 نصوص أدبية

أتسلق نفسي...

عبد الجبار الحمديلا أنخرط ولا أتماشى أبدا بين العامة من الناس.. فالكابوس الذي أعيش اراه اشد قربا من تلك الأفواه التي تمضغ جروح قَرِحة النفاق والدجل والتدين المبرغث، خاصة فيما إذا دلف على مسامعهم أو اعينهم شيئا لم يروه من قبل لذا اراني أقول غير معتقدا:

إذا أردت أن تجاور عليك أن تساير، وإذا أردت أن تساير عليك أن تقامر، فالحياة والناس فيها حظوظ كالنرد لا تحزر أبدا حين تتوافق ظنا معه يأتيك بما تحب من رقم... بت أؤمن أننا قطع من الزهر تمسك بنا العوالم ثم تراهن علينا برهان الموت او الحياة، غالبا ما يكسب الموت، فالحياة أقصر من أن تكون مصير أبدي.. لذا في كثير من الأحيان أجعل من نفسي شجرة طويلة جدا عبثا أحاول تسلقها فهي لا تكاد تتماشى مع رغبتي في أن تكون عارية الوجه.. كون ان حقيقتها مرة أو أنها مظلمة لا تثمر سوى الكوابيس والسوداوية... ذاك ما قالته لي في مرة عندما شرعت أن أقطع بعض أغصان كانت السبب الرئيس في منعي عن التسلق... وجدتها تصرخ أتقطع أوصالي وقد منحتك الخيار في ان تستظل بكل مافي من أغصان و ورق... كيف سمحت ليديك ان تنال مني؟ ألا تخجل وقد طارحتك تحت ظلهما في كثير من المرات!؟ أشعرت بالملل ام أنك تتلذذ بعذابي؟؟ جاريتك في مرات عدة، رغم أني وجدت أنك لست جديرا أن تكون جزء من عالمي المظلم... نعم أنت تبحث عن سوداوية العيش بعد أن تلثمت بعبارات أخرجتك عن الملة كما تقول.. ما عدت تؤمن بوجود خالق مسيطر وقد نمت مخالب المخلوق وصارت كالجذور السامة تنبت فيك دون أن تشعر من خلال اعتقاد، او عرف، او عادة وتقاليد أي بما لا يشعرك بإنسانيتك، فتحب أن تكون مجرد حصاة لرمي شيطان نفسك الذي لا تريد له أن يكون معهم.... الواقع هو من يأخذك بموشحات إسلامية ترهلت، ما عادت تليق بأن تتوائم مع الحداثة... لقد اباح لك الخالق حق الإختيار بأن تكون إنسان أو شيطان وإن كنت في حقيقة الأمر الأثنين معا... فما يحملك ان تكون إنسانا سوى الوصول الى غاية، أما خداع الناس فهو فن لا يتقنه سوى أرباب الشيطان وهم كثر... وبطاقات الدخول الى عالمهم بسيطة جدا كل ما عليك سوى بيع نفسك، تلك التي عادة توحي لك بأن العالم الذي جئت إليه تعيش فيه لمرة واحدة... أما الخراب، الموت، الدمار، الخداع وكل ما تراه هو بفعل نفس الإنسان المتشيطن بعلم وتحت أنظار الخالق او الرب كما يسميه من عبد غيره من البعض... ولعل السؤال الذي نمى وبات مشروعا من وجهة نظرهم لم يسكت الخالق عن تلك المآسي؟ وما الغاية التي يرجوها؟ فإذا كانت العقاب والثواب فتلك مسألة مفروغ منها وقد كانت خُطت جميع الكتب والرسالات المنزلة..  كان بالإمكان أن تكون تداعيات الخطيئة لمرة واحدة فقط... لكن غاية لا يدركها ولا يعلمها سواه جرت أن تكون الى قيام الساعة...  فجعل للنفس أخوة اعداء المطمئنة واللوامة والأمارة بالسوء تماما كما بداية الخلق قابيل وهابيل العداء المتوسم في جينات النفس عندما خلقهما... ولو تعمقت لعلمت أن ليس هناك منا يستطيع أن يحيط علما بأي شيء حتى وإن كان تحت وسادته او في قبضة يده... لذا يلجأ الكثير من تسلق انفسهم كي يروا حقيقتها التي تقبع في القمة، الجميع يبحث نحو السماء وينسى البحث فيما تحت الأرض، فكلنا يرى الاشجار بمحاسنها وسيئاتها ولا يرى انعكاسها في الأرض... البحث يا هذا يجب أن يكون في جذور الأشياء لا في ما تخرجه... كما هي أني أتيح لك ان تتسلقني مع علمي بجهلك وانت تبحث وتساير وتجاور وتتقمص الشخوص وانت لا تؤمن بأنك مجرد نقطة عابرة في قعر سطر خط في اللوح المحفوظ كرقم هامشي.. أعجب لك تناطح السحاب وتأمل أن يغيثك بماء الحياة... تحب السير في طرق وعرة وتأمل ان تصل الى المتعبد منها...

لا أدري كيف أصيغ لك مفهوم الوجود؟ وأنا بداخلك لا أفهم سبب وجودي معك؟ هل هو لك او عليك!!؟ حتى حين تلقى التراب وتدس في حفرة يمخرك الفزع تصبح عاجزا تماما عن الإتيان بمن يقيك حلكة الوحدة التي أنت فيها كما الآن... ترومها سكون وهي كذلك في بعض المرات، لكن إن عزمت أخذها ستكون كأبرة المورفين لا تستطيع سوى الإدمان عليها... تعاشرها خلسة لتنجب لك الهواجس والافكار التي تجعلك تتقمص الشخصيات وتجعل منك مارد او محاربا او طاغوت دكتاتورا او حتى إلها ترفض الواقع التعس، لكنك لا تملك الشجاعة للإعتراف بأنك مخلوق تافه... تمحص بمن حولك كن كمن يدير صالة قمار، هل تراه سوى شخص لا يفرق بين الحق والباطل؟ أي نفس يحمل؟ وأي نفس تسلقها؟ وأي عهد واتفاق كان له مع شيطانها ليصبح عبدا للمال والسلطة والنفوذ؟ كل الذين يديرون دفة زمام الأمور هم شياطن بعلم الخالق وموافقته، لقد عهد إليهم أن يختاروا ليس إلا وهذا بظنهم مع انه العكس لا أختيار لأي مخلوق بما يجري له إنها سيرة حياة خطت عليهم في الغيب وما لهم سوى أن يعيشونها.. لعل من يؤمن بغير ذلك أقصد بأن هناك أرباب متعددة وكل يريد لربه أن يكون حاضرا أمامه يتقرب إليه في كل شيء وإلا هل سألت نفسك.. لم جعل الخالق الواحد تعددية في الأرباب؟ مع علم الجميع في قرارة النفس تلك ان هناك من يحرك ويسير الكون وأنه يمتلك قوة لا لرب دنيوي غيره يمكنه أن يمتلكها.. إننا يا هذا نعيش في انحرافات عقل خبل بعد ان تيقن أنه مجرد نرد على سطع مليء بالأرقام... ولذا قال الخالق إن الحياة لهو ولعب... فمن أراد ان يلعبها فليكن وحتى إن أمتنع فهو لاعب أساس ما أن يقوم بدوره حتى يأتيه من يخلصه من ميثاق الوجود المقترن بتسلق نفس... كفاك هذرا هيا تقمص أي من الشخصيات أدي دورك في مسرح الحياة... بلهو ولعب وتعبد إن شئت ولا اكذبك إن كثرة العبادة توردك عبدا لرب تصنعه بنفسك حين تعتليك موجة الحاجة والفاقة... شئت أم ابيت، لقد بعتم يا بني آدم أنفسكم الى الشيطان برهان في بداية الخلق فلا يحق لكم أن تطالبوا بعكس ذلك... أما السر في ذلك فلا علم لي به وكل الذي اريده منك حين تتسلقني أن لا ترتعد فرائصك هلعا، فالعالم الذي تريد الوصول إليه يقودك الى حيث لا يمكنك الرجوع فخط البداية والنهاية قريبان منك وأنت الذي تتسابق معي من أجل نيل ما لا يمكنك فهمه كما هم تلكم الجماعة الذين يقبعون تحت ظل أشجارهم القابلة للرهان عليها في زمن الرهان الأكبر.

 

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي   

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4691 المصادف: 2019-07-10 07:22:40