ريكان ابراهيملا تنتهي تلكَ الحياةُ وإنّما

نخنُ الذين سننتهي

والموتُ جسرٌ للعبور مع التي

كانَ الوجودُ الى التي......

وأنا كـ(أنتَ)، أتيتُ ممتشقاً

عويلي

أبكي كأنّي مُعلِنً رفْضي مواجهة الجديد

من الفناءِ ومستحيلي

ما بين ميلادٍ وموتٍ ركضُ (ماراثون)

في زمنٍ بخيلِ

الطبُّ قبلي قالها:

أُولى علاماتِ الولادةِ صيحةٌ في وجهِ مجهول،

وقبضةُ كفِّ مولودٍ يُفكِّرُ كيف يستولي

على أملٍ خَجولِ

فيعيشُ ثمَّ يموتُ لا يدري نتائجَ ماسعى

فيهِ من العُمْرِ الطويلِ

أنا هاهنا جسدٌ تُحركِّهُ الخطايا مثلما

ترضى وتهوى..

لا مثلما أرضى وأهوى

أنا هاهنا رأسٌ به مُخٌّ يظنُّ بأنهُ

أدهى وأقوى

حتى اذا أزِفتْ ترجّلَ  مّرةً أُخرى

وأصبحَ مَحْضَ ذكرى

أنا، بآختصارٍ ،أنتَ لكنّا

أتفقنا أن نعيشَ بدون

معنى ....

فكتبتُ أشعاراً وأنتَ شدوتَ

ألحاناً تُغَنّى

هي هذه الدنيا قصائِدُ، بعضُها

يُنسى وبعضٌ مَيّتٌ وجميعناً

جئنا لنفنى

***

د. ريكان ابراهيم

 

عبد الفتاح المطلبيذكَرتُهُمو فَجَـــرَتْ

دَمْعَتي

وبانتْ على ناظِرِيْ

لَهفتي

أتَتركُني دونَــــهم

مُفرداً

شَقياً تناكِــــدُني

وحدتي

أحثُّ السَرابَ عَلى

دربِهمْ

وأشربُ من نهرِهِ

خيبتـي

نفختُ بقايا رَمَـــادٍ

قديم

لعلّي سأذكي بهِ

جَمْـرَتي

فشعّ هنالك طيفٌ

جميل

يجيئُ كعطرٍ من

الجنّةِ

بِطَيْفِكَ آنسـتُ ناراً

هناك

تؤجِّجُ مِنْ حَرِّها

صبوتي

وأعلمُ أن زفيــرَ

الصدورِ

دواءٌ أداوي بــــــهِ

علّتي

وأن اتّكالي على

الأمنيات

كمَنْ يجمعُ الريـحَ

بالسَلّةِ

فكم روّعتني ليـالٍ

طوال

ورَقْرَقَتِ الدمعَ في

مقلتي

يُرفرفُ قلبي كطيرٍ

ذبيح

إذا غابَ طيفُكَ من

ليلتي

ويَعذلُني فيكِ ضوءُ

النهار

إذا شَعَّ ذِكرُكِ في

ظُلمتي

وما بيَ إلاّ سَـنا

العاشقين

يشبُّ فيوقِدُ بــيْ

لوعَتي

ولما تقادمَ هــذا

الظلامُ

وخطّتْ عناوينَها

حَلْكَتي

تَقَلّبَ قلبي بمـاءِ

الذريعةِ

حتى تذَرّعَ

بالّلمــعةِ

وقد هيأ الحُجَجَ

الدامغات

بأنْ ليسَ للعينِ مِنْ

هَجعَةِ

فيا لكَ من وَسَنٍ

لا يُرامُ

ويا للكرى فيكِ من

بدعةِ

تتبعتُ أرتالَ هذا

الخراب

فأخرسَ صَمتٌ بهِ

صيحتي

وأنبأني أن روحي

حطامٌ

فقلت لنفسي إليـهِ

انصتي

ورُحتُ أعلّلُها

بالوعــودِ

أغنّي وذكــراك

شَبّابتي

ولكن هذا الفــؤاد

الغـوي

يجادلُني داحضاً

حُجّتـي

فتشتعلُ الروحُ من

غَيْرةٍ

عليَّ وتَهـــــرعُ

للنجــدة

فقلتُ صَبــأتَ إذن

يا فؤادُ

صبأتَ وما عُدْتَ مِنْ

مِلّتي

فقالَ الهَوَى للهَوى

جالِبٌ

وإنْ تاهتِ الروحُ

أومَلّتِ

وما فتحَ الربُّ بابَ

الجنِانِ

لغير القليـــلِ

وللثُلّـةِ

عَجِبْتُ لمستنجدٍ

بالسَرابِ

ومـا فيهِ يعـــلمُ مِنْ

بَلّةِ

ومن حارث لمياهِ

البحـار

وقد أمّلَ الفـــوزَ

بالغلّةِ

ألاَ إنني شــاهدٌ

لا أميـلُ

إلى كفّةٍ دونمــا

كفّـةِ

أراني أنا مَنْ صَبا

سالكًا

طريقاً تعاكسُ تلك

الّتـيً

وتلك الّتي أنت أدرَى

بها

إذا أقبلَتْ زمنــاً

ولّــتِ

ولي خافقٌ نبضُهُ

كالحَمام

يحنُّ إلى البيـتِ

والنـّخلَةِ

حمامةُ قلبي طواها

الغيابُ

سَلَتْني وما ذَكَرَتْ

غربتي

تُعَلّلُني بلِقــــاءٍ

قريبٍ

ولم تفِ بالوعد

وانسَلّتِ

فلا خبرٌ جـاء منها

إليّ

ورغمَ السجيّةِ قـد

ضلّـتِ

***

عبد الفتاح المطلبي

 

 

عبد الامير العباديمددتُ نفسي

الى قاعٍ اردتهُ يشذبُ

نعاسي ، وانا اقفُ على

اغصانِ قلقهِ

اغصانٍ تتصارعُ معَ اجنحةِ

الطيورِ الغريبةِ

 

الاغصانُ تتساءلُ

أنا لستُ متيماً كي

تحطَ فوقي طيورٌ نكرٌ

جاءتني بعدَ خيانتها لاغصانٍ

كانتْ مأوى لاناشيدِ الشعراءِ

النبلاءِ

 

لقدْ رأيتُ كم تتلوى الاعناقُ

حينما تغازلها الحبالُ

لحظةَ احلامِ الترفِ

 

نزقةٌ تلكَ الخلجاتُ

لقد مرتْ معَ اعاصيرِ

استحالةِ الصمتِ امامَ

قراءةٍ تستجدي فنونَ الرفضِ

 

حينَ اختارُ اربطةً لعنقي

اشعرُ انَّ ثمةَ تدفقٍ لكلماتٍ ثوريةٍ

تنادي ، اما زلتَ تحلمُ بقيدٍ ليسَ لكَ

انزعْ عن تلكَ الرقبةِ الحرةِ

حتى ازرارِ قمصانكَ

التي صار عشقها اليك

عابداً ومعبوداً

 

لم اعدْ أقرأُ عن سحرةِ المدنِ المتعبةِ

غيرَ اني ارى وجومَ الاخرين

يدنو الي ماردٌ يغادرُ خلسةً

يفتشُ عن ارضٍ وسماواتٍ خالدةٍ

بدونَ تدويناتٍ كاذبةٍ

 

لي جارةٌ حرمَ الله عشقها

هي سيدةُ أكفها انزلها الربُ

تدعو كي تنبتَ ازهارُ الكونِ

فوق قبورِ شهداءِ وطني

***

عبد الامير العبادي

 

نبيل عرابيالوقت: قبل غروب الشمس بساعة تقريبا.

المكان: على بُعد أمتار قليلة من امتداد الشاطىء، حيث تلفظ الأمواج أنفاسها الأخيرة.

صورة مشهد السماء: إنتشار كثيف لأعداد هائلة من الغيوم، بتشكيلات مذهلة من حيث التجمّع والتفرّد والتراصف والتباعد.

وكلّما صارت إحدى الغيمات أو مجموعة منها، في مواجهة مع الشمس، كلّما ازدادت صورة المشهد روعة، مع الخيوط الذهبية التي كانت تنسلّ خلسة بانسيابية رقيقة، حتى إذا ما اجتمع أكبر قدر من التفاصيل، تشكّلت حال من الإستفزاز الحقيقي، لعدسة مصوّرينتظر فرصة أو حدثاً ما.. لريشة رسّام استقرّت منذ زمن على طاولة منسية.. لقريحة أديب تراكم الغبار عليها بقدر ملحوظ.. لموسيقى عازف ابتعدت نوتات أي لحن جديد عن خياله، لمسافات لا يُستهان بها...

لقد شعر وهو يتأمّل هذه القوافل من الغيوم، على مساحة الأفق وفوق رأسه، برغبة لأن يحاول فهم شيء ما يخصّ هذه الكُتل التي تطالها العين فقط.

أخذ يتفحصها أكثر فأكثر، رغم حركتها البطيئة، نسبة إلى حاسة النظر البشرية.. ورغم تبدّل حالها طولا وعرضا وانتفاخا وضمورا.

ترى.. هل تملك هذه العابرات لغة خاصة بها..؟.. هل لديها مفردات وعبارات وجمل تعبّر بها عن تكوّنها وتلاشيها.. عن المناطق التي تشكّلت في أجوائها، والتي مرّت فوقها قبل اختفائها، عن الرفيقات التي صادفتها خلال رحلاتها القصيرة والطويلة وفي كل الفصول، وعلى مدار الساعة!..

ترى.. هل من قواسم مشتركة بين حياته، وهذه الماضيات فوق رأسه يوميا دون استئذان ودون إيلاء أي اهتمام لرغبات بني البشر؟.. ربما هناك رغبة داخلية في أن تحمله إحداها إلى مكان آخر.. ليس مهماً إلى أين.. المهم أن ينتقل بعيدا من هنا، خاصة بعد أن استبدّ به إحساس بأن كلمته قد دخلت في حالة غيبوبة.. وأن الريح الشعواء قد اقتلعت شُجيرة الورد الوحيدة لديه، التي تفتحت براعمها في السنوات الأخيرة.. وأن المنجل قد حصد سنابل حقله قبل أوانها...

ما زال يحدّق في السماء، وكأنه يودع الغيمات التي صار نظره بالكاد يميزها، ليستقبل مجموعات أخرى، استفزّت فيه حبّ التعرّف إلى ما قد تحمله في انتفاخها، لكنه عاد إلى واقعه من جديد، فقد غابت الشمس، وأصبح الأفق داكنا، فمضى في طريق العودة إلى بيته، لكن صدى ما كان يتردد في رأسه: "الصمت هو لغتنا.. الصمت هو لغتنا".

 

نبيل عرابي

 

 

عبد الجبار الحمديفي حداثة عمرها تحوفها عيون تراها تزهر وتينع تكبر هي تلك بداياتها عندما تفتح نافذة الأنوثة كفتاة رسمت بأناملها فارس أحلامها الذي لم تعطي وجهه معالم واضحة.. قد تكون جعلت فيه كل ما تتمناه كفارس تمتطي معه جواد رحلة الخلود فعكفت على الإتيان بأمنيات مقدرات إلهية بعدها تركت الأمر لإرادة السماء ان تقود لها بما تحلم به...

لم يحظى بحياة سهلة عكرته السنون مذ كان طفلا، صاغت له عقدا فريدا في بعض جوانبه نتؤات توخزه كلما أراد أن يحركه، لمع بين أحضان عالم تمناه سلسا سهلا ممتنع لكنه جوبه بعنت ورزالة الأيام التي رمت بعقاربها وحَياتَها فغيرت الكثير من حلقات أحلام حياته التي كتبها في يوم تضرع إلى الله في جوف ليل قائلا:  ربي إجعل لي آية... كثيرا ما ردد الى نفسه أمجنون أنا؟ هل بت نبيا حتى أدعي بالقول كما قال زكريا؟!

سارعت السنون جريا تقطف تلك العثرات التي يمكن ان تعيق طريقه، عَكَس رؤيته المستقبلية الى أن تتحول حافزا، دافعا لأن تصبح له أكثر من آية، فالآية يمكن أن تكون شأنا وحظا، مالا وجاه أو شريكة حياة... لم يضع لنفسه صورة الفتاة التي يتمنى الإرتباط بها جعل الأمر لله في تسيير الأمور كما هو فاعل عادة يتذكر ما يردده في نفسه (أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد... وما تشاؤون إلا أن يشاء الله)، حتى آمن حقا أن المشيئة لله أولا وأخيرا فلم يجعل المصادفة أو الايام تقوده الى من ستكون شريكة لحياته... شاء الله في يوم ما ان يصيغ دعاءه الى حقيقة في طرفة عين، باغته الله بما يحب، زرع في داخله شيء ما بعد ان علم أن هناك من تفكر به جعلته يطرق باب أحلامها المغلق الذي ما ان فتحته حتى أكتملت ملامح صورة فارس أحلامها صعقت وهمست يا ألله شكرا لك لا أخفيك لم أكن أحلم او أتصور أنه سيكون لي فأنت أعلم بما في نفسي ولعل مشيئتك قادته لي وانا سعيدة بما منحت...

رعته الأيام في فترات ما، قادته لأن يكون عصاميا متعلما شاءت القدرة أن يخوض اكثر من تجربة عمل براءته سببا في ثقته الزائدة التي استغلت من المقربين له... يقتني الحس المتبادل بحنو رغم جهورية الصوت ميزة، لازمته الوحدة كثيرا عصرته الأيام والضنك فترات من الزمن كان هناك من يستند عليه والده و والدته اللذان عصرا نياط قلبهما ليصنعا منه شابا واعيا مثقفا ربما والده كان الصدر الذي يرمي بنفسه إليه كلما واجهته صعوبة رغم أنه يعاني ويكابر لكن سرعان ما يجهش بالبكاء لصعوبة أمنيات يراها صعبة عليه سهلة على من صاحب ورافق.... وأم قوبلت أمنياتها وطموحاتها عقدة على شباك إمام، كانت تقول له: هي الدنيا كل يرى نفسه بمنظار غير الذي يتمناه لكن يجب عليك أن تصنع قدرك بيدك تنحت الصخر كي تخرج تحفتك الفنية إنه المستقبل الذي يقبع خلف الضباب فكل ما عليك هو ان تركب قارب النجاة لتزيحه ثم تعبر الى الضفة الأخرى مع من تحب...

كانت مفاجأة له حينما علم أن شريكة حياته أسمها آيات لم يرسم في ذهنه شكل الفتاة حتى رآها، سارع الى عقله الباطن محدثا إياه شكرا لله ولمشيئته كنت يوما ما قد طلبت أن تكون لي آية لكن رزقني الله بآيات أرجو أن تكون آيات مسرات وسعادة فلقد تمنيت على الله أن يرزقني بفتاة تتناسب وعقلي ونفسي وأهلي... لا أدري؟! في بعض الأحيان أجدني في عالم ليس به عناوين رغم الكثير من اللافتات المعلقة لكنها دون مسميات لاشك هو عالمي وآيات سنكتب معا عناوين الحياة التي نحب سنعيد صياغة بعض الكلمات لكن بالتأكيد لا نعيد صياغة أسس الحروف فمن علمني حرفا صرت له عبدا... لا أخفيك يا ربي ,انت الأعلم أني أخاف فالتجربة صعبة والمسئولية تكبر وأنا لا زلت بين عالمين مختلفين عالم الأهل وعالم الحياة الخاصة لقد علمت أن كل شيء مقدر منك يا رب لذا تركت لعقلي ان أخطط وأفكر وانت تدبر شأني أني محاط بعالم بعيد عما تخيلته ورسمت باعدت بين فكيها رحى الأيام وتركت لي فسحة من المخاطر حتى أجوبها لأعبد لنفسي مستقبلا لا أريد له ان يكون عن بساط الريح الذي تربيت عليه إن عالمي بين أهلي حلم ربما هناك في مراحل منه مخبئ بزوايا شياطين ومردة تفزعني لكني مرست التجربة وتوسلت إليك في محراب تعبدك لأن تكون الى جانبي وكنت كما من قبل ورضيت ان تقسم لي آية من آيات وكل عطاياك آيات... كنت خجولا يقفز بداخلي الفرج نبضا كما احسها هي كذلك ...

لا أنسى حين قالت لي أني أحبك أول مرة... قفز قلبي لسماعها، وقلت ربما هي من أراد الله أن تكون رفيقة عمر الى الأبد، لتكن مشيئة الله كما يحب هو سبحانه

كانت آيات تحلم في أن تكون أميرة عالمه ينصبها الى جانبة ويرتقي بها كملكة يلبسها تاج الحب ويلبسها حرير من العاطفة والحب... طالما أحست بوجعه فتجد نفسها أسيرة هواه ترقب كل شاردة و واردة تسابق الريح في أرسال قبلة في الصباح أو المساء، كانت تسامر وحدتها أما الآن فإنها تسامر من أحبت يا الله!!! لم أكن أتصور أن أشعر بمثل هذه المشاعر فالحب رغم لذيد أحاسيه ومشاعره إلا أنه مؤلم موجع ناهيك عن السهد والشرود... أحبك يا حلم حياتي سأكتب عناويني الجديدة منك وإليك سأرمي بوسادةِ الخالية بعيدا سيكون صدرك وسادتي التي احب سأعشق أنفاسك لأن تكون شهيقي وأكون شهيك... حبيبي إليك كل الصور التي رسمت رسائل حب فخذني إليك يا من أحببت والى الأبد.

***

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي

 

 

مصطفى عليفَتِّشْ عَنِ الشَبَحِ الرجيمِ بِسوحِنا

وإسْألْ دَمَ الفُقَــراءِ عمّن أرْسَلَهْ

 

وإسْألْ تُرابَ السوقِ عن عَبَراتِهمْ

كانت برائحةِ الـــــــرغيفِ مُبلّلةْ

 

في ساحةِ الطَيرانِ ألْفُ حَمامةٍ

كالباعــــــةِ المُتَجوِّلينَ مُحَجَّلةْ

 

لا فَضْلَ للدُنيا عليها إنّمـــــــــا

كانت على كلّ الورى مُتَفضِّلة

 

إِذْ تَستَفيقُ مَعَ الطيورِ عَنادِلاً

بِشَذا القناعةِ والرِضا مُتَبتِّلةْ

 

حُسِدتْ على الطيرانِ في عَرَصاتِها

فإذا بِهــــا خلْفَ السماءِ مُرَحّلــــــةْ

 

شَهِدتْ تفاصيلَ القِيامةِ كُلِّها

فَهَلِ القيامةُ للجياعِ مُفصّلةْ

 

السائلينَ إلاهَهُمْ بِقلوبِهـــمْ

لُقَماً حَلالاً بالشقاءِ مُعسّلة

 

الحالمينَ بِأن تجودَ سماءُهم

فَوعودُ ساسَتِنا اللئامِ مُؤجّلةْ

 

عَرَقُ الجباهِ مع الدموعِ نبيذُهم

وَسَمائهم فَرْطَ الحياءِ مُخَضَّلةْ

 

قُمْ يافُؤادي هاتِكاً عـــــــوراتِنا

إذ لَمْ تعُدْ شكوى القلوبِ مُبَجّلةْ

 

كُنْ كالقيامةِ مستبيحـــــــاً عُهْرَنا

إنّ الدموعَ على الضحايا مُخْجِلةْ

 

وإسْألْ ضيوفَ أللهِ هل رَبُّ الورى

سَهـــــــــــواً أباحَ دَمَ الجِياعِ وَحلَّلَه

 

وإرفعْ الى ربِّ العبادِ شكايةً

شكوى عليلٍ بالدليلِ مُعَلّلةْ

 

وإغضبْ إذا سَكَتوا وَقُلْ مالي أرى

أبوابَ رحمتِكَ العظيمةِ مُقْفَلَــــــــةْ

 

ربّاهُ عَفْوَكَ إِنْ سألْتُكَ حانِقاً

فإغفرْ لِقلْبٍ ثائرٍ لا حوْلَ لَهْ

 

لا حوْلَ لي غيرُ اللسانِ وَخافِقٍ

أمّا يَدايَ كمــــــــا رأيْتَ مُكَبَّلةْ

 

ماكانَ ربُّكَ غافِلاً قيلتْ لنا

حقاً ولكــــنْ ثَمَّ وغْدٌ أغْفَلَهْ

 

شَبَحٌ تَمَرّغَ بالضَلالِ تسوقُهُ

زُمَرٌ بأهواءِ الرجيمِ مُضلّلَهْ

 

شاختْ بأفياءِ الخطيئةِ والخنا

وقلـــــوبها بالموبقاتِ مُظلّلةْ

 

رضعَ الضغينةَ من لظى أفواههم

منه الرذيلةُ تخْتَزي مــــــا أرْذَلهْ

 

حَطَبٌ تَكدّسَ فــي جُحورِ ضميرِهِ

وَعلى رصيفِ البُؤْسِ لُؤماً أشْعَلهْ

 

أَنَسيتَ ما قَالَ الذي رفعَ السَما

أمْهَلْتُهُ لكنّني لـــــــــــن أهْمِلَهْ

 

مَسَختْ نِفاياتُ الفتاوى دينَنا

صِرنا هباءاً والفناءُ مُحصِّلةْ

 

نَسَفتْ حُمّيّاتُ العقائدِ شَمْلَنا

عدوى العقائدِ كالوباءِ مُدوّلةْ

 

إنّ العقيــــــدةَ إن طَغَتْ آفاتُها

مَشَتِ العقولُ وراءها مُتَسوِّلة

 

وإذا تمادى في الهشيمِ أُوارُهــا

تعمى الضمائرُ والقلوبُ مُعطّلةْ

 

تغلو العقـــــــائدُ والضميرُ ضحيّةٌ

والروحُ من عَبَثِ العُطوبِ مُهَلْهلةْ

 

وإذا العقيدةُ صالَ سادِرُها غَدَتْ

جُـــــــــرْثومةً بالسافياتِ مُكلّلةْ

 

وَعَجِبْتُ إِذْ تلكَ البهيمةُ سُيِّبَتْ

بينَ الشغيلةِ آفَةً مُتَغــــــــــوِّلةْ

 

ملغومةً قوّادُها أوْحى لها

لا جَنّةٌ إلّا بِنَحْرِ الأرْمَلةْ

 

أو بائــــعٍ مُتَجوِّلٍ قد هدّهُ

جوعٌ وطِفْلةِ بائعٍ مُتَجوّلةْ

 

من أيِّ جُحْرٍ في القصورِ تَرَجّلتْ

تلكَ البهيمةُ فـــــي الدُجى مُتَسَلِّلةْ

 

وَتَزَنَّرتْ بالعارِ عارِ زُناتِها

وَبِغُبْرةِ الأفيونِ قيلَ مُكحَّلةْ

 

مَرّتْ على( الخضراء) وإبتسمتْ لها

كَحَليفةٍ لَحَستْ ثُمــــــــــــــالةَ مَزْبَلةْ

 

هَمَستْ لها أختاهُ لا تَتَخوّفي

فَأنا القرينةُ: جِنَّةٌ مُتَنقّلــــــةْ

 

لن أرْهِبَ الخضراء أو أشباحَها

مهما عوى رأسي وَسُـــــمٌّ أثْقَلَهْ

 

فَأنا صَبيّتُها الـــــــــوَفيّةُ والتي

بِرِعايةِ الأشْباحِ صِرْتُ مُؤهّلةْ

 

لكنّما الفقراءَ أضحيةٌ لكــمْ

فأنا المَنيّةُ للجموعِ المُهْمَلةْ

 

أنا دُمْيةُ الشيطانِ رَهْنَ فُجورِكمْ

وَبِشانِئيكمْ والجِيـــــــــاعِ مُوَكّلَةْ

 

مَنْ أرسلَ الشبحَ الغريبَ لِسوحِنا

وبالرذيلةِ والخطيئةِ حَمّلَــــــــــهْ

 

كلُّ الجِهاتِ مُريبةٌ مِنْ حَوْلِنا

قوموا الى ربِّ الجهاتِ لِنَسْألَهْ

 

سأعـــوذُ من كلِّ الجُوارِ بَرَبِّنا

وَمِنَ الذي عَبَدَ الغريبَ وأنزَلهْ

 

في سوحِنـــــــا وَ ديارِنا وَ عُقولِنا

حتى غدى الأوْلى وصارَ المَوْئِلةْ

 

عُـــذراً سأكفرُ باللذينَ وبالّذي

دَلَّ الغريبَ الى الحِمى أو دَلَّلَهْ

 

كم من فقيرٍ طاحَ في ساحاتِنا

وَدَواعِشِ الأحزابِ تَعْلِكُ مَقْتَلَهْ

 

وَيَصيحُ من بينَ الضحايا مُعْدَمٌ

يبقى دَمـــــي بِثيابِكم لن يَغْسِلَهْ

 

إلّا الجياعُ الزاحفونَ على الطِوى

لِعـــــروشِكمْ وَكُروشِها المُتَرَهّلةْ

 

أَيَظَلُّ مجهــــــــــــــولَ الهُويّةِ قاتِلي

ويضيع في جوْفِ الدُجى كي أجْهَلَهْ؟

***

مصطفى علي

 

 

زياد كامل السامرائيتُناصفني كلّ الخسائر

ثمّ ترشُقُ دمي بالجمرِ والظلمات

تَرصفني مَرّة على دكّة الأحلام

تحتَ غناء الببغاوات

تهجوني برُمحها الوضّاء

لا يفهم خيال الشاعر منه غير

هذا السُهاد

تُمسّدُ بيدها البيضاء، يدي

وشاح أمنيات

لئلاّ بي يستيقظ قرنٌ ريّان

كفى : أصيح بالأيام

لكنّي

كلما داسَ الحزن حياتي

أشمُّ عطرها، على بُعدِ  مِئة نبيٍّ،

كحديقةِ أُرْجُوان ،

سلبوا من الأرض، نبض العَفَاف

ترتبكُ نوايا الشيطان

الثالث منّا...

كان يكفيه  أن يرى وخز النهايات

ليتركنا نَهْبَ أنفاس تحترق

وأرواح عِجاف

 

حطّ فَراش ثوبها على حدود أنفي

لامس لسان النار

أقمن حفلا،

هنّ و غزلان دمعي

ستبتعد عنّا الأكوان

وسيرقص آخر صباح زائف،

من على فؤادِ نافذةٍ صالحةٍ للظمأ،

صباح

يشاركنا العتمة بأسنان ذئاب

فريستان

كُنّا في حوصلة العدم .

***

زياد كامل السامرائي

 

صادق السامرائيما لِروحي منْ شقاءٍ تَسْتَقي

هلْ أَراهــــا لعَلاءٍ تَرْتَقي؟

 

سَئِمَتْ جِسْما رَغوباً نازِقاً

وتَحَلَّتْ بِسِمــــاتِ المُتَّقي

 

أيُّ عُمْرٍ فـــــــي خَبايا نَفْسِنا

أمْضَتِ الروحُ كطيْفٍ مُبْرقِ

 

إنَّها دامَتْ بأمْرٍ حــــــازِمٍ

وتَوارَتْ عنْ وجودٍ أخْلقِ

 

قالتِ النَفسُ لماذا قــد أتَتْ

ثمَّ غابَتْ في فَضاءٍ أعْمَقِ

 

وتناءَتْ في خُطاها واسْتَوَتْ

وإذا الحَـــــيُّ نَزيْلُ الأضْيَقِ

 

أيُّ إنْسانٍ تَســامى إنْتَهى

كهَباءٍ في ضِياءِ المَشْرِقِ

 

مالِروحي هَجَعَتْ في بَدَنٍ

وتَوارَتْ بتُـــرابِ الخَنْدَقِ

 

فتَواصَتْ بخُمودٍ وانْطَفَتْ

أوْهَمَتْني بصَلاحِ المَنْطِقِ

 

وأنا فـــــــوقَ حميمٍ أشْتَكي

مِنْ أجيْجِ في خَبايا المُطلقِ

 

عِشْتُ إنْساناً طَمُوحاً واثِباً

يَتواصى بالمُرادِ الأخْرَقِ

 

وإذا الدُنْيا هباءٌ عاصِفٌ

أسْكرَتْنا بالسَرابِ المُغْدَقِ

 

إنّ صَهْباءَ مُناها أوْرَقتْ

وأتَتْنا بالخِتـــــامِ المُطْبَقِ

 

صَدَقَ المَوْتُ حَياةٌ داهَنَتْ

أسْقَطتْنا بحَفيْرٍ مُغْلــــــــقِ

 

يا صَديْقَ الخَلْقِ يا حَتْفَ المُنى

حَرِّرِ الــــروحَ بأمْرِ المُعْتِقِ!!

***

د. صادق السامرائي

16\1\2021

 

 

صحيفة المثقفتجتاح سموات الدنيا

قطعان الغيمْ ..

ترزح اجيال فيها

لا تحمل غير الضيمْ ..

يخرج أحد لا يدري كيف يعود ..

محمولا ..

مشلولا

مقتولا فوق رصيف الشارع

والاخر مفقود ..

والثالث كومة أسمالٍ في بركة دمْ ..

في كل بيوت العالم همْ ..

إلا من أوغل في مجرى الوهمْ ..

**

تعالت صيحات النورس

ماجت صفارات الإسعاف ..

تَسمْرَ بين جموع مفجوعة ..

أمام الاشلاء

 قدام الامعاء

المنزوعة ..

وبين بقايا الاطراف ..

المنثورة بين الاشياء

بلا أرقام ،

ولا حتى أسماءْ ..

**

ارقام تتساقط في السوح

كقطرات الماء ..

تتعالى صيحات

تتوالى غصات

تنذر بالويل

من هول السيل ..

تتناثر اشلاء ..

**

العالم منهوب ،

منهوك ، مكدود

يبكي يصرخ

 يمضي في عتمة ليل دامس

نحو مصير محدود ..

تحكمه طغمة هاروت

وماروت وداوود ..!!

***

جودت العاني

 

سالم الياس مدالوالنوم في  ظلال

اشجار

القصيدة المضيئة

يبعث في صدور

الفراشات

والغزلان

رائحة المسك

والزعفران

واهات الاطفال المشردين

الحزانى تتجلى

في سداة اقحوانة

او بنفسجة

وتحت سياط

الشوك والعوسج

هدهد يبحث

عن قطرة ماء

وعن استراحة مسافر

 فلا شيء

لا شيء يفيد

العنادل والحساسين

غير الحلم

المحنط بالاصراروالكبرياء

فالى ان تبزغ في

  ليل رغباتنا

شمس ذهبية

قوس قزح فضي

وقمر مضيء

حلم سيتوحد

بتغاريد العنادل

والحساسين

ورغبة ستتالق

في رؤى العنادل

والعصافير

فالوردة لن تذبل

قرب لبلاب

الحساسين انما

تحت سياط

الشوك والعوسج

وفي ظل سياط

الطغاة  والمرا ئين .

***

سالم الياس  مدالو

 

محمد العربيكَفَى فَالْقـَـلْبُ قَـــدْ رَجَفَـــا     

                وَدَمْـعُ الْعَيْـنِ قـَدْ وَكَفَـــا

أَجَا ئِحَةٌ كَفـَـــاكِ كَـفَـــــى     

               وَسُحْقًــا لَـكْ، كَفَى تَلَفـَـــا 

وَأَضْحَى النَّاسُ فِي رُعْبٍ      

                وَفي فَزَعٍ، وَ قَدْ عَصَفـَــا 

بِأَهـْـلِ الْأَرْضِ قَـاطِــبَـــةً       

               فَهـَلْ حَيـْنٌ وَقـَــدْ أَزِفَـــا؟

فَتَـلـْـقَى مَــنْ بِــهِ دَهْـــــرٌ    

               حَلاَ وَصَفَا، وَقَـدْ وَقَـفَــــا

مـُحَيَّـاهُ وَقَـــدْ أَخْـفـَــــــاهُ     

               إِلاَّ بَعْـضَــهُ كَـشَـفـَــــــــا

وَمِنْ بُــعْـدٍ سَــلامـًا قَــــدْ      

              رَمَى، أَوْ قُـــلْ بِـهِ قـَذَفـَـــا 

كــأَنْ وَجْـدًا عَلَــيْنا قَــــدْ       

              وَجَــدْ، فَـازْوَرَّ ثُــمَّ جَفَـــا   

وَقـَـبْــلاً إِذْ بِــلُقْـيــانـــــا     

              سَعيـــدًا كـَـانَ بِـهْ، كَلِـفـَـا  

يَـقـينـًا لَــمْ وَلا يَـجْفُــــو    

                بـَلِ الْأَمـْـرُ الَّذِي سَلـَفـَــا

وَبـاءٌ حَيَّــرَ الْعُــلَمـَــــا     

              فَـإِنْ حَارُوا فَمَـنْ عَرَفـَـا!

وَمُخْـتَبَراتُ ناهِيــــــكُمْ    

               بِـها، فـِي رَجْـفَةٍ أَسَــفـَـــا

فَوَاجِــمَـةً تـَـراها، لَــــمْ     

               تَجِدْ سُبـُــلاً فَمـُــنْصَــرَفا

إليه فَالـْجَأوا، لاتَيْـأَسُــوا      

               مِــمَّــنْ بِــنَــا لـَـطَفــَـــــا

بِعـَــدْلٍ قـَـدْ قـَضَى ꞉أَلاَّ    

              يـَـكُنْ سُقـْـمٌ، بِـغَيْرِ شـِفـَــا

           ***

مـحمـد الـعربي

...........................

في منتصف مارس الماضي، أَعلنتْ سُلُطاتُ بلادي، عَنْ فَرْضِ حَجْرٍ صِحِّيٍّ شامِل، مُقْتَضَاهُ ألاَّ يُغادِرَ النَّاسُ مَساكِنَهُمْ، إلاَّ لِحاجَةٍ مَاسَّةٍ وَمُلِحَّةٍ ،مَعَ الْإلْتِزامِ بِالْإِجْراءاتِ الْإِحْتِرازِيَّةِ، مثل: وَضْعِ الكمامةِ، تَعْقيمِ اليدينِ، التباعدِ الإجتماعِي...إلخ وفي ظل تلك الأَجْواءِ، جادَتِ الْقَريحَة بِهَذهِ الْقَصيدَة.

 

 

ناجي ظاهرلفت نظري خلال تفحصي لما حمله إلي البريد قبل ايام، مغلّف بسيط متواضع، تم وضع طابع البريد عليه في الاسفل بدل الاعلى كالعادة، وكتب عليه بخط مشوّش بالكاد تمكنت من قراءته: إلى حضرة الكاتب ناجي ظاهر المحترم. استوقفني هذا المغلف، وشعرت بقلب الكاتب انه يحمل لي رسالة مختلفة. فتحت المغلّف بيدين متطلعتين متوقعتين، لاطلع على مادة ما لبثت ان تبينت انها يمكن ان تكون قصة مؤثرة. القصة ببساطة تحكي عن ابن وحيد .. انتهت نهاية كابوسية. وقد بدا من طريقة كتابتها ان مرسلتها امرأه متواضعة التعلُّم، ولفت نظري في سردها قصتها المؤثرة، انها كتبت على السليقة ودون اية دراية بالكتابة. الرسالة/ القصة، راقت لي وها انذا انشرها بعد اجراءات طفيفة اقتضتها الكتابة الفنية.

سيدي الكاتب

انا امرأه من قرية مهجرة. قذفت بي يدُ النكبة عام 48، من قريتي الوادعة.. الى الناصرة. يومها كنت وحيدة.. في الاربعين من عمري. تعرفت على رجل مهجر مثلي يصغرني ببضعة اعوام، ولم يمض سوى قليل وقت حتى عرض علي الزواج فقبلت طلبا للسترة وتيسير العيش. بعد سنتين رَزقني الله ابني رِزق، ولم يهبني بعدها غيره، وقد تمنينا، زوجي وانا، لو ان الله يتكرّم علينا باخت أو أخ له، إلا ان ما تمنيناه بقي في ظهر الغيب ولم يتحقّق، وقد كنّا نرى في "رزقنا" منتهى سرورنا وقرت به عيوننا، فكنّا نتابع نموه يوما اثر يوم واكاد اقول ساعة بعد ساعة، فكان اذا ما افتر ثغره عن ابتسامة، تفتّحت على شباك بيتنا وردةٌ جديدةٌ واملٌ مقبل مشرق، واذكر لك ان زوجي ما كان يصدق على الله ان يعود من عمله في الفاعل*، حتى يجرى إليه ليتمعن في وجهه وليطمئن قلبه عليه، وكان خلال نظره اليه في سريره يمطرني بوابل من الاسئلة: كيف كان رزق اليوم. اكل.. شرب.. غيرتيله.. ارتاح؟ كل اسئلته كانت تنصب على رزق وكأنما انا غير موجودة.. ولم يكن هذا يضايقني.. بالعكس كنت افرح لتلك السحابة الرائعة التي دخلت بيتنا والقت بظلها على بيتنا.. لتعطي حياتنا الفقيرة الحزينة.. قوةً ودفعًا، كان من نتائجه ان زوجي ضاعف مجهوده في العمل، فبحث عن عمل اضافي آخر في احد افران البلد. حتى وجده.

قبل اكتمال السنة الاولى من عمر رزق، كان قد مشى على رجليه، وكنا خلال متابعتنا اليومية له، نوقّع قلوبنا على ما يقوم به من حركات، فاذا ما قلب على بطنه قلبنا، زوجي وانا، على ظهرينا من الضحك، واذا ما حبا، حبت معه قلوبنا، اما حينما وضع خطواته الاولى على ارضية بيتنا، فقد حلّق قلبانا حوله.. وعندما تعثر وسقط على الارضية، شاله قلبانا، وامسكت بيديه ايدينا، لتعينه على الانتصاب ومواصلة السير الى الامام.

هكذا رعينا رزقنا بعيوننا، بروحينا وايدينا، وعندما بلغ الثانية من عمره. فاجأنا، رزق وانا، زوجي المحب بكرتونة كبيرة طريفة، وقبل أن اسأله عما احتوته.. راح يزيلها وهو يبتسم، لتظهر دراجة حمراء صغيرة وظريفة.. ويمسك رزق قائلا له: تعال.. يللا اركب.. بدي اياك تتعلم القيادة من إسه. والتفت الي وهو يقول: رزق ولد فتح.. لازم نعطيه كل اشي.. بلكي عوّضنا فيه الله عما لحق بنا من خسائر واضرار.. وما زلت اتذكر كأنما هو يجري امامي الان، ان رزق فاجأنا، نحن والديه، بامتطائه تلك الدراجة الصغيرة:. وانطلق بها يجوب انحاء غرفتي البيت. وما ان امتدحناه او كدنا حتى انقلبت به الدراجة فسقط عنها وراح يصرخ باكيا. هرعنا نحوه وتفحصناه جيدا. لم يكن فيه اي اثر لجرح او حتى خدش. ومع ذلك كان فيما تلا من وقت ما ان يهدا حتى يعود الى صراخه وبكائه. ولم يكن امامنا والحالة هذه الا ان نحمله ونهرع به الى عيادة الدكتور عزيز السروجي. في العيادة لم ننتظر في غرفة الاستقبال طويلا، وما لبث الدكتور ان فتح باب غرفته المغلق، ليخرج منها رجل في مثل عمر زوجي وشعرت انه يشبهه، وليطلب منا ان ندخل. وضعنا رزق على سرير الفحص الطبي. عاينه الدكتور عزيز وسط صراخه وبكائه. وربت على قفاه وهو يقول له: بكفّي عهر. والتفت الينا وهو يطمئننا: الولد مفيهوش اي اشي. بس ليش بصرخ وببكي كل الوقت يا دكتور؟ بعرفش السبب.. يمكن بتدّلل عليكوا. اطمأن قلبانا وخرجنا، زوجي وانا، من عيادة الدكتور دون ان نفكر بما قاله لنا.. "المهم ان رزق سالم سليم"، قال زوجي. ومضينا في طريقنا إلى بيتنا المستأجر البسيط المتواضع في بئر الامير. في طريقنا إلى بيتنا فوجئت بزوجي يدخل الى حانوت لبيع الحلويات، ويخرج بسرعة وبيده "صفط" صغير. وتوجه إلى صغيرنا رزق قائلا له: كل هذا كرمى لعينيك.

في البيت واصل رزق صراخه وبكاءه، وكان عندما يتناول قطعة من الحلوى، يلتهمها..، ويواصل البكاء، الامر الذي كان يدفع اباه لان يحضر له الماء ليسقيه اياه من يده، وكان رزق يشرب الماء. وما ان يهدأ حتى يعود إلى البكاء، فيهرع إليه والده سائلا اياه: مالك يا حبيبي؟ شو جرالك؟..الغريب ان رزق كان كلما قدّم اليه والده شيئا، او توجه إلى حانوت الحارة واشترى له ما يملأ فمه او يشغل به نفسه، يصمت.. ليعود إلى الصراخ والبكاء.

كبر رزق ومضت السنوات تترى واحدة وراء الاخرى، ونحن نقدّم لرزق كل ما يطلبه و.. حتى ما لا يطلبه، وكنت الاحظ ان زوجي يضاعف من عمله وعندما سالته عن السبب نظر الى رزق وهو يبتسم وقال.. كرمى لعيني حبيبنا. عندما بلغ ابننا الخامسة ادخلناه مدرسة الحي، وما ان دخل غرفة الدراسة، وولينا حتى وجدناه يركض وراءنا. طلبت منه ان يعود الى المدرسة، فطلب مني زوجي ان اصمت، واحتضنه قائلا له: ولا يهمك. في اليوم التالي سلك في المدرسة. بعدها بيوم رفض التوجه الى المدرسة، وهكذا بين رفض وقبول، امضى وقته، وما ان وصل إلى الصف الرابع، حتى ابتدأت علامات عنف مستهجنة تظهر عليه. يومها سألت زوجي عما يمكننا أن نفعل معه.. فطلب مني ان اصمت واردف يقول: بديش اياه يطلع خنجعة*، بدي اياه يكون زلمة قد حاله.

بعدها جرت الايام لنفاجا بأم احد الطلاب تشكو رزقًا قائلة انه ضرب ابنها، و.. تتالت الشكاوى على رزق وسط تشجيع والده له على القبضنة*، وصراخه المبتسم له امام الشاكين منه وعليه. عندما دخل رزق الصف السابع، فوجئنا بخبر.. سيكون له ما بعده في حياتنا. كان ذلك عندما جاء مَن يخبرنا أن رزق قد قام بطعن احد زملائه في المدرسة. يومها جرينا إلى المدرسة. سألنا عن رزق، فأجابنا مدير المدرسة انه الآن في مكتب ضابط الاحداث. ركضنا الى المكتب. وعندما طرقنا بابه الموصد، طلب منا ان ننتظر قليلا، بعدها طلب منا ان ندخل الغرفة، لنرى رزق وقد اتخذ مقعده قبالة الضابط واضعا قدمه على اختها.. بكل صلف. سأل زوجي المسكين عما حدث فأجابه الضابط قائلا: ان الوضع خطير، وانه يجب نقل ابننا الى الاصلاحية في عكا. وطمأننا قائلا: ان الحديث يدور حول اعادة تأهيل وليس حول سجن، واصطحب زوجي إلى خارج الغرفة وهو يربت على كتفه قائلا.. كثير افضل لابنك انه يكون في الاصلاحية.. اذا بقي خارجها ربما يسلك طريق الاجرام. عرفت هذا فيما بعد بالطبع. اما حينما عاد زوجي إلى غرفة الضابط فقد لاحت في عينه دمعة تابي النزول.. قابلتها دمعة.. قبلت النزول.. من عيني.

في اليوم ذاته انتقل رزق إلى الاصلاحية، لينتقل قلبانا معه. ولتبدأ فترة جديدة في حياتنا، وكنا، زوجي وانا، نزور ابننا في عكا مرة كل اسبوعين.. كما تسمح الظروف، ومضت السنة الاولى على وجوده هناك. ليتوّجها بعطلة صيفية، يعود بعدها إلى اصلاحيته، وكنا للحقيقة نتلقى، بين الحين والآخر، شكوى.. مفادها ان رزق ضرب زميلا له بعصا او اوقعه ارضا لتنكسر يده او ساقه.

قضى رزق في اصلاحية عكا ثلاثة اعوام، احدثت تهذيبا ملموسا في شخصيته، الا انها لم تقضِ على ما اتصف به من عنف. واذكر اننا سألناه ذات ليلة سمر هادئة عن سبب غضبه المتواصل، ففاجأتنا برد لم يسبق ان خطر في بالنا، قال: بدي العن ابو العالم اللي طردكوا من قريتكوا وبيوتكوا.

سيدي الكاتب

الآن اصل إلى سبب كتابتي هذه الرسالة.. وإلى لب معاناتي وآلامي.. لم ينفذ رزق شيئا مما اوحى به الينا، وانما فعل امرًا عظيمًا ها انا ذي ارتجف وانا اصل إلى الحكي عنه.. كان ذلك قبل ثلاثة شهور. عندما عاد رزق في آخر احدى الليالي المعتمة المظلمة وبرفقته فتاة سرعان ما تبين لنا انها روسية. دخل الغرفة علينا، وطلب منا ان نخصص سريرًا.. لتنام عليه مرافقته. استجبنا له. اعددنا السرير في الغرفة الثانية من بيتنا.. دخلت الصبية اليها لتستلقي هناك على السرير. بعد حوالي الساعة من القلق والترقب. انسلّ رزق متوجها إلى الغرفة المجاورة، وفوجئت بزوجي يهتف به.. إلى أين؟.. إلى الغرفة الثانية.. مش راح اسمحلك تعمل بيتنا كرخانة*، اتركني افوت قبل ما تضرب التوريم* عندي. يا با اتركني.. والا بعرفش شو بصير.. وشو ممكن يصير، اطلع برة انت وشرموطتك... شو بتقول؟.. وجاءت المفاجأة الرهيبة.. المفاجأة غير المتوقعة.. ولا.. في اقسى الكوابيس.. استلّ رزق سكينا من جيبه وغرسها في قلب والده.

البقية باتت واضحة سيدي الكاتب.. في تلك الليلة القاسية.. فقدت اعز اثنين: زوجي وابني.. وها انا ذي اكتب اليك لعلي اخرج بعضًا مما امتلأ به قلبي من اسى.. لوعة.. فقد و.. خسارة.

***

قصة: ناجي ظاهر

...................

* العمل بالفاعل: الشاق *خنجعة: يتناول عن حقه *قبضاي: شجاع *كرخانة: بيت دعارة *التوريم: الاسلاك الكهربائية.

 

 

سعد جاسم بغدادُ كانتْ أُغنيةْ

بغدادُ قلعةْ

بغدادُ صارتْ أُضْحيةْ

بغدادُ دمعةْ

**

بغدادُ

جرحٌ نازفٌ

بغدادُ

شعبٌ خائفٌ

وعراقُنا المذبوحُ

أَصبحَ مجزرةْ

مُذْ أُسْقِطَ التمثالُ والجبروتْ

 و" البعثوتُ " والدعشوتْ "

والنواقصُ والهوامشُ

والاباطرةُ ...البرابرةُ ...

ودهاقنةُ الدياناتِ

والخياناتِ والقهرِ والوحشوتْ

والطغاةُ والجناةُ والغزاةُ

وثعالبُ الخلجانِ والذؤبانِ

وهراطقةُ الرهبوتِ والطاغوتْ ؛

بلا ضميرٍ أَو وازعٍ أَو هاجسٍ

من صاحبِ العرشِ العظيم

والكونِ والخلقِ الكريم

والأُنسِ والجنِّ

و" الكُنْ ... فيكـونْ "

وهُمْ طاغونَ وطاعونْ

وهُمْ سُكارى بدمِ الحمامِ

والنوارسِ والارانبِ

والملائكةِ الصغار

وماهُمْ بسُكارى

ولا هُمْ بحيارى

ولا هُمْ يَحزنونْ

لا على القتلى

ولا على الموتى

ولا على الجرحى

ولا على الذينَ قد يهوونْ

ولا على الذينَ من خوفِهمْ

وجوعِهمْ وقهرِهمْ

يذوونَ مثلَ شمعةِ الحلموتْ

 

وهُمْ بلا ضمائر

ولا دمٌ حيُّ

 يرمونَ بالناسِ

الى الجحيم

 وجهنَّمِ الجمراتِ والناروتْ

وهُمْ يسحلونَ ويضربونَ ويجرحونَ

ويخنقونَ ويشنقونَ وينبحونَ

ويذبحونَ روحَ اللهِ والناسوتْ

وهُمْ يحرقونَ ويسرقونَ الارضَ

والنخلاتِ والحُنْطاتِ والشلباتِ والخضراتِ

والنفطاتِ والورشاتِ والحاناتِ والخاناتِ

 والصبايا والمرايا والبنينَ والحنينَ

 والاباءَ والابناءَ والاماتِ والخالاتِ والعمّاتِ

والاعمامِ والاحلامِ والاجدادِ والزوجاتِ والجدّاتِ

والنوارسَ والكنائسَ

والجوامعَ والصوامعَ

و الاشجارَ والازهارَ

والجنائينَ والاماكنَ

والواحاتِ والغاباتِ

وفراتَ الله

ودجلتَهُ الخصيبة

والزرعَ والضرعَ والحقلوتْ

ويستبونَ نساءَنا

ويَنْحرونَون  صغارَنا

وشيوخُنا أَبداً تموووووتْ

وبلادُنا قَدْ أَصبحتْ

مُقْبرةً داميةً

أَمواتٌ تنهشُ أَمواتاً

وتابوتٌ يَحْمَلُ تابوتْ

**

بغدادُ : حلمْ

بغدادُ : ملحْ

بغدادُ : لحمْ

 وقَدْ تناثرَ

 فوقَ كلِّ الارصفة

بغدادُ : نهرُ دَمٍ

 وقدْ تفايض

 من عيونِ الناس

ومن قلوبِ الأُمهاتِ الراعفةْ

***

سعد جاسم

........................

* مقاطع من قصيدة  طويلة

 

 

علي القاسميألفيتني، والقمرُ بدرٌ في ليلة تمامه، أُطيلُ النظرَ إليه من فُرجة الخيمة المنصوبة في العراء، فيبادلني النظرَ ويزداد توهُّجاً واقتراباً من الأرض حتى  يلامس نهاية الأفق بحافته الدائريّة. وجدتني، وسكونُ البادية يشحذ حواسِّي، أستجلي لونَه الفضيّ، أتملّى حُمرته الذهبيَّة، فتستدير حدقتا عيني مع استدارته. ينغرز فيه بصري، يغوص في أعماقه، ويندمج فيه. أبصرتني مأخوذاً بأشعّته المتهادية نحوي، تغسل وجهي برفق، ويستحمُّ فيها جسدي، وتنسكب في  عينَيّ، وتتسرَّب منهما إلى أعماقي، فتنبثّ خيوطُ ضوئه في أوصالي دونما صوتٍ ولا نأمة. رأيتني مشدوهاً بسناه، مخدّراً بنوره، وهو يتغلغل بنعومةٍ إلى باطني، ويذوب فيَّ مثلما يذوب قالبُ سكّر في ماء دافئ، فأشعر بسكِينةٍ تلفُّ أحاسيسي، واسترخاءٍ يهدهد بدني، كطفلٍ على وشك النوم في مهده المتأرجح.

كنتُ أظنّ أوَّل الأمر أنَّني أحدّق في سطحٍ مستوٍ مشعٍ، غير أنّني أخذتُ أتبين رويداً رويداً تضاريسَ وظلالاً كالوشم في وجه القمر. ثمَّ تبدّى لي في وسط القمر أو قدّامه،كائنٌ حيوانيّ يتحرَّك قليلاً، ثمَّ يكفّ عن الحركة. ولم أدرِ تماماً ما إذا كان ذلك الكائن يكمن في القمر نفسه أم إنّه يقف على الأرض في نهاية المسافة الممتدَّة بيني وبين القمر. وراح ذلك الحيوان يَتًّجه صوبي فاتّضح لي  رأسٌ جميل يعلوه قرنان صغيران وتتوسطه عينان واسعتان، ويتّصل به جسمٌ ضامرٌله سيقان رقيقة. إنّها غزالة تتحرَّك نحوي ببطءٍ وتَرَدُّد، والقمر يؤطِّرها من خلف، حتّى صارتْ تغطّي معظمه. وأخذتْ تدنو منّي شيئاً فشيئاً، ثمَّ توقّفتْ إزاء خيمتي، وهي تنظر إليَّ فتلتقي عيوننا في صمت.

لم أَذُق طعاماً يُذْكَر طيلة ثلاثة أيامٍ في تلك الصحراء الشاسعة القَفْر الخالية من أيّ نبات أو حيوان أو أيّ شيء آخر ما عدا كثبانٍ رمليَّةٍ تنتشر فيها على مدى البصر مثل انتشار الأمواج العالية على سطح البحر. لقد نَفَدَ طعامي وأوشك مخزونُ الماء على النفاد، فلم أستهلك منه إلا قطراتٍ في فتراتٍ متباعدةٍ، تبلُّ شفتي ولا تكاد تبلغ ريقي. ولم تَعُدْ سيّارتي تساوي حبةَ رملٍ، بعد أن توقّفتْ عن الحركة لانعدام الوقود. ولم تكُن خيمتي المنصوبة في قلب الصحراء، كرايةِ حدادٍ منكّسة، قادرةً على حمايتي من لفح الشمس التي كانت تصهر كلَّ شيءٍ تحتها، وتحيله إلى رمل مسحوق. وهكذا انقضَّ عليّ القلقُ نسراً ينهش عصافير الأمل الفَزِعة في نفسي، وأخذ صِلُّ الخوف يدبُّ في أوصالي.

وهبّتْ في أعماقي ريحُ الحنين إلى المدينة وشوارعها ومقاهيها وحدائقها ونافوراتها. وعجبتُ لنفسي كيف تضجر بين الحين والآخر من صخب المدينة وزحمتها، وتتوق إلى صمت الصحراء وفضائها الغارق في السكون. هكذا كنتُ دوماً، حياتي كلُّها سلسلةٌ متصلةٌ من التناقضات. أَترعُ كأسَ الرغبة بالشوق، ثمَّ في لحظةٍ واحدةٍ أُهْرِقه على بساط الملل؛ أُحلِّق على جناح الأمل إلى قِمَم الفرح، ثمَّ سرعان ما أهوى متشظياً إلى سفوح البؤس؛ أُغنّي للوصل أحلى الأغاني، وفجأةً أقطعها لأنشج بكائيات الهجر والحرمان.

ودبّتِ الساعات بطيئةً ثقيلةً مثل سلحفاة خائفة منكمشة، وكَلّت عيناي من التحديق في  الصحراء التي تحاصرني من جميع الاتجاهات، وتحيط بي كثبانها الرمليّة مثل قلاع منيعة يستحيل اختراقها. وتحت وطأة الجوع الذي كان يعضّني بضراوة، وبفعل العطش الذي كان يجففني مثل قطعةِ لحمٍ قديد، هامَ عقلي في سراب من الهواجس والرؤى. ورحتُ أجترُّ خوفي وأمضغ قلقي. ومن ربوةٍ رمليّةٍ صغيرةٍ تشبه الرمس، ارتفعَ شبحُ والدي بكفنه الأبيض، مُمتطياً صهوة جواده الأدهم، متقلِّداً بندقيته، كما لو كان في طريقه إلى الصيد. واستقرَّ على كتف أبي، بومٌ أسودَ بدلاً من صَقْره المدلَّل. وراح كلبُه السلوقي يعرج بإحدى قوائمه المبتورة، وهو يتلفّتُ إلى الجواد الذي فُقِئَتْ عيناه. وعندما اقترب أبي منّي أوقف جواده، وانحنى عليّ، ومدَّ يدَه إليَّ، ورفعني من الأرض وأردفني وراءه على الجواد كما كان يفعل في صغري، ثم عاد من حيث أتى وأخذ جواده يغوص في ذلك الرمس الرمليّ وأنا معه، فأشعر بذرات الرمل تندس في أنفي وتخنق أنفاسي.

نظرتُ إلى الغزالة الواقفة أمامي. عيناها الجميلتان تذكرانني بعينَيّ الحبيبة الكحيلتين؛ فيهما معاني المحبّة ورقّة الاستعطاف. ولها لفتة الجيد ذاتها كذلك. غير أنّ هذه الغزالةَ هي أملي الوحيد في الصمود بعض الوقت ريثما تصل نجدة ما أو تمرّ قافلة. رمقتُها بنظرة ولهى على استحياء. يا إلهي، كم أنا بحاجة لدمها يروّي ظمئي! وما ألذَّ لحمها! . التفتُ إلى البندقية الملقاة على أرض الخيمة، فتذكرت أنّها هي الأخرى لا تساوي حبة رمل، فقد أَمْسَت مجرد قطعة من خشب جامد وحديد بارد بعد أن نفدت ذخيرتي، بسبب محاولاتي المتكررة الفاشلة لإصابة ذلك الضَّبّ اللعين. كان يمرق أمامي كالبرق ثم يختفي في جحر من جحوره المتعددة في قَلْب الكثبان الرملية، فأظلُّ أُطلق النار بجنون على الرمل. وفي كلّ محاولة لم أحصل على شيء سوى دويّ هائل سرعان ما تشربه الرمال، وأبقى أردد بصوت عال متوتر عبارة "وضعي أعقد من ذَنَب الضبّ".

حدجتُ الغزالة المنتصبة أمامي بنظرة متلهّفة. توهّمتُ أنّ قوّة خفيّة  ساقتها إليّ لإنقاذي. نظرتُ إليها ثانية نظرة انكسار واعتذار. تحسَّستُ خنجري المشدود على بطني الخاويّ. لا بدّ أن أُمسك بها أوّلاً. مددتُ يدي على مهل تجاه فَمِها، كما لو كنتُ أقدّم إليها شيئاً تأكله. لا بدّ أنّ الجوع هو الذي دفعها صوب خيمتي. أَدْنَتْ رأسها من يدي وهي تشمُّ كفِّي الفارغة. نهضتُ بحذر، فجفلتْ وتراجعتْ إلى الخلف بخفّة ثم توقفتْ. تقدَّمتُ صوبها ببطء. اقتربتُ منها مادّاً يدي نحوها. تراجعتْ مرّة أخرى وأنا أتبعها حتّى ابتعدنا عن الخيمة وصرنا في وسط العراء.

التقتْ نظراتنا مرّةً أُخرى. لم أرَ منها غير عينيْها هذه المرَّة. استرعى انتباهي احمرارٌ شديدٌ أخذ يكسوهما، ويُخفي تلك النظرة المنكسرة الحنون. وبدلاً منها لاحت لي نظرةٌ قاسيةٌ مريبة. انزلقت عيناي عن عينيْها إلى بقية وجهها، فأدهشني وأفزعني في آنٍ، منظرُ أنيابٍ حادَّةٍ يكشِّر عنها الفكان. وسرعان ما صدر عواءٌ خافتٌ متقطِّعٌ يُنذر بالشرِّ. وقبل أن أستجمع شتات فكري المشدوه، أَحْسستُ بمخالبَ حادةٍ تنغرز في صدري وبطني، وبأنيابٍ شرهةٍ تمتدُّ إلى وجهي. وفي طُوفان الرعب الذي اجتاحني بفعل المفاجأة، اختلطت الأمور في ذهني. غير أنَّ الشيء الوحيد الذي تأكَّد لي هو سقوطي على الأرض مستلقياَ على قفاي، وفوقي ذِئْبٌ شرسٌ على وشك أن ينهش وجهي، ويقطّعه إرباً بأنيابه الحادَّة. وألفيتني أُطلق صرخةٌ رعبٍ تمزِّق سكون الليل، يتراجع على إثرها الذئب قليلاً، ليتأهَّب للانقضاض عليّ في هجمةٍ جديدةٍ حاسمة.

وفي غمرة اضطرابي، امتدتْ أَصابعُ يدي المرتجفة إلى خنجري، فاستللتُه من غمده، ثمَّ أمسكتُه بكلتا يديّ، وأسندتُه إلى صدري،كأنّي أحتمي به. وفي تلك اللحظة، انقضَّ الذئبُ عليَّ، بقفزةٍ هائلةٍ، فانغرزَ نصلُ الخنجر، في موضع القلب من صدره. ووجدتني في حالةٍ من الهيجان والصراخ، وأنا أغمد الخنجرَ، أكثر فأكثر في جسده، لينبجس الدم الحارُّ منه، فيغطّي وجهي كلَّه، ويندلق في فمي،ويُطفئ ظمئي.

***

بقلم: علي القاسمي

.................................

* من مجموعة قصصية عنوانها "دوائر الأحزان"، الطبعة الخامسة (الدار البيضاء: دار الثقافة 2019) الطبعة الأولى (القاهرة: دار ميريت،  2005).

* يمكنكم الاطلاع على دراسة نقدية حولها بعنوان:

سحر الحكاية في قصص علي القاسمي.. قراءة في قصة "الغزالة"

للدكتورعبد الحميد العبدوني

 

سهام جبارحجرٌ كافٍ للطمِ ذلك كله

اطلاقةٌ واحدة

لصدعِ الايمان العميق

بأجراسه اللا منتهية

للحبِّ الواثق من نفسهِ كيقين

للوقوف أمام البهاء ببهاء

بجلال

بلا شدّ رحال

ولا حملِ زوّادات

بلا فرار ولا ارتطام بأقدار

ولا تعلّق بمشانق أو احتضان محتضرين

بلا وصمِ جبين ولا جدعِ قلوب

رسم مناسب للهيأة

للفم المبتسم بأسبابه الواجبة

أما أنا، فعكسُ ذلك كله

سأفرّ حتى تكلّ روحي

وتصيبني

اطلاقاتُ العالم الكثيرة

كأيّ شيطان بريء ملعون

أمام الحجج العبقريةِ المقنعة

لا ايمان ولا أمان

فقط جريٌ بأقصى الروح

مع زوّادتي..!

***

سهام جبار

 

 

صالح الفهديأُعِـــــــزُّ شَبيبةً تُغْنِي الشَّبَابَا

بِمَا وُهِبَتْ وقد عَمَرُوا اليَبَابَا

 

ذوِيْ هِمَمٍ، صِعَابُ الأَرضِ دانتْ

لهمْ، أَنَّى اعْتَلَوْا يومــــــاً صِعَابَا

 

فَما عُرِفُوا سِوَى بالعزمِ حتَّى

تَفتَّحَ للعُلا والمجــــــــــدِ بابَا

 

شبابٌ أَدركُوا خَطْبَ اللَّيالي

فأَبْلُوا العُمْرَ جُهْداً وَاكْتسَابَا

 

"وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَّمَنِّي

وَلَكِـــــنْ تُؤْخَذُ الدُّنيا غِلابَا

 

وَمَا اِسْتَعصَى عَلى قَوْمٍ مَنالٌ

إِذا الْإِقدامُ كانَ لَهُمْ رِكابَا"(1)

 

فخَاصَمَهُمْ دُعَاةُ الخَــوْرِ حِقْداً

ويَا للخصمِ إِنْ جَهلِ الصَّوابَا!

 

أَصَمُّوا عنــــهُمُ الآذانَ كَيْمَا

تَغُذُّ خُطاهُمُ، تطوي الرِّحَابَا

 

شبابٌ ليسَ يُنْسَبُ أَيُّ عُمْرٍ

إليهِ، فَرُوحُهُ تُعْزَى انْتِسَابَا

 

فإِنْ قِيلَ الشَّبابُ فليسَ عُمرًا

ولكــــــنَّ الشَّبابَ بِمَا أَصَابَا

 

عَزائِمُ إِنْ حَوَتْ نفساً أَقامَتْ

لهــــا في ذروةِ العَليَــا قِبابَا

 

ومَنْ غَشِيَتْ سريرتُهُ تَسامَى

بمطمحِهِ بمـــــا يُعْلِي الرِّقابَا

 

شبابٌ لا يقــــــومُ المجدُ إلاَّ

بِقَوْمَاتٍ لهُمْ تُصْفِي الرِّغابَا

 

وما الأوطانُ دُونَهُمُ بخيرٍ

ولا طابتْ بغيرِهُمُ مَآبا

 

فَطُوبَى إِنْ أَتَاحَتْ كُلَّ دربٍ

لَهُمْ، أو فَتَّحَتْ للعَــــزْمِ بابَا

 

فذاكَ هوَ الطَّريقُ إلى المعالي

تنالُ علــــــى مقاصدِهِ الثَّوابَا

 ***

د. صالح الفهدي

.........................

* البيتان لأحمد شوقي

 

انعام كمونةعذرا ..عذرا سيدي الشهيد وجعي يتهافت مطرا

كلما رويتم صراط الشهادة بدموع دمائكم

يُلَوِحْ عناق أجسادكم الفتية

عرس مذابح بحناء الجراح..!!

وتهاليل رحيل خضبت مأتم الكفن بأنين الصباح

فيااا كبوة صهوة الوطن...

 فرســــــــــــــان صهيل الخلود....

عمر.. علي.. هويات سلام 

بأطياف قزحية 

تحتسي البرد وتمنح الدفء

كيف تناثرت شهية أحلامكم الشجية...

أشلاء .. أشلاء

على سفوح عراق مستباح..!!!

وأوغاد الكؤوس تحتفي بنخب عار..؟!!

يمحق برغوة رياح ..!!

فيا لهيب شيبة لوعة

مخضلة بنسل الفراق

واشجان ليل سامره الأرق

 تنوء غصة بأحضان هدير الصراخ

لما يُطفأ سراج وجوهكم العطشى ..؟؟

المغمسة بملحِ جوع ..؟؟

ألم نحط خبرا لجهينة يقين عذرا ..!!

أترَممْ سوسة العتمة نخرا ولثة ترابي تتعفف الشكوى..؟!

فياااا زيتونة ترابي مشكاة صبر

يتكئ على منسأة ضلوعها

 أحقاد اغراب بحدوة أعرابٍ...

ستبزغ شمس أطلس الرافدين

 أهازيج وأفراح

***

 إنعام كمونة

 

 

جواد غلومهي برهةٌ ويطلُّ ذاك الفجرُ

من كبد السماء

يهديكَ ضوءاً حانياً

ينسلُّ في خجلٍ إليك

ويرشُّ وجهَك بالندى

والصبحِ والأمل الجميل

لا تكتئبْ

سيطلُّ هذا الوردُ من شرفاتهِ

ويبددُ الكمدَ الثقيل

وستنقلُ الريحُ الحنونةَ

كلَّ شوقك للقريبِ وللبعيد

للأهلِ ،والأصحاب والأولادِ

والأحفادِ

في المنفى " السعيد "

لا تكتئب

ها قد يضيعُ العمرُ

في وهْجِ اكتئاب

وتموتُ في الأرض اليباب

***

جواد غلوم

 

 

قصي الشيخ عسكرمن نافذة الصالة تلك الفسحة التي يطل بها على العالم لمح الأشجار تترنح، وكان المطر يجلد الأرصفة. كلّ شئ في الخارج قاتم مبهم الملامح. في الليل، قبل أن يغفوَ، أبصر السماء صافية وتراءت له بعض النجوم فمتى انقلب الخارج؟ ومما زاده ضجرا  أنّ الوقت مازال مبكّرا على قدومها وفي هذه الساعة ليس معه سوى طائر الكوكتايل الذي اشتراه العام الماضي من المزاد الشهير في (ملتون) واختارت هي اسمه لكنه الآن في هذه اللحظة لا يسمع صوتا صادرا عن القفص. هناك هسسة من مكان ما. شدته الحركة فالتفت أسفل النافذة فرآى نحلة عند الزاوية اليمنى تعلو وتهبط. لا يشك أنها دخلت البارحة حين لاح الجو لطيفا ففتح المصراع بضع ساعات ليملأ رئتيه بهواء نقيّ قبل أن ينام. لقد كان متعبا حقّا إذ بقي على الهاتف ينتظر حتى إذا جاء دوره تناوشته السيدة الممرضة بفضولها الممل. مجرّد اشتباه دفعه للاتصال أو رغب أن يطرد عنه القلب في حين واصلت السيدة على الطرف الآخر إلحاحها:

هل تشعر بحرارة؟

لا أظنّ.

حشرجة في الصوت؟

نعم.

ضيق في التنفس؟

نعم. وكل عام يلازمني زكام فلا يفارقني إلا بعد أشهر

ألم في المعدة؟

شهيّة مفتوحة؟

ألم المفاصل؟

زوغان البصر؟

حسنا ابق على اتصال معنا.

انتبه أنه يحبس نفسه حبسا استعراضيا. السيدة من خط الطوارئ (111) نصحته ألا يغادر البيت.  وليس معه إلاطائر الكوكتايل، أما (ميشيلة) فتزوره ثلاث ساعات في الأسبوع ولم تنقطع عن زيارته خلال الجائحة وكان صاحب المزاد أكّد له أنه سيدِّرب الكوكتايل على أيّة جملة يرتأيها ولن يدفع مبلغ السبعين جنيها إلّا يوم يأتي فيأخذ الطائر. سيقول كما أراد :طاب يومك سيدي ولن يخشى أن يفتح القفص ليجعل الطائر يتسلّق ذراعه  فقد دربوه وجعلوه يفقد عشر ريشات من أحد جناحية. كانت  النحلة مازالت تستعرض على الزجاج حين سمع جرس الباب، أطلّ برأسه فوجد كيسين من الطعام وضعهما متطوّع وقف أسفل السّلَّم. حيّاه فرد عليه بابتسامة. وضع الكيسين على دكة المطبخ. وعاد إلى الصالة. . .

أكثر من ساعتين على قدوم (ميشيلة). قبل عام في أول شهر لبلوغه الثمانين، استقبلها، وقتها لم يكن يرتاح لها. فضَّل لو بعثت التعاونيّة بواحدة أخرى. نحيفة أو رشيقة ثمّ اعتاد عليها،  وجدها لطيفة صريحة إلى درجة السذاجة. قالت له إنها مصابة بالسكر. لكنها على الرغم من بدانتها راحت تعمل بخفّة النحلة..

تضحك برشاقة...

تبتسم..

والأهم من كل ذلك أنها أحبت الكوكتايل. حالما تقول له مرحبا بك يرد عليها مرحبا بك أيها السيد. فتضحك من أعماقها حتى يرى طيات بطنِّها تهتزّ من الضحك وتعقّب:

لايسّرني ذلك الأفضل أن أكون سيدة.

أمنحُها حرية أكبر . أوحي لها أنَّها يمكن  أن تتصرف خلال تلك الساعات الثلاث كما لو أنَّها في منزلها. لا أدري لِم أفعل ذلك فهؤلاء موظفون يتعاملون بحدود. يبتسمون بوجوهنا نحن كبار السن  يخدموننا لكن مقابل أجر مع ذلك استدرجتها بلطف إلى أن تبوح ببعض خصوصياتها. أمّ لشاب في السابعة عشرة يعيش مع أبيه. انفصلت وعاشت مع شريكٍ سنتين ورغبت عن الصداقات. كان يستفزها ولا يدري لم يفعل ذلك. هاهو يشرف على الثمانين. صادق الكثيرات في أكثر من بلد. وفي آخر زيارة لها شعر بالضيق حين غادرت. حاول أن يداري الوقت بمتابعة التلفاز. ترك الكوكتايل مشغولا بحبة عباد الشمس . يثق فيه ثقة عمياء مادام فقد عشر ريشات من أحد جنحيه، راح يتابع خطاب رئيس الوزراء وهو يعلن الحظر. مجرد فضول وقضاء وقت. هل يجرب في الزيارة القادمة أن يمسك يدها بحنان. يطبع عليها قبلة. لكنّه الحظر الذي جعل الآخرين يبتعدون عن بعضهم بعضا. سيجرِّب حين تنتهي كل الاجراءات. بدا رئيس الوزراء مرهقا، أكثر نحافة ومازالت آثار كورونا بادية على ملامحه . وقف يحث المواطنين على أن يلزموا بيوتهم:

stay home

وفاة طبيب عراقي في مشفى ليستر وعدد الإصابات في ازدياد... أعلام قوس قزح ترف:

Thank you for NHS

والناس أمام بيوتها تصفق، من غريب المصادفات أن الكوكتايل تسلل إليه تلك اللحظة قفز إلى الأريكة واستقر جنبه يتابع أعلام قوس قزح. سألها باهتمام:

لم أسمه بعد هل تحتفظ داكرتك باسم ما؟

تأملت لحظة وقالت بابتسامة طفولية:

ماذا لو تسميه هاري !واستدركت :مجرد اقتراح

لا بأس اسم جميل ليكن هاري . . طاب يومك ياهاري

تعال ياهاري. . طاب يومك أيها السيد، لكنه الآن مشغول عن هاري الكوكتايل بالنحلة التي تأخذ النافذة صعودا ونزولا لابد أنها ظلت محبوسة طوال ليلة أمس. كان يستل المفتاح الصغير من الدرج حين رن الهاتف:

:سيد عبد الواحد  أنا أكلمك من مكتب البلدية أقول لك آسفة ميشيلة لن تأتي اليوم لقد انتقلت إلى مقاطعة آخرى أظن أننا نحتاج إلى أسبوع في ظل هذه الظروف لنرسل لك موظفة آخرى أي شئ يطرأ اتصل تـ(111)

لا مفاجأة إذ لن يرى بعد اليوم السيدة ميشيلة. . 

لفحة ذهول

حزن ما شفاف

ألقى على الأمير هاري نظرة سريعة وهمس طاب يومك  ياهاري ثم انتقل إلى موضع النافذة حيث مازالت النحلة تهبط وتصعد وهي تلامس الزجاج بجناحيها. ، فتح المصراع فلفحته العاصفة بفحيحها وكانت الاشجار الضخمة مازالت تترنح أمامه وتطايرت أوراق من على المنضدة، قي الوقت نفسه كانت النحلة تتمايل مثل الاشجار الضخمة، وتختفي عن عينيه وسط الأجواء القاتمة  الحمراء...

***

قصة قصيرة

قصي الشيخ عسكر

 

 

حسين فاعور الساعديفي الصبحِ

العتمةُ تتراجعْ

ضوءٌ يتسرّبُ ساطعْ

قطٌّ يحملُ فأراً

يستسلمُ و... يدافع

لا أدري قلبي مع مَنْ

مع فأرٍ مظلومٍ

أم معَ قطٍ جائع!

**

الظهرُ

غيومٌ ترحلُ هاربةً

الغابةُ تستسلمُ،

ترفعُ رايتَها البيضاءْ

تتساقطُ أوراقُ الأشجارْ

تتلاشى أشباحٌ وظلالٍ،

تختبئ فراشاتْ

يستفردُ بالساحةِ صرصارْ

يلقي خطبته العصماءْ

**

العصرُ

فحيحُ زوالْ

وحواجزُ وعساكرْ

في طرفِ الغابةِ جيشُ ذئابٍ

ينتظرُ العتمةَ،

يترصّدُ،

يؤمنُ أنّ السطوَ حلالْ

**

المغربُ

ضوءٌ ينسحبُ

الظلمةُ تقتربُ

بردٌ كالخنجرِ ينتصبُ

في الغابةِ عصفورٌ

لا أدري أمقيمٌ أم مغتربُ

لا أدري يُنشدُ أم ينتحبُ

يرقُصُ أم يرتجفُ

يبحثُ عن ركنٍ دافئْ

أم يشتمني إذ أحسدُهُ

**

منتصفُ الليلِ

هدوءٌ زائفْ

الغابةُ تحلُمُ

والأفعى نائمةٌ

وغزال يتسلّلُ خائفْ

يرتفعُ صياحُ الديَكةِ

تُنهمرُ قذائف

**

حسين فاعور الساعدي