ياسمينة حسيبيوللآن، ينْدغِم طحينُ الروح بتراب الجسدْ

والطريق تُكدّسني في حقيبةِ السّفرْ

أخفقْتُ فيكَ مثنىً وثلاثاً ورباعاً ...

وأدركتُ قوافلَ العشق على مطيّة السّرابِ

انا الشيْهانةُ في جوارحي

أُحلّق على جسر النوايا وأهْدرُني في تَصيّدِ الوِدّ

وفيرةٌ في صبري، تخْضَرّ الآهة في جوفي

وليلي مكشوفُ الأرقِ.. والورقِ

يدِي ما عادتْ يدِي ..

بلْ مِكواة أُملّسُ بها تجاعيد روحِي

وكم نفذَتْ عيْني …

لكنّ عينُكَ ما أطلقَتْ سراحي !

كلّما رفعتُ مرساتي عاليًا، يسقط المدى تحتي

وتقضمُني أنيابُ الشكّ !

وهيهات أن تُكْمل الأرض دورتها …

وانت ترشُقني بالطريق وتُسْهبُ في اختصار الوداعِ

قد حسبتكَ أوّابًا مُنيباً

فقلت : أحتاجكَ وإنْ تجفجفَ ثوب العمرِ

وأستأنفُني فيكَ بِـألفيّة الشوقِ، 

فما كُنْتَني إلاّ بالنزْر القليلِ

تساقطتْ صباحاتي من وجهكَ تِباعاً 

وانْثَنـَى كاحِلُ الروح !

أوَ كانَ حُبكَ عابرًا لِسبيلي؟

أمْ عصفت بِنَا الريحُ في الحرّ والقرّ؟ 

وأدري..  تكبّدْنا عَناءَ التّجافي

ودخلنا الموسوعة بِقياسيّة الهجْرِ

لكنّ الطريق بيننا محضُ إشارات   

ولا يشْفَع للنوايا حُسْنُ افتراضي

فلا تستدرجْني لحتوفِ الورد

أو تغزل الفراغ من حولي 

سأَخْتصِرُني على سبيلِ العَدِّ ...

وأدقُّ مسماراً في نعشِ قلبي !

***

ياسمينة حسيبي

 

شلال عنوزيتضوّر الرمل باكيا

رعونة أقدام القطيع

يشهق ...

حيث تنتحر مرافىء الأزمنة

بجناية اليباس

تحترق الفصول

بلهب العواصف

يشتعل شغف النواعير

حينما ينضب ماء السواقي

تسرق شراهة طوفان  الندم

ممرات الحلم

حيث لا مرور الى مناسك الأمل

في ضجيج المدن (الخشخاش)

تتجلّى (الحقيقة) خائبة

خلف قضبان المحنة

مأزومة تبكي وداع الصادقين

تنهزم زرافات الأماني

مهاجرة في دروب اليأس

وتسخر المقادير من قبائل الدمى

هنا وأنت تجاور صمت المقابر

لاتكون الا وشاية تقبّل لحد الصمت

أخدود وجع يزفر عند نهايات الهاوية

يوميء الى هزيمة تأكل مناسيب القلق

تتعرى كغانية سرقت جدائلها

في ليلة النكول

أو كألعبان بلا رأس

يرقص في ميدان

شغب الغجر

الممتلىء بفحيح الأفاعي

وبلاهة الخرافات

ولا شىء الا عواء ذئب المأساة

يتمترس مستبدّا في رؤاك المبعثرة

منذراً ديمومة شهقات الفواجع

أزليّة الهلاك الجمعي

هنا تموت بالتقسيط

في لُبِّ صمت المقابر

تقيم طقوس شعائر

موتك المجّاني

تهزج للراحلين ...

نشيج الوجع

تكتب على شفاه الجفاف

أبدية اللوعة

يامن تروم دخول بوابة المرايا

من (سَمّ الخِياط)

من أين لك النفاذ ؟

كل الطرق معصوبة العيون

وكل المسافات يحتسيها شبح الأفول

هنا المزاد الذي أنشأته ريح (صرصر عاتية)

في جشع الصيرفة

هنا الناكثون ..القاصطون ..المارقون

الخائنون ملح  الزاد

الناكرون أبوّة الطين

هنا تزوّج الشيطان

فولد شيطانا عجيبا

غلب بمكره

شياطين الأرض

هنا المشاوير حبلى

ولم تزف (الآزفة)...

***

نص / شلال عنوز - النجف الأشرف

 

قصي الشيخ عسكر1- النهار خرافة قال الأعمى ذلك وحين ارتد بَصِيرا أنكر ماقاله.

Day is a myth, said the blind. But when he returned seeing, he denied what he had said

 

2- ولد بستة أصابع في كل يد، لكن إصبعيه الزائدتين لم تسرقا قط

He was born with six fingers on each hand, but the two extra fingers have never ever stolen.

 

3- بالمطار في صالة المغادرة التقت أستاذها الذي طرد من الجامعة بسبب فريتها قبل عقود عليه. طبعا لم يعرف احدهما الاخر.

At the departure lounge  she has met her university tutor who was sacked from university as she had invented lies against him years ago, but they didn't recognize each other.

 

4- اعمى اخرس واطرش مع ذلك فقد ألقيت على عاتقه كل حوادث الشغب الاخيرة

In spite of being blind, dumb and deaf, all the recent incidents of rioting have been thrown on his shoulder.

 

5- كل صباح اول ما يطالعه في الجريدة صفحة الوفيات لعله يبصر خبرا ما ينعيه

First thing he reads in the newspaper every morning is read the obituaries column.

 

قُصي عسكر

................................

ملاحظة : قمت بإعادة كتابة هذه القصص باللغة الانكليزية لأجرب حظي في هذه اللغة

 

صحيفة المثقفترف سراويلهم المفرغات رفَّ المراوح المنهكة

تطير خصلاتهم البيض  تكشف عراءً يتنامى

يتذبذبون مشي رقاص ساعة

كنبت ناس ضعفاً

مع الريح

يحملون  رباعياتهم .. صورهم .. والهويات

يمدون أكفّاً ضوامر

يرجون تحديثا

لا يفقهون من جدواه شيئاً

فهم ولدوا لزمان آخر

بعضهم يدفع بلغوب كرسيه المدولب

أو يرتفق على "حجلة"معدنيةْ

يحملون مناسىء مختلفات حجما و شكلا

بمقاعد .. أو بمساند .. أو بأربع أرجل ..أو بثلاث أو  مفردة حسبُ

هذا صار بصيرا

وذاك اضطربت رجلاهْ

وذا لا يطيق الوقوف .. خارت قواهُ

وجوهاً جعّدها العمرُ

وظهورا أحناها الضيمُ

غاضت أسنانهم في بحور أفواه

اختلفت تضاريسها بعوامل التعرية والتآكل

يهزأ خُدّام المرائب منهم

كأن لم يروا إنهم سائرون لمثل هذا

جلهم يحمل بين برديه حلما صغيرا

حلما أخيرا

ليُفسرَ

يرجون فضلة مال

بعضهم ينشد أسنانا

بعض يرغب عدسات

بعض يرجو أن يتخلص من الم البروستات

أو يبدل ركبته اليابسةْ

أو ليرى عرس ابنه قبل الرحيل

أو ليقصدَ بلداً ثلجياً

أو ليشتريَ الكفنْ

***

سمية العبيدي / بغداد

سعاد الورفلييا أمي أخاف من الظلام- بدت ممسكة تلابيب رداء أمها المتشح باللون الرمادي ظهرت عليه آثار مختلطة زادت من متاهة الألوان المتداخلة ..!! دفعتها دون أن تجيبها بينما انشغلت الأم بتعبئة قوارير ضخمة الحجم من سلسل يسترسل ضعيفا عند أقصى نقطة من خلف ملجأ بني من الأوراق السميكة، والنايلون أحاطته الأعشاب، كأنه قلفة حجر انفلق بين اثنين في قاع بحر تحوطه الأعشاب البحرية وتلتف به، كلما نمت ازداد حجم الالتفاف .أما الأطفال الآخرين، فكانوا قبل أن يعلنَ الرجل الذي تكفّل بمسائل الصلاة وعقد القران أذان المغرب، يملؤون الأزقة المتقابلة المتكدسة فيها البيوت المصنوعة من النايلون والبلاستيك، بالضجيج وبإعلان حرب تشبه حروب الكبار، فكلهم يشكلون فرقَا صغيرة يسمونها ميلشيات آخذين ألقابا مميزة كان آباؤهم يتداولونها في أحاديثهم، كلما انتهت نشرات الأخبار، وحكايات ألف ليلة وليلة للسادة والمسؤولين كلهم يعِدون ووعودهم دهانات مسكنة لحرقة قلب انهار واهترأ، ينتظر الصباح علّ الصباح قريبٌ لكن ذلك الصباح امتد واستطال وصار مساءً بقناع الصباح القريب .

قال الرجل يخاطب الشيخ الذي بيده مسبحة متلألئة: تعبنا وأدركنا الموت ولم نحقق شيئا ضاعت آمالُنا في عرض البحر هذه القوارب تنزف بأجسادنا، والحيتان تقيم وليمةً شهية في قاعها .تُرى منذ متى ولم تتذوق الحيتان لحوم البشر؟ .

ما كان على الشيخ إلا أن يزيده دفقةُ من علوم البلوغ ومسْلك الواصلين الذين صبروا وامتدوا على جمر الحياة واهترأ لحمهم وهزل بنيانهم وشحبت الحياة على وجوههم ..ثم ماتوا وهم يضحكون.

ينصرف الشيخ مستغفرا .. ويظل الرجل مفكرا في كلماته ... يعود لبيته ..تستقبله أم العيال بتقرير يستنزف قواهيضع يديه على رأسه صارخا: أخْ آهْ ..أه .. يا امرأة توبي توبي لماذا لاتصبرين ألا تريدين أن تموتي بهدوء، كفِّي عن الولولة والصراخ .

كانت رؤوسُ الأطفالِ الخمسة تُطِلُّ من خلف الستارة يشاكسونهما، ويدخلون متوزعين في قلب الخيمة البلاستيكية ضاحكين بصوت عال ..يلعنهم منْزلا غيظَه ووعيدَه على اللحظة التي استنزلهم فيها من ظهره، يتفُّعلى نواحي المكان يركل وسادة كانت مركونة بالقرب منه ترتبك المرأة تهرع نحو الستارة، تُنْزِلُجامَغضبِها على أقربِهم مودةً تضربه بلا رحمة تبكي وتبكي، يهرب من بين يديها يستلقي عند شاطئ البحر سمع حكايات كثيرة عن القوارب والمسافرين والمدينة الفاضلة،مدينة بلا حرب - تمتلئ بعرائس الظل وأوانس بيضاواتوحلوى غزل تملأ الشوارع .. تذكر ابنة الجيران الجميلة، لقد سافرت مع أهلها لكنها لم تركب البحر، بل ضربت في الجو شراعا طارت بها الطائرة الورقية . هكذا أخبرته أمه قبل الخروج من بيتهم كانت تظن أنهم سيستقرون وستستمر حياتهم لكن القنابل لم تدع مجالا للحب ..

استلقى على شاطئها يسترضع الأحلام نام ويداه مفتوحتان للغد . قلبته الأمواج تدحرج على الحصى،سمع ضجيجا وأناسًا يركلون بعضهم يتزاحمون على عوّامة كبيرة، مسح وجهه، شعره الأشقر الملبد برمال الشاطئ ظل ينغزُه، تذكر رفيقًه لاعبَ الكرةِ المتمكن أين يجده يا ترى؟! هو أيضا لم يذق طعما للنوم، رغم الغربة وتوحد المشاعر في البيوت البلاستيكية إلا أن زوجة أبيه كانت تذيقه صنوفا من العذاب .. الطائرات من جهة وأرملة أبيه تمنُّ عليه بعلب الحليب التي كانت تسرقها من بيوت الدعم، تأتي لتحرق أصابعه ثم تسقيه حليبا مشوبا بالماء الملوث . لمحه من بعيد كادوا أن يدوسوه، صرخ: معاذ ..معاذ .. هرع إليه، لم ينتبه أحدٌكانوا يملؤون القوارب، حتى الإطارات الملتفة التي كانت متعة الحياة في البحر؛ صارت نعوشا تنقلهم حيث لاجهة .

اضطر أن يصرخ، فصديقه معاذ تحت كتل اللحم والعرق وشعور الرجال الملبدة. يالَهذه الليلة السوداء ! دار حول المكان، لم يشعرْ بشيءٍ سوى بيدٍ تبدو غير حانيةٍ التهمته بشراسة، ألقتْ به في قاربٍ امتلأ بالنساء، تفاجأ بأمه وأبيه وصاحبته وأخيه كلهم –أبتعين- شعر بقلبه ينقبض، لايريدهم معه:_ الغربة لاتحتمل العائلات، ولاتحتمل كلماتِنا لانحتملُها !..سحبتني أمي ضمتني بقوة، صفعتني أين كنت طيلة الليل ؟ لم أستطع إجابتها . كان القارب يرقص والنساء تصرخ والأطفال يتهاوون في البحر؛ أما الرجال فقد التزموا بالصمت . رأيتهم يسحبون الآيادي بهدوء،عرقهم وعرق البحر قاتلا قامعا لكل الشهوات،لانطمع بأكل أو شرب، فقد سُدت طرق اللذائذ الموجة: صرخ شاب في مقتبل العمر- ثم سرعان ما تهاوى في البحر، قلت لأمي التي تحضنني بقوة، أخرجوا الرجل من البحر، سمعتهم يقولون: من يقع لايعود - هنيئا له بالموت - تحدثوا عن الموت كثيرا (الموجة الموجة!) لم يكن من أحد، كنت أنا والقارب وشاطئ البحر. أحسستُ بأقدامٍ تمشي من حولي يرتدون ثيابا ملونة على وجوههم كمامات يغطون رؤوسهم بالخوف، تحرك أصبعي الصغير تنهدتُ قليلا . كنت أحتضنُ شاطئ الحياة بقوتي شعرت بصدر أمي وريحتها وعنفوانها، لم تبرحني صورة أبي وهو يركل الوسادة لمحت الدموع تسّاقط من عينيه يمنعها من الانهمار، ورأيت عينيه جيدا وهو معنا، ملتزما الصمت . دمعه كحبة الحلوى أردت أن ألعقَها -أردتُ أن أقول له: لاتلعن ظهرك يا أبي، الحياة ليست فقط في الدنيا، سنلتقي هناك ونضحك كثيرا كثيرا ! سنكمل باقي أحاديثنا ونحن نتوسد صدور أمهاتنا. سمعتهم يقولون: لقد مات الطفل، لقد مات الطفل !

رأيتهم يرسمونني على حوائطهم، وصفحاتهم، رأيت دموعهم التي لاتشبه دموع أبي.. رأيتهم للمرة الأولى .

 

القاصة: سعاد الورفلي

 

خالد جمعةالشخصيات:

المرأة

الشاب

الفتاة

السائق

***

شبه عتمة تغطي فضاء المسرح، هنالك بعض الضربات الضوئية الخفيفة التي تسقط على وجوه السائق والركاب، أصوات محرك الحافلة والإطارات والريح يتداخل بعضها مع بعضها الآخر، الركاب على مقاعدهم يجلسون بوضعيات مختلفة ويلف المكان السكون.

المرأة: (كمن يستيقظ من نومه فجأة، تقف وتتجه صوب الفتاة التي تجلس أمامها)  المعذرة بنيتي، كم بقي من الوقت لنصل؟

الفتاة: .......

المرأة: عفواً، أردت أن أعرف كم من الوقت أمضيناه ونحن هنا جالسون؟ لا ليس هذا السؤال، أنا كنت أعني يا بنيتي كم الساعة لديك الآن؟

الفتاة: (تنفجر منفعلة) لا أعرف، ومن أين لي أن أعرف؟

المرأة: (ترتدّ الى الخلف بدهشة وتقول بصوت خافت) من ساعتك التي ترتدينها يا بنيتي ستعرفين الوقت.

الفتاة: (بالانفعال نفسه) لا عليك بي ولا بساعتي، لا أعرف، لا أعرف أي شيء، هيا ابتعدي عني.

يترك الشاب مقعده ويتجه صوب المرأة الواقفة قرب مقعد الفتاة محاولاً تهدئة الموقف بإعادة المرأة الى مقعدها.

الشاب: ( للمرأة) لم يحن وقت الوصول بعد سيدتي، ليس الآن.

المرأة: (تعود الى مقعدها، وترمي بصرها الى الخارج وتحدّث نفسَها)  كم مضى من الوقت ونحن هنا؟ ساعة، ساعتان، يوم، يومان. كم بقيَ من الوقت لنصل؟

الشاب: (وهو في مقعده ينظر الى الخارج ويحدث نفسه) كل شيء مظلم في الخارج والسماء بلا قمر، لا أستطيع أن احدد أين نحن الآن، لا أستطيع أن أعرف متى نصل، لا أثر يبدو للعين خارج هذه الحافلة، منذ متى ونحن هنا؟ منذ متى ونحن نسير وسط كل هذا الظلام، نشقّ الليل بهذه الحافلة؟ منذ متى ونحن هنا؟ ساعة، ساعتين، يوم، يومين، لحظة سأحاول أن أتذكر (صمت) منذ متى ونحن هنا، ما الذي يحدث؟ هل تجمد الزمن؟ أريد أن اعرف (ينهض من مقعده ويتجه صوب الركاب وهو يردد) كم الساعة الآن لو سمحت؟ عفواً  كم الساعة الآن؟ أخي ممكن ان تقول لي كم الساعة؟ (يصل للفتاة  ويسألها) كم الساعة الآن؟ ( الفتاة مستغرقة مع نفسها) أختي كم الساعة الآن؟ أنا أسال عن الوقت.

الفتاة: ........

الشاب: لو سمحتِ أختي، كم الساعة لديك الآن؟

الفتاة: (فجأة تنفجر) لا أعرف، ومن أين لي أن أعرف؟!

الشاب: (محاولاً تهدئة الفتاة) آسف، أخطأتُ، أعتذر، أنا مشوش قليلاً، لقد رأيتُ ساعة في يدك ونسيتُ فسألتك، لم أكن أقصد سوءاً، خوفي من جواب السؤال هو الذي زاد من تشويشي وسألتك، خوفي من الجواب هو الذي أعماني، أعرف أنكِ لا تريدين أن يسألك احد، كان يجب ان أنتبه، لم أكن اقصد إثارة غضبك إنه مجرد سؤال، إنسيه، اهدئي أرجوك.

الفتاة:(تصرخ) لا عليك بي، لا عليكم بي، لا وقت عندي، لا دقائق ولا ساعات، ساعتي هذه عاطلة، إنها حجر لا حياة فيها، إنها متوقفة، إنها ميتة (الشاب يبتعد قليلاً للخلف مذهولاً ثم ينسحب الى مقعده، صمت، الفتاة تدير وجهها الى الخارج وتحدّث نفسها) أنا أكره الركاب، أكره نظراتهم المريبة، دائماً أرى بوجوههم أنياباً تريد أن تنهش، لستُ أخاف أحداً، لم أفعل شيئاً كي أخاف (صمت، ثم تعود لتحدّث نفسها) منذ متى ونحن هنا؟ كم مضى من الوقت؟ وكم بقي منه؟ ظلام كثيف في الخارج، كم الساعة الآن؟ (صمت ثم فجأة تقف وتستدير متجهة صوب الشاب، تقف عند رأس الشاب الجالس على مقعده وتصرخ به) أنت، نعم أنت، كفّ عني، أنا لا أخافك، منذ أول لحظة صعدتَ فيها مع تماثيلك الى هذه الحافلة وأنت تصوب نظراتك اليّ، ما الذي تريده مني ها؟

الشاب: كنت أظن العكس.

الفتاة: (متسائلة بانفعال) عكس ماذا؟

الشاب: كنت أظنكِ قد أعجبتِ بالتماثيل، وتتأملين كلَّ تمثالٍ أصعد به الى الحافلة بشغف واعجاب لذلك كنت انظر اليك وابتسم معبراً لك عن شكري وامتناني.

الفتاة: انتَ الآن تسخر مني، أنا لا أقبل بالهزء، لا اسمح لك بذلك ولن اسمح، هل فهمت؟ هل تسمعني؟ لا أسمح لك..

تنهض المرأة من مقعدها لتمسك الفتاة من كتفها وتعود بها وتجلسها في مقعدها.

المرأة: تعوّذي بالله يا بنيتي، انه لم يقل شيئاً، سألك عن الوقت فقط، هو شاب طيب وقد أعتذر، اهدئي، سأجلب لكِ كأساً من الماء البارد، لا شيء يستحق الغضب يا حبيبتي، لحظة وأعود اليك (تأخذ المرأة الفتاة وتعيدها الى مقعدها، ثم تتجه صوب السائق وتسأل): أين الماء؟ (تصل الى خزان عليه قدحٌ فارغ، تحاول ملأه، لكن من دون جدوى، ليس هناك ماء) أ لا يوجد ماء؟ هل نفد الماء؟ (تتحرك بالحافلة وهي تنظر عبر النوافذ الى الخارج) منذ متى ونحن هنا؟ كم قد مضى من الوقت ؟ كم بقي من الوقت لنصل؟

الفتاة والشاب ينهضان من مقعديهما ويردّدان ما تردّده المرأة، يتحركون ثلاثتهم باتجاهات مختلفة في الحافلة، تتعالى أصواتهم وتتداخل معاً حتى تملأ الحافلة، فجأة يحدث صوت كابح وصوت احتكاك الحافة على الاسفلت، يميل الركاب الى جهة واحدة من الحافلة، يصبحون على جانب واحد، ظلمة تعمّ المكان، صمت لحظات، ثم بعدها تتعالى صرخات الركاب.

الفتاة: لقد اصطدمت الحافلة بشيء ما.

الشاب: لقد تعطل الكابح، أظنه الكابح.

المرأة: الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم..

تضاء الحافلة فيظهر السائق واقفاً قرب مقود الحافلة، ووجهه صوب الركاب والمقاعد.

السائق: ما بكم؟ لِمَ كل هذا الخوف؟ ما الذي حدث؟

الفتاة: كدتَ تقلب الحافلة بنا.

المرأة: كدتَ تقتلنا.

الشاب: كان يجب عليك ان تركز على الطريق.

السائق: (يصرخ بهم) إخرسوا، توقفوا أيها الحمقى، كفّوا عن الصراخ كما الأطفال، انا لستُ سائقاً غشيماً كي تتحدثوا معي هكذا (صمت، ثم يضحك بهستيريا، وبطريقة مائعة يقول) لقد تعلمتُ السياقة منذ نعومة أظفاري (برقة أكثر) حركتُ سيارة أبي أول مرة وأقدامي بالكاد تصل الى الكابح، لقد كنتُ صغيراً جداً، اعرف كل شيء عن قيادة السيارات، لكني لستُ روبوتاً، والله العظيم لست روبوتاً.

المرأة: (تلتفت صوب الشاب وتسأله بصوت أقرب الى الهمس) ما معنى روبوت يا ولدي؟

الشاب: ليس الآن يا سيدتي، لحظة، دعينا نفهم ما يجري.

المرأة: ( تتلفت الى الفتاة وتسألها بهمس) ما معنى روبوت يا بنيتي؟

الفتاة: (بسرعة تجيبها) انسان مصنوع من حديد.

السائق: (يصرخ) لا تتهامسوا، اخرسوا، أريد التركيز، لا أريد تشويشاً (صمت، ثم يعود الى الشاب) ما الذي سألتني عنه أيها الشاب؟ ماذا قلت؟

الشاب: لقد قلت كدتَ تقلب بنا الحافلة.

السائق: لا ليس هذا، لقد كان سؤالاً.

الشاب: لم اسأل يا سيدي.

السائق: (بخبث) ولكني شعرت أن لديك سؤالاً تريد قوله، أ ليس كذلك، هيا قُله؟

الشاب: بلى.

السائق: إسأل إذن.

الشاب: ما الذي اردتَه يا سيدي حينما قلت انك لستَ روبوتاً؟

السائق: (بغضب) لأني نعسان، نعسااااااااان، لا أدري كم قد مرَّ من الوقت وأنا هنا خلف مقود السياقة متسمراً على هذا الكرسي، لا أعرف منذ متى نمتُ آخر مرة، كم قد مرّ من الوقت و لم أغمض عينيّ لحظة، أنا نعسان، نعساااااان، هل فهمتَ؟ هل فهمتم؟( يصرخ بصوت عالٍ) هل هنالك احد يخبرني منذ متى وأنا أقود هذه الحافلة؟ هل هنالك من يخبرني متى نصل؟ أتعرفون كم ليلة ونحن هنا في هذه الحافلة؟!..

ظلمة

أصوات الركاب: منذ متى ونحن هنا؟ كم بقي لنا لنصل؟ (الأصوات تستمرّ بترديد هذين السؤالين)

السائق: (يقاطعهم) كفى، توقفوا، دعوني أركز كي أجد حلاً فأنا نعسان.

الشاب: لستَ بحاجة الى التركيز، الموضوع سهل، دعْ احدنا يقود الحافلة ولتنمْ أنتَ، خذ كفايتك من النوم.

السائق: لا يمكن، هذا مستحيل، لا أحد يعرف أن يقود هذه الحافلة غيري، إنها مصممة لي خصيصاً، آسف أيها الشاب اقتراحك وُلد ميتاً.

الفتاة: نترك الحافلة متوقفة على جانب الطريق لتأخذ قسطاً من النوم وبعدها ننطلق.

السائق: هذا هو المستحيل بعينه.

المرأة: لماذا مستحيل؟

السائق: لأن خزان الوقود يسرّب الوقود إلى الخارج، ولا وقت لدينا للتوقف، وإن توقفنا فسيفرغ الخزان وتبتلعنا الظلمة ها هنا.

المرأة: لا حول ولا قوة الا بالله.

الشاب: ما الحلّ مع هذا الكابوس يا ربي؟

الفتاة: يجب ان يكون هنالك حل، دعونا نفكر.

ينشغل الركاب بالتفكير من خلال اظهار همهماتهم التي تتعالى، صوت طنين كطنين الحشرات يتعالى..

الشاب: (يقاطع تلك الهمهمات المتعالية وصوت الطنين بصرخة اعلى)  وجدتها (صمت، يكفّ الركاب عن الهمهمة، ويختفي صوت الطنين، لحظات ويقترح) نشغل مذياع الحافلة الى أقصاه ونجعل صوته يرج المكان رجاً وبذلك ستكون يقظاً ومنتبهاً طوال الطريق.

السائق: (بمرح) فكرة ممتازة، لكن مع الآسف إن تحقيقها مستحيل أيضاً.

الشاب: لماذا؟

السائق: (بمرح) االمذياع وجهاز التسجيل كلاهما عاطلان (يطلق ضحكة مجلجلة)

الشاب: مستحيل، هذا الذي يحدث مستحيل.

الفتاة: لدي اقتراح.

السائق: قولي، لا تتردّدي، ليس لدينا وقت، ما هو؟

الفتاة: كل واحد منا يجلس قربك، أنت تقود وهو يبقى قربك، يثرثر معك، يشاغل نعاسك بحكاية ما، يتحدث معك طوال الطريق ليضمن انك لن تغفو، ها ما رأيك؟

السائق: (بحماس) فكرة جميلة، ولكن بشرط.

المرأة: قل ما هو الشرط؟

السائق: أريد حكايات تدوّي، ترعد، تقصف الروح، حكايات ترجّ الرأس كالقنابل كي تطرد النعاس والنوم.

المرأة: موافقون.

الفتاة: موافقون.

الشاب: موافقون.

السائق: (يعود لمرحه) هنالك شرط آخر.

المرأة: (بيأس) ما هو؟

السائق: أن لا يكون في الحكايات حلم.

الشاب: (ينتفض) ما الذي تقوله يا رجل؟ هل تريد أن تدمر أعصابنا؟...

السائق: (يوجه كلامه الى الشاب وهو يبتسم ساخراً) شرط صغير جداً ولا وقت لدينا فالخزان يسرّب الوقود، ونحن هنا واقفون.

المرأة: قل هذا الشرط وسنوافق، قله.

السائق: الحكاية التي لن تعجبني سأرمي صاحبها خارج الحافلة، أرميه خارج الحافلة، هل سمعتم؟ هيا فكروا بسرعة واخبروني، لا وقت لدينا، هل أنتم موافقون؟

الشاب: ( بهمس مع الركاب قربه) هذا شرط مجنون.

المرأة: (بهمس مع الركاب الذين حولها) لا أظنه سيفعلها، انه مجرد تهديد.

الفتاة: (بهمس مع الركاب الذين  حولها) وقد يكون جاداً في ذلك، مَن يدري؟

السائق: (يصرخ) ها، ماذا قلتم؟ ليس لدينا متسع من الوقت.

أصوات الركاب معاً: نعم موافقون.

ظلمة، صوت محرك الحافلة يدار، صوت إطارات الحافلة المتحركة على الإسفلت، يضاء المكان.

الشاب: (للفتاة) أنتِ التي ستبدأين اولاً.

الفتاة: (للمرأة) أنتِ التي ستبدأين أولاً

المرأة: (للشاب) انتَ الذي ستبدأ.

تتعالى وتتداخل أصواتهم معاً

السائق: (يصرخ) كفى، ما هذه الفوضى؟ (يعمّ الصمت في المكان) اعملوا قرعة، لا، لحظة أنا أكره ذلك، إختاروا انتم، هيا اغلقوا النوافذ.. رشحوا واحداً منكم وإلا سوف أقومُ انا بالانتظار، هيا انني أنتظر.

الفتاة: (مع نفسها) هل سيفعلها حقاً؟ ماذا لو اختارني أنا في البداية؟ لا أستطيع تذكّر شيءٍ الآن، رأسي بلا ذاكرة في هذه اللحظة.

الشاب: (مع نفسه) سيفعلها هذا المجنون، أظنه يعني كل ما يقوله، عيونه التي تقول هذا، ماذا لو بدأ بي؟ هل سيرد بخاطري شيء؟ آه رأسي يؤلمني، رأسي سينفجر.

المرأة: (مع نفسها) لا أدري ما الذي يدور برأس هذا السائق حقاً؟ واذا اختارني انا ماذا سأحكي؟ بل السؤال الأهم هل سأستطيع أن أروي شيئاً، لاشي في رأسي الآن، كرة فارغة أحملها على كتفي ليس فيها سوى صرخات الم (تحاول تحفيز الآخرين بصوت عال) تذكروا يا أولادي، انتم مازلتم صغاراً، ذاكرتكم نشطة، انتم تستطيعون التذكر أفضل مني، تذكروا أرجوكم.

الشاب: آه رأسي

الفتاة: لا أتذكر شيئاً، كل شيء ممحوّ من رأسي.

المرأة: تستطيعون، ابدأوا بأي شيء وبعدها تأتي الذكريات مهرولة، سأحاول معكم أنا ايضاً، هيا..

السائق: (يصرخ بهم) هذا كله من الوقت ومن حصة الوقود، الخزان ينزف أيها الحمقى، الحافلة ستموت إن لم نصل.

الفتاة: (للشاب) يا صاحب التماثيل حاول أن تتذكر أي موضوع، أية قصة وانا سأساعدك، آه رأسي سوف ينفجر.

الشاب: لا أستطيع، لا أتذكر، أشعر أني بلا رأس!.

الفتاة: رأسي سينفجر.

الشاب: (للمرأة) تذكري أنتِ سيدتي، فلديك حكايات أطول من أعمارنا يا سيدتي، تذكري فقط.

المرأة: أتذكر! كيف؟ ..

الشاب: (يقاطعها) ساعدينا سيدتي، فهذا السائق لا نعرف ما يفكر به، ساعدينا يا أمي!.

الفتاة: احسبيني كأبنتك إنني أتوسل اليك، ساعديني يا أمي.

المرأة: (بدهشة) هاا؟

الفتاة: أنا مثل ابنتك، أتوسل بك الآن ان تساعدي ابنتك.

المرأة: (تمسك وجه الفتاة بيديها وتستغرق فيه) لكني لا أعرف يا بنيتي سوى الحكايات المليئة بالقهر، حكايات تزيد هذه الظلمة سواداً.

الشاب: (بتوسل) حاولي أرجوك.

الفتاة: (بتوسل) حاولي يا أمي.

ظلمة تعمّ المكان، لحظات وتظهر المرأة داخل بقعة ضوء.

المرأة: هذه الكلمة هي التي انتظرتها سنيناً طويلة، هذا الكلمة هي التي كانت سبباً في صعودي لهذه الحافلة، هي التي جعلت الارض تهتز تحت قدمي، تموج.

أصوات مدوية تأتي من الخارج هي مزيج من تداخل رعد وقصف طائرات ومدافع،  برق بأضواء متقطعة مصحوب بصراخات خوف وذعر.

الفتاة: السماء ترعد، انه المطر.

الشاب: قصف، قصف شديد، أخفضوا رؤوسكم تحت مقاعد الحافلة.

الفتاة: لكن مع ذلك ايها السائق، تأكد من ماسحات النوافذ، ماسحات النوافذ الأمامية للحافلة هل تعمل؟ حاول تشغليها فلربما سيكون المطر كثيفاً هذه المرة وسيعدم الرؤية.

الشاب: أيها السائق توقف على جانب الطريق، دعنا نلطخ الحافلة بالطين كي نموه الطائرات ونتحاشى القصف.

يرتفع صراخ الركاب، صرخات خوف وصرخات توسل وصرخات تطالب بالتوقف.

السائق: (يصرخ) عن أي زلق طريق تتحدثون؟ وعن أي قصف؟ عن أي رعدٍ ومطر؟ كل هذا الذي سمعتموه ليس خارج الحافلة، إنه هنا، داخل الحافلة، تحديداً في رأس هذه المرأة (يقهقه) دعوها تروي، لا يتدخل احد بروايتها، اني بحاجة لسماع هذا النوع من الحكايات التي تجعل دماء من يسمعها تغلي من شدة الترقب والتوتر والتفاعل والانفعال، الله، الله، دويّ رعد وقصف، هذا الذي سيجعل النوم من عيني يطير كعصفور مذعور.

ظلمة، أصوات مطر وقصف، صوت طرقات عالية على الباب تسمع وسط هذا الصخب، المرأة كانت نائمة على الأرض ثم أنها تنهض خائفة.

المرأة: مَنْ، مَنْ الذي يطرق الباب؟

الفتاة: خالة، خالة..

الشاب: أين أنتم يا خالة، أما زلتم أحياء، أجيبي أرجوك.

المرأة: لحظة، لقد أتيت، ما الذي يحدث؟ ما الذي يجري؟ لِمَ كل هذا القصف والدويّ؟

الشاب: افتحي الباب بسرعة.

الفتاة: ليس هنالك وقت لدينا، هيا بسرعة.

صوت فتح باب

المرأة: (بخوف) ماذا؟ ماذا هناك؟

الفتاة: هنالك حديد ونار.

المرأة: اريد ان افهم.

الفتاة: الدنيا احترقت.

الشاب: الذي حدث ان النار صارت تأكل البيوت بيتاً بيتاً، هيا اجلبي ابنك، أيقظيه  ودعينا نهرب معاً.

المرأة: (باستغراب) نهرب! الى أين؟

الفتاة: الى مكان آمن.

المرأة: ما الذي تقولانه، لن اهرب أنا.

الشاب: لا وقت لدينا للنقاش أو الاعتراض.

الفتاة:  هيا لنخرج، لقد نفد الوقت، هيا من اجل الولد ايتها المرأة.

المرأة: (بتردّد) ها، هيا سآتي معكم، هيا.

يركضون بظهور منحنية وبطريقة متعرجة .

الشاب: أين ولدك ؟

المرأة: امسكه بيدي، هو يستطيع الركض، لا تخف عليه.

الشاب: دعيني أمسك به انا، انه نحيف جداً، وزنه وزن ريشة، سأحمله وأركض به، هل هو مريض يا سيدتي؟..

الفتاة: هيا اسرعوا، لا وقت لدينا.

يعودون الى الركض، اًصوات انفجارات، أضواء تبرق، فجأة يتوقف الشاب رافعاً يده للاعلى بكف مفتوحة في اشارة منه لكي يتوقفوا.

الشاب: توقفوا، هذا الركض العشوائي مجازفة غير محسوبة، الأرض ملغومة، وأية حركة خطأ ستشظّينا.

تتوقف الفتاة والمرأة ايضاً.

الفتاة: (بغضب) ما الذي تقوله؟ هل تريد أن نبقى هنا وألسنة النار كالأمواج الهائجة تطاردنا، هل  تريدنا أن نستسلم للموت؟.

المرأة: (تقترب من الشاب وتشده من ياقته) لقد كان الأجدر ان أبقى في البيت، لقد خدعتنا أيها الجبان.

الشاب: (يبتعد عن المرأة بعد ان يتخلص من قبضة يدها) لا وقت للّوم سيدتي، انا أفكر كيف نصل الى بر الامان، ولذلك خطرتْ في بالي فكرة تنقذنا أو تقلل خسائرنا على أقل تقدير.

الفتاة : قل ما هي الفكرة، لا وقت لدينا.

الشاب: لنبدأ بالولد، علينا ان نتركه يركض قبلنا بمفرده، نتركه يركض الى خارج مدى النيران، هو الذي سيفلت أولاً من هذا الطوق.

المرأة: أ مجنون انت؟ هذا مستحيل، لا يمكن أن أتركه، لا يمكن هذا، (تبرك المرأة على الارض وتبدأ بالبكاء والصراخ محتجة).

الشاب: اهدئي سيدتي، واسمعيني جيداً، الألغام في الغالب لا تنفجر تحت أقدام الأطفال، الاطفال أوزانهم خفيفة، أن ولدك اخف من ريشة، لذلك خلاصه سيكون اكبر حينما يكون بمفرده ليركض في حقول الالغام، سيدتي أسمعيني وثقي بي ارجوك، سيكون خلاصه أكبر مما لو كان معنا.

المرأة: (باستسلام) هل هذا الذي تقوله صحيح؟، أمتأكد أنت مما تقول؟

الشاب: يا سيدتي ان الذي سنفعله هو الأقرب الى الصحيح، لا يقين في مثل هذه الأمور، الغايةُ إبعاد احتمالية الخطر عن الولد، هيا لا وقت لدينا للنقاش في مثل هذه الأمور، هيا، دعينا نطلق الولد كالطائر نحو الأمان، وليحرسه الله بعينه التي لا تنام...

الفتاة: (تهمس للشاب) هل أنت صادق في ما قلته للمرأة؟

الشاب: (بهمس وغضب) ما الذي ترمين اليه ايتها الفتاة؟

الفتاة: (بهمس) أنا الذي اسأل، هل كنت صادقاً فعلاً فيما قلته عن الالغام ووزن الطفل والانفجار، ام انك اردته كبشاً ينظف المنطقة من الالغام.

الشاب: (بهمس) أ مجنونة انت؟، كيف خطر ببالك مثل هذه السؤال؟

ظلمة، صوت أقدام تركض

صوت الفتاة: هيا اركضْ بعيداً، لا تخفْ، سنلحق بك.

صوت الشاب: أركض، اركض أيها الصغير، أنت دليلنا الى الأمان..

ظلمة تعمّ المكان، بقعة ضوء على المرأة وهي راكعة على ركبتيها.

المرأة: (مع نفسها) لقد كان الذي يركض إنما هو قلبي، والتي كانت تحوم فوقه بقلق إنما هي روحي، روحي التي كانت مربوطة به كما الطائرة الورقية، كنت أرفعه عن الأرض حين أشعر انه في خطر، أطير به للأعلى ولا أدعه يلمس الأرض، وأحطه على الأرض حين أشعر بالأمان، آه يا وجعي، لقد كانت أصعب اللحظات تلك التي غاب فيها قلبي، اختفى بالظلام وظلت روحي ترفرف، تحوم في المكان مرفرفة، تبحث عن تلك اليد الصغيرة التي تمسك بالخيط الذي يربطها به.

ضوء متقطع وخافت يظهر كضربات خاطفة يسقط على الشاب والفتاة وهما واقفان، فيما المرأة مازالت راكعة على ركبتيها.

الشاب: لقد ابتعد الولد مسافة مناسبة، هيا بنا نركض، فهذه المسافة التي بيننا وبينه أظنها كافية لضمان أنْ ليست هنالك شظية ستصل إليه فيما لو انفجر لغم بأحدنا، هيا نركض.

الشاب والفتاة يركضان فيما المرأة تبقى راكعة على ركبتيها.

المرأة: (بصوت مبحوح وواهن، يكاد لا يسمع، وهي راكعة على ركبتيها) هيا نلحق بصغيري...

صوت إطفاء محرك الحافلة، وظهور السائق يقف منتصباً قرب المقود ووجهه الى الركاب

السائق: (يقف مصفقاً وهو يردد)  الله، الله، هذا المشهد أعجبني كثيراً، وها إني أوقف الحافلة احتراماً رغم حرج الموقف الذي نحن فيه، ليس مهما إن خسرنا بضع قطرات من الوقود. الله، جميل، رائع، يا لهذه الحكاية، قصف، نار، طفل يركض، طائرة ورقية وأخيراً قلب يهفو ملتاعاً...

المرأة: (بغضب مكتوم وصوت لا يكاد أن يُسمع) دعني أكملْ ...

السائق: (يقاطعها بضرب سقف الحافلة بيده بقوة ويصرخ بغضب) إلى هذا الحد وكفى، انتهت الحكاية.

المرأة: (مازالت على غضبها المكتوم وبصوت يكاد أن لا يسمع) لم أكملها بعد..

يعود السائق إلى مقعده خلف المقود، صوت تشغيل محرك الحافلة يعقبه صوت إطارات على الإسفلت.

الفتاة: (للمرأة بصوت واطئ وبتوسل) لقد اكتملت الحكاية، أرجوك لا تثيري غضبه.

الشاب: أنظري إلى عينيه في تلك المرآة العاكسة، إنها تتطاير شرراً، أخشى أن ينفّذ ما قاله لنا (يلتفت الشاب صوب السائق وبصوت عالٍ صاح) لقد اكتملت الحكاية يا سيدي السائق، اكتملتْ، وبعد قليل سيبدأ واحد منا بحكاية جديدة، لحظات سيدي السائق وسيحضر راوٍ جديد وحكاية جديدة.

السائق: (بغضب) لا تقلها أنت بالنيابة عنها، أريد أن اسمعها منها مباشرة، هيا قولي لقد اكتملت الحكاية.

المرأة: (مع نفسها وبصوت واهن) سأندم أن لم أكمل حكايتي (ظلمة، أصوات أقدام راكضة، صوت المرأة يظهر بقوة) هل رأى أحدٌ منكم إلى أية جهة ذهبَ الولد؟ أيها الناس أ لم تروا الولد؟ إلى أية جهة أخذته الريح؟ (يضاء المكان فتظهر المرأة وهي تمسك بالفتاة متوسلة) خبريني أيتها الفتاة اذهب إلى الشرق أم الغرب؟ أي الجهات ابتلعتْ خطواتهِ الترفة (صمت) آه وما الذي حدث بعدها؟ ما الذي حدث بعدها يا رأسي؟...

السائق: أكملي إذن، هيا لقد غيرتُ رأيي، وأريدكِ الآن أن تكملي..

المرأة: لحظة، دعني أتذكر..

السائق: (بانفعال اكبر) أكملي.

المرأة: دعني أتذكر وكفّ عن الصراخ (صمت، ثم تعود) آه، لا أتذكر من الذي اختفى أولاً، صورة جسده أم صوت أقدامه، رأسي يوجعني، أريد أن أتذكر...

صوت كابح الحافلة قوي جداً على الإسفلت، يهتز الركاب، يقف السائق ثم يستدير كما العسكري ويتقدم بوجه صارم وجسد مشدود صوب المرأة، يصل إليها ويمسكها من رقبتها بكلتي يديه في محاولة منه لخنقها.

السائق:  أكملي، هيا أكملي وإلا قتلتك.

يندفع الشاب صوب السائق ويفك يدي السائق عن المرأة ويبعدهما عنها، فيما تحتضن الفتاة جسد المرأة الذي يتهاوى بين يديها، تضع الفتاة رأسَ المرأة على الحافة الخلفية للمقعد أمامها، وتتركها على هذه الوضعية وتعود إلى السائق.

الفتاة: (تصرخ بغضب صوب السائق) ما الذي فعلته كي تخنقها، كدت أن تقتلها، إنها امرأة مسكينة، ما الذي تريده أنت منها بالضبط؟  ما الذي تريده منا؟.

الشاب: (يهمس للفتاة) احذري منه، فهذا السائق غريب الأطوار.

يعود السائق إلى الجلوس خلف مقود الحافلة، صوت تشغيل محرك، تتحرك الحافلة، فيما تعود الفتاة إلى المرأة.

الفتاة: (تهمس بحنو للمرأة)  اهدئي سيدتي، أنتِ الآن في أمان، أنسي كل شيء، ليس مطلوباً منك أن تتذكري (صمت، تتلمس يد المرأة فتلتفت للشاب وتهمس له) إن جسدها بارد، يا إلهي، سيدتي، سيدتي...

الشاب: ما الذي تقولينه أيتها الفتاة (يقترب من المرأة ويمسك يدها، يحاول أن يتأكد من نبضها، بعدها يعود إلى السائق ويقف على رأسه) لقد قتلتَها أيها المجنون، لقد قتلتها..

السائق: اخرس وعدْ إلى مكانك ولا تتفوه بأية كلمة أخرى، اعرفْ حدودك ولا تتكلم معي بهذه الطريقة، أنا لستُ قاتلاً، إن كانت المرأة قد ماتتْ فهذا نصيبها، هيا عدْ إلى مكانك،  وفكروا لي بحكاية أخرى أقضي بها الطريق، هيا عد لمكانك..

صمت يعم المكان، شبه ظلمة، أضواء خاطفة تمرق على وجوه الركاب، لحظات ويظهر الشاب يسحل جثة المرأة، يتركها في إحدى زويا المكان ويعود خائر القوى متعباً.

الشاب: (بصوتٍ واهنٍ)  آه رأسي، لا أستطيع التذكر (يضاء المكان تماماً فيظهر الشاب واقفاً قرب مقعد الفتاة ويخاطبها) هيا تذكري أنت أو ساعديني.

الفتاة: لا أستطيع، رأسي سينفجر.

الشاب: حاولي، تذكري أي شيء، تذكري أيّ جزء من حكاياتك، من الوسط أو النهاية أو البداية، يقولون إن الحكايات الأولى، المغامرات الأولى تكون عالقة في الرأس أكثر، محفورة كالنقش، أنا أحاول الآن، والله أنا أحاول، لكني كلما حاولت صار رأسي بعيداً أكثر، في كل مرة أحاول وأفشل تزداد الهوة اتساعاً بيني وبين رأسي، كلما أردت أن أتذكر يتدحرج رأسي بعيداً عني كالكرة، ساعديني، تذكري البدايات، البدايات فقط، حاولي ربما تساعدينني بالتذكر، تذكري أرجوك، أحتاج فقط إلى ما ينشط ذاكرتي، وستبقين رأسي على جسدي سأتذكر، هيا ساعديني.

ظلمة، بعدها بقعة ضوء على الفتاة

الفتاة: أتذكر حينما كنت طفلة، هل كنت طفلة حقاً؟ (تضحك).. أتذكر كنت ارسم بالطباشير على الجدران والشوارع، أرسم مدناً، وبيوتاً، وأشجاراً..

صوت المرأة: أيتها الشيطانة ما الذي فعلتِه اليوم ببيوت الناس؟

الفتاة: ما الذي فعلتُه يا أمي؟

صوت المرأة: الناس تشكو منك، لقد حوّلتِ جدران بيوتهم إلى لافتات ملونة بطباشيرك التي تسرقينها من المدرسة.

الفتاة: (مستنكرة) أنا؟!

المرأة:لا علاقة لي أنا بالأمر، أبوك السكير هو الذي سيضع لك حداً..

الفتاة: (مع نفسها) كان من المفترض ان يأتي أبي ويحاسبني، لكنه في كل مرة يأتي في الليل متأخراً وتنشغل أمي بموضوع آخر وتنسى أن تنقل لأبي تلك الشكوى، الشكوى التي تتحدث عن سرقة الطباشير وجدران الناس لأرسم عليها، الأمور بدأت هكذا:  لقد كنت اكتفي بربع طبشور أو نصف طبشور، كنت في البدء أتعلم به كتابة الحروف، كم كان عصياً عليَّ كتابة حرف الدال، دائماً أخطئ بكتابته (تتوقف وتتساءل) حرف الدال أم انه العدد اثنان؟ لحظة ما هذا التشويش؟ كنتُ اكتب دالاً أم اثنين؟ ما الذي كان عصياً عليَّ كتابته؟ ما هذا التشويش، لحظة أركز، دال ألف راء، نعم حرف الدال، دار نعم لقد كانت الدار، أتذكرها الآن كما لو أني أراها أمامي، لقد كانت كبيرة وواسعة، وليس فيها سواي أنا وأمي وأبي، أتذكر أن هذه الدار ستصغر وتصغر لتستطيل وتضيق، لتصبح كحافلة طويلة، أتذكر أن أبي كان يأتي كل ليلة للبيت سكراناً، ويتفتح باب البيت الخارجي ويقف هناك.

ظلمة، بعدها بقع ضوئية على الشخوص تظهر فيها ممددة نائمة وجنبها الفتاة أيضاً، بمكان قريب يكون الشاب واقفاً.

الشاب: (بصوت عالٍ) أدخلْ عزيزي، السيارة فارغة فلا تقف في طريق الركاب، ابتعد عن الممر ولا تزاحم الركاب، تحرك للأخير السيارة فارغة.

المرأة: (تستيقظ) لقد جاء السكران كالعادة، وهاهو الآن سيوقظ بصراخه الموتى (تلتفت للفتاة وتحاول إيقاظها بهز احد كتفيها) استيقظي وساعديني.

الفتاة: (تستيقظ بصعوبة) ماذا حدث يا أمي؟

المرأة: أبوك واسطوانته المشروخة نفسها التي تتكرر كل ليلة، حفلة الصراخ التي لا يمل منها ولا يكل، هيا تعالي معي يا صغيرتي ساعديني.

الفتاة: أما زال يتخيل البيت حافلة طويلة، ألا يتعب من تكرار هذا الخيال؟ طيب أ لم يستهلك من كثرة الاستعمال؟.

المرأة: (تبتسم) طولك شبران ولك هذا اللسان، يا لتعاسة الذي سيتزوجك، هيا انهضي.

الفتاة: اتركيني أنام يا أمي، وما الذي تفعله فتاة صغيرة مثلي في مثل هذه المواقف، ففي كل مرة أنت التي تتولين الأمر برمته، سأعود إلى الفراش..

تمسك المرأة الفتاة من يدها وتساعدها بالنهوض

المرأة: هيا معي يا صغيرتي تعالي نؤدي المشهد الذي نستدرجه فيه لداخل البيت، المشهد المكرر ذاته، تماماً مثلما كنا نفعل معه كل ليلة.

الشاب: (يصرخ) اصعد عزيزي الراكب، أرجوك لا تقف في الطريق، تقدم للأمام لو سمحت، السيارة فارغة.

المرأة: (بافتعال تصرخ وبحركات متصنعة تتمايل بجسدها) ابتعد عني أيها الوغد، كفّ عن التحرش ايها الوسخ، المكان ضيق فلا تدفع بجسدك عليّ (تلتفت للفتاة وبصوت واطئ) هيا دورك أنتِ قولي.

الفتاة: (وهي تفرك بعينيها وتتثاءب، وبحركة مصطنعة تلوك الكلمات بملل) ابتعد عن أمي أيها الحقير، المكان ضيق، رائحة الأجساد لا تطاق، ابتعد أيها الحقير.

المرأة: (بأدائها المفتعل نفسه) أ لا تخجل أنت؟ أليس لديك شرف، ابتعد عني، أيها السائق، أين أنت أيها السائق؟.

الشاب: (بغضب) ما هذا الذي يحدث؟ اعتداء!، تحرش!، عنف ضد المرأة!، من هذا الذي تجرأ على فعل ذلك؟

يتحرك الشاب من مكانه ويتقدم صوب المرأة والفتاة، يقترب منهما فيمسكانه ويجرانه لمقدمة المكان، ظلمة تعم المكان، لحظات وتظهر الفتاة بمفردها، معزولة عن الظلمة ببقعة ضوء.

الفتاة: (مع نفسها) هل قلت إن دارنا ضاقت؟ هل قلت إنها كانت ضيقة؟، لا، لم اقل هذا، لقد كانت أكثر سعة من كل بيوت الكون، أمي وأبي وطباشيري، لم تكن الدار ضيقة أبداً...

السائق: (يقهقه) هذه الفتاة مجنونة، تتحدث بلغة غريبة، لغة ساحرة، هيا اكملي.

الفتاة: (تتجه لمقدمة الحافلة وتمشي كالمنومة مغناطيسياً) لا أستطيع أن أكمل.

صوت المرأة: (بصوت واهن وضعيف يأتي من بعيد، جاف وبلا مشاعر) انتبهي يا أبنتي، الباب، باب الحافلة مفتوح، احذري ستسقطين.

الفتاة: (لا تلتفت لصوت المرأة وتستمر على حركتها تلك ) دا.. دا.. دا ( تقفز من الباب وتختفي بالظلمة التي ستعمّ المكان، ليحل الصمت و يهيمن على المكان، بعدها سيخرق الصمت صوت الشاب وهو يرتجف)

الشاب: ليس دا إنما واحد وعشرون (بقعة ضوء على الشاب وهو متكور في مقعده ويرتجف) جدي اخبرني يا سيدي، أن اذهب بعيداً كي أعيش، فالمرض قد نخر جسدي، قالوا لي اذهب وحدك بعيداً وقاتل مرضك القاتل هذا، أخذت معي هذه المجموعة من التماثيل، تشبه كثيراً أفراد أسرتي، جدي قال لي خذها معك لتكون سلوتك في الوحدة، خذها وتحدث معها هناك ستكون بحاجة لمن يصغي إليك، فصعدت هذه الحافلة وانتظر الوصول إلى المكان الذي أرسلني جدي إليه، ولم نصل إلى الآن، يا سيدي أنا الآن بعمر الواحد والعشرين وجدي قال لو أنك تعدّيت سنكَ هذا العام فلن يقتلك المرض وستعيش طويلاً، سيدي السائق منذ متى ونحن هنا؟ كم بقي ونصل؟ منذ متى ونحن هنا؟ كم عمري أنا الآن؟ منذ متى ونحن نسير في هذه الطريق؟ كم أمضينا من الوقت؟ ساعة، ساعتين، كم عمري الآن؟ هل عبرت المرض والموت أم مازلت فيه؟ وهذه الظلمة الجاثمة كالوحش على الحافلة إلى متى ستبقى؟ كم الساعة الآن؟

يتحرك الشاب وسط التماثيل ويتجه إليهم بأسئلته التي سيكررها عليهم.

السائق: (يصرخ به وهو خلف المقود) توقفْ عن أسئلة الركاب، ركّزْ في الحكاية، أنا مصغٍ إليك، حكايتك أعجبتني، هيا أكملْ.

الشاب: (مازال يردد أسئلته على التماثيل غير آبه بما يقوله السائق) أرجوك كم الوقت؟ كم مضى من الوقت؟.

السائق: (يصرخ به) كف عن هذا وأصغ إليّ، هيا توقف (يكف الشاب ويعم صمت في الحافلة ماعدا صوت المحرك والإطارات على الإسفلت) والآن اجلسْ وركزْ على ما أقوله (الشاب يجلس على إحدى المقاعد واضعاً رأسه على صدر احد التماثيل الجالسة بقربه ويغفو) ركزْ معي، هنالك أسئلة إذا عرفنا أجوبتها فسنعرف أين نحن الآن، مثلا كم كان عمرك حين صعدتَ الحافلة، عمرك محسوب بالأيام والدقائق والساعات، إذا عرفت هذا فسنعرف كم مرَّ عليك من الوقت (يقهقه، ثم يتوقف عن الضحك، يضرب مقود الحافلة بيديه بانفعال شديد) ما الذي أقوله؟ كلام فالت وغير مترابط وغير منطقي، ما علاقة الذي أقوله بالوقت الذي قضيناه في الحافلة؟ هل صرتُ أهذي من شدة النعاس؟ أهلوس أنا الآن؟ (فجأة يصرخ) أنت أيها المريض أكمل حكايتك، هيا أكمل حكايتك فان النعاس بدأ يكبر ويزحف كأفعى ضخمة ستبتلع جسدي كله ، وستبتلع الحافلة كلها، هيا أكمل، أ لا تسمعني؟ (تتوقف الحافلة فجأة بصوت كابح قوي، يقف السائق ويتجه نحو الشاب، يمسكه من شعره ويحاول رفعه لينظر في عينيه، ثم يعيده إلى وضعيته) لقد مات، كان يجب أن يموت، هو في الأصل ميت (يصفق محفزاً الآخرين) هيا واحد آخر يروي لي  حكايته، واحد منكم، ما لكم لا تردون، أيعقل إنكم كلكم موتى؟ (يضحك) هيا لا تخافوا، لا أريد سوى واحد منكم يقصُ علي حكايته، ليس مهماً أن كانت أعجبتني الحكاية أم لا، أنا نعسان وبحاجة لصوت إنسان يبقيني يقظاً، أنا أخاف أن أغفو وتنقلب بنا الحافلة، أخاف أن أتوقف كي لا ينفد الوقود، هيا أرجوكم أتوسل إليكم، أنا لست بهذه البشاعة، كل الذين قد ماتوا هم قد اختاروا الموت لا أنا، أنا مسالم، لا أفعل شيئاً للذي حكايته لم تعجبني، هيا قصّوا علي المزيد، أنا وحيد، وحيد وخائف..

انتهت

 

خالد جمعة_ العراق

 

جميل حسين الساعديلا تنســــــخي منّــــيَ طبــاعــيَ لا

                              أرضـــــى بأنْ تتحّـــولي رَجـــلا

وأنـــــا طباعــــــــي لا يشابهــــها

                             طبــعُ النســـــاءِ لأظهرَ الخجَــــلا

لكنَّ بي لُطــــــفَ النسيـــــمِ فــــلا

                           أؤذي ولو أصبحـــــت ُ مُنفعــــــــلا

أنــــا لمْ أقـُـــدْ يومــــا ً عسـاكرَ لــمْ

                              أفتــــحْ ممالكَ لمْ أكُـــنْ بطـــــــلا

لكـــــنْ جُبلـــتُ علــى الإبــاءِ فلــمْ

                             أخشَ الطغـاةَ ولمْ أكـُـن وَجلِا (1)

ونهجــتُ نهـجَ الحبّ مِنْ صِغَــري

                              لـمْ أرْضَ يومـــــا ً غيــــــرهُ بدلا

قاســـــي الطبـــــاعِ ألنْتــُـــهُ فـــإذا

                              هــــــوَ لِــــيْ أخٌ يهدينـــيَ الـقـُبَلا

ونبــــــذتُ تُجّـــــارا ً بدينـــــــــهمُ

                              قــدْ شوَهـــــوهُ وأتقنـــــوا الدَجَـلا

قدْ كبّـروا الرحمــنَ ، ما صــــدقوا

                             لـمْ يهدمــــوا العزّى ولا هُبـلا(2)

سفَكــــــوا دمـــــــاءَ الأبريــاءِ بـلا

                              ذنــبٍ أهـــــانوا كُلَّ مَــنْ عـَـــقلا

فكــأنَّ ربَّ الكـــــونِ طاغيـــــــــة ٌ

                              بالزهْــــــوِ يشعـــــرُ كلّمـا قتـــلا

مـــــا عــادَ يعــزفُ لحْنــَــهُ وتـرٌ

                            والزهْـــــــرُ فــي روضاتنـــا ذبـلا

عِشْنــــــا قرونـــــا ً نازفيـنَ دمـا ً

                            فالجـرحُ نفْسُ الجُرْح ِ مـــا اندمــلا

خبـــــتِ الحــروبُ وأقبلــــت أممٌ

                            تغـزو الفضاءَ فشارفـتْ زُحـَـلا(3)

وحــــروبنــا لا تنتهـــــي أبــــــدا ً

                            لوْ قـــــدْ أضعنـا مرّةً جَمَــــــلا(4)

ويحـــي عليـــــها أمة ً غرقــــتْ

                            فــي الجَهْــلِ، فاقــتْ كلَّ مَنْ جَهَـلا

أســــدى لها الطعنـات خنجـــرُها

                            فَهِــــيَ القتيلــــــة ُ وَهْـــيَ مَنْ قتَلا

                                 ***

حيــرانُ فـي الطرقــاتِ مِن زَمـنٍ

                            فمــــنِ الذي يهدينـــــيَ السُبــُـــــلا

خطـــــــفتنيَ امــــراةٌ برقّتـــــــها

                            أذكــتْ بقلبــــي الشوقَ فاشتعلا(5)

أرخــــتْ علــيَّ الَشـعْرَ قائلــــــــة ً

                            ستكـــــــونً عنـــــدي اليومَ مُعْتَقَلا

وتنـــــالُ منّــــي قـُبْلـــــــةَ ً عجَبَا ً

                            تحيـــــــا بهــــا فـي نشوة ٍ ثَمِـــــلا

طبَـعـــتْ على شفتـــــيَّ قـُبْلَتَهــــا

                            فخضعـــتُ مثل الطفْــــلِ ممتثــــلا

ثمَّ اختَفـــــــــتْ عنّــــي فلمْ أَرَهـا

                            كالطيْــــــفِ زارَ العيْــــنَ وارتحلا

سكـــــران لـــمْ أبرحْ بقبلتـــــــها

                            هــــــيَ قبلـــــة ٌ أنستنـــيَ القبــــلا

ساءلـــتُ نفســـي مَنْ أكـــونُ أنـا

                            أصبحــــتُ عنْ دُنيــــــايَ مُنْفصلا

وبحثــتُ عنـــــها دونمـــا كــــللٍ

                            طافــتْ خُطـــــايَ السهْــلَ والجبلا

حتّـــى النجــــــوم سألتُها قـَلِــــقا ً

                            وبعثـــــــتُ أنّـــــاتي لهـــا رُسُـــلا

أنـــــا لمْ أجـــــــدْ شَبَـــها ً لها أبدا ً

                            فبــــها الجمــــالُ وسِحْــرُهُ اكتمــلا

ربّــــــاهُ أرْجعْـــــها إليَّ فمــــــا

                            أحـــــد ٌ سواكَ يُعيــــدُ لي الأمَــــلا

يزدادُ شـــــوقي والشكـــوكُ معا ً

                            وأحــــسُّ أنّـــــــي نــادب ٌ طلــــلا

أتـُـرى وضعْـتَ السـرَّ في امرأة ٍ

                            عـــــمْدا ً لتضرب َ لِـي بهــا مثــلا

                                     ***

 جميل حسين الساعدي

.....................

(1) وَجـِـــل : خائف .

 (2) ألعزى: من آلهة العرب، التي عبدها أهل مكة. هُبَـل: صنم على       شكل إنسان، وله ذراع مكسورة، عبده العرب قبل الإسلام.

(3) خبت الحرب: سكنت وهدأت. زُحَل: ثاني أكبر الكواكب في النظام الشمسي بعد عطارد.

 (4) إشارة إلى حرب البسوس، التي وقعت بين قبيلتي الأخوة بكر وتغلب بسبب مقتل ناقة البسوس، وهي من الحروب الطويلة، استمرت أربعين عاما.

 (5) أذكى: أشعلَ، ويقال أذكى النار أو نحوها: أوقدها وسعّرها .

 

 

علي القاسميفي أواخر الثمانينيّات تبنَّتْ أربعُ منظَّماتٍ دوليّةٍ ـــ بدعمٍ من بعض الدول الكبرى ــ حركةً تربويّةً  شعارها " التعليم للجميع "، تمخّض عنها عقد مؤتمرٍ عالميٍّ في جوم تيان، وهي بلدةً ساحليّةٌ سياحيّةٌ في تايلند. وشاركتْ في المؤتمر وفودٌ من جميع دول العالَم، بلغ تعداد أعضائها حوالي ألف وخمسمائة شخص، من بينهم رؤساء دول، ووزراء تربية وتعليم، وخبراء تربويّون، ومراسلو وسائل الإعلام.

الهدف من المؤتمر إقناع دول العالّم الثالث بضرورة محو الأُمّيّة قبل مطلع الألفيّة الثالثة، وذلك بتعميم التعليم الابتدائيّ في أراضيها، وتيسيره لجميع الأطفال ليتعلّموا القراءة والكتابة.  ويتطلّب تحقيقُ ذلك الهدف من الدول النامية إنفاقَ أموالٍ طائلةٍ على بناء المدارس، وتدريب المعلِّمين، وإعداد المواد التعليميّة، وطباعة الكتب المدرسيّة. ولمّا لم يكُنْ في وسع تلك الدول الفقيرة توفير الأموال اللازمة، لأنّها تنفق معظم ميزانيّاتها على التسلّح والأمن، فإنَّ حركة التعليم للجميع اقترحت حلولاً عمليّة.

تتلخَّص الحلول في توفير الأموال اللازمة عن طريق إعادة هيكلة ميزانيات التربية والتعليم، وتوزيع النفقات فيها بصورةٍ عادلةٍ، ومعاملة جميع المواطنين بالتساوي. فبدلاً من إنفاق معظم ميزانيّة التربية على التعليم العاليّ والبحث العلميّ الذي لا يستفيد منه إلا نسبةٌ ضئيلةٌ جداً من  المواطنين، تُحوَّلُ معظم الميزانيّة إلى التعليم الابتدائيّ لفائدة الجميع. وبدلاً من تدريب معلِّمين على مستوى عالٍ ودفع رواتبَ كبيرةٍ لهم، يُستخدَم مساعدو معلِّمين من خريجي المدارس الثانويّة  برواتبَ منخفضةٍ. وبدلاً من تعميم تعليم ابتدائيّ يُكتفَى بتعليم أوليّ لأربع أو خمس سنوات يعلِّم جميع الأطفال القراءة والكتابة.

ذهب بعض المشكِّكين إلى أنّ الهدف المُعلَن لتلك الحركة هو " كلمة حقٍّ أُريد بها باطل". وأنّ الغاية الحقيقيّة هي وضع حدٍّ لمحاولات الدول النامية لاستنبات التكنولوجيا، وولوج عالم الصناعة عن طريق التعليم العاليّ والبحث العلميّ، لتبقى تلك الدول متخلِّفة دوماً، وسوقاً لاستهلاك المصنوعات الغربيّة، وتصدير اليد العاملة الرخيصة إلى البلدان الغربيّة (قديماً، كان الرومان يجلبون العبيد من تلك الدول النامية ذاتها للقيام بالأعمال الشاقّة والخسيسة في حين ينشغل السادة الرومان بالسياسة والديمقراطيّة والحرب).

ولكي تُهيِّئ الحركةُ جميعَ الدول النامية لقبول البيان العالميّ عن " التعليم للجميع " الذي كان سيصدر عن المؤتمر في جوم تيان، عقدتْ سلسلةً من اللقاءات الإقليميّة التمهيديّة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينيّة والبلاد العربيّة، شارك فيها وزراء التربية في كلّ منطقة، إضافة إلى خبراء "التعليم للجميع" الذين قدَّموا ما يدعم وجهة نظرهم من دراساتٍ معزَّزةٍ بالإحصاءات، والأشكال البيانيّة، والأمثلة التوضيحيّة.

عُقِد لقاء المنطقة الآسيويّة في دكا، عاصمة بنغلاديش. وبحكم عملي آنذاك، شاركتُ في هذا اللقاء. فبعد رحلةٍ جويَّةٍ دامت أكثر من اثنتي عشرة ساعةً، تخلَّلها تغيير الطائرة في مطار أوربي وتوقُّفٌ في مطارٍ عربيّ، وصلتُ إلى مطار دكا، واستقبلني المنظِّمون واصطحبوني إلى الفندق. وعندما دخلتُ بهو الفندق، وقع نظري على شخص ذي ملامح آسيويّة يجلس هناك، وتطلّع إليّ هو الآخر فالتقت عيوننا وتعانقت نظراتنا.

حالما انتهيتُ من إجراءات التسجيل لدى موظَّف الاستقبال في الفندق، نهض الرجل ذو الملامح الآسيويّة من مقعده، واقترب منّي وسلَّم عليّ، وقال باسماً:

ـ اسمك إمّا خالد وإمّا علي.

قلتُ:

ـ علي. لماذا؟

قال:

ـ لأنّني عندما استيقظتُ هذا الصباح، قلتُ في نفسي إنّني سألتقي اليومَ بشخصٍ أُحبُّه اسمه خالد أو علي، وسأقدِّم له هديّة هي عبارة عن اسمه مخطوطاً بالخط الديوانيّ الجليّ المُزخرَف والمُشجَّر بطريقةٍ بديعةٍ. فالخطّ العربيّ هوايتي.

ثمَّ فتح حقيبته اليدويّة وأخرج منها قطعتيْن من الورق المقوَّى الأبيض مُزيَّنتيْن بخطّ جميل، إحداهما " خالد " والأخرى " علي". ناولني الأخيرة وقال:

ـ هذه هديّة التعارف.

وفيما رحتُ أتمتم بكلمات الشكر، تبادر إلى ذهني أنّ الرجل يتكسَّب بهذه الطريقة. وربما اطّلع على قائمة الوفود الواصلة إلى الفندق ذلك اليوم وأعدّ القطع المخطوطة طبقاً لأسماء الوافدين. وهممتُ بإخراج محفظتي من جيبي لإعطائه بعض النقود. لكنّني، ولكي أواصل الحديث معه، قلتُ له قبل إخراج محفظتي:

ـ الآن أنتَ تعرف اسمي، فهل لي أن أتشرّف بمعرفة اسمك الكريم ليتمّ التعارف؟

أجاب ببساطة:

ـ أنور دِل.

عند سماعي هذا الاسم تجمّدتْ أصابع يدي على المحفظة، ولم أسحبها من الجيب الخلفيّ لسروالي، وقلتُ مُستفسراً:

ـ البرفسور أنور دِل، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس؟

بلعتُ ريقي، ثمَّ أضفتُ تحوّطاً:

ـ أم أنّه مجرُّد تشابه أسماء؟

قال:

ـ تماماً، أنا البرفسور أنور دِل.

حمدتُ الله في نفسي لأنّني لم أُخرِج محفظتي ولم أُعطِه النقود. فالرجل من الشخصيّات الأكاديميّة المرموقة في الولايات المتحدة وهو من أصل باكستانيّ (حوالي 40 بالمائة من أساتذة الجامعات الأمريكية الكبرى يتكلّمون الإنكليزيّة بلكنة أجنبيّة، وهذا ما نسّميه بالعربيّة "هجرة العقول أو هجرة الأدمغة " أو ما يسمّيه بعض الساخرين بالمساعدات العلميّة التي تقدِّمها الدول النامية أو النايمة إلى أمريكا). وكنتُ أثناء دراستي في جامعة تكساس، قد قرأتُ بعض مؤلَّفاته واطّلعتُ على بعضها الآخر، لأنّها ذات صلةٍ، من قريب أو من بعيد، بموضوع تخصّصي. فأعماله تتناول نظريّة المعرفة؛ ليست تلك المعرفة التي نكتسبها عن طريق الحواس والتجارب المختبريّة، ولا المعرفة التي نحصل عليها بالاستدلال المنطقيّ والتوصّل إلى النتائج من مقدِّماتها، وإنّما تلك المعرفة التي تتأتّى لنا من الغوص في داخل ذواتنا واستخدام القوى الخيِّرة الكامنة في نفوسنا. إنّها المعرفة الحدسيّة، أو المعرفة القلبيّة كما يسميها البرفيسور أنور دِل (بالمناسبة، " دِل " باللغة الأورديّة تعني "القلب").

أمضيتُ عصر ذلك اليوم مع البرفيسور أنور دِل، وعلِمتُ منه أنّه جاء إلى دكا للمشاركة في الاجتماعات التي كانت ستبدأ صباح اليوم التالي، بوصفه خبيراً تربويّاً. وفي المساء ألحّ عليّ لتناول طعام العشاء معه على مائدة السفير الباكستانيّ في دكا. وعندما اعتذرتُ بشدّة، لأنّني لم أكُن مدعوّاً من لدن سعادة السفير، أخبرني أنّه أبلغ السفير بأنَّه سيصطحبني، وأنّ السفير صديق حميم له، وأنّه يعدّ نفسه صهراً للسلك الدبلوماسيّ، فزوجته هي أخت سفير بنغلاديش في موسكو (تزوجها  ــ وهي بنغالية ــ  عندما كانا يدرّسان معاً في  جامعة لاهور، قبل انفصال بنغلاديش عن باكستان عام 1971). وكنتُ قد أطلعتُ على ترجماتٍ أنجزتْها زوجتُه من اللغة البنغالية إلى الإنجليزية لبعض أشعار رابندرانات طاغور (1861ـ 1941) الذي حاز على جائزة نوبل للآداب عام 1913 عندما كانت الهند وباكستان وبنغلاديش موحَّدة تحت الاستعمار البريطانيّ، تقديراً لروعة أشعاره الروحيّة. وظلَّ طاغور، أمداً طويلاً، الشاعر الشرقيّ الوحيد الحائز على جائزة نوبل (كأن فوزه بتلك الجائزة آنذاك رسالة ضمنيّة من أصحاب الجائزة إلى الشرقيّين للبقاء في حدود عالَمهم الروحيّ، وترك تدبير العالَم الماديّ للدول الغربيّة).

توطّدت الصداقة بيني وبين البرفيسور أنور دِل خلال أيام اللقاء الأربعة. وأهدى إليّ مزهريّة صغيرة من المرمر وطلب إليّ أن أضعها على مكتبي في منزلي، فهو يحتفظ بمثيلتها على مكتبه في منزله في مدينة سان دييغو في كاليفورنيا. وقال:

 

ـ وهكذا، فعندما تنظر إلى هذه المزهريّة، وأنظر أنا إلى أُختها في الوقت نفسه، سنتواصل روحيّاً، رغم المسافات البعيدة التي تفصل بيننا.

بعد انتهاء الاجتماعات، أخذ أعضاء الوفود يودّع بعضهم بعضاً. وجئتُ لأودّع صديقي الجديد البرفيسور أنور دِل. ولشدَّ ما أدهشني قوله:

ـ لا تودّعني هنا. سنذهب معاً إلى كراتشي لتناول طعام العشاء مع شيخي في منزله هناك. أودّ أن أعرّفك به.

أجبتُ بلطف:

ـ شكراً، يا أستاذ أنور على دعوتك الكريمة، ولكن عليَّ أن أسافر مساء هذا اليوم  بطائرة الخطوط الفرنسيّة إلى باريس، ومن هناك سأعود على متن طائرة الخطوط الملكية المغربيّة إلى الرباط حيث تنتظرني مواعيدُ عملٍ كثيرة.

قال مبتسماً وهو ينغّم كلماته:

ـ قلبي يحدّثني بأنَّك صاحبي في سفري إلى كراتشي، سواء أردتَ ذلك أم لم تُرِد.

(وذكّرني كلامه ذاك ببيتَ شعرٍ للقطب الصوفيّ ابن الفارض:

قلبي يُحدّثني بأنـَّـكَ مُتلفي    روحي فِداكَ عرفتَ أم لم تعرفِ)

 

قلتُ له بشيءٍ من الإصرار:

ـ مستحيل.

قال بلهجة الواثق مما يقول:

ـ ليس ثمّة شيءٌ مستحيل في الوجود. كلُّ شيءٍ ممكن.

وطبعاً كان من المستحيل عليّ أن أغيّر خططي وسفري قبل ساعتين من إقلاع طائرتي.

وفي المطار، توجّهتُ إلى منضدة الخطوط الفرنسيّة، ودفعتُ بتذكرتي إلى المضيّفة هناك؛ غير أنّها أخبرتني أنّ رحلتي قد تأجّلت حتّى يوم غدٍ لأسباب تقنيّة. وأضافت أنّها تستطيع تحويل تذكرتي ـ إذا أردتُ ـ إلى خطٍّ آخر هو : دكا ـ كراتشي ـ لندن ـ الدار البيضاء. وأوضحتْ أنّها حاولتِ الاتصال بي هاتفيّاً في الفندق صباح ذلك اليوم عدّة مرّاتٍ لإبلاغي بالأمر دون جدوى، وأنّ الطائرة المتّجهة إلى كراتشي ستغادر بعد ساعتيْن فقط، وأنّ عليّ أن أُمضي الليلة في فندق قرب المطار في كراتشي على حساب الشركة، ثمَّ أواصل السفر في الصباح إلى لندن فالدار البيضاء.

لم يكن لي خيار آخر فقبلتُ.

 

بعد أنْ ارتقيتُ سلَّم الطائرة وتوجّهت إلى مقعدي، فوجئتُ بالبرفيسور أنور دِل جالساً في المقعد المجاور. قال مبتسماً والسرور بادٍ على وجهه:

ـ ألم أقُل لكَ إنّ قلبي يحدّثني بأنّك رفيقي في رحلتي إلى كراتشي؟

حين هبطنا في مطار كراتشي قبل منتصف الليل، لم يدَعني البرفيسور أنور أذهب إلى الفندق، لإيداع حقائبي على الأقل حتّى الصباح، قائلاً وهو يلوّح لسيّارة أُجرة:

ـ لا وقتَ لدينا لذلك. سنأخذ الحقائب معنا. فهم ينتظروننا على مائدة العشاء.

حالما توقّفتْ سيّارة الأجرة التي تقلّنا، أمام المنزل المطلوب، فتح شيخٌ وقور الباب، وهو يقول بفرحٍ غامر:

ـ أنور، أهلاً وسهلاً. قلبي يحدّثني منذ الصباح بأنّك ستزورنا اليوم. وقد طلبتُ من أولادي وأزواجهم أن يأتوا هذه الليلة لتناول العشاء مع عمّهم أنور.

***

قصة قصيرة

بقلم: علي القاسمي

.......................

ـ هذه القصة من مجموعة قصصية عنوانها " حياة سابقة" نُشرت عدّة مرات في الدار البيضاء، وبيروت، والقاهرة، ونجران.

 

 

قاسم محمد الساعديلابأس

أطارد جنّيات بِيض في الدار

واتصنع عدم رؤيتكِ حين تمرّين

فلا أحد باستطاعته أن يفسر كل شي

وأنت  أقسمْت ان لا تفشي

سرُّ النهرِ اللاّهث من العطشِ

و لَمْ  صرتَ سحابة تتبعُ قطار

**

من يمسك بالوجه الشبحي للظنون

حين تتصاعد غُيوم كثيرة من الثرثرة

وأتساءل،  كبحر يضع فمه على الارضِ

منذ متى صارت؟

كجنرالٍ محترفٍ

ووضعت قلبي  على مِنضَدة رمْل!!

**

لا صلة قربى  بإله الريح والمطر

أو  ابن عم إله الحب

لكن بزَهْو مراهق

قلتُ :

ستسِير مع جيوش النساءِ، ورائي !

بل قبل إن أَعَدَّ للعشرةِ !

ستكون بقايا أحمّر الشِفاه، على ياقة ألقميص

**

ظننت ان اسحب الحب من اطرافه

لكن !

الضائع في هذيانه

يظل معلقا" في هذا المدى

***

قاسم محمد مجيد

ذكرى لعيبيينفرطُ العمر

هنا..

هناك..

لا أدري أين

أجيء بسلّةِ الزمن

وألملمه وهناً،

 وهناً..

أنهكني ذنبكَ

أطوفُ به شطآن القلب

لعله يشقى بالتطهر

ودمعي سورة

تتنزل على شفتيك:

ألّا تنأَ

انزف وجعك

واستأصل جروحي

لنهنأ سويا

***

ذكرى لعيبي

عاطف الدرابسةقالت له:

حينَ أُصغي إلى صمتكَ

يهدرُ في صدركَ

أجهشُ بالبكاء ..

*

ليتَهم يا حبيبي يعلمونَ

تلكَ الأشياءَ

التي تقيمُ في صمتكَ

وتختبىءُ مثلَ الأطفالِ

وراءَ الكلمات

عالماً آخرَ ..

فيه كلُّ شيءٍ

إلا البَشر ..

صمتكَ كتابٌ من آلاف الأجزاء

كلُّ جزءٍ كونٌ قائمٌ بذاته ..

نصفُهُ بحرٌ

والنِّصفُ الآخرُ غابات ...

*

هناك ...

في أعماقِ البحرِ

تتصارعُ المعاني

أو تتصالحُ الكلماتُ والأشياء

*

وهناك ...

في كلِّ غابةٍ

مملكةٌ ودولةٌ وسُلطان

وفي مواسمِ الخِصبِ والولادة

تتكاثرُ المعاني

كأنَّها الخلايا

*

هناك ...

نحتاجُ إلى آلافِ فِرقِ البحثِ والتفتيش

فِرقٌ تغوصُ في أعماقِ البِحار

تبحثُ عن معانٍ

بلونِ السَّمك

بسلوكِ السَّمك

صفراء

أو حمراء

أو سوداءُ يخالطها البياض

أو معانٍ

لها ألف ألف ذراع

كأنها أخطبوطٌ عظيم

*

وهناك ..

معانٍ بحجمِ الحيتانِ الزرقاء

صوتُها واحدٌ

يبدأُ من أولِّ شطٍّ للبحر

وينتهي عندَ آخرِ العُمر ...

*

تنتشرُ المعاني في الغابات

كالجَراد ..

تنفصلُ عن الكلمات

فتموتُ في داخلي

كلُّ المعاني القديمة

وتحترقُ آخرُ الأعشاب ..

*

النَّارُ التي تسري في جسدي يا حبيبةُ

بارِدة ..

والرُّوحُ تغصُّ بالكلمات ..

أبحثُ عن الماء

في أقصى الوديان

كامرأةٍ حُكِمَ عليها بالنَّفي

فأعادت للمكانِ الحياة

*

لا تحفري عميقاً في صمتي

أخافُ أن تطلعَ لكِ الحقيقةُ كأفعى

ترقصُ على أنغامِ النَّاي

سألتُهم منذُ زمنٍ بعيد

عن الحقيقةِ الضائعة

بينَ رُكامِ الأزمنة

فأجابوني مُستَلقِين

انظر إلى السَّماء

فالحقيقةُ غامضةٌ غموضَ الشَّمسِ

في أوَّلِ النَّهار ..

***

د.عاطف الدرابسة

 

صحيفة المثقف(بمناسبة تخرّج ابنتي "مرح"

من المرحلةِ الثّانويّة)

***

يَومٌ تأنّقَ فيه السّعْدُ والمرَحُ

                    نادى باسمِك ذاتَ السِّحْرِ يا "مَرَحُ"

رَفّتْ بِعَينك أسرابُ الهَنا وجَنى

                          قلبي ثِمارَ غِراسٍ زادَها الفرحُ

974 مرحيا خاتِمَ الكأسِ فيك الشّمْسُ مَشرقُها

                     سَنا الكواكبِ من عينيك قد نَضحُوا

يا حامِلَ المِسكِ دُوْنَ المِسكِ نافِجةٌ

                     فارْفِقْ بِحِمْلك واستغفِرْ لمَنْ مدحُوا

هٰذي أُخيّةُ ذاك النّجْمِ مَوقِعِهِ

                        سارَت وأترابَها لمّا الضِّيا لمَحُوا

طوبى لمَنْ رفعَت قاماتُهم أُمَمًا

                       ومَنْ بصيرتُهم حَدَّتْ وما جَمَحُوا

هذا فؤاديَ قُربانًا وما بلغَتْ

                        حدَّ الكريمِ بهذا النّفسُ يا "مرحُ"

***

شعر: عامر جنداوي

 

سردار محمد سعيدإلى لا أسميها

يبس الغصن الأخضر

صار أجرد

والوجه تخدد

جاء سياسي وغد من بعد أوغد

سرقوا شمس الله

ونورالقمر

وعبيرالزهر

وفيض جلال الخبز من فم يتيم

وأرامل صارت قبلتهن مزابل

القبور التي استقبلت العاهرات ترفضكم

وحاويات القمامة

ومجاري المياه القذرة

فبصقة بين حواجبكم

أيتها العقول الزاخرة

عفواً

احذفوا " زا " يستقيم الكلام

**

فقدت الإتجاهات،

وكدت أسقط من براق تاه في صدى الكلمات الفارغة .

أهديتني بوصلة،

دلتّني على قلاع الفكرالتي تتصاعد راياتها كل يوم .

لا أسميك، فالمتسكعين في الصحارى كثر.

وعقول تربّت في اصطبلات بلاد العرب أكثر.

يا من يبدأ إسمها بأحد حروف الهجاء،

تنوري مذ رحلت ما زال مسجوراً .

لن أرسل لك صورة أو أغنية أو خربشة،

ولن اطلب منك رقصة،

وأني إن تغاضيت النظرعن أشياء لا تصدق في فراشك،

فأنا أميزاللجة من الصرح الممرّد،

وأعرف العد .

والفرق بين الأربعين والسبعين

فاكشفي عن ساقيك إن شئت

أنا اعرف الكحل والمروَد

وأؤمن بأنك خُلقت من فجور وتقوى

وأعرف أن روما احترقت

وختَمَ قيصر اسمه أسفل البطن

أنت التي علّمتني :

لا يمكن فصل الرحيق عن الزهرة

وعلمتني :

كيف ألثم شفاهك ولا اشبع،

وكيف تتغلغل الأصابع في شعرك الليلي حتى ينبجس الفجر في عينيك

وكيف آكلك ولا تدرين،

واشربك،وتشربيني،

هشّمت كأساً كان لا يلذ إلا بالطواف على شفتينا.

ولا تفقد اللوحة رونقها إذافُصلت عن الإطار .

طبيعة المطر الإفتراق عن الغيم

اليوم نهر بلاضفاف

عكر الماء

كنت كالمزن صاف

كنت شراع سفينتي فمزقت الشراع

وأغرقت سلال الزيتون

وعناقيد الأمل

فاتخذ الحب طريقه في البحر سرباً .

***

سردار محمد سعيد

نقيب العشاق بين براري القهر وسفوح الخيبة

 

سوف عبيدكأنّها الآن وهُنا

تتمثّل أمامه على الأريكةِ جالسةً

بهاءً على صفاءٍ

تتصفّحُ كتابًا

ثُمّ

هناك وقفتْ

عندَ خزانة الكُتب

قبل أن تُغادر اِلتفتت

اِبتسمتْ

فاِرتسمتْ بسمتُها على البلّور

رَفْرفاتٍ من ألقٍ

مِثلَ حَفيفِ أناملِها

لامَستْ أناملَه

فسَرَتْ جداولُ من نُور

ما تزالُ رعشتُها في أصابعه تسْري

ليته أمسك بيديها

وقرأ في كفّيها ما مَضى

وماهُو آتٍ

ليتهُ زاوج يديه

معَ يديها

على إيقاع سِنْفُونيّةِ الضّياء

تعزفُها شمسُ الضّحى ظلالا على الجِدار

ورَقةٌ بيضاءُ هُو الجدار

كتبَ عليه ما كتب

وقرأ ما قرأ

ثم أغلقَ الباب

وَخَرج

***

سُوف عبيد

 

 

محمد علي جنيدييا مالكَ الكونِ الفسيحِ ومن بهِ

                  لا حولَ لي والدمعُ يغرقُ مقلتي

هذي حياتي قد مضتْ أيامُها

                   وضعفتُ ضعفاً قد أحاط بقوتي

ونظرتُ حولي لم أجدْ إلا الرجا

                 فطرقتُ بابَك واحتميتُ بسجدتي

كلُّ الملاجئِ أوصدتْ أبوابَها

                      إلا ملاذَك أنت يؤنسُ دمعتي

أشكو إليك وللضعيفِ ضَراعةٌ

                  يدعوك يا رحمنُ خذ بضراعتي

ولئن ظُلِمْتُ قصدتُ بابَك ساهرا

                     أدعو إليك فتستجيبُ لدعوتي

أنتم رجائي في الصِّعابِ ومن لها

                       إلاك أنتم حين تعجزُ حيلتي

***

محمد محمد علي جنيدي - مصر

 

يحيى السماويأغـلـقـتُ بـابـي واكـتــفــيــتُ بــمـا  بـيْ

مـن عُــســـرِ أفــراحٍ ويُـــســـرِ عــذابِ

 

ورضـيـتُ مـن قَـدَري بـمِــديـةِ حـتــمِـهِ

وقــنـعــتُ مـن نـهـري بـكـأسِ سَــرابِ

 

حـطَّـمـتُ قـيـثـاري وجُــرَّةَ خــمـرتـي

وأتــيــتُ إعــصــاراً عــلــى أكــوابـي

 

لـم تــبـقَ لـيْ إلآ الـحـثـالــةُ مـن غــدي

وذبـالــةٌ  مـن ضــوءِ شـمـسِ شــبـابـي

 

أمـسـيـتُ لا عـشـبى يُـضـاحِـكُ مـقـلـتـي

بـدءَ الـربــيــعِ ولا الـخــريــفُ يُـحـابـي

 

بَـطَـري على الـنـبـعِ الـكـريـمِ أضـاعـنـي

أفـــيــاءَ بُــســـتــانـي وجُــودَ سَـــحــابـي

 

لــو كـنـتُ ذا لُــبٍّ عــقــلــتُ غــرائــزي

وأنَــبْــتُ عــن ظــنـي يَــقــيــنَ لُــبــابـي

 

مــا جـارحـي إلآيَ فـي حــربـي عــلـى

سِــلـمـي وأمـنِ مَــفــاوزي وهِــضــابـي

 

مَــنْ ذا ألــومُ ؟ وأيَّ نـفــسٍ أشــتــكــي ؟

ظُــفــري الــذي جَـرحَ الــفــؤادَ ونـابـي

 

" قـومـي هـمـو قـتـلوا أمـيـمَ " تـعـسُّــفـاً  (*)

وأنــا  الــبــريءُ  قــتــلـتُـنـي بـحِــرابـي

***

مَــنْ لـيْ لِــعُــرْيِ مـواجـعـي  بِــثـــيــابِ

تُـخــفــي جِـراحَ الــروحِ عـن أحــبــابـي

 

أبـكـاهُـمـو صـمــتـي فـكـيـف إذا أشــتـكــتْ

مُــقــلـي وشــاكــسَ جــفـــنُــهــا أهــدابــــي

 

آخَــيْــتُ بـيـن الــجــرحِ والـســكِّــيــنِ فـي

صَــدري .. وبــيــن تــزَهُّــدي ورغــابــي

 

طَـبَّـبْـتُ بــالـصـبــرِ الأســى فـأضَــرَّنـي

صـبـري وضاعـفَ عِـلَّـتـي اسـتـطـبـابـي

 

أمضَيتُ نـصفَ العـمـرِ مغـتـربَ الخـطى

طـاوي الــدروبِ ولــيـس مـن أصــحـابِ

 

ورَغِــبــتُ لا بَــطَـراً عــن الـجـاهِ الــذي

يـسـعـى الــصـغــارُ إلــيــهِ سَــعـيَ ذئـابِ

 

لــكـنْ مـخـافــةَ أنْ تُــعــابَ بـهِ ابــنــتـي

لـــو عــادَ يــومــاً لــلـــتـــرابِ تــرابــي

 

أبــدَلــتُ بـالــيــاقـوتِ صَــلــدَ حـجـارةٍ

والــشــوكَ والــحــلــفــاءَ بــالأعــنــابِ

 

وقـــديـــدَ زقُّـــومٍ  بــخـــبـــزِ مَـــسَـــرَّةٍ

وزُعــافَ صـهــبــاءٍ بــشَــهــدِ رضــابِ

 

يـا جـاحِـداً فـضــلَ الـحــبـيــبــةِ يــا أنــا

أزِفَ الـــوداعُ وحــانَ يـــومُ حِـــســـابِ

 

عَــذَّرْتـهــا وأنـا الــمُــسـيءُ فــأعْــذَرَت (**)

بــأرقَّ مــن وردٍ وطــيـــبِ خِـــضــابِ

 

أمِـنَـتْ عـقـابَ الــيـومِ نـفـسـي لـيــتـهــا

حَـسِـبـتْ حـسـابَ غـدٍ وصـعـبَ عِـقـابِ

***

مـا  بـيْ أحَـدِّقُ فـي الـمـرايـا ؟ مـا  بـيْ ؟

لـمْ يَـبـقَ مـن حـقـلـي ســوى أحـطــابــي

 

قِــدِّيـــســة  الــلـــذَاتِ لا تـــتـــرفَّـــقــي

بــالـمُــسـتـجـيـرِ وإنْ بِــقَــصْــدِ ثــوابِ

 

كـــلٌّ ومـا غــرسَــتْ يــداهُ فــحــاصِــدٌ

أصــنــافَ أعـــنــابٍ وشــوكَ عـــقــابِ

 

كـثـرتْ خـطـيـئـاتـي وأغــوانـي بــهـــا

عـفـو الـحـبـيـبِ فـيـا لِـســوءِ حِـســابـي

 

تَـعِـبَ الـغـنـاءُ مـن الـمُـغـنـي واشــتـكـى

مـن حِــبــرهِ ومـن الـحــروفِ كــتــابـي

 

جَـفَّ الـصـداحُ عـلى فـمي وتـهـشَّـمــتْ

مــرآةُ أحــلامـي بــصــخــرِ عِـــتــابـي

 

عـاتـبـتُ قـلـبـي واشــتـكـيـتُ لــهُ الــذي

مـــا بـــيــنــنــا مــن جـــفـــوةٍ وخــرابِ

 

فـأشـاحَ عــنـي نــبـضَــهُ مُــســتــنـكِــراً

جَــزعـي ومــا أشــكــوهُ مـن أحــبـابـي

 

مـادمـتُ سـادنَـهــا وحـارسَ خِــدرِهــا

فـالـبـدرُ بـيـتـي والــنـجــومُ صَـحـابـي

 

أعـلــنــتُ عـصـيـانـي عـلـيَّ أصــدُّنـي

عــن خــبــزِ لــذَاتٍ وعــذبِ شــــرابِ

 

أرفـو بـخـيـِطِ الـصـبـرِ ثـوبَ صَبـابـتـي

وأعــوذُ مـن حَــطــبــي بــعُــودِ ثـــقــابِ

 

مُـســتـنـفـرَ الـعـيـنـيـنِ أبـحـثُ تـائــهـــاً

عـن خـيـطٍ ضـوءٍ في قـمـيـصِ شـهــابِ

 

لـو كـان طـوعَ يـدي الـشـراعُ نـشــرتُــهُ

طــمـــعـــاً الــى أهـــلــي بـــيــومِ إيــابِ

 

أشــكــو وأعـلــمُ أنــهــا شــكــوىً بــلا

قـــاضٍ .. وأســـــئــلـــةٌ بــدون جــوابِ

 

أســـتـعــطــفُ الأيــامَ خــلــوةَ لـــيـــلــةٍ

تُـجـلـي بــهــا شــمــسُ الـوئـامِ ضَـبـابـي

 

نــدمـي مــريـرٌ لــو عـلــمــتِ أمَــرُّ فــي

قــلــبـي وروحـي مـن مُــضـاغِ الـصَّـابِ  (***)

 

وجَـعـي جــوابُ الـلاســؤالِ .. وعِــلَّــتـي

كــمــواجـعــي : مـجــهــولــةُ الأســبــابِ

***

يحيى السماوي

السماوة في 14/6/2019

......................................

(*) المحصور بين مزدوجين من بيت الحارث بن وعلة :

قومي هـمو قـتلوا أميم أخي

فإذا رميتُ يُصيبني سهمي

(**) عذَرتها ـ بتضعيف الذال: جعلتُ العذر عليها صعبا (والبيت إشارة الى حِلم الحبيبة)

(***) الصاب: نبت عصارته شديدة المرارة  إذا وقعت على العين أصابتها بالعمى .

 

ريكان ابراهيمتحياتي. أَأَعجبك احتراقي

                  دمٌ دمعي وأوردتي سواقي

وكيف الصبرُ عنكِ بلا تلاقي

                     فانتِ مثيرةٌ وأنا عراقِي

***

خطرتِ فصرتُ أسرحُ في شُرودي

                وئيدَ الخَطْوِ، شاحبةً خدودي

وقالوا عنكِ: من أصلٍ يهودي

                    وأهلُكِ لا يُحبّونَ العراقي

***

نسيتُ فخامتي وهوى بنائي

                  وصرتُ أراكِ سيدةَ النساءِ

وغادرني الحياءُ وكبريائي

                    كأنّي لم أكنْ يوماً عراقي

***

هيامي فيكِ لقّنَني دروسا

                    وألبسني الكآبةَ والعُبوسا

أحقُّ أنتِ من أبناء موسى

                  وهل يدري بحبِّكِ للعراقي

***

هوانا يا ابنةَ التوراةِ دينُ

                   ودينُ الحُبِّ إنصافُ ولينُ

أنا باقٍ على حُبّي أمينُ

                   وتلكّ سجيةُ الفردِ العراقي

***

لقد أحببتُ فيكِ الأريحيّةْ

                       فأنستني بأنكِ مُوسويّة

وأصبحَ حُبُّك الطاغي قضيّةْ

                    وكلُّ قضيّتي أنّي عراقي

***

أنا فوق الخِلافِ والاختلافِ

              فراشي الحُبُّ والنجوى لِحافي

وأنتِ حبيبتي رمزُ التصافي

              وصافي العيش أُمنيةُ العراقي

***

جدودكِ يا فتاتي فَرّقونا

                   وباسم الدينِ ظُلْماً مزّقونا

فقولي للّذينَ استنكرونا

                   لقد أحببتُ يا أهلي عراقي

***

منِ الأرقى، هوانا أم يهوذا؟

              طبولُ الحربِ أم أخلاقُ بوذا؟

أليس الحُبُّ تاريخاً لذيذا

            لمن عشقوا كما عَشِقَ العراقي؟

***

فتاتي. إنَّ هذا الحُبَّ أرقى

                   وأعتى من مدافِعِهم وأبقى

بهِ سنُلقِّنُ الأجيال صِدقا

                   يهوديَّ الهوى بدمٍ عراقي

***

فتاتي. إننا عرَبٌ ضِعافُ

                      نسينا رَبّنَا فبدا الخِلافُ

وصرنا دونما سببٍ نخافُ

                 من اليمنِ السعيدإلى العراقِ

***

فتاتي، واسمُها الرسميُّ سارةْ،

             تضيقُ بوَصْفِ طلعتِها العبارةْ

أحبّتني وكرّرتِ الزيارةْ

            وحُبُّ الضيفِ من شيَمِ العراقي

***

أحبّتني فخاصَمها اليهودُ

              وخاصمني من الأهلِ الحَسُود

فمَنْ أرقى: مُحِبُّ أم حَقودُ

            وهل كفَرتْ إذا عشِقتْ عراقي؟

أدينُكِ يمنعُ الحُبَّ الحلالا؟

                   فديني لا يرى هذا ضلالا

ونحنُ، كما أرادَ لنا تعالى،

                    فتاةٌ والذي تَهوى عراقي

***

أنا وحبيبتي أحلى هديّةْ

                     لمن جعلوا مَحبّتنَا قضيّةْ

ألم يتزوّجِ الهادي صفيّة

             فكيف يُلامُ في الحُبِّ العراقي؟

***

رجالُكِ امعنوا كُرْهاً وسبّوا

             وما احترموا الذي يرضاهُ ربُّ

فـ (شعبٌ وحدَهُ المختارُ) كذِبُ

                    فقولي مثلما قالَ العراقي

***

كأنَّ الناسَ غيرَهمُ عبيدُ

                  فهم بيضٌ وكلُّ الناسِ سُودُ

فقومي علّميهم أن يقودوا

                 غرورَهمُ كما ذكرَ العراقي

***

فتاتي لستُ بالرجلِ المُراهِق

                  ولم أكُ في حياتي بالمنافِقْ

أُحِبُّكِ حُبَّ ذي خُلُق وصادقْ

                       لأنك حُلْوةٌ وأنا عراقي

***

أُحِبُّ القُدسَ حُبَّكِ أورشليما

                    كِلانا عاشقُ مجداً عظيما

ولن يُلغي الجديدُ بنا القديما:

                فقد عاشَ اليهودُ مع العراقي

؟

***

د. ريكان إبراهيم

 

وليد جاسم الزبيديبينَ الحياةِ وبينَ الموتِ أسماءُ..

               فاختَرْ لنفسِكَ ممّا شئتَ أوْ شاؤوا..

وآختَرْ طريقَكَ لا ماقيلَ في عسَفٍ

                        إنّا خُلقْنا وسُيّرْنا بنا الدّاءُ..

واحملْ صليبَكَ مُذْ تختارُ ألويةً

                     شدّتْ يديكَ مع الأفكارِ آراءُ..

واحملْ مع الفكرِ أصداءً لملحمةٍ

                       قدْ علّمتْنا بأنّ الدهرَ أهواءُ..

إنّا رضعْنا مع الآلامِ تضحيةً

                حتّى عرفْنا بأنّ الحرفَ أضواءُ..

حتّى عرفْنا بأنّ الفَقْرَ مهلكةٌ

                      حتّى فهمنا بأنّ الدّاءَ أدواءُ..

لمّا رسمْنا خُطانا قيدَ مُقتحَمٍ

                     فيهِ استعنا بما هالتْكَ شحناءُ..

لمَا خطوْنا لنبني مجدَ مُعتَقَدٍ

               لا، لنْ نشُحَّ فبعضُ الشُّحِّ ضغناءُ..

منكُمْ تعلّمتُ حبّ الحرفِ في هَوَسٍ

            حُبُّ الجمالِ وما في الروحِ أصداءُ..

الفاتناتُ إلهُ الشّعْرِ مُلهمُهُ

                       فيهُنّ سبّحَ عرفانٌ وإغواءُ..

الحُبُّ كانتْ وما زالتْ مدارسُهُ

             في كلّ حرفٍ من المنشورِ إمضاءُ..

منكُمْ نهلنا بأن نحيا لموطنِنا

              لا اللّصُّ منّا ولا في الجيبِ إثراءُ..

جئنا نؤبّنُ شيخاً عارفاً قدراً

                   كانَ المُفوّهَ يجري خلفهُ الماءُ..

في كلّ حفلٍ نبا صوتاً يُحفّزُنا

                 يقري الضيوفَ ولا يثنيهِ إعياءُ..

في كلّ درسٍ وللتاريخِ محنتُهُ

                 في كلّ غرسٍ شدا زهرٌ وأبناءُ..

في كلّ سجنٍ علا تذكارُ مُعتركٍ

                      تَبلى السّنونُ وللتّذكارِ أفياءُ..

قدْ كانَ صبْراً وصخراً وانبعاثَ شذىً

                    قدْ كانَ أمناً إذا أغشتْهُ هيجاءُ..

إنّا اليكَ سنُحيي الذّكرَ مفخرةً

                  نمْ هانئاً فحروفُ الحقِّ بيضاءُ..

***

وليد جاسم الزبيدي/ العراق.

 

جابر السودانيحين اقتحمتُ

أسوارَها المنيعةَ

لم تكن راضيةْ.

لكنها لم تردُ راياتَ

عشقي الوافدةَ إلى

عالمِها المسكونِ

بالوداعةِ

بل أشرعتْ أبوابَها

جميعا

لخطوي الجريء

وظـلتْ هادئـةً تنتظـر.

***

جابر السوداني

 

فتحي مهذبلأن أصابعي مغرورقة بالدموع..

لأن دمي يتدفق في شرايين

الكلمات..

والريح مثل قلب يدق أمام مومياء

تسحب باخرة بأسنانها الصدئة..

لأن في مرآتي الحائطية

ضجيج أسرى من العصر الوسيط..

زعيق طاووس ..

يدعو مخيلتي الى جناز كوني..

قرقعة عربة تحمل كهنة

مدججين ببنادق صيد..

صخب موسيقيين

هاربين من زلزال يتظاهر

أمام دار الأوبرا..

لأن العالم فخ أبدي

والبشر عصافير طائشة..

لأن النهار مهرج خطير..

لأن السماء شقيقة الأرض

لذلك حين تنتشر المجاعة والحروب..

تبكي في الشتاء مثل أرملة..

لأن أيامك الهاربة

تقفز مثل كنغر

في غابة موحلة..

مدججة بالكبريت والهواجس..

يطاردها هنود حمر

بمناطيد غزاة..

سيتكسر زجاج ذكرياتك

على حجر الزقورات

ويندلق دم المعنى .

**

لأنك تحب زئير الشرفات..

وتشذيب نتوءات النساء

بمنجل..

وتبديد عطور الروح

في حفل وثني..

واعتقال متصوف

يطير بدراجة هوائية

فوق رؤوس الأشجار..

ستداهمك عاصفة كلمات

وتدمر كل رعاياك السريين.

**

لأن عينيك مهددتان

بغيمة خفاش..

وصوتك منذور للنسيان..

وحمامتك تتخبط

أسفل شجرات النص..

ملطخة بتبر الندم..

ومرآتك تختزن حطابا متواطئا

ضد غصون كتفيك المتلعثمتين..

سينطفئ عباد الشمس

في نبرتك الحزينة..

ويسامرك نيزك

مقطوع الذيل .

**

لأنك جثة قادمة على مهل

تتحسس قاع الهاوية..

حيث يتغنى أهل الكهف..

وتدور عليهم ثعابين مهذبة

بكؤوس من فخار الموتى..

سيرشقك جباة ضرائب

بفواكه متعطنة..

تنساب دموع الكلب الرابض

بالوصيد..

لتضيئ مخيلة الراعي..

ويكون لشقشقة مفاتيح الروح

ايقاع كروان في الأسر .

**

لأنك رخ  في الليل..

ومجرد دخان عابر

في النهار..

لأنك رسول أنيق

يهيب بخفافيش محنطة

الى شن مظاهرة

في برج النار..

ستبايعك تماثيل معارضة

اختلسوا رواتبها

في حرب قذرة .

**

لأنك مهجوس بعطارد..

عيناك لا تنطفئان في غلواء

العتمة..

روحك الشاهقة جدا..

تهاتف فلكيين..

يبكون جوار كوكب رأسك..

لذلك ستحط بلابل ملونة على كتفيك..

وتنكسر جرار الأسرار .

**

لأن الموت قناص ماهر..

لأن الديانات مثل فواكه جافة..

لأن الله يسكن مثل تينة متعفنة في حديقة رأسي..

لأن الجسد لص متحيل..

تلاحقه ديدان الأرض..

والشيطان يتمدد في الكلمات..

لأن العالم انجاز سيئ..

ومنحدر صخري

مكتظ بالأضداد..

لأن العدد وحشة..

والغابة أنس ..

سأفر الى شجرة ..

مثلي تعاني  من وطء السهو وكوابيس النوم..

ولاجدوى الأشياء

وتموت ببطء .

**

لأني اكتشفت عورة السماء..

رسلا يصطادون في نهر اللامعنى

ملائكة تستمني في مرحاض عمومي..

سريالية أشياء العالم..

لأني اكتشفت كرسي الله الشاغر..

حيل الأنبياء في مناماتي المكرورة

سرديات البابا المشبعة بروح الشعر

وايقاع البراقماتيزم..

هشاشة تفاحة آدم القذرة..

جحيم المتصوفة الليلي..

قبح بومة الجسد..

**

لأن مخيلتي سمكة نادرة

في فم ثعلب الميتافيزيق..

لأن الماضي جبانة

والحاضر أكذوبة كبرى

والمستقبل دلو مثقوب

لأن صوتك دراجة الكلمات الملعونة

لأن بابك مليئ بزعيق الغابة..

سريرك متخم بياقوت النساء..

لأن يديك جناحان عمياوان..

رأسك علة هذا البؤس اليومي..

قطار يهرب في الليل

الى براري الغيبيات..

رأسك جريمة كبرى..

**

لأن البشر قذرون

جديرون ببركات طائرة حربية..

بزيارة زلزال متوحش..

يلتهم قمح هواجسهم ..

جديرون بابادة جماعية في أقاصي النوم..

جديرون بهدايا فاخرة جدا

مثل حريق هائل في قش اليوطوبيا..

**

لأني مسافر ضرير ..

حقيبتي صخرة سيزيف  وأطفالي لم يولدوا بعد..

ظلي يبكي بجواري مثل أرملة..

ذاهب الى هاويتي ..

بدمعتين من الماس وصلاة هشة

وحصتي من المتناقضات لا تحصى..

لأني سأرتكب نسيانا بريش أسود..

صمتا بألف شاهدة..

تاركا خلفي أسمال اسم عدمي..

**

لأن المرأة ذئبة شريرة

تخطط لاختلاس طيور الرجل

لاشباع وحش غريزتها

وحش الموت الرابض في المرتفعات السرية..

لأن الحب غلطة كبرى

الجنس جريمة عبثية..

لأن باب الحقيقة مغلق

محاط بأليغوريات اللامعنى

قررت اهداء رأسي

لمشنقة الماريخوانا .

***

فتحي مهذب