرية الثانية ...

انطلقتُ من مدينتي الجنوبية الناصرية مهرولاً إلى بغداد، تجرّني روحي من ياقةِ قميصي الصيّفي، فارغَ الجيبِ إلا من بعضِ النقودِ التي لا تُكفيني لمدةٍ تتجاوز الأسبوعين على أكثرِ تقدير، لأعيشَ حياةَ الكفاف..

اخترتُ فندقًا درجة عاشرة بعد المئة أو رُبَّما درجة عشرين بعد الألف، فندقًا بائسًا في منطقةِ البتاويين، ليلته بنصفِ دينار عراقي، في غرفةٍ بائسةٍ، يسكنُ فيها خمسةُ أو ستةُ أشخاصٍ، تتغير وجوههم كل ليلةٍ، بعضهم عسكريين، وبعضهم أولاد شوارع، وسكارى ومكبسلين، وأصحاب سوابق.

لم أكن مُكترثًا لنظافةِ الغرفةِ بقدر تفكيري كيف أقضي الليل الصيّفي فوق سطح الفندق إذ كنتُ أشعرُ كأني طفلٌ تائه في مدينةٍ تائهة، لكن هذا الإحساس المُوغل بالتيّه سرعان ما يتبدّد أمامَ مُتعةِ تأمل الليل المُزيّن بقلادةِ القمر وصويحباته النجوم المتلألئة في كبدِ السماء رغم انبعاث رائحةٍ كريهةٍ ومقرفةٍ تشمئزُ منها النفس البشرية، أجدها تتصيّدني حالما أضعُ رأسي على وسادةٍ مصنوعةٍ من قطعةٍ أسفنجيةٍ مُتهالكةٍ مُمزقةِ الأطراف، تُصبغها حيامن السكارى والمعتوهين الذين رُبَّما ضاجعوا ألفَ امرأةٍ عاهرة من نسجِ خيالاتهم، أو رُبَّما مارسوا الإستمناء ليلاً وسكبوا كل مياه قاذوراتهم على هذه القطعة الأسفنجية القذرة التي صارت من نصيبي ...

وآه من نصيب وقدري ..

حين يأتي الليلُ، استلُّ قطعةَ الأسفنجِ من الغرفةِ القذرة، وأحملها بيدي كطفلةٍ مُدللة إلى سطح الفندق، وأرميها على بقعةٍ مُظلمةٍ يتسللُ إليها ضوءُ القمر خلسةً، ألصقها  قربَ الجدار العلوي لسطحِ الفندق، وأرمي فوقها جسدي المُتعب المُنهك ...

***

على سطح الفندق، يتجمعُ عشراتُ الأشخاصِ ليلاً، ينشطرون ويتكاثرون إلى مجاميعٍ حلزونية الشكلِ، فترى مجموعةً تَحتسي الخمرَ وتستمعُ إلى أغاني عبادي العماري وسعدي الحلي، ومجموعةً تستمعُ إلى أم كلثوم وعبد الوهاب، وآخرين يضحكون ويقهقهون بصوتٍ عالٍ وهم يحكون قصص مغامراتهم في الحرب وأيام الشباب والمراهقة التي تُخَّلدها قصصهم الصاخبة المثيرة للجدل. كنتُ أشعرُ وكأني ضائعٌ وسط مجاميع من البشر، مرةً أضحكُ على نفسي، ومرةً أبكي وأرثي قدري الأحمق الذي أتى بيّ ورماني على سطحِ فندقٍ بائسٍ متهالك، وجعلني بينهم كالمعتوه، وألعنُ الفقرَ الذي أجده قد تَسيّدَ الموقف..

في النهار أذهبُ إلى مقر الكلية العسكرية الثانية لاستكمالِ المقابلاتِ والاختباراتِ البدنية، فكنتُ أذهب بعينٍ مُغمضةِ الجفنِ، مُتعبٍ، مُنهكٍ بسببِ عدم قدرتي على النوم ليلاً، وكيف أنامُ والحُورُ العين تُحيطُ بيّ فوق سطحِ الفندقِ البائس من كلِ الاتجاهات، وتُسمعني أعذب الموسيقى الرومانسية؟..

فواحدةٌ تُغريني بصدرها العاجيُّ المُدوَّر، المزروع بتفاحتين ناهدتين، وأخرى تجرّني إلى مَخدعها وبيدها كأسٌ مُحلى بالنبيذِ المُصفى، وثالثةٌ تحَّدثني عن أسرار النساء وكيف يلتصقن بأنهارِ الخمرِ وينتشين ثمالةً في أحضانِ الرجال، ورابعةٌ وخامسةٌ حتى يحين الصباح وتستيقظ عروستنا شهريار من نومها المباح  ...

في أوقات العصريات، تمسكني روحي من ذراعي وتصطَحِبُني معها إلى شارع السعدون لممارسةِ طقوسها المُحببة فأجدُ نفسي مُتجولاً هنا وهناك  حيثُ التجمعاتُ البشريةُ، ومطاعمُ شواء المشويات المُغرية التي تغتالني روائحها الطيبة، وتتراقصُ روحي لها اشتهاءً وطربًا دونما لقمةٍ لذيذةٍ تقذفها لي تلك المطاعم اللعينة فألوذُ بشهيتي حسيرًا مُعذبا، وحيثُ محالُ الملابسِ، وأجسادُ النساءِ الممشوقاتِ، المكتنزاتِ الشفاه، اللاتي يتراقصن بمؤخراتهن الشهيّة حدّ الوجع، واللاتي يسرقن اللب حتى لا حراكَ به وهن أضعفُ خلق الله إنسانًا ...

وحين أشعرُ بالتعبِ أجلسُ في حديقةِ الأمة، وألعنُ أبو الأمة. أجلسُ كأيِ شحاذٍ كسولٍ أترقبُ الوجوه الذاهبة الآتية، وزفيرُ أنفاسي يرشُقني بألفِ وجع ..

***

في إحدى العصريات، وبينما كنتُ أتجوّل وكعادتي في شارع السعدون، وإذا برجلٍ هندي أسمر حنطي ضعيف البدن كأنهُ نسخةٌ مني استوقفني متسائلاً إن كان بوسعي أن أرشده إلى شارعِ أبي نؤاس.

تحدثَ معي في الانكليزية. لم أبخل عليه، ومتى كنتُ بخيلاً مع الناس؟ ..

رافقتهُ في جولةٍ عصرية إلى شارعِ أبي نؤاس لنؤنس أرواحنا من زحمةِ تجمعات شارع السعدون المُكتظ بالبشر ...

جلسنا في حديقةٍ في شارعِ أبي نؤاس بعد أن استأذنا من شاعرنا الجميل أبي نؤاس. حدَّثني الرجلُ الهندي عن ماضي حياته الجميل في الكويت الذي تسببتْ حواء - الاجتياح العراقي للكويت - في الثاني من آب/اغسطس في خروجهِ من الجنةِ، وخروجه من الجنةِ سبَبَ له اشكالات نفسية ووظيفية إذ كان يعملُ في السفارةِ الهندية في الكويت، وحاليًا هو في بغداد ينتظرُ بعض الإجراءاتِ، وينتظرُ أيضًا بعض الأصدقاء الذين سيلتحقون به ويسافرون معًا إلى الأردن وبعدها إلى بلده الأم الهند..

في خضمِ حديثُنا، سألني إن كنتُ طالبًا أو موظفًا. قلت له يا سيدي أنا خريج كلية الآداب وحاليًا مُساق إلى العسكرية، إلى كليةِ الضباط المُجندين لأداءِ خدمةِ العلم. سألني إن كنتُ قد سافرتُ سابقًا إلى دولةٍ أوربية أو دولةٍ مجاورة، فجاءوه جوابي مسرعًا كأنهُ خيولٌ متسابقة:

- كلا يا سيدي، نحن العراقيون مثل جبر، من (.....) أمهِ للقبر..

ضحكَ الرجلُ الهندي بعد أن ترجمت له ماذا تعني هذه العبارة المُؤلمة، وسألني من هو جبر؟

ضحكتُ أنا أيضًا وقلتُ له:

- يا سيدي أنهُ مثل عراقي يحكي مُعاناةَ رجلٍ لم ير في حياته غير القهر، من ذاك إلى ذاك، من فتحةِ مهبلِ الأم إلى فتحةِ مهبلِ الأرض..

سألني سؤالاً آخر إن كنتُ أحبُ مغادرة العراق كأي إنسانٍ حر، فجاءوه جوابي:

- أجل يا سيدي ومن منّا لا يحبُ مغادرة هذا السجن الإسطوري المصنوعةُ سقوفه من عذابات البشر؟ ..

استمر حديثنا المُمتع لأكثرِ من ساعتين، وشعرتُ بأنه بدأ يتفهم وضعي ويستشعر حجمَ طموحي وحُلمي لمغادرةِ العراق، إذ ذاك أخرجَ جوازًا من جيبهِ وقالَ لي:

- بإمكانك أن تغادر العراق بجوازي الدبلوماسي إن أردت. خذه يا صديقي، وأنا أضمن لك المغادرة مع أصحابي الذين سيلتحقون بيّ بعد أيام قليلة ..

- وماذا بخصوصك أنت يا سيدي، كيف ستغادر البلد؟ ..

- لا تقلق سأغادرُه عن طريقِ السفارةِ الهنديةِ بعدما أتيّقن من مغادرتك العراق ووصولك إلى مكانٍ آمن، سأدّعي بأني فقدتُ جوازي ..

تسمَّر قلبي بين يديَّ كعصفورٍ مذعور، بين مُستوعبٍ لفكرةِ الرجلِ وبين رافضٍ لفكرتهِ ....

وبينما أنا مشغولٌ في فكرةِ الجوازِ ومغادرةِ العراق ومبادرة هذا الرجل الهندي الطيب، عَبثَ صوتهُ بصمتي قائلاً:

- ما رأيك يا صديقي أن نتناول سمكًا مسقوفًا طازجًا؟  أرجو أن تقبل دعوتي ...

وافقتُ على دعوتهِ ...

وبينما نحن متجهان إلى مطعمِ السمك المسقوف، سألني إن كنت أحبُ أكلَ السمك.

- أجل يا سيدي أنا من عشاق السمك.

بادرني بسؤالٍ آخر..

- متى آخر مرةٍ تناولت وجبةَ سمكٍ يا صديقي؟

أحرجني سؤالهُ المُوجع.

- قبل ثلاثةِ أيام يا سيدي ..

بينما أنا في الحقيقةِ لم أذق لأكثرِ من شهر وجبةَ طعامٍ فيها عظم سمك ..

آه من عذاباتِ روحي ...

جلسنا في أحدِ المطاعم، واخترنا سمكتين طازجتين، كانتا ترقصان في حوضِ ماء، وبعد شوائهما جاء بهما النادلُ إلينا لنأكلهما بشهيّةٍ مُفرطة..

افترسنا السمكتين اللذيذتين وكرَعنا بعدهما كوبين من الشاي المُهيّل.

خرجنا من المطعم وأكملنا الطريقَ باتجاه شارع السعدون، وتوقفنا قربَ المكان الذي التقينا فيه. ناولني الرجلُ الهندي كارت فيه اسمه واسم الفندق الذي يقيم فيه، وطلبَ مني أن أزوره في اليوم التالي ..

زرته في اليوم التالي عصرًا، في الفندق الذي يسكن فيه، وتناولنا بعض القهوة. عرضَ عليّ بسخاءٍ وطيبة ذات العرض السابق أن أسافر بجوازه مع أصحابه الهنود إلى الأردن ومن ثم إلى أي بلدٍ آخر ...

صرخَ صوتٌ في داخلي، رافضًا للفكرةِ إذ شعرتُ بخوفٍ يُسيطرُ على هواجسي ويحتلُ كلَّ مدنِ أفكاري ..

- معذرةً لا أستطيع المغامرةَ بجوازِ شخصٍ ليس جوازي. قلتُ له بصوتٍ صريح ..

شكرتهُ على مبادرتهِ الإنسانية الطيبة، وعانقتهُ، ورجعتُ أدراجي إلى فندقِ البتاويين البائس أنشدُ ملحمتي، واستعدُ للنومِ فوقَ سطحِ الفندق لاستمتع واستعذب أغاني وحكايات السكارى والمكبسلين والتائهين، ولسان حالي يقول:

الحياةُ مع البائسين رغم عذاباتها وأوجاعها فيها نكهةُ تستعذبها الروح ....

 

أحمد الشحماني

 

سعد جاسمحلمتُ أَنَّكِ حمامةٌ تبكي هادلةً

 على طائرِها الوحيدِ

 الذي تحاول أن تنهشَهُ أَفعى

تجيدُ التسلّقَ الى أَعالي الشجر

 وتعرفُ كيفَ تتسللُ الى الاعشاش

وتنفثُ سمومَها في القلوب

وقبلَ أَن يستحيلَ الحلمُ الى كابوس

أَيقظتُكِ ومسحتُ دمعَكِ الحار كرغيف

وهمستُ لكِ : لاتخافي أَرجوكِ

أَنا كنتُ أَحلمُ : أَنكِ حمامة نائمة

 بأحضانِ طائرٍ لكأنَّهُ أَنا

او لكأَنَّهُ وطنٌ حنون

وما أَن رأيتِني أَنحني عليكِ حانياً

حتى ضحكتِ أَنتِ بصوتٍ يُشبهُ الفرح

وقلتِ لي : أَنا الأُخرى كنتُ أَحلمُ

انكَ كنتَ طائراً تستوطنُ عشّاً على شجرة

وكانتْ ثمَّةُ أَفعى جاءتْ تسعى كي تنهشَ قلبّكَ

 الذي كانتْ لهُ هيئةُ صقر

وكانَ قلبُك الصقر قد استنهضَ كلَّ بسالتهِ

وقامَ من عشِّ الخوفِ

وألقى بالافعى أَرضاً بصيحةٍ مكتومة :

-الى الجحيمِ يا مسمومة .

*

ها أَنتِ تتكئينَ على كتفي

 الذي تعتبرينَهُ ملاذَك

أَو وطنَكِ الطيّبَ

وتعيشينَ حُلماً مُحْتَشداً بالملائكةِ

والفراشاتِ والنوارسِ وأَقواسِ فرح .

*

ها نحنُ نحلمُ فرِحينِ تحتَ مطرِ الخلاص

ونُرفرفُ حُبّاً وحفيفاً

ونُحلّقُ عالياً عااااااااااالياً

حتى اعالي الحقولِ والينابيعِ

  والكواكبِ والفراديسِ

 وبعدَها بكثييييييييير

***

سعد جاسم

 

 

خالد الحليباخرةٌ كانتْ تتهادى

قربَ مُثَلَثِ برمودا*

أطربَ قائِدَها

لحنٌ يتسلّلُ مِنْ غُرفَةِ عاشقْ

وغناءٌ يصدرُ  عَنْ غُرفَةِ معشوقةْ

نادى القائدُ بحّارتَهْ،

قال لهُمْ:

غنّوا ما راقَ لَكُمْ

و لنقهرْ  باللّحنِ وبالحبِّ كمائنَ برمودا.

**   

غنّوْا ما لَمْ يسمعْهُ القائدُ يوماً

أحدُ البحّارة غالبهُ النومُ

فشاهدَ حُلْمأً

أبصرَ  أفواجاً من بشرٍ

تذهبُ للساحلِ في برمودا،

وهيَ تغنِّي:

إنّا نعشقُ مَنْ يقصِدُنا

لكنّا

لا نرغبُ أن يقرُبَنا

من لا يعرِفُ إنّا

ليس لدينا أيّ كمائنْ.

**

لحظاتٌ مرّتْ، حتى سُمِعَتْ

أنغامٌ يطلقها قلبُ العاشقْ

و أغانٍ تطلقها حَنْجَرةُ المعشوقةْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن - أستراليا

................................

* ذُكِرَ أن منطقة مثلث برمودا في المحيط الأطلسي، شهدت حوادث كثيرة لاختفاء سفن وطائرات، ولكن العديد من الوكالات الرسمية أكدت أن عددها وطبيعتها كان مشابهاً لغيرها من المناطق في باقي المحيط.

 

سوف عبيدــــــــــــــــ 1 ـ مفاتيح

عاشقان اِشتريَا قُفلا

قصَدا جسرَ ـ الوفاء ـ

ثمّ …واليدُ في اليدِ معًا قفلاهُ

في الحديد شَبكاهُ

تلك ـ قيل ـ عادةُ العشّاق في باريس

وتعاهدا معًا أبدا

معًا أبدا

ثم ألقيَا بالمفتاح في النّهر

ما كاد العاشقان يبتعدان عن الجسر

حتى رمى صنّارتَهُ

….صيّادُ المفاتيح

**

ــــــــــــــــ 2 ـ لمسات

الرّيحُ على النّهر

تُراوحُ موجَهُ كمفاتيح البيانُو

وبلطفٍ

تفتحُ أناملُها أزرارَ الفساتين

**

ــــــــــــــــ 3 ـ ديك وحمام

فِي أعلى كنيسة ـ نُوتُردام ـ

صَليبٌ

على الصّليب دِيك

كل شيء يبدُو في صمتٍ وسكون

حتّى ذيلُ الدّيك لا يميل مع النّسيم

حتّى عَقْربا السّاعةِ الكبيرة

بين الصّومعتين

ثابتتان فوق بعضهما

فجأةً

دقّتِ الأجراسُ

فطارتْ أسرابُ الحمام

وعَلَتْ

علَت

فوقَ الدّيك

**

ـــــــــــــــ 4 ـ صدى الجسر

على جسر ـ نابليون ـ

عَبَرَ نابليون عند تدشينه

ومن يومئذٍ

ليلا نهارًا

جيئةً ذهابًا

يعبُر الفرنسيّون والفرنسيات

والسّائحون والسائحات

ومرّت  السّنوات

ولا أحدَ يذكر ذلك الثائرْ

مِنْ على الجسر أُلقيَ به

وهو يهتِف

ـ تحيا الجزائرْ !

**

ــــــــــــــــ 5 ـ دمعة النّبع

نبعُ سَانْ مِيشَالْ

ينهمرٌ سَيلاً عَرَمْرمًا من عَلٍ

والنّاسُ جُلوسٌ حوله

وطائفُون

توقّف فجأة

عندما فاضتْ أمامه

عينٌ

مِنَ الدّمع

**

ــــــــــــــ 6 ـ بُرج إيفل

ما أشهَى الاِنتحارَ من أعلى بُرج إيفل

…وألقتْ بنفسها من الطابق الأخير

راحتْ تَهوي

تهوي

من طابقٍ إلى طابق

من سَطح إلى سطح

حتى غطستْ في عُمق نَهْرِ السّين

لم تكن تعلمُ أنّ أنفاقًا

تُفضي إلى أنفاقٍ تحتها أنفاق

تحت النهر

وفيها مصعدٌ تِلوَ مصعدٍ

عندما وقعتْ

راحت تعلُو تعلُو

حتى اِرتقتْ

فعادت

إلى أعلى بُرج إيفل

**

ـــــــــــــــــ 7 ـ سوادٌ بياضٌ

العصفورُ الكبير

بِذيله الطّويل

بسوادِه والبياض

يحُطّ كل صباح وعندَ المساء

على شُرفتي

لا أدري ما اِسمُه

أَلَيلُ النّهار ؟

أَنَهارُ اللّيل؟ أُسمّيه…

فناديتُه صديقِي

**

ـــــــــــــــــ 8 ـ بلا عَجب

ليس عجبًا ترى في باريسَ

الشّيخَ الكبير

أو السيّدَ الوقُور

أو الطفل الصّغير

يمشي

وكلبُه أمامه أو بجانبه أو وراءه

ليس عجبًا ترى في باريس

العجوزَ على العصا

والسيّدة الحسناء

والغادةَ الهيفاء

تُداعب كلبها

وهو في الأحضان في عِيشة راضية

العجبُ

بل الأعجبُ في باريس

أن لا تسمعَ نُباحَ كلب

أبدَا

**

ـــــــــــــــ 9 ـ أجمل من باريس

أجملُ من باريس

حدائقُها

اِخضرارٌ… أزهارٌ… أطيارٌ…

شمسٌ… ظلالٌ… خريرُ… مِياهٌ

وأناملُ

بعضُها في كتاب

بعضُها في هاتف

بعضُها في لعبة

بعضها في إسمنت وحديد

بعضُها في باقة ورد

وبعضُها في بعض

**

ــــــــــــ 10 ـ قاب قوسين

عجبًا للحمامة

منذُ دقيقة وهي على حافة الشّارع الكبير

تهُمّ أن تقطعَ الطّريق

ثمّ تتراجعُ أمام سيل السيّارات

تعجّبتُ لماذا لا تطير

نحو الحافة الأخرى

في أمن وسلام

ومكثتُ أراقبُها وهي في جيئة وذهاب

حتّى قاربتْ مرّةً أن تصلَ المُنتصفَ

وقابَ قوسين أن تدوسَها العجلاتُ

التقطتْ فُتاتًا

وطارتْ

***

سُوف عبيد

باريس 2014

 

 

عقيل العبودأمست ذاكرة الشاهد تحتفظ ببقايا صور لمدينة تقبع أزقتها خلف ركام أخطبوط ألمَّ بأبنائها ذات يوم، ليلتحق الدمار بهم تباعاً. كانت الضفة اليسرى من دروب شوارعها النحيفة تتغنى برؤى بقيت أحداثها حاضرة على ذمة التاريخ.

استحوذت على مشاعر الصبي وقائع تحتاج أن يتوقف العقل عندها، لعله يقدر أن يؤرق تفاصيل أغار الإثم على أبجدياتها، بطريقة نهر اصطبغت أمواجه بلون الدم، حتى تمزقت، لتقبع خلف كواليس مسرح تسكن أنحاءه رائحة الجريمة.

صار يحتفظ بأمجاد بطولاتهم، يتغنى بهم، أتعبته لغة المكابرة، وجد نفسه عاجزاً أمام دوامة الصمت، ورابطة الشيخوخة.

أبحر عبر مقاطع ارتبطت موضوعاتها بشخصيات رسموا مواقفهم بناءً على تفاصيل مسيرة، سبقت لياليها صباحاتها، مذ تم اعتقال قوافلهم، أولئك الذين اختفت بصماتهم فجأة إبان حاضر سُرِقَ ماضيه، كما حقل من الأزهار جفت سواقيه.

لم تمت أساطير ملاحمهم بعد أن تم الاحتفاظ بها على قيد ضمائر بقيت تنبض بالمحبة.

أضحت آثارهم تستعيد مدياتها، لتغادر دهاليز صمتها المسكون بالخذلان، بعد أن تم تصفيتهم تباعاً، على أيدي ما يسمونه بالحرس القومي، بقيت الجثث معلقة تنزف في دهاليز السجون، ومضى السلاح في أقبية التعذيب، يبحث عن بدائل وطرق جديدة للإبادة.

استمرت الهتافات  أشبه بلوحة لم تنل منها ركام الكوابيس المثقلة بإمضاءات معسكرات الدم، ومظاهر البطش.

تفشت لغة القتل، والتعذيب، واغتصاب بعض النساء في الشوارع، والأزقة، والمدارس، ليمضي الأسى هكذا قاصداً ممن تقع عليه العين.

تم استحضار صورة الزعيم، مع أمكنة مصحوبة بنحيب امرأة راحت تبكي يوم تم اعتقال ابنها الوحيد.

غدت حزينة بيوت المحلة، وصفوف المدرسة، وقلوب الأهل، حتى تنحى يوم الخميس، ومدرسة الشرقية عن إقامة مراسيم رفع العلم، كأنما استجابة لنعي تلك المرأة.

استعادت ذاكرة الصبي صورة أستاذ أحمد، ورحيم، وأم صبحي ، وفلاح تزامنا مع منظر طائرين راحا يحلقان في أجواء المدينة.

ترتب على صفوف مدرسة قرطبة آنذاك أن تنال قسطها من الحزن كأنما تعزية إلى استغاثات الضحايا، استشهاد سيد وليد الذي تم دفنه حيا، أم رحيم التي خرجت مع ولدها عاجل في مظاهرة سوق الخضارة، اقتياد أستاذ أحمد إلى السجن، إضافة إلى أولئك الذين تركت فيهم فطرة النقاء صبغة الألفة ومعاشرة الطيبين من أبناء المحلة.

بقي شاخصا علم العراق في ذاكرته مع منظر اصطفاف  التلاميذ، حيث تستلقي جميع الأشياء وفق كبرياء، تنبعث الذروة فيه على هيئة ألوان قوس قزح.

هامت نفوس الذين لا يعرفون من الحياة إلا جمال الطبيعة، وتدفق أنوارها في فضاءات سماء تكشف حقيقة أجوائها عن أنباء زرقة محايدة.

 تعكر مزاج الفتى مع تصاعد ذرات غبار داكن كان يحمل بين دفتيه نشيد (الله أكبر فوق كيد المعتدي)، اختلط الأمر مع صوت المذيع الذي كان يسعى لإن يقول أمراً ما.

أجتاحت أفكاره بعض الأسئلة، لعل الإجابة تعلن عن بركان تمردها الذي كان ينتشر متدفقا بالضد من نبرة المذياع، بل وبالضد من أصداء ما كان يسمع، ليسأل أباه عن حقيقة ما يجري.

باتت الأحداث تمضي بطريقة مدهشة، كأنها إعصار ريح مباغتة أقبلت من جهة مظلمة، شيء يهدد بأعباء حدث مخيف، راح يتحرك خارج دائرة التصور؛ .. البيان.. رقم.. هنا ..

مجموعة تقاطعات راحت ترن مع صوت المذياع في ذهن الصبي الذي أطلق صوته متسائلاً:

- ماذا جرى؟. أجاب الأب بنبرة حزينة:  انقلاب ضد الزعيم يا ولدي. امتزجت الأسئلة مع ما جاء به المذياع.

- لقد قتلوا الطغمة الحاكمة الشعوبية:  قال المذياع.

 نزل النبأ كالصاعقة، ليسلب مشاعر الغلام الذي اهتز كيانه خلف أستار البحث عن تصور الخبر، بات السؤال خارج محيط الإجابة، فمن الصعوبة على طالب في الصف الخامس الإبتدائي إدراك حقيقة المفاهيم وتصورها، راحت أنباء القتل تتفاعل مع مقولة الانقلاب، التي تم تفسيرها من قبل والد الغلام على أنها تحمل معنى الإطاحة بحكومة الزعيم عبد الكريم قاسم وقتله. 

غدت الاناشيد تتفاعل في ذهن الفتى الذي وجد نفسه مصعوقاً بكلمات غير مألوفة (الله اكبر فوق كيد المعتدي).

(المعتدي) كلمة ارتبطت بموضوعات لم تجد لها باباً من أبواب التفسير، فهي لم تأخذ طريقها إلى الوعي الذي لم يكن يقدر بعد أن يرسم إلا زوارق المحبة، وزقزقات العصافير، وهي تطير فوق حقول القمح، لتلتقط حبات السنابل، أما المعتدي فلم يكن قاتلا، بل ضحية أُطلِقَ الرصاصُ عليها بحسبه، بقيت صورة  الخبر، تحمل بين ثناياها سراً، اختلطت معه سيناريوهات، فرضت نفسها على حين غرة.

 

عقيل العبود

............................

* سرد الوقائع تم تسجيلها من قبل شاهد عاصر الأحداث، وهو من سكنة محلة الشرقية، مدينة الناصرية؛ ذلك بحسب ما حصل إبان 8 شباط  1963، وما قام به عناصر الحرس القومي من اغتيالات، وبطش، وتعذيب ضد أبناء المدينة من المثقفين، والمتعلمين.

 

 

عبد الستار نورعليوُلدْتُ قربَ حضرةِ الگيلاني

شممْتُ فيهِ ريحةَ الجنانِ،

فاحتواني.

ألقيتُ عصفوريَ في أحضانِهِ،

أهداني

حروفَهُ

مِنْ سدرةِ البستانِ *

عاليةً

فوق ذرى الزمانِ

والمكانِ:

"يا فقراءَ الصوفيةِ،"

خذوهُ،

عمِّدوهُ

في نهركمْ،

يفيضً بالحنانِ

والمغاني،

وعطِّروا لسانَهُ

بالمِسكِ والريحانِ،

وقلِّدوهُ

شارةَ الرهبانِ،

ولْتملأوا سلالَهُ

بالتينِ والزيتونِ والرمانِ.

 

فكانَ أنْ حلّقَ بي

في عالمٍ

ليس لهُ منْ ثانِ....

***

شعر: عبد الستار نورعلي

الثلاثاء 9 نوفمبر 2021

.................................

*  كانتْ هناك سدرةٌ عاليةٌ عند سور مرقد الشيخ عبد القادر الگيلاني بمحاذاة شارع الملك غازي (الكفاح). وكان احدُ خدّام المرقدِ يعتلي السور؛ ليبيعَ من ثمرها (النبق)، حيث يُدلّيه للزبائنِ بعلبةٍ معدنية مربوطة بحبل. اعتدْنا في صغرنا، ونحن عائدون من الدوام في (مدرسة الفيلية الابتدائية الأهلية للبنين) القريبة من المرقد، أنْ نشتريَ نبقاً بعانة (عملة معدنية قديمة تتكون من اربعة فلوس) فرحين فرحَنا الطفوليّ، متلذذين بالنبق الطيّب. 

 

حاتم جعفرأقصاها ثلاثون يوماً، هي الفترة التي تقرر منحها لمن يرغب في السفر خارج البلاد، غير قابلة للتجديد أو التمديد تحت أي ظرف. هذا ما أصدرته السلطات من تعليمات لمواطنيها، وهي ليست بالفترة الكافية والكفيلة بكل تأكيد لإشباع رغبة اﻷم من رؤية ولدها البكر، والذي كان قد تَغَرَّب مضطرا، أسوة بغيره  ومنذ بضع سنين، بسبب اﻷوضاع السياسية التي عصفت بالبلاد. ولولا ذلك الإنفراج النسبي والمؤقت الذي تحقق آنذاك، إثر المفاوضات المضنية بين البلدين (الجارين والشقيقين والعدوين في نفس الوقت) لما كان لها أن تلتقيه، ولو كان اﻷمر متروكا لها ﻷختارت البقاء معه فترة أطول، لكن ما حيلتها فالوقت قد نفذ سريعا، وشروط الإنفتاح والتفاهم التي إتفق عليها حكام البلدين، بُنيت على أساس من أمنهما القومي بالدرجة اﻷولى، ومن ثم تَمَّ إلحاقه بجملة من الإجراءات التي ستدخل في هذا الإطار وتعززه. هذا ما تم نشره في الصحف الرسمية الناطقة بإسم النظامين، ودخل حيز التنفيذ، وبات معمولا به  منذ تأريخه.

***

بناءا على طلب الإبن وصديقه الذي يقاسمه إنتمائه السياسي، فقد توقفت سيارة التكسي التي أقلتهم من الفندق الذي شغلته والدته وأخته طيلة فترة بقائهما هناك، في مكان بعيد نسبيا عن محطة الحافلات المخصصة للنقل الخارجي، ولإعتبارات أمنية لم يكشفا عن دواعيها بشكل مفصل. سائق السيارة رفض تقاضي أجرته، فقد أعجبته اللهجة التي كان يتحدث بها مَنْ إعتبرهم ضيوفا على بلده، غير أنَّ اﻷم رفضت ذلك بل زادت على كرمه كرما.

في البدأ ساروا سوية، اﻷم وإبنتها والصديق وإبنها. ومع إقترابهم من الهدف المراد بلوغه، وبناءا على رغبة الإبن وبإشارة منه، أخذا بالتباعد شيئا فشيئا. ومع كل خطوة تخطوها اﻷم، كانت ترافقها دمعة ساخنة رغم وصايا الإبن الذي أجبِرَ على كتم مشاعره. ولكي يبعث في روحها شيء من الطمأنينة ولكي تراعي موقفه والحالة التي تُحيط به، فليلة عودتهما والتي إستمرت حتى ساعات الصباح اﻷولى، ما إنفك ولدها يعيد عليها: الدار هناك يا أمي ليست باﻵمنة، وأخشى عليكم من عيون العسس وآذانهم، ولن أكشف لك سراً إن قلت، بأنهم قد عبروا الحدود وباتوا على مقربة منّا، وترينهم يصولون ويجولون أمام أنظارنا، وتحت عناوين وواجهات مختلفة، يتقنها أصحاب السلطة، إنهما متشابهان يا أمي (يقصد نظام الحكم في البلدين) وما لنا من خيار نلجأ اليه حتى اﻵن، وقد تصلك من اﻷخبار في اﻷيام المقبلة، ما تفتح لنا أبواب النجاة ويستقر بنا المقام في دولة أخرى، آملا أن تكون أكثر أمنا وسلاما.

وحين تباعدا وبعد أن إطمئن وعلى ما يعتقد بأن لا عين تلاحقهم أو ترصدهم، فقد تشجعا على تبادل التحايا والتلويح لبعضهما البعض بحذر وإنتباه شديدين. في هذه اﻷثناء كادت اﻷم أن تعود أدراجها وتلتحق بولدها ثانية وليحدث ما يحدث، لولا بعض الإعتبارات التي أجبرتها على التراجع، فهناك مَن ينتظرها من  الأبناء والأحفاد، الذين كانت قد تركتهم، تحت رحمة مَنْ لا رحمة له، فضلا عن توقيعها على ورقة، تعهدت فيها بالعودة ريثما تنتهي الفترة المسموح بها  للسفر، والتي تمَّ الإتفاق عليها سلفاً وإلاّ سيحدث ما لا يُحمد عقباه.

إستعانت بالصبر وبالصمت وبدعاء كان والدها حين طفولتها يردده على مسامع أهل بيته، وكلما إقتضى الحال وشعرَ بالضيق وإنحسار المنافذ، يدعو فيه خالقه   أن يبرؤ كلَّ مريض ويُعيد كلَّ غريب الى أهله وحضن أمه. من ثمَّ راحت معتلية بصعوبة بالغة بضعة درجات، دخولا الى جوف الحافلة المقرر توجهها الى الوطن. تبعتها إبنتها، غير أن اﻷخيرة تعثرت قليلا، فقد تقاطع صعودها ونزول مساعد السائق، أهي مصادفة أم أنَّ هناك أمراً ما؟. لم تشغلها هذه الواقعة طويلا، فقلبها كان معلقا على قارورة العطر التي أهداها إياها شقيقها، وخشيتها من سقوطها وإنكسارها، ومن قبلها عليه (أخيها) الذي قد لا تلتقيه مرة أخرى.

ليس هناك من وقت محدد للإنطلاق، فاﻷمر وكما جرت العادة وما هو معمول به، يعتمد على مدى إشغال كل مقاعد الحافلة والبالغ عددها الخمسين. وما إن تجاوزت الساعة منتصف الظهيرة بقليل، حتى لاح من بعيد الراكب اﻷخير، يمشي الهوينا ولا يحمل معه سوى حقيبة يد صغيرة في يساره وفي اﻷخرى مجموعة من الصحف، وما عليه الاّ الصعود الى الحافلة مباشرة، دون القيام بأي إجراء آخر. إذاً على بركة الله، قال السائق لمساعده، في لغة بدت كما الذي يأخذ موافقته، وهذا ما لم نعتد عليه، فزمام اﻷمر ومع قيادة أي ركب غالبا ما تكون بيد القبطان أو الربان.

تحركت الحافلة. إنه يوم خير فها هو المطر بدأ بالتساقط، ليضع حدا لموجة الحر الطارئة، والتي ضربت البلاد في العشرة أيام اﻷخيرة. هذا ما قاله السائق وبصوت مسموع نسبيا، الاّ أن مساعده الذي يجلس بجانبه لم تظهر عليه أي من ردات الفعل. إتجهت الحافلة نحو الشارع المحاذي للنهر الذي ينتصف المدينة، لعله للمرة اﻷولى يختار طريقا كهذا. في ذات الوقت إنشغل السائق بالبحث عن أحد أشرطة الكاسيت المحببة الى قلبه وذائقته، فالطريق طويل ولا يمكن قضائه الاّ بما تطيب له النفس وتطرب.

الشوارع التي مرَّت بها الحافلة بدأت هادئة والحياة تبدو طبيعية نسبيا، والناس يتحركون بإنسيابية مُلفتة، يحسدون عليها، فنادرا ما تسمع صراخا يثير الإنتباه، أو عراكا باﻷيدي بين مجاميع لا يمكنك أن تقف على أسبابه أو تعطيه ما يبرره. هل هم طوع إرادة النظام ورهن إشارته، أم هو شعب هادئ بفطرته وطبيعته. أمّا هناك (يقصد بلاده) وإذا ما أجرينا مقارنة سريعة، فهم في فوضى وتوتر دائمين. ما حالنا قالها في سرّه هذه المرة، لعله لا يريد إسماع مساعده، فالأخير منشغل بالمرآة الداخلية للحافلة، وأكثر اﻷحيان تجده متطلعا بين فترة وأخرى الى البنت التي تجلس على المقعد الملاصق لوالدتها، والتي كان قد تقاطع معها على سُلَّمْ الحافلة أثناءصعودها.

بعد عدة محاولات وإعتمادا على الملصقات والإشارات الدالة، إهتدى أخيرا الى الطريق الرئيسي الذي سيؤدي في نهاية المطاف الى بلاده. في هذه اﻷثناء ومن دون أن يعطي الإيعاز لمساعده فقد قام اﻷخير بالتحرك نحو الركاب لجمع أجور السفر. وما أن بلغ السيدة وبنتها فقد تعمد الإطالة هناك، مفتعلا بعض الحركات التي ربما ستوهم اﻵخر بعفوية تصرفه. البنت من جانبها لم توليه إهتماما فقد كان شاغلها فراق شقيقها وقارورة العطر التي كا قد أهداها إياها قبيل لحظات من إفتراقهما.

وﻷن الطريق طويلة فقد راح قسم من الركاب يشاغلون بعضهم بعضا بأحاديث تضاربت في مواضيعها وفي جديتها، فهم مضطرون على ذلك، إذ حيلة لهم ولا منفذ، فالوصول الى عاصمة بلادهم والمحطة الرئيسية، ستأخذ من الوقت ما لا يقل عن إثني عشرة ساعة، هذا دون أن يضعوا في حسابهم عدد التوقفات. أما القسم اﻵخر فقد أضناهم التعب، ولعل أسبابه تعود الى الليلة الفائتة فراحوا في غفوتهم سارحين، أملا في تعويض ما فاتهم من ساعات النوم، فكثير من الناس يساورهم القلق مع كل ليلة سفر.

بعد بضع ساعات على الرحلة، بدت تظهر على ركاب الحافلة علامات التعب والملل، لذا تجدهم هادئين قانطين، غير أن ذلك الحال لم يستمر طويلا، فقد قطعه نحيب اﻷم على ولدها الذي تركته هناك. في هذه اللحظات ورغم أن البنت حاولت أن تخفي مشاعرها وإنفعالاتها طيلة الساعات المنصرمة على فراقها لشقيقها، الاّ أنها وبشكل مفاجئ إلتفتت الى والدتها لتحملها مسؤولية عودتهم الى بلادهم، فقد كانت أمامهم وكما قالت لها فرصة البقاء هناك فترة أطول، دون أن تضع في بالها حسابات تلك التعهدات التي أجبرَت والدتها على توقيعها وما  سيترتب عليها من إلتزامات، كشرط لابد منه للسماح لهما بالسفر. حاولت اﻷم وبشتى الطرق إسكاتها، غير ان ذلك لم يأتِ بأية نتيجة، بل ذهب اﻷمر الى أبعد من ذلك، فصوتيهما بلغ مديات بات مسموعا من قبل ركاب الحافلة، لتشي محياهم بالسخط والإنزعاج.

اﻷنكى من ذلك هو طبيعة الكلام الذي كان يدور بينهما، فلو توقف على الصوت العالي والصراخ لهان اﻷمر، بل طال اﻷوضاع السياسية التي تمر بها البلاد وحالة الحرب الدائرة منذ سنوات، ولا من أمل يرتجى لإيقافها. واﻷخطر في حلقات كلامها أن أخذت تشن هجوما كاسحا على نظام الحكم في بلدها وسياساته القمعية، والتي طالت مختلف المكونات السياسية واﻷحزاب بما فيها تلك التي كانت حليفة لها حتى اﻷمس القريب، متوقفة وبشكل تفصيلي ومطول عند التصفيات الجسدية وحالات الإبعاد عن مراكز القرار المهمة، بحق كبار القادة والمسؤولين في جهاز الدولة، والتي أقدم عليها الحزب الحاكم.

إحدى السيدات ممن كنَّ في الحافلة ورغم كبر سنها وصعوبة حركتها، فقد حاولت أن تُسكت إنفعالات وأحاديث البنت وبكل الوسائل، هامسة أحيانا بأذنها بأنها ستنتظر مصيرا مؤلما إذا ما إستمرت على هذا النحو. وإستمرارا  لجهودها فقد أشارت اليها بأن الحافلة التي تقلنا قد عبرت الحدود الدولية وأصبح ركابها تحت سيطرة وسطوة القوات اﻷمنية لدولتنا. في هذه اﻷثناء تعمَّد مساعد السائق على تخفيظ مستوى الصوت الصادر من مسجل الحافلة، ليصغي بوضوح الى ما كان يدور من كلام بين تلك البنت وَمَنْ معها، وكان له ما أراد.

وما هي الاّ دقائق معدودات حتى توقفت الحافلة عند نقطة التفتيش الخاصة ببلدها، وصوت البنت لا زال عاليا حيث فشلت كل الجهود المبذولة لإسكاتها. في هذه اﻷثناء قام مساعد السائق بالتوجه نحو ركاب الحافلة، طالبا منهم تحضير جوازات السفر من أجل التفتيش. في البداية تمنعت البنت عن الإستجابة، إذ لا زالت في حالة من التوتر، مما أدى بالمساعد القيام بضغط أكثر عليها وبلغة تنم عن تسلط واضح ولا يخلو كذلك من إستهتار في تصرفه. أخيرا استجابت لما أريدَ منها وبتأثير وضغط من والدتها.

عاد مساعد السائق بعد أن قام بتقديم جوازات سفر الركاب الى نقطة التفتيش بغرض إجراء عملية الفحص عليها وتدقيقها. كل جوازات السفر أعيدت الى أصحابها ما عدا إثنين، أحدهما يعود لآخر الملتحقين بالحافلة، صاحب الحقيبة اليدوية والصحف. والثاني يعود للبنت التي وصفها مساعد سائق الحافلة بالعنيدة، فضلا عن نعوت أخرى لا يطيب لنا أعادة التذكير بها في هذا المقام، لإنطوائها على مفردات لا تليق بقارئنا التعرف عليها.

في هذه الحالة يستدعي اﻷمر وبناءا على هو متعامل به، أن يقوم الشخص المعني بجواز سفره بالترجل من الحافلة والتوجه الى نقطة التفتيش للإستفهام والقيام بما هو مطلوب. وعلى هذا اﻷساس توجه الشخص والبنت نحو المكان المخصص لحل هذه الإشكالية. وبعد دقائق عاد صاحب الحقيبة الى الحافلة ومعه جواز سفره ولم تعد البنت، وهذا ما دعا والدتها الى التوجه الى ذات المكان حيث إبنتها، فكانت الصدمة أن رفض رجال اﻷمن المشرفين على نقطة التفتيش من إعادة جواز السفر اليها، بل ذهبوا أبعد من ذلك، حيث تقرر إقتيادها الى سيارة خاصة تابعة للدولة، بهدف تسليمها الى السلطات اﻷمنية المعنية في العاصمة.

حاولت اﻷم جاهدة أن تحل الإشكال وبشتى الطرق الاّ انها فشلت في مسعاها. وفيما بعد جرى تخييرها بين أن تلتحق بإبنتها ويجري تسفيرهما سوية، أو أن تراجع السلطات المختصة فيما بعد لإجلاء اﻷمر. البنت من جهتها رفضت الخيار  اﻷول، ظناً منها بأنها وبمفردها قادرة على تسوية أي إشكال أو سوء فهم كان قد حصل. فما كان للأم لحظتذاك الاّ أن تعود مجبرة أدراجها، لتسلم لإبنتها حقيبتها اليدوية بعد أن تأكدت من وجود قارورة العطر التي كان قد أهداها لها شقيقها. وما هي الاّ لحظات حتى إنطلقت سيارة اﻷمن الخاصة وهي تقل البنت وبجانبها جالس مساعد السائق، دون معرفة الهدف الذي سيتوجهون اليه.

بعد قرابة الستة أشهر من البحث المضني في العديد من مراكز الشرطة والمستشفيات وبعض من دوائر اﻷمن وبوساطة مَنْ لهو سطوة وجاه لدى رجال الدولة، تّمَّ العثور أخيراً على البنت، وهي جثة هامدة، في أحد الدور المهجورة والخربة. أستدلَّ على مكان وجودها بمساعدة من سكان تلك المنطقة ، ممن كانوا يحسنون اليها.

بدت البنت في صورتها اﻷخيرة، شعثاء الشعر، مرتدية ذات الملابس يوم تمَّ إقتيادها الى جهة لم تستطع عائلتها الإهتداء اليها، رغم كل المحاولات التي بذلتها. كانت ممسكة بقوة بقارورة العطر التي أهداها إياها شقيقها. وبجانبها قطة صغيرة، ذات شعر برتقالي كث، وعيون شديدة الزرقة، ما إنفكت تموء كما النحيب، على فقدانها لِمَنْ آوتها وقاسمتها التشرد والملاحقة.

***

حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو

 

حنان عبد القادرأيها النهر

متى ستمنحني انسيابك

كي أتسلل إلى روحه المندفعة نحو المصب؟

أيها الحزن

متى يعلمني وجعك أن أنتبه للصخرة المقبلة

لتتحطم عليها بهجة روحي

بتؤدة؟!

(2)

أتدري ..؟

حين أترعتَ كأسي بالدهشة

كان عليك وقتها أن تملأ كأسك بالصبر

ليتسنى لنا سويا

أن نحتسي ومضة من ألقٍ

فربيع الحياة

قصير جدا .

(3)

زهرة اللوتس التي نبتت في دمي

أجبرتني الحياة على وأدها

أوزع بتلاتها في جهاتك الأربع

أيها المحزون :

شابت الروح

وحزنك قاتلي

إلى متى

ستحتمل الروح

عصف جليدك؟

(4)

أسطوريٌّ هذا الحزن

يحصرني في غرفتي القديمة

يترك طائره الخرافي يقتات من روحي

من حلمي الذي لم يكتمل بعد

لا أملك دربا للسماء

كي أرسل صرختي الأخيرة

الآن ... أموت وحيدا .

***

حنان عبد القادر

شاعرة وقاصة مصرية - عضو اتحاد الكتاب

 

 

صادق السامرائيأيُّها الكَوْنُ الفَسيْحُ الأصْغَـرُ

هَلْ بِها تَشقى وأنْتَ الأكْبَرُ؟

 

عِلّةُ الإنْسانِ في نَفسٍ طَغَتْ

وأبوهـــــا مُنطَواهُ المُنكَرُ

 

فِعْلُ خيْرٍ إبْنُ شَرٍ كامِنٍ

وكَذا الأشْرارُ فيها تُبْحِرُ

 

أنْتَ مَرْهونٌ بنَفْسٍ خاصَمَتْ

وتَعالتْ فَـــوْقَ عَقْلٍ يُعْقــــَرُ

 

يُعْجِزُ الأدْيانَ مَهْووسُ الرُؤى

وعَـــدوٌّ مِـــنْ عَـــــــدِوٍّ يَثْأرُ

 

بنُفوسٍ في هَواها أشِرَتْ

ورَغيْبٍ مِنْ رَغيْبٍ يَنْفِرُ

 

وعلى الإشْراقِ ألقَتْ حِمْلها

وغَشاها أصْفَرٌ أو أحْمَرُ

 

غابُ فِعْلٍ وسُلوكٍ غادِرٍ

جَعَلَ القَتلَ لقَتلٍ يَنْصِرُ

 

كَشَّرَتْ أنْيابُ سُوءٍ فائِقٍ

وإذا الخَلقُ بخَلقٍ يَعْثَرُ

 

وبِها الأدْيانُ أضْحَتْ لَعْنَةً

وقِناعاً لمُسيْئٍ يَزْأرُ

 

هكذا دامَتْ بأرْضٍ كابَدَتْ

صَوْلةَ الإجْرامِ فيها تَنْهَرُ

 

مِثلما دارَتْ يَدورُ خَلقُها

كلّها بَعْضٌ وبَعْضٌ يَنْحَرُ

 

أيّها الكوْنُ المُؤتّى كالثَرى

جُبِلَ الطينُ كذاتٍ تُهْدَرُ

 

ما لها الدُنيا تَساقَتْ نازفاً

واسْتَطابَتْ ما بحِقدٍ يُسْجَرُ

 

إنَّها عاشَتْ أساها وانْتَشَتْ

وبألوانِ عَذابٍ تَحْضَرُ

 

ومِنَ الأوْجاعِ ناءَتْ واشْتَكتْ

وبِجُرْحٍ لجِراحٍ تَسْتُرُ

 

عانَقَتْ روحَ زمانٍ بائِسٍ

وتَفانَتْ بدَنيْئٍ يَغْدِرُ

 

كلُّ نَفْسٍ دونَ رَدْعٍ فَتَكَتْ

وتَمادَتْ بخَطيْلٍ تَفْخَرُ

 

بشرٌ أنْتَ وفيها أشِرُ

إخْلعِ الباءَ فأنْتَ الآمِرُ

 

لا تَقُلْ إنّا وأنّي ما بَدى

نَقمَةُ الذاتِ بذاتٍ تُطمَرُ

 

أنّها نَفْسٌ ونَفْسٌ شاكَسَتْ

نَبْعَ روحٍ ولعَقْلٍ تَنْهَرُ

 

مَجْدُها أخْذٌ وسَفكٌ للدِمى

وحُطامٌ بحُطامٍ يُجْبَرُ

 

كُرْبَةُ الأيّامِ مِنْ سُوءِ المُنى

وكَثيرُ الناسِ شَرٌ أغْبَرُ

 

كُلما زادَتْ نفوسٌ إعْتدَتْ

وتَواصَتْ بسلوكٍ يَعْسِرُ

 

أنْتَ مَوْجودٌ كوَحْشٍ كاسِرٍ

بدِماءِ الغَيْرِ يَرغى يَسْكُرُ

 

كلُّ ألوانِ رجاءٍ أهْمِلتْ

أحْمِرُ اللونِ جَميلٌ يُبْهِرُ

 

آلةُ السَيْفِ أبادَتْ أمّةً

حَزُّها الأعْناقُ فِعْلٌ أقْدَرُ

 

بَيْنَ نَطْعٍ وسُيوفٍ ظلمَتْ

وقويٍّ لنديدٍ يَجْزِرُ

 

وبدينٍ أمَّةُ فيها شَقَتْ

لرِسالِ الديْنِ صارَتْ تَهْجُرُ

 

ديْنُها فِسْقٌ فَسادٌ شائِعٌ

وفَتاوى لمَصيْرٍ تَبْتِرُ

 

أمَّرَتْ نَفْسٌ وسُوءٌ ديْدَنٌ

وقَضَتْ دِيْنٌ بنفسٍ يُدْحَرُ

 

عالِمُ الغَيْبِ يَرانا كُلنا

مِثلَ أسْماكٍ بمَوْتٍ تَكْثِرُ

 

يا صِراطَ البُعْدِ في جَوْفِ الوَغى

أزليٌّ شأوُها لا يُبْصِرُ

 

مُنْتَهى العُدوانِ خَيْباتُ الأنا

لتُرابٍ أنتَ تَسْعى تَحْفرُ

 

يا قَريْنَ الأيْنِ يا شَجْوَ الضَنى

كلُّ مَأوى لشرورٍ يَخْسَرُ

 

كنْ بها وَرداً شَمَمْنا عِطرَهُ

لا تكُنْ شَوْكاً نَحوساً يَزْجِرُ

 

مِنْ تُرابٍ صَنَّعَتْ أطْوارَها

وتُرابٌ آكِلٌ ما تُضْمِرُ

***

د. صادق السامرائي

6\1\2022

 

 

محمد حمدعبثا ابحث عن وجهي الضائع

في قعر المرآة

او عن قسماتي أن كانت لي اصلا قسمات

تستحق الذكر !

تأسرني فوضى الاشياء

ويغريني صخبُ الحانات

اسخرُ علنا

وبكامل وعيي

من صمتِ الاحياء وثرثرة الاموات

ومن بين ركام الاحلام

وبقايا "تلك" السنوات

اجمع بيديّ العاريتين

اجزائي

وشظايا قلب سكنته الاوهام

وعاش

على"نكران الذات"

احدودب ظهري من ثقل الكلمات

وصوتي جفّ على شفتيّ

وانا انبح

ومن يهمّه نبح الشعراء؟ خلف قوافل

من هجروا او فُقدوا أو رحلوا قسرا:

نكِرات جئنا

وسنخرج من اوسع ابواب المنفى

نكِرات !

***

محمد حمد

 

محسن عبد المعطيأَخَذْتُكِ فِي حِضْنِي وَطَمْأَنْتُ خَاطِرِي

بِغَادَتِيَ الْحَسْنَاءِ أَسْمُــو مُقَدَّمَـــــــــا

 

نَسِيــــــــرُ بِرَأْيَيْنَا وَنَمْشِـــي بِخُطْـــرِنَا

مَـــعَ الْحُبِّ وَالْإِخْلَاصِ زَهْراً وَبُرْعُمَا

 

أُنَادِيكِ وَالْأَيَّامُ لَفَّتْ لِقَاءَنَا

بِشَالٍ وَحِنَّاءٍ وَحُبٍّ تَنَعَّمَا

 

تَدَافَعْتُ حَتَّى قِيلَ وَحْشٌ مُسَيَّــــبٌ

وَرَوَّضْتِنِي بِالْحُبِّ مَا زَالَ مُقْحَمَا

 

أَخَذْتُكِ بِالْأَحْضَانَ حَتَّى تَشَكَّلَتْ

وَشُكِّلْتِ أَوْتَاراً وَحُبًّا وَأَوْسُمَـــا

 

تَعَالَيْ لِرُكْنِ الضَّمِّ يَزْدَدْ نَعِيمُنَا

تَذُوبِينَ فِي قَلْبِي رَحِيقاً مُبَلْسَمَا

 

أَنَا الْحُبُّ وَالْأَشْوَاقُ وَالنِّعْمَةُ الِّتِي

أَهَلَّتْ عَلَـــــى قَلْبٍ شَفِيقٍ تَرَحَّمَا

 

أَنَا النَّورُ فِي أَعْمَاقِ أَعْمَاقِكِ الَّتِي

تُصَلِّي عَلَى نَجْوَايَ لَحْناً مُهَنْدَمَا

***

محسن عبد المعطي

 

 

وليد الزوكانيمن يَقْدِرُ أن يَفْتَحَ كُوَّةَ العَدمِ الصَّغيرَةَ؟

أن يُفَتِّشَ ثيابَ المَوتِ الطَّويلَةِ، عن كَلامٍ أخير؟

كيفَ أتَهَجَّى التَّحِيَّاتِ والصَّلَواتِ،

ومُعَلّقاتِ اللَّغْوِ في المَضافاتِ؟

خُذْ بِيَمينِكَ..

واخطُ على نَزْوَةِ القلْبِ هنا بِشِمالِكَ،

ولا تَسْألْ عن الغَيْبِ فَتَكونَ من الخاسِرين.

 

لا نِسْوَةً يَرْأَفْنَ بكَ.. ويَغْضُضْنَ أعيُنَهُنَّ

الجَميلَةَ عنكَ

كم نَظرَةٍ أشْعَلَتْ قِنْدِيلَ قَلبِكَ،

أنت الوحيدُ،

وحَوْلكَ تَطوفُ القَبَائِلُ جَوْعَى لغَزْوٍ جديد.

 

أبي ما عادَ يَطْويني كُلَّما أحْنَى ظَهرَهُ للصَّلاةِ

ولا يُعَلِّقُنِي بِخَيْطِ الفَضِيلَةِ،

ليُبَعْثِرَ حَوْلي، مَكَارِمَ الخُلُقِ المُهَشَّمِ.

 

كانَ رَجُلاً قَبيحاً إبْلِيسُ

يَخْطَفُنَا من سِيَرِ الصَّالِحينَ

ويَرْمينَا كَالثَّعالِبِ حَوْلَ مَزَارِعِ العِنَبِ المُحَرَّمِ.

 

وأمّي، تُعَطِّرُ الصُّبْحَ بِخُبْزِهَا السَّاخِنِ

وهي تَنشُرُهُ على أذْرُعِ الضَّوْءِ النَّحِيلَةِ

تفْتحُ يَدَها، على أفُقٍ من سَنَابِلِ الرَّغْبَةِ،

تَدْلُقُ في البَيتِ دَلْوَ العَملِ الشَّاقّ، ليَكْبُرَ العِفْرِيتُ،

هكَذا كانَتْ تُسمِّيني،

 

غِبْتُ مَرَّةً عَنْهَا

تَتَبَّعَتْ خَيْطَ الحَليبِ إلى رُكبَتَيّ صَبِيَّةٍ، تَفَتَّحَتَا في صِبَاي،

ابْتَسمَتْ، وقالتْ: كَبُرَ العِفْرِيت.

 

نَتَقَلَّبُ في وجَعِ أَبِي

نُقلّبُ في خَطْوِهِ، أَمكنَةً، لم تَزَلْ عَالِقَةً هَهنَا في قَدَمَيْه،

قُلْ لنا يا أبي:

كيف رَوَّضْتَ النَّجْمَةَ، حين انْقلبَتْ عليْكَ الطَّريقُ؟

وكيف طَوَيْتَ العَتْمَةَ ونَفَضْتَها من ذئابِ الجبل؟

 

قُلْ لنا:

كيف كان يَعودُ الحصانُ وحيداً، من آخرِ الشَّغَفِ إلى البَيْتِ،

مَهْمَا ابْتعَدْتَ به؟

وكيف يَعودُ السُّنُونُوُ حامِلاً كل الجِهاتِ

الى سَقْفِنا؟

قُلْ لنا يا أبي

لماذا الدَّارُ واسِعَةٌ

والأرضُ ضَيّقةٌ

والسَّمَاء

أصْغَرُ من سَمِّ إبْرَة؟

 

ما زلتُ أذْكُر وقْتَ الرَّحيلِ

ونحن نَصُرُّ زُوَّادَةَ القلبِ مُبتَعِدينَ عن الحرْبِ،

كانت حُقولُ القمْحِ شاخِصَةً سَنابِلَها نحونا

والسّماءُ طَبَقاً من دَمٍ وأنين

 

كلُّ شَيْءٍ ظلَّ هناك

واقفاً تحت قَنْطَرَةِ الغياب

التّينَةُ في باحَةِ الدَّارِ،

شَجرُ الكِينا يَحْرُسُ أعْشاشَ العَصافيرِ حتى تَعودَ

السَّروةُ مَغْروزَةٌ مثْلَ رُمْحٍ

يَحْرُسُ البابَ الحزين.

 

وَحْدَها اللَّهْفَةُ يا أبي، وَحْدَها

رَكِبَتْ رَأسَها

ورَكَضَتْ خَلْفنا.

***

وليد الزوكاني - سورية

 

عبد الرؤوف بوفتحلا بأس..

افتح نافذتي  كل صباح

مثل بُسْتاني عجوز .

أضحك هنا ، وهناك

شماتة في  اليأس..

- ربما..

حتى لا يُقال

أين اختفى عاشق التراب

والقرنفل

والحبق المتطاول

والبرتقال..؟!

- كل صباح..

اتدرّب على ابتسامة غير مُستعملة

اقسّطها  عَلَيِّ ،

وعلى الرصيف السخيف

والاماكن التي احبّها

وعلى.. ما تبقّى من الاصحاب

طول النهار.

ابتسامة في طيف قوس قزح

تليق بطفل مَزْهوّ امام المِرْآة

وحتى لا يُقال

إنّ فُلانا  اصبح في هَيْأة تمثال

- لا شماتة

- لا توجد  ايّ عارشة للتفاؤل..

كل نص رديء

كل وتر تراخى في ارتباك الانامل

وكل اغنية تموت في غدير البال

-  اي..صديقتي

مع كل هذا الرماد

اشم خطى  العابرين

اقول لهم باطلا :

حين يسألون عن حالي

- ( الحمد لله..)

لماذا تذكرت كل شيء

دفعة واحدة..

من اول عثرة

خلف فراشة تأخذها الريح

وحتى..

اخر  دَلْو مثقوب

وفرح مالح

- بالتأكيد ..

 لا احد يعلم شيئا

كيف تهشمت الالواح

كيف احترقت اصابع

عازف الناي

وانقطع الشذى.

لا احد يعلم ياا صديقتي

آثار الملح

حال اجنحتي

وأن الريش الذي سقط في القاع

اكثر من الريش المتبقي

والمساقة أطول من فرحي

وكل السماء..

لا تصلح لاقامة حفل..!

***

عبد الرؤوف بوفتح - تونس

 

 

صالح الرزوقلم يكن ملحيس مرتاحا لشريكه في السيارة. كان يضعها أمام البناية في الحر اللاهب، وخلال ربع ساعة تتحول لفرن، ومهما نصحه باستعمال المرآب لا يتجاوب.  يقول: نسيت. أو استدعوني لمهمة عاجلة..

واليوم بالذات طاف الكيل. عندما فتح الباب وجد كومة من الصحف الرخيصة على مقعد السائق. بمعنى أنها هابطة وليس قليلة الثمن. صحف ومجلات سخيفة مثل “عين الراصد” و”عدسة المجهر” و”شمس الفن”.

قلب فيها ملحيس باشمئزاز، ورأى أسماء محرجة مثل اسمه. مع ذلك لم تكن تجلب عليهم السخرية. وصعدت المرارة من داخله لتغطي وجهه. ألقى كومة الورق الأصفر على المقعد الخلفي، وهو يفكر ببرنامج هذا اليوم.

الآن لديه سائحة أوروبية. وسينقلها من القرية التراثية في أبو ظبي إلى اللوفر على طريق دبي.  وتمنى من ربه أن لا تكون مثل سابقتها، كثيرة التشكي والتذمر.

دار المحرك. ونفخ المكيف نسمة لطيفة. وبدأ مزاجه يعتدل. لكن بقيت بعض الرواسب في قلبه. كل شيء له بقايا. لا شيء يذهب دون أثر. الجرح يترك ندبة. والدولاب يرسم خطا على الأرض. كيف يمكنه أن ينسى السخرية أثناء خدمة العلم؟. كان المدرب يناديه يا ملحوس وهو ينفجر من الضحك. ولكن ما ذنبه؟. مرت أيام الجيش وهو مثل قوس مشدود أو بالونة منفوخة. ولم يكن أمامه أحد يمكن أن يعاتبه. كان الجاني هو الوالد، وقد مات بحادث سير. مع ذلك كلما اشتد ألمه يرفع صوته ويلومه.

يقول له: لماذا هذا الظلم يا أبتي. الأسماء بالمجان. لماذا اخترت لي هذا العذاب؟؟!.

وطبعا لم يكن يرد أحد. اللهم إلا صوت أغصان شجرة في باحة الثكنة. الميت مثل الأصم والأبكم، حتى لو سمع لا يستطيع أن ينطق. وهذه لعنة إضافية.

ولم يخفف هذا العذاب غير الغربة. حينما هرب إلى اليونان، بعد الحرب،  وقبل السفر إلى أبو ظبي. هناك كان اسم ملحيس سهلا على اللسان، وربما أسهل من عمر أو عبده أو قاسم...

وصل ملحيس لجوار عين أبو ظبي، ولاحت أمامه أسوار القرية بلونها البني، والأبراج العملاقة والمضلعة التي تتخللها. وتحركت مشاعره. كانت حياته تبدو له مثل دواليب هذه السيارة. فقد تحول بسبب الحرب من أستاذ تاريخ إلى دليل سياحي.

وهذه صفة مهذبة لسائق. لكنه وخلال أي مشوار يتبرع بشرح تاريخ الإمارات، وتقديم فكرة عنه. مثلا معنى وأصل البرجين التوأم. أو أهمية قصر الإمارات وعلاقته بقصر فرساي. والفرق بين منتجع القرم وأبراج القرية وهكذا. وطبعا يضيف تفاصيل للتشويق، وحسب مزاج كل زائر.. للسائح الرومنسي يخترع مغامرات خيالية، ويناقش مع رجل الأعمال معجزة التصنيع، إلخ...

***

أخذ ملحيس نظرة أخيرة من المرآة المعلقة أمامه. ولكن ما أهمية أن ينظر لنفسه. كان وجهه مجرد قناع،  ويبدله حسب الحاجة. لكل حالة وجه. شكل بلا مضمون. حياة قائمة على المداهنة والنفاق. الإنسان أحيانا يغش نفسه. ولم يجد ضيرا في ذلك. فهو بالنسبة للآخرين غير موجود. وعبارة عن وسيلة للتنقل. يمكن أن تقول هو مثل هذا الإسفلت الممتد أمامه. شيء يعبر عليه الآخرون.

أمام باب القرية وقف بالسيارة حائرا. كيف يمكنه أن يتعرف على السائحة؟.

نقل نظراته بين زرافات الأجانب. كانت كوكبة تدخل، ومقابلها ثلاثة أو أربعة أفواج تخرج. ترك المحرك يدور، وغادر المركبة، واختلط بالحشود. ثم دخل من البوابة. وفي الداخل شاهد أمامه صفحة مياه الخليج. كانت ممدودة بشكل بساط فضي، وتوهم أنه يسمع بأذنه نداء السياب وهو يبكي، ويقول:

وعلى الرمال، على الخليج

جلس الغريب، يسرح البصر المحير في الخليج

ويهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيج.

وهنا انتبه لانعكاس أشعة الشمس كأنها تسقط على صفائح من الحديد المطروق الذي تصنع منه السيوف. وجمد لحظة أمام هذا المشهد. ثم تلفت حوله. ولمح محمية الهجن. وكانت محاصرة بأسلاك شائكة لها لون الملح أو الجليد، وخلفها جمل مد رقبته الطويلة على الأرض،  وحمل سنامه على ظهره. وهناك وقفت سائحة بثياب أوروبية. وأمل أنها هي. لكن كيف السبيل للتأكد من ذلك؟.

ويبدو أن الجمل انتبه لحيرته، فرفع رأسه، ونظر إليه بعينيه الدعجاوين، وبدأ يحرك فكيه كأنه يمضغ لقمة وهمية...

***

صالح الرزوق

آذار 2020

 

 

الحسين بوخرطةتعود سالم أن يقضي متأملا عطلة ساعات يومي نهاية الأسبوع في قرية الأجداد الأشاوس. حج كالعادة إلى بيت جده العلامة عبد الرحمان. خرج منشغل البال على التاسعة ليلا من منزل العزة والشرف في المنطقة. ارتكن في أسفل الشجرة المباركة المقاومة للتصحر وانجراف التربة.

شُحِنَ أملا عندما داهمه ضياء القمر، وأحاط مِخياله نورا ساطعا. مُتكئا على جدعها، مُشرئبا السماء بنجومها البراقة، افتكر صديق طفولته وشبابه عتريس. أقلقه ما يردده الناس في شأنه. لقد أصبح ضحية سهاد مُزْمِن. يخاطب نفسه كالأحمق جهرا في الشارع العام. حكى عنه أحد المتربصين به أنه سمعه يردد أكثر من مرة، والدموع تغمر المآقي، العبارة التالية: "أذن ذات سراب حياة مسخرة تعيسة تنتعل حذاء وبر الجودة النادر، الذي لا يريح الأرجل المنتعلة". تذكر سالم اللحظات العسيرة التي بدأ صديقه الحميم يبتعد عنه بالتدريج، متجنبا الدخول معه، كما ألفا ذلك، في حوارات شيقة في مجالات الفكر والمعرفة والسياسة.

أدرك سالم مغزى مستجدات أوضاع صديقه الحميم بسرعة. أخرج هاتفه الخلوي. ركب أرقامه بتركيز شديد. ردد على مسامعه نفس العبارة بلكنة المستوعب لدلالتها الخارقة، وختمها: "إنه مسار انزلاق نفس لوامة وضمير حي. يا ما اقتنينا معا أحذية بسيطة ومريحة بأُجرتينا المستحقة، وكنا نعيش السعادة العارمة". تنهد عتريس من الأعماق وختم المكالمة الهاتفية بعبارة حزن وأسف، استسلم على إثرها سالم للبكاء والشهيق : "لقد فات الأوان".

الحسين بوخرطة

 

عبد الله سرمد الجميلنحتِّ وجهي بإزميلٍ مــــنَ النُّوَبِ         

أيا حياةَ الضنى والحزنِ والكُرَبِ

 

تركْتِ عمـــــريَ أوراقاً مُجعَّدَةً

بها خططْتِ حكاياتٍ من التَعَبِ

 

لئيمــةٌ أنتِ يا دنيايَ قاسيـــــــةٌ

كزوجةِ الأبِ لا تحنو بلا ذهَبِ

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر وطبيب من العراق