سردار محمد سعيدعربة الإشتياق لايعتريها التعبْ

تحمل الوجد والآهات

وتيناً وزيتوناًوجنيّ رطبْ

وسلالاًمن الهمسات

صاعدة نازلة تقتحم العقبات

وما أرعبت زغب الفراخ بين أنابيب القصبْ

 

هي الخدود محجة الآه

إذااستفزت الوجنات المحاجر

ولم تنغم بمواسم القطاف

وتوسمتُ العيون السواحر

والألسن اللطاف

والشفاه

 

لا تدعني رمثة تلوذ بالضفاف

خيفة موجات قواهر

أهبك ماليس له أول ولا آخر

ما تضن به نفوس الحرائر

أجعلك تجوس في صدورالعاشقات

تطلع على خفايا البواطن

وتميْزضوع الخزامى إذ خالط اثواباً لطاف

 

أتسرف في هجرالندى وتعشق الجفاف

مناي لوتسألني قبلة

لأجيبنك: خذالآلاف

فهذي السنين العجاف

فكل الشفاه نواظر

لشفاه أي صلاف

 

الفراشات حول الزهوركأنهن لحاف

وأنتَ كما أنت غصن لايعاف

وألذ ما في الرضاب الإرتشاف

أقهوتك يا نواسي أم هذاالسلاف

 

قد بالغت في الصدود

فكفاك خسراناً وغرورا

ياأيها الرجل العنود

 

عندمايأفل وجهك القمري تشتجرفي عذوق نفسي الشجاعة

فأجهربالقول: إنك- لتحبني

وأتخاذل، يطيرشعاع زعمي

ولايلوح سوى طيف وجه لم أره

 

أقلّب وجهي أبحث عن خيالك خلف الستارة

في بقاياكوب الماء

بين أغصان باقة الأزهار

فوق ديباج الوسائد المشجر

فتسخرالمرآة قائلة:

أمعنَ هرباً

فأضم الوسادة ربما فيها بقية من عطرك

العق ثمالة الكوب

لعلها اختلست لمظة من لسانك

خاب الأمل فقد كان وهماًوخيال

 

باقة القرنفل تدعوني

لكن رياه يصم الأنف

فيمنع القبلات

ويبعد الشفاه عن الشفاه

 

إذن عليك أن تدرك أيها الطفل

حتى مَ تفتعل الورع

عليك أن تفقه سريعا

أن الخريف يترصدالربيعا

 

أفلا تشعر بارتعاش شفتيّ

عندما تلوح فاكهة ثغرك

 

قد ملّ الصمت من مالا أقول

وينحب السمع في ما سأقول

وسيوف حبك مشرعة

فإن دنان دمي مترعة

إن دنان دمي مترعة

ليتني أكون شهيدة القبلات غريقة الرضاب

 

خلاياي إما تصرخ

وإماتصرخ

إفتح الابواب لقد رحل الضباب

 

يانفس: أتظنين أن لم يرك أحد

إذن كيف استدلّت العصافيرعلى البيادر

والنواسي استمتع برشف كأس خبأته في حجرها عاهر

 

يا لؤلؤ الدمع كسحر تظاهر

في سفوح الوجنات

أيّناهوالساحروبابل جدُ بعيدة

 

صوت تمطقك بالقهوة

يجعلني أغارمن الفنجان

ونفثك الدخان

في هواءالغرفة فتمنيت لو- تغشاني

يلويني

يرميني تحت أضلاعه

يعصرني يلوكني مثل لقمة

يعجم عودي

يزدردني

 

أسلكُ بهدوء فوق هدوء تحت هدوء

بخشوع ذللا

 

أمص ريقه وأقول في-سرّي

افترسني أيهاالوغدالأمير

مزّق جيبي

انشب جذورك في طيني المسنون

إرسل قاصف حب ولاتهجد

 

هبّ النسيم هبيبا ودبّ الربيع دبيبا

وكفاك نبلاً وكفاك بخلاً

ما تراني فاعلة

جزلاء معطاء

ألم أخرج بعدُ زكاتي

ماذا تريد؟

أن ينطق رفاتي

***

سردار محمد سعيد

أربيل

 

 

صحيفة المثقفيتهافتُ ضوءٌ

يتزاحمُ من شقِ البابْ ..

يتركُ خطاً في الظلمةِ

تقطعُ هذا الزمن العاتي ..

في جوفِ الليل أنينْ

يتنائى،

يتسربُ كالضوءِ

من فتحةِ باب الزمن السادي ..

يحملُ كل رياح القهر ..

وأشلاء العهر ..

بينَ ذراعيه،

كأن العالمُ يطرب

في صمتِ الأربابْ ..!!

**

سالَ الضوءُ،

كلعابٍ مجته الغيماتْ..

ثم تلاشى بعيداً

عن همس الناياتْ ..

**

كانَ الضوءُ

يرافقه الظن،

يسيران خلف الأبوابْ ..

وكان الهمُ  يجاري

نوبات تذهب لتعود

تراقصُ اشلائي،

خلفَ العتمة،

حينَ تمادى الوقتُ

وراحَ يئنُ،

ينتظرُ القادم ظلاً رفرافاً،

يتمايلُ عطراً،

وظنوني، تمطر  ما فيها ..

من رعدٍ،

قد يأتي  ولا  يأتي،

والساعةُ تنهشُ كل ثوانيها ..

وتهتفُ للريح بأن تسخر

من كان يناجيها ..

حين تعطل زحف الساعة

صمتٌ سادَ

كأن العالم ما عاد يجاريها ..

**

ضوءٌ غابَ

في زحمة ضوضاء الليل

على الطرقات ..

وظلال تتعثر مشيتها

في زحمة هذا الويل ..

ما كان بصيص الضوء

وصخب الريح ليشفيها ..

من وجع الدنيا وما فيها ..!!

***

د. جودت صالح

25/10/2020

 

احمد ختاويما كنتُ أحسب أن جيشا من البعوض

يغزو ويُميت جيوش نمرودا

وأن ذبابة تنخره

تسكن أنفه / أربعمائة سنة

تعذبه وترديه قتيلا

كنتُ أٌُلبسك فرنسا

– في غفلتي زمنا –

تاجا هلوعا .

لكنني عدلت إيمانا مبينا ..

لأن أول من لبسه – خزيا –

نمرودا

وأنت لستِ ذلك:

شهامتي ..

أنتِ الورود والسمح

سماحة الإسلام مع بقية الأديان ..

في فرنسا وبقية الأمصار ..

لستِ النمرود ولا تاجه

ما سكنتِ الطود ولا حيفا ولا صفد ْ (1)

سكنتِ - يا شهامتي -

صومعة إسلامنا السمح ..

المكلل، المرصع بماء الذهب

لا يبلى كما عجب الذنب

**

ما في الكفر يبلى يا ماكرونا ..(2)

وما في جسد الدنيا يبلى أيضا

يا ما كرونا

إلا جسد الإسلام والسمح

لا يبلى مثل عجب الذنب ..

اعلم يا هذا يا ماكرونا

أن وعد الله وعدا ووعيدا ..

اعلم يا ماكورنا أن ما لبثّ في

هذي الديار :

دهرا، يوما أو سنينا

لن تنال من الرسول الأكرم

مقدار سراياك أو سرايا نمرودا .. ..

اعلم يا ما كرونا أن رعاية الله

تحميه وتحمينا

في ربوعك نحن المسلمينا ..

لا يغرنك تاج نمرودا

نبراسا منيرا

أو جيوش محمودا (3)

ما مِاتت الشهامة فينا

- جهرا أو سرا

أو قريبا من نار نمرود

التي صبها على ابراهيم غُرورا ..

فكانت بردا وسلاما

على آل الخليل ..ملة وبِشرا حنيفا ..

***

ارم تاجك - الهش - أيها النمرود

تاجي خليلي

واقذف بسراياك عرض الوجع

فأنا أفراحي خليلي بين نار

إبراهيم والأنبياء والرسلا.. ....

وما وأدك للبنين

إلا رزءا لمن أنكر الو جودا

يا من اعتقد أن هيفل (4)

حصنا منيعا

ها هو الهول كما محق

عاد وثمود يغزوكم

رمادا ..

وكما نثر جنود محمودا .

عصفا مأكولا ..

مهلا مهلا، رسولنا الأكرم

لا يُؤذي أبدا وهو لا يؤذى أبدا

وإنما وعد الله ووعيده أمرا محتوما ..

في أخذ الأثر : هول قيامة ورعودا ..

ما حريقكم - أيا فرنسا أمس

إلا إجابة لعبثكم

**

سواء في فكركم، في فكر أونفراي (5)

أو سارتر، أو من يدور في دوائركم ..

إلا وعدا ووعيدا .. وآية ..

من رب معبود ..

جللا .. وما كان الرسول الأكرم

مضغة يوما أبدا ولا كاريكاتورا ..

يا من يبني من الهشيم

سرايا نمرود

اتعظ أيا ما كرونا ..

اتعظ أيا ماكرونا ..

هذا وعد الله جاء امرأ مبينا

لينبئكم أن أدخنة فرنسا

موعظة وتحذيرا ..

***

كتب: أحمد ختاوي / الجزائر

.....................

هوامش:

1) صفد مدينة بفلسطين

2) في إشارة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون .

3) في إشارة إلى الفيل محمود عند محاولة هدم الكعبة .

4) في إشارة إلى برج هيفل

5) أونفراي في إشارة الى الفيلسوف الفرنسي العدمي ميشال اونفراي

 

عبد الجبار الحمديقالت له: لا تسلني سل لهفتي شوقِ!؟ أترك كل هذا، سل نفسك هل استحق هجرك؟ من الذي يمكن ان تتصوره ان يأخذ مكانك الا تعلم أنه لا يوجد من يستحقني غيرك، لقد اتعبتتي، ولهي يقتلني يسقمني فراقك دون سبب لا استطيع تحمل ان تجرحني ارجوك أعد نفسك لي أترك كل ما ظننت، ألا تعلم ان بعض الظن أثم فلا تأثم بجريرة هجريارجوك حبيبي إني احتاجك بل حتى الاماكن كلها تشتاق لك إن العيون التي رسمت فيها خيالك تشتاق لك.. هوسِ خوفا أنك لن تعود وعذابي أنك لن تصدقني، ماذا جنيت؟ ألأني أغار عليك فكل شيء حولي يذكرني فيك حتى لو ان غابت شمس الله لا يمكنك ان تغيب عن روحي وأجدك الآه التي اتأوه وأحب أن اتوجع بها، فقط لأنك مصدرها..لن أغفر لك ابدا هجرك إن عزمته.. لا  سأغفر كل خطاياك حبيبي فأنا خطيئتك التي تثاب عليها دون غيرها، سل الليالي كم عذبها السكوت و كثرة الهواجس في انتظارك تلك لحظات يذبل فيها قلبي إلا من إروائها أسمك صورتك أنفاسك.. حبيبي لا تجعل صمتك نديمي وجنوني ألا تخاف ان تنساق الى ظنون تسحق فيها براءة الأمان الذي اشعر به حين تكون قربي، مالك تغيرت؟ استغرب انقلابك فجأة!! حتى أني ذهبت الى كل الاماكن التي تحدثنا فيها أسألها ما الذي حصل؟ هل أخطأت في كلمة او جملة او عبارة؟! لفاني الجنون حبيبي لا يمكن ان تبتعد أكثر، لقد سألتني أماكن كنت قد مررت فيها تسالني لم تسير وحدك فيها؟ سالتني لِمَ لم أكن معك فيها حتى الصمت مزق جداره وسألني اين الشوق الذي كنت ترسله مع الريح يحمل عطرك نفحات الوله التي تهديء من روع انتظارك بقلق، لكني بحثت حولي فلم اجدك، صدقني حتى أحمر الشفاه الطوبي اللون الذي ارتديه يسألني عن جفافة على شفاهِ دون ريه بشفاهك.. كنت أظن كثيرا لكن يا حبيبي لم يبقى من العمر شيء لا تجعل ظني يخيب، لقد ضاع من العمر ما يكفي، عد أرجوك لا تجعل مني وقد غادرت مثلي عنك السنين.. لا تجعل أبتهالاتي تموت في محراب الوحدة ولا تجعل قرابيننا التي اودعناها الى رياح سموم تحرق وريقات عمر باتت معلقة على اغصان يابسة.. حبيبي لقد أصفرت تلك الوريقات منذ زمن بعيد غير أني تحملت عنادك، تذمرك، تقلبات امزجتك فقط لأني أحبك صدقني لن تجد غيري يمكنها ان تعيد صياغة حروفك المبعثرة او كلماتك المتقاطعة، حتى الموسيقى التي تسمعها كنت اختار نوطاتها رغم مرارتها، أحيانا أشعر بتمزيقك لآهاتي التي انضوي تحتها وأراك تعصر عمري مثل العنب الذي ترتاده خمرا ومع ذلك كنت اتراقص بين يديك لأنك تشعرني بأنوثتي.. عانيت وعانيت حتى حزني لا ابوح به ولا اظنك تعرف شيئا عن معاناتي فأنا يا حبيبي كنت وسادتك التي تدس راسك فيها كي تحلم بعيدا عني ومع ذلك كنت أرى احلامك بغيري وأجاريك شططا فطالما رميت بالنرد بعيدا عن طاولة اللعب الذي تدور حوله لكن في الآخر تعود وتجد باقة ورد التي تحب على نفس الطاولة لأشعرك بأنك مهما خسرت فأنت الفائز الاول .. هل تتذكر عندما قلت لك أنك النشوة التي احب أن أشعر بها بعد شرب كأس من النبيذ المعتق معك بشكل دائم لكني اتوق إليك رغم طعمك الغريب؟ لحظتها بحت لي بأني معبودتك التي حلمت ان تكون تعزف لك بقيثارة آلهة الحب معزوفة الخلود التي تعشق.. وبسذاجتي صدقتك ومثل فراشة حالمة رميت بنفسي حيث لهيبك الذي احرق أجنحتي فما عدت استطيع التحليق بعيدا عنك.. يا لجنوني بك ويا لعنتي التي لا تنفك قاتلتي، سأعيد صياغة كل ذلك وللمرة الاخيرة أحتاجك انا اليوم وأمسِ، روحي ونفسي لعلك لا تصدق اشتاق لك حتى وأنت أمام عيني، سانهي عتبِ سأعود حيث التقيتك أول مرة سانتظر هناك ومتى ما غادرت الشمس وقتها سارحل والى الأبد..

أبتعدت عنه وهي تثقل بنقل أقدامها حتى تمنحه أكبر وقت ممكن لمراجعة نفسه واللحاق بها، خوفها أن تنتظر دون ان يأتي ربما لانها جرحته.. هكذا ظنت

أنتظرته وهي ترمق الشمس التي آن لها أن تأفل بعيدا عن وجوده قربها، هزت رأسها وقد أغرورقت عيناها بألم أعتصر قلبها جعلها تتأوه بعبارة يا لقسوتك ألم تسمعني أقول لك أحتاجك أنا وضعت رأسا بين يدها وهي تبكي وجعها بشدة.. قامت فجاة تحاول الابتعاد بسرعة غير أنه كان راكعا ممسكا بيدها وهو يقول: أغفر لي فأنا إن لم أكن أستحقك فأنت الحياة التي دونها أموت فساميحني.

 

القاص والكاتب / عبد الجبار الحمدي 

 

فالح الحجيةفي مدح الرسول الكريم

بمناسبة ذكرى مولد الحبيب المصطفى محمد يطيب ان اكتب:


رقّ النسيمُ ببهجةٍ وبهـــــــاءِ

بمحمدٍ خير الورى - ونَقــــاء ِ

.

صاغ الاله جمــــاله وكمـــاله

وتلألأت انــــواره بزهـــــاءِ

.

وتعطرت في ذكره أفواهنــا

ارواحنا وقلوبنــــا بثنـــــــاءِ

.

وتألقت بســــناء نور محمدٍ

فكأنها في ليلـــة ٍ وَسْـــــناءِ

.

انسان عين الله في وضح الضحى

انسان عين الخلق في الاحيـــــاء

.

جل الاله تكاملت انــــــواره

نـــور الى نور العلا بضياء

.

وبمكة بعث الاله حبيبـــــه

وبيثرب . فمقامــه بصفــاء

.

عز الوجود محمد أوحى لــــه

رب الخلائق منعمــــا بســخاء

.

ســــبحان من اسرى بعبده ليله

ليريه من آياتـــــه الاســــــراء

.

أسرى بفيض الليل مؤتلق السـنا

ولســـدرة في المنتهى وعـــلاء

.

وتنفست أصداء كل حقيقة

فتعطرت وتألقت بنقــــاء

.

ياســــيدي انت الهدى وبكمالِهِ

وبهائــهِ وصفائـــــهِ برضـــاء ِ

.

فســـــرت بنفســـك رعشة فوّارة

هزت كيان الكـــون والاحيـــــاء

.

قاربت حد ك ســــدرة في المنتهى

وتشعشــــعت انـــواره بســــنـاء *

.

جاوزت قد ر الكون في غسق الدجى

وتغلغلت بســـــماحة بيضــــــــــــاء

.

جاوزت حد الخلق في رهق الدجى

في حضرة التقريب دون وقـــــاء *

.

ورجوت رب العرش خلقــــا وطاعة

وحظيـت دون الخلــــق منه بلقــــاء *

.

وســــطعتَ نــورا للنفوس تنيرها

في الآي والذكــر الحكيـــم رواء *

.

وبنيت صرحا لا تطال ســـــماؤه

عبر الزمان - فداك - والارجــاء

.

انت المشــــفّعُ والشـــــفاعةُ تزدهي

وبها وردتَ الحوضَ بكل هنـــــاء*

.

وتقوضت اركان كل شـــــريعة

الا شـــــريعته . . بعزة ومضاء

.

نفسي الفداءُ لمحمدٍ خير الورى

وتهادت الافكارُ بالاســـــــما ءِ

.

وشــوخ ذكرك في رحيق عبيره

عطــــر يفــــوح ببسلم وشــــذاء

.

فكأن نـــورا يستفيض رحابـــه

فيه الســـنى للعالمين  رجــائي

.

وتألقـــت بســــناء نور محمد

كل الحياة بجماله الوضـــــاء

.

ياســـيدي انت الهدى بتمامه

وكمـــــاله وصفائه وا بــــاء

.

حتى الشموس تنورت من نوره

وتآلفت بالآيات والاقـــــــراء

.

وتزينت في رفعة انـــــــواره

جل الاله بما حــــــواه نقــــاء

.

نفســــي فداء المسلمين وجمعهم

والخير كل الخير في العليــــــاء

.

وأقمت - حقا - للخليقة صرحهـا

فتسامقت ارجا ؤها بصفــــــــاء

.

كل المعـــــارك خضتها يوم اللقا

بشــــــجاعة وبســـــالة ورواء *

.

مالت الى الحي القيوم نفوســـــهم

او في النفوس العامرات ســــدائي

.

وأريج عبق الحق يغمرها رضا

فتفوح نـــورا في الورى بحفــاء

.

ياملهما تقوى النفوس سـماحة

رفقا بنا يا ســـــــيّدي مولائي

.

فكأن نورا يســـــتفيض جلاله

اذ زا د في بحـر التقى بعطاء

.

وجمال خلق الله في ألق الهــــــدى

في الباقيات الصالحات هـــــــدائي

.

وجمال خلق الله في نفحاتـــــــه

نــور على نــور الهداية رائي.

.

لمحمدٍ - صلى الالهُ بنــــــورهِ

وملائكٌ - والمؤمنين سَــــواء ِ*

***

الشاعر د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــــــد روز

.........................

* وتعطرت في ذكره.... قول ماثور(عطروا افواهكم بالصلاة على النبي)

* الاية (نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء) النور\35

* الاية (سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصا الذي باركنا حوله... ) الاسراء \1

* الاية (عند سدرة المنتهى * عندها جنة الماوى) النجم\ 14و15

* الاية (ثم دنى فتدلى * فكان قاب قوسين او ادنى)8و9

* الاية ( وانك لعلى خلق عظيم) القلم \ الاية 4

* الحوض : حوض الكوثر في الجنة

* الرواء : من الارتواء

* رواء : من التروي والتمعن في الامور

* الاية (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور وكان بالمؤمنين رحيما ) الاحزاب \ 43 و الاية ( ان الله وملائكته يصلون على النبي ياايها الذين امنوا صلوا عليه وسلموة تسليما.) الاحزاب \56

 

زياد كامل السامرائيهناك شيئا مخفيّا بين الصفر والواحد

يختفي، كلما نام الذئب على وسادة الجراح

*

هناك ما هو مخفيّ دائما بين الشِعر و النثر

يخلعُ نفسه من أبجديةٍ لأخرى

حتى يرفرفُ المعنى

على أبواب الشَدْو.

*

هناك شيئا ما يتربّص بالأملِ

قبل سقوط الحلم في براثنِ الحياة

قبل أنْ يَهبُ الماضي

لهيب الآن.

*

هناك شيئا ما يقايض الموت

على إنه  المكان الأول و الوحيد للسجود.

أ تكفي قضمة من عُشبة الخلود !

*

هناك شيئا ما ينبع من الصمتِ

يمكثُ في مخاوف الشفتين

حتى آخر لون

لثمرةٍ ستُمحى.

*

هناك شيئا ما في لُجّة الهذيان

خمرة من نساءٍ و أنغام نجم

تنظرُ إلى الأصيل

فيتعطّلُ.

*

هناك شيئا ما في قلب حارس الوليمة

غابة و رسول .

*

هناك شيئا ما في الحَجَرِ

شُرفة تطلّ على مخالبِ الريح 

زُمُرّدة تلاحق غريق،

طيور مرجانٍ تخفق،

جِراء تتعثر بدم الأيام.

*

هناك شيئا ما في الجناحين

في الريشة البيضاء

يجرح الريح العارية،

صداه.

*

هناك شيئا ما في المجهول وهو ينمو

صليلهُ يَخدِشُ سُلالة الطين

يَفترِشُ رحم الخوف،

يلامس زنبقتين يتيمتين.

*

ما أقسى أن يكون شيئا ما في قلبكِ

وهو يَعُدُّ الدموع الملوّثة بالوداع .

*

هناك شيئا ما في شجرة الملح

نائمة هي الأيام فيها "روزنامة" الأمس

حين قتلها ليل السبت

الطاعن في السنِّ .

*

هناك شيئا ما في عيون النهر

صرخة طفل أيقظتْ

ضُرمة من النار فيها

فما عاد يجرؤ بعدها، أنْ يُعدّل من هِندامِه الأمل.

*

 هناك شيئا ما يجوب المدينة

يلتحم بالسخام

في الوجوه الضاحكة و العابسة

على حد سواء.

شيئا ..  يثقل كتف الأرض، شَرَكا بعد آخر

لو تقذفنا أوهام الليل بالفوانيس

ننسى  يد السفر إلى الترابِ.

***

 زياد كامل السامرائي

 

 

حسن رحيم الخرسانكانتْ عيونُ بساتينِ البلادِ بها

عشقُ العصافيرِ بالآياتِ تنسابُ

وبينَ أغصانِها للحبِ أُغنيةٌ

فيها أبتساماتُنا للحلمِ أثوابُ

كُنا نذوبُ إشتهاءً في توحدِنا

نحنُ الذينَ إلى النهرينِ أعنابُ

كانتْ حكاياتُنا في الليلِ يحضنُها

همسٌ على شفتيهِ الشوقُ أسرابُ

نخلٌ وجمارهُ السكران يحرسُنا

وبينَ ضحكتهِ العشاقُ قد غابوا

كُنا كواكبَ في شمسٍ تُقبلُنا

أنوارُنا كلُها للوردِ أثوابُ

كُنا، وإذ صرختْ تحتَ السوادِ يدٌ

تنزُّ من فمِها نارٌ لها نابُ

نارٌ على خدِها الأكفان جائعةً

وتحتَ أقدامِها وادٍ وأذنابُ

نارٌ إلى الآن فيها الريحُ يدفعُها

سمٌ تضجُّ بهِ ـ يا صاح ـ أعرابُ

نارٌ، ولكننا يوما سنخمدُها

حليبُ دجلةَ للجناتِ جلبابُ

***

حسن رحيم الخرساني

 

  

صالح الفهديقَضَيْتَ الْعُمْرَ تَعْتَمِرُ السَّمَاحَاْ .. 

كَمِثْلِ الصُّبْحِ بِالْأَنْوَارِ لَاحَـاْ

 

تَبَسَّمُ كُلَّمَـــــا هَـــــاجَتْ رِيَاحٌ .. 

لِتُلْقِيَ نَحْوَ جَنْبَيْكَ الرِّمَاحَــــــاْ

 

فَدِرْعُكَ مُحْصَنٌ مَا شُقَّ يَوْماً ..

 بِرَمْيَةِ شَانِئٍ تُدْمِي الْجِرَاحَاْ

 

سِلَاحُ الْحُرِّ لَاْ نَصْـلٌ وَسَيْفٌ .. 

وَلَكِنَّ الْإِبَـــــــاءَ لَهُ سِلَاحَاْ

 

عَلَوْتَ فَلَيْسَ ثَمَّةَ مِنْ حَقُودٍ .. 

فَمَاْ مَلَكُوا إِلَى الْعَلْيَاْ جَنَاحَاْ

 

فَإِنَّكَ إِنْ غَضَضْتَ الطَّرْفَ ظَنُّوا ..

بِكَ الْوَهْنَ الَّذِي أَرْدَى الْكِفَاحَـــاْ

 

وَمَا بِكَ عِلَّةٌ فِي الْجِسْمِ تُثْنِي.. 

مِرَاساً بَعْدَ جِدٍّ فَاسْتَرَاحَـــــاْ

 

وَلَاْ أَنْتَ الطَّبِيْبَ لَهُــــــمْ فَتُشْفِيْ .. 

مِرَاضَ النَّفْسِ أَوْ تَصِفَ اللُّقَاحَاْ

 

قُلُوبٌ قَدْ تَعَاوَرَهَا انْتِقَــــامٌ .. 

تَسَلْسَلَ كَالدِّمَاءِ بِهَا وَسَاحَاْ 

 

فَأَعْمَاهَاْ، فَمَا بَصُرَتْ سِوَاهَا.. 

وَقَيَّدهَا فَمَاْ ذَاقَتْ سَرَاحَـــــاْ   

 

سَتَكْنِسُهَا رِيَاحُ الْحِقْدِ يَوْماً .. 

وَتَسْلِبُهَا ثَنَاءً وَامْتِدَاحَـــــاْ

 

وَتَبْسِمُ أَنْتَ فِيْ نَجْدٍ رَفِيْــــــــعٍ .. 

تُعَايِنُ –لَحْظَةَ الْقَصْفِ-الرِّيَاحَاْ  

***

د. صالح الفهدي 

 

  

رند الربيعيالماكثون في الزوايا

عالقون في أراجيح الصمت

مشطوا المقاعد من غبارها

ورسموا غيمات ماطرة

حد الغرق

في ظلٍ منحنٍ

أسدلوا الستائر في الاشتعالات

كرهوا مقابض الفؤوس

لخيانتها الشجر

ربضوا فوق المساحات الراحلة

وشموا اسماءهم على ظهور اليقين

ومابين قبضة

تجهش بالشمس

وافق يمطر نهارات قسرا

رسموا الملامح على شراشف

حادة...

دونوا ذاكرتهم

في دفاتر الكبائر

دون ان تتضاءل الحقول

كل وصاياهم أن لا تغتسلوا

تحت سقوف قلقة

مازلت أسعل

في الفراغات الراكضة

وأجهش نساء

على موائد القمر.

***

رند الربيعي

 

صحيفة المثقففاضت الى السماء ارواح

بالامس كانت تحتضنها الحياة

ولم يبقَ منها غير اسماءً

شواهد

ارامل

ايتام

ثكالى

وذكريات

الحق يعلو ولايعلى عليه

الا صوت الشهيد

دمه..

جسده المعفر بتراب الوطن

روحه الخالدة

التي تلتقم الصبر قوتا ليومها

وتغضب..وتثور

ثأرا للحياة

رحماك رب الكون

هل يستباح الدم الطاهر

من عيون ناضرة

لوجهك ناظرة

اما آن لهذه الارض ان تستريح

وتزفر ما بجوفها من عذاب؟

فما عاد باديم الارض وردا

ولازنبق

ولازيتون

ولانخل

بل قبور..وقبور

بكل ارض ومكان

شهداء..شهداء

من كل جنس ولون

فلنصلِ على ارواحٍ وارواح

ولتدق الاجراس

وتؤذن المآذن

الله اكبر ياوطني الجريح

فكل قطرة دم تسال

ستبقى جرسا يدق

في وادي الشهادة

ترفع الاذان فجرا

وتقول..

صباح الخير ياوطني

وصباح الجنان على الشهداء

**

مريم لطفي

...................

* تحية اكبار واجلال لشهدائنا الابرار في كل مكان وزمان، وتحية وانحناءة لشهداء ثورة تشرين جعلهم الله في عليين

 

 

عدنان الظاهر1 ـ نَزلةُ بردِ المزمارِ الصدري

قَصَبٌ يتنفسُّ إصرارا

ينحو منحى مَنْ سفَّ وأجرى الريحَا عَكْسا

ودعا صوتَ البوقِ المحروقِ

أوقدَ في الكوّةِ قنديلا

الشُفرةُ في السفرةِ بحرٌ مشنوقُ

 

2 ـ لمْ أقرأْ أو أشرحْ أمراً في صدرِ

أو أفتحْ للصبوةِ في راحِ الريحِ شِراعا

أنَّ الضاربَ في الحائطِ مِسمارُ

أسقَطَهُ جارٌ جبّارُ

والتائقُ معشوقٌ معروقُ

سدَّ العرشَ طريقا

يعصرُ من حُبٍّ خمرا

يلفظُ من جوفٍ جَمْرا

حُبُّكِ تفسيرُ الرؤيا شَكْلا

أنَّ النجمَ هوى ... يهوي

 

3 ـ هبّتْ تلقائي

شقّتْ في نارٍ طوقا

يصلاها التائقُ والفاقدُ في عقلٍ نُطْقا

قصّرَ لم يعبرْ شرطَ الشوطِ

هل كانتْ طفّتْ عِرْقاً مُزرقّا

أحيتْ مَنْ تاقَ ورنّقَ شوقا

قلّمَ أظفارَ الأسفارِ نشاطا

جعلَ الحِليةَ في جيدي وِزْرا

ألاّ أبحثَ غرباً شرْقا

عمّنْ باعوني بَخْسا

للثُقبِ الأسودِ والضبّةِ والنملِ

يا للعاشقِ صمْتاً مشنوقا

يبحثُ في مرآةِ الرؤيا عن نورٍ في حبلِ.

***

عدنان الظاهر

أُكتوبر 2020

 

 

صادق السامرائيأمّةُ المَجْدِ ومَجْدُ الأمّةِ

أمّةٌ تَحْيا بعِـــــزّ القوّةِ

 

إنّهــا أمٌّ تَسامَتْ وارْتقتْ

وبها الإنْسانُ أسُّ القُدْرَةِ

 

ما أُهِينَتْ أو توانى عَزْمُها

إنّها كـــــوْنٌ عَظيمُ النّجْدةِ

 

أمّ إلاّ وإلـــهٌ مَــدّهـــــــــــا

برسالٍ مِنْ فِيوضِ الرّحْمَةِ

 

وكتابٌ ورسولٌ عِنْدَهـــــــــا

وصِراطٌ في رحابِ النُصْرَةِ

 

وتراثٌ مُبْصرٌ أسْبابهَا

ولبابٌ مِنْ لبيْبِ الفِكْرَةِ

 

وجُموع إسْتعادتْ رُشدَها

وتواصَتْ بعلاءِ الهمّــــةِ

 

وزمانٌ إنْ تداعى ضُدّهــا

سَوفَ يُطْمى بعَميق الهُوّةِ

 

أمّةٌ تبْقى وخَطْبٌ يُنْجَـــــلى

وعلى الأجْيال حَمْلُ الرّايَةِ

 

"لا تقلْ هانَتْ ببَعْضٍ مُسْتهانٍ"

أمّتي تحْيا بقلبِ الثـــــــــــوْرَةِ

 

أمّةُ العُرْبِ بكوْنٍ أشْرَقَتْ

ونَثتْ نورا سَنيَّ الوَمْضَةِ

 

وعلى الأفاقِ مَدّتْ فِكْـــرَها

وسَقتْ روحا بفيْضِ الحِكْمَةِ

 

أوْقدَ التأريخُ فيها جَذْوةً

ولها مِنهُ مُــــرادَ الوَثْبَة

 

ما اسْتكانتْ لمَـــــريدٍ غاشمٍ

أو تناءتْ عن سَديدِ الصَوْلةِ

 

هيَ أمٌّ في مَداها ذاتُهــا

وقِواها مِثل كنْز البَذْرةِ

 

كلّ ما فيها تنامى مُطلقا

وتداعى لنِزالِ الغَفلـــةِ

 

عربٌ خابـــوا وأمٌّ إشتكتْ

ورَمَتْهمْ بحَضيض الحُفرةِ

 

هذه أمٌّ تأبّت كيْدَهُــــــــــمْ

رجَمَتْهُم بشرور الصُحْبةَ

 

لعنَ الله وجوها أوْغَرَتْ

بهوانٍ مِنْ مَتاع الذلةّ!!

 

أمّةُ الأمْجادِ قالتْ قوْلها

إنّني أبْقى وأنْتمْ عِلّتي!!

**

د. صادق السامرائي

24\10\2020

 

بكر السباتينثلاث قصص قصيرة

(1) "قضية فساد"

جلس القاضي خلف الطاولة للنطق بالحكم بعد أن رفض تأجيل الجلسة نظراً للضغوطات التي تعرض لها من قبل أهل الظنين المتنفذ، البيانات التي قدمها محامي المشتكي لم يسمح لها بالمرور والتأثير على حيثيات القضية التي ترصعت بعناوينها الصحف الصفراء.. القاضي أزعجه وميض آلات التصوير لكنه لم يكترث بها ولا بالهواتف المحمولة التي شرع أصحابها في تسجيل الحدث بانتظار القرار المهيب.. وها هو سعادته بكل مظاهر الهيبة التي أحاطت به.. ينظر إلى الظنين بارتعاد.. يتحسس بطنه المندلق بالرشاوي.. العرق يتصبب من جبينه حتى ابتلت أوداجه المنتفخة.. يده تقبض على عصا المطرقة.. يرفعها ببطء فترفرف أجنحة الأمل لدى الظنين الذي سَيُفَكُّ أسرُهُ زوراً وبهتاناً بعد حين.. يطرق القاضي على الطاولة طاحناً ضميره المتيبس، طالباً على إثر ذلك من الحاضرين توخي الصمت كي ينطقَ بالحكم.. النسخة التي كتب فيها القرار كانت وحيدةً وكُتبت بغير خط يده.. كأنه طُلِبَ منه تلاوتها بدقة متناهية فقط.. لكنه تلعثم وقد فوجئ بكثرة الأخطاء الإملائية التي ملأت النص المكتوب.. شعر بضيق نفس.. تحشرجت أنفاسه.. بحث عن شريط الدواء في جيبه.. أو خلف كوب الماء الذي اندلق على ورقة الحكم فأتلفت بياناتها.. ثم انكب القاضي بكل جبروتهه على سطح المكتب بوجهه المحتقن وخرَّ صريعاً.. وخارج شهادة الحاضرين، كان عزرائيل يدور حول المشهد؛ كي يتأكدَ من الخاتمة التي ألجمت من بالقاعة، إلى حين تحرُّرِ الحاضرينَ من أثر الدهشة، ليجمعهم الفضولُ والنخوةُ حولَ جثةِ القاضي الذي فارقَ الحياةَ لتوه.. وكانت يدٌ خبيثةٌ تتسللُ إلى قرار المحكمة المُعَدُّ مسبقاً؛ لتتخاطفه الصحفُ في اليوم التالي تحت عنوان ":قضية فساد"

**

 (2) الشبح

تنبلج صباحاتُهم محتفية بشمس لا تفيق بازغة إلاّ من خلال زيتونة التل العالي.. الشاهدة على من يستظل تحتها من القاصدين باب الله إلى حقولهم المحروثة للزرع أو إلى بحرهم الذي يألف إطلالاتهم في رحلات الصيد اليومية، والعائدين من المعارك المحمومة مع المحتل على حدود قراهم بملابسهم المتربة وبواريدهم المرفوعة على الأكتاف، وعرقهم المتفصد على جباههم الملوحة بشمس تألفهم في المكان منذ ألف عام؛ لبثَتْ فيها تلك الزيتونة الهرمة تعبق المكان ، وتظلل أبا الفضل في نوبات الحراسة على الحدود مع العدو…

وكأنها تبتسم دائماً ما دام أبو الفضل ماثلاً أمامها ، والسلاحُ مُشرَعٌ باتجاه تلك النقطة…

وهذا المساء..!

أرخى الليلُ سدولَه على المكان ، وأسند أبو الفضل ظهره على حَنيَةِ ساق الزيتونة ، كمن يغرس رأسه في خاصرة أمه الدافئة .. مسنداً كعبَ السلاح على حذائه المُلمع .. وانتظر حتى تنجلي الرؤية عن الشبح القادم.

“أتراه ضابط الخفر ؟! أم… !؟”.

قطعَ تفكيرُهُ الموتُ الذي أتاه على حين غرّة، ومات ساقطاً على الأرض ، متأبطاً ساق الزيتونة المفجوعة بعمرها المديد، وحزنها الطويل ، ومال السلاح عن كعب حذائه الذي عفره الترابُ ، وظلَّ على حالهِ حتى بزوغ شمس الصباح ، وكأنها ترسِلُ إلى جسدِه المُخضّبُ بالدّماءِ الزكيةِ سَنَاها كي توقظه ، فلا من مجيب.. فانتشر ضوءُ النهار بعدها في الطرقات كي يوقظَ المارة :-

"أبو الفضل مُضرَجٌ بدمائه".

وأخذت طيورُ الصباح تزفُّ روحَ أبي الفضل إلى السماء… بعيداً عن زحام المشيِّعين وهم يهتفون:

"لا اله إلاّ الله، شهيدنا حبيب الله"…

وكانت تلك الروح وهي تبتعد إلى العالم الآخر تودّع الزيتونة الهرمةِ بقلق شديدٍ سرعان ما تلاشى حينما سجدَ تحتها مقاتلٌ آخر.

**

(3) نذالة صديق

فقد ساعة يده الأنيقة في سيارة صديقه الذي كان قد دعاه عصر ذات يوم إلى حفل شواء عائلي، تحت السنديانة الظليلة في مزرعته الجميلة، وكان قد اكتشف ذلك حال وصوله البيت، حيث أقلته سيارة الصديق نفسه الذي غادرهم مسرعاً.

وفجأة هاج صاحبنا خارجاً عن طوره كالثور الأعمى، كأنها سحابة سوداء غشت ضميره، أو شعور بالنقص أمام الصديق الكريم غطت على عقله الذي طفق يغلي كالمرجل، لتخرج الشتائم من فمه كالدخان الأسود، وهو يتهم صديقه النبيل زوراً وبين أفراد اسرته بأنه سرق الساعة التي أعجبته أثناء الحفل حيث أحاطها بحدقتي عينيه طوال الوقت مبدياً إعجابه بها، وراح يعزز موقفه بالدلائل والبراهين.

وفجأة! طرق الباب، فإذ بصديقه المؤتمن يعيد الساعة المفقودة إلى صاحبها الذي عقدت الدهشة لسانه "ساعتك يبدو أنك نسيتها في السيارة" لتذكره هذه الساعة بنذالته كلما دقت الساعة الثالثة عصرا، كأنها تنصحه بهدوء" راجع الطبيب النفسي".

 

بقلم بكر السباتين

 

صحيفة المثقفلم تدم طويلا هذه الغلالة من الصفاء الوهمي حتى اكفهرَّتِ السماء من جديد على حين غرة، بعد ان عصفت الارض رياح صفراء، عاوية، فسَعَرَت النيران المدفونة من تحت بقايا الركام، ومنها تصاعدت أعمدة من الدخان الأسود، فأنتجت غيوم داكنة، فأدلهم الكون.

ومن السُحب المثقلة بالظلمات نُسجتْ غلاف، صار عازلا بين الأرض وسقفها الأزرق حتى غدا لون البحر رمادياً واهناً متجهماً.

وترامى الفضاء في غاية الاتساع، بلا هيئة، تخنق الحياة. ومن ضراوة الحدث، سرعان ما رحلت طيور النوارس مهاجرةً باحثةً داعيةً عن نقاوة الهواء.

الأقلام البيضاء التي كانت تصوغ افكارها عكس اليمين، بعد ان كانت تنقش من الكلمات، صارت مشلولة الحروف، مما ضاعفت من شدة الظلام على الجموع. انتزعت عنهم الرؤية، فأضَلوا الطريق، حتى تبددت أحلامهم في الوصول إلى أبواب الأمل، فصاروا ثُمالة الكأس تفرغ سكرتها في جوف الموت.

***

كفاح الزهاوي

عطا يوسف منصورتَمَنّى وهو في جَهلٍ أضاعَهْ

شبابَا مُذْ رأى شَيبًا أراعَــهْ

 

تَمَنّى أنْ يَعودَ بهِ زمــــانٌ

ويُرْجِعُ ساعةَ الايامِ ساعَهْ

 

بها دعواهُ يرفَعُها احتجاجًـــــــا

على ظُلم الزمانِ مِن الرضاعَهْ

 

ويشكو للشبابِ مَالَ حــــالٍ

وشَيبًا قدْ رأى فيهِ الشناعَهْ 

 

تَمَنّى أنْ يَعودَ لــه شبابٌ

على ظَنٍّ بهِ يَجِدُ المَناعَهْ

 

تَمَنّى والتَمنّي رأسُ مـــالٍ

لِمَأزومٍ بخُسران البِضاعَهْ

 

تَمَنّى وهو يَدري ذا مُحـــــالٌ

ولا يَدري السَليبَ هي القناعَهْ

 

ولا يدري أذا عادَ افتِراضًا

يَعودُ لِجهلِهِ ويَعودُ هاعَــهْ1

 

ولا يَدري المَشيبَ لهُ اعتبارٌ

اذا ما أحسَنَ المَرءُ اتِباعَـــهْ

 

بهِ نُضْجُ الرجولةِ حينَ يبدو

وعَقلٌ راجِحٌ فيهِ الوداعَـــهْ 

 

هو العينُ البصيرةُ لو وعاهُ

يُهَذّبُ في بَصيرتِهِ طِباعَــهْ 

 

وما سِحرُ الشبابِ سوى افتتانٍ

فإمّـــا للسمـــوِّ او الرقاعَـــــهْ 

 

شبابٌ غالبُ الشهواتِ فيــهِ

وطبعُ النفسِ تغلِبُهُ الخَلاعَهْ

 

فَمَنْ ظَنَّ الشبابَ  لهُ امتيازًا

فكمْ مِنْ خائبٍ يشكو صُداعَهْ

 

يعيشُ وينتهي بينَ الامانـــي

ومِنْ اوهامِهِا يَملي صِواعَهْ2  

 

فَقُلْ للمُشتَكي شيبًا سلامًــــــا

ضياءُ الفجرِ ما أبهى شُعاعَهْ

 

ويا مَنْ قد تَمنّى لو تَمَنّى

لذيذ العيشِ في تركِ اللُعُاعَهْ 3

 

وإنَّ ضُلالَةَ العقلِ الاماني

مَغازلُها تدورُ بها الخناعَهْ

 

ويا مَنْ قد تَمنّى مـــا التَمنّي

إذا ما لم تَكُنْ مَعهُ الشَجاعَهْ 

 

فإنْ [ذهبَ الحِمارُ بأمِّ عَمْر]

فدُنياهُ التي يَرجو فُقاعَــــــــهْ

***

الحتج عطا الحاج يوسف منصور  

 الدنمارك / كوبنهاجن

السبت في 10 / تشرين اول / 2020

....................

* هذه القصيدة جاءت بعد سماعي لرجل يتمثل بقول الشاعر

[الا ليتَ الشباب يعودُ يومًا الى آخر البيت]

1- الرجل الهاعة: الرجل الضَجِر  

2- الصِواع: المكيال

3- اللُعاعة: الدنيا

 

عبد الله سرمد الجميلغيرُ صوتِ الإسعافِ لا ليسَ يُسمَعْ

               في زمانٍ بهِ الرضيعُ يُروَّعْ

كم جدارٍ عليهِ عُلِّقَ نعيٌ

                   كانَ ظلّاً للملتقى فتصدَّعْ

إنّما عُمرُنا مسلسلُ موتٍ

                 كلّما كادَ ينتهي قيلَ: يُتبَعْ..

أيُّها الموتُ من تُراكَ؟ صديقاً؟

                     أم عدوّاً بزيِّ خِلٍّ تقنَّعْ؟

أم بلاداً قد أوهمَتْنا بأنّا

           في جنانٍ نعيشُ والأرضُ بلقَعْ؟

أم رئيساً قد ظلَّ يزعُمُ أنّا

             خيرُ ناسٍ ونحنُ أجدَعُ أسفَعْ؟!

لا تلوموا الجارَ الذي كانَ ذئباً

           بل فلوموا الرُّعيانَ للذئبِ تشفَعْ

فالبيوتُ التي ابتناها بنوها

                 وهْيَ قَشٌّ واللهِ لن تتزعزعْ

والبيوتُ التي ابتناها غريبٌ

               من حِجَارٍ يجيءُ يومٌ وتُنزَعْ

أوّلَ الأمرِ كنتُ أبكي كثيراً

              تُوشكُ العينُ أن تذوبَ بمدمعْ

آخِرَ الأمرِ صرتُ أُغضي وأمشي

                    فكثيرُ الجراحِ لا يتوجَّعْ

نينوى أين أنتِ؟ أسمعُ صوتاً:

           إنّني فيكَ، أغمض العينَ أَسطَعْ

كنتِ كأساً من ماءِ دجلةِ ملأى

                   فإذا اليومَ بالدماءِ ستُترَعْ

الجسورُ التي عبرنا عليها

              ها هيَ الآنَ بالمتاريسِ تُقطعْ

والمناراتُ إذ نَفيءُ إليها

             هدموها لذا السَّما تتضعضعْ

لسْتَ تُدعى عندَ الهوى مَوصِلِّيّاً

              لو بغيرِ الحدباءِ قد كنتَ تُولَعْ

لسْتَ منها إنْ لم تُغنِّ دلالاً

           وسُعاداً، من عودِ عثمانَ تخشعْ

الربيعانِ قبلَها لم يكونا

              وكُوى القلبِ من حَياها تُرقَّعْ

تتمشى الغيومُ فيها قطيعاً

                بعصا البرقِ والنسائمِ تُقشَعْ

ترتدي الليلَ نجمةً نجمةً، خلـْ..

               خالُها كالهلالِ للعُمْيِ شَعشعْ

ليسَ فيها الذي ذكرتُ ولكنْ

                    زاهدُ الحبِّ بالقليلِ يُمتَّعْ

                ***

د. عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

 

 

انعام كمونةتنفسوا الحُلُم بفيء ما ملكت دماؤهم

تعانقوا.. ألوان شهيق المخاض

برحم التراب ...

هنااااك … عبق التوحد

يضوع بأبجدية الطين ..

من بودقة روح مخضرمة الضوء..

وجوه راعبة المنايا ...

تتوضأ العجل..

بتهاليل عزمهم ..

تزهر انفاس الصباح

مخضوضبة العواصف ..هممهم

تُزلزل الأزل براكين خطاهم

فتكتحل عيون الثريا بلمح سراهم

فسيفساء صلصال ..

تتسلل كغيم قاتم ..سرمدي الأفق

فترتعش جذور التاريخ … طلعا متوهجا ...

يمزق قميص الردى … أشلاء ضباب

يصهر تجاعيد السحاب من أروقة الربيع

لتشرق روابي النرجس .. منائر نور

تضئ حدباء الحضر قناديل دماؤهم

قبل أن يرتد هدهد أبصارهم

تغسل دموع نينوى بحرير الانتصار

وتطمر جحور الرذائل زمهرير ظلام

فلا يستأخرون ساعة عما يظنون

تراهم أكلت الطير رؤوسهم

ثلة عجاف ....

وهم يكتبون زبد عروشهم ....

برعاف الوقت وهماً

لِمَ تقربون هذه الشجرة..؟

بلسمها أخضر النوايا ...

فحيحها أسود ناصع ...

ترتل وديانها ...

من شر فاسق ...

إذا حكم...

***

إنعام كمونة

20 / 10 / 2016

 

 

جمال امحاولكمْ تشتاقُ

 الينابيعُ لياقوتةٍ صمّاءْ..

كي تأخذَ

 منها بريقَها وترحلْ

لا تنعطفُ

 الشفاهُ على سفّة ماءْ..

إلاّ إذا

أغرتْها قارورةٌ من حمإْ..

تشتاقُ الزهورُ

 لتستحمَّ عاريةً

 تحت أعْين البجعِ السوداءْ..

 النوارسُ

تهجرُ أوكارها

خوفا منَ العنقاءِ..

الشمسُ تراقبُ الحدثَ

 وهي تلهثُ عطشَى

تريدُ أنْ تشربَ

 منْ رضابِ ريقِها

فلا ريقٌ ينسابُ ولا قُياءْ..

الجداولُ في الأسفلِ،

 تشتاقُ هي أيضا

إلى ممراتٍ ضيقةٍ

كي تمرَّ خلسة

 إلى القمرِ الَّلأْلاءْ..

قناديلُ تشعُّ

 في ريٍّ منْ وادٍ

 يهرقُ سيْلهُ هباءْ..

هِجائيةُ جرير

 تستحوذُ على قافيةٍ الهجاءْ..

من عينيِّ مدينتي القابعةِ

على الرُّبى،

يُرْسَلُ ماتبقى

 من نورٍ وضياءْ..

كي ترَى الينابيعُ مسارَها

رقراقةً،

 وهي تُشعُّ في السماءْ..  

***

جمال امْحاول

 

جليل كريملم يكن على علم بخبايا تلك اليد الحانية التي  انتشلته من عالمه الموبوء، لتقذف به صوب بحر الربيع هذا؛ أزاهير كرز وردية، بابونج ذات زعانف نجمية، بنفسج لها حراشف مبيضة، أزاهير فل موردة، كلما داعبتها نسائم تراقصتْ متمايلة، براقة، ندية، تضوع عبقها في لحظة فاقت كل سنينه العجاف.

  تحلقت بُحيرة تغفو تحت دائرة معشوشبة  بأوراق خضر لمّاعة، وأغصان مدلاة بأزاهير حمر على حافات مياه ساكنة، انعكس على مرآتها أجنحة إوز متماهية مع لوامع ضياء العصر.

 تقويمه يبتدأ من الآن؛ تناهتْ إليه ألحان فريدة انبعثتْ أنغامُها من آلة لم تُبتكر بعد، فانسابتْ إلى شَّغافِ قلبه انسياب مياه عذبة صوب شجرة ظمأى، قالتْ:

- ها هو ذا عالمي.

رد منبهرا: هذه أنتِ؟!.. أم اتّشحتِ بأرديةِ الملائكة!.

اشرقت شفتاها الورديتان عن ابتسامة يسيرة تشي  طراوة فتاة لم تبلغ الثامنة عشر، أجابتْ:  

 "متشوقةٌ إليكَ"

 اِنطفأ سُعارُ آلامهِ ببلسم رقيق أحرفها المرنَّمة.. تمتم متعجبا:

  " تبدين يانعة! "

انبجسَ من خزائن أمسِها تباريح غرامها وكيف نمت أغصانه الزاهرة. حدّثته:  

 "ما أحلى ثمار العشق! "

تأمل ماضيه المائز معها حيث أمستْ العناية الإلهية وحدها من تقودهما إلى شواطئ السلام.  غمغم:

 " لم أعدْ أحتمل من دونك غابة الذئاب تلك"

رقَ سويداء قلبها ففاضتْ عيناها بأشجان النوى، همهمت:

 "ما يُعكرُ صفو الحياة هنا، بِعادك عني"

   " سأمكثُ معكِ."

علّقتْ ذراعيها على منكبيه، متنهدة:

-"أودُ ذلك.. لكن ليس قبل أن ترحل"

   "ها انذا راحل إليكِ"

بادرته موضحة:

" لم يُوقَع بعد على جواز مروركَ."

 رد مازحا: صِرتِ خبيرة بإدارة الرحلات.

أجابته والابتسامة ما فتئت عالقة في ثغرها  الزهري:

 "الرحيل انعتاق."

سألها مستفسرا:  "انعتاق ممن؟"

هبّتْ نسائم عبقة، تسلل شذاها إلى روحيهما، وتسلل الندى ما بين شقوق وريقات النرجس.

 أجابته:  - انعتاق من عالم رمادي.

تبعثرتْ أفكاره، تمازجت أوهامه بواقعه، وأحلامه بحقائق وجوده، فسألها إن كانت قادرة على أن تتشفع له ليقيم معها في خِضَمِّ هذا النعيم.

مسَّدَتْ شعره الأشيب بأنامل غضَّة، مبيضة، ثم   مرَّرَتها على أخاديد وجنتيه المتغضِّنَتَين اللتين حفرتهما معاول حصار مديد وحروب عبثية متعاقبة على مدار العمر.

 ردتْ متحسرة:

 ما أن وجدتك هنا حتى هفا قلبي إليكَ كما يهفو الفراش إلى الضوء.

عَمَدَ أن يبوح لها بأن خطرهم مازال قائما، واصفا

أشكالهم وألوانهم الغرائبية؛ هم سود، عراة، طوال، ناحلون، تتلفع عوراتهم بخرق صفر قذرة.. في إحدى  قبضاتهم كرات نارية مُسننة وفي الأخرى رماح تعلو رؤوسهم بنهايات مدببة.. بَدَوْا كأنهم لا ينتمون لجنس البشر.

راح قلبها ينقبض من بشاعتهم المقرفة، مستذكرة كيف أنَّهم ظفروا بها أيضا قبل شهرين في إحدى ليالي عشقهما المُسَرْدَق بالصفاء.

قالت: خطرهما واحد، هم ومن تسلط على رقابنا في أوقاتنا الضائعة.

قال مبيّنا خلاصه منهم: " أشار إليَ أحد الهاربين من نبالهم إلى نفق فضي للنجاة من شرورهم، فحَشَرتُ نفسي  في جوفه بضغط وكبس شديدين، حتى غدوتُ ها هنا جنبكِ"

 دنتْ منه قابضة على كفيه، متأملة خرائط العمر التي بانتْ على محياه المجعد.. قالتْ:

"لقد شاخ وجهك كثيرا"

تمتم مبتسما: وأنتِ ازددتِ بريقا وحُسنا.

صَفَقَتْ إحدى طيور الإوز جناحيها الأبيضين على سكون البركة فتناثرت وارتجتْ مياهها، وطارت في لحظة واحدة جميع الطيور عبر سماء زرقاء لامعة بحمرة العصر القانية.

تكدَّرَتْ ملامحها، رحلت عيناها جهة تحليق الإوز في سكك فضاءات سامية، ثم أرسلت بصرها إليه، هامسة:

  "الآن تغلّبتْ تلك المخلوقات البشعة عليكَ."

 تشوشتْ مداركه، تحيرتْ أفكاره، انهارت قواه، مغمغما:

" لكنني طليق أمامَكِ؟"

رسمتْ كلماتُهُ أمارات اِلتياع في عينيها.. فردتْ بصوت متهدج:

- روحُكَ هي الطليقة، كتلك الورود الحمر المنعكسة صورها على شفيف ماء البركة.

 سألها منفعلاً: إذن أين أنا الآن؟

"أنتَ قبالي بكل حقيقتك.. إنَّ أعتى طواغيت الأرض عاجزة أن تمس روحك المفعمة بالحب.

سألها: "وجسدي؟!"

التمعتْ عيناها بقطرات اندلقتْ من مآقيها، ثم سألته: ألم تغادر منزلنا صباحا لشراء الفطور؟

رد مستذكرا: أجل.. وقبل أن أشتريه هجموا علي هناك.

عانقته بشدة، متنهدة، هامسة في أذنه:

" لا تخف يا حبيبي فأنا بجانبك دائما."

أزاح ذراعيها برفق، وسألها بإصرار:

"ما الذي جرى لي؟"

بكتْ، فتكسرت ألفاظها بين طيات حنجرتها:

" ما انفكتْ رماحهم تنهش في أحشائِكَ."

انتفختْ أوداجُهُ فرقا، فسألها متحريا:     

 " هل أنتِ واثقة مما تقولين."

ردتْ بمرارة اعتصرت كبدها:

- أولادُنا هناك يترقبون اجتياز نعشك من رواق  مستودع الجثث.

تنهد مرتاعا: أتحسس كما لو أن ذاتي تُنتَزَع من ذاتي.

تشابكتْ أصابعهما، وهمهمتْ مكتئبة:

- أضحت روحك الساعة مفارقة لجسدك المسجى في وادي السلام، يرافق جنازتَكَ أولادُنا الأربعة متطوعو الدفن ببدلاتهم البيض وأقنعتهم السود وقفازاتهم الزرق، يتولون مهام تجهيزك من غسل وتكفين وصلاة ومن ثم دفنك في حفرة عميقة  شقت لحدها أسنان جرافة ضخمة.

ما فتئت الأرزاء تعتصر أفئدتهم.. كيف لا وهم يفتقدون أبوين في غضون أقل من شهرين.

اجتذبتْ معصميه إلى صدرها الخافق، مُتأوِّهَة:

" مرأى القبر أفزع روحك.. فهفا جناحيها إلى المقربة من البركة.. كيف تشعر الآن؟"

رد وهو يتلمس ذاته الأثيرية، متحيرا:

" كما لو أنني أنسل من زحام."

أجابته بحبور:

" هكذا هو سفر الصلحاء."

هاج نسيم العشق الأبدي على ربوع فراديسهم، تنفس كلاهما حياة أخرى بهيجة، ماحية دنيا الطغاة والظلمة.

عانقته بحماسة، ثم حملقتْ في قسماته الناصعة، مقهقهة، مشيرة بسبابتها إليه، هاتفة بفرح:

"لقد عادتْ إليك نضارة الشباب."

ضغطها بشدة إلى صدره المفعم بسعير الشوق.. وابتدأتْ أولى رحلاتهما عبر سكك فضاءات الأبدية.

***

قصة قصيرة

القاص: جليل كريم

 

عدنان البلداويأغْفو فيوقِظُني الحنينُ فإن دَنـــا

وانْسابَ بيــــن جَوانحي يتوزّعُ

 

هتفَ الفُؤادُ فقــــال دَعْه فإنــــه

شوقُ الأحبّةِ في الجّوى يَتَضرّعُ

 

صبراً على بُعْدِ المزار فإن لــي

قلبـــاً يراكُم فـــــي المنام فيهجَعُ

 

تنأى بـــيَ الذكرى تقلِّبُ حالَــها

مابيـــن لـــي أمَلٌ وعَيـــنٌ تَدمَعُ

 

إن حـالَ أمرٌ فــــي التَقرُّبِ بيننا

عَبَقُ القوافــــي من بَعِيــدٍ يَجْمَعُ

 

لا تَكْتَرِثْ طـولَ الفراق فرُبَّــما

فيــــــه اختبارٌ والتجارِبُ تَنفعُ

 

يســـمو اللقاءُ اذا تَتوَّجَ عِــــفّةً

ولـــه الحَصانةُ والمَقامُ الأرْفَعُ

 

طَبْعُ التَعفُفِ مَنْهجٌ يَبْني الخُطى

يَنـْـــمو بمحرابِ الوفاءِ ويَمْرَعُ

 

يَزْدانُ بالتقوى لنيــــــــلِ مَكانةٍ

العِزُّ فيــــــها شـــامخٌ لا يَرْكَعُ

 

انَّ الثباتَ على النزاهةِ حِكْمةٌ

تَلْغي التَعَثُّرَ في السلوك وتَرْفَعُ

 

واذا سَعَيْتَ لرَأْبِ صَدْعٍ فاسْتَمع

لذوي العقولِ فهُم لــــذلك مَرْجِعُ

 

شَتّـــانَ بيــــن تَــرَهُّلٍ وتَمـاسُكٍ

فلكل جُهدٍ في المسيـــــرةِ مَوْقِعُ

 

والمرءُ يُعْرَفُ مِن بَريقِ عيونِه

صِدْقُ النوايـــــا او بفعْلِه يَخْدَعُ

 

ما كلُّ مَـن مَسَك العِنانَ بفارسٍ

ولكلِ فَنٍّ فـــي الصياغةِ  مُبْدِعُ

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي