عادل الحنظلفي ليلٍ بدّدَ وحدتَه الوحي

توضّأَ بالشِعْرِ وصلّى

وتَلا بضعةَ آياتٍ

من أشعارِ التوْق

سلّمَ من غيرِ سجود

سبّحَ بضعَ ثلاثاتٍ

في مسبحةِ الشوق

رتّلَ من وحي ضرامِ الوجد

سُوَرا أحرفُها خمرةُ صَبّ

كتَبَتْها فوقَ سطوعِ البدر

جنيّةُ وحي

عاشقةٌ لم يرَها منذُ فروض

ودَعا بعضاً من أدعيةِ الغاوين

ممّن هاموا في اوديةِ الحب

ممن إنْ قالوا فعلوا

جعلوا الحُبَّ سُلافَ وضوء

اوَليسَ الحبُّ عبادة

كتبَ المجنون بليلى

أبلغَ آياتٍ صوفية

أَوَلَم تكُ ليلى عشتارا

ذات الحسنِ وسيّدة الاكوانِ السبعة

تُنْزِلُ أطراسَ الوحي

قصائدَ قدسية

تخبُرنا

منذُ رأى سيّدُنا في حوّاء

كتلةَ شهْد

عشقَ الشعراءُ نساءا

جعلوهنّ محاريبَ صلاة

أتقولُ لمَنْ قامَ الليل

يتضرّعُ في السُهد

ليناغي أينانا

وليسقي فينوسا خمرَ رضاب

تُشرِكُ بالأعرافِ وبالأقداس

بئسَ ذميم القول

أنا أعرفُ أنّ الحبَّ إله

يجلسُ جنبَ إلهَه

يثملُ مثلي

يلثمُ مثلي

يعلمُ كلّ غيوبِ العشق

لا يرسلُ للنارِ سوى

من ينشدُ قدّاسا

غيرَ صحائفِ عشتارِ الابدية

***

عادل الحنظل

 

خالد الحليهل تكفي الكلمات..؟!

أسئلة تغرقنا

لي .. ولكمْ

وللذين كانوا قبلنا

أسئلةٌ تصرخُ حولنا

وحولهمْ

كيف لكمْ ..؟

تبريرَ صمتكمْ ..؟

أسئلةٌ تغرقنا

أسئلةٌ تغمرهمْ

هل تستوي الشموسُ والضبابْ؟

هل يستوي الحضورُ والغيابْ؟

هل يستوي الواقعُ والسرابْ ؟

- 2 -

كلّ منّا

ضيّعَ حُلْما

في يومٍ ما

واليومُ أتى ما ضيعناه من الأحلامْ

يسألُ عنّا

كم نتمنى

أن يقرُبَ منّا ..؟!

لكنّي أسألُ

هل توجد أحلامٌ أجملُ

من أحلامٍ تتورّد في ساحاتِ التحريرْ ..؟!

ملبورن 7/12/2019

***

تسلسل

قالوا لي: لا تسألْ

صرخوا بي:

سلسلْ مالمْ يتسلسلْ

رحتُ لوحدي ألهثُ

في هلعٍ أبحثُ

عن أيامٍ ضائعةٍ

وحروف هاربةٍ

تتغطى بخسوفٍ لا يعرف بدراً

و كسوفٍ لا يأمنُ شمساً

هل يمكنُ أن يتسلسلَ ..

ما لنْ يتسلسلْ؟

قالوا والسيفُ قريبٌ من عُنُقي:

صَهْ لا تسألْ

***

شعر: خالد الحلّي

ملبورن

 

عامر كامل السامرائيللشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرّائي


تظاهراتنا القديمة

لا تتناسب أبداً

مع رواتبنا التقاعدية

علينا إرجاعها

أو دفنها

قبل أن نُدفن.

**

أنا من زرع القضبان الحديدية في الحديقة.

كُلُّهَا سَتُزهر

حتى وإن لم يُصَدق الموتى.

**

أحقاً؟ وصلتكَ رسالة؟

مزقها.

سنجمعها بعد ذلك

قصاصةً قصاصه

وسنلصقها ثانيةً

ونقرأها

ألا تسمع رصاص المواجهات؟

**

أتنتظر بأي ثمنٍ

أن أقول لك:

"ليس الأمر هكذا"

إنه هكذا

بحذر قص أظفرك

فالمقص يلمع.

**

ما الضير فيما

لو أنني كذبت قليلاً؟

فكلها: ذنوب مغفورة

أن نتنفس

حتى وأن لم نَرغب بذلك

السلة الفارغة

التاج الزجاجي.

**

تَصعُب الكلمة

يَصعُب الصمت

على المسمار المتين

حَبلٌ قصير

سَلةٌ تتأرجح

بخبرٍ قليل.

**

أنباءٌ متضاربة

ريح ونار وتهديدات.

سيدة بالأمس على الضفة

انطلقت تتمشى

ثيابها بين السحاب رفرفت

فنسينا الراية.

**

هذا الضوء

الوحيد

هنا عالياً على قمة الجبل،

القتلى هم الذين صعدوا به إلى هنا.

ألا تتذكر؟

**

أما المرمر

العاري تماماً

الأبيض تماماً

فلا ينتظر أن يكون تمثالاً

**

لكل شيء سِرَه:

لظل الصخرةِ

لمخلب الطيرِ

للشِلّيلةِ

للكرسي

وللشِعر أيضاً.

***

 

 

كاظم نعمة اللاميالْتَفَتُّ إليه حانقا، فلاحت لي يده تزحف كأفعى راقصة قرب جهاز المذياع المتهالك وهي تعبث بأزراره. وبعد تجوال قصير في محطات إذاعية محدودة استقرت أصابعه على إذاعة تبث أغنية "يا حريمة" للمطرب حسين نعمة.  بصراحة أقولها وأنا في هذه الحال ما عادت تلك الأغنية الشجية هي المفضلة لديّ كما كنت أستعذبها في ما مضى من عمري نتيجة لما يقوم به هذا المجنون الجالس بجواري فقد راح يتمايل برأسه المدور مع أنغام الأغنية التي باتت نشازا يلد نشازا آخر، مما دعاني إلى نهره بعصبية.

-  ركِّز على الطريق رجاءً.. ويا حبذا لو زدت في سرعتك والتزمت الصمت ,, فأنا على موعد مهم

- ما هذا التناقض. التركيز على الطريق وسرعة القيادة لا يتناسبان مطلقا. دعك من كل ذلك واسمعني جيدا ....

وضع للسانه جناحين وانطلق يسرد لي مبتسما تفاصيل حياة المطرب وأثر الأغنية على حياته ذاهبا باتجاه مغامراته الشخصية وعلاقاته الحميمية مع النساء .. وبهزة من رأسي أبديت تأسفي لتورطي بكراء غريب الأطوار هذا والذي لم يأبه لهزة رأسي وما فيه من غليان وواصل هذيانه على أنغام الأغنية .. ودون سابق إنذار هطلت الأمطار بشدة واضحة بدا أثرها جليا وهي تنقر صفيح السيارة وزجاج النوافذ كفريق دجاج ينقر كومة حنطة بِشَرَه الجائعين .. لحظتها انعدمت الرؤيا فعالجها السائق بتشغيل الماسحات.. ونتيجة لِقِدَمِها وتيبسها راحت تعزف لحنا غوغائيا همجيا زاد من مستوى القهر الذي لازمني في ظل هذا السائق المتخلق بأخلاق بعوضة تافهة.

- يا صبر أيوب

فكرتُّ جدياً بإيقافه، والنزول لكراء سيارة أخرى. لكن ما جعلني أتراجع عن ذلك هو أنّ النتيجة ستؤول إلى عدم وصولي قاعة المعرض التشكيلي في الوقت المناسب والتشرف بمشاهدة لوحات رسام البورتريه نادر النادر القريبة لقلبي وبالتالي سأفقد هذه الفرصة الجمالية التي انتظرتها طيلة أعوام مضت بقدوم الفنان نادر النادر بعد طول غياب في بلاد المهجر بغية أن يقدم أعماله هنا في بلده بعد تحقيقها نجاحا هناك.

لا خيار لدي سوى تحمل هذا اللجوج ومتابعة حركاته المقززة فاقتنعت صاغرا مثلما يقتنع الفقراء بطبخ طعامهم سلقا إن شح الزيت، عملت الشيء الوحيد الذي أقدر عليه إزاء هذا العذاب بأن أدميت سبابتي عضّا حتى كدت ألتهمها.

اجتمع المطر بمعية حسين نعمة والماسحات بتحد كبير في مواجهتي لتتسرب أصوات الجميع من خلال طبلة أذني حتى أعماق روحي لإقامة حفلة تقريع وتعذيب لذاتي بسادية كان قائدها رعونة هذا السائق الذي واصل عدم اكتراثه لما أنا فيه فمد يده اليمنى لرفع حدة صوت الأغنية، علا الصوت فالتفت إليّ .. فعلت مناسيب قهري ثم عاد من جديد فغير الموجة فكانت أغنية أخرى كرهت مطربها حد اللعن، ثم أخرج يده اليسرى من نافذة التاكسي واستقبل دموع السماء براحة يده المكتنزة اللحم وراح يصهل مشاركا صهيل المطرب.

- الدنيا حلوة، الناس حلوة، والوطن باسم سعيد

- أي سعادة هذه أيها المعتوه؟ ستقتلنا. قف هنا

واصل قيادته وصهيله دون توقف مما دعاني للمغامرة بإمساك مقود السيارة بقوة وإقفال جهاز المذياع والصراخ بوجهه.

- قف .. قلت لك قف! قف! أيها التافه

قابل صراخي وجنوني بابتسامة مستفزة وأوقف السيارة وركنها على جانب الطريق مبتعدا بعشرين متر عن قاعة المعرض التشكيلي، فوصلنا متأخرين عن الموعد المحدد لافتتاحه. ترجلت من السيارة. غمرتني موجة برد قارص بمعية مطر كثيف لم يحدهما عديد ملابسي الشتوية في أن يجدا لهما موطأ قدم عند عتبات جلدي. لكنني لم أعبأ بشدتهما أو بالأحرى لم أشعر بهما لهول ما عانيته من سخافة السائق ولجاجته بل استجمعت شجاعتي ووجهت سهام نظري إلى عينيه مليا ففقأتها بشدة. ورغم برودة أعصابه المستفِزّة حاولت كبح جماح نفسي لكنني فشلت. أمرته بفتح نافذة السيارة فمرّرت يدي منها وأمسكت بيده اليمنى هذه اليد اللعينة التي ما كانت تبحث عن المحطات الإذاعية المناسبة بل كانت تلسع عقلي وقلبي بوخزات خبيثة، ووضعت النقود فيها وأطبقتها بقسوة وقلت له متعمدا مشاركة رذاذ بصاقي لكلماتي الثائرة.

- في المرة القادمة لا تسهب في التمايل كثيرا مع أنغام الأغاني العراقية وأنت تقلُّ في سيارتك بشرا، خوفا من أن تتسبب بحادث مروري يخسف بك الأرض وبمن معك.. نصيحة أخيرة: كُنْ حذرا يا صديقي من عشيقتك كي لا تزدريك لأنها ستكون في أحضان رجل آخر أكثر وسامة منك وأقل بصاقا متطايرا أثناء الحديث

استمر بفتح شدقيه مبتسما ببلاهة تخفي مكرا، ثم شغلَّ المذياع من جديد. وإذا بصوت حسين نعمة مشاركا فاضل عواد بأغنية "هي يا أهل العمارة" أِنْتَظَرَ ردة فعلي. واجهته بتقبل ما يقوم به باستسلام بعد يأسي من معالجة ما أحدثه في نفسي.. تطلع في النقود وكأنه يعدها غيبيا ثم دسها في جيب سترته المتهرئة، ولطمني بموجة ضحك ساخرة عكست ضحالته، وأدار محرك سيارته منطلقا وهو يوغل في تعذيبي برذاذ بصاقه المتطاير وهو يقول (ستنسى ولكن بعد أن تَكْبُر).

استقبلت موجة البرد وتساقط الأمطار بصدري فاتحا ذراعيّ برغبة الشفاء من كل هذا الوجع تبللت روحي فغُسِلَتْ من أدران هذا السائق المثير للجدل حتى بان ما فيها من رؤى وأحلام. نظرت إلى ساعتي بقلق لقد افتتح المعرض قبل وصولي بخمس دقائق "الحمد لله لم يضع من الوقت الشيء الكثير" بعدها ولجت باب القاعة المفتوح قليلا فشفطني وكأنّه دوامة محيط عانت الأمرين حتى عثرت بي.

غُصْتُ في أعماق القاعة فوجدتها تكتظ بالناس من مختلف الأعمار والأجناس، الجميع يتحرك كخلية نحل تتنقل بصخب ودوي بين اللوحات كحبل الحقائب في المطارات وهي تجوب دائرة بحلقة مستديرة بانسيابية حول المسافرين. تطلعت فيهم كعدسة كاميرا بلقطة بانورامية فلفت انتباهي أحدهم وهو يقف أمام لوحة تصور وحشا يستل عظام امرأة، شاهدته أي الرجل وهو يمسك بيد امرأة تجاوزت عقدها الخامس لم تدع صبغا تجميليا لم تلون به وجهها المتغضن، سمعته يتحدث عن جمالها بإسهاب ونفاق عجيب ترد عليه بابتسامة حذرة كي لا تكشف عن أسنانها المتهالكة.

-  البرد يقتلني، والدفء الذي أطالعه في عينيك يدعوني لتذكر صوبة علاء الدين وهي تتوهج في ليالي الشتاء الموحشة في بيتنا القديم.

انتبها لي ولاحظا استغراقي بالتطلع اليهم، فجلدتهم بابتسامة غبية أشد غباءً من ابتسامة سائق التكسي، صَمَتَا، شعرت بالإحراج فأدرت وجهي ناحية أخرى ومشيت متنقلا بين اللوحات وأنا أحك رأسي بسبابتي ممررا إياها فوق انفي كأني عازف كمان ماهر وكل ذلك خجلا من ابتسامتي التي صعقت نفاق هذا المتيم بتلك المرأة القبيحة. دفعت بأقدامي مسرعا باتجاه بقية اللوحات علني أجد ضالتي فلفت انتباهي انتصاب لوحة متفردة عند زاوية لا تجاورها فيها أي لوحة أخرى مستقلة بشكلها الفنطازي ومعناها العميق كانت اللوحة لصياد سومري بقامة طويلة، طويلة جدا يرتدي البدلة الخاكية وينتعل البسطال العسكري والبيرية ذات النسر الذهبي وهو يقف أي الصياد على زورقه القيري المسمى "البلم" ورأسه عند حدود الشمس. تطلعت فيه بإعجاب فوجدته يسحب شباكه من النهر فتعلق فيها حوريات يرتدين السواد نائحات لاطمات وهن يمزقن الشباك. وقفتُ أمام اللوحة باستغراق فكري، تأملتها طويلا، بنيت صورا عديدة تتحدث عن تاريخ نعيشه كل حين، تاريخ من الأنين بصوت مبحوح. وقف بقربي شخصان تعرفت على أحدهما كان الممثل والمخرج المسرحي "ساري العبقري" كشفا عن عبقرتهما بتحليل وتفكيك اللوحة سيميائيا.

- لوحة عظيمة.. هذا الصياد متدين!! متصالح مع الحياة!! أعطاه الله أجره حوريات في الدنيا قبل الآخرة يتزوج منها ما يشاء

- هذا الرسام متدين بالفطرة

- انظر إلى الصياد ألا يشبه سعدون أبو طويلة

ضحكا ضحكة مجلجلة اهتزت لها القاعة وانتبه لها حتى الأطفال القادمون مع ذويهم. شاركتهما بابتسامة ذات معنى. التفتا ناحيتي فتفاجئا بي مبتسما.

- وأنت يا أستاذ ما رأيك؟

أبديت امتعاضي وانسحبت منهما بهدوء دون أن أشفي غليلهما بإجابتي. السماء ترعد بشدة والمطر يتراقص على زجاج النوافذ كشروخ رسمتها يد الأقدار على جدران الحياة الباهتة.. واصلت تجوالي بين اللوحات معجبا بها حتى تذكرت صديق طفولتي الفنان نادر النادر الذي كنت أضربه ضربا مبرحا لأنه كان كثير الغش في لعبة "التصاوير" ابتسمت في سري واستعذبت ذكرى تلك الأيام الجميلة ورحت ابحث عنه في أروقة القاعة لأقدم له التهاني، فأخبرني أحد الضيوف بأنه غير موجود هنا بل هو الآن في فرنسا يتسكع في مقاهي الشانزلييه وأرسل لوحاته هذه بيد أحد معارفه لإقامة هذا المعرض التجاري حيث لاحظت تواجد هذه العبارة فوق كل لوحة "اللوحة للبيع" .. تضايقت قليلا لكن القيمة الفنية العالية للوحات عوضَت الكثير عن وجود نادر بنفسه.. وماذا كان سيضيف وجوده؟ لا شيء بالتأكيد.. تركت البحث عنه وواصلتُ تنقلي بين اللوحات بروح لطيفة عاشقة للفن التشكيلي.

ثمة شاب بملابس رثة لاحظته يتنقل بارتباك في القاعة مرتطما بهذا دافعا ذاك يمر بعديد اللوحات مرور الكرام ذاهل عن كل شيء، أراه يبحث عن شيء ما يبدو أنه شاب غير سوي دخل المكان الخطأ، اكتفيت بالنظر إليه ازدراءً وما جعلني أذهل عنه فتاة في العشرين من عمرها تمسك كتبا بيدها يبدو أنها طالبة جامعية بقميص ابيض وتنورة رصاصية تقف منتفضة بصدر متقدم إلى الأمام كجندي فاتح يأكل كل شيء أمامه، ووجه يشتعل كرمان اقتطف من بساتين ديالى فرطته يد من حرير، وشعر كليل بهيم يتراقص فوق العينين لاطما خديها بقبل هيجت مكامن مشاعري ورغبة مستعرة في التكلم معها ولو بحرف يتيم.. لكن ما الذي سأقوله لها .. أخاف أن تردني بقسوة عرفتها في كل نساء المدينة اللواتي واجهتهن بإعجابي .. ما العمل الوقت يمضي والمعرض أوشك على الخواء من زواره إلا أنا باق أتجول بحميمية كشفتها أنفاسي اللاهثة .. السؤال يجتاح روحي فيحطم أسوارها .. ما الحل: "لا تبقى مكبلا هكذا" نداء سماوي يهز العرش لا تبقى مكبلا، تحرك، الوقت يمضي.. أتقدم نحوها بعد أن عزمت أمري على اطلاق عبارتي التي لا أملك غيرها "أنت جميلة ،، بل جميلة جدا"

صدني عن أناقتي في الاقتراب من هذا الغصن الأهيف ذلك الشاب الذي عاد يتسيد المشهد من جديد. أراه يتلفت كسارق عُرف عنه الغباء، ينط بقفزات ضفدعية. تساءلت مع نفسي هل هو مخبول حقا، أم يتصنع الخبل .. طيب لم لا يشعر به الآخرون. لم لا يكترث إليه أحد إلا أنا. أراه يملأ الشاشة. يتقدم نحو الفتاة، أحاول أن أمنعه، أن أصده لكن ثمة سلاسل تحد من حركتي .. يقترب كوطواط شرس ويمسك بالفتاة ويحضنها فيعصر صدرُه صدرَها. حليب ثدييها يغرق المكان يلون الفضاء بالأبيض الناصع. وبلمح البصر يهرول بها خارجا من إحدى النوافذ محطما زجاجاها، جارحا مؤخرة الفتاة ينز دمها كميزاب بيتنا في الماجدية، يعلق شيء من قميصها الأبيض الشفاف في زجاج النافذة أتابع السارق صارخا به وسط الناس "حرامي .. حرامي" أتطلع إليه من مكان كسر زجاج النافذة وهو يهرول بالفتاة العاجزة عن المقاومة المطر الكثيف يعرقل هروب اللص .. ثمة مطب اصطناعي يقف بمواجهة أقدامه اللاهثة جريا يعثر يسقط وينهض من جديد أراه يجري بسرعة في ساحة المدينة الكبيرة يتعثر بمتسول عجوز فقدته المدينة منذ أعوام، يسقط، يتقلب فوق الإسفلت الغارق بمياه الله الماطرة، تُكْسَر ساقه، يطل عظامه ابيضا من بين اللحم والعضلات، يعجز عن الحركة لكنه يبقى محتضنا الفتاة بكل ما لديه من قوة.. تواصل الأمطار جلده وجلد الفتاة بنفس القسوة، يتبلل جسدها، تختض بيد اللص.. الغرابة سيدة الموقف .. ما هذا.. ما الذي أراه: شعرها بدأ يتساقط حتى بانت صلعة رأسها .. ثدياها المنتفضان تخليا عن تقدمهما فتراجعا للخلف فاختفيا.. ومسمى قميصها تلون باللون الأسود .. كل شيء بدأ يتلاشى في جمال الله من خلال هذه الفتاة.. المطر يتواصل بهطوله حاصدا كل جمال في الفتاة.. حتى تنورتها الرصاصية انزاحت عنها بعيدا.. توقعت أن تظهر ساقيها بعد انزياح التنورة كعظم عاج لامع شفاف.. لكن التنورة اختفت فاختفى الساقان فبانت أحشاء بطنها وكأنها بلا عجيزة.. وآخر ما تلاشى عنها بريقها الذي كنت أراه متوهجا في القاعة وهي تتكئ على الحائط باعتداد.

اترك النافذة المكسور زجاجها وأنفذ خارج أسوار القاعة سريعا فيبتلعن الشارع الممطر أصباغا.. سماء الله تتلون بشتى الأصباغ.. ثمة خيط ألوان ذائبة في مياه المطر تقودني حتى مكان اللص وهو يحتض آخر قطرة لون في جسد الفتاة .. أوبخه بلسان يحمل العطف والغضب.

- ها ؟.. كنت تطارد أصباغا ملونة وها هي قد ذهبت للمجهول. لقد خانك تقديرك لم تزن الأمور كما يجب

الرعد يهزم الطمأنينة والناس في ذوبان مستمر تحت هطول الأمطار التي تمشي الهوينا مطمئنة وكأن لا شيء هناك.. أحد المارة الذائبين يصطدم بي فيترنح جسدي أمامه .. يشير لي بيده علامة الجنون.. أصرخ بهم: ماذا هناك؟ أخبروني؟ أتعلق بأذيال ألوانهم : "ردوا إليّ روحي"... أواصل صراخي، لا أحد يسمعني، ما من جواب سوى صدى صوتي يتردد في فضاء المدينة الموحش .. حتى وجدتني حينها أستغيث من شدة الألم في ساقي المنكسرة وسط ساحة المدينة الكبرى محتضنا إطار اللوحة الفارغة إلا من أحلام بمعية الوان وأصباغ ذائبة تتشكل منها صورة شيطان وملاك، جرفتها مياه الأمطار بعيدا باتجاه أطراف المدينة النائمة.

- أتسمع تنهدات السمك؟

-  في القاع؟

- نعم؟

- ما بها؟

-  إنها تخشى القرش

-  وأنت؟

- أنا من يبعث الدفء فيها والأمان .. سأنتظر ذلك

- هراء .. نحن لا ننتظر شيئا سوى أن يمر الوقت

***

  قصة

الكاتب كاظم اللامي

 

جليل المندولايحاولت الهروب من تساؤلات قد تكشف خبايا نفسها بالأقتراب منه، لم تكن تدرك ان كانت فكرتها هذه سديدة أم لا.. لكنها تحاول، فربما تستطيع تسديد بعضا من سهام عينيها الجميلتين نحوه، عادة قديمة تلجأ اليها الأنثى كلما شعرت بقرب هزيمتها، فهذه السهام كفيلة بجعلها تشعر بلذة النصر، فلا معنى للهزيمة في قواميس المرأة، ففي أوج خسارتها تحتفل بالنصر.

خطوتين أو ربما أقل بقليل المسافة التي سمحت لنفسها أجتيازها على شفا حدود أبتدعها ذهنها للحفاظ على الصورة التي رسمتها للشخصية التي تريد طبعها في أذهان من حولها، والتي كان للخجل لمسات واضحة في ثناياها.. أو لعل دنوها منه يخفي توترا بدت ملامحه جلية على قسمات وجهها الذي يبعث على الأمل في دروب طالما أغلقتها الحياة بوجه مثل هذه الملامح.

كانت تتأمله بحذر وهو يطرح أسئلة لم تكن ذات شأن، وهو يعلم أيضا انها كانت كذلك.. لكنها أثارت في نفسها تساؤلات أكبر عن مغزاها، غير انها لم تجرؤ على طرحها بل أكتفت ببعض الكلمات، لم تتذكر منها سوى تلك التي كتمتها في نفسها مكتفية بتلميحاته التي تكاد تشبه تلك الكلمات.

لم يكن ليستطيع إطالة النظر في ذلك السحر المنبعث مع بريق عينيها لأكثر من لحظات لم تكن كافية لأشباع رغبات التأمل في ذلك البريق ليستسلم على مضض مكتفيا بتطويق خصرها الممتلئ بنظرة لم تكن أقل جرأة من نظراتها، سارحا ببصره في مساحات ممتدة حول جسدها وهو يعريه بناظريه حتى بدا له غضا دفعه ليصبح راهبا عند قدها المتمرد حتى التجبر بسلبه العقول التي داعبها بتمايله المجنون.

لم ينتبه أحد ممن حولهما الى اللغة التي يتحدثان بها، رغم انها مألوفة لدى الجميع الا انه لم يفهم احد منها حرفا واحدا سواهما، رغم ذلك فقد كانا يتربصان بالنظرات التي تحيط بهما من كل جانب ويصغيان للهمس الذي يدور جوارهما، كلا ممن حولهم كان مشغول بهموم لم يعبئا لها، هذان مرا بجانبهما وهما يتحدثان عن أمور في العمل، وتلك فتاة تبتسم لهما وهي تجري مكالمة هاتفية من هاتفها الجوال، وخلفهما مجموعة تتفق على المكان الذي سيتناولون به عشاءهم.. فعلا انه موعد العشاء لكنه لم يرغب ان يتركها ليقضي فترة استراحته في تناول الطعام خصوصا ان شهيته للحديث معها قد بدأت تصل الى مرحلة النهم، نهم كل الكلمات التي تخرج من بين شفتيها الـ.. دقق النظر في شفتيها لبرهة، لكنه عجز عن وصفهما ربما كانتا جميلتين، لكن ماهي مقايسس الجمال التي يعرفها عن الشفاه، لم يفكر طويلا فحسبه انهما كانتا طريتين، وشعر أيضا بأنها لا تريد تركه ليس شغفا لكن ثمة شيء ما يمنعها من تركه لوحده، ربما لأنها لم تتعود على اجواء العمل بعد، ربما لأنها كانت تريد ان تعرف امورا تجهلها عن نفسها، ربما.. لكن من المؤكد ان هناك شيء ما..

أنصتت له بأهتمام رغبة منها بالأنصات دون ان تبدي شغفها، وبين لحظة وأخرى تتساءل مع نفسها، ما الذي يحدث هنا، ولم تشعر بالأطمئنان لوجوده قربها رغم انها تريد الهرب منه اذ انها لا تحبذ فكره انقيادها لمعبده، وكأن همساته تغزو ذهنها حتى قيدتها، تلك الهمسات التي تعيد الى ذهنها لحظات من العمر كانت تظن انها قضت، لكن يبدو ان تلك اللحظات ليس لها ان تموت قبل أن نحيا، انها كالشياطين التي لا تفارقنا حتى يتحقق مرادها بخطيئتنا، فهي شياطين الروح..

الغريب انها لوهلة شعرت ان شياطين روحيهما ألتقت في غفلة من زمن توقف عند لحظة أقترابها منه، تلك اللحظة التي لاتقارن بالثواني والساعات التي تمر على حياتنا، لحظة لها مقاييس خاصة، وقتها غير معلوم رغم انه طويل جدا الا اننا نشعر بقصره، غير ان لذتها تبقى كعبير يعطر الروح.

انها شياطين الروح حقا، لم تعد تشك بهذا مطلقا، لكن هذه الفكرة كانت مرعبة بالنسبة لها، بل وتكاد تقتل ماضيها، وتمحو ثلاثين عاما من ذاكرتها بكل مافيها من آلام ومسرات، بدموعها وضحكاتها، شيطان لكل عام، وشيطان لكل ألم، وشيطان يدفعها للأقتراب أكثر، وشياطينه ترقص فرحا وهي تصفق لشياطينها..

لهفة الشوق يخمدها احيانا لقاء العيون، لكن لهفته لم تخمد حتى بعد ان سبر أغوار روحها، فشياطين روحه تدفعه للألتفاف حول روحها لتمزق كيانها القديم وترقص معه على أنغام هوىً يستفز غرائزه، لكن لمحة الخجل على محياها كانت مصدا رادعا لرغباته ليصارع شياطينه التي تزيد عن شياطينها باكثر من خمسة عشر آخرين اذ يستفزونه لكي يستسلم منقادا لهم، لكنه خرج أخيرا بنصر لم يكن يرغب به كثيرا، فالهزيمة بين أحضانها غاية لم يدركها..

كما لم يدرك ان نصره على شياطينه كان زائفا اذ ان رنين منبه الساعة التي ضبطتها على توقيت معين في جوالها كان نذيرا لها بقرب فترة جديدة من عملها، تمعنت في جوالها عدة مرات وهي تسترق النظر اليه وكأنها تستأذن منه للهروب.. وحين حانت لحظة الهروب استعادت كل ذكرياتها ولحظات ظنت لوهلة انها لم تعد موجودة..

***

جليل ابراهيم المندلاوي

 

ريكان ابراهيمنسخة من هذه القصيدة مهداة

لحضرة السيد أرنستو جيفارا


أنا لا أصدق أن كوبا دولة

 كبرى ولا كاسترو زعيم

خالدٌ ...

لي منجلٌ من عهدِ أُمي في الحصادِ

كسرتُهُ

كي لا يظنَّ الآخرون بأنّني

رجل شيوعي

ولديَّ مِطرقةٌ تعودُ إلى أبي

من صُنْعِ حدّادٍ يسوعي

خرّيج هافانا، وهافانا لها

ولَعٌ شديدٌ بالمطارقِ

والسيوف

ولقد تَخرَّج في مدارسها الألوف

فأعدَّهم كاسترو المُبالغ في العداء

لثور أمريكا ودرَّبهم على نقرِ الدفوف

**

مُذ دخَّنَ السيجارَ كاسترو

كانَ يحلُم بانتصارْ

(يبدو جميعُ المعجبينَ بتبغ هافانا

القديم يُفكّرون بالانتصارْ)

انا لست من أهل اليمين ففيهِ

رجعيّون أقزامٌ صغار

لكنني رجلٌ أرى أنَّ الذي نصَر

اليمين هو التخلُّف في اليسار

وأرى شيوعياً بهذا الحجم من صدرٍ

وأكتافٍ سيخسرُ حُلمَ ليلتهِ

إذا طلع النهار

**

يا سيدي كاسترو الجميلَ برغم لحيتهِ

التي صارتْ شعارْ

أنا لا اعتراضَ لديَّ إنْ حاربتَ

أمريكا وشطَّ بك المسار

لكنَّ مطرقةً ومِنجلَ حاصدٍ

غيرُ الصواريخ المخيفةِ

والبوارج في البحار

أنا ناصحٌ، وكما نصحتُ أخاكَ

جيفارا، أُذكِّرُ باختصارْ:

إسمعْ معي...

قبلي وقبلَك شاعرٌ قد قالها:

لا عدلَ إلّا إن تعادلت القوى

والأقوياءُ همُ الكِبار

**

يا سيدي لا تبعث الجنديَّ للميدانِ

حين يكونُ جائعْ

لا تبتدع سُنَنَ الهجومِ على العدوِّ

وأنتَ أضعفُ مَنْ يُدافِع

يا سيدي...

ما رأيُ حضرتكَ الكريمة بالوراثة؟

هل أنَّ كوبا ليس فيها غيرُ راؤولٍ

لتجعلهُ الوريث؟

أم أنَّ حُبَّ الحكم يسري في النفوسِ

كأنّه المرضُ الخبيثْ؟

إنَّ اليسار تصوّفُ

والعبقرية موقفٌ

وأمام هذا قد يطولُ بنا الحديث

**

يا سيدي كاسترو

إذا أغراكَ ما قد قلتهُ

فأبعث لنا من تبغ هافانا

سجائرك الجديدة

فلربما ننسى الذي قُلنا ونصبحُ

من رفاقك في العقيدة

**

وإذا تعبتَ من النضالِ

فغادر الحزبَ العتيدَ وكن

مليكاً دون تاجْ

ما ظلَّ في العُمر الذي يكفي

رفاقكَ كي يُثيروا الاحتجاجْ

حقاً تعِبْتَ وخارتِ العضلاتُ

فيك، فصرتَ أحوَجَ

ما تكونُ إلى (مساجْ)

واثنانِ في كوبا يُحبّهما الجميعُ؛

عَراقةٌ الحزبِ الشيوعيْ

وتقدمُّ التدليكِ والتأهيلِ

والطبِّ الطبيعي.

***

د. ريكان إبراهيم

 

جمال مرسي (معارضة لنونية ابن زيدون)


آنَسْتُ نُورَكِ مُذْ أَغرَى لَيَالِينَا

                     بِالشَّهدِ والوَردِ يَا أَغلَى أَمَانِينَا

لُمتُ الظَّلامَ الَّذِي مَا كُنتُ أَعرِفُهُ

                       إِلَّا دُمُوعاً أُرِيقَتْ مِنْ مَآقِينَا

دَربٌ مِنَ الشَّوقِ نَحوَ الصُّبحِ يَأْخُذُنِي

                      مِنِّي إِلَيْكِ إِلى أنْ تُشرِقِي فِينَا

كَتَمتُ تَحتَ ضُلُوعِي كِلْمَةً، عَجَزَتْ

                    عَن وَصفِهَا لُغَتِي، فِيهَا تَأَسِّينَا

تَاجٌ عَلَى رَأسِ أَشعَارِي يُزَيِّنُهُ

               حَرفَانِ مِن رَوْضَةِ النِّسْرِينِ تَزيِيِنَا

وهَلْ سَتَنعَمُ أَشعَارِي بِحَاضِرِنَا

                 إِلاَّ إِذَا نَهَلَتْ مِنْ فَيضِ مَاضِينَا؟!

رُوحِي فِدَاؤُكِ يَا مَن بِتُّ أَعشَقُهَا

                    ولَم يَجُلْ فِي خَيَالِي أَنْ تُجَافِينَا

هِيَ المَحَبَّةُ جَلَّ اللهً خَالِقُهَا

                 قَد أَنبَتَتْ فِي قُلُوبِ الخَلقِ نِسرِينَا

شَمسٌ بِأُفْقِيَ قَد أَرخَتْ جَدَائِلَهَا

                عَلَى الظَّلامِ، وجَاءَتْ كَي تُدَاوِينَا

مَدَّتْ إِلَيَّ يَداً، مِن طِيبِ مَلْمَسِهَا

                          نَسِيتُ أّيَّ جَفاءٍ كَادَ يُفنِينَا

سَلَّمتُ بِالعَينِ قَبلَ الكَفِّ فَاْنصَهَرَتْ

                      عُيُونُنَا فِي عِنَاقٍ غَاظَ وَاشِينَا

الدِّفءُ فِي يَدِهَا، والطُّهرُ فِي دَمِهَا

                 والعِطرُ فِي فَمِهَا يُهدِي الرَّيَاحِينَا

لا زِلْتُ أَذكُرُ إِذ جَادَتْ بِضِحكَتِهَا

                 والَّليْلُ سَاجٍ وصَمتُ اللَّيلِ يُغرِينَا

دَاوَتْ بِقَلْبِيَ هَمّاً قَد شَقِيتُ بِهِ

                  مُذْ كَشَّفَتْ دُرَراً فِي الثَّغرِ تَسبِينَا

يَا لَلجَمَالِ الَّذِي أَبصَرتُ طَلْعَتَهُ

                  فِي وَجهِ مِن سَبَحَتْ فِيهَا مَعَانِينَا

نِيلٌ إِذَا مَنَحَتْ، نُورٌ إِذَا ضَحِكَتْ

                     شَهدٌ إذَا نَطَقَتْ، تَسمُو قَوَافِينَا

رَأَيْتُ نَفسِيَ فِي لَيلٍ يَطُولُ بِنَا

                   كَمَا يُرَى البَدرُ فَرداً فِي دَيَاجِينَا

الشَّمسُ تَمنَحُهُ نُوراً يُشِعُّ بِهِ

                   كَي مَا يُسَامِرُ فَي الَّليلِ المُحِبِّينَا

غَرِيبَة هَذِهِ الأَيَّامُ تَحرِمُنَا

                       مِمَّنْ نُحِبُّ ومِمَّنْ أَثَّروا فِينَا

بَحرٌ يُقَرِّبُنَا مِنهُم، ويُبعِدُنَا

                   مِنْ دُونِ أَشرِعَةٍ عَنهُمْ ولاَ مِينَا

شَتَّانَ مَا بَينَ مَن مُتْنَا بِهِم عَطَشاً

                   و بَينَ مَن غَمَرُوا بِالحُبِّ وَادِينَا

مَاذَا سَتَكتُبُ أَشعَارِي إِذَا وَصَفَتْ

                   مَن أَسعَدُوا الكَونَ أَقوَالاً وتَبْيِيِنَا

سَأَلْتُهَا، قَالَت الأَشعَارُ عَاجِزَةً :

                     لَنْ نَستَطِيعَ لَهُمْ وَصفاً يُوَافِينَا

النُّورُ يَنبُعُ مِن عَيْنَيْكِ مُلهِمَتِي

                     فَكَيفَ أَمنَحُ لِلأَنوَارِ تَزْيِيِنَا ؟!

لا تَعجَبِي، فَالهَوَى لَوْ زَارَ صَاحِبَهُ

                        يَهِيمُ حِيناً وقَد يَهذِي أَحَايِيِنَا

قَلبٌ كَقَلبِكِ أَهوَى أَن أَعِيشَ بِهِ

                      فَمِثلُ قَلبِكِ بَعدَ المَوتِ يُحيِيِنَا

صَوتُ كَصَوْتِكِ تَهوَى الأُذْنُ نَغْمَتَهُ

                  مَاذَا سَيُنشِدُ بَعدَ السِّحرِ شَادِينَا؟!

يَمَّمتُ وَجهِيَ نَحوَ البَيتِ خَاشِعَةً

                  جَوَارِحِي، وجَلالُ البَيتِ يُغشِينَا

دَعَوْتُ رَبِّيَ أَنْ يُبقِيكِ لِيْ سَنَداً

                    فَرَدَّدَ النَّبضُ فِي الخَفَّاقِ: آمِينَا

هِيَ الحَيَاةُ أَذَاقَتْنَا حَلَاوَتَها

                       حَتَّى دَعَا لَكِ قَاصِينَا ودَانَيِنَا

أَيقَنْتُ أَنِّيَ مَهمَا طُوِّعَتْ لُغَتِي

                   يَظَلَّ شِعرِيَ فِي عَيْنَيْكِ مِسكِينَا

يَا لَيْتَهُ كَانَ يَسْطِيعُ القِرَاءَةَ فِي

               سِفرِ العُيُونِ، ومَا فِي القَلبِ تُخفِينَا

قُرآنُ رَبِّيَ يَحكِي عَن مَلَائِكَةٍ

                         للهِ لَوْ أُمِرُوا، جَاؤُوا مُلَبِّينَا

و قَد رَأَيْتُكِ فِي الأَحلامِ فَاتِنَتِي

            مَلْكاً عَلَى الأَرضِ فِي الأَنوَارِ تَمشِينَا

نُبِّئتُ أنَّك جئتِ الأَرضَ مُرسَلَةً

                         مِنَ السَّمَاءِ بِأَخلاقِ النَّبِيِينَا

تُوحِينَ لِلنَّاسِ أَن ثُوبُوا لِرُشدِكُمُو

                وسُقتِ فِي نُصحِكِ الغَالِي بَرَاهِينَا

أَستَغفِرُ اللهَ مِن قَولٍ بِهِ شَطَطٌ

                        فَإِنَّ لِلشِّعرِ شَطْحَاتٍ تُوَاتِينَا

لا تَعتِبِي إِنْ رَأَيْتِ الشِّعرَ يَأْخُذُنِي

                لِمَنْ تَخِذْتُ هَوَاهَا فِي الوَرَى دِينَا

نَقَشْتُهَا فَوقَ صَدرِي قِصَّةً بَقِيَتْ

                   وَضِيئَةً فِي المَدَى تَمحُو مَآسِينَا

وَهَبتُها الرُّوحَ، إنَّ الرُّوحَ أُمهِرُهَا

                  لِمَن إِذَا جُرِحَتْ فَالجُرحُ يُدْمِينَا؟

رَضَعْتُ فِي المَهدِ نِيلَ الطُّهرِ مِن يَدِهَا

                    وهَل كَمَا النِّيلُ مِن نَهرٍ يُرَوِّينَا

وطُفتُ مِن شَرقِهَا لِلغَربِ مُنْتَشِيَاً

                     رَأَيْتُ أَزهَارَهَا تَكسُو رَوَابِينَا

مَا زِلتُ أَذكُرُ لَهوِي فِي مَرَابِعِنَا

                    وذِكرَيَاتِ شَبَابِي فِي ضَوَاحِينَا

لَيتَ الَّذِي مَرَّ مِن عُمرٍ يَعُودُ لَنَا

                          لَكِنَّهُ الشَّيبُ يُنْسِينَا أَمَانِينَا

يَجِيءُ غَصبَاً فَلَم نَمنَعْ زِيَارَتَهُ

                    ويَنثُرُ الفُلَّ فِي الفَوْدَينِ، يُغرِينَا

كَأَنَّنَا بَعدَمَا أَضحَتْ كُهُولَتُنَا

                   نَقشاً بِحَاضِرِنَا، نَشتَاقُ مَاضِينَا

تَاللهِ لَم أنسَ مَا قَد كَانَ يُضحِكُنَا

                    كَلَّا، ولَم أَنْسَ مَا قَد كَانَ يُبكِينَا

قُولِي أُحِبُّكَ كَي مَا أَستَظِلُّ بِهَا

                   عَسَى تُهدِّئُ فِي القَلبِ البَرَاكِينَا

لَستِ البَخِيلَةَ حَتَّى تَحرِمِي وَلِهَاً

                     يَحيَا بِهَا عُمُراً لَوْ كُنتِ تَدرِينَا

بَيْنِي وبَينَكِ بَوْنٌ شَاسِعٌ ومَدَىً

                  و كُلُّ أَشرِعَتِي أَضحَتْ بِلا مِينَا

جَمِيلَةٌ بَعضُ أَحلَامِي فَقَد زَرَعَتْ

                   فِي أُفْقِ أَخيِلَتِي الأَعنَابَ والتِّيِنَا

مَنَحتُهَا مَن بِهَذِي الأَرضِ قَد حُرِمُوا

                          حَقَّ الحَيَاةِ مَلايِيِناً مَلاَيِيِنَا

الحُلْمُ يَا رَبَّةَ الأَحلامِ يَحمِلُنَا

                          عَلَى جَنَاحِ أَمَانِينَا فَيُحيِينَا

لَيتَ الحَيَاةَ كَمَا الأَحلامُ نُبصِرُهَا

                   وَردِيَّةَ الرَّوضِ، تَرعَاهَا أَيَادِينَا

لاَ خَوْفَ، لا فَقرَ، لا أَوجَاعَ تَسكُنُهَا

              لا حَربَ، لا مَوتَ تَرعَى خَيْلُهُ فِينَا

مَا عَادَ يَشغَلُنِي مَا قِيلَ مِن زَمَنٍ

                (أَضحَى التَّنَائِي بَدِيلاً مِنْ تَدَانِينَا)

رَسَمتُ يِا أَنتِ مَا قَد فَاقَهُ لُغَةً

                     بِلا غُرُورٍ، ولَم تَعجَزْ قَوَافِينَا

سَكَبْتُ كُلَّ أَحَاسِيسِي عَلَى وَرَقِي

                      فأَوْرَقَتْ فِي فَضَاءَاتِي أَفَانِينَا 

يَوماً وَعَدْتُ إِذَا " وَلَّادَةٌ " رَجَعَتْ

                      إِلَى الحَيَاةِ لَجَاءَتْ كَي تُحَيِّيِنَا

واليَومَ وَفَّيتٌ وعداً قَد قَطَعتُ عَلَى

             نَفسِي، وعَارَضْتُ مَا قَد كَانَ يُشجِينَا

          ***

شعر : د. جمال مرسي

15/2/2018م

 

 

جواد غلومإذْ يُغادرُك ظلُّك في الليالي الحالكة الظلمة

ويُلوِّحُ لكَ مودّعاً

يُبقيك أنيسَ الوحشةِ وضجيعَ الصمت

تُومئ للأشباح متوسّلاً أن يبقَوا سُمّاراً لك

يظلُّ الأملُ آخر الأصدقاء المغادرين .

**

للأسُود عرينُها الساكن

للعصافير أعشاشُها الصاخبة

للكلاب جحورُها النائية

للماسِ غورهُ العميق في جوف الأرض

حيثُ السعير الجهنميّ

وضغطُ الدهور السحيقة في القِدَم

وللإنسان صديقُه النابت في داخلهِ

ساخناً ، بارداً ، لا ضير .

**

إذا لفَظتْني الأرض

وركلتْني بأقدامها

أتطلّعُ الى شجرة الملكوت الأعلى

ألوذ بالسماء صديقتي

مع أني لم أذقْ قِـطافَها .

**

القبر أول الأصدقاء المرحّبين في العالم السفلي .

**

السعادة صديقةٌ على موعدٍ معها

أترقّب طلعتَها ووقعَ خطاها

لكنّها كثيرا ما يتأخر وصولُها .

**

ليتني أفقه لغة القطّة السياميّة

صديقة المرأة العانس الوحيدة

لأسألها كيف لا تنشب أظفارها

وتمزّق الوحشة إربا إربا .

**

الكلب صديقٌ آتٍ من مدينة اليوتوبيا

بُعثَ ليرمم جدران الوفاء وحده

اذ لا أحد يشاركه سعيَه

هل قُدِّرَ لأنجاسِ الكلاب

أن تكون أعمّ وفاءً من طهاراتنا؟!

**

صديقُك من عادى شرورَك

اقترب من غناك وفقرك

دنا من هاويَـتِـك منقذاً

ارتقى معك في قمّتِـك مؤازراً

ووصلَك في الضيق والسِعة .

**

قلما يكون النجاحُ صديقَ النابغين والعباقرة

غير انه حتما صديقٌ دائمٌ للصوص

لحواةِ المال والشهرة الزائفة

**

تزهر الارض اذا وطأتها قدَمُ صديق

لكنّ هناك من يزلقهُا في الوحل فتتسخ

***

جواد غلوم

 

فتحي مهذبلم أعثر على مفتاح

في جيب (يونغ)

لأفتح قلعة رأسي

المليئة بالفهود

والمهرجين .

**

ثمة طرق متزايد

على شباك رأسي

أظن ذاك الملعون سيزيف

هشم مصابيح الحانة

جاء ليسترد صخرته

النائمة على حدبة ظهري

منذ زفرتين ونيف .

**

لم أجد شيئا في خزانة (أنكيدو)

لم أجد  عشبة الخلود..

لم أجد ألبومه الشخصي..

صورته الأخيرة قبل موته

في مستشفى المجانين..

لكن لماذا بيته مطوق بالفلاسفة

وبائعي لوازم الدفن ؟

**

لماذا هم كثر في طريقي..

القتلة الذين يرتقون براهينهم

بإبرة  البراقماتيزم..

أمام دار الأوبرا..

النهار (بمسدسه الأشيب)..

نظرته السيميائية العميقة

القبار الذي يضحك كلما سقطت

دمعة من (عنق الحصان)..

الحمامة التي تنادي باسمي

فوق شجرة الكاليبتوس..

حذار ثمة وحش يترصدك

على حافة السهو..

ثمة قطار مليئ بالأسرى

تحت جناحك..

ثمة لصوص يختبئون في عتمة

اللاجدوى..

بوذا على حصان مهشم..

**

أنصت إلى أمواج سيارة الإسعاف

ثمة غريق قادم من شاطئ اللامعنى..

ثمة ممرضة شقراء

تغسل حصان غريزتها بدموع الموتى..

ثمة صيدلاني يتبخر ببطء..

أنصت إلى صفارة الشرطي

ثمة مظاهرة ضخمة يتزعمها

لوقيانوس السميساطي .

***

فتحي مهذب

 

 

عبد الجبار الجبوريالخميسُ يوقظنُي من ياقتي، ويقولُ لي تَعالَ أعلمّكَ لغةَ النسيّان،وأعلمّكَ كيفَ تقبضُ على نجمةِ النسيّان وتمرغ أنف البحر بإصبع الهذيان، وها أنا أرشُّ طريق طلتّها بماء الورد،فتجيؤني في الحلم كل خميس، لترسمَ قصائدي على رملِ طفولتها، وجهاً يحبُّه قَلبي، كيف أُصفّف شَعرصباحَها، وهي تدلفُ الى بيتِ روحي كعروسٍ، حاملةً بحقيبتِها نجمةَ الليل، وشالَاً أحمر، وقنينةً من عطر إبطيّها، وأصابع لأحمر الشّفاه، تصافحُ يدُها يَدي، وقلبُها قَلبي، وروحُها روحي، وعيونُها عيوني، وشفاهُها شفاهي، في لحظةٍ نصير واحداً، ثم نتشظّى غريبيّن،تتمتم شفتاها بشيءٍ لاأفهمُه، ويتعثّر فَمي بكلامٍ كأنهُ يهذي فَمي، نجلسُ غريبيّن قُدّام البّحر، نلبسُ عُريَّ البحر،وأقمصةَ الليّل،كنتُ أقول لها تغيبينَ كدخان سجائري، وقنينةَ عِطري، وتسافرينَ على غيمةٍ محملةٍ بهمسِ المطر،أنا نايكِ المكسور،وأنا قمركِ القتيل على باب دمعتك، (آآ لَوَنْ يِنفتحْ كَلبي جان راويتج عليه شلون تتلجم جراحي،آآ لو موعيب أصيحن جنت أصيحن سامحيني بكل صياحي،سامحيني لا ألمّ الناس بصياحي وشهكَتي وجلمة سامحيني)، أنا شهقة خنقتها الريحُ، وإغتالَ دمعتَها الليلُ، وصاحَ في أول الصّباح حَرفي، (روحي لاتكَلها شبيج، وإنتَ الماي مكَطوعة مثل خيط السمج روحي)، روحي كمثرى تتدّلى من أعلى سماء، ترفلُ بالحزنِ، وبالموسيقا، والشعر، والموت، على قارعة النسيان، أُقسمُ بقامتكِ المطبوعةِ في قلبي،أقسمُ بعينيكِ اللتين تصمت دونهما الكلمات، أقسمُ بأنوثتكِ الكافرة، أقسمُ بطلّتكِ التي تُشبِهُ وجهَ القمر، أقسم بنهدينك، اليهربانِ من أصابع عَطشي، أقسمُ بزيتونة صدرييّك، وهما يضيئانِ أياميَ المثقلاتِ بالمطر، أحلمُ أنْ أقّبلَ ترابَ نَعليكِ، أقسمُ بماءِ شفتيكِ ولون دمعتيكِ، أقسمُ بذاك الشال، الذي ظل يُلوّح لي من بعيدٍ هناك، دون أنْ تراهُ عَيناي، عيَناي المكلومتان بفاتحة الغياب، عيَناي اللتان ترنوان طولَ العمر، بإنتظار طلتك البهية، كلَّ خميسِ،أخبرك ألآن، فالخميسُ ماتَ يومُ الخَميسْ،هذا ما ترسمه قصائدي على رمل طفولتك،طفولتك التي تنموكالعشب على وجع أيامي، وتنأى كالبحر الى سماء أخرى......

***

عبد الجبار الجبوري - الموصل

 

محمود روبيبريق..

ينطفئ أحيانا..

يصرخ في الظلام..

يعترف بالحقيقة..

حقيقة البهاء الأزلي

والعيون لا تنظر أبدا

تستنكر ذاك الانطفاء..

تُكذّبه.. تراه هروبا جبانا..

انسحابا من أرض المعركة..

فرارًا عند الزحف المقدس..

يالفظاعة كره معرفة الحقيقة!

لم يقل هذا البريق أنه بهاءً حُرًا

لطالما ملَّ أنهار المديح المتدفق..

حقبٌ متعاقبة.. لا تبتغي نهاية..

والنهار عاجزٌ عن فضح هكذا سر..

اليل حافظهُ وفاضحهُ أيضا..

لكن عيوننا الحمقى لا تنظر أبدا

***

محمود روبي

 

جمال مصطفىالـلـيــلُ ازرقُ،

أيُّ حــانْ

وعَـلَـيـهِ تَـحْـنـو قُـبّـتـانْ !

 

ادخـلْ

كـأنَّ قـصـيـدةً بـسـيـاقِـهـا

تَـتَـنـادَمـانْ

 

ادخـلْ:

هـنـا الـخـيـّـامُ مُـعــتَــكِـفٌ

عـلى مَـرِّ الـزمـانْ

 

مَـن انتَ؟

لا بـلْ صـوتُ مَـن هـذا؟

أسـاطـيـنُ الـمَـكـانْ

 

تَـصْـطَــفُّ أقـواسـاً عـلى الـرُؤيـا

وتـزدلِـفُ الـمَـعـانْ

 

هـيّـا:

دخـلـتُ،

أمـامَ مكـتـبـةٍ وقـفْـتُ،

وشَـمْـعَــدانْ

 

وكـأنّـمـا:

رَنْـدٌ ومِـسْـكٌ كـالـغــمـامـة ِ

يَـسْـرقـانْ

 

في خِـفّـةٍ

مِـن مِـخْـلـبِ الـصـقْــرِ الـيَـمـامَـة َ

في حَـنـانْ

 

أنا مِـن جـنـوبِ الـكـونِ:

لي أهْـلٌ هـنـاكَ

ونَـخْـلَـتـانْ

 

هُـمْ يَـسْـمَـعــونَ الـسَـلْـطَـعــونَ

يَـسـبُّ أمّ َ الـشُـمْـبُـلانْ

 

لا شيءَ تَـطْـحَـنُـهُ طـواحـيـنُ الهـواءِ

سـوى الهَـوانْ

 

مَـن انتَ؟

 قـال: انـا ثـلاثـتُـنـا

 إذا اتّـسعَ الـخُـوانْ

 

سـرٌّ وراءَ الـسـرّ:

قــاصٍ ــ في طـبــيــعــتـهِ ــ ودانْ

 

الـسـرُّ يَخـتـلـقُ الـمـسـافـة َ كـالـسـرابِ

لِـكُـلّ ظــانْ

 

سِـتّـونَ

ــ تَـتْـرى في الـدقـيـقـةِ لـن تَـعــودَ ــ

مِـن الـثَـوانْ

 

قـد يَـنجـلي فـيهــا الـجـلـيـلُ الـمـستـحـيـلُ

أو الـمُـصـانْ

 

بِـحـجـابـهِ عَـنّـا .

يـقـولُ: أنـا أراك ولا تَــرانْ

 

سـبـّـابـةُ الـعـيــنِ الـتي تُـصـغـي

إلى أقـصـى الـرهـانْ

 

نـسْـغُ الـصعــود الـحُـرّ اشـجــاراً تـطـيـرُ

إلى الـجِـنـانْ

وتَـعــودُ:

نـسْـغُ نُــزولِـهــا

أدرى بـمـا قـبْـلَ الأوانْ

 

وبـمـا طَهـا

في الـغـيْـبِ طـاهِـيهـا

ومـا ذاقَ اللـسـانْ

 

هـو إنْ تَبَخـّرَ مُـستـعـيـنٌ

أو تَـكَـثّـفَ مُـسْـتَـعـانْ

 

الـسَيـْسَبـانُ لِيستـظـلَّ بـهِ الـرعـاةُ،

الـسَيْـسـبـانْ

 

الـعـاشـقـون الـعـاشـقــاتُ

إذا الـقــساة ُ .

الـسـنْـديـانْ

 

أنْـشَـبْـتُ فـأسي في اللّـحـاءِ،

 تركـتـُهــا .

 كـادَ افـتِــتـانْ

 

هـذا بـتـلـكَ،

 وهــؤلاءِ بـهــؤلاءِ .

 الـمَـعْــمَـعــانْ

 

جَـدَلٌ عـلى أمـلِ اندلاعِ الـنـارِ

مِـن تحْـتِ الـدخـانْ

 

هي ذاتُهـا بَـعْــدَ الـرُباعـيـّاتِ

فـاغــمـة ُ الـدِنـانْ

 

لـيستْ بنيْـسابـورَ،

تَـعـْـرفـهـا ولـيـستْ اصـفـهـانْ

 

لـيستْ نبيـذَآبادَ غـرْبَ الهـالِ،

شـرْقَ الـزَعْـفـَرانْ

 

مـا بـيـن لـثـغـتِـهـا هي الأنثى الـتي .....

والـتـرْجُـمـانْ

 

نُـثـِرَتْ نِـقـاطٌ مِـن

حـقـيـقـتـهــا كَحَـبـّاتِ الجُـمـانْ

 

إلا اذا ثـقـبـوا الـزمـانَ

 فـعـادَ سَـوْفَ كَـ ـسَوفَ كـانْ

 

إلا (إذا) جَـزَمَـتْ،

مـتى جـزمَـتْ (إذا)؟

هـل تـأخــذانْ

 

مِـنهـا،

فـقـاطَـعَـهُ الـنـديـمُ:

نـصـيـبَ فـانـيـةٍ وفـانْ

 

اللـيـلُ ازرقُ

أمْ زجـاجُ الـحـانٍ عَـشّــقَــهُ اقـتـرانْ

 

الخـمْـرِ

 بـالـقَـدَحِ الـسـمـاويّ انـتــشــاءاً

 في اتّــزانْ؟

 

مـا مِـن حَـرام ٍ في الـقـصيـدةِ

غـيْـرُ تَـرويـضِ الحـصـانْ

 

هـاتِ الـرياضـيـّاتِ: هـنـدسـة ً وجَـبـْـراً

يَـلـعـبـانْ

 

في صـرّةِ الأسـرارِ: أفـعـى لا تَـمـوتُ

وأفـعُــوانْ

 

كَـبُـرا فَـصـارا حـاويَـيـْنِ

 بـلا يَـديْـنِ، يُـرَقّـِصـانْ

 

فـيْـضـاً

تَـكـامـلَ كَـمُّـهُ في كُـمّـهِ

حـتى أبــانْ

 

فـبـأيّ أرقـامِ الـيـقـيـنِ

تُـكَـذ ّبـانْ

 

حـتى ولَـوْ زعَـمَ الـذيـنَ:

كـعــارفَـيْـن ِ تُـطـعّــمـانْ

 

الـكَـرْمَ بالخَـشْـخـاشِ

أوْ بالـكَـرْمِ خَـشْـ ـ ـ ـ

يا اُلْـعُــبـانْ

 

يَـنـزو مـزاحُـكَ فـوقَ جِـدّكَ

ثـمّ لا يَـتـنـاكَـحـانْ

 

هـذا لأنَّ خـيـالَـهُ

مُـتـلاقِـحٌ: إنـْـســاً وجــانْ

 

تَـتَـحـيّـنـانِ

عـلى أبي حَـيـّـانَ

مـا تَـتَـحـيـَّـنـانْ

 

يَـتَـحـيّـنـانِ مُـقـابَـسـاتٍ مـنـكَ

سـاحـرةَ الـبَـيـانْ

 

لا بَـلْ يُـقـابـِسُـنـا الأخـيـرُ زمـانُـهُ

دعْ عـنْـكَ كـانْ

 

لِـتَـكُـنْ مُـؤانـسـةً وإمْـتـاعــاً

وأصـداءاً حِـسـانْ

 

طُـويَ الـمـكـانُ

فـصارَ أصغــرَ مـثـلـمـا

طُـويَ الـزمـانْ

 

عُـمَـرٌ تَـساءَلَ: كَـمْ لَـبَـثْـنـا،

قـلْـتُ: مَـرّتْ سـاعـتـانْ

 

هَـلاّ تُـسـَمّي بَـعْـضَ مـا أحْـرَقْـتَ؟

 قـالَ: (الكَـفّـتـانْ:

 

الـذلُّ في الـشكْـوى ولَـو كـانتْ،

وكَـعـبـةُ شَـلْـمَـغـانْ

 

فـكـتـابُ تألـيبُ العـَـوام ِعـلى اللبـيـبِ:

مُـجَـلّـدانْ

 

وشُروحُ كَـلاّ قَـبْـلَ لا

للـفـيـلـسـوفـةِ شَهْـرَبـانْ)

 

عـن بَـحْـرِ (كـانَ)

 سـألـتُ حـتى ـ ـ ـ بَعْـدَ حـتى أوْقـفـانْ

 

عـن بحـرِ (سـوفَ) الآنَ

وانـدفـعــا مَـعـاً يَـستـفـسـرانْ

 

يا صـاحـبـيَّ،

اللـيـلُ ازرقُ لا مَـجـازاً

بَـل عـيـانْ

 

وهُـنـا: عـلى هـذي الـرفـوفِ

جـوابُ مـا لا تَـعـرفـانْ

 

وسـقـوفُ مـا رَفـعـتْ

و تَـرفـعُـهُ مُـجَـنّـحَـةً يَـدانْ

 

فـاكـورةُ اللا شَـكِّ خـادمَـة ٌ،

 وأذرعُـهــا ثَـمـانْ

 

وتُـروسُ سـاعـتِهـا وقـد شَـفّـتْ

وعَـبْـداهـا الّلـذانْ

 

حُـرّيـن ِ قـد طَـفَـقـا عـلى ايـقـاعِـهـا

يـتـراقـصانْ

 

قـفَـصُ الـطـيـور يـطـيـرُ مـفـتـوحـاً:

تُـغــرّدُ وحْـشَـتـانْ

 

قَـبْـلَ الغـروبِ

كـأنَّ وحْـدَكَ لَـسْتَ (وحـدَكَ)

يا فـلانْ

 

هـذا هـو الحاكي،

اسـمعـا يـا صـاحـبـيَّ مِـن الأغـانْ

 

ومِـن (الـربـاعـيّـاتِ) يا عُـمَـرٌ

فـراحـا يُـصْـغـيـانْ

 

ذو الـقـوسِ مـا هـذا المُخَـصَّـرُ؟

هـذه؟

هـذي الـكَـمـانْ

عَـبّـأتُ غـلـيـوني فـدخّـنَـهُ،

وغـابَ مع الـدخـانْ

 

هـل مِـن جـديـدٍ؟

قـال: فـاسْـمَـعْ

قـلْـتُ: إنّـا مُـصْـغـِـيـانْ

 

الـقـلْبُ عـقـلٌ في الـقـصيـدة

والـقـصيـدةُ ثُـعْــلُـبـانْ

 

مـشْـطٌ لِـتـسريـحِ الـدَهـاءِ مع الـفـراءِ

إذا الـنسيـمْ

 

وافى سـيَـلْـعـبُ وحـدَهُ

مُتـنـاغِـمـا ً عَـيْـنـاً و جـيـمْ

 

قـمَـراً عـلى ضـوءِ الـقـصيـدة

في القـصيـدة يَـرْسـمـانْ

 

وهـنـا أبـو حـيّـانَ نـشـوانَ انـبـرى:

لـوْ تَـسـمَـحـانْ

 

عَـرّبْـتَـهُ أمْ جـاءَ وحْـيـاً بالـتي ..؟

 كـادَ الـلـســانْ ـ ـ ـ ـ

 

حَـسَـنـاً خُـذا هـذا وبالـفـصحى،

فـقـلـنـا: آخــذانْ

 

وعْـلان ِ

مِـن ذَهَـب ٍعـلى سـفْـحِ الـصدى

يَـتـنـاطـحـانْ

 

والـنـاسُ في الـوادي

فـصـولُ حـكـايـةٍ ومُـعَـسْـكَـرانْ

 

الليـلُ ازرقُ في الـقـصيـدةِ

والـقـصـيـدة سـاحـلانْ

 

يـتَـقـلّـدانِ الـبَـحْـرَ أوْسـمـَـةً وَهَـوْلا ً،

لا ضَـمـانْ

 

الـريـحُ

سـيّـدةُ الـكـبـائـرِ والـمـصائـرِ

والـمَـضـانْ

 

فـبـأيِّ خـلْجـان الـقـصـيـدةِ

راجـعَـَـيـْـن ِ

تُـجَـذِّ فـانْ؟

قـالا:

 مِـن الـشَـتّى ـ ـ إلى الحَـتّى

 مـروراً بالأتـانْ

 

بـيـضـاء َ طَـوَّقَهـا يـقـولُ:

خـَلـيـقـة ٌ بالأقـحـوانْ

 

بالغـيـمِ

بالـمـطـرِ الـذي يَسقـي

حـقـولَ الخـيْـزرانْ

 

كي

تـفـرحَ الـناياتُ بالـشَجَـن الـمُعـتّـقِ .

باخـتـزانْ

  

صُـبـّيـرةِ الـشَـظَــفِ الـطـويـلِ

الـمـاءَ مِـن آنٍ

لآنْ

 

بالحَـيْـرة الحُـبـلى الـتي لا حـيـرةٌ

بَـلْ حـيـرَتـانْ

 

لَـمْ تَـقْــوَ سـاقُ الحـنْـدقـوقِ

مِـن الـريـاحِ

عـلى احـتِـضـانْ  

 

ألـعـابِ يَـعْـسـوبَـيْـنِ

مِـن اهـدابهـا: يَـتـدلّـيـانْ

 

حَـذِرَيـْـنِ

ــ ألاّ يَـسْعَــلا عَـسَـلا ً ــ

فـلا يَـتَـلاسَـعــانْ

 

أُسُّ الـتـبـاسِ الحـقِّ

أغـشـيـة ٌ

تَهـيـجُ وغـدّتـانْ

 

مُـذْ كانَـتـا

ــ كـانَ الـسِجـالُ ولـمْ يَـزلْ ــ

تَـتَـصارَعـانْ

 

كـأسي الـتي انـدلَـقَـتْ ثـمـالَـتُـهـا

وثـمّـة َ اُخْـرَيـانْ

 

عُـمَـرٌ، أبـا حـيّـانَ أيـنـكُـمـا؟

أكـانَ الـصـاحـبـانْ

 

نَهـرَيْـن ِ في وادي الـسرابِ

معَ الـرؤى يَـتـراءَيـانْ؟

 

سَـكـرا فَـغـابـا،

لـن يكـونـا

صـاحـبَيْ هـذا الـزمـانْ

 

وحْـدي إذنْ:

عـادا إلى رَفٍّ

ونـامـا في أمـانْ

 

لَـكَـأنّـمـا

الـعَـدَمُ انـقـشاعُ الـوَهْـمِ،

لا معـنى الـمَـعـانْ

 

قـطْـفُ الـرغـائـبِ قـبْـلَ مَـوعـدِهـا

و مـا بَـعْــدَ الأوانْ

 

و(سـمـعـتُ صـوتـاً هـاتـفـاً)

في الـفـجْـر: حَـيَّ عـلى الأذانْ

  

الـفـجْـرُ ديـكٌ في الـقـصـيـدةِ

والـقـصـيـدةُ أرْجُـوانْ

 

سَـهْـرانَ

يَـنْـقـرُ نـقـطـةَ الـنـونِ الـزبـيـبـةَ

يـا جـبـانْ

 

أدمَـيْـتَهـا ودهـنْـتَ عُـرْفَـك َ،

قـال: حَـسْـبي حَـبّـتـانْ

 

الـنـمْـلُ خـيـط ٌ في الـمَـجـازِ

الآنَ تـدخـلُ نـمـلـتـانْ

 

في جـوفِ قـافـيـةٍ

-  تَـسَـمَّـرتـا -

فـأطـبـقَ كَـهْـرَمـانْ

 

لا بُـدَّ لي مِـنّي،

ومِـن سِــنَـةٍ أضـافَ الـبُـؤبـؤانْ

 

أرِحِ الـذي

مِـن أجـلِ قـافـيـةٍ

تُـسـمّـيـهِ الـجَـنـانْ

0

الـشـمـسُ تَـضحـكُ

 أمْ عـلى آسِ الـسيـاجِ

عـمـامـتـانْ؟

***

جـمـال مـصـطـفـى

 

زياد كامل السامرائيإسعاف

واقفةٌ هناك...

تحتَ مظلة الوقت.

ولكي أشاغل المطر بيني وبينها

طبعتُ على راحة كفّي شفتيّ،

ونفختُ بقوةٍ

لتعبُر الشارع...

مُسرعة  قُبلتي

قبلَ أن تدهسها

سيارة الاسعاف المجنونة.

 **

شيطانٌ رابع

أنا في الشرق

وهي في دولة بعيدة،

نائية

تبعثُ لي رسالة حُبِّ

كَتَبَتها على صورتها

وهي تداعب كرات الثلج.

أبعث لها صورة "التحرير"

هي قالتْ : أحبكَ

أنا قلت : "ثورة" ما بين أحبكِ أحبكِ

ينقطع "النت"

لا نقول شيئا.

 **

حُب

يدخلُ النفق.....

ليس طويلا،

قطار الحبّ المتسارع.

أمسكُ يدها

يدها تُلامسُ زجاج النافذة الملساء

آه ....

تصرخ

يخرج

قالتْ: لكمْ أردتُ أن أكون معكَ الى الأبدِ !

***

زياد كامل السامرائي

 

عبد الزهرة شباريإلى الجموع الهادرة

في ربوع وطني المناضل!


ألووا عنانكمُ  واتلوا أيــــــــــة الطرَبِ

                   فالحبُ في شَــــــــــــــــدوَكُمْ قيثارةُ الرُتَبِ

والخيلُ عندَكُمً دُهمـــــــــــــاً لَها طَرَبٌ

                    في ساحَةِ الجَمعِ كَلمى تطفو على الشُـهُبِ

كأنكُمْ في ثيابِ العرسِ زاهيــــــــــــةٌ

                   تبدونَ أو أُ سُــــــــــداً في الحربِ والكُرَبِ

إنّيّ رأيتُكُمُ والحب يُنبئنـــــــــــــــــي

                 ويعتَلي النَخلَ نِســــــــــــــــراً لا ولمْ يصبِ

مَرحا لِساريةٍ في شَـــــــدوَكُمْ خَفَقَتْ

               لَفَّ الزنودِ بســــــــــــــــفرِ البيضِ واليُلبِ كَمْ

من ســـــــــنينٍ أبتْ ألاّ أغاولُها

                    في غَمرةِ الحُزنِ أياماً بها وَصــــــــــــَبي

والروحُ ظمأى  وما تدرونَ ما صَنعَتْ

                    في غَلسَـــــــــةِ الليلِ جاءتْ تَرنو للخُطَبِ 

تَوَسدتْ من فِراشِ الشوكِ وَانغَمَسَتْ

                    عُمرَ الحياةِ قَضَتْ عُمراً على السَـــــــغَبِ

 

أســـــــــــــيرُ أهذي مواويلي مولَّهةٌ

                    عَطشــــــــــــى كأنّي بأرضٍ لا وَلمْ تَطُبِ

أعاتُبُ الشِـــــــعرَ ترحالي على وَلَهٍ

                        وأســـــألُ الخَودَ أينَ الشـــوقِ والحببِ

وأينَ أينَ الَوفى جَفَّتْ مَنابعــــــــــهُ

                      أثَر ابتعادي وصُــــــــوتٌ ما خَلاّ عَتَبي

فبتُ أطوي الجفا كالعيسِ من ظمأٍ

                  يخالها الناسُ  ملآى وهي في سَــغَبِ تموجُ

من حولّي الأيامُ مضــــرجَةٌ

                     دمُ الشباب يناغي ســــــــورةُ الغضَبِ ما

همَهُمْ غير حبِ الأرض تعشقهمْ

                    أرضُ الســـواد ِ بذاتِ الخيرِ والخصُبِ يا

رحمَةَ الله طوفي حولَهُمْ وَهُبــي

               بُردَ الحَنينِ بعزٍ في ذُرى السُـــــــــرُبِ أرمي

قوافي الهوى في الليلِ من وَلَهي

               وَأســــــألُ النَجمُ كمْ هُومتَ في غَضَبي حَيرى

النُجُومُ بوجهِ البيضِ تَرمقُني

                    وَتســـــــــري خَجلى بنيلٍ  لا وَلَمْ تَهُبِ أنا

العُراقُ جُراحاتــــــــــــي مُطَهَرَةٌ

                      لا تَشكي  ضـــــيما ولا ذُلاً على الحُقَبِ

 

إذا دَجا الليلُ بالظلماءِ  كُنتُ لَهـــــا

                     أيقظت شــــــعري بِعزٍ في هَوى الطَرَبِ

تَنأى رؤاي وَشدوي في حِما وَطَني

                         وَتستَفيضُ شـــــجوني بالهوى الكُرُبِ

ســيانُ عِندي إذا ما عشت ممتَحِناً

                أو مُتُ في خَيمتي  الوَلهى على الجُدُبِ تنثالُ

من دَمِيَّ الأيامُ زاهِيــــــــــــةٌ

                       وَيشرَبُ الليُلُ من أهي وَمِنْ صَخَبي إنْ

غاضَ دَجلَةً من بغداد ندَّ  لهـــا

                     جُرفُ الفُرات وصاختْ دولَتَ الكذبِ أما

تَرى الشَمسَ في عُرنينَها كُسِفَتْ

                         وَبانَ مِنها شَواظٌ ينبو بالغَضَــــــبِ يا

رَحمةُ الله أطوي شَـــدوَ من وَهَبوا

                       تِكَ الدِماءُ وَأعمارُ علــــــى النُوَبِ أُعيذُ

شَدوي وشِعري بالهَوى عَلَناً

                       إذا تساوتْ دِماءٌ في سُرى الرِيَبِ مادَتْ

عرا بيدهم في جِرفِ ذا وَطَني

                  وَانمازَتْ البيض في الَعلياء  كالسحبِ مَدوا

الرِقاب جسوراً للعُلى وَطَناً

                          وَأوقَدوا الرُوحُ  بركاناً علــى الطَلَبِ

 

وَعاهدوا الشَعبَ إيماناً بِمَلْحَمَـــــــــةٍ

                         لَها دَوياً على الأفاقِ وَالشُــــــــــــهُبِ

فالنَصرُ فيكُمْ  نَما في شَمْسِكُمْ سطعت

                          بُشراكَ يا  شَعبُنا  ترقى على السُحُبِ

سَينجَلي الغَيمُ حَتماً من سَـــــــــمائكُمُ

                       ويرتَقي الشَعبُ عِزاً يسمو بالحَسَبِ  !!

***

عبد الزهرة الشباري

في البصـــ23/12/2019ـــــرة

 

     

عبد اللطيف رعريقَارِعةُ الطَّريقِ صَفحةٌ حارِقةٌ

 تتَّسِعُ لِسرَابِ الآلِهة

 لِمُحاورَةِ المَوتَى عن أسْماءِ المَتاهةِ

في حَضْرة غيابِ الظِّل.....

الطيُورُ التِّي تمُرُّ من هنَا

أكثرُ إغْرَاءًا من ماءِ النًّهرِ

 وتلْوينُ القمَرِ لا يزِيدُ النُّجُومَ إلَّا دهْشَة

فَكمْ قُبلَة ستَحتَرقُ فِي كَفِ عَارِية

 قبْلَ رَفعِ سِتارِ الثَّمالةِ.....؟

وَكمْ غَمزَةٍ تلزِمُنِي لِتَرْويضِ العيْنِ

 علَى البُكَاءِ 

لمّا أعُد أصَابعِي وأجِدُها خَاوِيةً...؟

أبَديةُ السَّوادِ تَمتلكُ سَاعات الجُنونِ

فَلا تدُورُ عَقارِبُها إلاِّ على مُستَحيلٍ

لِيكتملَ وجهُ الصَّدى

;ويبقى احتمالُ فقدانِ المتاهة

 غاية تباركُها شياطين الأرض.....

لتمتدَّ  اللَّعنةُ  آخر المُعتقدِ

وتُحْرقُ اللغَاتُ بينَ الألسنةِ

 قارِعةُ  الطَّريقِ  تحْملُ  عَجائِبيةُ  حُلمِنا ....

الحُلم  الذِّي  لا يتنتهي

 الا حِينَ تحْرِقُ الشَّمسُ وجْهَ  الأفُقِ البعيدِ

 في صَلاتهِ الاخِيرةِ ...

في منابرَ تخْتزلُ السّماءَ ومَاء البحرِ ..

قدمُ الرَّب لا تطأ الأرضَ

 والأفقُ  يهوى  الرّكضَ

 فحِينَ  خيَّرنَاهُ  بين  العَدمِ  والأبدِ

  قبَّل  يدَ  السَّماء ...

ونامَ  فِي  مَداهْ أمَدَ الأمدِ

الإلهُ الذِّي تنْحنِي لهُ الأسَاطير

مُجرَّد  وهْمٍ...

 إلى حِين تنهارُ الصّور

ونحنُ  حَفنة  تُرَابٍ تحمِلُ الإنسانَ منَّا

 حَالة سَراحٍ

 فلنُرمِّم قارِعةَ الطَّرِيقِ

بحَجَرِ الذِّكرَياتِ

فعُيونِنا حَجرٌ...

 أغْنياتنَا حَجرٌ ...

وموَاعِيدُنا حَجرٌ ....

***

 عبد اللطيف رعري/فرنسا

 

ابراهيم الخزعليتراءى له أن السقف يتموج وأنه يتشقق، فأخذت نبضات قلبه تتسارع، وتهتز إثرها اضلاعه مصحوبة بزفرات حرّى، وصخب الحياة والموت يئز في رأسه أزّا، وشئ ما ينبئ عن خطر محدق، وكأن العمارة التي يسكنها ستنهار حالا. فما الذي يفعله ؟ تساءل مع نفسه . هل يقفز من النافذة ويلقي بنفسه باحضان الموت أو يدع الموت يقع عليه قبل أن يضيع تحت الأنقاض، أم انه ينزل مسرعا ليصرخ بأعلى صوته كي يوقظ الناس من سباتهم ويعتصموا بحبل الحياة معه في الشارع؟

وماذا عساه لو أن العمارة لم تسقط ، ولم يحدث أيّ شئ؟

كيف سيكون مصيره؟

فامّا ان تسرع الشرطة وتلقي القبض عليه باعتبار ما يقوم به هو اعمال شغب وفوضى، أو يتهم بالتآمر مع وجود قوى خفية دفعته لذلك، وأقل عقوبة له هي مستشفى الأمراض العقلية !

إنتفض من فراشه مرعوبا بعد أن ايقظه من نومه فزعه، وعيناه تصوبان نظرهما الى الأعلى، إذ لاح له ان الشمس احتضنت السقف

***

ق. ق. ج

الدكتور ابراهيم الخزعلي

ناجي ظاهرعاش خياّم اللهواني ردحا مديدا من حياته، واكاد اقول حتى.. مماته، مع انه حي يرزق، عاش حياته معزولا وحيدا، وكان ما ان يخرج من وحدته حتى يعود اليها مضطرا مُكرها، وقد قضى جُلّ حياته بعيدا عن الناس وقريبا منهم في الان، فهو ما ان يقترب منهم حتى يأتي مُنغّص، لا يدري من اين، ليعكر عليه اجواء خروجه من امواه وحدته الفاتكة القاتلة، وقد علّمت التجارب اللهواني على العديد من الطرائق للخروج من وحدته، منها.. ما ان كان يُعرّفه احدُهم على صديق له، حتى يأخذ في التقرب اليه، متجاوزا من عرّفه عليه، ومحاولا بناء علاقة خاصة به، الامر الذي كان يُغضب الطرفين، صديقه وصديق صديقه.. فينفضان عنه، بل انه بالغ ذات يوم في غيه، فما ان عرّفه صديق صحفي على زميل.. عامل له في الصحيفة، حتى نزل عليه بأشواك كلامه الحادة.. اعتقادا منه ان ما يقوم به انما يُقرّبه منه!! وكان ان رد عليه هذا الصديق بعنف وطرده من مكتبه شر طردة.. واصفا اياه بالأفعى الناكرة للجميل، وقائلا له: انك لم تحفظ الود لمن عرّفك عليّ.. فكيف تطلب مني ان اتصادق معك.. واضعك في عبي.

بقي اللهواني يتعرف على آخرين من خلال اناس اخرين، بينهم اقارب له، حتى بلغ الثلاثين من عمره، فعاف حياته ليغادرها الى الغرب، وليستقر به المقام في مدينة دبلن الايرلندية، منضما ولاحقا باخ له، استقر به المقام فيها، وارتبط بامرأة ايرلندي. اصطحبه اخوه فور نزوله من الطائرة الى بيته ليعرّف زوجته به، وما ان انقضى يومان حتى سألت صاحبة البيت زوجها الى متى سيبقى اخوك عندنا؟، فهم اخوه.. ان زوجته ضاقت ذرعا بأخيه، فاقترح عليه ان ينزل عند صديق له يعيش وحيدا في شقة بعيدة عن مركز المدينة، ريثما يعثر على فرصة متاحة للبقاء في تلك البلاد.

تقبل خيّام الاقتراح، وانتقل للإقامة مع صديق اخيه، ولم يمض اكثر من يوم ونصف اليوم حتى جاءت النتيجة القاسية، قال له صاحب الشقة بصريح العبارة انه لا يمكنه استضافته للابد، عندها خرج اللهواني، كما خرج في اكثر من لحظة من لحظات حياته، هائمًا على وجهه، وجلس في محطة القطار عاضًا على شفاف الندم، لكن كما ارسل له الله من يُخلّصه في اللحظة الاخيرة من كل وقعة جديدة، لم يخذله هذه المرة، فقد عَلِمَ اخوه بما صارت اليه اموره، فبحث عنه طوال ساعات، حتى عثر عليه منكمشا في محطة القطار، وفي عينه دمعة.

تقدم منه اخوه وفي عينيه رأفه واعتذار وربت على كتفه قائلا له، انه عثر اخيرًا على الحل الملائم لإقامته الدائمة في دبلن، وامسكه من يده جارا اياه، الى مقهى يقوم في اعماق المدينة، وهناك قدمه الى فاتنة ايرلندية، قائلا لها: اعرّفك على اخي. ارسلت الايرلندية نظرة الى اللهواني، وهزّت رأسها علامة الموافقة، ما رسم ابتسامة على جبين اللهوني، فقد فهم بحاسته المُدرّبة على الوحدة، المتحسبة لها دائما وابدا، انه عثر على المرأة التي تُمكّنه من الحصول على تصريح اقامة دائم في تلك البلاد، وعلى بيت دافئ يشرب فيه الكباتشينو ويُمدّد رجليه فيه وعلى كنباته باسترخاء، وبينما هو يتخيل نفسه وقد عثر على رفيقة، زوجة وبيت دافئ، كانت تلك الايرلندية، ترسل نحوه نظرة مُعجبة بملامحه الشرقية وشعره الليلي الاسود، وتأكدت من جسمه الممتلئ، انه سيخفف عنها متاعب الحياة، وسوف يكون معينا لها على مصاعبها ومشاقها.

في مساء ذلك اليوم، دخل اللهواني واخوه وزوجته الجديدة الى شقتها، وبعد نحو نصف الساعة، استأذن الاخ في المغادرة الى بيته، مُخليًا الفرصة لأخيه ان يعب من المياه الايرلندية ما شاء وما رغب، وهكذا كان، فما ان اغلق الاخ باب الشقة مُوليًا ومختفيًا في فضاء الشارع المحاذي، كما ظهر للزوجين المتعانقين من نافذة شقتهما، حتى التصق الزوجان التصاقة غريق عثر بعد عناء وشقاء، على خشبة الخلاص المنشودة.

شهدت الايام التالية ازدهارا لم تشهد مثله حياة اللهواني خلال سنوات عمره الثلاثين الماضية، وربما حياة زوجته الايرلندية ايضا، فقد كان كل منهما يحلم بالسكينة والاستقرار، وها هو الله قد يسرهما لهما، بأيسر السبل، الزوجة فرحت بزوجها المشتاق لجسد امرأة، والزوج فرح لأنه استقر هناك في دبلن، بعيدا عن الشرق ووحدته.. بل وقرفه فيه.. ما عدا هذا، تبين للزوجة انها اخطأت نوعا ما في حساباتها، فقد اكتشفت خلال الايام التالية ان زوجها اللهواني انما سيعيش على حسابها، فتوجهت اليه طالبة منه بكل ادب، ان يخرج للبحث عن عمل، فالمصروفات كثيرة.. ويد واحدة لا يمكنها تعيل اثنتين.

خرج اللهواني من شقة زوجته حائرًا في ماذا يمكنه ان يفعل في تلك البلاد الغريبة عنه، وللحق نقول انه حاول ان يدخل الى مطعم وبعده فندق ليسأل عن عمل، إلا انه تهيّب ولم يفعل، الامر الذي دفعه للاتصال بأخيه طالبًا منه المساعدة، غير ان اخاه كان قد اغلق تلفونه، فعاد الى زوجته وعلى وجهه اكثر من علامة ضيق. سألته زوجتُه عن سبب ضيقه ذاك، لتواجه بصمت شرقي لا تعرفه، الامر الذي دفعها لإعادة السؤال. حين شعر اللهواني بنبرتها الغاضبة قليلا، خشي ان يصيبه ما اصابه في كل مكان وزمان حلّ فيهما، فأخبرها انه لا يعرف كيف يمكنه العثور على عمل، في مدينة كبيرة مثل دبلن، ما ان سمعت الزوجة المستريبة كلمات زوجها هذه، حتى افترشت وجهها ابتسامة واسعة، وهمست في اذنه الحبيبة قائلة له: ولا يهمك.

في اليوم التالي كان اللهواني يعمل نادلا في مطعم ضخم فاره، ويشعر بثقة لم يشعر بمثلها طوال الثلاثين عاما الماضية، فقد بعث له الله بعد صبر جميل زوجة جميلة وعملا يقيه شر الوحدة والسؤال.

انغمس اللهواني في عمله ناسيا ذاته القديمة، لكنه ما ان تذكرها وعادت اليه اطيافها العتيقة، حتى افتعل خلافا كما فعل في حالات اخرى مشابهة مع صاحب المطعم، ليجد نفسه بعدها ينطلق باتجاه شقته وزوجته، اما شقته فقد فتح بابها بالمفتاح الخاص به، واما زوجته فقد اضطر لانتظارها حتى عودتها من عملها في المساء. بعد دخول الزوجة الى شقتها بوقت قصير لاحظت ان زوجها يعيش حالة من الحيرة والارتباك، ولم يمض وقت طويل على حديث الزوجين، حتى اقبلت الزوجة على لهوانيها ضامة اياه الى صدرها الطري، ومربتة على ظهره وهي تقول له: ولا يهمك.

بعد يومين، وجّهت الزوجةُ رجلَها الى عمله الجديد نادلا في قاعة للأفراح، فطار اليها مندفعا باحتضان زوجته الليلي له، واندمج بسرعة كسول مُحبٍ في عمله، ليعافه بعد فترة قصيرة وليتكرر شجاره مع مدير القاعة، ولتأتي النتيجة المحتّمة مغادرة القاعة بأسف.

قضى اللهواني على هذه الحالة مُدة سنوات، انجبت فيها زوجته الايرلندية ابنة مثل القمر، ففرح بها الزوجان، ونسيا مشاكلهما الصغيرة مع وحدة اللهواني وبطالته المزمنة، وعجزه عن التأقلم مع آخرين ممن يتعرف عليهم بهذه الطريقة او تلك، غير ان ما بدا في تلك الاثناء ان فرحة الزوجين لم تدم طويلا، فقد نفرت به زوجته عندما لاحظت ان دمه لا يتحرك، وانه عثر على طريقة مستحدثة، لكن ليست حديثة لمشكلته مع التأقلم والعمل. كان لا بد لها من وضع حد لما عانت منه طوال سنوات زوجها، فقامت بطرده من بيتها شرّ طردة، وهي تصرخ به انها اعطته كل ما بإمكانها اعطاؤها اياه من فرص، وان قدرتها الايرلندية الجبارة.. قد نفذت.

عندها تأكد خيام اللهواني، من ان عقد زواجه قد نفذت مفعوليته، وانه لا بد لها من العودة الى بلاده، شجّعه على هذا ان عددا من اهله ومعارفه، اخبروه انهم اشتاقوا إليه. هكذا عاد اللهواني الى البلاد، وكان ان دعاه معرفةٌ له الى شرب فنجان قهوة في " اروما"، وما ان تناول كلٌ منهما، هما الداعي وضيفه فنجان قهوته، حتى شرع اللهواني بالتحدث عن مكوثه مدة سنوات في ايرلندا، وهو ما شجّع داعيه على الاهتمام به وبما حدثه عنه، فدعاه مرة واخرى... الامر الذي مكن اللهواني من العثور على كلمة السر التي بحث عنها طوال سنوات عمره لعبور ابواب قلوب الآخرين وهي: كنت في اوروبا، غير ان فرح اللهواني لم يدم طويلا.. فعادت حليمة الى عادتها القديمة.. مثقلة هذه المرة بحمل رزين.. من الذكريات.

***

قصة: ناجي ظاهر

 

يحيى السماويثـمـان عـشـرة عشبة

من حقول إينانا

***


 

 (1) فـراديـس

أنـا لـسـتُ فـي قـاعِ بـئـرٍ عـمـيـق

لِـتـمُـدَّ  إلـيَّ   ضـفـيـرتَـهـا   حَـبـلاً   ..

ولا فـي لُـجَّـةِ بـحـرٍ

فـتـرمـي إلـيَّ  قـمـيـصَ نـومِـهـا  طـوقَ نـجـاة ..

*

كـلُّ الـذي أريـدُهُ :

عُـمـرُ " نـوح "

لأكـمِلَ اكـتـشـافَ فـراديـسِ جـسـدهـا الـمـائـيِّ

قـبـل أنْ أشـربَـهُ قُـبـلـةً قُـبـلـة!

***

(2) إنـصـهـار

أوقِـفـي دمـي الـنـازفَ مـن جـسـدك

لأمـسـحَ دمـوعَـكِ الـنـازفـة مـن عـيـنـيَّ ..

*

دمي دمـوعٌ حـمـراء ..

ودمـوعي دمٌ أبـيـض  ..

*

دمُـكِ يـنـزفُ مـن جـسـدي ..

ودمـوعـي تُـذرَفُ مـن عـيـنـيـك ..

***

(3) بـوصـلـة

هـذ الـبـحـرُ الـهـائـجُ  كـيـف أعـبـرُهُ ؟

الـمـيـاهُ مـن لـهـيـبٍ

وزرقـي مـن وَرَق  !

*

بَـوْصَـلـتـي عـمـيـاء

ولـيـس مـن شـمـسٍ أو قـمـر  !

***

(4) عـطـش

إســقِـنـي شِــربَـةَ قُـبُـلاتٍ لا أظـمـأ بـعـدهـا  ..

ورغـيـفَ عـنـاقٍ يُـسـمِـنُ ويُـغـنـي عـن جـوع  ..

وانـسـجـي لـيْ مـن دفـئِـكِ ثـوبـاً يـسـتـرُ عـورةَ شـبـقـي

ويُـذيـبُ جـلـيـدَ الـوحـشـةِ الـمـتـجَـمِّـدَ فـي سـريـري  ..

فـ ( الـسـاعـةُ آتـيـةٌ لا ريـبَ فـيـهــا)

ســاعـةُ رســوِّ زورقِ رجـولـتـي فـي نـهـرِ أنـوثـتِـك !

***

(5)  ســبـب

لأنّ ثـغـرَكِ وطـنُ لـذّةٍ

فـقـد أصـبـح ثـغـري شـعـبـاً

مـن الـقُـبُـلات !

***

(6) تـهـيّـم

أنـتِ لـسـتِ خـمـراً   ..

فـلـمـاذا كـلَّـمـا  حـاولـتُ كـتـابـةَ اســمِـك  :

تـسـكـرُ  الـحـروفُ وتـتـدحـرجُ ســطـورُ الـورقـة ؟

*

أنـا لـسـتُ سَــمـكـةً  ..

فـلـمـاذا أمـوتُ إذا لا أغـرقُ

فـي نـهـرك ؟

****

(7) رباعيتان

(1)

لـكِ الألـقُ الـبـهـيُّ ولـيْ الـظِـلالُ

فـنـحـنُ مـعــاً صَــلاةٌ وابــتـهــالُ

 

ونـحـنُ إذانُ مِــئــذنـةٍ تــمـاهــى

بـهــا قـلــبــاً وأحـداقــاً " بـِـلالُ "

 

بَـلـغـتُ مـن الـنـدامَـةِ أنَّ قــلـبـي

بـهِ مـن صـخــرِ مـنـدمـةٍ جـبـالُ

 

تـبـاعَـدْنـا فـصـرتُ الـى مـحـاقٍ

وعـدتِ إلـيَّ فـاكـتـمـلَ الـهــلالُ

***

(2)

شـفـيـعـي  لـو جَـنـحـتُ عـن الـصَّـوابِ

جــنــونُ الــشــيـخِ لا نَــزَقُ الــشـــبـابِ

 

مَـحَـضـتُـكِ فـي الـهـوى قـلـبـاً وعــيـنـاً

وحـرفـاً ـ فـي الــصَّـبـابـةِ ـ لا يُـحـابـي

 

أنـامُ عـلـى عـلـى ســريــرٍ مـن هــيـامٍ

وبـيْ شــوقُ الـضـريـرِ الـى شِــهــابِ

 

لــئــنْ أنـجـيْــتِــنـي مـن جَـمــرِ يـومـي(*)

لأغــدوَ كــالـــصَّـــلاةِ مــن الـــثـــوابِ

***

إشارة الى قوله تعالى: (لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) .

***

(8) اكتشاف

آخـرُ مـا اكـتـشـفـتُ فـي مـتـاهـةِ الـحـيـاهْ:

*

أنَّ الأسـى يُـمـكِـنُ أنْ يُـصـبـحَ نُـعـمـى ..

والـلـظـى مِـيـاهْ  !

*

فـكـلـمـا حـاصَـرَنـي الـحزنُ وسَــدَّتْ بـابَ كـهـفـي صـخـرةُ الـيـأسِ

وشَــبَّ فـي حـشـاشـتـي لـهـيـبُ الـ " آهْ "

*

يـصـيـرُ كـهـفـي روضـةً ..

والـلـيـلُ يـغـدو مُـشـمِـسـاً كـأنـهُ الـنـهـارُ فـي ضُـحـاهْ

*

حـيـن أصـيـحُ مـلءَ نـبـضـي : يـاحـبـيـبـي الـلـهْ

***

(9) قـسـم

أقـسـمُ

بـالــتـفـاحـةِ الـمُـقـدَّسَــةْ

*

وبـالـنـدى الـنـاضـحِ مـن زهـرتـهـا

والـلـذةِ الـمُـحْـتـَـبَـسَــةْ:

*

أنَّ طـقـوسـي كـلَّـهـا قـبـلـكِ كـانـتْ

نـزوةً مُـدّنَّـســةْ  !

***

(10) تـوبـة

تـائِـبـاً جـئـتُـكِ مـن يـومـي واْمــسـي

فامـلــئـي مـنـكِ بـمـاءِ الـعـفـوِ كأسـي

 

وانــســجـي لـيْ بُــردةً مــن  فــرَحٍ

تـسـتـرُ الـحُـزنَ الـذي عـاثَ بنـفـسـي

 

لَــبِــسَ الــلــيــلُ صــبـاحـي فــأنــا

بـيـن دَيـجـورَيـهِـمـا أغـدو وأُمـسـي

 

بـادَلـتْ طـيـشـاً بــنُــسْــكِ شـهـوتـي

ودُجـى كـهــفٍ بـأقــمـارٍ وشــمــسِ

 

شــاردُ  الــثـغــرِ  بـكـأسٍ مـاؤُهــا

عَـذبُـهُ يُـفـضـي الى عــلـقـمِ بـؤسِ

 

أرتــدي مـن نَــزَقٍ ثــوبَ هــوىً

فـأنـا مَـيْـتٌ وهـذا الـثـوبُ رِمـسي

 

لاذتِ الــسـاقُ بــنـجــمٍ ... إنــمــا

ظـلَّ في حُـفـرتِـهِ العـمـيـاءِ رأسـي

 

مُـدِّيْ لـيْ مــنــكِ يَـدَ الـعـفـوِ فـقـد

باتَ ضـوئيَّ الـنُّهى شـيـطانُ حِـسِّي  (*)

***

(*) النهى: العقل ـ كما في قوله تعالى (إنّ في ذلك لآياتٍ لأولي النهى)

***

(11)  قُـبّـة ومـئـذنـة

لِـطـول وقـوفِـهـا الـى جـانـبـي فـي حـربـي ضـدَّ ظـنـونـي :

صـارتْ مـئـذنـة !

*

لـطـول انـحـنـائـي عـلـى زهـرتـهـا لأرتـشـف الـنـدى :

صـرتُ قُـبّـةَ مـحـراب ..

*

(12) اعـتـراف

لـحـظـةً واحـدةً ..لا تـغـلـقـي الـهـاتـفَ

لـم  أخـتـمْ حـديـثي

و عـلـى حـنـجـرتـي  جـمـرُ جَـوابٍ

فـاسـقِــنـي مـاءَ الـســؤالْ

*

نـزقـي أضـحـى تُـقـىً مـن بـعـدِ طـيـشٍ

فـاحـفـظـي عـن ظـهـر  قـلـبـي

إنـمـا مـئـذنـتـي أنـتِ

وأنـي مـنـذ صـلّـيـتُ بـمـحـرابـكِ أصـبـحـتُ  "بـلالْ"

***

(13) حـلـم

حـلـمـتُ يـومـا

أنـنـي سـادِنُ  إيـنـانـا الـتـي كـانـتْ تـسـمـى نـخـلـة َ الـلـهِ بـبـسـتـانـي

وظِـلَّ  الـلـهْ

*

فـي جـسـدِ الـتـرابِ والـنـيـرانِ

والـمـيـاهْ

*

وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ

كـانـت لـغـتـي

تـخـلـو مـن الـشـوكِ وجـمـرِ الـ " آهْ "

**

(14) قـبـلـة الـرحـمـة

طـلـقـةُ الـرحـمـةِ تُـنـهـي وَجَـعَ الـذبـحِ بـطـيـئـاً

فـيـكـونُ الـمـوتُ رحـمـةْ

*

وأنـا جَـفَّ فـمـي ـ أو كـاد  ..

بـعـضُ الـصَّـدِّ أقـسـى مـن سـعـيـرِ الـعَـطَـشِ الـوحـشـيِّ ..

والـكـوثـرُ قـد يُـصـبِـحُ عـنـد الـصَّـبِّ نـقـمـةْ

*

فـاسْــقِــنـي شِــربـَـةَ لــثــمٍ ..

ربـمـا تُـحـيـي ذبـيـحَ الـجـوعِ لُــقــمـةْ

*

وتُـعـيـدُ الـنـبـضَ لِـلـمُـخـتَـنِـقِ الأشــواقِ

مـن ريـحِ مَـلاكِ الـقـلـبِ : نــســمـةْ

*

فـاطـلـقـي مـن ثـغـرِكِ الـعـذبِ عـلـى ثـغـريَ يـا آسِــرتـي

قُـبـلـةَ رحـمـةْ

***

(15) تـفـاصـيـل

لـيـس عـرشُ الـقـيـصـرِ ولا  أمـلاكُ هـرون الـرشـيـد ..

فـالـذي أغـنـانـي عـن مـصـبـاح عـلاء الـديـن الـسـحـري : خِـدرُك  !

*

لـيـس الـمـطـرُ  ولا الـنـهـرُ والـيـنـبـوعُ ..

فـالـذي أعـاد الـرطـوبـةَ لـشـفـتـيَّ الـيـابـسـتـيـن

نـدى زهـرةِ الـلـوزِ فـي واديـكِ  الـسـومـريِّ   !

*

لـيـسَ وُضُـوئـي بـمـاءِ جـدولِ الـغـابـة

ولا اسـتـحـمـامـي فـي الـبـحـر ..

فـالـذي جَـعـلَ صَـلاتـي صـحـيـحـةً

تـيـمُّـمـي  بـتـرابـك  !

*

لـيـس بـسـاطُ الـريـح ولا أجـنـحةُ الــرّخ ..

فـالـذي حـلَّـقَ بـي فـي سـمـاواتـك : بـخـورُ  زفـيـرك   !

*

لـيـسـتِ الأدعـيـةُ ولا تـعـاويـذُ الـسَّـحـرة ..

فـالـذي طَـهَـرَنـي مـن شـيـطـانِ ظـنـونـي

مـلاكُ يـقـيـنـك !

*

لـيـسَ مـزمـارُ الـعـازفِ  ولا  نـايُ الـراعـي ..

فـالـذي أخـرجَ   ثـعـابـيـنَ الـحـزنِ مـن  جُـرَّةِ قـلـبـي

هـديـلـك ..

***

(16) قبر واحد لا يكفي

مـنـذ يـفـاعـةِ   خـيـمـتـي

حـتـى بـلـغـتُ مـن الـغـربـةِ   عِــتِـيّـا :

مُـتُّ عـشـراتِ الـمـرات  ..

لـذا فـجـثـمـانـي لـن يـكـفـيَـهُ  قـبـرٌ  واحـد !

***

(17) كأسٌ مـن رحـيـق الـجـنـون

سِــيّـانِ إنْ تـثـاءبـتِ الـشـمـسُ أو نـامَ الـقـمـر

فـشـعـاع ُ جـسـدِكِ الـمـائـيِّ كـفـيـلٌ

بـإضـاءة لـيـل كـوخـي !

*

لـيـسـتِ الـريـحُ ..

ولا الـجـزرُ والـمـدُّ ..

إنـمـا : لـؤلـؤ أنـوثـتـِـكِ ..

فـهـو الـذي حـرَّكَ الـمـاءَ الـرّاكـدَ فـي بـحـيـرة ِ رجـولـتـي

وحـرَّضَ أمـواجـَهـا عـلـى الـطـوفـان !

***

(18) تـمـيـمـة

لـيـس ربّـانـاً  جـديـراً بـالـيـواقـيـتِ وبـالـلـؤلـؤِ

إنْ  كـانَ يـخـافُ الـمـوجَ

أو يـخـشـى الـغَـرَقْ

*

أجَـديـرٌ بـجـلالِ الـلـيـلِ نـجـمٌ عـنـدمـا يـتـعـبُ

مـن طـول الأرَقْ ؟

***

يحيى السماوي

 

ناظم الصرخياِحْـزِمْ مـَتَاعَـــك وَارْحَـــلْ أَيُّها الـرَّجُــــلُ

لَـمْ تَـبْـقَ لا نَاقــــــةٌ فيــهـا ولا جـمــــــلُ

 

غُــذَّ الْمَسِـيــــرَ ولا تَغْصِبْ أَعِـنَّــتَـــــها

نحْوَ الديــارِ فأنّ الْقــومَ قـــد رحلــــــــوا

 

أنّى اتـجَـهْــتَ رمـــــادٌ في مواقــــدِهَــــا

والــدَّربُ مُنْتَــهَـبٌ والفِــــكـــرُ مُنْـشَـغِــلُ

 

مَاتَ الرَّجَــــاءُ وَقَد ســدَّتْ مَنَـافِــــذَهـــا

وَاسْـتـنْـطـقَـتْ عَـتَـبًــا نَاءَتْ بِهِ الحِيَـــــلُ

 

دهْـــرًا كتمْـتَ كـما لو كُنْـــتَ مَكْتَــــمَــةً

بَيْـنَ الأعَاجِيــْبِ والإِغْـــــراءِ تَبْــتَــــهِـلُ

 

أَزْرَى بكَ الدَّهــــرُ لـمْ تَنْضُـبْ مَصَائِبُــهُ

إذْ أنْشَـبَتْ ظُفْـــرَهَـا،واسْتـفْحَـــلَ الــزَلَلُ

 

صِرْتَ الشــقيّ المعـنّى ظَــرْفَ دَاجيــــةٍ

وصِرْتَ بَعْـدَ سَـنَــا تـَبْـتَــــزُّك السُــبُــــلُ

 

هُنـــا احْتَــــراقٌ هُنـــا نَكْــــدٌ ومَسْـغَبَـــةٌ

أنّى تَـوَجَّـهَـــتَ كالبَــــــرْدِيِّ تَـنْـفَــتِـــــلُ

 

في إيِّ جَــنْــبٍ ترومُ الصَّبْــــرَ مُتَّقِــــــدٌ

في أيَّ درْبٍ تُـمَـسِّيْ حَــاطَـــكَ الوَجَــــلُ

 

هَذي السَّحَــابُ وهَــذي الرّيــحُ شـاهـدةٌ

والأرْضُ ما أنْجـبــتْ والنّهــرُ والْـوَشَـلُ

 

عـمّا جــــــرى لمعــنّى غــــرَّهُ شَــــفَـــقٌ

فظنّ بالشـمــس ظنًـــا سَــــادَهُ الجَــــــدَلُ

 

أُقحِــمــتَ في أمــــــلٍ ماكـنـتَ تُـدْرِكُـــــهُ

مَـادَامَ صَاحِـبُـــهُ بالشَّـــــكِّ يَكْتَــــحِـــــــلُ

 

مَا زَالَ نَسْـــغُ رؤاهَـــا رَاكِـــضًا خَبَــبًـــا

يَسْـــرِي بِأَوْردَةٍ مَــا لامَهَــــــا عَــــــــذَلُ

 

أَنــت الَّذِي خَبَــرَ الأَيَّــــامَ وانْـقَـشَــعَـــتْ

عنْهُ الْغُيُــــومُ الَّتِــي في السِّـــرِّ تَنْجَــــدِلُ

 

لمْ تَـنْعَـطـفْ وَصُرُوفُ الدَّهــــرِ قاهـــرةٌ

وَلَقَــدْ غَــــدَوتَ كَمَــنْ تَغْتَـالـــهُ الأَسَــــلُ

 

ضــاق الـزمــــانُ بـهمٍّ أَنْـــــتَ حَـامِـلـــهُ

حـتّــــامَ تَذْرِفُــــكَ الأنْــــواءُ والْـمُــــقَـــلُ

 

ماذا أصـبْـتَ مِنَ التِجْـــــوالِ في فِـكَـــــرٍ

وما حَـــوَاليْــــكَ لُبُّ الْفِـكْـــرِ يَرْتَـحِـــــلُ

 

ما زالَ فـيــكَ نُـزُوعٌ نَـحـــوَ دارتـِهَـــــــا

وما تَـزَالُ بـِكَ النِّيــــــــرَانُ تَشْــتَــــــعـلُ

 

لُكلِّ عَـصْــرٍ فُحُــــــولٌ تَكْتـَــويْ أَلَـــمًـــا

لمْ يُهْـلِكْ الدَّهْــــــرُ إلا مَـــنْ بهِ عَطَــــــلُ

 

وما مُفَــارَقَــــةُ الأَحْبَـــابِ غَيْــــر أَسَــىً

قَدْ خَطّهُ البَيْنُ جُرْحًـــــا ليسَ يَـنْـدَمِــــــلُ

 

فانْفُضْ يَدَيْــكَ مِنَ الدُّنْيَـــا التي هَـزُلَـــتْ

وأَرِحْ فُـــــؤادَكَ قَـــدْ أَوْدَتْ بـهِ العِـــــلَلُ

 

وَارْغَبْ بِنَفْسِــكَ عَنْ وَهْـمٍ جُـنـِنْــتَ بــهِ

مِنْ بَيــن أَظْـفَـــارِنَا قَــدْ أفْـلَـــتَ الأمـــلُ

 

 

ناظم الصرخي - العراق

 

قصي الشيخ عسكرلا شيء يوحي قط بما كان عليه الحال من قبل.

إذ تبدو الأوضاع تغيرت تماما خلال أسبوع.

لقد فتحت عينيّ حتى كدت أنسى الألم أو أظنني أحلم، فجأة وقع بصري على منظر مختلف تماما.أليف جدا حيث لاعنف.أنا إذن في مشفى ولعلهم يعودون بي ثانية إلى هناك.بصري يقع على رجل في الستين بمريلة بيضاء تتدلى على صدره سماعة فأدرك أنه طبيب، أما الآخر الشاب في العشرين فأظنه الممرض، أما الذي شغلني، فإنّ عينيّ وقعتا على صورة رجل أعرفه تزين الجدار.ليس هناك من شبيه، هو نفسه بابتسامته الواسعة وبدلته الزرقاء وربطة العنق العريضة.أعرفه جيدا إن لم يكن هناك شبيه.كان قد كلفني بأكثر من مهمة، وصورته على الجدار تثير فيّ احتمالات متباينة.

لعلني الآن أحلم أو في عالم آخر.

كيف اختفت صورة الجنرال، وناطحت الحائط مكانها صورة لآخر أعرفه.

أعلى سلطة في البلد؟

أم أهذي.

ليس هناك من خطر.يقول الطبيب.لستُ على الأرض.. الآن أنعم بسرير ناعم وأرى حقّا صورة أخرى لرئيس آخر.هوصديقي..كيف انقلب الوضع.كلفني بمهمة تزعزع أمن الحكومة، فكم يوما يا ترى غبت عن الوعي. تحسست صدري ورأسي وتطلعت في وجهي الرجلين الودودين الواقفين عند سريري.

لقد كنت فاقدا الوعي لأكثر من أسبوع.

لا أشك ياسيدي أني تعرضت لضربة حادّة أسفل رقبتي.

إنهم حقا كلاب مسعورة.

قال ذلك الممرض، وأضاف الطبيب:

تستطيع المشي الآن.

وقبل أن يخطو خارج الغرفة، أضاف:

لقد تغيّر كل شيء سأذهب إلى المشفى وسيأتي من يرافقك.

وحالما تواريا، وقبل أن أفكر بما حدث في الأسبوع الماضي ، دخل رجل أنيق آخر لا أعرفه.رحّب بي وطلب برفق أن نذهب لمكتبه.لمحت في الممرّ صورة الرئيس الجديد، صديقي الذي كلفني بمهمة خطرة.كانت عيناه تمعنان النظر فيّ وابتسامته الواسعة تشعرني بالدفء والأمان.

غمزت بعيني اليمنى كأنّي أحييه!

في المكتب قابلتني الصورة ذاتها. العينان الساطعتان المشرقتان، والابتسامة الواسعة. شعرت أني أكاد أغمز بعيني. ولفتت نظري مفكرة الحائط:

كانت تشير إلى 12 /5 في حين أني اعتقلت يوم 6 /5 !!

إذن لا شكّ أني دخلت في غيبوبة طويلة..الرجل الطيب يتخذ مكانه على كرسي قريب مني ويترك مكتبه، ضغط على زر قريب، وطلب فنجان قهوة، ، وخمنت أنها مناورة أخرى لأخذ اعتراف مني. 

وجدته يمتنع عن الكلام إلى أن قدم الآذن بفنجاني قهوة:

تفضّل قهوتك "قال عبارته وهو يبسط يده"يبدو أنك لا تعرفني.أنا المدير الجديد لقد حدثت أمور كثيرة خلال غيبوبتك!

قال لي ذلك الطبيب.

شرطي الأمن السابق ضربك أسفل رأسك وشاء القدر أن يهب الناس في اليوم التالي...أووه لا تؤاخذني نظر في ساعته هناك بلاغ جديد.

في هذه اللحظة سمعت ضجة في الخارج وهتافات تحيي القادة الجدد وتندد بالوضع السابق، فقال:

ياسيدي الشارع يغلي ويطالب بالقصاص!

خطا نحو مكتبه، شيء ما.. جهاز أو آلة ما.ضغط على الزر فبدت موجة صاخبة، فالتفت إليّ قائلا:

إنهم الأعداء يشوشون على إذاعتنا!

 ثمّ فجأة هبت موسيقى حماسية صاخبة .دقائق، وانطلق صوت يذيع بلاغا من سيادة الرئيس الذي أقرّ تشكيلة الحكومة الجديدة.هناك اسماء أعرفها.اصدقائي.اشتركنا معا في تنفيذ مهمات خطرة.لقد حدثت ثورة خلال غيبوبتي ولابدّ أن يتذكرني الرئيس صديقي:

معظمهم أعرفهم.وزير الداخليّة اشتركت معه في توزيع منشورات.إنه رجل جريء متحمّس.وزير الثقافة طبعنا في بيته المنشورات.كان أقربهم إليّ وزير الدفاع، ولو أني لم أرتض عملية الاغتيالات الأخيرة.

أنا أعتذر إليك، هناك سيارة خاصة تنتظرك لتقلك إلى منزلك، لكن لا تنس أن تذكرنا عند سيادة الرئيس والسيدين وزير الداخلية والدفاع!

 مدّ يده يشدّ على يدي؟الآن تنفست الصعداء، والتفت إلى الباب الذي انفتح وكأنّ شيطانا أطلّ منه ليقضي على حلمي الجديد.زعق في وجهي:

لك حيوان مكانك!

حقا أدركت أني كنت مغفلأ حين أهموني أني غبت أسبوعا وأن ثورة هزّت البلاد.جاؤوا بصورة مسؤولي وجعلوها مكان صور الرئيس، وأروني طبيبا وممرضا ومحققا جديدا ومظاهرات في الشارع تلعن الوضع البائد، فرحت أثرثر وأثرثر أما عيناي فكانتا مسمرتين على مفكرة الحائط التي ماتزال بتاريخها الجديد!  

 

د. قصي الشيخ عسكر