 نصوص أدبية

شاهدٌ على المرحلة

مصطفى عليصديقنا الذي أصابهُ داءٌ عضال أقعده على كُرسيٍّ مُتحرِّك

قبل ان يغادرَ المشهد. كتبتُها لَهُ قَبْلَ رحيلهِ بعام

(الى د محمد رشيد العبودي)

 

أيُّ سلوى للمُسهّدْ بينما الشاهدُ مُقْعدْ

                 أيُّ جدوى للقوافي إن شكا قلبي وأنشد

أ دَواءٌ أم دُموعٌ تنكأُ الجُرْحَ المُضَمّدْ

                    خَبرٌ أدمى فُؤادي كَظلامِ الليل أسودْ

وَ دموعي في المآقي تُخجِلُ الغيْمَ المُلبّد

                 هزّتْ الريحُ شِتاءاً بابَهُ الشاكي فأوْصدْ

حسْبُهُ العُكّازُ ساعٍ بينَ كُرسيٍّ وموْقدْ

                    بعدما النُدمان غابوا وجنى الدَنِّ تبدّد

أطفأ النادي سِراجاً وبكى الساقي فأرْمدْ

***

بَعُدَ العرّابُ عنّا قابَ بحرينِ وأبعدْ

                 ودنا كالجمرِ شوقي فمتى يا جمرُ تهمدْ

أوعدَ الحزنُ فُؤادي فَوَفى لمّا توعّدْ

                  سلَّ سيفاً من لظاهُ وإعتلى قلبي فأغمدْ

عَوّدوني رشْفَدمعي والفتىما قدتعوّدْ

***

حانةُ السُمّارِ عادت في خيالي تتجددْ

              كانَ أبهى من شَهدْنا سامِراً والجيلُ يشهدْ

ثغرهُ البسّامُ عودٌ طالما غنّى وغرّدْ

                    مِثْلَ عُصفورٍ دعاهُ بيْدرٌ إبّانَ يُحْصدْ

تيّمَ الحُلواتِ حتى من رفاقٍ كادَ يُحْسَدْ

         إن شَفا المحْسودَ عوْذٌ ماالذي يشفي المُحسَّدْ؟

ما عهدناهُ تصابى أو لهى طيشاً وعرْبدْ

                   أفلحتْ نَفسٌ نهاها عن هواها وتَجرَّدْ

في سجاياهُ ترقّى وإرْتقى حتى تفرّدْ

***

يارفاقي هل تهاوى في سماء الحُبِّ فرْقدْ

                     هكذا من دونِ ذنْبٍ طالهُ حكمٌ مُؤبّدْ

أيُّها الكُرسيُّ مهلاً ضيفُكَ الحُرُّ مُقيّدْ

                    ليْسَ عدلاً ان تراهُ يركلُ القيْدَ فيجْهدْ

آيةَ الكُرسيِّ رفْقاً قلبُهُ فيكِ تعمَّدْ

                أطْلِقي جِنْحاً كَسيراً فعسى الطائرُ يسْعدْ

***

كُلُّنا في التيهِ سِرْنا نحتسي كأسَ التَمرُّدْ

                   نعلكُ الأوهامَ ليلاً بينَ حاناتِ التشرُّدْ

سُجِّرتْ فينا بُحارٌ موْجُها أرغى وأزبدْ

                     أبرياءٌ نتبارى نستقي من كُلِّ موْردْ

فإذا ما لاحَ صُبْحٌ ولظى الراحِ تبدّد

                       وحُميّاها تلاشت وصحا حِسٌّ تبلّدْ

أطلقَ الصورُ صداه في أمانينا وردّدْ

                     فإذا الحلمُ سرابٌ وإذا النيرانُ تخمدْ

وحدهُ غنّى بهمسٍ والورى غنّى وأرعدْ

                 أتْهمَ القومُ سُكارى ونأى الحادي فأنْجدْ

صيَّرَ الحِكمةَ داراً وبنى في الدارِ معْبدْ

***

زائرٌ وافاكَ فجراً دونما وعْدٍ بموعدْ

                  حامِلاً أطيافَ ذكرى من سناها يتزوّدْ

جَاءَ يرْوي ذكرياتٍ وأحاديثاً بِمُسْندْ

                  بعدما شاخ المُغنّي والفتىقد صار أدردْ

أٓهِ من طيْفِ خيالٍ أشْعلَ الذكرى وأوْقدْ

               ألْفَ جُرْحٍ بِفؤادي جاوزتْ جُرحَ المُهنّدْ

ما على الصيّادِ لوْمٌ لو رمى السهْمَ وسدّدْ

                      نحو قلبٍ مُستهامٍ جاء فجراً يتصيّدْ

في زوايا ذكرياتٍ تاه فيها وتبغددْ

                 مدَّ جسراً من ضلوعيو علىالجسْرِ تمدّد

بين (معْروفينِ) يسعى خاشعاً والسعْيُ أحمدْ

               من (رصافيٍّ) تغنّى نحْوَ (كرخيٍّ) تهجّدْ

تعِبَ الساعي فدعْهُ فوق ذاك الجسْرِ يرقدْ

                    عانق الأعظمُ فِيهِ كاظِمَ الغيظ المُقلّدْ

غادةٌ صلّتْ بقْربي ودَعَتْ في ظِلِّ أغيدْ

                    إن أتتْ كلُّ الرزايا منك ياربّاهُ تُحْمدْ

رُبَّما نجزعُ حيناً إن طغى الضُرُّ وأفسدْ

                     عفْوَكّ اللّهمَّ فأغفرْ حسْبُنا إيّاكَ نعْبُدْ

***

مصطفى علي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (11)

This comment was minimized by the moderator on the site

ايها الوفي النقي لولا الالتباس و الخوف منه لوضعت "ال"قبل اسمك الاول
تحية لك اخي الغالي و انت تصوغ هذه القلادة من الكريم لتقلدها الاكرم
تعيد له الحياة التي بذل جهداً و تحمل في سبيل ان يكون عليها بعد الغفوة الكبرى
ها انت تعيده لحياة نحن ايضا نريدها له فشكراً لك ابا الجيداء كريم الاخلاق و الاصل
اكيد شعر بكل حرف من حروفها عندما وقت العيون عليها لكن التالي ربما كان قد توقف عند حروفها
أيُّها الكُرسيُّ مهلاً ضيفُكَ الحُرُّ مُقيّدْ

ليْسَ عدلاً ان تراهُ يركلُ القيْدَ فيجْهدْ

آيةَ الكُرسيِّ رفْقاً قلبُهُ فيكِ تعمَّدْ

أطْلِقي جِنْحاً كَسيراً فعسى الطائرُ يسْعدْ

This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق الشاعر مصطفى علي

أوعدَ الحزنُ فُؤادي فَوَفى لمّا توعّدْ
سلَّ سيفاً من لظاهُ واعتلى قلبي فأغمدْ
عَوّدوني رشْفَ دمعي والفتى ما قد تعوّدْ

يرخي الحزن شَعره وشِعره على خدرِ الفقيد.. فيختتم بهيبته ذكره الطيب.. وبثقل رجفته وداع احبته..
وهو يمضي الى ريحانه دار بقاءه.. وأيكة شهب عزائه..

لروحه السلام ولكم الصبر والسلوان

This comment was minimized by the moderator on the site

مصطفى علي الشاعر الغرّيد
ودّاً ودّا

هذه أول مرّة أقرأ فيها قصيدة للشاعر مصطفى منظومة على مجزوء البحر والبحر هنا هو الرمل .
لا شك في ان مجزوء الرمل استعمله الشعراء لكتابة الشعر المغنّى قديماً وحديثا لسهولة جريان النغم
وقِصَرِه : فاعلاتن فاعلاتن في الصدر و مثلهما في العجز , ولكنني استغربتُ من كتابة الشاعر
اقصيدته بهذه التوزيع على السطور حيث دمج الصدر والعجز في شطر واحد وهذا توزيعٌ فيه
بعض التجنّي على النغم وربما قرأ البعض هذه القصيدة دون التفات الى التوزيع النغمي الصحيح
ولا يلام هذا البعض إذا كان الشاعر ذاته قد دمج البيتين في بيت واحد والشطرين في شطر !

عَوّدوني رشْفَ دمعي والفتى ما قد تعوّدْ

الغنائية هي الملمح الأبرز في هذه القصيدة .

ملاحظة نحوية صغيرة :

حسْبُهُ العُكّازُ ساعٍ بينَ كُرسيٍّ وموْقدْ

إن ( ساعٍ ) ها هنا حقها النصب لا الرفع : حسبُ العكّازُ ساعياً وللحفاظ على الوزن
يمكن أن يجعلها الشاعر ( فعلاُ ) : حسبهُ العكّاز (يسعى ) .

دمت في صحة و تغريد شعري صدّاح أخي الحبيب أبا الجيداء .

This comment was minimized by the moderator on the site

أرسلت تعليقاً، لا أدري لماذا لم يظهر!

This comment was minimized by the moderator on the site

لا أدري كيف. حصلَ. الدمج. بين. صدر البيت

و عجزهِ. في كل ابيات. القصيدة و لا أعلمُ. كيف

حصلَ هذا الرسمُ. و التوزيع

أعتذرُ. لكلِّ. من. أرهقته. قراءة. النص.

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير مصفى علي
تحية مودة

"كُلُّنا في التيهِ سِرْنا
نحتسي كأسَ التَمرُّدْ
نعلكُ الأوهامَ ليلاً
بينَ حاناتِ التشرُّدْ
سُجِّرتْ فينا بُحارٌ
موْجُها أرغى وأزبدْ
أبرياءٌ نتبارى
نستقي من كُلِّ موْردْ
فإذا ما لاحَ صُبْحٌ
ولظى الراحِ تبدّد
وحُميّاها تلاشت
وصحا حِسٌّ تبلّدْ
أطلقَ الصورُ صداه
في أمانينا وردّدْ
فإذا الحلمُ سرابٌ
وإذا النيرانُ تخمدْ"

غنائية حزينة مليئة بالأسى والوجع في وداع صديق وزمان لا يرحم. دمت بكل خير وعافية سيدي.

بالغ تقديري واحترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر مصطفى علي
اسعد الله جميع اوقاتك جميل أن نكتب لمن
يستحق أن نغدق عليه بحروف من ذهب وفاء
له ولما قدمه من عطاء يستحق في هذه الحياة
دمت مبدعا بأمتياز

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير
قصيدة محترقة في ابجدية الحزن الذي يشعل ناراً في القلب والروح , لانها فقدت صديق عزيز . بعدما تعذب في مرارة المرض الذي اصابه , واقعده على الكرس المتحرك . بعدما كان شعلة من النشاط الحياتي والسمر والمؤانسة , بعدما كان نحلة يتنقل بين الفاتنات , بعدما كان رفيق السمر والكأس ومجاذبات الشعرية , بعدما كان ممتلئً بالحياة والحركة . لكن الاقدار كانت له بالمرصاد له , حتى وقعته في كرسي متحرك . هكذا تحولت شفافية الحياة الى حزن ومعاناة . قصيدة تمددت صورها الشعرية بدهشة التصوير الشعري , بحواس الوجدان الذي فاض بالمرارة والحزن . قصيدة اعتقد تجازوت حدود المرثية تجاه صديق عزيز رحل الى رحمة الله الى الوصف الحياتي الكامل للرفقة الصداقة حتى رحيله المؤسف , كأنه لم يتحمل العذاب الذي تغلف به , قصيدة في رؤى الرواية حياتية للسيرة الذاتية للفقيد العزيز . . قصيدة ترجمت الوصف بمشاعر الوجدان الحزينة الملتهبة بالتوجع والالم , بها التصوير الحسي المدهش
أ دَواءٌ أم دُموعٌ تنكأُ الجُرْحَ المُضَمّدْ

خَبرٌ أدمى فُؤادي كَظلامِ الليل أسودْ

وَ دموعي في المآقي تُخجِلُ الغيْمَ المُلبّد

هزّتْ الريحُ شِتاءاً بابَهُ الشاكي فأوْصدْ

حسْبُهُ العُكّازُ ساعٍ بينَ كُرسيٍّ وموْقدْ

بعدما النُدمان غابوا وجنى الدَنِّ تبدّد

أطفأ النادي سِراجاً وبكى الساقي فأرْمدْ
رحم الله الصديق الفقيد . وروعة روحك النقية بهذا الوفاء الى الاعزاء , الذين رحلوا وتركوا بصمات اثارهم على جدار القلب والروح
ودمت بخير وعافية

This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الشاعر مصطفى علي ..
تحياتي ..
في قصائدك الأخيرة تعالج مواضيع في صلب العلاقات الإنسانية منذ ان بدأ الوجود ، علاقة الأب ـ الأبن ، وعلاقة الصديق ـ الصديق ، هذه المواضيع التي لا تتقادم أبداً لأن الخصوصيات والحيثيات والأحداث فيها متجددة ، ولأنها تتجدد مع نظرة الشاعر للعلاقة وهذا الأمر يتعلق برؤيته للعالم وخصوصية تجربته وتركيبته الشخصية والفكرية وطبيعة طفولته ونشأته .. وفي الأدب العراقي القديم الذي هو مركز أدب العالم القديم تستأثر هذه المواضيع بالكثير من الاهتمام ، فمحور الصداقة هو من أهم محاور ملحمة جلجامش .. الموضوع هنا ثري يزيد ثراءه الصدق الإنساني الذي يكتنف روح القصيدة ويحلِّق في أجوائها ، والعجيب ان الصدق في الشعر عموماً واضح ، وهو مهم في نفس الوقت كي يكون الشعر شعراً أو لكي ترقى الكلمات لتكون قصيداً.
القصيدة هنا متماسكة وفيها وحدة موضوع تنتظم الأبيات من الأول الى الآخر رغم طول القصيدة الذي يعني طول نفس الشاعر.
أحببت ان أسألك عن كلمة ( محسَّد ) و قصدك في البيت الذي يقول :
ان شفى المحسودَ عوذٌ
ما الذي يشفي المحسَّدْ

هل تقصد المحسَّد أم المحسِّد
الصيغتان صيغتا مبالغة
محسَّد بالفتحة تعني المحسود جداً ، وهو اسم ابن شاعرنا أبو الطيب الذي استقاه من تجربة شخصية ، بينما محسِّد بالكسرة تعني الحاسد جداً.
احتمالية التأويل في الحالتين قائمة ، ولكن حسد الرفاق للرفيق الذي تميل له النساء أكثر هو حسدٌ عظيم وتصدق فيه صيغة المبالغة..
من جهة ثانية ان شفاء الحاسد وعلى الأخص المحسِّد صعب جداً ويكاد يكون مستحيلاً.
والاحتمالان رائعان.
دمتَ للشعر الصادق الجميل.

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير مصطفى علي ، صباحك كل الخيرات ، مودتي على الدوام ..

هزّتْ الريحُ شِتاءاً بابَهُ الشاكي فأوْصدْ

حسْبُهُ العُكّازُ ساعٍ بينَ كُرسيٍّ وموْقدْ

بعدما النُدمان غابوا وجنى الدَنِّ تبدّد

أطفأ النادي سِراجاً وبكى الساقي فأرْمدْ


رثائية تُبكي القلب والروح فمابالك وقد تساقط الدمع من المقل !!
في القصيدة مواطن من الدفء برغم برودة الأقدار ، وشاعرية توصل صوتها الباكي والشاكي الينا .

رحم الله الفقيد ، وتغمده بالنور والبخور ، ورمى عليه من أثواب المغفرة مايقي روحه في اهتزازه الجديد .

سلمت قريحتك بما اجادت وأفاضت في هذي الرثائية الحزينة ، لك كل التقدير والسلام .

This comment was minimized by the moderator on the site

اخي الغالي ابا الجيداء المحترم
تحية طيبة و سلام
ارجو ان تكون بخير...فقد اقلقني الغياب
امنياتي لكم بتمام العافية و السلامة
..........................
لا طريق للاستفسار عن الاخوة في عائلة الميقف الا من خلال المثقف ...فلها و الساهرين عليها تحية و امتنان

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4571 المصادف: 2019-03-12 11:57:19