صحيفة المثقفيـَمَّمْتَ وَجْهكَ شَطْرَ الغيْبِ مُنْتَحـِبا

         فأشْرَقَ الـنُّورُ في الآفاقِ واخْتَـضَـبـا

لمّا سَرتْ بكَ أشْواقُ الخُطى عَـبَقـتْ

           منْ ظلِّ وجْهِـك أشْذاءُ النُّهَى كُثـُبا

ذا طيْــرُ قَـلبـِكَ قدْ رَفَّـتْ جَوانِحُه

        يمْضِي بشَـوْقٍ إلَى الآفاقِ َ مُـغـْتَــرِبا

يَعْقوبُ قدْ أُطفِئتْ عَـيْناهُ واجْترَحَتْ

           والدّمْعُ فتّتَ حِجْر الجفْنِ مصْطخِبا

تَـعَـلّـقَ الـقَلْـبُ بالأصْداءِ مُـعـْتَـمِـرا 

        منْ بئْرِ يُـوسَفَ ضَجَّ النُّورُ مُـلْتَـهــبَـا

عَلَى جَبِينِك آياتُ الرِّضا نُسِجَتْ 

         مـثـلَ اللَّآلِئِ يـَذْرُوهَا الـدُّجَى شُهُــبَا

حتّى مَتَى عبَرَاتُ الصَّمْتِ تَذْبَحُنا

       تَـهْـمِي بِـمُـغْـتــَسَــلٍ أعْـتَــابُـهُ قـَصَـبـا

يا جَمْرةَ الدَّرْبِ هلْ في الدَّمْعِ تسْلِيَةٌ

           كَلَّ الـطّرِيقُ وَمَاءُ الـفجْـرِ ما تَـعِـبا

قدْ كُـنـتَ فـيـنَا نبـِيّا ظامـِئًا قـلِـقـا

          لا تَرْتـَقـِبْ قَـبَـسًا لـوْ غَامَ أَوْ غَـرُبَـا

علَى الرّمادِ نسَجْتَ الظلَّ مسْتَعِرًا 

          عـيـْناكَ جمْرٌ وَجفْـنُ اللَّيـْلِ مَا حسَبَا

وأنتَ أنتَ نبيُّ الصّمْـت تَقْـرَعُه

          شدْوا يَخُـبُّ فيَجْنـيـهِ الـلـّظَى رُطَـبـا

يا شَهْقةَ الطّين قد أوْقَدْتِ أوْرِدَتي

          شمْعًا كَفيفًا علَى الأعْتابِ مُضْطَرِيا

بأيّ ذنْبٍ وأدْتِ الشَّوْقَ مِنْ صُحُفي

            بأيّ شَـوْقٍ طَويْتِ الـدّمْعَ والهُـدُبـا

يا سَامِريّ الشِّعْرِ خَطْوي الآنَ مُرْتَبكٌ

             أطْلقْتُ قافـيَتي فاسْتَمْطَرَتْ سُحُـبًا

يا نبْتًةَ الرُّوحِ ذِي أصْدافُ ذاكِرَتي

       قدْ أوْرقَـتْ كَجِـرارٍ تـصْطَـلـي لَـهَــبــا

لمّا وقفْـتُ بـبابِ القـلْبِ أَطرقُـهُ

        أسْتَـوْقـِدُ الصَّبْرَ أسْـتدْنـيه مُـحْـتَــسِبـا

أسْرَى بِيَ البيْنُ لمْ أفْـهـمْ إشارَتَه

           لكنَّ ريحَكِ عُـشْبُ الرُّوحِ مُخْتَضَبا

أنْتَ الذي سُفِـكَتْ أشْوَاقُهُ مِزَقا

           أنْت َالذي نغَبَ الأَحْـزانَ مَا شَـرِبَـا

ذَا نمْلُ صمْـتِكَ  فٍي أضْلاعِ قافِيَتِي

           قدْ بَاحَ شَوْقًا فَمَـا أَفْـتَى ومَـا كَـذَبَـا

      ***

الشاعر التونسي شكري مسعي

 

فتحي مهذببعد طرد روحها الجريحة بمكنسة..

بعد موتها الكوميدي الأسود..

وهروب الأب على (دراجة رملية)

إلى مرتفعات الجنون..

مخلفين حفرا عميقة في كلماتنا ..

كيسا مليئا بوعود زائفة..

شجرة وحيدة تتكلم مع ظلها في المساء..

حمامة مطوقة تحمل بريد العائلة المنكسرة إلى الله ..

مرآة كبرى لاستقبال رواد فضاء..

كائنات مرآوية لقنص كوابيس الحديقة..

صرنا غريبن أنا وأخي الأحدب الضحاك ..

ومن شدة الوحشة كنت أعوي..

لعل عروس البحر ترق لحالنا

فتجيء في مركب ذهبي..

إلى حجرتنا الصغيرة..

لعل الله يسحبنا بأحبال شفيفة

إلى عرشه ويمنحنا الفرحة والغفران..

غير أن ذئبة شقراء فاجأتنا..

ذات ليلة موحشة جدا..

صارت ترضع شقيقي الأصغر

وتسمعه فواصل موسيقية

لينام مرفودا بنور البركات..

تملأ بيتنا بفواكة نادرة جدا

شرائح لحم الغزلان..

وفي أولى خطوات الفجر

تتبخر مثل ضباب عابر..

تاركة عطر الغابة على الكنبة..

لما إستوينا على سوقنا

إختفت في صقيع البراري..

تبارك إسمك يا أمنا الذئبة

وقدس سرك الأبدي .

***

فتحي مهذب

 

 

تواتيت نصر الدينالإهداء: إلى كل أولئك الذين ركبوا البحر، بحثا عن الحياة الكريمة والأمن والآمان خارج أوطانهم


ودعت بلا دك يا ولدي

وركبت البحر بلا سند

**

من زاد الدّهر لك أمل

والصبر المفعم بالجلد

**

وركبت الموج تعانقه

وتعانق حلما عن بعد

**

هل كان البحر لك قدرا

أم حلما ضاع مع الزبد؟

**

ودعت الأهل فهل تدري

أحزان الوالد والجــــــدّ

**

وصغار كنت لهم سندا

في وقت المحنة والنكد

**

عانق أحلامك ياولدي

واجعلها تزهر كالورد

**

أوطان المجد لنا سكن

ولباس العزّة والمجد

**

أنسيت بأنّ لـــك وطنا

وحبيبا يحرق بالوجد؟

**

أرزاق النّاس مقسّمــــــة

من ربّ الكون على العبد

**

فعلام تجازف مرتزقا

لبلاد الغال أو الهند..؟

****

 تواتيت نصرالدين - الجزائر

 

 

بن يونس ماجنمن كثرة النياشين

والاوسمة

احدودب ظهر الجلاد

2

اشارات المرور

تنحني امام

الكراسي المتحركة

3

عاريات فوق المنصة

يتبخترن

مع عارضات الازياء

4

في هذا الزمن الوبائي

في بصيص العتمة  يستحم

الخفاش الصيني

5

ثمة غراب

يتامل وجهه في مراة

تحت جنح الظلام

6

وهكذا دواليك

دون سابق انذار

تطل علينا  الجائحة بعد غياب طويل 

7

في زمن الكورونا

الكل مكمم

حتى المنقبات

8

في اوج الصيف

تمر غمامة حبلى

يتضور السراب عطشا

9

مخطئ من يعتقد

ان اللون الاسود

ليس له ظل

10

ومخطئ ايضا من يعتقد

ان قوس قزح

يغار من الحرباء

11

في زمن كبت الحريات

الطغاة يخرجوننا كرها من بيوتنا

وفيروس الكورونا يزج بنا طوعا في منازلنا

12

الساعات الذائبة

لسالفادور دالي

هي مسالة وقت ليس الا

13

ملثمين بالكمامات

لا يتقنون لغة الاشارات

صم بكم بصرخة واحدة

14

العزل الصحي

او الحبس الطوعي

اين اقضي الليلة؟

15

ممتطيا ساعة المستقبل

اختلس بعض الوقت الضائع

من ذاكرتي الضالة

16

تحت جلودنا

يتناسل الانسان الالي

لقاحات وشرائح الكترونية

17

ايها الفيروس الجائح

تنح جانبا

لقد تفشى الصهاينة العرب

18

احتفالية ازاحة الستار

عن تمثال الزعيم المقبور

لماذا يختفي الراهب في صومعته؟

19

طفلان يتعاركان

تحت أنظار فراشة ونحلة

لعبة الغميضة

20

هل سمع فيروس كورونا

عن جبروت امريكا وغطرسة امريكا

فثار حانقا منتقما؟

***

بن يونس ماجن

 

 

 

البشير النحلي1- إلى الأوّل:

ارْكَبْ حِمارَكَ

وَاقْتَدِ الْجَيْشَ الْعَظيمَ لِمَعْرَكهْ

رَصِّعْ بلاغَتَكَ الْرّحيمَةَ بِالسِّبابِ وَسِرْ رعاكَ اللهُ في صًمَمٍ وَكِبْرْ

وَاحْرسْ حُدوداً لِلْقبورِ

وَحَفِّظِ الْمَعْنى الْوحيدَ

وَخَوْزِقِ الْأُنْثى

الْحياةَ

بِما يَليقُ

بِمُشْرِكَهْ

***

2- إلى الثّاني:

في إِثْرَ كَلْبِكَ

سِرْ حَثيثاً كي تَصيد تَهافُتاً عِنْدَ الْقُدامى

وَاكشِفْ عَماءَ الْنّقْلِ في دارِ النّدامى

واحْرصْ على حِفْظِ التّطابُقِ

باسْمِ عَقْلٍ جامعٍ بَيْنَ الْأنامِ

وَسَفِّهِ الْغَيْرَ

الْمُبايِنَ

بِالْهَوى

وَبِفَذْلَكَهْ

***

البشير النحلي

 

سعد جاسمهل الشعراءُ

حُرّاسُ بيوتِ الكينونة؟

أَمْ هُمْ أُمراءُ الكلام؟

*

هل الشعراءُ

صاغةُ ذهبِ المعنى؟

أَمْ انهم رعاةُ الكلمات؟

*

هل الشعراءُ

  صيادو جواهرِ الخيال؟

أَم فرسانُ عرائسِ البحار؟

*

هل الشعراءُ

بستانيو فواكهِ الأَمل؟

أَمْ حكماءُ منافي الأَلم؟

*

هل الشعراءُ

عازفو ناياتِ الشَجَن؟

أَمْ هُمْ الذينَ

 يُموْسقونَ قصائدَ الحنين؟

*

هل الشعراءُ

عُشّاقُ الأُنوثةِ والجمال؟

أَمْ أَطفالُ الابدية؟

*

هل الشعراءُ

أَنبياءُ الوهم؟

أَمْ مُهرّجو البلاطاتِ والمجالس؟

*

هل الشعراءُ

صعاليكُ الأَحلام؟

أَمْ مجانينُ الحقيقة؟

*

هل الشعراءُ

شياطينُ الأَرض؟

أَمْ ملائكةُ السماء؟

*

هل الشعراءُ

 ملوكُ الرؤى والطقوسِ؟

أَمْ انهم الغاوونَ

والمطرودونَ دائماً

من المدائنِ الفاضلة؟ 

***

سعد جاسم

1-2-2020

 

 

سردار محمد سعيدمس ّ ضوء عينيك نهايات المآذن

فرّ الحمام

أبو نواس فرغ كأسه العاشر

كرع آخر الغبوق و ليبدأ الصبوح

فعنان بدأت تستحم

علامَ تبحثين عن هاروت

فات الأوان

أبو عبد الله يبكي ضياع غرناطة

يبكي على ملك فُقد

لا تغلقي الأبواب عنان

كل باب فُقد

وباب السماء من يتجرأ على غلقها

قابيل

ذو القرنين

ابو لؤلؤة

بن ملجم

الحجاج

بو معرافي

الطرف الثالث

وللنخل طبع الإشتهاء

تمعني كيف يهنز السعف في مرايا الماء

كُتب على حقلي الإنتظار

صرت كالعرجون القديم

بحق السماء

بحق كان ويكون

ألا تسمعين خفقة جناح الطير الذبيح

هم لا يسمعون

شهقة الريح

غادرت مواقعها النجوم

ولا يقسمون

إذن لنرثي الشقائق

توالى توافد الأحزان

تهشمت نوافذ الأمل

لديك غصون الأقاح وكنز الجمال الصراح

رفيف الفراشات وأنسام الوهاد

وطين السواقي ونبض الجذور

طقوس الحريق ووخز اللهيب

أعرف كيف انهمرت الدهور

سملوا مقلتينا

عبثوا بغصنينا

علقوا الفرح فوق راياتهم

شربوا نخب انتصارهم على قلبين افترقا

فاضت الأغاريد إذ غاضت الينابيع

ريحانتي

يا مثقلة الأسى

ووجع الخلايا

وقهر الحشا

نحيب الثكالى

دموع اليتامى

أيام العداد

ولسع الثنايا

لك الصبح

أليس الصبح بقريب

ولي المساء

أليس الظلام ضياء العاشقين

أيها الأنين تمهل ، تمهل

وكفاك غرز المسامير

والله نحن المساكين

والضعاف

حل بنا الجفاف

سدمارب تهدم

جُرفت ضفاف

أعُذريّ يُنصح بالعفاف

إذن ماذا يقال للثالثة الأخرى مناة

أنبجس منك ومني تنبجسين

من بذرة واحدة ننبثق

وفي كاس واحد نمتزج

أتدرين ما الحقيقة

كنت ثمار البساتين

ريّا الرياحين

صوت الخرير

ونسمات الجنان

يانعة بكل الفصول

قولوا ما الذي بين سيف وغمده يحول

بين الفرس والفارس

بين الثقب والرصاصة

الفراشات ترقبني

تحصي القبلات

الضائعة على الرقاب والنهود

وشتى الجهات

نافست بعضها بعضاً

فواحدة على سفح وأخرى في ذروة الجبل

وثالثة أسفل الواد

تراود بابل بغداد

كأن البعد بينهما تمدد

قطعوا الجسور

ذبحوا الهواء المورد

وجهي صار أجرد

كانت مجرتي تمور 

وأفلاك بمداراتهاالأقمار تدور

تدور

ندور

دوران خصرك النحيل

وكنت أشد سخونة من فتيلة القنديل

وبرودة الماء السلسبيل

كنت نخلتي السحوق

وأنا شهقة البروق

كُتب علينا أن نكون كالخشب

أحجاراً في صمتها يُستعذب الرنين

رباه حتى مَ هذا السكون

أهلاً ملك الموت

فلتغلقي الجفون

منون 

منون

منو

من 

م

***

سردارمحمد سعيد

اربيل

 

 

عبد الناصر الجوهريأنتَ أخْفيتَ متْنَ الحقيقةِ عنِّي،

وسلَّمْتني للمنايا،

وأغْلقْتَ كُّلَّ السُّبلْ

أنْتَ ورَّطْتني في صراعٍ لعولمةٍ

طويل الأجلْ

الخفافيشُ في " الصِّينِ " مُنْذُ قديم الزَّمان،

ومنذ تسوَّق شعْبٌ يزاحمكَ الآن،

إنَّ "طريقَ الحرير" اكتملْ

ليس فيروسُ طيرٍ تنقَّل؛

حتى يُسمِّمَ حلْقي،

ويُدْفن جسْمي،

وفي القبْر لا يُغْتسلْ

كيف يُغْلِقُ في رئتىَّ التَّنفُّس؟

لم أستطعْ بالأدلَّةِ جمْع التَّقارير،

من غُرْفةِ الإلتهابِ المُصنَّعِ

أو أُنْتشلْ

أنا في آخر الأرض؛

كيف إلىَّ انتقلْ؟

بينما شركاتُ الدَّواء غدتْ تشتهي رئتي

تغوَّل مَصْلٌ لها،

واشتعلْ

وأنا في مُواطنتي الأعْزلُ، المُبْتلى،

الكائنُ المُعْتدلْ

أنْتَ تجرِّدَ منِّي العِناقَ،

تجرِّدَ حتي القُبلْ

كيف تمْنعني أن أصافحَ دفْءَ الأحبَّةِ،

والشَّوقَ،

والهَوَى المُعْتقلْ؟

وتُحاصرُ فيَّ ارتجال القريحةِ،

تحظرُ تنْغيمَ قافيتي

وتحْظرُ نعْلي،

وخطْوي،

وعقلي كريم المُثلْ

كيف تخشى الحبيبةُ فيَّ مواني الغزلْ

كيف أخشى سُعالاً؛

ولو حَلْقُ حنْجرتي ذبُلْ؟

كيف تُفْزِعُ صدْري،

لدىَّ تحاولُ طمْسَ الأملْ؟

ما الذي قد جرى،

والجوائحُ تنشر فينا الهلعْ

مِنْ جذْوري أنا أُقْتلعْ

وأُخزِّنُ زادي،

أخزِّنُ أجولةً لهمومي بقلبِ السِّلعْ

ما الذي قد جرى؟

علَّهُ فرَّ  خُفَّاشُ معْملكَ المُتخفَّي؛

لكي تفْضحكَ الصَّفقاتُ،

وكل مزادٍ عليكَ رسا،

بين مُخْتبرٍ قديمٍ بنفس القوارير كان قُتلْ

فالنِّقاياتُ قد أينعتْ  شكَّلتْ ذروةً لوباءٍ،

وما ادَّخرتَ جهدًا لوقف احتباسي الحراريِّ،

لكنكَ الآن

وسط حرب الهواتف كم تتشغلْ

في كويكبنا

تسْتبيحُ النِّفاياتُ وجه الفضاء، البحار، الغدائر

يا أيُّها المُتمادي كفى،

واعْتزلْ

فمعاملُ بحْثكَ تخترع اليوم للناس أىَّ لقاحٍ

على فأْر تلك التَّجاربِ؛

تُفْلتَ صيْدًا فشلْ

والمُمرضةُ المُتقاعدةُ الآن عادتْ لمشفى المدينةِ ؛

كيما تسدّ - هنالك - عجْزًا،

وذعرًا بوقت العملْ

يتعافي الصَّباحُ

رويدًا،

رويدًا؛

ليخرجَ من أجْل بدْء التَّسوُّق؛

يهربُ، ثمَّ يعود لخيمته لو نزلْ

إنَّ قصَّابَ تلك المدينة يمسكُ سيقًا،

يُلوِّحهُ في وجوه العوام،

وما زال  يخطو إلينا ثَمِلْ

لم يكنْ قمري وحدهُ هدّهُ الخوفُ،

كل النُّجيماتِ

أدْمي بُكاها المُقلْ

ثمَّ تأتي عصافيرُ حُزْني

وتنْقرُ كل زجاج النَّوافذِ حولي

تداعبُ حتى انعكاس الشُّموس الخجلْ

كيف بين شفاهي تموتُ الحروفُ،

وكيف يُكفَّنُ فىَّ المجازُ عباراتِ وصف الجُملْ

كيف أغفرُ جُرْمكَ،

أو ثأر جُرْثومةٍ

بينما قد عزلْنا ملايينَ قبل قدوم الهلاكِ،

وبعض الهلاك امتثلْ

إنني ما أزالُ حبيسَ الدِّيار،

ومُعْتقلًا بين جدران ذاك المللْ

أنتَ حضَّرتَ عفْريتَ حتْفي

ولم تصرف الموتَ عنِّي،

وعن منزلي المُعْتزِلْ

لو فررتَ بجائحتي نحو فرض العقوبات

لست ستربحَ من بورصةِ المال كل التداول

أو تُرهب الكونَ،

أو تستبيح النُّزلْ

وخلايا دمي في انخفاض شديدٍ

تعاندُ فيكَ تسلْسل جين الهُويَّةْ

كيف تصيرُ علينا وصيًّا بأسلحةٍ للدَّمار،

و"فيتو "،

وقُنْبلةٍ نوويَّةْ

أنْتَ ضحيَّةُ فيروس مثلي 

كلانا ورا اصبعيْهِ توارى،

وفي حَجْرِهِ يعتزلْ؟

أنتَ مثْلي لجائحةٍ تمتثلْ

أنْتَ ما انقذتكَ صواريخُ فجَّرتها

لاختراق الحُصون،

وردْع وحوش الجبلْ

خاسرٌ أنتَ

لستَ ستصبحُ بين الملاحم،

بين الدُّنا

خارًقًا،

أو بطلْ

أنتَ مكَّنتَ - منِّي – عدوِّي الوَبَاءَ،

وفاتِكَ كوكبنا المُحْتملْ

لسْتَ تحْكمُ كوْني ؛

هَوَ اللهُ يحْكمُ مُنْذ الأزلْ.

***

شعر: عبدالناصر الجوهري - مصر

 

محمد المهديسَماؤُكَ أيّها الآتي

تُنذِر بنهايات اليوم العميق،

و تَنثُـر بُشرى السّماء

على ضِفاف الطريـق..

و أنا أرقبُ خلف السّاعات

مَصائر الأحــــــلام،

و تَواري الأمس الغَريق ..!!

هناك حيث المساءات تَـنْأى،

كُلما تَدَنّى قُرص الشّمس من العيون،

و انحنـى بَـهاء المغيب على الجفون .

هناك حيث المسافات تَنغمِس

في أُتون الخطى الوئيدة.

و تَستبِـدُّ الرّعشة بالأنامل العنيدة.

وكلما هَـمَمْتُ باحتجاز البَوح على الأوراق،

حيث ينطِق الصمت و تنفَلِت الأشواق،

سَأنْسُـج طَـيف الحكاية

من شَذى الفَجر المُوفِ على الساحات..

و أَفُــكُّ شِفْرة البوح الوليد،

لأُجْلي الحقيقةَ عن وَقْفِ الآيـــات،

و أمسَح مِنْ عَلى جَبين الوطن

بُؤسَ الـوُلاةِ و أَدران الزُّنــاة .

لست أشكو اغْتِـرابي و صدودَ الحياة .

فقد تَدَلّـى ما تَبَقّـى من عَناقيدِ الرّبـيع

المُسَجّـى على أعتاب الخريف.

و حُطامُ الأملِ تَـذْروهُ الأيّــام،

و تُرتِّـــلُ على مبسِمه السلام.

يَتهادى كالرّيح المُرسلة

إذا ما أَذِنَ الخريف..

أو طاف على الطّلَل طائفٌ من الرّصيف،

يُمَرِّغُهُ الرّغيف عَرَقا ..

و يَنْقادُ إليه الوَجع .!

دُون كَـلَلٍ يُسابقُ التّعب اليوميّ

حِين يَنْثال كما الأحلام..

أو سراب يَنسِلُ عبر العُيون،

أو خَيبات تَحفِر لُحودا للظّنون .

***

محمد المهدي

 تاوريرت – المغرب

 

عبد اللطيف الصافيالْبَحْرُ صَامِتٌ هَذَا الْمَسَاء

وَ الْمَوْجُ مُسْتَلْقٍ عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ

يَنْظُرُ فِي الْفَرَاغِ

يَحْتَسِي ضَبَابًا عَابِراً بِلَا طَعْمٍ

الصَّيَّادُونَ عَالِقُونَ فِي شِبَاكِهِمْ

يُقَدِّمُونَ سِيقَانَهُمْ وَلِيمَةً لِأَعْشَابِ الْبَحْرِ

وَيُغَنُّونَ مُبْتَهِجِينَ

يَا طَيْرْ بِحَقْ السَّمَا الْعَالِي" ..

*تْلِمْ شَمْلِي وتَجْمَعْنِي بِالْغَالِي".

أَمَّا أَنَا

فَأَجْلِسُ الْقُرْفُصَاءَ

عَلَى صَخْرَةٍ صَمَّاءَ

أُرَاقِبُ الرَّمْلَ

يَزْحَفُ بِبُطْءٍ نَحْوَ الْمَاءِ

وَأَنْتَظِرُ مَدَّ الْبَحْرِ مَتَى يَغْمُرُنِي

يَتْرُكُ زَبَدَهُ

قُبُلَاتٍ مُشْتَعِلَةٍ عَلَى خُدُودِي

تُقْبِلُ عَلَيْهَا حُورِيَاتُ الْبَحْرِ

تَصْنَعْنَ مِنْهَا تَمَائِمَ لِأَعْرَاسِهِنَّ الْقَادِمَةَ

أَوْ مَآتِمَ لِأَحْلَامِهِنَّ الْمَوْؤُودَةَ

ثُمَّ تَلْقِينَ بِي لِلْمَوْجِ

أَطْفُو كَكُتْلَةِ نَارٍ عَائِمَة

يَنْشَقُّ قَلْبِي عَنْ حُلْمٍ جَمِيلٍ

أَحْرِقُ كُلَّ رَسَائِلَ عِشْقِي الْقَدِيمَة

أَتْلُو آيَاتٍ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ

وَسُورَةَ مَرْيَمٍ

ثُمَّ أغُوصُ عَمِيقاً فِي حُلْمِي

وَحِينَ يَنْبُتُ الْمَحارُ بَيْنِ ضُلُوعِي

تَهُبِّينَ كَعَاصِفَةٍ فِي دَمِي

كَأَنَّنَا نُولَدُ مَعاً مِنْ جَدِيدْ

حِينَئِذٍ

يَعْلُو صَوْتُ الْبَحْرِ الْهَادِرِ

يَسْحَبُ الصَّيَّادُونَ شِبَاكَهُمْ وَهُمْ يُغَنُّونَ

"الْبَحْرُ طَبْعُهُ الْكَرَمُ وَعَزِيمَتِي حَدِيدْ"*

***

عبد اللطيف الصافي /كلميم – المغرب

.......................

* من أغاني البحر الفلسيطينية

 

 

زينب ساطع عباس(قصص حقيقية من روح الواقع المعيش)

(شموع متجددة وارواح تعيش لغيرها)*

المقطع الاول

لم تتحرك السيارة التي جاءت لتقله من باب المستشفى لبيته، فقد طلب من صاحبها الانتظار قليلا حتى يصل الطلب الذي اشتراه في الانترنيت، وما ان جاء وسلمه الطلب بعلبة حتى دسّها في جيبه بسرعة واعطى الشخص سعرها واكرم من أوصل الطلب بمال مزيد عن حقه.. ثم استعجل السائق الانطلاق لبيته.. وما ان تحركت السيارة حتى حرك رأسه لمسند الرأس الذي بدى له كوسادة طرية، محاولا اصطياد اغفاءة وجدها ستخدمه كثيرا إثر التعب والجهد الذي لاقاه.. فقد ظهر بجسده الضعف والهزال وكل الذي يريده الآن الوصول لأمه، أبيه، أهله، الناس المقربة منه.. كان قد مضى على بقائه هنا شهران كاملان حاول أن يبذل فيه من التعب والجهد بطاقة مضاعفة حتى حدث ما حدث..

- علاء فدوة اروحلك، لا تذهب أرجوك، تعرف اني سأضيع بدونك كيف قررت تركي بهذه السهولة وفي ظل هذه الظروف التي يبقى جميع الناس مع عوائلهم

- أعرفك قوية فلا تظهري الضعف أمامي، وتكونين معيقا لما نويت فعله بل صممت عليه، اتفقت معك من قبل زواجنا بأن حياتي ليست ملكي ووافقت على طباعي فلا تنكثي وعدك ولا تقيدي حريتي .

- فليذهب وعدي وعهدي لجحيم الشياطين.. انا لم اكن اعرفك لم اكن متعلقة فيك.. ذائبة باسمك فلا تستغل كلمتين قلتهما بوقت ماضٍ

- لقد وعدتني بتقبل فعالي كلها .

- وها أنا انكث بوعدي ولا انكر.. أبق معنا

- آسف

- اذهب لكنك حين تعود لن تجدني، وخير لك تطليقي قبل ذهابك لأني اخيرك اما هم واما انا

نظر لها نظرة خيبة وتمتم:

- انت لست زوجتي زينة الرقيقة التي احببتها وحاربت الجميع لتكون لي، انت شخص قاسي

- أنا شخص أَحَبَك، ووضع عمره تحت قدميك

- حاشا لله.. انت نبضي بقلبي وروحي، وانا الأدرى ان قلبك ارهف مني لحب الخير فلا تهولي فعلي..

المقطع الثاني

كان يداري خوفه من كلماتها وقد اخترقت صدره، لكنه تجلد وتظاهر باللامبالاة وخرج من الغرفة عابراً صالة البيت وصولا للحديقة حتى وجد امه وقد قفلت الباب، وقالت:

- يمه علاء.. كنتُ أملي نفسي بأن تمنعك زوجتك وتوسلاتها ولكنها فشلت لهذا انا اقول لك اني غير راضية على خروجك وتبرعك للخدمة، بإمكاننا ان نتبرع بمال او بخدمة غير مباشرة لكن تذهب لخدمة ناس مرضى بمرض لا نعرف علاجا له كيف تريديني ان اتركك تذهب .

وكأن صدره الذي غرزته زوجته قبل قليل بدموعها كان غير كافٍ لتعذيبه، لتأتي دموع والدته فتزيد الحطام عليه.. قال:

- انا تربيتك يا امي.. انت وابي علمتماني ان لا أتأخر من إغاثة شخص.. اني اشعره واجبي الشرعي والاخلاقي لذا ارجوك اعطني المفاتيح لأخرج لأنك تعرفين ان بإمكاني الصعود على السياج والذهاب، وبيد مرتجفة سلمته المفاتيح التي أخذها بسرعة وفتح الباب وخرج.. لم يسلم عليها كانت دموعه على وشك الانهمار ولا سبيل للضعف الآن..

خرج . وفي الباب وجد والده.. حضنه بقوة واملى عليه والده مباركته لعمله بتطوعه لخدمة المصابين.. قائلا له

- ستكون وسط ناس كثيرة، ربما سيحبوك لكن ايضا هناك ناس ستحاربك فكن قويا ولا تهتم لكلام من يريدون اذيتك .

تذكر وصوله للمستشفى وكيف كان عدد المصابين خمسة فقط، وكيف تعرف عليهم بسرعة واعطى رقمه لكل مريض ولكل مشتبه به قائلا مقولته المعتادة:

- اخوكم علاء.. اتصل بي في أي وقت تحتاجني، وقتي كله لكم

المقطع الثالث

ان تكون معاون طبي في ردهة العزل، يعني ان تكون مملوكا لهم، فلا خروج مسموح ولا زيارات ولا مقابلات ولا حرية في التجول في المستشفى الا وسط احترازات شديدة من لبس الملابس الوقائية تجنبا لهذا الفيروس المدعو كوفيد 19 (الكورونا).. ان الذين جاء لخدمتهم لم ولن يفكروا فيك، فالذي بهم يكفيهم، هلع ورعب وقلق شديد من القادم، لذا فالأمر ليس مسألة تلبية طلباتهم بل ورفع معنوياتهم كذلك.. يرى الكادر معه والاطباء الذين يبذلون طاقة عظيمة للحفاظ على روح المرضى والوصول بهم لسدة الأمن والسلامة فكان يشعر بسعادة غامرة لأنهم لم يكونوا يدا بيد فقط بل قلب على قلب.. ومع ذلك فنغزات قلبه لم تتوقف فلم يكن مؤمنا بعمله وهو شاعر بالذنب تجاه والديه وزوجته واطفاله، وتكفيرا عن ذلك كان يبعث لهم رسائل صوتية يوميا ويخفي تعبه وارهاقه حتى لا يشعروا بالقلق حياله.. استمر بهذا العمل شهران ونصف واثناء ذلك حدث ان فرغت الردهة وخف حملها، لذا سافر لمحافظة اخرى ليتطوع في خدمتهم بعد ان اخبره صديقه المعاون الطبي انهم بحاجة لمتطوعين..سافر وهناك تعرف على رجل ثمانيني طيب كانت حالته تتطلب تبديل جهاز التنفس باستمرار، ولأن المريض يجبر على ابعاده عن اهله فكان يشعر انه اهله والبقاء قربه واجبه، لذا كان حين يموت أحدهم يبكيه بحرقة وكيف كان يزيد الحزن حين يرفض الاهل ان يستلم الميت خشية الاصابة بالفيروس، نفسه هذا المريض الذي كان يتوسل به ان يجد طريقة ليرى فيه اهله.. ما اتعس تلك الاخلاق التي تجعل الانسان يبتعد عن أحب الناس لقلبه.. أتراها لعنة المرض الحارقة او ضريبة التعب الضائع الذي بذله الوالد على أولاده العاقين..

 المقطع الرابع

 بعد تكفين ذلك الرجل المسن رجع لمحافظته.. صعد لسطح المستشفى ودفن وجهه وراح يبكي:

- عمو علاء.. ليش تبجي؟

- حوراء شدسوين هنا.. ليش مو بغرفتك؟

- انتظرتك تجيني وما اجيت، دق بابا على تليفونك وجده مغلق، خفت كلت اخاف عمو عافني وراح

- انا ما اعوفك واروح، بس انت حتتركنا وتروحين

- لا عمو انا اريد ابقى يمك انت.. انت تسولف معاي هواية وتقرالي قصص

- لا حوري اريدك تطلعين وانت فرحانه وتلفوني يمك خلي بابا يخابرني بكل وقت

- يعني عمو انا لن اموت!!!

- كلنا نموت بس من تصيرين عجوز ويصير عمرك متين سنة

- مادام انا هالشكل طيبة هسه راح انزع هذه الكمامة خنقتني

- لا لا

وحين رأى فرحتها وانها تعدت مرحلة الخطر، لم يشأ أن يضايقها بلبسها فتركها تهنأ بحرية تنفسها العابق بأنفاس الجنة .وراح رغما عنه يفكر بالرجل المسن الذي مات قبل ساعة..

المقطع الخامس

يفكر ولا يهديه التفكير لمخرج.. فبوابة الانسانية التي كثيرا ما ألهمته اصبحت الآن تلتهمه وتستنزف طاقاته.. نبضه الحزين وأعصابه التالفة وقواه الخائرة راحت تعيد عليه خواطر يريد الهروب منها سريعا.. خواطر سرعان ما تحولت لحقائق وأهم حقيقة فيها:

ما أتعس العاملين في المستشفى!.. أطباء، صيادلة، مخدرين، مضمدين، منظفين.. هؤلاء مجبرون على رؤية عذابات الناس وأوجاعهم..واستماع قصص خوف تتغذى على القلق.. الناس خارج المستشفى تعيش حياتها بصورة طبيعية.. تخرج، تتبضع، تتخرج، تتزوج، تذهب لمكاتب العقار لتبحث عن أمور يزيد تعلقهم بالدنيا، وتحجز عند مكاتب السفر ومع كل ذلك تجدهم يتذمرون من حياتهم.. ولعل التذمر يزداد كلما ازدادت نعمهم.. أما نعمة الصحة التي تبيح لهم التحرك والتفكير الدائم بعيش حياتهم برفاهية وسعد فهي منسية تماما.. في المستشفى الناس مختلفون.. لا وقت لديهم للتذمر، لا وقت لديهم للشكوى لأنهم متعبون.. الأسوء من ذلك انه ليس دائما هناك من يزورهم باستمرار لطالما حين يكون الراقد ذا مرض مزمن أو رهن غرف الانعاش.. هؤلاء الناس المرضى ادركوا بعمق (نعمة الصحة) لذا وجهوا دموعهم وصلواتهم لطلب النجاة والمقاومة لعدم النزول لقبر قد يكون دخولهم له وشيكا..

هو الآن على يراهم ويعيش معهم.. فهو قرب خط النار بل سائر عليه فكيف لا يحترق فيه.. ما ارخص حياة البشر حين تكون طريقة إنقاذه علبة دواء صغيرة أو جهاز تنفس لعين شح وجوده!

ضرب كفا بكف وتمتم: ما العمل ومشاعري التي كانت مشاعلي لعمل الخير باتت خامدة جزوعة الآن!!!

وبلحظة لاح له وجه زوجته.. فبدت مثل حسنة جميلة وقمر وضاء وسط هذا العالم البائس... ما العمل وهي تركته!!!!

المقطع السادس

اتصل بها كثيرا فلم ترد!! هل يعقل ان تكون نفذت وعيدها لي بتركي.. محال.. هي اعقل من ان تتركني، فصدقها وعشقها لي يجعلها يتحملان عنادي وظلمي بتركها.. طيب.. لماذا لا ترد!؟؟

نعم هي مسؤولياتها كثيرة هي من تعتني بأمي وأبي وأولادنا الثلاثة فكانت الام والاب لهم.. حتما هي منشغلة.. اتصل عاشرا.. فكان الصوت مختلف اذ لم يرن الجهاز..بل جاءت رسالة بان الهاتف مغلق.. هزّ راسه كمن لا يصدق ما سمع من صوت اغلاق الجهاز.. حسنا.. عليه اتباع طريقة جديدة بالحديث معها.. هذه اول مرة تظهر بتلك القسوة!!

 خطرت بباله طريقة اخرى لمصالحتها.. قام بالبحث بمحال الصياغة عبر النت واوصى على ميدالية من الذهب حفر عليها اسمها (زينة)..

 وهنا ووسط سير السيارة تذكر العلبة التي تضم القلادة ففتح عينيه ودس أنامله بجيبه مستخرجا العلبة ليفتحها وهنا فاجأه السائق بكلامه:

- ما هذا يا عزيزي (كل هذا نوم) فابتسم علاء تاركا السائق يظن انه كان نائما بدل ان يخبره انه كان يعيش شريط المأساة من البداية بصمت.. ثم سأل:

- كم بقي من الوقت ونصل!؟

- فقط ربع ساعة

اومأ براسه واخبر السائق انه سيكمل نومه لكن الحقيقة انه اراد استرجاع ما مرّ من مجريات الأحداث.. تذكر بعد تلك الليلة وحين كان يسحب الخطى لغرفته بعد يوم طويل ومضنٍ رن جهازه.. ما ان سمع الرنين حتى فكر باغلاقه.. لكن لا.. هذه زوجته.. حبيبته.. روحه..

- روح قلبي.. ألو

- والله لم اسمع.. والجهاز كان مطفئ وبيد صغيرنا.. رسائلك اقلقتني..

- انا متعب، سأعود قريبا

- انت تمزح

- لا انا جاد، الو، هل تسمعيني

- انا لا اصدقك.. لكني سعيدة

- صوتك لا يقول ذلك

- مستغربة فقط

- صوتك أراحني جدا، ابقي تحدثي حتى انام..

المقطع السابع

وفي استقبال رمضان، ومجيء ايام كان يخصصها ليجوب حول فقراء المنطقة تراجع عن فكرة الرجوع، خصوصا بعد تأكده ان زوجته لم ولن تتركه، اصبح مكانه الآن مخصص لاستقبال الجثة أيضا، جثة المريض الذي لم تساعده مناعته على دفع المرض، جثتان، جثث كثيرة، بكورونا وغيرها هناك جثث وناس تودع الحياة، وهي لما تشعر انها عاشت الحياة بعد.. هو يرى الاموات ويضعهم بتوابيتهم ويدعو لهم.. تعامله أكثر الايام مع الجثث أكثر من خدمة المصابين والمرضى الراقدين المشتبه بهم.. ولأوقات طويلة كان يشعر أنه قريب للأموات أكثر من قربهم من الاحياء.. ولما عُرف بين طاقم العمل انه خدوم جدا فقد أوكلت له مهمة اخبار ذوي الميت بموته.. فكان عذابا مزيدا على عذابات أخر.. لذلك كان يشعر أحيايين كثيرة أنه ميت ينتظر دور تكفينه.. ولآلاف المرات تمنى أن يكون قلبه جامدا باردا تماما مثل ثلاجات الموتى التي تضم الجثامين وتغادرها تلك الجثامين وهي تبقى بدون تأثير.. الموت أمر معتاد على رؤيته لكن ما يطعن شعوره حين يكون الموت غير عادلا.. حين تأتي جثة لامرأة مقتولة لما يسمونه جهلا بغسل العار، او طفلة رماها والدها من سطح منزله بلحظة تهور مهولة، وشاب بجمال يوسف تم دهسه بسيارة مسرعة مع افلات الجاني.. تراكم الصور ومشاهد الجثث جعله يجزم قراره بالرجوع.. ولكن ماهي هذه الاعراض التي تصيبه.. لا يوجد شيء انه افلاونزه بسيطة.. لا.. هي معه منذ أيام وحشرجة.. لم يكن همه كيف سينجو!؟.. لكن كيف سيعود لأهله واطفاله واليتامى الذين يتكفل بهم.. مرت ايام عصيبة من القلق قام بتقنين حركته في المستشفى خوفا على سلامة الآخرين.. ومؤكد لم يكن هناك داع لإخبار والدته ووالدته.. زوجته ستنهار لو عرفت.. تعامل مع الامر بثبات قرار ورضا تام بقدر الله له بالمرض.. ولم تمض أيام حتى جاءت نتائج الفحص وانها سلبية وانه سليم معافى.. واليومان اللاحقان واصل عمله بزرق الابر.. فكانت منطقة يد المرضى وهي مثقبة كالغربال تصور له خريطة الألم التي يجب ان يعيشها المرض بحذافيرها ومواعيدها.. عليه الرجوع.. لا قدرة له على المواصلة أكثر .

المقطع الثامن

- الحمد لله على السلامة يا غالي.. نورت منطقتك وبيتك (قال السائق بفرح)

كان الاستقبال خرافيا.. كان الوالدان ودموعهما وحولهما الاطفال يتراقصون لعودته.. ابتهج بهم حضنهم بقوة.. بدا له ان ابنته الصغيرة قد كبرت بخلال هذين الشهرين.. قد اخبرته زوجته انها لا تنام الا وهي تحضن صورته.. فرح بهم.. لكن عيناه تدوران البيت لرؤية زوجته.. تساءل مع نفسه (اين ذهبت) وكأن امه شعرت به فهمست له:

- زوجتك نذرت ان لا تترك قراءة القرآن اليوم لحين وصولك بالسلامة، انها تنتظرك هناك.

وسط الاهل والاحبة والاطفال لم يكن هناك فرحة تعلو عليها.. لم تمض ساعة واحدة فقط حتى اتصلت به المستشفى، رسائل كثيرة من زملاء ومصابين يفتقدونه.. كان الجهاز بعيدا عنه.. بيد زوجته.. زوجته التي كانت ترتدي القلادة التي احضرها له والتي حفر عليه اسمها بعناية (زينة).. وبلحظة أنانية رغبت بحرق الجهاز.. بإغلاقه للابد.. باستحواذ زوجها لها فقط..

- استغفر الله (تمتمت) كيف افعل ذلك وحاجة الناس له نعمة من الله عليه.. كانت الرسائل تتوالى، والاتصالات تأتي وتسكت ثواني لتعاود طرقها باب انسانيته.. تحركت نحوه وابتسامة رضا زرعتها بمحياها وناولته الجهاز وهي تقول:

- عليك الاسراع، الناس هناك بحاجتك

- وانت ؟!

- معك بكل وقت، روحي ترفرف فوق خطواتك، لكني اقتنعت بان حياة الانسان بعطائه وانت قدوتي وسيدي والشمعة التي تتجدد مع كل عطاء وو وعليك الاسراع فالمرضى بحاجتك .

المقطع التاسع

عاد مبتهجا بما قضاه من ساعات قصار مع احب الناس لقلبه.. تذكر القلادة مع علمه ويقينه بعدم اهتمامها بشيء اسمه الذهب.. هي نفسها زوجته التي اعطت خاتم زواجهما لفقير قبل بضعة اشهر، فقير وقف بالباب باكيا.. وحين عاتبها باعطائها الحلقة لأنها شيء يخص زواجهما ردت عليه بكل برود ورضا:

- هو عند الله ابقى واثمر..

 ذهب وهو شاعر بفخره بزوجته، ذلك الفخر الذي كانت هي أيضا شعرت به وتعيش فيه، وسط حومة بكاء للبعد المرير .

 المقطع العاشر

انتهت القصة لكن حكايات خدمة الناس والسعي لقضاء حوائجهم لم تنته بعد.. وعلى مر الأيام يظهر لنا دوما ناس سيئة تكتم هواء المعرفة وتخنق صوت الرحمة بين البشر، لكن السوء لا يستمر دوما، فعلى صعيد طيب آخر يظهر ناس اتخذوا من الايثار وحب الغير هوية لهم..

***

د. زينب ساطع

.......................

* (انتحاب الجوري) هو عنوان كتابي القصصي الجديد، وفيه قررتُ ان تكون القصص جميعها من الواقع، إذ في الحياة الحقيقية قصص شتى أشد غرابة وأكثر مفارقة مما يمكن أن نتخيله أو نسرده.. وبالفعل كانت القصص (انتحاب الجوري) و(قلوب غير قابلة للكسر) و(حلمان على الهامش) و(إلتماع حجرة المينا) و(وشائج لا تنتهي) قصص قد تشبعت بأحداث رسمها خط القدر بمهارة، وليس لي فضل فيها سوى بطريقة السرد وانتقاء الكلمات.. لكن قصة:  (شموع متجددة) أرهقتني جدا لان الأحداث فيها متشعبة بشكل فوضوي، ومتعلقة بأكثر من شخص وبأكثر من مكان وبأكثر من ظرف.. متابعة اخبار بطل القصة لم تكن كافية لأعرف الكواليس، لهذا كان الوصول لزوجته وووالديه ضروريا لأكتب عنه وعن الظرف الثقيل الذي نعيش فيه بشكل أكثر دقة وأكثر صدقا.. ولا سيما انهم ابدوا تعاونا كبيرا بطلبي.. ارهقتني هذه القصة لأنها جعلتني اشعر ان الانسان كم يبدو صغيرا حين لا يكون معطاءً.. هل تصدقون لو أخبرتكم أن هذه القصة تعادل مئات النصوص التي كتبتها وتعبت بها.. لان المحور فيها ليس كيف يتخطى الانسان الصعاب ليعيش سعيداً.. بل كيف يفعل الصعاب ليجعل الآخرين سعداء!!!

وقبل نشر القصة كاملة اقدم شكري لأبطالها الذين وافقوا على كتابة القصة كما هي.. وقتا ممتعا أرجوه لكم بقراءتها مع خالص مودتي واحترامي..

 

 

سامي العامريشــــــــــغلَتْهُ الكؤوسُ عمّا يليقُ

بفتىً مثلهِ ،،، وطـــــــالَ النقيقُ!

 

فجموعٌ شـــطَّتْ، وغالتْ جموعٌ

وفــــــريقٌ صلّى، وعابَ فــريقُ

 

يا صِحاباً، إسماً علـــى لا مُسمّى

 أتُرى لا يَلْوح منكم شـــــــــفيقُ؟

 

كم دفعتمْ فاتورةً عـــــــــــن تحايا

ونقاءٍ ولم يصحَّ صـــــــــــــــديقُ 

 

ما خـــــــــــــــلا ظلَّه البهيَّ وأنّى

يطأ الأضــــــــــلعَ النسيمُ الطليقُ؟

 

 لا زَوَرْدٌ مـــــــــــن السماء بلونٍ

شابَهُ الــــــــغيثُ وانتشاهُ البريقُ

 

دَبَّ في نهره الشجا فاشتهى الموتَ

فنادى كما روى لــــــــــــيْ غريقُ

 

دَبَّ في دمعتيهِ، فــــــــــي وجنتيهِ

في وســـــــــــــــاداته التي لا تفيقُ

 

في خفايا خــــــــــــفائه اللاّ مُسمّى

كإلهٍ أنساهُ سُــــــــــــــــــكْرٌ عميقُ

 

ليـــــس غيرَ الندوب في القلب خِلٌّ 

عنده اليومَ، والفراغُ شـــــــــــــقيقُ

 

عنده مِـــــــــــن مآزق الفكرِ ما لو

عشتموه عَشَّشَ فيكم حــــــــــريقُ !

 

 بُغيتي العَومُ كالضــــــــــياء ولكنْ

بَشَراً كونيَ اقتضــــــــــى ما يُعيقُ

 

ورأيتُ الســـــحابَ يخرج من نايٍ

وعصْــــــــــــفاً بركبِ ريـحٍ يَحيقُ

 

 قلت للريح ما وراءك؟ قــــــالت:

 دون لَفٍّ أو دورانٍ، عشــــــــيقُ !

 

قلتُ لفِّي حـــــــول البحار ودُوري

وغــــــــــــناءُ الدُوريِّ فيك لصيقُ

 

 قالتِ الشمسُ قد تذيب مســـــامي

قلتُ كــــــــلا، فذاك عصرٌ سحيقُ

 

أنــــــــــتِ أبهى وإنْ تريدي فإنّا

نُكمِل البعـــــــضَ والزفيرُ شهيقُ

  

ثُــــــــم عادت فاستدركتْ بسؤالٍ

هل كبا الحقدُ؟ قلتُ حقدي رشيقُ

 

كحنوٍّ علـــــــــــى الحياة وأدري 

كــــــان قد جفَّ مثلما جفَّ ريقُ

 

عبثاً وعيُنا انتهى مــــــثلَ خُرْجٍ

بثقوبٍ ينثالُ مـــــــــــنها الدقيقُ ؟

 

لا دقيقاً نرى وســــاءت موازينَ 

وفكراً كدرب نملٍ يضــــــــــيقُ

 

ولتفجير كــــــــلِّ أوكارِ  ضَيمي

ليــــس يكفي البارودُ والمنجنيقُ !

 

ليتَ حُبَّ الجميعِ صــــافٍ وعارٍ 

عن ثآليلِ مَـــــــن مضوا وحليقُ

 

كتماســــــــــيحَ قد علاها فَراشٌ

فاســـــتكانت والجلدُ بضٌّ رقيقُ !

***

سامي العامري - برلين

مايس ـــــ 2020

........................

إشارة :

 استخدمنا في القافية هنا حرفيْ الروي الياء والقاف فقط مع جواز استخدام الواو والقاف أيضاً وهذا يسميه  قدامى النقاد لزوم ما لا يلزم وقد تقصَّدناه بالطبع.    

 

 

ياسين الخراسانيأنا عاشقٌ للثرى في يد السيداتِ

حديثي أعيدُ به زورقًا للمشيمةِ

كان العبورُ سريعًا إلى ضفّةِ النهرِ

لو أنزلتْني الجِراحُ إلى عُمقِ أوْردتي،

كيف تَحمل لي شرنقاتُ الربيع رِقاعَ الحريرِ،

أخيط بأشواك سِدرةِ أقصى السماءِ

ثيابَ السّذاجةِ

لو هرَّبتنا السنونو إلى وردةٍ في الخريفِ،

لأَحْيَيتُ أغنيةً للنساء:

هنّ خمسٌ من النجمِ

أظْللْنَ أرضَ البدايةِ

كنّ سماءً بلا عمدٍ

آنُهنّ قصيرٌ بلا أمدٍ

يَتحيّن ثعلبُ جرمٍ لياليهنَّ

وخمسٌ من النجمِ أبْصرنَ

غيبًا بلا رمدٍ:

قد تجيء إليك الأساطيرُ خاويةً

لا تكنْ غير أوليسِكَ الآن

أنت ضعيفٌ على وحشِ نفسكَ

لا تبدأ النّصرَ إلا بشارتهِ

ودعِ الدّمع يأخذ مجرى النّهايةِ …

مِثْلي يُحبّ الصعودَ على ظهرِ ريح الجنوبِ

أشدُّ على إخوتي الصّابرينَ على غدْر غيمٍ

يُخاتل في أبيض الضّعفِ

تنْقذني لمساتُ الأنوثةِ

في ذهبِ السيداتِ على الخصْرِ، في نَمَش التِّبرِ،

في صَيحةِ الإشتِياق وتلويحةِ الأبيض المتوشِّح

ليس لديَّ الدّليلُ أنا واضحٌ في صُدور النساءِ:

أعيدوا إليَّ شعارَ البطولةِ

خوفي كظلّ المحاربِ، تُلهبُني كلماتي

فأكتبُ نهرَ القصائد، أحمل دلوَ الحياةِ،

أضُخّ أنايَ إلى جدول العمرِ،

أفْرد أشرعتي للرّياح البليلةِ

هُنّ نجوم المساءِ الأخيرِ

رأيتُ الْتِماعةَ فجرٍ

يريد المكان المقدسَ في الحلمِ

تمنحني قطرة الدّم

معرفةَ الطَّعمِ في شفةِ النّايِ والجرحِ

لستُ لنفسي

ولستُ لغيري

أكون لكلِّ النساء

***

ياسين الخراساني

 

مالكة عسالفي سريري أقسَم النوم ألا يلامس جفني، فطفقت رأسي تتدحرج بين الأغطية والأسقف، وبلْيَتا عيني تحدقان في شريط النور المنزلق عبر بسمة الباب.. فخيل لي أو أنا اعتقدت .. لا أدري.. أنني في محراب الأدب مقيدة بمواقفي، مجبولة بتأمل ذريع للكون والإنسانية، موشحة برؤية جديدة، تأتينا بغد فخم، موَسّم بأزهار الرونق والمجد؛ تعاهدنا على الوفاء لبعضنا البعض؛ أن يغسلني مما يصيب البعض من الإنسان من رذائل الطمع، والسطو والغش والخداع والمكر؛ وأن أصونه من قذفه في مستنقع، لا يليق بشيَمه السديدة، ومقاصده المقدسة.. وعليه، علقت في جيده ثلاثَ تمائم متراصة:

ـ التميمة الأولى ألا يخضع للمساومة، وألا يعرض نفسه في سوق النخاسة، ليباع كما تباع قطعان الأغنام في الأسواق، أو كما تباع زيوت الشعر والأصباغ والمساحيق في المحلات على الهوامش..

ــ التميمة الثانية، ألا يبني نفسه تحت الطلب، فيخنع للرغبات الطائشة، تزيد من لجْمه بأسوار العتمة، مما يغلق أمامَه آفاق الضوء، فيعيش أبد الدهر تحت نقرات سياط المذلة، تنتهي أخيرا بتشييعه في مستنقع الأوكار المهجورة..

ــ التميمة الثالثة: ألا يخضع للتشكيل، فيهَب نفسه لأياد مصلحية، تهيكله في إطار مجمّد كيف شاءت؛ فيصبح كالمخلوق الذّميم، يُقوّم ملامحه بعمليات تجميل متلاحقة، تُفقده ملامحه الأصلية، فيصبح غريبا عن نفسه..

ولقحني هو بثلاثة أمصال نزيهة..

- المصل الأول: ألا أنساق لأصوات الأبواق المبحوحة، أصوات جعجعة دون طحين، بينها وبين الواقع، مقابر، وأموات، وتوابيت حِيكت من لغة الخشب..

- المصل الثاني : ألا أعلق مغامراتي الأدبية على مشجب أطماع مُنهَكة، في زمن، تُواجَه فيه الثقافة بالعصي، وتُهَلّل على أنقاضها أعراسٌ من التلهية، تتوهج بالتيه والضلال، في طريق فسيح عريض يفضي إلى سرداب ...

- المصل الثالث، أن أتسلح بمبدأ أكون أولا أكون، أتحمل اللسْع لو وضعتُ يدي في عش الدبابير؛ أي أحلل العابرات المارات من فوق الهامات، وأكسر أصابع الإبهام، التي تسدد طلقاتها لزرع الخلل في الأمكنة المحظورة..

على طاولة التحدي وقعنا المعاهدة بحضور الذات والنفس والفكر والصفائح والأحبار.. لنترك معا، بصمة ذهبية في دفترنا الأبيض.. لما غادرنا المكان، استوقفتنا منصة منصوبة، وهتاف وأهازيج...

قيل لنا كان التتويج للدف والدربكة، و(هز ياوز) في انتظار إعدام الفكر المتلألئ في محرقة...

 

مالكة عسال

بتاريخ 26/05/2020

 

 

كريم الاسدياهداء: الى الجزائر وشعبها الكريم

والى الأخ الشاعر الموهوب قدور رحماني

حتى ينهض سليماً معافى من الجرح كلِّه.


لدينا من الأشواقِ فيكِ جزائرُ

وبَحرٌ وما حدٌ لهُ يا جزائـــرُ

 

يطاولُ أُفْقَ الأطلسيِّ محيطُهُ

وربّانُهُ في سورةِ الوجدِ دائرُ

 

وأَعظــــمُ مِن بحرٍ توسَّطَ ضفَّةً

جنوباً وأُخرى في الشمالِ تناورُ

 

دفاترُنا كـــونٌ بوصفِ ودادِنا

اليكِ، وما فرغتْ بَعدُ المحابرُ

 

أراكِ بساحٍ للسباقِ ومحفلٍ

بِهِ أممُ الدنيا بفوزٍ تفاخــــرُ

 

فأجمعُ ما في القلبِ مِن وجدِ مشرقٍ

وأهتفُ مِن غَــــــربي فتحيا المقابرُ

 

يميناً على سعفِ النخيلِ اذا شدا  

ييممُ وجهاً للعراقِ يحــــــــــاورُ

 

يميناً على نجمِ الغروبِ اذا بدا 

ييممُ نـــــــــوراً للعراقِ يسامرُ

***

شعر : كريم الأسدي

.....................

ملاحظات:

1 ـ  العراق كان أكثر الدول العربية دعماً للثورة الجزائرية بالمال وعلى صعيد استعداد العراقيين للتطوع في القتال في الجزائر الى جنب أخوتهم الثوار الجزائريين، وبلغ هذا الدعم أشده في عهد الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم . وهناك الى الآن أحياء في المدن العراقية تحمل اسم الجزائر.

2  ـ  هناك إشارة في القصيدة الى تشجيع العراقيين للفريق الجزائري في المحافل الكروية والرياضية العالمية، وقد لازمني دافع تشجيع الفريق الجزائري حتى في المانيا، وحتى لو كنت اشاهد لعبةً في مقهى يحضر فيه بكثافة انصارٌ للفريق الخصم اذْ أجدني أرفع صوتي مشجعاً للفريق الجزائري حتى لوكنت وحيداً أو مع عرب قلائل .

3 ـ  هناك الآن مجموعتان أنتمي اليهما في الفيس بوك هما (مجموعة عشّاق النخيل، دعم وإعادة نخيل العراق) و(مجموعة عشّاق التمور والنخيل) وفي المجموعتين يتعاون أخوة من العراق والجزائر ومصر وتونس والمغرب في تبادل المعلومات والخبرات وأحيانا حتى تبادل الفسائل في جوٍ أخوي ودي حميم.

4  ـ  زمان ومكان كتابه هذه القصيدة : في اليوم السادس والعشرين من أيار 2020، في برلين، وهي من النمط الثماني الذي كتبت فيه ونشرتُ منه الكثير من القصائد.

 

 

 

احمد الحلييكفهرُّ بوجهي

كلُّ ما حولي لغيابِكِ

كأنّ الأشياءَ تخرجُ

من طورِ التدجين

 

كلّما أوغلتُ السيرَ

خلفَ خُطاكِ

تفرَّعَت أمامَ عينيَّ السُبُل

فلا أدري أيُّها يقودُني إليكِ

وأيّها ينزلِقُ بي

إلى هاوية

 

لكلِّ شجرةٍ مفتاح

السدرةُ أعطتهُ  للنحلةِ

التينةُ  للبلبلِ

النخلةُ للفلّاح

 

تبتعدينَ عنّي

فأتبعثر

تقتربين فأسترجِعُ

أجزائي

فأنا كالمُقامرِ

قليلاً أربحُ

وكثيراً ما اخسر

 

سينمو حُزني

على ضفّةِ النهرِ عُشباً

وستلتقِطُ الفاخِتةُ

جُذاذاتٍ يابسةً منهُ

لتبني عُشَّها

 

الأبجديةُ جَذِلةٌ ومُنتشيةٌ

لأنّ حروفَها تنطقُ بها

شفتاكِ

***

أحمد الحلي

 

 

صحيفة المثقفللقصيدة حكاية*

لو شئت قتيلا ترديني

أو شئت

بلحظ تشفيني

لو شئت تلفـّني زوبعة ً

أو شئت

نميرا ً تسقيني

لو شئت تغادرني مزقا ً

أو شئت

بهدبك تؤويني

أحلامي الصغرى أدفنها

في القلب

فتنبيك عيوني

يا أنت مطالع من أمل

في ليلي الاهوج

تغزوني

ولأنت مزارع من شغف ٍ

ما خلف الواقع

تذروني

أهوى عينيك اذا احتدمت

حبا

للعالم ينسيني

أهوى زنديك أذا احتضنا

قلبي

من برد ٍتدفيني

ولبسمة  عينك  أغنيتي

وخرائط   تقبل تلويني

وعيونك باقات ٌ تسبي

ألق ٌ  يمتد ّ

ليسفيني

وبشائر قلبك أعرفها

كــَلِما

لمتـّه بساتيني

أردان الخز مهلهلة

والعطر مجامر

من دوني

أني قد خنت جُذى مقلى

أهملت فناري

وسفيني

وختمت قصائد قصتنا

عمرا

يشقيك ويشقيني

عذراً ان لجّ بنا  ألم ٌ

أنساني الجهر

وتضميني

خلف الاضلاع محنّطة  ٌ

تتوقّد ُ

تحت شراييني

وركاب الشوق مهاجرة ً

عادت لي لهفى

تدعوني

قد خان العمر وأهدره

داء ٌ

ان أبعد ُ يدنيني

يغتال العمر ويأسره

وبألف أفول  ٍ يـُغريني

***

سمية العبيدي

........................

عند اصابتي بالمرض الخبيث سنة 2000 كانت ضمن مواسياتي شابة طلبت ان اكتب "قصيدة شبابية" فوعدتها خيرا ربما كانت تبغي صرف تفكيري بمرضي بعد ايام حلمت اني اغني "وما اعرف الغناء ولا أصلح له" وكانت لازمة الاغنية في الحلم

لو شئت

عندما استيقظت تذكرت خمسة ابيات كتبتها وانا مغمضة العينين تقريبا بعد ايام اتممت القصيدة وفيها اعتبر المرض نوعا من "خيانة العهد" فكانت فاتحة مجموعتي الشعرية الثانية جدائل الريح وها أنا أنشرها للمرة الاولى

 

 

عبد الجبار الجبورييسكُننُي البحرُ، كما تسكن القطرة غيمةَ المَطر، وهي تسكنُ في عينِ عاصِفتي ، يتلَبسُّني ظِلّها أنى كنتُ، يَمشيَ مَعي كأنهُ ظِلِّي، بل هو ظِلّي، أجلسُ معهُ وأُنادمُهُ، ويَبوحُ لِي ما لمْ أبحْ لَها بهِ، يأخذُني من يدي، وندخلُ بَهو مواجعِها، فأرى صُورتي معلقةً على حَائطَ مبْكاها، وأرى سماءً تزّينُها قصائدي، وهي تحاولُ أنْ تَفكَّ طلاسمَها وسرَّ ماءِ الكلامِ فيها، تحرسُها نجومٌ من حريرَ الشوّق، وقمرٌ يجلسُ على نافذة البّحر، يقرأ قصائدي للبحر، تهمس في أذني وتقولُ، حين يجنُّ الليل، ننزوّي هنا لتقرأ آخر أشعارك لي، إقرأ لي قصيدة الآن (العطشُ لشفتيكِ لايعني البحثُ عن الماء)، أحبُّها جداً، أتذّكرُ حينَ كتبتَها ، وأرسلَتَها لِي، وقلتُ لكَ (أنتَ إسطورةٌ)، ناحلٌ جِسْمي، وقَلبي سَقيمٌ يَخذلُني، عيناي ترقبان طلة الفارعة من خلف الغيوم، ينام نهرهاعلى سرير قصائدي، وتنام قصائدي رموش عينيها الواسعتين ، يسحرُني كُحلُ عَينيّها، وتؤسرُني ضحكتُها الذهبيّةُ ، وبُحةُ صوتِها المِغنّاج، التي تُشبِهُ طلّعةَ شمسٍ/ لاوقتَ للماء كي يَرْوي عَطشَ الكَلام، ولاوقتَ لشفتيّها كي يرويانِ ظمأ شفاهي، (عيونُنا إليكِ ترحلُ كلَّ يوم)، أنتِ ياترابَ قصائدي، ويا رائحةَ رُوحي، ودمعةَ أشعاري، وجنونَ حَرْفي، وسماواتِ أيّامي، قَلْبي هذا، لا هذا ليسَ قلَبي، هذا كَومةُ رَمادٍ بعَدكِ، تذرّوهُ الرِّيحُ أنّى شاءتْ، أنا ِنقطةٌ حزينةٌ في حروف إسمها البِلا نِقاط، أنا تلويحةٌ خجولةٌ لحرائقَ البّحر، البحرُ الذي كنتِ تقفين على حافته، وتلوّحينَ لي بِشالكِ الأحمر، تَعالَ ولاتأتِ، هُنا سيأفلُ القمَرُ، هنا ستغيبُ النجومُ خلف الأفقِ البعَيد، وهناك سينامُ الليّلُ على سريرِ الغريبة، وسادتُهُ قُبْلةٌ، ولِحافهُ شوقٌ قديمٌ، أحلمُ بغمّازتيكِ، المختبئتينِ وراء الغيُوم، أحلمُ بحُلمتيّنِ تقَطرانِ عَسلَ الله، على شفاهٍ عَطْشى، أحلمُ فقط، أنْ أقولَ لكِ أُحبُّكِ وأموتْ...

***

عبد الجبار الجبوري - الموصل

الثالثة صباحاً- الثالث من أيام عيد الفطر ..

27/5/2/2020

 

وليد العرفي الإهداء إلى الشاعر  د. قدور رحماني،

وقد زارني فيما يُشبه المنام مُعاتباً نسيانه،

وقد تعرّض لحادث سيارة*،


أتيْتَ مُعاتباً تقصيرَ حالي      

            وكنْتُ بوحدتي أو شبهَ خالِ

وما بينَ المنامِ وشبهَ صحوي  

             خطرْتَ بقدِّكَ الحلوِ المثالي

تُعاتبني على النّسيان عُتبى     

             وكمْ لذَّ العتابُ مع الغوالي!

وكانَ (السَّاعديّ) بسبقِ فضلٍ

           يُطوّفُ منْ خلالِكَ في خلالي

هززْتَ الرُّوحَ إذْ عاتبْتَ صمتي 

            فهرَّتْ منْ عناقيدي الدَّوالي

وأغضَتْ كلُّ أجوبتي حيارى

            وذوَّبَ أحرفي جمرُ السُّؤالِ

كأنّي الناسجُ المرقوع ثوباً  

                 أرقّعُهُ  فتخرقهُ  نصالي

أو أنّي القاطفُ المحصولَ عُذراً

      وقدْ سبقَ الــ (حُسينُ) إلى الغلالِ

وما كنْتُ المقصّرَ في سباقٍ 

            ولا كانَ التمهّلُ منْ خصالي

ولكنْ كنْتُ كالأعمى بصيراً

                وجهلي  تقْنياتِ الاتّصالِ

وبوصلتي أضلَّتْني جهاتي

             فما أدري يميني منْ شمالي

فإنْ قصَّرْتُ في سؤلي فعذري

             بدعواتِ الشّفا تسبيحُ حالي

         ***

د. ودليد العرفي

......................

وقد زارني فيما يُشبه المنام مُعاتباً نسيانه، وقد تعرّض لحادث سيارة، ولمّا كانت وسيلة الاتّصال متعذرةً انقطعت الأخبار، وقد كتب الشاعر: حسين فاعور الساعدي قصيدة يصف فيها الحالة، وجاءت هذه القصيدة ربما عابرةً الخيال، ومما استبطن اللاوعي الذي ينمُّ على تذكّر وانشغال لكن مع انعدام إمكانية التواصل.

 

 

زياد كامل السامرائي1- نُعاس

منذ زمن طويل، مثلك

انتظرتُ العيد

يأتي أحيانا على هيئة طائر كالرخِّ

يشعلُ بجناحين كبيرين

فوانيس غُربة، إخضلّتْ بالظلام

وكلما أدركني النعاس

تلاحقني الطرقات بما خَسِرتُ من زفير

ينحسرُ الليل  في الشرشف الأبيض

أسمعُ من بعيد .... أغنية أم كلثوم

"يا ليلة العيد"

أقلّبها وأنام.

 **

2- دمعة

أبــي الذي شغلته ضحكة النجمات

و أتعبته هواجس القلب المزمنة

تركَ في قعر العالم دمعة

صار غدها

جسرا ضيّقا

لقبره المُهدّد بالضياع.

 **

3- ألم

 أنا الأعزل

النابت في حفرةِ حياةٍ رديئة

و نائية

لمْ يراودني الطوفان بعد قراءتي نوح

لذلك، يُغرقني الألم

وأسفي لا تسحقه المعجزات.

 **

4- غناء

الأرض شاسعة

حتى و إنْ بَدَتْ كتفاحةٍ مدوّرة

لم يأكل منها أحد من الشياطين

تروّض شجرتها رياح حارقة

لكن الغبار الثقيل

يهزّ النمل أميالا

ويدحرجُ البداية الى فوهةِ الجنون

النمل يغنّي في جوقة

لكنّه يحتاج الى قصائدٍ و ناي

فليس هنالك من بساطيل لتحطّمه بعد.

 **

5- إنتظار

يتثائب الوقت

أُحصي أنياب ثوانيه

وأنا أنتظرك

تشيرُ سِهام الساعة الى قلبي

قد تتوقف في أيّة لحظة

ولا أحد يستطيعُ إصلاحها.

***

 زياد كامل السامرائي