ريكان ابراهيمالى الشاعرة إباء إسماعيل

 (1)

حاولتُ أنْ اكونَ مثلَها فما أستطَعْتْ

وعادتي أنيّ اذا واجهتُ يوماً مُشكِلا

فلا أقولُ: لا ، لكنّما

أحلُّهُ فأستريحُ منه، أو أراهُ

قاسياً وغامضاً ومُغضِلا

فأستميحُ العُذْرَ من براءتي

وأهمِلُ المُلِحَّ من عواطفي فلا

أهدَأُ حتي  يرحلا

(2)

حاولتُ أنْ أعيشَ دونَها فما أستطَعْت

لأننيّ ....من عادتي منذُ الصِغَرْ

لا أدّعي بطولةً

ولا أرى رجولةً

في أنْ اكونَ مُفْرداً عند الخَطْر

وحينما رأيتُ فيهاسندي

خشيتُ أنْ تتركني فكم وحيدٍ دونها قد أنتحَرْ

(3)

حاولتُ أنْ أعشَقها فما أستطَعتْ

فالعشقُ محوٌ كاملٌ لحالة الصَحْوِ التي تسكُنُني

وحينما قصَرّتُ في عشقي لها

ظننتُ أنّني ظلمتُها في كُلِّ ما خالجَني

فقلتُ: ماأوقحَني

وأخترتُ أنْ أكرهها

(4)

حَوّاءُ كُلُّ الكونِ،ليستْ بَعْضَهُ

حَوّاء كانتْ زَرْعَهُ وماءَهُ وأرضَهُ

لكنَني خُلقِتُ أكرهُ القيودْ

ولي نزوعٌ أنْ اكونَ خارجَ الوجوْد

وحينما وجدتُني

كأنّني مُوكَّلٌ بذَرْعِ  مُلْكِها

من الحدودِ للحدودْ

قَرّرتُ أنْ أكرهَها

(5)

حَوّاءُ كالغذاءِ والدواءِ للرجُلْ

بدونها يُصابُ بالخلَلْ

وإنْ جفتْهُ أصبحتْ حياتُه بلا أملْ

لكننيّ مُنذ الصِغَرْ

مُختلفٌ ،وربّما عن كُلِّ مِلّةِ البشَرْ

في أنَّ مَنْ أحتاجُهُ أكرهُهُ

(6)

 

إنّي قرأتُ كُلَّ ما حفِظتُ في مكتبتي

عن صحبةِ السَجّان والسجينْ

وصارَ عندي مَرّةً صاحبةٌ

أوهمتُ نفسي أننيّ أحببتُها

لكنّني كرِهتُها

لأنّني رأيتُ ماقرأتُ مِنْ سنينْ

(7)

أحببتُها حتّى أكتشفتُ أنّها

تُحِبُّ مَنْ تُحبّه ولاتحِبُ مَنْ يُحبُها

وأنها قد تمنحُ أخترامَها، وقد

يلينُ قلبُها

لكنّها يظلُّ غيرَ دَربي دربُها

وانّني لأجلها لابُدَّ أن اكرهَها

(8)

لأنّني مُتَّهمٌ  بأننّي علّمتُها على

الخطَأْ

وأننيّ أغريتُها فصارَ ساقُها كساقِ بلقيسِ سَبأْ

وأنني مُفسِدُها،فما خلوتُ مَرّةً بها

إلاّ انبرى الشيطانُ ينشرُ النَبأْْ

لأجلِ هذا كُلّه قَررّتُ أنْ

أكرهها

(9)

من بطنِها لِحضْنِها

ومن حياتي معها الى أرتدائي

كفني

تدخّلتْ في كلِّ ما أتعبَني

كأنها ظِليّ الذي يتبعُني

وكائنٌ  بمثل هذا القَدْرِ

من عطائهِ يجعلني

له حسوداً دائماً

لا أستطيعُ شكرَهُ

فأستحيلُ ناكراً

كأنه يكرهُني

(10)

شعرتُ بالذنبِ الذي أرتكبتهُ

بحقِّها...

فأنني أتعبتُها بالحَملِ والولادةْ

شربتُ كلَّ صدرها

على مدى عامين أو زيادةْ

وحين صرتُ عاشقاً راودتُها

عن نَفْسِها

وحينما أكلتُ من تفاحِهَا

رجمتُ كُلَّ رِجْسِها

أنا الذي عَوّدتُها المسيرَ

في الصحارى

أنا الذي فضضْتُ فيها عِفَةَ

العذارى

أنا الذي أولدتُها الصغارا

وصرتُ كلّما رأيتُهمْ

رأيتُ فيهمْ أنَّهم عقوبةٌ

منها لِما جَنيْتْ

وأنّها تكرهُني

وواجبٌ عليَّ انْ أكرهَه

***

د.ريكان ابراهيم

 

 

عبد الستار نورعليلسْتُ صاحبَ حانةٍ،

لأبيعَ خمرةً مغشوشةً..

لسكارى..

لا يعرفون الكلامَ المختلف،

ويتقنون فنَّ الرَغْي..

منْ غير ألسنةٍ،

ولا عيونٍ،

ولا آذانٍ،

ولا أطرافْ.

 

توقّفْتُ..

على قارعةِ "الساعة الخامسة والعشرين"؛

فقد تجاوزَني قطارُ الشرقِ..

السريعُ..

الذي انطلقَ..

في الساعةِ الرابعةِ والعشرينَ..

متوجّهاً....

الى بلدةِ "كوستانتين جيورجيو"،

عند أقاصى الذبح.

سألني الواقفُ..

في المحطةِ الأخيرةِ مثلي:

ألستَ المُسمّى بـ(عبد الستار)؟

قلْتُ:

(بلى)، وربِّ الكعبةِ!

قال:

لا تقلْ "بلى"!

وقلْ (نعم)..

مخالفاً القاعدةَ 

ـ سينهض المرحوم مصطفى جواد..

الجواد 

محتجّاً ـ

قلْ (نعم)،

فتنالَ وسامَ التقديرِ والتصفيق..

لأنكَ خالفْتَ..

ولم (تختلفْ).

ألستَ ابنَ (الملا نورعلي)..

المواظبِ..

على القياسِ،

ولم يختلفْ،

فواظبْتَ..

ولم تختلفْ؟!

قلْتُ: نعم.

فصفّقَ طويلاً..

وغابَ..

في لجّةِ الساعةِ الرابعة والعشرين..

ولم يختلفْ!

***

عبد الستار نورعلي

فجر الأربعاء 22 يوليو 2020

 

 

ليث الصندوقمن بعدِ إطفاءِ الحرائقِ

واقتيادِ دخانِها للأسرِ يرسفُ في قيودْ

ما عادَ طبّاخو الجِمارِ يُتاجرون بصحنهم

للراغبين بأكله عبرَ الحدودْ

طُرِدتْ كوابيسُ الجنون من القناني الفارغاتِ ،

ودونَها الأبوابُ سُدّتْ

وانتهى زمنُ العواصفِ والرعودْ

لكنْ تُرى من أيّ صدعٍ في السما

سقطتْ إذن تلك الشياطينُ اللعوب ؟

لتصُبّ في الجُرحِ الجديدْ

ما فاضَ عن ذاك القديمِ من الصديدْ

**

ألنارُ مثلَ الماردِ الأعمى تسيرُ إلى المدينةِ

تسحقُ الأكواخَ تحتَ مَداسِها

وتُحيلُ أكواخاً على الطَللِ القصور

فلتهربوا ركضاً على الهاماتِ والأكتافِ

فالنيرانُ هدّتْ ما بنينا من جسور

هذا زمانُكِ فامرحي يتُها الشياطينُ اللعوبُ

وشيّدي ما بين عينٍ واختِها سوراً

وما بينَ القلوبِ ونبضِها صُمّ السّدود

مِن بعدِ عَوْدِ الطيرِ يبني فوقَ عُشْبِ صدورِنا أعشاشَه

عادَ المِقصُّ يجزّ أعشابَ الصدور

كم ميتةٍ جيرانُنا الأمواتُ ماتوها

وعادَ القاتلونَ ليغلقوا بالقُفل أجفانَ الشهود؟

**

في الأرض إذ تعوي ذئابُ الرُعبِ

يغدو الناسُ فئراناً

وتغدو قصورُهم فيها جُحور

بغدادُ لم تبرأ ، وبيروتُ اختُها

قد عادتا

- من بعد عهدِ اللّسعِ - تغتسلان في حِمم السعير

طوقُاهما من أدمعٍ خُرَزٌ

والخاطبون المُدّعون الودَّ جزّازو النحور

**

ليلٌ

وآلآفُ الشموعْ

- مثلُ الأفاعي - راقصاتٌ فوق مِقلاةِ الجنونْ

عادتْ من الماضي النِصالُ

تَسوقُ للأخدودِ مغمضةَ الجموعْ

وكذلك الأبوابُ عادتْ – مثلما كانتْ - تُسَمَّرُ بالنواجذِ

والنوافذُ مُكفهراتِ العيونْ

ومع المساءِ

من القبورِ حُشودُ موتى ينهضونْ

***

شعر / ليث الصندوق

 

حسين فاعور الساعديكجرذٍ صغيرٍ

كقطٍّ...

ولدتُ على صخرةٍ

عند منتصف الليلِ

قبلَ طلوعِ الصباح كبرتُ

مشيتُ،

وقبلَ الظهيرة صرتُ فتىً ألمعياً

تحديتُ ريحَ الشمالِ

فَلَحتُ الحقولَ

رَعيتُ قطيعَ الحلالِ

تدحرجتُ بين الصخورِ

اختبأتُ بسرّيسةٍ غمرتني

وخروبةٍ أشبعتني أنا والقطيعَ

ترعرعتُ بين الفراشاتِ

بين الذئابِ وبين الثعالبِ

وسط الحقول الفسيحةِ

خلفَ الجبالِ.

رضعتُ العنيزة أم التوائمْ

شربتُ دموعَ الصخورِ

تغذيتُ عشب البراري

تململَ نصفي

أردتُ، وكان الخواءُ شديداً،

أردتُ فتاة تشاطرني الشوقَ

تمتصُّ وقع الخواءِ

أردتُ أصابع أنثى

لتنقذ نصفي من الاختلالِ

أردتُ هنيهةَ حبٍّ

لحيظةَ ودٍّ

كماءٍ زلالِ

وقبلةَ خدٍ

ولمسةَ عشقٍ حلالِ

أردت فتاة تشاركني قهوتي في العراءِ

أميل عليها قليلاً

فتسند ظهري

وتحيي طقوس احتلالي

تُعدّ الرغيفَ لأجلي

وتحلبُ شاتي

تردّ القطيعَ إذا غاب عني

لأنهي صلاتي

مللتُ الحياة وحيداً

أردتُ لقاءً

أردتُ وصالاً

فبعتُ العنيزةَ أم التوائمِ

بعتُ ثلاثَ حوالي*

اشتريتُ قميصاً جديداً

بلون الحذاءِ

اشتريتُ زجاجة عطر فرنسي

وطلّقتُ عطر الخليلِ البدائي

لبستُ القميصَ الأنيقَ

انتعلتُ الحذاءَ الجديدَ

وتحتَ السواري سريتُ

تخيّلتُ خصراً طرياً ندياً ينادي

مشيتُ مشيتُ فغاص حذائي

حذائي الجديدُ تلطخ بالوحلِ

وحلُ بلادي

وبعد عناءٍ وطول اجتهادِ

وفي غفوة من قطيعي

وجدتكِ في صفحتي

وجدتكِ وحدكِ شاردةً كالغزالِ

كتبتُ بشوقٍ خجولٍ:

أحبكِ بيدر عشقٍ بحجم الجبالِ!

رددتِ:

أحبكَ بنك دلالِ!

وأردفتِ دون حياءِ:

أعندك قصرٌ كبيرٌ؟

سأهواكَ أكثر

إذا كنتَ تملكُ هامر

وأكثر إذا كان عندك جاغور!

أجبتُ وقد خار عزمي

وزادت همومي

وكاد يضيعُ رجائي:

أنا بدويٌّ

أنامُ على الأرضِ،

تحتَ السماءِ

وعندي حقول شعيرٍ وقمحٍ

كرومٌ من اللوزِ والبرتقالِ

ومُهرٌ صغيرٌ،

قطيعٌ كبيرٌ

وكرمُ دوالي!

فقلتِ وقد ضقتِ ذرعاً:

بع الأرضَ والمُهرَ

شيّد لنا البيتَ قصراً

وأوصي على لامبُرٍ**

أو على هامرٍ

مثل كل الرجالِ!

تضوّعتُ حباً

تضعضعتُ عشقاً

تشظيتُ قهراً

وحاولت تجميع حالي

أجبتكِ:

أرضي الحبيبة أمي

ومُهري وجودي

وحبك طفرة نصفي

ومحض اشتياقِ!

أجبتِ بكلِّ غرورٍ:

بع الأرضَ...

هذا جوابي النهائي!

تبخّرَ حبي،

وعشقي تلاشى،

تجمّدَ نصفي التململَ

عاهدتُ نفسي :

عن الحبِّ أحجمُ ما دمت حياً

إذا كانت الأرضُ مهرَ النساءِ!

***

حسين فاعور الساعدي

........................

* الحولي- هو العجل الذي لم يبلغ سنة من عمره

** لامبُر-  المقصود سيارة لامبورغيني الثمينة

 

 

صحيفة المثقفقال القزمُ .. أنا أكبر منكْ،

فرد العاقلُ .. كلٌ يحكي عن حجم الأضداد

وضيم الأجداد..

قال القزمُ .. أنا أغرف من موج البحر

بحوراً ونذورا..

فأجاب العاقل .. ما زلتَ تخوض الماء الضحلْ

مغموراً بالوحلْ،

ولا تعلم اعماقكْ..

قال القزم .. أنا اشجع منك لأني اركض فوق الماء

وأحرث موجات البحر..

واسبح بين الغيمات

وامرح بين القطعان ..

لا ... ليس شجاعاً من يركض فوق الماء

ويحرث ماء البحر،

ويسبح في غيمات الوهم

حكيماً  يرعى الغلمان ..

**

الخوض في الأوحال

يفتح بابا يتلبسه ثوب الإملاق،

ويشار إليه بـ(أناه) المأزومة لا تدري كيف تكون..

وما زال صغيراً تبهره لعب الأطفال ..

طفل يبهره مديح الأهل

وتسحره الومضات ..

والعالم بين يديه نبؤات

ورأس الطفل تتزاحم فيه علامات

يدهشه إيقاع الطبل ومديح الكلمات ..

ويسحره رنات العزف

و(بهرجة) النغمات..

حيث نواطير الليل نيام

والعبث المجاني يسود..

وحصاد الأصوات المبهورة باللآمعنى تقود..

وحوار يعلو خلف الأسوار

بين العاقل، وصغير العقل

وتظل الأفكار تتسامى

والعبث المجاني يتهاوى

ونفوسٌ، تبهرها أعماق الأوحالْ..!!

***

د. جودت صالح

02/08/2020

 

عهود عدنان نايلةوقد تأتيكَ الحياةُ على هيئَةِ حُلمٍ نيسانيٍّ في غيرِ أوانهِ.. حوارٍ ليليٍّ مكتحلٍ بالبنفسجِ، وأنت الفرحُ البابليُّ تنسكبُ عطرًا دمشقيًّا وتسيحُ في كلِّ جهاتِ الحكايةِ الإغريقيّةِ، أغنيتكَ نبيذٌ فرنسيٌّ معتّقٌ بأحاديثِ الشّمسِ للنّدى، وحروفكَ تنبضُ كضحكةٍ تملي على السّماءِ قدسيّةَ زرقتها، وفي عينيكَ تتقافزُ فراشاتُ اللّوزِ متعاليةً على الحزنِ العميقِ متواطئةً مع موسيقى قُزحيّةِ الوعيِ والعاطفةِ والولع !

من فرطِ الأملِ، تشعُّ على تلالِ الوقتِ وتستبدُّ بأقمارِ الحبكةِ، تستبطئُ قافيةَ التّردّدِ بينَ أمامكَ أو ورائكَ، تراقصُ روحَكَ لغةُ الملائكةِ اللّواتي يحملنَ على أجنحتهنَّ أبجديّتكِ اللازورديّةِ، تسرينَ بفكرتكَ من كبواتِ مستحيلكَ وتعرجنَ بكَ إلى عرشكَ المجدولِ من حبقِ الأمنياتِ لتتلوَ تحيّاتكَ على بيّاراتِ الأبديّةِ المعلّقةِ على قلبِكَ ، وقلبكَ فقط حيثُ تتفتّحُ نبضاته رغباتٍ خُضْر، وبشائرَ تزفُّ تقاسيمَ الجذلِ في وجهكَ الشّقيِّ غيمات تصبُّ بقاعَ القصائدِ رُبُعًا وأنهارًا من فرحٍ فوضويِّ زحافُهُ عناقُ أحبّةٍ وعللهُ قيثارةٌ أنغامها اشتياقٌ وسكينةُ روحٍ وعناقيدَ فُلِّ انتظارِكَ الشّهيّ !

على أُهبـةِ  القلبِ، تتّخذُ زينتكَ على مهلٍ كيلا تهملَ تفصيلاً واحدًا من ألقٍ الحلمِ – الحوارِ اللّيليِّ ، إكليلٌ من لبلابِ الخيالِ ، كرْمانِ من بهجةِ التأويلِ، فنجانٌ من تحايا قهويّةِ الإلهامِ، وقمرٌ - تكوّره بالضّرورة يداكَ - كي يتناسبَ والأمل المنسكب فيكَ ومنكَ... وشاحٌ عسليٌّ من كستناءِ إشراقتكَ، وقبلةٌ واحدةٌ لقِبلَتكَ التي تتمركزُ في الجهاتِ كلّها...حينما تنتهي من استعداداتكَ للبدءِ فلا تخف من الخطيئةِ الأولى، ولتتذكّر أنّها قد .. تأتيكَ على هيئةِ حُلمٍ نيسانيٍّ في غيرِ أوانهِ.. أو حوارٍ ليليٍّ مكتحلٍ بالبنفسجِ وأنّكَ أنتَ الاستحقاقُ الأوحدُ للحكايةِ، المختلفُ عن كلِّ شيء لا تشبه شيئًا ولا تبدأُ من غيركَ ولا تكتملُ بسواكَ .. أنتَ الفرح !

 ***

عهود عدنان نايلة

17 -تمّوز-2020م

الأردن – سوريا / الإمارات

محمد جواد سنبهكانَ في الغابَةِ حِمَارٌ حَكيّْمْ.

اجْتَمَعَ مَعَ بَعيّْرٍ فَهيّْمْ.

تَحّْتَ ظِلِّ نَخّْلَةٍ يُدَاعِبُها النَّسِيْمْ.

فِي جَلّْسَةٍ سِرِّيَّةٍ كأَنَّها فِي النَّعِيّْمْ.

قَالَ الحِمَارُ لِلبَعيّْرِ:

إِنَّكَ كَبيرُنَا فِي الغَابَةِ وذِيّْ عَقّْلٍ سَليّْمْ.

وَ ذُوْ حِكّْمَةٍ ودِرَايَةٍ وبِكُلِّ الأُمُوْرِ عَلِيّْمْ.

تُمَيّزُ الأُمُورَ مِنّْ بَيّْنِنِا وتَعّْرِفُ السَّليْمُ مِنّْهَا والسَّقيْمْ.

وَ اليَوّْمَ أَبُوحُ لَكَ بِسِّرٍ عَظيّْمْ.

قَالَ البَعِيْرُ:

مَا الأَمّْرُ يَا حَضّْرَةَ الحِمَارِ الحَكيّْمْ.

قَدّْ شَوَّشّْتَ فِكّْرِي وجَعَلّْتَنِي غَيّْرَ كَليّْمْ.

هَلّْ حَدَثَ فِي الغَابَةِ اعتِدَاءٌ مِنْ مُفّْتَرِسٍ لَئِيّْمْ.

قَالَ الحِمَارُ:

كَلَّا ... فالكُلُّ يَنّْعِمُ بخَيّْرٍ عَمِيْمْ.

لكنَّ العِرَاقِيينَ يَمُرُّوْنَ بِظَرّْفٍ قَاسٍ كالجَحيّْمْ.

فالكَهّْرَبَاءُ عِنّْدَهُمّْ رَدِيْئَةٌ وأَمّْرُهَا عَقِيّْمْ.

وَ النَّاسُ يَتَلَظَوّْنَ مِنَ الحَرِّ الأَليّْمْ.

قَالَ البَعِيّْرُ:

وَ مَا عَسَايَ أَنّْ أَفّْعَلَ يَا حِمَارَنا الحَكِيّْمْ؟.

قَالَ الحِمَارُ:

عِنّْدِي فِكّْرَةٌ نَفِذّْهَا ولَكَ مِنَ اللهِ جَلِيّْلِ الأَجّْرِ عَظِيّْمْ.

إِذّْهَبّْ إِلى رَئِيْسِ الجَمّْهُوْرِيَّةِ الحَليّْمْ.

وَ عَرِجّْ عَلَى رَئِيْسِ الوزَرَاءِ الزَّعِيّْمْ.

و اشّْرَحّْ لَهُمَا هُمُوْمَ الشَعّْبِ الهَضِيّْمْ.

وَ أَوَّلُهَا:

مُشّْكِلَةُ الكَهّْرَبَاءِ السَّقِيّْمْ.

وَ ثَانِيْهَا:

مُشّْكِلَةُ البَطَالَةِ فَأَمّْرُهَا جَسِيّْمْ.

وَ ثَالِتُهَا:

قِلَّةُ المَدَارِسِ وانّْهَيارِ التَّعْلِيّْمْ.

وَ المَشَافِي وَضّْعُها هَزيّْلٌ رَمِيّْمْ.

وَ رَابِعُهَا:

طَفَحُ المَجَارِيْ وشِحَّةُ عَذّْبِ المَاءِ أَمّْرٌ أَليّْمْ.

وَ اذّْكُرّْ غَيّْرَهَا مِنْ أُمُوْرٍ تَجّْعَلُ المَرْءَ لَطِيّْمْ.

وَ خَامِسُهَا:

تَفَشّْيْ الفَقّْرِ بَيّْنَ الشَعّْبِ والفَقّْرُ ذَمِيّْمْ.

وَ أُوْصِيّْكَ يَا حَضّْرَةَ البَعِيّْرِ وَصِيَّةْ.

قُلّْ لِفَخَامَةِ الرُّؤَسَاءِ قَوّْلاً يُرْضِيْ الرَّعِيَّةْ.  

عَسَى أَنّْ يُصّْغِيَا اليّْكَ هُمَا، وذَوي العُقُولِ الذَّكيَّةْ.

وَضّْحْ لَهُمَا مُعَانَاةَ الشَعّْبِ ذِي النَّفْسِ الأَبِيّْةْ.

وَ اشّْرَحْ لَهُمْ كُلَّ التَّفَاصِيّْلِ الخَفِيّْةْ.

أَطّْرَقَ البَعِيّْرُ إِطّْرَاقَةً عَمِيّْقَةً قَوِيَّةً شَجِيّْةْ.

وَ قَالَ:

ذِهَابِيْ لِلّْرُؤَسَاءِ لا يُغَيِّرُ شَيّْئَاً مِنَ القَضِيَّةِ.

قَالَ الحِمَارُ:

لِمَ ذَاكْ .... وأَنّْتَ صَاحِبُ الأَرْيَحِيَّةْ ؟.

قَالَ البَعِيّْرُ:

يَا سَيِّدَنَا الحِمَارُ ... الأَمّْرُ مُرْتَبِكٌ إِرْتِبَاكَ الضَحِيَّةْ.

فَالعِرَاقِيّْونَ هُمّْ مِنَ اخْتَارُوا الدِّيْمُقّْرَاطِيّْةْ.

فَأَوّْقَعُوا أَنّْفُسَهُمّْ فِي شَرِّ رَزِيَّةْ.

فَحَكَمَ النَّاسَ النَّطِيْحَةُ والسَّقِيْمَةُ والمُتَرَدِيَةْ.

وَ أَغّْلَبُ النَّاسِ تَسُودُهُمّْ جَاهِلِيَّةْ.

أَحْزَابٌ لا حَيَاءَ لَهُمّْ ولا فِيْهِمّْ خَيّْرُ طَوِيَّةْ.

فَالأَمّْرُ سَوَاءٌ إِذا ذَهَبّْنَا لِلرُؤَسَاءِ أَو لِلبَلَدِيّْةْ.

فَالعِرَاقُ صَارَ غَنيْمَةٌ لَهُمّْ سَمَوّْهَا مُحَاصَصَاتِيّْةْ.

وَ ضَاعَ النَّاسُ وَهُمّْ الأَكثَرِيَةُ والغاَلِبِيّْةْ.

 بَيّْنَ مُرْتَشٍ وسَارِقٍ ومُتَاجِرٍ بالقَضِيّْةْ.

فَحَلَّتّْ بِالنَّاسِ كَارِثَةٌ مُدَمِّرَةٌ جَلِيّْةْ.

فَأَنَا وأَنّْتَ والنَّاسُ فِي ذِيْ البِلادِ سَوِيّْةْ.

 ***

مَقَامَةُ

مُحَمَّدُ جَوَادُ سُنّْبَهْ.

 

 

سامي العامريحياةٌ ليس من فخرٍ لنا فيها

ولا فخرٌ لها فينا

كأنَّ العيدَ يأتينا

وليس يَهمُّهُ غيرُ التشفِّي

باعتقاد الناسِ إنْ هُمْ مجَّدوا وطناً

وإنْ هُمْ لم يروا إلاّ المسلةَ شِرْعةً

وغناءَ سيدوريَّ دِينا!

ولكنْ عيديَ الأصفى

بأنْ أستأصلَ الضجرَ المعرِّشَ

في خلايا الناس عُرفا

وأنْ أدعو النسيم مشاغباً

ليهدهدَ الأسلاك فوق بيوتهم سعفا

وأُطلِقُني لثُكنة زاهدٍ

ينعى الحياة، حياتهُ

ويغيث يأسَ الربِّ، يشطرُهُ

فيمنحُ مهجتي نصفاً

ويعطي الكلَّ، دون تردُّدٍ نصفا

كذلك عيديَ الأندى

بأنْ أهوى

وأنْ أُردى

على إيقاع أيامٍ

تَناضَحَ كوزُها راحاً

وجبريلُ استدلَّ عليَّ،

حَطَّ على شبابيكي بمنطادٍ

تضاءل ثُم بات بحجم دوريٍّ يغرِّدني،

وتاراتٍ يَلوحُ بسيرة أخرى

يقاسمنى العشاء

وقبل أن يمضي

يحيلُ جوانحي من خفقةٍ بجناحه رعدا

وها هو ذا يجمِّعني كمنحوتاتِ حَشّاشٍ

لأحيا بين إزميلٍ ومطرقةٍ وسندانٍ لحين وفاتهِ

رغْدا

وقد غامرتُ كالغجري لا نبَطيةٌ عرفت عناويني

ولا صورٌ ولا صيدا

تقلِّبُني على نار كما ستقلِّب

(المسكَوف)

وقتَ العصر

فاتنةٌ تمد شِباكها حَذَراً

ولا ترضى بأدنى من أباطرة الهوى صيدا

وذاكرتي تبارحُ أسرَها

وتجيء بالأشواق، تحملُها لفاتنةٍ

على طبقٍ من الهذيانِ،

قلبي كلُّ تأريخي

وتأريخي نقيّاً عارياً يختضُّ حيث يموتْ

ويُخذَلُ مثلما الحَدَث الذي انتهكوه في بغدادَ،

مثلَ الليل في بيروتْ

***

سامي العامري - برلين

آب ـ 2020

.........................

* سيدوري: شخصية في ملحمة جلجامش وهي صاحبة الحانة

 

ذكرى لعيبيالتفّتْ خيوطُ الخوفِ

على عنقِ الأيامِ

تمتدُّ بينَ الضّوءِ والظّلامِ

تتسلّقُ مغزلَ المرأةِ الوحيدةِ

شقوقُ الروحِ القابعةِ

في قبوِ الجسدِ

تسيلُ من ساقِ "بلقيسَ"

لتاجِ الهدهدِ

تزحفُ عبرَ دبقِ الأساطيرِ

لتأتي بأحجيةِ الملكِ

والشعبِ المقهورِ

تمتدُّ..

تبحثُ عن منفذِ ماءٍ

في صحراءِ السّنينَ

عن عباءةٍ بغداديّةٍ

و" چرغد" ميسانيّ

 عن خطوتين

تاهتا في هواءِ الدّروبِ

عن وجهي المنهمرِ

في سرّ النّهرِ

عن روحي المنسدلةِ

فوقَ ظلالِ الرّاحلينَ

تبحثُ عن حقيقةِ صوتٍ

يصدحُ:

أينَ الحياةُ؟

***

ذكرى لعيبي

 

سردار محمد سعيد

أتشعران بي ؟

أنا أشعر بكما بمجرد سماع صوت هشيم الأباريق ،وصدى وقع خطوات مريم، فتعروني قشعريرة، يحتضن شجرتي نور الشمس فتورق، ويضوع ريّا ثمرها الزكي .

لقد أمحضتماني الفنّ.

فإليك يا بياتي ويا سعدي ولم ترحل فراشاتكما من بستاني،ولو أن المنتأى واسع.

لكما مني تسليم البشاشة.

حاولت أن أزيح طرفاً من الستار العظيم كما فهمته منكما ، أيها المعلمان.

لو كنت أعرف أين مريم

لاتّبعت النجم نحو بلادها ،

لكن مريم خلفتني في المتاهة منذ أن رحلت

وقالت : سوف تلقاني إذا أحببتني

سعدي يوسف

 

الحب يا مليكتي مغامرة

يخسر فيها رأسه المهزوم

بكيت ، فالنجوم

غابت ، وعدت خاسراً مهزوم ...

" عبد الوهاب البياتي "

***

 حكاية "سُعدى"

إني أعترف

أنا برعم الحب الرهيف المتفتح يوم عرف الإنسان أنه إنسان .

قلت: سيغدوالتاريخ ناصع الوجه.

وتنشر الريح ريّا الزهورفي الفضاء.

ترقص الأغصان بشدو الطيور.

تتزحلق الفراشات على سرير قوس قزح فتهديه ألوان أجنحتها .

في يوم ما صرخت بوجه القلاع التي بنيت لتمنع ثورات الأنوثة،

وتسلقتها رافعة فوق أعلى ذرواتها راية العشق،

فجعلوا مني آلهة الحب والجمال والخصب .

شُغفت بلين النبات ووداعة الحيوان وعنف الإنسان .

عشقت ظلام الليل واسوداد الحدق وجدائل الشعر، وبياض القلوب وضوء الفجر .

عشقت الصمت والسكوت والسكون، وصوت الريح وحفيف الشجروهمس العشاق.

ولم يبق جسد إلا وذقت ثمرته .

ولا شفاه إلا سقيت أرضي من رضابها .

مُسخت عربة مطهمة بالذهب واللازورد،وتجرّها الصواعق، وناديت "جلجامش "خذ هديتك،هيت لك، وهبني ثمرتك، فأبى .

ألّهت في أوروك،وسموني "عشتار".

وفي مصرسموني" إيزيس " .

أحببتُ وعشقتُ، ومن كان بلا لحاف صرت له لحافاً،

ومن مسّه عطش سقيته لبن أثدائي .

امتزجت بأجساد امتزاج الماء بالنبيذ .

ذبت بأخرى ذوبان الملح بالماء .

وسميت ببلاد الإغريق" افروديت " .

إذ برزت عارية كلؤلؤة من صدفة تطفو على سطح الماء .

وصفتُ بآلهة الحب والعشق والشهوة .

وعُرفت ُفي شتى البقاع بأسماء مختلفة فمرّة فينوس ومرّة اللات ومرّة كليوباترا، وكلهن أنا .

أنا " سُعدى "، إسمعوني ياأهل العالَمَين العلوي والسفلي.

حمل الراية معي، وكان لي لحافاً، ذاب فيً وذبت فيه، اندمجنا معا، حين أكون كأساً يكون كافورها، وحين يكون كأساً اكون كافورها .

وبلا وعي فُرض عليه أن يذوب في العدم، فكان لزاماً عليّ أن أفديه ليبقى زيتون شجرته مشعّاً وإن خمد ضياء شجرتي، ولتبق لثغته تتمتع بها أسماع الإناث بعدي وبها يتلذذن .

الحقيقة كنت أراه كما لو خُلق لي لا لغيري وإن وصفت بالأنانيّة، لذا فمن البدهي كنت أشعر بأنه سيفقد شيئاً حتى لو نظر إلى غيري مجرد نظرة سطحية، سطحيّة هذه بنظر الناس أو أنها حجة لإبعاد الشكوك، كنت أتمنى أن تصاب عينيه بعمى من نوع خاص تجاه الجميلات اللواتي ينظرن إليه وفي بالهن تتسارع مشاهد تقبيله أو معانقته، وبرغم عدم تصديقي أن كريم لن يقدم على خيانتي إذا كانت فعلته ترقى إلى مستوى لفظة خيانة أقول سألت أمي إذا كان يوجد لديها ما يمنعه من النظر إلى الفاتنات أو يمنعهن من التمعن في قسمات وجهه، لكن أمي قالت إن قسمات وجهه خالية من أي تعبيريعجب النساء، وأني وحدي المعجبة به، وأنني ثاني امرأة معجبة به، وحين سألتها من الثانية ؟ وكنت أغلي في داخلي وقررت على وجه السرعة أن أعد فخّا للتخلص منها، لكني بردت بسرعة حين قالت : المرأة الثانية هي أمه . وبعدها رحت أضحك على نفسي، فلا يعقل أن أنصب فخاً لمن أنجبته، ثم أين هي الآن، في أي عالم إذا بقت على قيد الحياة ؟ والحق قد فرحت بمتابعتها له وترصّد حركاته وسكناته في كثير من مغامراته التي كان يسردها لي طوال الليالي الشتائية وهو يلفّني من البرد، ولا أكتمكم سرّاً أني كنت أفتعل البرد حتى لوكان الجو ساخناً، وأعجبت بجدّته كثيراً، وتمنيت لو أعد لها محراباً لسعت النساء جميعاً إليه ولمسحنه بالحناء ويربطن الخرق على شبابيك ضريحها، ويقربن القرابين لله تعالى داعيات أن يمنحهن فتيات بعقول راجحات العقول كهذه الأنثى الطيّبة .

أمي كانت تعزو حبي للثغته، ولو أنها كان لديها بعض الحق لكن اللثغة كانت الطريق الذي دلّني على روحه التي لا مثيل لها على الإطلاق، وجمال الوجه والوسامة زائلتان بعد القبلة الأولى، ولا فائدة من وسامة وجه رجل بقلب لئيم وروح وسخة، وفي الحقيقة لا يرى القلب ولا تدرك الروح وهذا السبب الذي طالما غش البليدات والمتعجرفات .

إن حبي لم يولد مع لثغته بل مذ كان رضيعاً، بل مذ كان نطفة، وهذا ربما يضحككم، وربما تقولوا هو حب كحب أم لإبنها أو الأخت الكبيرة لأخيهاالصغير، فالحب أنواع ودرجات، نعم أنواع ودرجات، ولكني كنت أحرص على أن يكون لي حبيب روح ولا يهم الإنتظارمهما طال الزمن ومر الوقت ولكن لست أنسى يوم فُقد حليب الرضّع في الأسواق كيف وضعت علبة كبيرة بباب دارهم وكتبت ورقة معها تقول : من فاعل خير، وعندما شبّ كم كنت أحزن عندما أراه يميل قلبه إلى قلب غيري مثل زميلته في المدرسة المختلطة، وكنت أود سحق الضفدع الذي أرسله لها، وفيما بعد اعجابه بتفاصيل جسدها يوم هطل المطروهي ترقص بثياب قد التصقت مبرزة التفاصيل، وكان يرى ويحفظ تفاصيل جسدي عندما كان يزورني ليلاً، وظل يعتقد انه محض حلم أوكابوس كما تعتقد أمي .

ألله ما ألذ الكوابيس بين ذراعي حبيب .

أعترف أني كنت أتابعه وأتخيله حتى عندما كان طفلاً وأحلم به يلعب معي لعبة " الغميضة " وأجعله يمسكني بسهولة، فأرتمي بأحضانه وأدس شعري في صدره، فيلعب بـالشرائط الملوّنة التي تزينه .

 ولم أفرح وأبتهج إلا عندما اختارت عريساً غيره، وكنت أود لو أرقص مع الفتيات بهجة بليلة الزفاف، ولا يعلمن أني أرقص بهجة لأن حبيبي كريم قد تخلص من حبل كان يربطه بها،والآن أصبح الحبل بيدي، ولم أكن غافلة عن نزواته وتصرفاته المراهقية وعلاقاته الجنسية غير أني كنت أعدّها تصرفات عابرة وقضاء حاجة اقتضتها الفسلجة .

كنت قد قررت أن يكون لي لا لغيري، وانتهى الأمر.

***

سردار محمد سعيد

 

لالة مالكة العلويإهداء: إلى بيروت

وجه زينب الخنساء في يومها القيامي


المرفأ الغضوب كريهة الحرب

سماء بيروت ..

في غمام الصيف الخؤون ..

كرمة الوجع ..

يد تدود على اقحوانة الشرق

يابسة الخراب كأنها لن تكون من شوق فاخر

أو قصيدة يتيمة !

الذين يطلقون الرصاص

كأي وهم يركض إلى حتفه .. 

أو هباء يصيد قلبا حقيقا بالحب

حقيقا ببيروت

العذراء السنية المريمية

قمرية الهوى

ذائقة العشق

في وردة مجتباة .. 

كان قلبي لبيروت

وكان لها القلب

شرفة للذكرى

راقصة في دم الغياب ..

بيروت ،،

يا بيروت  ..

قصيدتي التي تأتي

كأن صداها ندى الارتياب .. 

شمس لا تطلع،

إلا في سراب أثيل ..

شعب يعد أياما جديدة

وخمرة حرون ..

تخال وشيها شراشف في بحر العذاب.

***

لالة مالكة العلوي

 شاعرة وباحثة مغربية

 

 

عبد اللطيف الصافيبَنَفْسَجِيَّةُ الرُّوحِ

كُحْلِيَّةُ الْعَيْنَيْنِ

فَرَاشَةٌ مِنْ ذَهَبٍ

وَ مِنْ تَعَبٍ

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ

والْأَسْرَارُ

سَلَامٌ لَكِ

وَعَلَيْكِ

وَ لِبَيْرُوتَ السَّلَامُ

**

فِي الْقَلْبِ انْفِجَارٌ

قَاتِمٌ

وَانْكِسَارُ

وَفِي بَيْرُوتَ

حُزْنٌ جَاثِمٌ

وَ أُوَارُ

دَوَّى الْمَاءُ وَانْتَفَضَ الْغُبَارُ

صَاحَ الْبَحْرُ مُتَوَجِّعاً

مُتَصَدِّعاً

مِنْ هَوْلِ الْفَجِيعَةِ

مَذْهُولاً مِنْ ظُلْمِ ذَوِي الْقُرْبَى

وَ أَثَرِ الْخَدِيعَةِ

**

فِي الْقَلْبِ دَمْعٌ

وَحُلْمٌ أَبَداً لَنْ يَمُوتَ

لَيْسَ فِيهِ غَبَشٌ

أَوْ مُتَّسَعٌ لِلنِّسْيَانِ

وَفِي بَيْرُوتَ

مَرْفَأ الْأَحْزَانِ

تَنَاثَرَ الدَّمُ فِي الْأَكْفَانِ

عَرَّتِ الْخَطايَا سوْأَةَ الْمَارِدِ

الْمُدَثَّرِ بالْأَدْيَانِ

**

يَا بَنَفْسَجِيَّةَ الرُّوحِ

سَأَحْمِلُكِ جُرْحاً عَلَى كَتِفِي

وَأَمْشِي

وَئِيداً

غِرِّيداً

وَ فِي بَيْرُوتَ

مَهْدَ الشُّهَدَاءِ

تَهْجَعُ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ

والطَّوَائِفُ وَرَاءَ الْمَتَارِيسِ

تُحْصِي خَيْلَهَا

عَلَى وَقْعِ الْمَآذِنِ وَ النَّوَاقِيسِ

تُعِدُّ لِلَّيْلِ حَقَائِبَ مِنْ دُخَانٍ

وَدِمَاءِ

**

وَ مَا بَيْرُوتُ إلَّا نَسِيجَ وَحْدِهَا

لَا تَبُورُ

وَلَا تَأْسَى

وَ مَا بَنَفْسَجِيَّةُ الرُّوحِ إلّا نِدَاءُ الْقَدَرِ

و نُذُورٌ

لَا تُتْرَكُ وَ لَا تُنْسَى

***

عبد اللطيف الصافي/المغرب

 

 

عبد السلام مسعودي1- القربان

ثمة قرابين تقترب منا كأنها الرائحة

التي فقدت بريقها زمن الخراب

ثمة جمال جاثم على صدر الموت في الزحام

وحزن معلق عند بعض الخلق

يتلو بيانات زمن قادم

من تراتيل محصنة في الخيام

تركتها رياح النار والبارود

**

2- نبوءة

إليك أيها الفارس الذي توحّد بالغيب

حين غابت عنك الألحان

إليك كتاب الغريب

الذي صدقت نبوءته قبل ألف عام

مزّقه

أعتقه من غواية المقدّس

**

3- الحصن

في المحيط تحتاط

حتى تبلغ نهاية لا ينهيها الخطاف

لا يرسمها قارب

خسر قصائده خلف أضواء الروح

من أجل خاتمة لا تمتلك فواصل بعثها

**

4- تمفصل

في تفاصيل المواقيت

تقتات النفس جوعها من الفراغ

وتجتمع الكلمات مع الحروف

حتى تكتم أصواتها الغائبة

في القسم الكوني أبجديات تمفصل أزلي

تذهب بعيدا..

بعيدا في انكسار الحلم

**

5- القوة والضعف

الغواية:

نلتمس القوة من ضعف الآخرين

الرواية:

ضعف الآخرين يتضاعف من تضاعف قوتنا

الهداية:

أن يتحلل الضعف في قوة الغواية وتتجمل القوة في ضعف الرواية

**

6- الحكيم

الكتب تتسلل منها بقايا الهزائم العاطفية

لتحترق في منتصفها سنابل التاريخ

وتدون في طقوسها رسالة الحكيم الملهم

**

7- عبادة

يصمت المريد حين يريد

ويعتصم الشاهد على جهله بالشهادة

فقط..

للألوان المنكسرة طموح الكتابة

وزيف العبادة

**

8- عين

للعين متن الجفون

الذي لا يكتفي بحدود القمر

بل يقتسم صور العربات

التي خلدت وصاياها في الغيوم

للعين هامش الريح

الذي تهشمت على قلاعه أساطير الجنون

**

9- النهر

أيها النهر تمهل...

فالجائحة ختمت رسالتها

لتمر رحلة العصيان بلا غفران

أيها النهر لا تستمع إلى العيون

فالطارق بالباب

بلا طريق

والسارق في الأحلام

يستغيث

**

10- سفر الخروج

في سفر الخروج

 سافرت الحقيقة بلا موعد

بعدما رسم العقل خارطة زيف حكمته وهو في المعتقل

وبعدما تناثرت حبات التراب في مواقع الاشتباك

مخلفة الرماد

***

عبد السلام مسعودي – كاتب تونسي

 

 

حيدر جاسم المشكورلا شيء مقفل..

الرحمةُ تنزلُ كالمطر

والهوا ملءُ الفراغ

والنورُ كالماءِ الطهور غُسلُ حياة

لا شيء مقفل

الرزقُ نزيلُ كل بيت

والنفسُ تدركُ جلال المستحيل

ومن عجين الترابِ ينشئُ الخلق الجديد

وفي الليل غمارُ جسدٍ عنيد..

والروحُ فيهِ سارحةٌ مع ذؤبانِ المنى

والحلمُ مضرجٌ بالمشاهدِ والصور

وافكارٌ تُغالبُ بعضها من غير نظم

لا شيء مقفل..

أبوابُ السماءِ مشرعةٌ

والمناهلُ مترعةٌ

والدعاءُ بلا حجاب

ونظرةُ الرجاءِ لا تُخذل

وفي الدماءِ بيوض الهوى

وعطرُ الحبِّ يملأ المكان

لا شيء مقفل..

وسحرُ الأملِ يكبرُ في النفوس

ومع الألمِ رغبةٌ بالحياة

واجنحةُ المنى تحدق بالبقاء

لا يأس يفترسُ الرضا

ولا يكسر العينَ القنوط

للرحمةِ اجنحةٌ هدى

تُحيطُ الدروب

والربُّ جل عُلاه ابوابهُ لم تؤصد

في وجهِ عبدٍ رجاه

 ***

حيدر جاسم المشكور

العراق/ البصرة

 

 

الطيب النقرتريد هي أن تحيا حرة، ويأبى دينها وذويها والمجتمع التي تعيش فيه إلا أن يقصوا من جناح هذه الحرية، فهي منذ طفولتها الباكرة أظهرت من ألوان الشدة في مجابهة هذه القيود ما يثير ويغري بالشر، فقد كانت تتصدى لكل من حاول ردعها بالتسفيه والتحقير، وظلّت على ذلك العهد حتى أخذتها خمرة العناق، وأستغرقتها لذة القُبّل، أضحت الان بعد أن فرهدت ثغور رياضها، وعربدت مخايل الحسن فوق حياضها، فاتنة مهووسة بأسباب الدقة والنظام، فهي تفي بوعدها لكل من فارقه لبه، وتخاذلت عُرى قلبه، أمام جمالها الأخاذ.

2-

لقد تقوضت دعائم الصبر عند عائلتها التي لم تزل على أتمّ قلق، وأعظم حسرة، منذ أن تجاسرت فتاتهم على القيم، ومضت خلف نزواتها، آثر والدها الذي وقع اليأس في دواخله، ومرض أمله في تقويم اعوجاجها، أن يضع حداً لتهتكها ومجونها قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه، خاصة أنها بعد أن تورد من غضارة الشباب خدّها، واهتز من نضارة الصبا قدّها، قد شفًها حُب السهر، وأضناها كلفها بمحادثة الفتيان، أتت تمشي بخصر دقيق، وردف ثقيل، كأنها غصن بان، أو قضيب خيزران، وهي تنتفض من الذعر، بعد أن لاح لها أن أباها قد رام جزّ عُنقِها بحسامه الصقيل الذي يزين به جدران غرفته، ولكنها فغرت فاها العْذب من الدهشة حينما رأته وقد أماطت السعادة عبوسه، وأبدت النشوة شموسه، وبمعيته شاب ينحدر من أسرة كظها الغنى، وبشمتها الثروة، كان هذا الشاب يختلق الأسباب ليفصح لها عما يُعنّى نفسه من أغلال الغرام، سئم نقش قوامها السمهري على وجوه ألواحه، ونصب تمثالها الجميل فوق سطوح الحيطان، أمسى أسير عينين يعجز عن وصفهما لسان، وشفتين يذهل عنهما بيان، هو لا يرعوي لمن خاض في ذمها، لا يأبه لمن أقسم بأن صدره قد ضمها ، لم يبقى له عشقها فضل من عقل، أو حظ من فهم، إنّّ أشهى ما يسمو إليه الآن هو تقبيل خدها، ارواء روحه الظمآنة من غدير حبها، لقد سحرته عيونا دُعْجا، وحواجب زُجا، وقضى عليه جسمها الريان.

3-

بعد اقترافه لمخزيات الضعة والهوان، وزواجه ممن أفنت أمواله، وذعذعت آباله، وغيرت أحواله، بات عِظم ميزته، وعلو مرتبته، يكمن في اقترانه بمن ينشد وصالها الليوث الضراغمة، والملوك القماقمة، لقد أستطاع أن يؤدي الأدوار المرجوة منه في تفاني وإخلاص ، فهو لا يمتعض إذا ضم مخدعها أراذل الرجال، لا يتأفف من الأغمار إذا أوغلوا في رشف حميا الوصال، أما هي فقد ظلت في بهجتها ورونقها لم يُشِن حُسنها تهافت أو ذبول، ما زالت تصرع ضحاياها في مجالس السلاف، وملاعب الشُمول، حتى تحدرت من أعينها سوارب الدموع، وأظهرت لبارئها الامتثال والخضوع، عندما ظفرت بداء عُضال من شقي بسطت له هي رقاع الإغراء.

***

الطيب النقر

 

 

عبد الجبار الحمديخرجت بونانا تبحث عن كانوفا الذي تأخر كثيرا، لقد وعدها أنه سيعود خلال شهر، ها هو أسبوع مضى بعد الشهر ولم يرجع بعد ان قال لها: انه سمع عن والدها أنه يريد مهرها نبتة الحياة النادرة، لم ترغب بونانا بذهابه فهي تعلم أن والدها يريد أن ببعده عنها كي يستطيع أن يزوجها من كاموا ذلك المارق الذي يسيطر على مقدرات القبيلة ورغبات والدها التي لا تنتهي... أيام كثيرة تماطل والدها ولكن لما انهكها بكثرة ترداد طلبه وتعنيفها قررت الخروج خلسة للبحث عن حبيبها كانوفا....

هي تعلم أن رحلتها ستكون عصيبة خاصة أنها سمعت عن جدها والد امها ان تلك النبتة لا توجد إلا في غابة السواساوي وهي غاية يقطنها قبيلة اشتهرت بأن أهلها يأكلون لحوم البشر فلا حظ لمن يطلب نبتة الحياة عندهم... خرجت يحدوها الأمل بأن نلاقي كانوفا على ذلك المعبر الوحيد المؤدي الى السواساوي... توقفت بونانا لتسترد أنفاسها التي أخذت بإنهاكها في كل لحظة تسمع أصوات الذئاب او الدبب نعم تقول لنفسها انا شجاعة لكن الظلام يطيح بثلثي شجاعتي... لاستلقي هنا ولتكن هذه البقعة مكان مبيتي، أرخت أعصابها للحظة اطلعت على الضياء الذي حسر ثيابه ما ان رأى مارد الظلام ينشر أنفاس عتمته في كل مكان... ثم صاح من يسمعني صوته وهو في عالمِ تحت جنح ظلامِ انا ملك السواد ههههههههه...

لم تعر أي اهتمام بونانا فهي تهمس لمن تحب.... كانوفا حبيبي لا أدري كيف اصف لك شوقِ لهفتي، أه لو تضمني بين ذراعيك كما عودتني لأطمئن أشعر بالأمان معك نعم... يا لك من احمق و يالي من بلهاء، لِما صمت ولم اردعك عن الذهاب إلى رحلة لا أدري ما سيكون مصيرك فيها.. يبدو ان قدرنا ان تكون معا في رحلة لا يكتب فيها النجاة لك او لي... لا يهم لم يعد لي في العالم سواك اما والدي فقد باعني بعد موت والدتي كمدا على شقيقتي التي ضحى بها من أجل رهان، باعها إلى كاموا لبس دم رهانه عارا، لكنها سرعان ما ماتت نتيجة رفضها ان تكون سلعة لمن يكتريها متعة، انتقمت من والدي ومن كاموا بالانتحار، بعدها ماتت والدتي حسرة وتركتني وحيدة، غير ان والدي في لحظة ما شعر بالعجز والوهن فتركني إلى أن تقرب إليه كاموا وطلبني لأكون من زوجاته، حينها عاد والدي إلى سابق عهده إلى مجون الرهانات والمقامرة أثقل عليه كاموا ليكسر ما بقي عنده من كرامة حطمه واخضعه لرغباته...

كانت بونانا تقص حكايتها لحبيبها ولنفسها تذكرها أنها لا تزال تحت الرهان، فعالمها لن يستقر إلا مع كانوفا... اوقدت النار لتقي نفسها الوحشة وطلبا للدفئ.. جرعة ماء لقمة من زوادة كانا كافيان لسد رمق جوعها... خال لها خيال من ألسنة لهب النار، خرج منها ما جعل قلبها يخفق بسرعة، أمسكت رمحها وهي تصيح أظهر نفسك لا تكن جبانا تتوارى خلف النار، هنيهة سمعت صوت هادئ دافي يقول: هدئي من روعك بونانا لست طالب الشر لك انما انا نذير... لا تستغربي ان قلت لك ان من تحبينه قد حط رحله تقريبا في نفس مكانك هنا، انذرته عواقب رحلته لكنه رامها تحديا ودليلا على حبه لك...لا أخفيك حكى لي عنكما كثيرا حتى اني رافقته رحلته إلى الحد المسموح لي فيه بعدها أكمل رحلته لوحده...

لم تصدق ما تراه عيناها بونانا او ما تسمعه نال منها الصمت والوجوم... أخرجها من يحدثها متسائلا!؟ ما بك بونانا هل صدمت؟ ام ان الظلمة والخوف وهواجس جعلوك تقولين انك تتخيلين ما ترينه وما تسمعيه... أبدا إنها الحقيقة لقد أشفقت عليه بعدما وجدت أنك كل عالمه الذي يتمنى وقال لي: أني مستعد لأني اضحي بحياتي من أجل حب الوحيد بونانا سأفعل ما يلومني به قلبي وعقلي ستكون لي حتى وإن خسرت حياتي فمن يعشق مثلها تهون عليه التضحية من أجلها...

الواقع صعقت وعجبت!!! جاريته كي ارى مدى صلابته وجلده على ما سيواجهه من عواقب.. كانت كثيرة لكنه جابهها بمهارة وشجاعة فاقت الوصف مددت يد العون له حتى اوصلته الى اقرب نقطة يمكنني أن أصلها بعدها اشرت عليه بعده نصائح... لا اخفيك بونانا كنت متوقعا مجيئك للبحث عنه فمن حديثه عنك قلت لنفسي لابد ستأتي للبحث عنه وساقوم على إرشادها الى اخر نقطة توقفت فيها عنه لذا إن رغبت اوصلت الساعة إن سارعت في الجري فلا آمان لك في هذه البقعة فسرعان ما يرتادتها من لا ترغبين بمواجهته ما قولك؟

بونانا بين مصدقة ومكذبة ما تسمع لكنها قالت في نفسها يبدون أنه يعرف الكثير عن كانوفا وعني وهذا باد من حديثه ليكن قدري هو من يدير دفة مسيرتي في البحث عن حبيبي... دون تردد قالت بصوت عال هيه أنت... سأسير معك مهما كانت عواقب اختياري سأكون سعيدة حتى لو نال مني الموت فيكفي اني سألقى حبيبي كانوفا وإن كان في الحياة الأخرى... لم تفطن أنها قد ركبت الريح و ألسنة اللهب تتطاير من حولها كانت المدة بالنسبة لها ساعات معدودة لكنها في واقع الامر ايام تقلب فيها الابيض والاسود دون ان يتحكما بالزمن قلبها صفحات أثارت حفيظة من لا يعرف للحب معنى... فجأة توقفت بونانا عن الجري وقد لاح لها ضوء النهار سمعت الصوت يقول لها: هناك هو حبيبك ذهب في ذلك الإتجاه حيث نبتة الخلود هيا إذهبي إليه حاولي ركوب ما يمكنك ان تعبري ضفة النهر وأفضل الآن إنها الساعة المواتية فهولاء لا يتحركون إلا في الظلمة لكن أحذري الحراسة ولا تلتفتي الى اي صوت ينادي بإسمك حتى وإن كان صوت كانوفا افهمت... مدهشة بونانا وهي ترى عالما لم تشهد مثله إنه بالتأكيد عالم من السحر فكل شيء فيه يفوق الخيال وكل شيء فيه يتحدث ويتراقص... اخذت بالنصيحة فما ان وجدت وسيلة النقل حتى أخذتها تدفع بيديها الماء نحو الضفة المقابلة لاح لها الجبل ما أن وطئت قدميها الجانب الآخر.. هرولت وكان العالم المحيط بها دون حراك مع علمها ان هناك الكثير من العيون ترصدها لكنها لا يحرك أصحابها ساكنا حتى عثرت فوجدت نفسها أمام كانوفا.... دون وعي صرخت كانوفا حبيبي هل انت بخير!!؟

كان كانوفا صامت يشير إليها نحو اتجاه معين، لم تعلم ماذا تفعل؟ استغربت من تصرف رامها حبيبة وعالم يكتنفه بالطمأنينة اراد ان تلمسه ان تلف ذراعيها عليه لكنها تذكرت النصيحة بأن لا تتعامل مع من تراه وإن كان حبيبها دون شعور نهضت تجري حيث دلها قلبها الى مكان من أحبت... ركبت الجبل صعودا انهكها تثاقلت لم ترى وهي تصعد ان هناك من كان يترصدها وقد احاط بها من كل جانب... ابتلعت خوفها وهي تقول إنها موتة واحدة أتمنى على الألهة ان تجعلها بين يدي كانوفا وبعدها الى اي مكان آخر حتى ولو كان الجحيم لكن معه سيكون الفردوس لي ... ما ان وصلت حتى وجدت كانوفا يمسك بنبتة الخلود ولا يتحرك سوى عيناه شعر بالغبطة والفرح حينما رأى بونانا أمامه اغرورقت عيناه بالدموع اراد بشدة ان ينادي بأسمها لكن شيء ما يمسك به بتلابيب جسمه، يبدو أنه شل هكذا فسرت بونانا عدم حركة كانوفا... أقتربت منه وهي تقول له: هل أنت حي حبيبي؟ اشار لها بعينيه نعم وهو ينظر الى النبتة، سمعت صوت يقول لها: ها بونانا لقد وصلت الى نبتة الخلود كل ما عليك هو ان تقومي بالنذر قربان للحياة الابدية عليك ان تقتلي كانوفا حتى تأخذي النبتة لوالدك او لنفسك او إن شئت سأطلق الحراك لكانوفا ليقوم و بتقديمك أنت قربان للحصول عليها إن إراد ما رأيك؟

لم تفكر طويلا بونانا اجابت نعم إنه يستحق الحياة والخلود اكثر مني لقد جازف بحياته ولم يتوانى للحظة عن التضحية بنفسه رغم كل المخاطر للحصول على النبتة لم يفكر بالعواقب نعم لا مانع ان أكون القربان الذي يقدم لحصول حبيبي كانوفا على النبتة شرط ان ينالها هو لنفسه..

شعر كونافا بأنه حر في الحركة دون ان يبالي بالنبتة سارع الى إحتضان بونانا... أمجنونة أنت!! هل تعقلين ان اضحي بك من اجل خلود لا طعم له؟ أنت الحياة والخلود الذي أريد فما حاجتي بحياة دون بونانا إني اريد لك الحياة لأنك تستحقين الحياة أكثر مني سأحياك بونانا في عالمِ الآخر حيث لا خلود سوى الخلود الحقيقي.. سارعت بونا قبله الى طعن نفسها وهي تقول: أظنني سأكون أنا من ينتظرك في العالم الآخر حبيبي كانوفا ساراك لابد اعتني بنفسك من اجلي عش حياتك كما تحب حتى وإن أحببت غيري فأنا واثقة أنك لي قلبا وروحا..صرخ كانوفا اللعنة عليك بونانا لقد قتلتني بفعلتك لا لن ارضى ان تكوني الضحية قطع نبتة الحياة ومضغ جزءا منها ثم زقه الى فمها وهو يقول: كلي ابتلعي بونانا لا اريد لك الموت لا اريد الحياة لنفسي بعيدا عنك هيا ابتلعي نبتة الخلود...

فجأة كان هناك جمع غفير من الحيوانات والطيور وحتى الاشجار تصفق وتضحك وتقول هما يستحقان نبتة الخلود إنه الحب الحقيقي أنها التضحية من اجل من تحب... مرحا لكما كانوفا وبونانا سعيد بكما الخلود ستعمر الأرض بالحب والحياة  ما دام هناك وفاء هنيئا لكما الخلود في عالم لا يقطنه سوى الشياطين.

***

عبد الجبار الحمدي

 

محمد سعيد العتيقأينَ الرغيفُ

و كمْ أتى فجرٌ مخيفٌ

سامرَ الأرقَ المكابرَ

لاصفرارِ الليلِ

كانَ الوقتُ يهرَمُ منْ

ضجيجِ الصمتِ

منْ نومٍ يمرُّ على النجومِ

و يختفي مثلَ الكلامِ

و مثلَ ألوانِ الجريـــــــــدةْ !!

2 –

لو كانَ ينتظرُ

السؤالُ على الطريقِ

فثَمَّ نحَّاتٌ يُجدوَلُ

في المواقيتِ الرتيبةِ

أو يُغيِّرُ شكلَ عاصفتي

فأهدأُ

ثمَّ أهدأُ

ثمّ أغرقُ في السكونِ

و أَرتدي لغتي البعيـــــــدةْ !!

 قد قالَ: حبــــــرُكَ ساحرٌ

رسمَ النّوايا و استعارَ

غشاوةَ الحزنِ العتيقِ

و بعدُ ما قرأ المرايــــــا و الوجوهَ

و دمعةً للخائفينَ

منَ ( الذبابِ )

و راحَ يبتدعُ

الخرافاتِ الجديـــــــدةْ !!

3 –

في الحيِّ أرصفةٌ

تنامُ على الغبارِ

و تشتكي للعابرينَ

منَ الضبابِ،

و للأحاجي، و الغيابِ

و تشربُ الماءَ

المُبَلَّلَ بالدماءِ

و بالوصايا العشرِ،

ترتشفُ النبيذَ

لتنتشي منْ شدَّةِ

الخوفِ الرهيبِ،

و منْ تخاريفِ المشاةِ

على الخيالِ،

و منْ أكاذيبِ الموائدِ،

و الحفاةُ لهمْ طريقٌ ثالثٌ،

عبروا الرصيفَ

بلا خطى

يتعكَّزونَ على قصيـــــدةْ  !!

4 _

المـــسرعونَ

إلى الصباحِ،

إلى فمِ المستقبلِ الوهَّاجِ،

يرتبكونَ منْ سدِّ التشتُّتِ

للضياءِ على المدى،

أو ينحنونَ منَ الرياحِ،

و قسوةِ الأخبارِ،

فارتكبوا جريمَةَ ظلِّهمْ،

تلكَ التي شهدَ الشهودُ

على تفاصيلِ التفاصيلِ

التي لم لم تكنْ فعلًا،

و لكنْ هُيِّئتْ

كلُّ المشاهدِ،

كلُّ أسبابِ المكيـــــــدةْ !!

حتَّامَ تغتالُ الغرابيبُ

القداسةَ منْ عيونِ اللهِ

باسمِ

( الخالقِ الوطنيِّ )

تنبتُ مثلَ

( طحلوبِ ) المسالخِ،

أو تغيِّرُ جلدها،

و الخائفونَ،

بلا عيونٍ، يُبصرونَ

الحربَ أورامًا حميـــــــدةْ  !!

5 –

يا أنتَ

يا جمرَ الحرائقِ،

يا رمادَ الأمسِ

يا منْ جانِحاكَ

تكسَّرا في الفجر،

تنتظرُ السماءَ

لتُمطرَ الأشياءَ

منْ مَنٍّ و سلوى،

ثم تزرعُ للطيورِ سنابلًا،

و تلمُّ للدهرِ الحصى،

يا أنتَ

تركضُ في النهارِ،

مسافرًا بينَ

المسافةِ و المسافةِ،

ثمَّ ترجعِ خاليَ الخفَّينِ،

تبتدعُ التعرَّقَ و التشوُّقَ

للمساءِ، تحضِّرُ الأحلامَ

تخترقُ المتاريسَ

الخَؤونةَ للندى،

تغفو عن الرؤيا،

عن الآهاتِ،

ما يدعُ التخيُّلَ

أنْ تنامَ بلا عَشاءٍ

فوقَ معدتكَ العنيـــــــــدةْ  !!

***

د. محمد سعيد العتيقُ

 

 

سمية العبيديكانوا يسيرون في الممر القديم المتشعب، منتشرين في الحديقة المهملة المتيبسة مثلهم، عيونهم الى الأرض  كأنها تبحث عن حلم جميل ضاع عبر السنين ربما دفعة واحدة وربما دفعة بعد اخرى . انحناءة ظهورهم تدل على إنهم يبحثون مذ زمن طويل وليس اليوم فقط غير إنهم لم يعثروا بعدُ على ما ضيعوه، ولذا فهم يواصلون البحث في أرض باحة وممرات تلك البناية القديمة مثلهم والتي علتها الرطوبة فكست آجرها. كان بعضهم يطلق لحية تحاكي القطن لونا وبعضهم يحلق ذقنه ذا الأخاديد يوميا لذا بدت بعض الجروح البسيطة على صدغيه - لأنه لا يرى جيدا فتخونه يداه - فضلا عن بضعة شعرات منسية هنا وهناك . بدوا منهمكين فيما هم فيه منهم من يقطع الممر جيئة وذهابا عدة مرات يوميا مستعينا بعصا من الخيزران تهرأ أسفلها هذا إذا لم تكن مغلفة من أسفلها بقطعة معدنية تشبه الكأس وآنذاك تعزف العصا على الممرات المرصوفة معزوفة من نوع رتيب . وبعضهم لا يجلس بل يرقد في كرسيّه العادي أو ذي العجلات . حين دخلت الصحفية الشابة الى بناية دار الرعاية يتبعها المصور وفي جعبتها مئات الأسئلة التي تريد أجوبة شافية عليها، وعلى صوت وقع حذائها ذا الكعب المرتفع وهو ما لا تلبسه المراسلات عادة - لكن الغواية قد تغلب الصواب - التفتت بصعوبة بالغة جل الرؤوس التي حان وقت قطافها ولكنها لم تقطف بعدُ التفتت لترى شبح المرأة الفتان يدرج على الممر الذي ملَّ من الخطى البطيئة الباردة التي عهدها . كانت الصحفية وقد أخذت الإذن من المسؤولين تنوي أن تمر بمن في الدار واحدا تلو الآخر وتصورهم وتتحدث معهم، لكنهم تجمعوا أمامها كما لو كانوا أطفالا يتحلقون حول بائع حلوى . ومع ذلك أبوا أن يُصوروا كلا على انفراد مما اضطر الرجل الذي ينوء تحت آلة تصويره الى الاكتفاء بصورة جماعية واحدة عن بُعد . ابتسرت الصحفية الشابة عملها فأخذت تسأل كلا منهم عن اسمه وعمره وعن امنيته في العام الجديد العام الذي كاد يطل برأسه من الأبواب فكانت حصيلة الأجوبة التي سجلتها في دفتر ملاحظاتها الأنيق والذي تضع قلمها بين أوراقه غالبا ولكنها بين حين وآخر تنقر بالقلم ذاته على غلاف الدفتر – مستبطئة الإجابة من بعض الشيوخ اللذين أضر بهم المرض وحجمتهم العزلة في هذه الدار -  كانت الإجابات  كالآتي وبعضها في غاية الغرابة كما سترون .... فاثنان منهما أرادا الزواج، وخمسة منهم أرادوا العودة الى الشباب بأيّما طريقة، وستة منهم رغبوا بالعودة الى بيوتهم التي غادروها قسراً أو بمحض إرادتهم، وخمسة آخرين أرادوا السفر في بلاد الله الواسعة بلا عودة، وواحدا ظن إن جارة للبناية تحبه وقد رآها مرة في سطح دارها وكان الممرضون الموكلون برعايته يتندرون بهذا الأمر ويسخرون منه زاعمين له إنها تحبه فعلا فصدق ومع انه كان يخجل فيدلدل رأسه الى الأرض أو يشيح ببصره الى جانب آخر وتحمر اذناه لذلك لكن امنيته في العام الجديد هي أن يعيش معها قصة حب رائعة يحبها ويواصلها لتكون له حبيبة فزوجة، وواحدا كان يعاني الشلل الرعاش أخذ يتحسر لأنه أهمل في شبابه موهبته في الرسم فأراد أن يعود الى ممارسة هذا الفن البديع . غير أن ما استلفت نظر الصحفية بل أدهشها واحدا منهم كانت امنيته الكبيرة في العام الجديد أن يغدوَ امرأة .

***

سمية العبيدي

 

 

سوران محمد  أشم ريحة نتنة

تأتي وتصارعني

من کل الاتجاهات

تبدو وكأنها ريحة أجساد هامدة

تطفو علی السطح

كسيقان أشجار مقطعة

فتجرفها  الامواج

الی ان تستقر علی اليابسة

فتتجمع حولها الحشرات

.

هنالك رائحة نتنة

انها ليست لبارود

بل هي ريحة تنبعث 

من اجساد الطرقات ليلا

تحت الاضواء البراقة

وبالنهار تختلط  بضجيج  المقاهي

فتعكر صمت الذي

يفهم من خلاله

كلمات أغاني الحياة الأزلية

   .

هنالك أمام أبواب الفيلات

أرتال طويلة من الخنافس

وفي باحة  المدارس

مجاميع من البزاق مسترخية

وأما العقارب

طالعة رأسها من  حفر القبور

يزحفن نحو الروائح الكريهة

دون أن يری

ظل للانسان

خلف ستائر الشبابيك

.

هنالك روائح نتنة

ريحة  موتة رمادية

موتة عفنة

ولن يشاهد أحد في المقابر-

قد يدفن،

وأشجار الطرقات التي تروی

بماء الحنفية الذي

 يغسل به

شراشف غرف نوم القصر

 لا تثمر الا  شوكا

.

هكذا تهرب النمال بعيدة

الی  قمم الجبال

هنالك ينظرن و

يضحكن من سکان 

قد أهدوا السلطان يوما ما

 أحسن أنواع التبوغ

و أحيان أخری

 أجود خنجر دبان

ولكنهم الآن

کزجاجة فارغة

يبحثون عن رٶسهم!

.

هنالك قد يسمع العواء من کل الاتجاهات

عواء الانسان

دون أن يری أحد

وكأنها مدينة الاشباح

أو منفی

ترفض أستقبال البشر

.

قد يسمع العواء من كل الاماكن

دون ان يتعرف أحد علی أحد

و كأن آثار مسارات الأمس

قد اختفت من الوجود تماما

.

كل الوجوه متشابهة

لا يعرف أحد أحدا

و يعلو  من کل الاتجاهات

صدی واحدا 

وهو: 'الموت'

ثم ينزل فجأة  

علی سطوح أرواح  قاحلة

يمزق التأريخ والذاكرة اربا اربا

و دون الفوت

***

سوران محمد

 

 

ناجي ظاهرتغيب الشمس فجأة.. بدون اي انذار. تبدأ الاجواء بالاكفهرار.  نجد انفسنا، امي.. ابي وانا صغيرهما، مجتمعين على ترقب  وخوف . نحن لا نعرف ماذا تحمل لنا اللحظة القريبة المقبلة، لكننا نشعر بالخطر الداهم الزاحف، كأنما هو امامنا ومعنا، يحيط بنا من كل ناحية وجانب. المجهول يتساءل في اعيننا عما تخفيه اللحظة المخيمة مثل شبح مميت.

تخرج امي عن صمتها: "اشعر اننا على مفترق درب".

ابي يقول: "بالتكاتف نواجه الفراق"..

ترسل امي نحوي نظرة اقرأ فيها تاريخ الهزائم البشرية المتتابعة. اذا مرت هذه اللحظة.. سنكون الاسعد في العالم. الآن ابتدأت اعي نعيم الوجود.

التصق اكثر بثوب امي وسروال ابي..

اشعر بقطرات الماء تحاول انتزاعي منهما. تتزايد قطرات الماء.. نلتصق اكثر. نصير كتلة واحدة. السيول لن تفرقنا. تبدأ الامطار بالتدفق، شلالات تتدفق من السماء الغاضبة فوقنا تغمر ارضنا.. وجه الارض حولنا يختفي.. كأنما هو لم يكن.. نتشبث بالأرض اكثر. تهتف الوالدة. يضغط والدي على كتفي ضغطة ذات معنى، اشعر به لكنني لا افهمه. هل هو الوداع؟

تشرع المياه في جرفنا معها.. نتباعد.. نتقارب.. ارى ابتسامة تعلو وجه امي.. اراها تتشبث بلوح خشبي.. تحاول الاقتراب مني. تبعدها السيول. ابي يحاول الالتحاق باللوح، دون ان يتمكن.. تشردنا المياه.

السيول تعبث بنا تفرقنا لتجمعنا. وتفعل العكس. ما أقساها من سيول. اشعر بيدين من حنان تحتضناني. انهما يدا امي. انظر في عينيها. ارى فيهما تصميما جبارا. لن تفرقنا السيول. سنبقى معا.

يتمكن ابي، اخيرا، من الالتحاق بنا. يتشبث بشيخوخته الواهنة.. بطرف لوح الخلاص. تشبث ابي يشعرنا انه لا مكان لأكثر من شخص واحد على اللوح... وان احتضان امي هو الذي وسع المساحة.. وجعل منا كتلة بشرية واحدة.. اتكور في حضن امي. اعود جنينا كما كنت قبل ستة او سبعة اعوام. ينتفخ بطنها مجددا. ها هي تبدو حاملا بي للمرة الثانية، بعد ولادتها لي قبل كل هذه السنوات.

يتغضن وجه ابي. اول مرة اراه خائفا الى هذا الحد. مع هذا اقرأ في وجهه ملمح امل وارى شعاعا من ضوء يطل منه.. ما زال لدينا رجاء.. "تشبثا باللوح".. تقول لنا عيناه..

المياه تتحول الى بحيرة.. اشعر بنوع من الطمأنينة. لا يخرجني منها الا ذعر اراه في عيني والدتي. ارسل نظرة الى مصدر خوفها. ارى والدي متعبا منهكا. يكاد لا يقوى على مواصلة التشبث بلوحنا المُخلّص. ارى امي وهي تفسح المجال لوالدي ان يأخذ مكانها على اللوح الخشبي، تناولني له، يحتضنني ابي بحنو.. اشعر انه قد يكون الاخير. ما اقسى هذا.

من موضعي في حضن ابي، ارى امي تتشبث بطرف اللوح. عينُها لا تغيب عني. يشتد الصخب المائي حولنا، اشعر ان يديّ ابي وهنتا.

"اياك ان تتركه"، تصرخ والدتي بوالدي.

"يداي مرهقتان". يقول ابي بتراخٍ.

ترسل امي نظرة آسية الى وجه ابي. نظرة اقرأ فيها ما لا يمكن لأنسان آخر سواي ان يقرأه. اشعر ان لحظة الفراق تقترب.

يرسل ابي نظرة متعبة الى البعيد. يقول:

"لا استطيع المواصلة"، يهتف بأمي، ويتابع" ابننا هو الامل الباقي..".

تصل الرسالة الاقسى في العالم الى امي. تعيدني الى حضنها، وتعود الى موقعها على اللوح الخشبي، فيما ارى ابي يعود الى تشبثه بطرف اللوح.

يمضي بنا لوحنا المُخلّص شاقا سحب الليل والمجهول. يطفو الظلام على وجه الماء. بعد ساعات يعمُّ هدوءٌ مُريب. ابي لم يعد يتحرك في الماء. نسمعُ آهةً عميقة. بعدها تتوقف آهاته. تحتضنني امي. بقوة حنانها تهتف بي:

" لا تخف".

يزداد خوفي. ارسل نظرة الى امي.. لا اراها.. العتمة تحول بيننا.. اشعر بالدفء الغامر في حضنها. هل تشعر هي بمثل ما اشعر به الان؟

اسمع طيورا غريبة تحمل لي حفيف الحياة.. يتحرك الدم حارا في عروق امي. اشعر به كأنما هو يسري في عروقي. تأخذ الحياة بالدبيب في جسدي الصغير. اشعر باقتراب الفرج والخلاص. ينقشع الظلام رويدا رويدا. ها انذا اعود لرؤية عيني امي.. التعب يطل منهما.

"لا تخف يا ولدي" تقول لي. اشعر بيديها تتراخيان.. ما اقسى هذا..

تضعني على اللوح الخشبي..

"تشبث به بقوة"، تهتف بي..

"ستبقين معي؟"، اهتف بها من اعماق رغبتي والمي.

لا ترد.

"اين انت يا امي؟". تملأ صرختي الصامتة المكان.

اتشبث باللوح.. كما اوصتني.. واتابع نحو الخلاص.

***

قصة: ناجي ظاهر