بهجت عباسبثلاث لغات

(الأرض للطُّـــوفــان مشتــاقـــة***لعـلّـهـا مــن دَرَنٍ تُـغسَـلُ)

كتابة وترجمة:  بهجت عباس


 صدقتَ يا مَنْ قد رُزِقتَ الحِجى***فأنت في نهـج النّهـى أوّلُ

مــاذا تـقـول الآن يـا سيِّـدي***لـو كـنـتَ حَـيّـاً بـيـنـنا تهـدِلُ

ما كان بالأمس منــارَ الهدى***أضحى خـرابـاً كـلّـه جـنـدلُ

واجتاحه المحتلُّ من بعد ما***رأى عـلـوجَ القـوم تستفــحـلُ

بُــنـيَتـُه ؟ دمَّـَـرها كُـــلَّـهـا***ولـوَّثَ الأرضَ ومــا تحــمـــلُ

وجاء بالوحـوشِ من غـابـةٍ***جـثــا لهـا البـعـيــــرُ والأيَّــلُ

فهبّـتِ الضِّـبـاعُ فـي لهـفـةٍ***تلـقَــفُ ما تهــوى ولا تحـفـِـلُ

وصاح كلُّ النّاس في دهشةٍ***أهـكـذا النـفـوسُ إذ تسْـفُــــلُ؟

إنِّـكــمُ أسيـــادُنـــا فأْمُـــروا***مــا يشتهـيـه السـيّـدُ الأبـجــلُ

دمـاؤنـا؟ نسفــكُـهـا كــلَّـهـا***وإنْ يكـنْ ما نأكـلُ الحـنـظــلُ

**

قومي الذين انتخـبـوا ساسـةً***بـيـنهــمُ الأخـطــلُ والأثــولُ

لمْ يفهمـوا الأمـر ولمْ يعلمــوا***أنَّ ذئـابـاً دمَـهــمْ تـنـهـــــلُ

لمْ يُـنجِـبِ التاريخ أشبـاهَهـــمْ***إذْ كلّهـم في النَّهـب مستبسلُ

صمٌّ عن الشكـوى فلا أعـيـــنٌ***تُبصر طفلاً جائــعـاً يهزُلُ

ولا يُــبــالــون إذا مــــا رأوْا***أرمـلـة فـي بـؤسهـا تحجــلُ

بئسَ الديـانـاتُ وبئس التُّـقـى***إنِ ادّعــاها اللصُّ والأهبــلُ

آب  2011

....................

Inspired by Abu Al-Ala Al-Ma’arri

Written and translated by Bahjat Abbas

)The earth is longing for the flood                                                                                 Perhaps to be washed from dirt(

You said the truth! O you who was endowed with prudence, 

You are the leader on the road of intelligence.

What would you say now, Sir

if you were alive among us and tweeting?

What was yesterday the lighthouse of guidance,

Became ruin, all of it is rubble.

And the occupier invaded it after

He saw the Savages become intolerable.

Its infrastructure? He destroyed all,

And polluted the earth and all on it.

He brought with him beasts from the jungle,

The camel and elk crouched to them.

So, the hyenas rushed eagerly,

Swallowing what they like and without care.

And all the people shouted in astonishment:

Are so the human beings becoming vile?

You are our masters! Order us!

What the most Honorable Lord desires.

Our blood? We shed all,

Even if what we eat is the Colocynth.

***

My people who elected politicians,

Among them are the moron and the fool,

Did not understand the matter and did not know

That wolves are drinking their blood.

History has never procreated their likes,

All of them are heroic in looting.

Deaf to complaints, no eyes

See a starving child emaciated,

And they don't care if they see a widow

in her misery walking on one leg.

What bad religions and wretched piety

If the thief and the idiot claim them.

                                                                ........................

German

Inspiriert von Abu Al-Ala Al-Ma’arri

 

)Die Erde sehnt sich nach der Flut,

Vielleicht wird sie von Dreck gewaschen.)

 

Sie sagten die Wahrheit! O Sie sind mit Klugheit begabt,

Sie sind der Anführer auf dem Weg der Intelligenz.

Was würden Sie jetzt sagen,

Wenn Sie unter uns wären und twittern?

Was war gestern der Leuchtturm der Führung,

Wurde Ruine, alles ist Schutt.

Und der Besatzer drang danach ein,

Wenn er sah, wie die Wilden unerträglich wurden.

Seine Infrastruktur? Er hat alles zerstört,

Und verunreinigte das Land und alles darauf.

Er brachte die Monster aus dem Dschungel mit,

Das Kamel und der Elch kauerten sich neben sie.

Also eilten die Hyänen eifrig,

Schlucken was sie wollen ohne Sorge.

Und alle Leute riefen erstaunt:

Werden die Menschen so abscheulich?

Sie sind unsere Meister! Bestellen Sie uns!

Was der ehrenwerte Herr wünscht.

Unser Blut? Wir werfen alles ab,

Auch wenn das, was wir essen, Colocynth ist.

***

Mein Volk, das Politiker gewählt hat,

Unter ihnen sind der Idiot und der Narr,

Hat die Sache nicht verstanden und wusste es nicht

Dass Wölfe ihr Blut trinken.

Die Geschichte hat nie ihre Vorlieben gezeugt,

Alle sind heldenhaft beim Plündern.

Taub bei Beschwerden, keine Augen

Sehen ein ausgehungertes Kind,

Und es ist ihnen egal, ob sie eine Witwe sehen

In ihrem Elend auf  einem Bein gehend.

Was für schlechte Religionen und elende Frömmigkeit

Wenn sie der Dieb and der Idiot beanspruchen.

  

علي القاسميأو فنُّ الإدارة الحديثة

كانت هيفاء تعرف ما تريد، وقليلٌ مَن يعرف ما يريد في مثل سنّها. فبعد أن تخرّجت في كلية الهندسة في أفضل جامعات بلادها، قرَّرت أن تدرس هندسة الحاسوب في أمريكا، وتحصل على الماستر فيها، ثم تدرس إدارة الأعمال في أرقى الجامعات التي تمنح شهادة الماستر MBA في هذا التخصُّص. وتعود إلى بلادها لتفتح شركتها الخاصَّة بتسويق الأطعمة والأغذية؛ ولها من ذكائها وأموال أبيها ما يدعِّم طموحاتها.

من أشهر برامج إدارة الأعمال في أمريكا برنامج جامعة بيركلي في كاليفورنيا. يفوق عدد الطلاب المتقدِّمين للحصول على قبولٍ في هذا البرنامج سنوياً أكثر من 2000 طالب، ولكن الجامعة تنتقي منهم 200 طالب أو أقلّ فقط؛ حسب معاييرَ رفيعةٍ مشدَّدة: علامات عالية في الدراسات السابقة، إجادة عدد من اللغات العالمية، خبرة عملية ناجحة، القدرة على الإبداع والابتكار، طموح متوقّد. ولهذا فإنَّ تصفيات القبول تمرُّ بمراحلَ كثيرةٍ، ويخضع المرشحون لاختباراتٍ عديدةٍ، علميةٍ ونفسيةٍ ولغوية. اجتازتْها هيفاء جميعاً بنجاحٍ باهر، وتمَّ قبولها في البرنامج الحُلم.

بعد شهرٍ واحدٍ من بدءِ الدراسة، دخلَ الصفَّ أستاذُ مادَّة " العلاقات العامَّة"، البرفسور روبرت جونسون المرشح لجائزة نوبل في الاقتصاد، وقال: " Quiz"، أي اختبار قصير، تكون أجابته بكلمةٍ واحدةٍ، أو عبارةٍ قصيرةٍ على الأكثر. (وطبعاً لا يقوم الأستاذ بتصحيح الأوراق، بل يتولّى أحدُ مساعديه ذلك).  أخرج الطلاب أوراقهم، وكلُّ واحدٍ كتب اسمَه على ورقته. فقال الأستاذ: " ما اسم مسؤول النظافة الواقف خارج الصف؟". "ويقصد بذلك ما نسمّيه نحن بـالكنّاس أو الزبّال. وبعد دقيقتين فقط، طلب الأستاذ من أحد الطلبة جمع الأوراق، وكانت غالبيتها العظمى بلا جواب. في الدرس التالي، أعلن الأستاذ نتائج الاختبار القصير: " جميع الطلاب صفر". وأضاف: "اليوم يبدأ درسكم الأول في العلاقات العامة".

كان الدرس الأوَّل حول العنصرِ الأهمّ في الشركة. إنّه ليس المدير العام، ولا مجلس الإدارة، ولا رأس المال، ولا زبائن الشركة، ولا، ولا؛ بل العنصر البشري فيها، لا سيَّما، العمّال وصغار العاملين، فهم العنصر المنتِج. وينبغي على المدير العام أن يستثمر في هذا العنصر، ليس في إقامة علاقاتٍ طيبةٍ وثيقةِ معهم فحسب، بل الاستثمار فيهم وتطويرهم علمياً ومهنياً كذلك؛ فالإكثار من الدورات التدريبية التي تُحسِّن مهاراتهم المختلفة وتطوّر قدراتهم الذاتية، هو سرُّ نجاح الشركة.

بعدما عادت هيفاء إلى بلادها، افتتحت شركتها، وأخذت في تطبيق جميع ما تعلَّمتْه في ذلك البرنامج بالحرف، وعلى وجه الخصوص معاملة صغارِ الموظَّفين باللطف والكرم، لكسب ثقتهم وإخلاصهم. ومن الأمثلة على ذلك، ما حصل مع سائق سيّارتها الخاصَّة الجديدة من نوع "فورد موستانغ" واسمه حمدان، الذي استخدمته، دون أن يتوفَّر على شهادةٍ ما عدا شهادة " أشهد أن لا إله إلا الله". كلَّ ما لديه من مؤهَّلات هو حبّه لقيادة السيارة، وشبابه فهو في أوائل العشرينيات من عمره، ووسامته، وأناقة ملبسه النسبية. ومنحته راتباً يبلغ ضعف راتب أمثاله من السائقين لتضمن إخلاصه ووفاءَه. وأكثر من ذلك، اقترحتْ عليه، بعد مدّة، دخول معهد مسائي لتعلّم اللغة الإنجليزية، فمعظم الشركات في بلادها تستعمل اللغة الإنجليزية وليست اللغة الوطنية! وطبعاً هي التي ستدفع تكاليف الدراسة.

عندما ترى هيفاء أَمارات الإجهاد أو الإرهاق على ملامح أحد موظفي شركتها الثلاثين، تقترب منه مثل أخ عزيز، وتقول له برفقٍ ومودّة:

ـ " أرى أنك اشتغلتَ كثيراً، وأرهقتَ نفسَك. أقترح عليك أن تعود إلى منزلك لتأخذ قسطاً من الراحة وتعود غداً صباحاً ممتلئاً همّة ونشاطاً. وأنا سأكمل بقية عملك اليوم."

وإذا لم يكن لذلك الموظف سيّارة، فإنها تنادي حمدان، سائقَ سيّارتها الخاصَّة ليصحبه إلى منزله.

وأكثر من ذلك، أخبرتْ سعادةُ المديرة حضرةَ السائق، بأنّها لا تحتاج السيّارة بعد انتهاء العمل وعودتها إلى زوجها وابنتها الصغيرة في منزلها. وحتى إذا احتاجت إلى التنقُّل لأمر طارئ، فإنَّ البرنامج الحاسوبي "سيّارة في خدمتك" يجلب إليها أقرب سيارة منخرطة في هذا البرنامج في الحيّ خلالَ دقائقَ معدودةٍ، لإيصالها إلى حيث تريد، لقاءَ أجرةٍ معقولة. ولهذا فإنَّ السائق حمدان يستطيع أن يأخذَ السيّارة معه إلى معهد اللغة الإنجليزية، ويعودُ بها إلى منزله في أحد الأحياء خارج المدينة، ويرجع بها في الصباح إلى الشركة قبيل بدء العمل فيها. وعلاوة على ذلك، كانت تأتمنه على مفاتيح الشركة ومفاتيح منزلها. فالسائق هو لولبُ الشركة، في نظرها. فهو الذي يحضر الى الشركة قبل بقية العاملين فيها ببضع دقائق، فيفتح لهم أبواب الشركة. وهو الذي يصحب المديرة إلى منزلها، ويفتح لها أبوابه. فلا بدَّ أن تكون لديه نسخةٌ من جميع المفاتيح اللازمة. وهذا هو المنطق "الصحيح".

وعلى الرغم من أنَّ أحد الموظَّفين نبّه سعادة المديرة إلى أنَّ هذا السائق قد يستخدم سيّارتها الخاصة في جلب المسافرين من المطار أو نقلهم إليه ليلاً، وهذا ما كان يفعله قبل استخدامه في الشركة، أو يستعمل سيّارة المديرة في أشغاله الخاصة، فإنها لم تلقِ بالاً إليه، لأنَّ هذا ما تعلّمته في أمريكا، وما تعلَّمته في بيركلي مثل كتابٍ منزَّلٍ لا يأتيه الباطل أبداً من بين يديه ولا من خلفه. وذكّرها موظفٌ آخر بما فعلته مع أحد صغار الموظَّفين، واسمه علاء، فقد علّمته البرمجة بنفسها، ثمَّ أدخلته معهداً متخصّصاً ساعتَين في الصباح لتطوير مهاراته، مدّةَ سنةٍ كاملة على حسابها. وبعد أن أتقن البرمجة، انتقل إلى شركة أخرى براتب لا يزيد على عشرين ديناراً عن الراتب الذي يتقاضاه منها. ولكن هذا ما تعلّمتْه في بيركلي من فنِّ الإدارة الحديثة. ولا يصحُّ إلا الصحيح.

وأكثر من ذلك، وإمعاناً من المديرة في العناية بالموظفين، قرَّرت توفيرَ وجبةِ الغداء لهم مجاناً داخل الشركة، بدلاً من إعطائهم ساعةً ونصف الساعة لتناول الوجبة في أحد المطاعم القريبة. فطبّاختها الخاصة، هي التي تُعدُّ طعام الغداء لها ولبقيّةِ الموظَّفين.

لا ندري بالضبط ما إذا كان كرمُها ولطفُها نتيجةً لما تعلَّمتْه في برنامجِ إدارةِ الأعمال في بيركلي فقط، أو أنَّه طبيعةٌ غريزيةٌ وُلِدتْ معها، أو أنَّه ثمرةُ تربيةِ والدَيها اللذَين كانا يحبّانها حبّاً جمّا، فأشبعاها حناناً وعنايةً في طفولتها، أو أنَّ طبعَها الجميلَ ذاك كان نتيجةً لتضافر تلك العوامل مجتمعة. فالمتخصِّصون في علم النفس التكويني (دراسة المراحل التي يمرُّ بها الفرد لتتكوَّن لديه المعالم النفسية المختلفة) لا يعرفون السرّ في ذلك، فكثيراً ما يجدون توأَمَيْن متماثلَيْن، تربَّيا في بيتٍ واحد، ومع ذلك، لكلٍّ سلوكُه المختلف عن الآخر.

***

رشيدةٌ فتاةٌ في الثامنة عشرة من عمرها وتنتمي إلى الطبقة الفقيرة وتدرس في مدرسة ثانوية. ولكنَّها واعية بجمالها الذي قد يدرُّ عليها بالنفع أكثر من الدراسة الجامعية. فأكثر الجامعيِّين عاطلٌ عن العمل اليوم. وهي فتاةٌ طموحة، تأمُلُ في تغييرِ طبقتِها الاجتماعية في المستقبل، بفضلِ جمالها لا اجتهادها. فنسبةُ الناجحين في امتحانات البكلوريا العسيرة، لا تشجِّع على الاستثمار في الدراسة. فالنجاحُ فيها يحظى به الطلاب الذين يدرسون في المدارس الأهلية عادةً، ويستطيع أهاليهم أن يدفعوا أجورها الباهظة، التي لا يُطيق تسديدها الفقراء. فأبناؤهم يدرسون في المدارس الحكومية المُكتظَّة صفوفها بالطلاب، ويكثر فيها غيابُ المعلّمين، وتخلو من المكتبات والمختبرات. هذه هي المشيئة الربانية، فقد قسّم الله البشرَ إلى أغنياء وفقراء. ولكنه قسَّمَ البنات كذلك إلى جميلات وأقلّ جمالا، وإذا كانت البنات القبيحات من ذوي الثراء، فإنَّ عمليات التجميل موجودة. وتستطيع بعض الجميلات أن يحقِّقن طموحهن، إذا استخدمن ذكاءَهن وساعدهن الحظُّ، حتى لو كُنَّ من الفقراء.

ولهذا قرَّرتْ رشيدة أن تنتظر الفرصة التي تتعرّف فيها على ذلك الرجلِ الغنيِّ الذي يقدّر جمالها حقَّ قدره، ويوفِّر لها ما تحلم به من حياة الأغنياء وترفهم. ويتلخَّصُ الترفُ في نظرها في فيلا مريحةٍ وسيّارةٍ جميلةٍ. وحسِبتْ أنَّ ما سمعتْه في المدرسة الثانوية من زميلاتها يكفي لجذب الرجل الغني إليها، وإيقاعه في حبّها، وتعلُّقه بها؛ بحيث يتقدَّم لأهلها في طلب يدها منهم مهما كان فقرهم. أمّا ما تعلَّمتْه من جدَّتها عن متطلَّبات الزواج فهو ضرورة المحافظة على البكارة، ولها أن تفعل ما تريد بعد ذلك. فالبكارة في العروس أهمُّ من الأخلاق أو المعرفة أو العمل، كما علّمتها.  فأكثر الرجال العرب مولعون بـ "الدماء". ويحقِّق العريس منهم رجولته، بخروجه من مخدع العروس إلى المحتفلين بالعرس من أهله، بأسرع وقت، حاملاً المنديلَ الملطَّخَ بالدماء. وعند ذاك يُطلق أبناءُ العشيرة الرصاصَ في الهواء ابتهاجاً بتلك المناسبة العصماء!

ولهذا كانت رشيدة تغادر مدرستها مساءَ كلِّ يوم، وتقف مع بعض الطالبات في موقف الحافلات. وقد لا تأخذ الحافلة الأولى المُتَّجهة إلى الحيِّ الذي تسكن فيه، بل تنتظر الحافلة التي بعدها. فهذا يمنحها وقتاً أطول لألقاء نظراتها الجذّابة على السيّارات التي تمرُّ أمامها، ولانصراف بقيّة الطالبات من موقف الحافلات. وعلى كلٍّ، فحافلاتنا لا تتقيّد بمواعيدَ مضبوطة. فالوقت لا قيمة له عندنا. ورشيدة تستثمر في الانتظار أكثر من استثمارها في مذاكرة دروسها. والعِلم عند الله متى ستلتقي بالرجل الذي قسمه تعالى لها. فالزواج قسمةٌ ونصيب، ولكلِّ فتاة خاطب.  إنَّها تعرف مواصفات الزوج المطلوب: أن تكون سيّارتُه جديدةً أو شبهَ جديدة، ومن نوعيةٍ محترمةٍ، وأن يكون شاباً عليه علامات الجاه والغنى، ويملك فيلا جميلة.

***

ذات مساء كان السائق حمدان يعود بسيّارةِ مديرةِ الشركة بعد العمل، متجهاً إلى معهد تعليم اللغة الإنجليزية، حينما وقعت عيناه على فتاةٍ لفتت انتباهه بطولها المناسب، ورشاقتها، وملاحة وجهها، ونظافة هندامها. وفكَّر بسرعة: ماذا لو تعرّف عليها هذا المساء. فهو تعلّمَ من الإنجليزية ما يكفي لإيهام المديرة المحترمة بمواظبته على الدروس. أضف إلى ذلك أنّها لا وقت لديها للتدقيق في مواظبته أم لا؛ وكأنَّ رضاها يتمُّ بإنفاق المال على دراسته، وسلامه عليها بالإنجليزية كلَّ صباح:

-        Good morning, Mame.

واصل حمدان السير، ثمَّ استدارَ عند المنعطف وعاد إلى موقف الحافلات، وأوقفَ سيّارته  مقابل الفتاة، وقال بلطف:

ـ "هل تودّين أن أوصلك، آنستي؟"

ومَن لا تركب في سيّارةٍ رياضية مكشوفة؟! نظرت رشيدة إلى السيّارة وراكبها، فأَلْفَتْ أن جميع المواصفات المطلوبة متوافرة فيهما. ولكنّها تظاهرت بشيءٍ من التردُّد وكثيرٍ من الحياء والاستحياء، واقتربتْ بخطواتٍ خجولة من السيّارة قائلة:

ـ " شكراً. أخشى أن وجهتي ستبعدك عن قصدك."

أجابَ حمدان بابتسامٍة مرحة قائلاً:

ـ " قصدي هو قصدك أينما كان."

فتحت باب السيارة، وبخفّة الشباب جلست إلى جانبه. ومن دون أن يطلب منها، سحبت حزام الأمان وتمنطقت به، بطريقة تبرز نهديها النافرين. سلّمت عليه، وقالت:

ـ " اسمي رشا". (والرشا هو صغير الغزلان العربية بعدما يقدر على السير، وكثيراً ما يشبّه الشعراءُ العرب الفتاة الجميلة بالرشا. وتستعمل رشيدة هذا الاسم بدلاً من اسمها التقليدي، ولكن هذا الاسم المختصر الجميل من المضنون به على غيرِ أهلِهِ).

رد حمدان السلام وقال:

ـ  سعدتُ وتشرّفتُ، اسمي حمدان."

وبعد قليل من الصمت، أضاف متسائلاً:

ـ " أين المنزل، يا آنسة نجلاء؟"

طبعاً رشيدة لا تخبره الحقيقة، بل ستعطيه عنوانَ أقربِ حيٍّ نظيفٍ إلى منزلها الكائن في منطقة سكن عشوائي من القصدير، قائلة:

ـ " أنتَ تعرف، أنَّني لا أستطيع أن أدخل حيِّنا في سيّارةِ رجلٍ غريبٍ. أهلي سيقتلونني إذا رأوني معك." وضحكت. فشاركها الضحك.

ليس اللقاءُ الأوَّل هو لمعرفةِ كلِّ ما تريدين من المعلومات، بل لكثيرٍ من الابتسام، ومن نظراتِ العينَين الساحرة. وعندما يسألكِ الرجلُ: متى سيلتقي بك المرَّة القادمة، لا تقولي: غداً. دعيه ينتظر يومَين أو ثلاثة. فهذا يجعله أكثر اشتياقاً لرؤيتكِ. ألم تحفظي في مدرستكِ قصيدةَ الشاعرِ العذريِّ قيس بن الملوح الذي جنَّنه الشوق لرؤية ليلى العامرية، فَلُقِّبَ بالمجنون، وقال:

شَكَوتُ إِلى سِربِ القَطا إِذ مَرَرنَ بي ... فَقُلـتُ وَمِثـلي بِالبُكاءِ جَـديـرُ

أَسِـربَ القَطا! هَل مِن مُعيرٍ جَناحَـــهُ ... لَعَلّي إِلى مَنْ قَدْ هَوَيتُ أَطيرُ؟

ولهذا، ضربتْ رشا له موعداً بعد ثلاثة أيام، وبعد انتهاء الدراسة، وبعد وقتٍ كافٍ لانصراف بقية الطالبات من موقف الحافلات. وأعطتْه رقم هاتفها المحمول، فهو رسولُ الشوق، تماماً مثل المِحرار الذي يستخدمه الأطباء لقياس درجة حرارة المريض. والحبُّ هو مرضٌ من الأمراض.

في اللقاءات اللاحقة، ازدادت المودَّةُ بين رشيدة وحمدان. واكتشف حمدان أنّ رشا تتمتَّع بسرعة بديهة وقدرة على الدعابة والفكاهة، وأنّها تكُنُّ له محبّةً صادقة. ومن ناحيته، كان يتصرَّف على سجيّته. أمّا هي فلم تستعجل في أمرها. فلم توجّه إليه أسئلة عن عمله ودخله الشهري أو السنوي، لئلا تثير شكوكه في مقاصدها. المهمُّ أن تبدو تلقائيةً طبيعيةً في سلوكها وكلامها. أضِفْ إلى ذلك كلِّه، إنَّ إحساسها الداخلي يؤكّد لها أنَّ هذا الشاب هو الزوج الذي انتظرتْه طويلاً.  ويخبرنا علم اللغة النفسي أن ما نفهمه من الكلام، منطوقاً أو مكتوباً، لا يعتمد فقط على فصاحته وبلاغته، بل كذلك على ما نرغب نحن في سماعه، مهما كانت قدراتنا اللغوية سامقة. فقد كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش ذات يوم:

" شهادة جامعية، وأربعة كتب، ومئات المقالات، وما زلتُ أُخطئُ في القراءة.. تكتبين لي: صباح الخير، وأقرؤها " أُحبُّكَ".

***

ذات يوم، سافرتْ مديرةُ الشركة وعائلتُها إلى أمريكا لشهرٍ كامل، بمثابة عطلتها الصيفية السنوية. فقد وفرّتْ تقنياتُ الاتصال الحديثة للمديرة التواصلَ المجاني عن بُعد باستخدام الفيديو سكايب، بالشركة والعاملين فيها، عندما تريد، كما لو كانت معهم. أضفْ إلى ذلك، أنَّ ثمّة برنامجَ عملٍ لكلِّ موظَّف وموظَّفة في الشركة، لا يعتمد على ساعات وجودهما في مقرّ العمل، بل على مقدار مُنجَزهما الإلزامي في الأسبوع أو الشهر. وحبَّذا لو قام الموظفون بأداء واجباتهم في منازلهم، فهذا يوفّر للشركة كثيراً من المصاريف، مثل تكلفة الكهرباء اللازمة للمكيّفات وغيرها.

اغتنم حمدان غياب المديرة، مثل فرصةٍ ذهبية، فوجَّهَ الدعوةَ لرشا لتمضية يوم العطلة الأسبوعي معه في المنزل والتمتّع بالسباحة في المسبح.

قبلت الدعوة قائلةً:

ـ " أهلي لا يسمحون لي بالخروج أيام العطلة الأسبوعية. ولكنّي سأخبرهم بأنَّني سأدرس مع زميلتي فاطمة، استعداداً للامتحان العام. فصخبُ الأطفال الصغار في بيتنا يحرمني من التركيز اللازم للدرس."

هيأَ حمدان كلَّ ما يلزم لتمضية يوم العطلة الموعود. فالمجمِّدة في الثلاجة العملاقة، زاخرة باللحوم والخضروات والفواكه. وما عليه إلا إخراج ما يحتاج منها قبل 24 ساعة، ووضعه في قسّم آخر من أقسام الثلاجة. وما على نجلاء إلا إضافة المتبّلات، ووضع اللحوم فوق الشواية الكهربائية. وسيعاونها. فالتعاون بينهما في إعداد طعام الغداء، يزيد علاقتهما حميميةً ومودَّة. أمّا ألبسة السباحة (المايوهات) له ولنجلاء، فقد تكفَّلت ثقافة الاستهلاك التي اكتسبتها سعادة المديرة وزوجها في أمريكا بتوفيرها، فثمة ألبسة سباحة كثيرة متفاوتة الأنواع والألوان والمقاسات، فاختار منها ما يناسبه، وانتقى لرشا ثلاثة مايوهات بألوان مختلفة حرصَ أن تكون من ذوات القطعتين التي تبرز أكبر مساحة ممكنة من جسمها البض. ولم يفُتْه أَن يزيل ما يثير شكوكها من غرفة الجلوس مثل صور سعادة المديرة وزوجها وابنتها، فقد وضعها في مخزن الفيلا، لحين قرب عودة سعادتها من عطلتها السعيدة. كما أنه قفلَ غرفة نوم عائلة المديرة، واكتفى بفتح غرفة نوم الضيوف.

رافق حمدان صديقته العزيزة بسيّارته إلى الفيلا الجميلة. ولم يحتَج إلى أكثر من ضغطة على الضوء المخصَّص لفتح باب مرأب (كراج) السيّارة، ما أبهرَ نجلاء، التي تحكّمتْ بمشاعرها فأخفت انبهارها. وازدادت إعجاباً بالفيلا الفاخرة، وجُنينتها الغناء الواسعة العامرة بشجيرات الزهور ذات الألوان المختلفة، والأشجار المثمرة؛ ويتوسطها مسبح أولمبي أزرق اللون تظلّه أشجارُ الصفصاف الباكي الباسقة. وتفاقم انبهارُها عندما دخلا غرفة الاستقبال الواسعة المؤثثة بذوق رفيع، وبألوان متناسقة، ومصابيح جميلة، وفي أحد أركانها آلة البيانو الكبير. هنا لاحت لنجلاء فرصة ذكية لمعرفة شيءٍ عن شخصية حمدان، فسألته:

ــ " هل تجيد العزف على البيانو؟"

فأجاب بلا تكلّف، محاولاً أن يظهر طبيعياً:

ــ " لا، ولكن بعض الضيوف يودّون أن يعرضوا مهارتهم في العزف."

وأضاف معللاً ذلك:

ــ " تعرفين أنَّ العزف على البيانو يحتاج إلى سنواتٍ طويلةٍ من التمرين كلَّ يوم. إنه إضاعة للوقت".

وهنا سألها:

ــ " هل تودّين السباحة في المسبح. فالجو جار."

قالت:

ــ " أتمنى ذلك، ولكنّي لا أعرف السباحة."

قال بحماس ملحوظ:

ــ " أستطيع تعليمك في أقل من ساعة. بعد السباحة، سنتناول الغداء بشهية أكبر."

أجابت بأريحية:

ــ " اتفقنا."

وأردفت إجابتها بضحكةٍ عاليةٍ تليق بتلك الفيلا الفاتنة. فشاركها الضحك.

وكما حرصت رشيدة على عدم التطرُّق إلى وضع عائلتها الاجتماعي أو الاقتصادي أو أسم رب العائلة، فقد حرص حمدان على تجنب الكلام عن عمله ووضعه الاجتماعي.

***

معظم الرجال في مثل سنِّ حمدان وبداية حياتهم العملية، لا يفكِّرون في الزواج وتحمُّل مسؤولياته الكبيرة، بل يريدون تمضيةَ وقتٍ سعيد مع الفتاة، وممارسة ما يمكنهم من الجنس كغنيمة.. أمّا أغلبية الفتيات في بلادنا فيحلمن بالزواج، حتى قبل تلك السنِّ بأعوامٍ عديدة، وشعارهن: "الزواج أولاً، وكلُّ شيء يأتي بعده." وهكذا كان حمدان ورشيدة يمثِّلان دورَين متشابهين في الظاهر مختلفين في الباطن.

مرّ يومُ العطلة على ما يرام. واختارت أحد المايوهات الثلاثة التي عرضها عليها حمدان. فقال:

ـ اعتبري هذا المايوه هدية لك مني. ونحتفظ بهذَين الاخرَين هنا للمرة القادمة. (وقال في نفسه: لا يمكن لسعادة المديرة أن تتذكر جميع المايوهات التي يفوق عددها السبعة والسبعين، وهو عدد لا يضارعه إلا عدد أزواج أحذيتها).

وفي المسبح، تظاهر حمدان بتعليم رشا السباحة، وتظاهرت هي بالتعلُّم. ولا أحد يعلم مقدار ما تعلمتْه فعلاً منه. وكشف حمدان عن حرمانه، وظمئه الشديد إلى تقبيل رشا. فسمحت له برشفات سريعة محسوبة تبلُّ صداه ولا تسمح له بالوصول إلى النبع. فظلَّ ظَمِئاً على شوقٍ.

وأُعجبتْ رشا بطريقة شواء اللحم على المشواة الكهربائية، وسعدتْ بتناول الغداء تحت ظلال أشجار الصفصاف الطويلة الأغصان، بالقرب من المسبح الأزرق. باختصار أعجبها كلُّ شيءٍ في الفيلا. وبعد تناول طعام الغداء، استطاعت بسهولةٍ الاعتذار عن مصاحبة حمدان إلى غرفة النوم لـ " الراحة"، بعذرٍ كثيراً ما تستعمله النساء المتزوجات وغير المتزوجات، وهو عذرٌ يصدق قرابة أسبوع واحد في الشهر، تماماً مثل الساعة الخَربانة التي تصدق مرّة في اليوم.

دأبَ حمدان على مهاتفة رَّشا مرتَين أو ثلاث في اليوم خلال الأوقات المناسبة لها، مُعرباً عن كثيرٍ من الودِّ والشوق عبر كلماته ونبرات صوته. وكانت رشا تتجاوب معه بدهاء شعرة معاوية في الحُكم الذي قال ذات مرّة:

"لو أنَّ بينى وبين الناس شعرةً ما انقطعتْ؛ لأنّهم إنْ مدّوها، خلَّيتُها (ارخيتُها)؛ وإنْ خلّوا  مددتُها (شددتُها)"

وفي يوم العطلة الأسبوعية التالي: أخبرت رشيدة أهلها أنَّها استفادت من دراستها مع زميلتها فاطمة، وأنَّ موعد الامتحانات اقترب، وعليها مراجعة دروسها معها. وهكذا أمضت جميع العطل الأسبوعية ذلك الشهر مع حمدان. وبذلت رشا جهدا وعناية لإسعاد حمدان وإذاقته حلاوة عسلها وشهْدها ومهاراتها، من دون أن تنسى وصية جدّتها. وشعر حمدان بسعادة غامرة، فلأول مرَّة في حياته يعاشر فتاةً بمثل جمال رشا وطيب كلامها، وروعة معاملتها. وأحسَّ إحساساً غامراً أنَّ الحبَّ الحقيقي ربط بين قلبيهما، ووحَّد روحيهما. فهي نصف روحه الذي كان يبحث عنه. وخُيِّل إليه أنّهما سيتزوجان وسيواجهان الحياة معاً، ويبنيان عشَّهما بالتعاون. لقد غلبت عليه هذه الرؤى الجميلة؛ ورافقته أحلام الليل والنهار السعيدة، حتّى أصبحتْ جزءً من حياته وواقعه.

***

ذات صباح، كانت رشيدة على متن الحافلة في طريقها إلى المدرسة، عندما لمحت أخاها، رشيد، واقفاً على قارعة الطريق وهو يتحدّث مع رجل آخر. لم تصدِّق عينَيها أوَّل الأمر. لوت عنقها وحملقت فيهما بشدّة. نعم إنهما أخوها رشيد وحمدان يتكلمان معاً. لماذا؟! هل جاء حمدان إلى أخيها ليخطبها منه؟ غير معقول. فالعادة أنَّ الخِطبة تتمُّ في منزل الفتاة وبناء على موعد مسبق، وليس على قارعة الطريق. هل جاء حمدان ليعرف أحوال عائلتها؟ وكيف وقع على أخيها؟! وظلّت تضرب أخماساً بأسداس. ولم تفهم شيئاً من الدرس الأوَّل ولا الدرس الذي بعده. وارتأتْ أن تتمارض وتذهب إلى المديرة وترجوها السماح لها بالعودة إلى المنزل. ولكن أخاها رشيد لن يكون في المنزل، فهو لا يعود من عمله قبل السادسة مساءً. وهي لا تريد أن تتصل به هاتفياً وتسأله عن الرجل الذي كان يتحدث معه في الشارع هذا الصباح. ولماذا؟ وكيف تعرفه؟ وظلَّت تتقلَّب على جمرِ الهواجس والشكوك.

بعد أن التقت رشيدة بأخيها ذلك المساء على سُفرة العشاء، تأنَّتْ إلى أن وجدتْ فرصة لتقول لأخيها رشيد إنها رأته هذا الصباح وهو يتحدَّث مع رجلٍ آخر على قارعة الطريق. وسألت بشيء من اللامبالاة عن ذلك الرجل.

أجاب أخوها رشيد:

ـ " إنه حمدان زميلي في الشركة. (ومن المصادفات أن أخاها رشيد يعمل بُستانيا في الشركة نفسها، للعناية بحديقتها وأشجارها ومزروعاتها، كما يذهب بين الفينة والأخرى إلى فيلا المديرة للعناية بحديقتها كذلك).

سألتْه رشيدة بدون إرادةٍ منها:

ـ " هل هو مدير الشركة؟"

ـ " لا، هو سائق المديرة."

وجدت نفسها تقول بشيء من الاستغراب:

ـ "هل أنتَ متأكِّد؟!" وأضافت مستدركةً:

ـ " فهو يرتدي بدلةً أنيقة!"

ـ " لأنه يرافق المديرة في اجتماعاتها مع الزبائن في مقرّاتِهم، وتريده أن يعطيهم أفضل انطباع عن الشركة." (تماماً كحرصها على نظافة السيارة نفسها في عيون الزبائن).

في تلك الليلة، لم تذُق رشيدة للنوم طعماً. فقد أصابتها الطعنة اللئيمة في صميم أعماقها، وقضت على جبل أحلامها، كما تدمر أمواجٌ عاتيةٌ تَلاً من الملح على ساحل البحر في ليلة عاصفة هوجاء.  فهي لا تعتزم أن تتزوَّج سائقا كذاباً خدعها بطلاوة لسانه، وضحك عليها. وبُعيد الفجر، وكما يقول المثل الفرنسي: La nuit porte conseil  " الليل يأتي بالنصيحة"، اتخذت قرارها القاطع: ستقطع شعرة معاوية، بل ستجتثها اجتثاثا من أصلها، وستقلعها قلعاً من منبتها. ولن تضيّع وقتها، والزمن أمامها. في الصباح ستبادر بتغيير رقم هاتفها. وتبديل محطة الحافلة التي تستقلها بعد المدرسة (مع العلم أنَّ عطلةَ شهرٍ ستبدأ بعد بضعة أيام ليستعدَّ خلالها طلاب البكلوريا للامتحان). بخلاصة: لا تريد أن تراه أبداً، حتّى لو فرش الأرضَ لها ببساطٍ منسوج من ذهب خالص، وأقبل عليها زاحفاً على يديه ورجليه مثل كلبٍ ذليل، وهو يعضُّ بين أنيابه المكشِّرة على خاتم الزواج من الألماس الأكثر شفافية، والأشد لمعاناً، والأندر لونا، والأكبر حجماً.

***

رجعت سعادة المديرة وزوجُها وابنتُها من عطلتهم السعيدة في أمريكا في الموعد المحدَّد وبرقم بالرحلة اللذَين أعطتهما لسائقها المخلص. واستغربت سعادتها، وهي تخرج من قسم الإجراءات في المطار، أنَّ سائقها حمدان لم يَلُح لعينيها. والعادة أنَّه يحضر قبل وصولها، ويفعل كلَّ ما يستطيع لكي تراه في الانتظار، ويلوّح إليها بكلتا يديه مرحِّباً. كان ذلك يوم العطلة الأسبوعية. فاتصلت بالمهندس عبد الخالق، المدير وكالةً، في منزله لتسأله عن حمدان. أخبرها أن حمدان حضر إلى العمل قبل ثلاثة أيام وهو مكتئب ثم أصابته دوخةٌ، وكان على وشك أن يُغمى عليه. فنقلناه إلى الطبيب الذي شخّص حالته بفرط ضغط الدم المفاجئ، وأعطاه وصفة بالأدوية اللازمة، وأوصاه بالاستراحة في منزله مدَّة أسبوعَين. ومع ذلك فقد عزم حمدان على استقبالك في المطار. فمنعتُه من ذلك خشية أن يُصاب بالدوار وأنتم معه، واحتفظتُ بمفاتيح السيّارة في مكتبي.

الحلُّ بسيط: أخذتْ سعادة المديرة سيّارتَي أُجرة من المطار، إحداها لعائلتها. والأخرى لحقائبها.

***

قصة قصيرة

بحاسوب: علي القاسمي

 

 

 

علي نويرهل كانوا شُهُباً

هبطتْ في غير أوانٍ

فاشتعلتْ،

وأضاءتْ،

وخَبَتْ ؟

هل كانوا عُشّاقاً للتحليقِ العالي؟

أم كانوا أخوة َيوسُف َ

لا يعقوبَ لهم،

لا فرعونَ، ولا قارون،

لا كَيلَ ولا مِكيال ،

مطرودينَ من الجنّةِ،

مطرودينَ من الحانات؟

*

لم يبقَ لهم

من هذا الليلِ

سوى خيطِ ثُمالتهِ،

لم يبقَ لهم

من هذا العمر (الفاهي)

غير عشاءٍ بائِت،

وأغانٍ

ما عادتْ تُطرِبُ أحداً،

لم يبقَ لهم

غير دِنانٍ فارغةٍ،

وسماءٍ شاهقةٍ،

إلّا من سُحُبٍ كاذبةٍ،

ودُخان .

والذاكرة ُالمعطوبة ُ تَنزف ُ

مازالت

عند حدودِ الوهمِ الأولى

تتأمّل ُطفلَ الحارات .

*

كانوا شُهُباً

صاروا في " الحبّوبي"،*

والبصرةِ،

في نفقِ التحريرِ،

وساحتهِ :

شهداء َ وجرحى .

*

كيفَ تُصدّقُ أمّ ٌ ثكلى

بحكايتنا المطعونةِ والموهومةِ:

أنّ فتاها ليس سوى وهمِ شهابٍ

مرّ وغاب ْ؟

كيف تُصدّق ُ:

أنّ حَصادَ العمرِ رمادٌ لا أكثر؟

كيف تُصدّقُ أنّ القاتل َ، مدفوعَ الأجرِ،

جلالتهُ مازالَ يمارسُ عادتَهُ في العَيشِ، وفي القتلِ معاً؟

مازال هنا بين الناس،

أو يتسكّعُ في أوربا؟

*

كيف لنا أن نرضى بالمقسوم

ولُقمتنا زقّوم؟

كيف لنا أن نحيا في وطنٍ لا شيء لنا فيهِ سوى القبر؟

*

هل كان الشهداءُ على وعد اللُقيا

في زمنٍ آخرَ،

في أرضٍ أخرى؟

*

هل كان " السرّايُ " وحيداً في الشارعِ؟**

هل ميّزَ بين الكاتمِ والمكتوم؟

أو بين هديرِ الرايات؟

*

في أقصى هَدأتهِ

عدّلَ هَيأَتَهُ،

عَبرَ الشارعَ كي يلحقَ بالرَكْبِ،

ولم يعرف أنّ الرمية َتمّت

من أين لهُ أن يعرفَ سِرَّ المقذوفِ القادمِ،

والعابرِ من بين "الخوذات"؟

*

الذاكرة ُالآنَ اشتعلتْ،

ثمّ انطفأتْ

لا شيءَ سوى جسدٍ ذاوٍ،

وبلادٍ تتهاوى

وسْطَ نداءِ ( الباعةِ )،

والنَدّابات .

***

علي نويّر

/١٢/٢٠٢٠

..........................

*  "ساحة الحبّوبي" في مدينة الناصرية، من معاقل انتفاضة تشرين الخالدة .

*   "السرّاي" من شهداء الانتفاضة في ساحة التحرير ببغداد .

 

 

زياد كامل السامرائيالجدي

لا عليكَ سوى أن ترقبَ الذئب

عندما يتركُ وظيفته ليكون ملاكا

فيما أنتَ ..

أنفاسك تتقطّعُ...

لتصل آخر الهول مع أيلول من الأيام

إذْ لم تُبصر الذي بقيَ منه

هدّكَ النواح و سَبَتكَ الذاكرة .

**

العقرب

فؤاد الكثيب

معكَ بطفولتهِ سعيد!

الرمال و الحجر و رائحة الهجران

تبتزُّ جِلدكَ

و تُطعِمُ نهايتكَ الجذلى بالوسن

تُباركُ لكَ سوط الغريب

فِتنة الضرير

كلما خانته عصاه أنْ تلمسَ شفاه الأمل

فلا تبتئس لو التبسَ عليكَ الصباح

مُدَّ يدكَ الوحيدة للخاسرين

قبل أنْ يلسعكَ الندم

ويترككَ في الخواء الدود.

**

الدلو

أطوار النبع دمع

و شهوة البُركان فم

كيفما سال في الشريان دم !

ما يؤلم الوردة.. أن يكون الغصن بحجم الليل

وأن لايكون في المنام ندى

لكَ الغُرفةُ الأولى تعلو بنا !

ولي نصيبٌ من الجُبِّ

ترابا و ظمأً طاهرا .

**

العذراء

يكتبُكِ الفجر..

آصرة مع العُشبِ الفاتن

بكِ تفرحُ فراشة القُبل و تسيح ..

كلما هززتِ آخر نجمة

إنكسر الضوء

ليسّاقط لؤلؤا بين يديكِ.

عزلاء ..

تتعثرُ برسم دموعكِ الملائكة

ولا أحد يكتبكِ الاّ برحيقِ الهواجسِ

حيثما يومضْ صمتكِ

يقتفي الخشوع إثركِ عالي السماء ...

بمرارة.

**

القوس

كلانا ينتظرُ عبارة الرعد

لو أقسمَ : بلا أثرٍ أو مطر

وكلانا سوف يمضي كفرسٍ هرِم بغتة

غطّتْ ظهره أوراق الكستناء

ولم يعُدْ قلبه جنرالا رومانسيا

يدقّ بعصاه جسد الموتى

قوس نار  خلّفَ

نشفَ ريقه، كأُضحية طاردها العيد !

**

الميزان

أكتبُ..... في الشعرِ

من رعشاتِ الشجرِ وغياب الضِفاف و السوسن

قبل أن تُغمضَ الورقة عينيها

فترتبكُ الأسماء التي حَفِظتُها

أروّض لذلك قلمي البريّ أنْ يصطاد المعنى و الوصف

عندما يكونان في متاهةِ النسغِ

كيلا أُفاجىء المتْن

على أنّ النرجس سيكبرُ

ويصير الهامش مع التراب ...

ترابا.

**

الجوزاء

البلاد ....

التي غابتْ في الأفلاكِ

تأخرتْ عن عربةٍ، بلا غزلانٍ

فاستعانتْ بغُرابِ البين

يقفُ عليها طوال الحزن

حتى اختفىتْ آخر نطفة من ظلالها.

***

زياد كامل السامرائي

 

زهرة الحواشي مرثية حلَّاج البلاد..

الشاعر والروائي والناقد علَّالة حوَّاشي


 من يرتدي جبّة الله !!

ها قد نزعتّ الجبّة

و ملصتَ عن كفّيك أعنّتك

و تلحّفت الخلود

خبّرني حلاّجَ البلاد

كيف عبَرتَ الرّحلة

هل هدوء وسلاما

ام ضرّك كسرُ القيود

 

2841 علَّالة حوَّاشيرأيتك حين تدثّرتَ

و الفصل صِبًى بهيّا

كنت تزرع حبّاتِ المعاني

فتزهر قبل ميعاد الورود

و في كفّيك تطعمُ الطّير

تسقيه من المجد العتيد

و رأيت جبّة الله

حثيثة الخطوِ إليك

كانت كساءَ النّور

لتسابيحِ الوجود

.

خبّرني حلاجَ البلاد

لم استعجلت الرّحيل

لو تمهّلت قليلا

نمشي بالدّرب قليلا

فلمْ نسر إلّا قليلا ...

أبِكَ الجبّةُ ضاقت

ام ترى باتتْ هباء ً

أم هو زيْف الرّفاق

و انتكاسات الآماني

بعد نُكثان الوعود

لمَ أودعتَ الرّسائل

في متاهات الصّدى

في كهوف تتلاغى

بأعاصير الجُحود ....

ها مآقيّ تجود

اغرقت ماء السّبيل

سأل الصٌحب أحقّا؟

أمزاحٌ أم رحيل !

قلت بل أغسلُ عيني

من قذى رمل دخيل

ههنا بين ضلوعي

صرحُ حلّاجي الجميل

دونه خفقانُ قلبي

إذ بِنبضِه مستقيل

يمرحُ كالطّفل يرنو

لرُبى شمس الأصيل

يتهادى في ابتسام

يزرع الودّ الأثيل

شامخ الهامة شمسا

بات يخشاها الأُفول

حالما حلم إلاهٍ

عاشقٍ ليلى البتول

يذرو من طيبِه ريحا

و بَخورا لا يزول

يملأ كأس الشّهيد

برواءٍ سلسبيل

و يطوفُ الليل نجما

ساطعا شهما أصيل

حاملا زيْن الهدايا

تبهجُ القلب العليل

من قطوف قد سقاها

لجّة العينِ الأسيل

أي حبيبي يا ابنَ أمّي

طبْ مقاما ومناما

أوَ تمحو لحظاتٌ

.رحلةَ العُمر الطّويل !

***

زهرة حواشي . تونس

الإربعاء 01 سبتمبر 2021 .

 

عبد الامير العباديتسألني، زائرةُ احلامي

قارئةً لي صحفُ المساءِ

تذكرني بقصائدِ المهزومين

ارى ملحاً يتطايرُ

لايتركُ اثراً انه عذاباتٌ للجسدِ

 

كسيحةٌ زينةٌ النساءِ

المتخفيةُ تحتَ شالِ السوادِ

اسيرةٌ لحقبِ الزورِ والبهتانِ

لكم انتِ جميلةٌ بظفائرَ

خيوطها الحريةُ

 

يا انتِ لاتقتربي

لنشوةِ فرحي

هو المؤجلُ بينَ الحينِ والحينِ

قيدٌ يتمشى معَ ارواحنا

زُرعَ في اوديةٍ سقايتها الدمُ

والموتُ الزؤامِ

 

يا انتِ اياكِ ان تتجذري

روحاً او مقلةَ

عصفورةِ صباحٍ

لقد اجتمعتْ هنا ارواحُ الشياطين

وهذه الارضُ بكرٌ للخرابِ

 

هتافٌ يأتيني من معمورةِ الاربابِ

ثمةَ مَن أتى اليها

من غزواتٍ فرتْ منها خيولُ الاصالةِ

والعشقُ للنسيانِ مرادٌ وامانيُ

ووطنٌ قدسيتهُ وثبةَ عارٍ

 

حتى في قصائدِ الخلدِ والغرامِ

نتوشحُ باثوابٍ اغرقتها

لجةُ سحابةٍ انكسارنا المؤبدِ

ياله من زيفٍ يعادي

اماسي الخلاصِ حينَ يحتفى به

 

الجعدُ بن درهم

اغوتهُ فسحةُ النطقِ

كلمَ الناسُ تكليماً

وحينَ اكتشفَ ان الربَّ

تنزهَ عن مخلوقاتهِ

هتفَ المنادي

اذبحوهُ مع أضاحي العيدِ

 

فخرنا نحفرُ الانفاقَ

نتباهى بنصلِ السيفِ

نبري اقلامنا ،مدوناتنا تتخفى

اسيرةً من عارٍ الى عارٍ

كم كنتُ اخشى قساوةَ الايمانِ

بعصبةٍ قطعتنا اوصالاً

 

ابلغتني رسائلُ امي

خذْ اليكَ قربةَ حنظلٍ

او سوادَ طريقٍ

انتَ لستَ على هدي مخاريقَ

صُنعتْ لنا ازقةً

خلدتنا رواقين لنا جنونُ ابديٌ

 

لابأسَ صديقيَ

ربما نطفئُ الكهوفَ التي علمتنا

مناسكَ الحبِ المقدسِ

او نحتسي اهاتِ ضيمنا

اننا تناسينا فوّهةَ بندقيةٍ

(مو حياة او سلام الما تجيبه البندقية موسلام مو سلام) يا صديقي

مو سلام

***

عبد الأمير العبادي

 

 

عقيل العبودأمسى الألم أكثر تفاقمًا من ذي قبل، قرر أن يترك عمله كما أوصاه الطبيب المختص بأمراض الأعصاب. فكر مع نفسه بشيء ما، راح يحتسي كوب الشاي الذي أمامه ببطء متأمل، متحديًا أوجاع مفاصله التي جعلته يشعر بالوهن.

سأل نفسه عن ألغاز ما تجسد أمامه، استعاد مشاهد الصور التي تعود إلى زمن مضى.

بقيت الخطوط المرسومة أمامه قائمة في الفراغ، بينما انصرفت أفكاره إلى حقائق لها علاقة بأحداث الحاضر.

"إذن علي بتدوين ما أدركته لاحقًا"، قالها مع نفسه باندفاع.

أضحت ذاكرته منشغلة، بتصفح موضوعات لها علاقة برسومات تم تركيبها بألوان مختلفة.

غدت نفسه أكثر توقا للتقصي في قوانين الفيزياء التي فهم بعضًا منها بفضل صديقه المحاضر في المادة المذكورة، وبدرجة تكاد لا تختلف عن المعادلات التي أحب التحقيق فيها في علم الكيمياء، وجد نفسه محاطا بأبحاث فضاءات هذا العالم الفسيح.

صار بإمكانه أن يفهم أيضا في الجينات، والطب والهندسة، والرياضيات.

أحس بالأمل يسري كما الدم في العروق ، أمسك كمامة قميصه، الذي أهداه إياه ابنه بمناسبة عيد ميلاده الذي شارف على الستين.

راحت عيناه تتطلع الى الجامعة التي يعمل فيها، إتسعت مساحة أفكاره.

أصر أن يدون إملاءات مشاعره، لعلها بها يتم الاستعانة بما تم التوصل اليه تاركًا خلفه تاريخًا من التفاصيل.

أمضى خطوات رحلته القادمة متخطيا جميع العقبات. نظر الى تجاعيد وجهه التي استقرت بعض خطوطها مع مفاتيح تلك الأسرار. لم تكن حركته كما كانت بالأمس القريب، فهو لم يعد يقوى بعد ان يتحمل الوقوف طويلًا، لكنه صار أكثر حرصا على الوقت.

أصبحت مهمة البحث لديه أكثر إلحاحًا حتى لو تطلب الأمر أن يفني عمره لأجلها.

وجد نفسه مواكبًا على ما تم الإمضاء عليه مع نفسه.

حول بيته الى مكتب للبحث العلمي، وضع مكتبًا لدراسات الكيمياء ، وآخر للفيزياء

وهكذا وجد حلًا لمشروع أطروحته المعلقة، والتي هي عبارة عن سلسلة محاضرات، بقي قسمًا منها قيد التدوين على أمل إضافة استنتاجات أخرى جديدة.

***

عقيل العبود/ كاليفورنيا

 

 

قصي الشيخ عسكرقصص قصيرة جدا


 مشنقة

كلما رأيت مشنقة تحسست عنقي

**

أعسر

احتفلت  في الثالث عشر من آب، كان معي الكثيرون من العباقرة والساسة: أرسطو.. آينشتاين.. كلنتون.. أوباما وآخرون في الوقت نفسه كدت أكاد ابكي حين أبصرني معلم مدرسة التنّومة قبل ستين عاما وأنا أكتب بيدي اليسرى سخر مني وهتف شاذ ..خلال  الاستراحة تجمع حولي التلاميذ يصرخون مثل ببغاوات شرسة: شاذ. لقد بكيت حقّا(1)

**

عينان هاربتان

أغمض عينية كيلا تؤذيه رؤية الآخرين وعندما فتحهما بعد عقود لم يجدهما

**

الصندوق العجيب

لقد تعجلت في أن أحوز على النقود كلّها،فقد قال لي جدي الذي ورثت عنه الصندوق العجيب إنّ بإمكاني أن أمدّ يدي من الفتحة الوحيدة فيه متى اشاء فاحصل على مايكفيني من نقود،وحالما أزحت الغطاء وقع بصري على افاع وعقارب بدأت تتململ

**

زيت

اختفت بقعة الزيت من الساحل فأوت إليه الحيتان القاتلة مثل حيوانات أليفة (2)

***

د. قصي الشيخ عسكر

................

(1) في هذا اليوم يتم الاحتقال بالأعسرين وهم يشكلون نصف عباقرة العالم، على فكرة أنا لست أعسرا

(2) قد يكون أصاب الحيتان الدوار من الزيت أو أدمنته فتروّضت

ملاحظة: معذرة تعطّل عندي الكومبيوتر ولم يتمّ إصلاحه إلا أمس لذلك لم أتابع الصحف والمجلات أما قصص اللمحة  هذه فقد كتبتها على ورقة في الليل والعجيب أنني وجدت نفسي غريبا عن الكتابة حيث لم أكتب على الورق منذ أكثر من ربع قرن بدا الورق غريبا عني ولم أشعر بلذة الكتابة عليه رغم أنه لايخون مثل الكومبيوتر الذي  كثيرا ما يمسح ما نكتبه بسبب فيروس أو أمر آخر فنفقده لنعيد كتابته  من جديد

أما الهامشان فهما من اقتراح استاذي الدكتور عبد الرضا علي الذي قرات عليه عبر الهاتف هذه القصص فنصحني أن أعرّف عبر الهامش بيوم الأعسرين وأن أوضّح سبب انقلاب الحيتان إلى حيوانات أليفة عن تسممها أو إدمانها فالهامش برأيه جزء جماليّ مهم من النصّ 

 

 

صادق السامرائيمِنْ مياهِ النَهْرِ أوْ مـــــاءِ السَماءِ

مِنْ جُسومِ الخَلقِ في كَنزِ الثواءِ

 

قطرةٌ جابَتْ ربوعاً لا تَـراها

وتَماهَتْ حينَ طارَتْ بالهواءِ

 

وتَعالتْ فـــــي رُبى غَيْمٍ هَطيلٍ

مَطراً صارَتْ وجادَتْ بالعَطاءِ

 

إنَّها تَسْري بذاتٍ وتُرابٍ

وبأرْجاءِ وجودٍ وفَضاءِ

 

بينَ نَهرٍ ثمَّ بَحْرٍ أوْ بِبئرٍ

ومُحيْطاتٍ تواصَتْ بامْتلاءِ

 

سافرَتْ نَشوى بحَيٍّ أو جَمادٍ

وتَبارَتْ ضدَّ أهْوالِ انْتِهاءِ

 

إنّها تَبقى بأرْضٍ وحَياةٍ

تَتَباهى بانْتقالٍ وبَقاءِ

 

كلّ مَوْجودٍ كحَيٍّ سَوفَ يَفنى

قطرةُ الماءِ سَتَحْيا بالفَناءِ

 

تَكنزُ الذِكْرى وتَدْري ما اعْتَرانا

عِندَها التأريخُ مَرْصوصُ البِناءِ

 

قطرةٌ فيها مَسيرٌ للبَرايا

تكْشِفُ الأيّامُ مَطمورَ الخَباءِ

 

هيَ جُزءان وجُزءٌ ذاتُ أصْرٍ

جُمِعَتْ نارٌ بنارٍ وبماءِ

 

حَمَلتْ نَبْضَ وجودٍ مِنْ بَعيدٍ

سَكَبَتْ فينا رَحيقَ الإنْتِماءِ

 

لا تَقلْ أنّي وجاهِرْ في كِيانٍ

صُنوَ كوْنٍ كائنٍ رَهنَ السَواء

 

قطرةٌ جابَتْ ربوعاً في خَليقٍ

ثمَّ عادَتْ تَشْتَكي بُهْتَ انْضواءِ

 

وذئابُ الجَهْلِ أضْحَتْ أمّةً

فوقَ تلٍّ واسْتَعانَتْ بالعَواءِ

 

وإذا المَحْرومُ فيها مُسْتفيقٌ

مِنْ قنوطٍ مُسْتَجيرٍ بالخَواءِ

 

إنّها جاءَتْ ببُشرى مِنْ يَقوظٍ

جَعَلَ الفِعْلَ رَسولاً للنِداءِ

 

زعْزَعَتْ أرْكانَ بُهْتٍ مُسْتَخيْبٍ

وضَلالٍ يتَخفّى بالنَقاءِ

 

فاكْشِفِ المَسْتورَ لا تقرَبْ إليْها

بَصَرَتْ نوراً وفاضَتْ بالسَناءِ

 

عَجَباً نثِّتْ وأحْيَتْ مُحْتَواها

وتَوارَتْ في ثَنايا الإبْتداءِ

 

يا رُؤى الأطْيافِ يا طيْفَ أمانٍ

وَسِعَتْ روحٌ زمانَ الإرْتقاءِ

 

أيّها البَحْرُ المُكنّى بَعْضَ قَطْرٍ

قطرةٌ منّا تعَرَّتْ كالهَباءِ

 

يا بِحاراً سُجِّرَتْ حينَ انْقِداحٍ

وإذا الأجزاءُ أضْحَتْ في عَناءِ

 

مِنْ مياهِ الروح يُسْقى مُنْطوانا

وقليلُ الماءِ مِنْ صِنْفِ الدَواءِ

 

كتبتْ أجيالُ أرْضٍ سِفْر خَطْوٍ

وتنشَّتْ بعَصيْرِ الإنْجِلاءِ

 

هكذا الأيّامُ تُدْحى بصَغيرٍ

يَتواهى لحُجومِ الإنْزواءِ

 

قُدْرَةُ الأكْوانِ فيما قد تَناهى

وكذا الذراتُ يَنْبوعُ البلاءِ

 

أطْعِميْنا أمّة القطْراتِ شَهْداً

وامْنَحيْنا بعْضَ أسْبابِ الشَفاءِ

 

إنّنا نَحْيا بجَفوٍ وابْتِعادٍ

وأرانا في مَتاهاتِ العَداءِ

 

كلّما دارتْ أتَتْنا بغَريْبٍ

وبإثمٍ منْ بَديعاتِ الغَشاءِ

 

إنّها ليلٌ طويلٌ دونَ فجْرٍ

وبها الصُبحُ تراأى كالمَساءِ

 

فلماذا إنْتهينا لضَئيلٍ

وعَدوْنا كحِصانٍ في الخَلاءِ

 

أيّها الساقي لماذا تشتكينا

هلْ شكوناكَ بعَصْرِ الإنْطِفاءِ؟

 

نفثتْ شوقاً وروحاً واسْتَخارَتْ

ورَمتْ حِمْلاً بنارِ الإنْشواءِ

 

وبها ألقتْ عَصاها في خِيامٍ

جَمَعَتْ ضُداً بضدٍ وانْتخاءِ

 

لا تَلُمْ حَيًّا سَبوْغاً في رَميْضٍ

يَتدانى مِنْ مُعِيلاتِ الوباءِ

 

إنّها الدُنْيا بقَطْرٍ مِنْ دُموعٍ

وبفَيْضٍ مِنْ يَنابيْعِ الدِماءِ!!

***

د. صادق السامرائي

8\9\2021

 

 

ادم عربيقرب موجة اطلسيةْ

طائر الفنيق يُطاردْ

نورساً هائماً بلا قضيةْ

 

اعياه البحث عن اثرٍ

لشاطيءٍ

لمركبٍ من قرون اثرية

 

ساحرٌةٌ انتِ

مبدعةٌ انتِ

عندما كنتِ القضيةْ

 

متالقةٌ انتِ

جميلةٌ انتِ

عندما اصبحتِ القضية

 

لمعَ دهائك ِ

ابرقتْ عيناكِ

اضائت ليلُ وحشتي

كساحرةٌ اغريقيةْ

 

كيف سيزهر الزمانْ؟

كيف نغادر المكان؟

الا اذا كنا حرفينْ

في كلمةٍ ثنائيةْ

 

لا تبتعدي

لا تقتربي

ابق حيث انتِ

فانا غادرتُ الابجديةْ

 

يا لحن اعمدة التاريخ

بلا اغنية

بلا كلمات

ساحة بيزنطيةْ

 

في حضرتك سيدتي

يعجز اللحن عن الايقاع

في حضرتك سيدتي

لا مكان الا لكِ

وستظلِ اللحن

وستظلِ القضيةْ.

***

د. ادم عربي

 

سوف عبيدضفائرُها

اِنداحت ذؤاباتُها

على صدره

فتراءت له على الوهاد والتّلال

بيادرُ قمح

وكثبانٌ... وواحات

وكنوزٌ جُزر واق الواق

*

أَحَبَّ عُذوبتَها

أحَبّ عُنفوانَها

أحبّ السّماءَ في عينيها

صافيةً

ثمّ في لحظةٍ

اِنبثقت لهفةُ الأنامل

بين الرّغبة

والرّهبة

*

لا... نعم

لا... نعم

ثمّ اِنطلقتْ مُهرةُ

في البراري

بلا قيد

بلا لجام

بلا ركابٍ ولا سَرج

تُحمحم ضابحةً

مُجَنِّحةً

حتّى تصلَ إلى ذَروةِ الوجد

*

كَمِثل جوادِ جَمُوح

وسَط وَطيسِ الحرب

خاض فارسُه

غِمَارَ الحُبّ

ينتصرُ... أو يموتْ

ففي العشق يحيا

دائما أبدًا... يحيا

...والزّمانُ يفُوت

***

سُوف عبيد

 

كفاح الزهاويلست متشائماً، رغم الحزن يضيق صدري. ما أشد مفاجآت الدنيا، عندما تكون، عنيفة، مضنية، تثير سأم الروح، وهدم الكيان، لحظات الصمت والانتظار ثم الموت.

كان أول نهار من شهر أيار، يوما ربيعيا عذبا. كانت السماء صافية والطقس مشمساً. الأرض الندية راحت تتخلص من بخر رطوبة الشتاء المتراكمة فيها، وما زالت أوراق الأشجار تتلألأ بندى الليل.

خرجت من البيت لأمشي تحت الشمس الدافئة في الممرات الضيقة بين الحشائش المرقطة بالزهور البرية الصفراء والأشجار الباسقة، المتشابكة على الجانبين، مُشَكِّلةً مظلة من خضرة، للقيام ببعض التمارين اليومية التي تعودت على ممارستها للاسترخاء من التوترات العضلية وكوابيس الأحلام. ولان الوقت كان ساعة عمل، انتابني شعور بأن الهدوء يفرض سلطته على فضاء الكون، حتى كاد الطريق المخصص للمارّة خاليا من الناس، ما عدا احيانا يظهر في الأبعاد ثمة رجل طاعن في السن يمشي مع كلبه. وارى على مرمى النظر امرأة مسنة: عبارة عن مخلوقة متوسطة القامة، شاحبة الوجه، ضامرة الجسم تخترق الطرقات بخطوات متسارعة متحديةً قساوة الزمن لتؤجل وداعها الى العالم الاخر من خلال رفع رصيدها رقماً إضافياً، فتنفخ ببالون الحياة، لتملأها ديمومة النشاط.

كان هدير خطواتي يتناغم مع كل وطأة قدم تلامس الأرض، فتبدو الحياة كقوس قزح ينشر ألوانه في الفضاء الرحيب.

تمعنت بتجمعات الطيور بأشكالها المتنوعة وألوانها المختلفة وهم ينقرون الاسفلت ويبحثون بين حنايا الحشائش الندية عن الطعام أو الدود. وهناك عصفورة جميلة، مبتهجة التقطت بمنقارها الصغير قطعة من الخبز وانطلقت بها محلقة كالطائرة عند لحظة إقلاعها نحو الشجرة العالية حيث عشها الذي أكبر من حجمها بمرات، قد بنته بجهد جهيد وهي تحمل الغصن بعد الغصن المتراكم كفرش منبسط على الأرض، وتحلق به لتبني بيتا لها ولصغارها. وفي كثير من المرات كان يسقط الغصن من منقارها، فتهبط ثانية بخفة ودون جلجلة أو الشعور بالعناء لجلبه. وحال ان تصل الى العش تسمع زقزقات افراخها فاتحةً أفواهها لاستقبال الطعام وبينما تشرع الام بتمضيغ الطعام وتدس في فمهم بالتناوب حتى يشعر الجميع بالاكتفاء، ويملأ العش انسجام رائع.

كنت أراقب سير العمل بشغف لا محدود لأكون شاهداً على استيعاب هذه العصفورة الصغيرة التي تخزن في جسدها الصغير فيضاً من الطاقة والصبر، يتجلى في قدرة اعضاءها على أداء هذه المهمة الشاقة، بل حبها فوق التصورات لأفراخها رغم انها تحمل قلبا، بحجم حصوة صغيرة جدا. كنت سارحا بل مذهولا امام هذه القوة الخارقة. كنت أتساءل ما هي أحلامها وطموحاتها وكفاحها في سبيل ديمومة حياتها وأطفالها. تنثر الفرح والبهجة وتخلق جوا من الأمل. تبني لهم عشا أوسع بعد ان كبر حجم العائلة ومتطلباتها.

بعد لحظات غادرت عشها وراحت تسبح في دنيا الفضاء مع صمت الريح المفاجئ، تتنفس نسائم الهواء، فتنعش زهرة الحياة بعيدةً، غارقةً في أحلامها. حدث ذلك بعد إتمام عملها وتوفير المستلزمات الضرورية من الراحة والأمان لصغارها.

ما ان عادت العصفورة الى عشها، خيم صمت طويل وقاسٍ. أصابتها شرارة الحزن، فقد خُمِدتْ فجأة، جمرة الحياة.

كان قد اقتحم طير جارح عشهم الهادئ في غيابها لتدمر تعب الزمان. لَمحتُ العصفورة وهي تغادر عشها نحو الشمس الساطعة، وإذا بأشعة الشمس تلفح عينيّ فتؤلمها، بحيث عجزتُ عن متابعة العصفورة التي كانت تحلق نحو المجهول. رحلة حياتها البهيجة تنتهي هناك.

انتابني شعوراً غامضاً يُحوِّط هواجسي، دون ان تظهر معالمه على قسمات وجهي. عدت الى البيت، مترعاً بالحزن.

***

كفاح الزهاوي

 

يحيى السماويوأنا قديماً

كنتُ ربَّ الغابةِ المسحورةِ الأشجارِ

سَيِّدَ أمرِها ..

فغدوتُ عبدا


  (1) خطيئة آدم السـومريّ

سـامـرتُ يـومـا غـادةً ضـوئـيـةَ الـنـهـديـنِ ..

فِـضَّـةُ جـيـدِهــا فُــلٌّ ..

وسُــنـبُـلُ شَـعـرِهـا ذَهَــبٌ ..

وصـدرٌ نـاعـمُ الـنـيـرانِ ضَـوْعُ لـهـيـبِـهِ نـهـرانِ:

مـن عـطـرٍ و خـمـرِ

*

نـزعَـتْ مُـلاءَتـهـا.. (1)

فَـجُـنَّ الـمـارقُ الـشـيـطـانُ فـي جَـسَـدي ..

وإذْ كـشَـفَـتْ تُـوَيْـجـتَـهــا وأوشَــكَ مَـيْـسَـمـي أنْ..... !

فَـزَّ قـلـبـي

واسْــتـحَـتْ أغـصـانـيَ الـظـمـيـاءُ مـن جـذري

*

فـمَـنْ ذا أخـبَـرَ الـمـعـصـومـةَ الـعـيـنـينِ " إيــنـانـا "؟ (2)

ومـا بـيـنـي وبـيـنَ عـيـونِـهـا

مـثـلُ الـذي بـيـن الـنـهـارِ وطـلـعـةِ الـبـدرِ؟

*

رأيـتُـكَ ـ قـالـتِ الـمـعـصـومـةُ الـعـيـنـيـنِ ـ مـا عـذرُ الـخـؤونِ؟

تـخَـثَّـرَتْ لـغـتـي عـلـى شــفــتـي ..

وجَـفَّ نـمـيـرُ حـنـجـرتـي..

فـمـا أُخـفـي وقـدْ فـضَـحَـتْ ثـيـابُ خـطـيـئـتـي سِــرّي؟

*

أجِـبْ ـ صـاحَـتْ..

فـقـلـتُ لـهـا:

خـطـيـئـةُ " آدمٍ "

أغـوتْ فـمـي " تُـفّـاحـةٌ " فـي الـغـابـةِ الـحَـجَـريَّـةِ الأشـجـارِ..

دانـيـةٌ..

وكـنـتُ أجـولُ بـدءَ الـلـيـلِ فـي أحـيـاءِ أوروكَ الـجـديـدةِ

أتَّـقـي ضَـجـري..

وكـان الـجـوعُ يـطـحـنـنـي وأنـتِ بـعـيـدةٌ

فـظـنَـنْـتُـنـي فـي مـأمَـنٍ مـن مُـقـلـتـيـكِ

ومـن رقـابـةِ عـبـدِكِ الـقـدّيـسِ " عـشـقـائـيـلَ "

فـالـتـمـسـي لأمـري مـاءَ مـغـفـرةٍ

يَـقـيـنـي مـن كـلامِ الـنـاسِ

لا مـن خِـزيِ يـومِ الـسـؤْلِ فـي الـحَــشْــرِ

*

يَـضـيـعُ الـسـومـريُّ إذا أطـالَ بـغـيـرِ أوروكَ الـمـقـامَ ..

فـنـهـرُهُ :

يـجـري ولا يـجـري

*

أشــاحَـتْ عـن دمـي نَـسَـغـاً ..

وعـن ثـغـري نـدى زهـرٍ ..

ودِفـئـاً عـن سـريـري..

والـهـواءَ الـطَّـلْـقَ عـن صـدري

*

فـمـا شَــفـعَـتْ تـسـابـيـحـي

ولا صِـدقُ الـتـبَـتُّـلِ فـي صـلاةِ الـشـفْـعِ والـوِتْـرِ

*

فـمـا أدري:

أصُـبـحُ الأرضِ أكـثـرُ ظُـلـمـةً

فـي عـيـنِ مَـنْ خـانَ الـهـوى

أم ظـلـمـةُ الـقـبـرِ؟

***

(2) خـطـيـئـة إنـلـيـل (*)

" إنـلـيـلُ " جـمـعـاً صـارَ فـي " أوروكَ ".. (2)

يـفـعـلُ مـا يـشـاءُ

وكـان فـردا

*

والـمـاءُ فـي أوروكَ مُـرّاً صـارَ لا يُـقـوى عـلـيـهِ

وكـانَ شـهـدا

*

والـخـبـزُ فـي أوروكَ تِـبـنـاً صـارَ

لا يُـسـعـى إلـيـهِ

وكـانَ رغْـدا

*

والـدربُ فـي أوروكَ شـوكـاً صار لا يُـمـشـى عـلـيـهِ

وكـانَ وَرْدا

*

والـعـشـقُ فـي أوروكَ كـانَ قِـلادةً

فـأُحِـيْـلَ قَـيْـدا

*

وأنـا قـديـمـاً

كـنـتُ ربَّ الـغـابـةِ الـمـسـحـورةِ الأشـجـارِ

سَــيِّـدَ أمـرِهـا ..

فـغـدوتُ عـبـدا

***

(3) تسمية أخرى للفصول

سـأعـيـدُ تـسـمـيـةَ الـفـصـولِ ..

الـصـيـفُ:

نـهـرُكِ أسْــتـجـيـرُ بـبـردِهِ مـن قـيـظِ بـاديـةِ الـسـمـاوةِ ..

والـشـتـاءُ:

دفِـيءُ خِـدرِكِ حـيـنَ نَـلـتَـحِـفُ الأغـانـي ..

والـربـيـعُ:

تـسـلّـقُ الأشـجـارِ فـي وادي الـقـرنـفـلِ

والـخـريـفُ:

إذا زعَـلْـنـا سـاعـةً أو سـاعـتـيـنِ

كـأنْ أفـكِّـرُ بـالـقـصـيـدةِ قـبـلَ تـمـسـيـدي

زهـورَ ضـفـيـرةٍ وحـريـرَ خـصـرِ

*

وكـأنْ:

أُجـيـبُ عـلـى مُـهـاتـفـةٍ

ونـحـنُ مُـحَـلِّـقَـيـنِ عـلـى جَـنـاحِ وِســادةٍ ..

نُـدنـي مـن الأرضِ الــســمـاءَ..

ومـن زفـيـرِكِ أســتـقـي مـائـي وخـمـري

*

وكـأنْ:

أنـامُ ولـيـس صـدرُكِ فـوقَ

صـدري

*

زعَـلٌ طـويـلٌ قـدْ يَـدومُ لـسـاعـةٍ

أو سـاعـتـيـنِ ..

نـعـودُ بـعـدهـمـا كـمـا طـفـلانِ مـجـنـونـانِ

يَـرتـضِـعـانِ مـن دفءِ الـشـروقِ

ويـغـفـوانِ عـلـى سـريـرِ ضـيـاءِ بـدرِ

***

 يحيى السماوي

أديليد 21/9/2021

.......................

(*) يبدو أن " الجزازة " أكثر صوابا من " الجذاذة " حسب ما أخبرني به أستاذي / أستاذ الجميع شيخ النقاد وعميدهم أ. د. عبد الرضا علي إذ بعث لي بصفحة من كتاب أ. د. علي جواهر الطاهر ( منهج البحث الأدبي ) وفيها تفصيل عن معنى الجزازة والفرق بينها وبين الجذاذة.

(1)المُلاءة بضم الميم: ما يُغطى به السرير.. ومن معانيها: ثوب من قطعة واحدة ذو شِقّين عند الصدر متصلين ببعضهما يكون فضفاضا ـ وهو المقصود في النص.

(2) إينانا: إلهة الحب والجمال والجنس والخصوبة والعدالة في ملحمة كلكامش.

(3) إنليل: رئيس الآلهة وكبيرهم في ملحمة كلكامش.

 

فينوس فايقحين كنتُ صغيرة

كان الوقت جبلاً

لا يمكن قياس أبعاده

كبرت

وصار الوقت

زخات مطر تنهمر

يتسرب إلى أعماق الأرض

حتى لم أعد أشعر به

*

حين كنت صغيرة

كان الانتظار يكبرني بألف عام

ومئات الأزقة والشوارع

التي كنت سأتسكع فيها

مئات الهضاب و التلال

التي كنت أنوي تسلقها

في غربتي صار الانتظار

أصغر

صار غرفة واحدة

أحتسي القهوة تلو الأخرى

دون أن أحلم

حتى بجبل أتسلقه

ولا مدينة أتسكع بين دهاليزها

*

حين كنت صغيرة كان الوطن كبيرًا

أقيسه بالدماء

وأزيز الرصاص

وشعارات تكتب بالحبر الأبيض

*

الآن صار الوطن

أصغر من أن أحمله

في حقيبة يدي

أرق من أن أضعه

بين أوراق دفتر

صار الوطن كلمة أكتبها وأرحل

قصيدة أرتجلها

وأترك المنصة

ولا أتذكر

أزقة أمر بها

أنهارًا أشرب منها

وقد أتنكر

*

فكم أحن  لأن أعود صغيرة

حين كان السؤال أكبر

والوقت أطول

والوطن أعظم

***

فينوس فائق

 

صليحة نعيجةللقلب قوارب بأشرعة مغامرة

تعشق الترحال في عيون العابرين بالشاطئ

بحثا عن الكمال

في خلق الله

الطبيعة، تأبى الفراغ

النوارس المهاجرة لأرض الكمال

لا تفقأ عين الحقيقة بكبد اللغة

ولا ترفع الصوت عاليا

صخبا دون كلام ..!

 

إنها مرحلة الصمت

حدادا على الراحلين

على العابرين بفوهة البركان كهفوة

و ذاكرتي، بركان خامد أخاف أن تدب فيه الحياة

و ناموس الطبيعة دورة كدورات الاختبار تخمد لتنفجر

بالزلازل / البراكين/ الطوفان

 والأعاصير

فأي الكوارث كنتً

إذ أوقفت الطبيعة نواميسها

 فأوقفتني

كي لا انفجر بالكلام ؟.

 

ها قد مر عام ..

فلأجل سواد السواقي أدمنت التأمل

أصافح السهام بيدي

 أغرزها بالقلب

كي لا أفتتك بالروح الشفيقة ال....أتعبتني بالحب !

أتعبتني السهام

نظراتها الوطفاء

صباحاتها الفيرزوية

كعبها العالي علو المقام بالروح

كنسمة باردة أشتهيها  بكل صباحات أيلول

كغيمة ممطرة من غيمات آذار

نادرا ما تمطر بالعتاب

في وجه صعاليك الرحلة

و المؤنسات الغاليات

بجوف القلب يرسمن لها مستقرا سرمديا

صوب وجهة الحلم

و الجنة الواحدة ...!!

 

هو " العام"

يركض في الإياب والغياب

ككل عام تراقص الدموع قلبي

تواسى هذا الممتد مع تاريخ الملاحم

يرحل ليبقى

و نادرا ما يطيل البقاء

الا لشىء خلده "فوبوس"

فويوس ...جنين الحب والحرب !

"فوبوس "

أيها الأرعن

تطاردني عند كل منعرج

أهرب منك بذكاء الحالمات

أفر إلى مملكة " فرويد " بالتفاسير

أتسلح بالغايات كي أهزم جبروتك قبل أن تفتك بى

لكنك تصر على فتح كوة العداء

و تصر على المواجهة ..لتهزمنى !

 

أوكلما تسلقت جبل الفرح رويدا رويدا طاردتنى

اوكلما ألبست أيامي ثوب الرضى انهكتنى بكوابيسك

أو كلما لامست سقف الحبور

و انحنت الأوامر للقهقهات

أو كلما تصالحت الأيام معي

طعنتني بغدرك في ملمح القدر !

 

فوبوس

يا ﺈلــه كل المخاوف

و الوجل البعيد

يا رفيق الطفولة

أيها اللاوعي

العابث بصدر العمر

يا صديق الكوابيس والخيبات القديمة والحميمة

يا فكرة تعشش بالقلب منذ فبراير1987

 أول رحلة للغياب عن مسقط الروح

و رفقاء الطفولة

يظهر "فوبوس " ليقض مضجع الرحلة

"فوبوس "

يا رفيق رحلة طويلة النفس

لماذا يطيب لك المقام ببهو القلب ؟

لماذا تسرق كل الحلوى التي اطعمتنيها الحياة ؟؟

لماذا تستبد بى وتسرق منى رفاق العمر /القلب /الذاكرة / الرحلة ..؟

"فوبوس "

ايها الرابض كالشرايين بدمى

تركت لك الديار / المدينة/و البلد / الرفاق والجيران لتلهو بالبقية

فلماذا دونا عن جميع سكان المدينة يحلو لك السطو على ممتلكات القلب البسيطة ؟

انى أدخر القهقهات ..فهل تريدها ؟؟

القهقهات ...؟؟؟؟

القهقهات ..

اقبرت كل قهقهاتى بسيرتا القديمة

أحكمت غلق الباب كي لا يتسلل الغرباء

سافرت صوب الغياب كي أمحى ندوب رحلة الطفلة اللعوب التي كنتها

عرفت مجتمعات غريبة

كان يلزمني ان أواجه فوبوس خارج الديارلأهزمنى

فوبوس لا يرى الاى رمزا

لينهك نقاء القلب

يلوثه بالغياب وأساطير الموتى / الأحياء على يديه

"فوبوس "

ﺈلــــه الفرجة على دمع لا يستقر ولا يرحل

الــــه الاهتزاز / الرجفة / الخوف من المجهول

أحاول رصد مشاويرنا معا

سافرنا بعد هدنة السنوات العجاف

قاومتك بالتجاهل

كان لى جيش من المحبين

و الرفاق

و الأهل

و القراء

كان لى جيش أآثرت ان يكون بعيدا عن ناظريك

لاختلى بانتصاراتى بعيدا عن مسرح معاركك

لماذا تحلو لك المعارك بالمدن الجميلة ؟؟

لماذا تمقت الحياة

و تشتهى سفك دماء المحبين

و أباطرة الخير

أو كلما حلقت بعيدا عن سمومك َ

اقتفيت اثري  لتغتالني من جديد؟

لماذا ؟؟

***

صليحة نعيجة

 3 سبتمبر - 2021

 

 

كريم الاسديمثنويّات ورباعيّات عربيَّة ..


 هلْ أتاكَ حديثُ الرجولهْ ؟!:

جبانٌ يوزِّعُ أوسمةً للبطولهْ

**

نصفُ عشـــــرِ رجُلْ

سيحتاجُ عشرينَ مثلَهْ

ليقولَ الذي لـــــمْ يقُلْ

وهو فردٌ يحاذرُ ظلَّهْ

**

الموائدُ قدْ أُحضِرتْ فالعدوُ الغريبُ رئيسٌ وأهلُ البلادِ ضيوفْ

وتهادتْ جموعٌ مِن الآكلينَ بأطيافِ هذا الوطنْ

طبقٌ للزبيديِّ هذا، وذا طبقٌ للخروفْ

فكلوا واشربوا، فالسياسةُ مثل فنونِ المطابخِ فنْ

**

هنا لحمُ طيرٍ على الطاولهْ

وفي أُفقِ الغيبِ لاحتْ رؤى المقصلهْ

**

يقولونَ: نعرفُ مِن أَينَ يؤكلُ لحمُ الكتوفْ

والكتوفُ التي أكلوها كتوفُ البنينْ

زوَّروا لسنينٍ طوالٍ حسابَ سنينْ

فجاءتْ طيورُ الرمادِ تبشِّرُ أهلَ السوادِ بِقربِ الحتوفْ

**

اِحتلالٌ ونهبٌ وجوعٌ وذلُ خنوعْ

وجيوشٌ مِن الحزنِ عاثتْ بأفئدةِ الأُمهاتْ

وشحُّ مياهٍ تمادى فأذبلَ وردَ البناتْ

وهدايا الرفاقِ الى السائرينَ الرفاقِ دروعْ

**

بِتسعينَ ثقباً تمزَّقَ درعٌ لحزبْ

فكيفَ ستدرأُ يا لابسَ الدرعِ سيفاً لخصمٍ ونبلةَ حربْ

***

كريم الأسدي - برلين

.......................

ملاحظتان:

1 - زمان ومكان الشروع في كتابة هذه المقاطع : يوم 18 من أيلول 2021، في برلين، والمقاطع جزء من مشروع شعري طويل يشتغل عليه  الشاعر منذ أعوام وسبق له وان نشر العديد من أقسامه.. والمشروع  حوار مع أرث وحاضر الأدب العربي والشرقي والاِنساني يخطط له الشاعر ان يتكوَّن من ألف قصيدة وقصيدة من القصائد القصيرة والمركزَّة، وحيث كل قصيدة تقع في بيتين (مثنوي) أو في أربعة أبيات (رباعي)، وقد أنجز الشاعر الى الآن أكثر من نصف المشروع، ويحاول الاِضافة اليه كلّما طاوعه الشعر..

تتنوع مواضيع المشروع وتتشعب لتشمل من ضمن ما تشمل: الوجود، الكون، الحياة، الموت، العالَم، الزمان، المكان، الاِنسان، الأخلاق، السلام، الحرب، الحُب، الجمال، العدالة .. وقد سبق للشاعر ان أعطى نبذةً مفصلةً عن المشروع ..

2 ـ الزبيدي كما يرد هنا هو نوع من الأسماك يعرف بجودة طعمه وقيمته الغذائية، ويوجد في مناطقنا على الأخص في سواحل الخليج العربي ومياه شط العرب القريبة للخليج. 

 

 

محمد الذهبيجنونٌ أنْ تهيمَ على جنونٍ

                    ويقتلُ شوقك العقلُ الرصينُ

يحاور عقلك المجنون عقلاً

                            به عقلٌ يقاومهُ الجنونُ

فساعةُ يعتريه العشقُ يصبو

                          وساعاتٌ به عشقٌ يخونُ

ترنحْ إنْ أردتَ بدون خمرٍ

                       فدينُ الخمرِ سكرانٌ ودينُ

وإنْ أوجزتَ فاترك دين خودٍ

                    ترى في الحب أخطاءً تدينُ

اعطني حباً يجلُّ عن الحكايا

                        وأعطيك الذي لايستكينُ

بعقلي قد شقيتُ وضاع وجدي

                    وبعضُ العقلِ منقصةٌ خؤونُ

(اذا درّتْ نياقك فاحتلبها)

                       ولاتسمعْ لما قال الضنينُ

اذا سقط النصيف فلا تدعهُ

                        يعودُ لأصلهِ ولديك عينُ

اذا زنت العيون فليس عيباً

                    وعيبٌ انْ رأت وبكت عيونُ

على كل الدروب وضعتُ قلبي

                  عسى دربٌ يجيءُ به الحنينُ

ولكنَّ الدروب أبت وعاثت

                      وأبقت كيفما رأتِ المنونُ

جزيلُ الشعرِ للمعطي دليلاً

                        على حبٍّ يدومُ ولايهونُ

ومقتاً للذي قد راح يحكي

                    عن العقل السقيم ولايلينُ

يرى في الحبِّ منقصةً وعيباً

                  وعند الحبِّ تُقتلَعُ الحصونُ

ولولا الحبُّ ماسجدَ البرايا

                      لربٍّ شاء مذ كانوا يكونوا

فعقلك قد يعيشُ مع البلايا

                    ويخشى يظهرُ الدرُّ الدفينُ

جنونٌ هكذا شاءت وكانت

                   جنوناً فالجنونُ هو الفنونُ

طرقتُ البابَ فانهارتْ بكفي

              عرى الأبواب وانهارت حصونُ

على كلِّ البغاة تدورُ كأسي

                        يمازجُ سمها سرٌّ دفينُ

***

محمد الذهبي

 

محمد حسين النجفي"تباطأت الحلوة في خطواتها كي تتخلف بعض الشيء عن زوجها عمداً، لتفرش عباءتها على مصراعيها كأنها فراشة ربيعية، ولترفع يدها إلى جبينها، وتمنح نزار تحية بيد مرتجفة"

جعلت أم علي من "الحِفافةِ" مهنة لها، حيث تؤدي واجبها في البيوت المستورة التي لا تحب نسائها الذهاب إلى صالونات الحلاقة النسائية.  أخذت أم علي، على عاتقها العمل للمساعدة على تربية أطفالها الثلاث، والأعتناء بزوجها الذي اصبحت همومه وأخفاقاته مسيرة حياته. أم علي "كثيرة الصنايع وبختها ضايع"، لان زوجها الذي يعمل في سوق  بيع الخضار بالجملة، يعمل يومًا ويجلس في البيت عشرة أيام. مشكلته الإدمان على المشروب، الذي يُذكره، بالآمال الكبيرة التي ضاعت، لتحل محلها انكسارات لم يستطع التغلب عليها، ليغرق في متاهات لماذا وماذا لو.

كانت أم علي، تزور جارتها أم نزار بمناسبة وغير مناسبة، تحكي لها همومها وعما يدور في الحارة من قصص غرامية ومشاكل زوجية، ومن تخاصم مع من، ومن الذي مع الزعيم (عبد الكريم قاسم) ومن هو ضد الزعيم "ومنو الراح ومنو الأجه". أما نزار فكان يُحضر لامتحانات البكالوريا للصف الثالث المتوسط، للعام الدراسي 1961/1962، وافضل مكان يجلس فيه هو الطارمة (الشرفة) المجاورة لغرفة الجلوس، والمُطلة على الحديقة الأمامية. لذلك كان نزار يستمع بشكل غير مباشر ودون قصد، لحديث أم علي مع والدته.  وكان ينبهر من فطنة أم علي السياسية، حينما يسمعها تعلق على ما يقوله المذيع في اخبار التلفزيون. وكان يرى في تعليقاتها حِساً وذكاءاً وحنكة سياسية لا تتناسب مع ثقافتها أو مهنتها. واحيانا يقول في نفسه،  يبدو أن أم علي تنتمي لحزبٍ او حركة سياسية! وفي احد الأيام سألت أم نزار، أم علي قائلةً: "أكول انتِ شلون عايشه ويه هذا رجرلچ السكير؟" "لا يا أم نزار على بختچ"، أجابتها أم علي، "موحقه هيچي يصير، چان فورمن بالسكك يُكرك وفصلوه، لانه نقابي ويدافع عن حقوق العمال". "معقوله شلون يقبل الزعيم"، أجابتها أم نزار. "ليش الزعيم يدري شديصير بالولايه، الله مبدالچ، ديفصلون المخلصين ويصعدون الخونة وهو نايم، الله اليستر".2833 الشرفة

 تحدثت أم علي خلال إحدى هذه الجلسات عن "ليلى الحلوة"، وهكذا كانت تَسميها لأنها فعلا فتاة جميلة، ورشيقة وذات شعر ذهبي مكعكل طويل وعيون عسلية واسعة مثل عيون الغزلان.  بيت ليلى يقابل بيت  نزار من الجهة الاخرى من الشارع، بيت كبير يتكون من طابقين، وفي الطابق الثاني بالكونة (شرفة) مزينة بسندانات ورود متنوعة بألوانها وأشكالها. وكانت هذه البالكونة مُطلة على الشارع وتشرف على الشرفة التي يدرس فيها نزار.  تُطل ليلى من بالكونتها المشرفة على الطارمة التي يدرس فيها نزار مرة أو مرتين في الأقل يومياً. ونزار شاب وقور وخجول، لذا كان يُبعد نظره عنها خجلاً حينما يلاحظ وجودها، كي لا تنحرج منه، ولأنه يعلم أنها نافذتها الوحيدة للعالم الخارجي، ولتبقى واقفة هناك تُمتع نظرها في تحركات البشر والسيارات وما يدور في الشارع من رواح ومجيء.

ولكن في احد الأيام حدث ما لم يكن متوقعاً.  أطلت ليلى وكان وجه نزار باتجاه سندانات شرفتها وكأنه يحاول ان يشتم رحيق الورد عن بعد، وقبل ان يدير رأسه عنها كعادته، منحته ليلى ابتسامة خجولة ودعوة إيحائية بما معناه، ألّا تدر بوجهك عني، لأنني هنا كي أراك وكي تراني. إرتبك نزار من الموقف غير المتوقع، خفقان في القلب واهتزاز في القدمين وشعور بمن لا يصدق ما يحدث. انسحبت ليلى إلى مخدعها بسرعة فائقة. بقيّ نزار يفكر بما حدث؟ هل كان ذلك حقيقة أم خيال؟ سؤال ظل دون إجابة لحين الأطلالة الثانية التي كان نزار يترقبها بفارغ الصبر. وإذا بها  ليلى بلحمها وشحمها وشعرها الطويل المتناثر في الهواء، وبلمعان عذب في عيونها لم يسبق له ان رآه من قبل. ولم تمضي سوى لحظات حتى رفعت يدها اليمنى لتهزها عدة مرات كي تُسلم من بعيد ولكي تذهله من جديد. ولم يعرف نزار كيف يجيب، سوى رفع اليد بالإجابة دون ابتسامة لإنه كان مرتبك، لا بل مرتبك جداً، ولا يدري هل انها تسخر منه؟ هل تغازله؟ هل تصادقه؟ أم انها تسلم على ابن الجيران لا اكثر ولا اقل؟ كل ألاحتمالات ممكنة، لكنه كان راضياً بأيٍ منها.

استمرت التحيات والابتسامات عبر الأثير، وكانت حافزاً يومياً  كي يهيأ نزار نفسه كل يوم ليشرب شاي الصباح ويتناول الغذاء في طارمة الخير والسعادة، طارمة الحب والغرام، الطارمة الموعودة التي تطل منها المدلولة. كانت اغاني عبد الحليم حافظ هي الشائعة في ذلك الزمان خاصة أغاني فلم "حكاية حب" مع مريم فخر الدين الذي عُرض في صالات السينما مؤخراً. كان معظم شباب ستينات القرن الماضي معجبين بأغاني عبد الحليم، لذلك كان معظمهم يحملون راديو ترانزستور صغير، مثلما يلازمهم الهاتف المحمول هذه الأيام، كي يستمعوا إلى الأغاني العاطفية. يتضمن فيلم حكاية حب، قصة حب صعبة المنال بين فتى فقير وفتاة من عائلة باشوات، ويحتوي على اجمل ما غنى عبد الحليم مثل اغنية  "بتلوموني ليه" واغنية  "حبك نار"  واغنية  "بحلم بيك". وإذا صادف حينما تطل المدلولة من شرفتها أن يكون عبد الحليم مُغرداً، يرفع نزار صوت المذياع كي تستمع اليه ليلى وتطرب معه ولو من بعيد، وربما كان ذلك الوسيلة الوحيدة للحديث بينهما. وحينما تراه يرفع الصوت تنفرج أسارير وجهها بابتسامة ناعمة وخجوله مع وضوح بالاستمتاع بها وكأن نزار يناجيها.

وفي يوم من الأيام سمع نزار صوت عبد الحليم يأتي من بعيد في اغنيته الدرامية "حُبك نار"، من الجانب الآخر من الشارع. بدأ الصوت يقترب اكثر والمصدر اضحى اكثر وضوحًا، وإذا به من راديو ترانزستور صغير محمول بيد ليلى، وهي خارجة به من غرفتها الى البالكونه وصوت الراديو بدأ يرتفع كي يسمعه العاشق الولهان في الطرف الآخر من منزلها. قرر نزار ان يجيبها بالبحث عن نفس الأغنية. لم تكن المحطات كثيرة في ذلك الوقت، لذلك عثر عليها بسرعة فائقة، ثم رفع يده التي تحمل الراديو للإجابة على التحية التي أشعلت النار في قلبيهما. وبذلك أصبحت هذه عادة مستمرة بينهما. وكان المارة من الجيران يسمعون نفس الأغنية من على جانبي الشارع، وربما شك البعض من ان مصادفة سماع نفس الاغاني اضحت كثيرة التكرار!

ومرت الأيام الجميلة بسرعة فائقة، وانتهت امتحانات البكالوريا، وكان من عادة نزار العمل مع والده الذي يملك مكتبة لبيع الكتب في شارع السعدون في العطلة الصيفية. نزار يحب العمل في مكتبة والده لأنه شغوف بقراءة الكتب السياسية والقصص الواقعية. كان يقرأ كثيراً قصص نجيب محفوظ وكتابات سلامة موسى. إلا انه لاحظ من اليوم الأول أن بعض الرفوف فارغة من الكتب. سأل والده عن السبب، وكان الجواب إن وزارة الإرشاد والأمن السياسي أبلغونا بعدم نشر وبيع الكتب الهدامة (اليسارية التوجه)، لذلك سحبناها من الرفوف وحاليا أخفيناها في غرفة الخزن الخلفية، نبيعها للزبائن الذين نعرفهم فقط.  اسرع نزار إلى المخزن واختار بعض الكتب كي يأخذها معه إلى البيت.

مضت عدة أسابيع على هذا المنوال،  وفي مساء احد أيام الخميس، سمع الجميع هلاهل (زغاريد) تأتي من جهة بيت الحلوة.  وكانت هناك سيارتان او ثلاث واقفة أمام دارهم. لم تدم الشكوك لمعرفة ما جرى سوى يوم واحد، حيث جاءت أم علي إلى دار أم نزار كعادتها بعد ظهر يوم الجمعة كي تزف البشرى، وبدأت كلامها بتساؤل عما إذا سمع الجميع من ان ليلى قد تمت خطبتها من احد أقاربها البارحة. سألتها أم نزار ما إذا كان هذا الخطيب حبيب؟ أجابتها أم علي كلا، ولكني اعتقد انها تحب شخصاً آخر، لأنها كانت سعيدة جداً هذه الأيام وتستمع للأغاني العاطفية كثيراً، وغمزت لنزار بعينها لتُعلمه من انها على معرفة بقصتهم. سألت أم نزار، أم علي: إذا كانت ليلى تحب شخصاً آخر، فلماذا قبلت الزواج من قريبها؟ أجابتها أم علي بحنكة فائقة، من ان حُب الشباب، مشاعر جميلة إلا إنها لا تُكوْن بيت، فالحب شيء والزواج شيء آخر. حينها تملك نزار شعور غريب يصعب فهمه ويتعسر تفسيره، لأنه شعور مُشوش ومتناقض وغير واضح وغير متكامل. وأخذت الأفكار تسبح في مخيلته: طبعاً إذا تقدم لها عريس سوف تتزوج، ولكن ماذا عن "حبك نار"! إنها نارٌ سوف يطفئها الزواج يا صاحبي، لأنها لم تكن ناراً، وإنما شعلة ضياء آتية من قنديلٍ رومانسي يبهر حياتنا بمشاعر نبيلة يخفق لها القلب دون أن يأسره.

تغير الموقف كلياً. لم يعد الثنائي يستمع للاغاني معاً، لم يعد هناك من لزوم للتقصد بالتواجد في محطات التلاقي. ولكن حينما تلتقي عيناهما من بعيد مصادفة، لم يعلوا أي منهما جهداً لتجنبها، لا بل يتم تبادل التحيات ولو بشكل آخر، تحية جار لجار، كلها ود واحترام. كان ذِهاب نزار للعمل مع والده يساعده كثيراً على تفادي اللقاءات المؤلمة. وبدأ يسهر مع الأصدقاء في المساء كي لا  يرجع إلى البيت إلا والظلام قد اسكن المحلة في بيوتها. وقبل نهاية ذلك الصيف وفي مساء يوم آخر من أيام الخميس، جاءت الزفة لتأخذ العروس إلى عش الزوجية الجديد، لتتحول ليلى من طفلة بريئة إلى امرأة ناضجة، ولتصبح ربة بيت، ولتنجب بنات وبنين، وربما تتذكر بين الحين والحين، عند سماع أغنية ذات رنين، فيها خصوصية ذات معنى وحنين، مشاعر حب عذري سيظل مطوياً عبر السنين.

وفي يوم خريفي من احد أيام الجمع الذي عادة يزور فيها الأبناء أهلهم، كان نزار في باب الدار يراقب الرياح  العاتية والسماء المكفهرة وتبعثر أوراق أشجار النارنج والبرتقال الصفراء، مترقباً لاحتمالات هطول مطر في ذلك اليوم الهائج، لمح قدوم إمرأة ميز طلتها من بعيد ومعها رجل لم يره من قبل، حدس انه غريمه وزوجها،  قاصدين بيت اهلها الذي يقابل بيتهم. حار نزار في امره، وارتبك في موقفه، وأخذ يسأل نفسه ما المفروض أن يفعله؟ هل يدخل البيت ويتجنب رؤيتهما؟  لم يستطع فعل ذلك ولن يقوى عليه لأنه يريد رؤيتها ولو لآخر مرة. فظل واقفاً متبسمراً في مكانه، وجسمه يرتعش بكامله. كانت خطواتهم بطيئة جداً، احس إنها لاحظته، ووجهت رأسها باتجاهه، وحينما اقتربوا من بيت نزار تباطأت الحلوة في خطواتها كي تتخلف بعض الشيء عن زوجها عمداً، لتفرش عباءتها على مصراعيها كأنها فراشة ربيعية، ولترفع يدها إلى جبينها، وتمنح نزار تحية بيد مرتجفة، وبنظرات حائرة،  وبابتسامة مرتبكة، لا معنى لها سوى إنها ما زالت تتذكر تلك اللحظات العذبة، وانها سعيدة جداً بهذا اللقاء الخاطف، الذي كان في نفس الوقت لقاء ووداع.

 

محمد حسين النجفي

 

 

عدنان البلداويإشــراقـةٌ فــي ثـنـايــا قــلبِهــا وُلِــدَتْ

بــعـد الـتأمّـلِ فـــي فَـحْـوى التـعالـيلِ

 

كانـت عـلى تَـرَفٍ ، لا شيء يـشغلُهـا

غــيـرُ المُباهاةِ، بـــيـن الــقال والـقِـيل

 

ومـستوى الـفَهْـمِ مَـخـفـيٌّ  بــزَخـرَفـةٍ

مِـــن الـثـيـاب ، وأجْــواءِ الـتـهـالـيــلِ

 

وبـعد أن وجَـدَتْ، في اللهو مَـضيـعـةً

والـوقـتُ يُـسْـرَقُ ، في ضوء القناديـلِ

 

ســـارت بــيـقـظةِ تَصْوِيبٍ تَـرومُ بهـــا

إنـارَةَ الــفِكـرِ، فــي أســمى الـتراتـيــلِ

 

 

وحيـن زالت غُـيـومُ الجّهْـلِ عـن كَـثَبٍ

اسْـتـبـشَرَ الصُـبـحُ، فــي قَـلْـع الـثّآلـِيـلِ

 

كلُ الخُطى ترتـقي إنْ كـان هاجِسُـهـا

إنـصـافَ حالٍ ، وإسْعـافَ المَراسـيـلِ

 

لا يُــسْـعِـدُ  الحالَ تَغـريدٌ عـلى فَــنَـنٍ

ولـلـطمـوحِ غِــيــابٌ فـــي الأفـاعـيـل

 

والعَزْمُ في الصِدقِ إن جَدَّ المَسيرُ به

يـُـقَـوِّمُ العَـوْزَ في الـجُـرْد المَهازيــلِ

 

مَـنْ يَـدّعي الشأنَ لايـَقوى  مُواصلةً

وذو الأصـالـةِ، فــي عِــزٍّ وتـأهـيـلِ

 

يـبـقى الـنقـاءُ بـعـيـدا عــن تَـلــوّثِــهِ

إن تَــمَّ صَـوْنُـهُ عـن رِيـح الأباطِـيلِ

 

يحلوِ الوسامُ، عـلى صَدْرٍ يـَليـقُ بــه

ولـلمـفـاخِــرِ، زَهْــوٌ فــي الـمَواويـلِ

 

تسموالقـوافـي بعَزْفٍ، فــــي تألّــقِـهـا

إذا  البـَديـعُ احتواها ، فــي الأقـاويـلِ

 

حُــسْـنُ المَقامِ، لِـمَن في نَـهـجهِ قِــيَـمٌ

تَـحْمـي الـمَسِيرَةَ ، فــي عِـزٍّ وتَبـجيـلِ

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

 

سلوى فرحهَذا الوَهجْ لك

رَجفَةُ الظّلِ وَلدَت عُصفورا

يُزقزقُ على رِمشِ السَّماء

للعشقِ وطنٌ

أنفاسُكَ  هي وَطني

بقايا عِطرُك تَسكُنُني ْ

وأنا أسكُنُكَ

حينما تكونَ أنتَ..

أعشَقُكَ عِشقاً أبدياً

 

شَفتيَّ لنداك وَردٌ

على  يقينٍ أنكَ قادم ٌ

كلهفةِ  الياسمين للسَّلامْ

كَشوقِ الحُبِّ للمطر

تفِرُ مِن رَوحي يمامةٌ

كُلما تَشهَقُنيْ

يَستَغيثُ السَّهرُ

بينَ نَبراتِي

نِصفُ شَمسٍ بَينَنَا..

..وقمرْ

الوُريقاتُ النَّاعِسةُ تحلمُ بأُرجوحَةٍ

تشتَعِلُ  أوراقُ الوَترْ

 

لكَ هذا الوَهجْ

لكَ زَهرةُ الحَياة

 

الشَّغفُ..

وعِشقِيْ..

تغريدَةٌ على آخرِ غُصنْ

كَمْ هُوَ مُدهشٌ عِشقُ البَلابل   

***

بقلم الشاعرة: سلوى فرح - كندا

25/11/2018م