 نصوص أدبية

ورنيش

صحيفة المثقفاعتاد أن يركن سيارته داخل الكراج الملاصق لوزارة الخارجية حيث مقر عمله، كان كثيراً ما يهتم بهندامه؛ يعتبره مكملاً للشخصية ومتطلبات عمله الدبلوماسي، كما أن مناخ البلد الحار وأجوائه المتربة في فصلي الصيف والخريف؛يجعلانه دائم النظر نحو حذائه.

يذهب كعادته يوميا إلى باب الكراج الذي ينتشر فيه الباعة المتجولون، وصباغو الأحذية، ومنهم الطفل (علي) الذي لم يبلغ الحلم بعد، يتيم الأب، جميل الشكل رغم شحوب وجهه الأبيض الذي تميز بعينين بنيتين واسعتين، غالباً ما يرتدي بنطلون كتان أسود طويل القياس، وبلوزة بالية واسعة على جسده النحيف، جعلاه يبدو أكبر سنا، كان حلو اللسان، كلما سأله الدبلوماسي عن أحواله، يتجاهل أسئلته؛ كأنه يقول له أن حاله لا يعنيه في شيء، وعطفاً على براءته؛ دائماً ما يحرص الدبلوماسي الذهاب إليه دون غيره، يجلس على كرسي حديدي صغير صدئ من دون أن يضع حذاءه على المحمل الخشبي؛احتراما لطفولته، واضعاً قدميه على خرقة من بقايا سجادة قديمة متهرئة حتى ينجز الصبي (علي) عمله، وينتهي ذلك اللقاء اليومي بإعطائه مبلغاً يتجاوز أجرته عشر مرات، لكن (علياً) دائماً ما يرفض ذلك بمزاج عصبي مصراً على أخذ أجره المحدد لا غير..

 

ازدادت الثقة بينهما، أصبح (علي) يسأل عن الدبلوماسي عند غيابه لسبب ما، وحين يسافر لأجل عمله خارج البلد هو الآخر لأيام طويلة، كثيراً ما يحمل له هدية بسيطة يبتاعها من أسواق تلك الدول متوسلاً إليه يأخذها، أصبحا صديقين حميمين، وبدأ (علي) يرد على كل الأسئلة الفضولية بعفوية:

- سيدي لدي والدتي بعد الله، تعمل يومياً رغم مرضها لجمع العلب المعدنية الفارغة من مجمعات القمامة، تحصل من ذلك العمل على مبلغ زهيد جداً، كما لدي أخوة وأخوات، أحدهم أسمه (عمر) يكبرني بعدة سنين لكنه مريض باللوكميا منذ ست سنوات، ولم نحصل على راتب تقاعدي لوالدي المفقود في الحرب الأخيرة.

غالباً ما يرتل لسانه؛ الحمد لله مستورين، بعد أن يقلب يده اليمنى، يقبلها ويضعها على جبينه :

- ولكن يا سيدي، إن كنت تريد مساعدتي حقاً، لدي ملف أحمله في محملي الخشبي أطلب فيه شقة سكنية؛ أسكن وعائلتي حالياً في غرفة خرِبة مصنوعة من مخلفات الصفيح والآجر، لا تحمينا من برد الشتاء ولا حر الصيف !

أخذت أجوبته وطلباته مأخذاً من نفس الدبلوماسي، إلى حزن عميق؛ كان يخشى أن يخذل هذا الصبي الذي وضع ثقته الكاملة به، حاول عدة مرات لكن البيروقراطية والفساد المستشري واللصوصية وموت الضمير الحكومي حالت دون مساعدته عبر الدوائر الحكومية.

تمر الأيام وتزداد الثقة بينهما، أحبه الدبلوماسي كثيراً لدرجة الأبوة، وأخذ يفكر بالتخطيط لانتشاله هو وعائلته من هذا الفقر والمرض والجهل المدقعين.

في أحد الأيام اكتشف أنه يضع كراساً داخل محمله يقرأ فيه خارج أوقات عمله :

-  أنا تلميذ في الصف الثالث ابتدائي، تأخرت عن أقراني بسبب العوز والحروب التي لم تتوقف، أذهب إلى مدرستي مع محملي الخشبي كل يوم بعد منتصف الظهيرة.

ذلك الأمر زاد الدبلوماسي إصراراً ورأفة بشخصه، وتخطيطاً على وجوب مساعدته وإنقاذه......

تحدث مع زوجته تلك الليلة، في ما أستجد من أحوال ذلك الصبي وكانت كثيراً ما تردد :

- الحمد لله على أحوالنا، لا يعلم قيمة العافية والأمان إلاّ من فقدها ...

لكنها تحدثت هذه المرة بسرعة وغبطة، مقترحةً عليه أن يعطي عائلة (علي) بشكل مؤقت البناية الملحقة بدارهما الفخمة في حي الدبلوماسيين، وكانا قد قررا مسبقاً منحها لأبنهما البكر عند زواجه بعد تخرجه من الكلية خلال الأربع سنوات القادمة خصوصاً وأنها فارغة تماماً. تفجرت الفرحة في كل خلية في جسم الدبلوماسي، معاتباً نفسه، كيف له أن ينسى ذلك؟

أخذ يعد الثواني حتى حلول الصباح؛لينشر السرور في قلب هذا الطفل الذي أصبح جزءاً منه، توجه صبيحة اليوم التالي صوب عمله قبل موعد خروجه المعتاد من دون أن يفطر، كان كلّ شيء يسير على ما يرام وبمزاج رائق، جعله يناغم صوت فيروز بصوته الرخيم، يتراءى له (علي) يقفز بين يديه معانقاً إياه حال سماعه خبر الدار، لكن فجأة لاحت في ذهنه أسئلة جمة لم تخطر على باله من قبل، قادته إلى عاصفة من الأفكار والهموم، ملأت أغوار رأسه صخباً وإعتراكاً تداخل مع طعم الغبطة التي اعترته قبل ثوانٍ معدودة:

- ماذا عن أخيه (عمر) المريض باللوكيميا وأمه المتعبة وحياتهم البائسة، الخالية حتى من لقمة عيش ؟ كما أنهم لا يملكون أيَّ أثاث سوى بعض الكراكيب وأفرشة ملوثة، هي عائلة في ضنك تحتاج الكثير، نعم الكثير؛ يتطلب تأمين ذلك مبالغ ليست قليلة، لا يستطيع توفيرها لهم وحده، المعضلة ليست السكن بحدّ ذاتها، وكل تلك الأسئلة لم تزعجه بقدر ما داهم ذهنه سؤالٌ آخر؛ وهل سيبقى (علي) ماسحا للأحذية، خصوصاً أنه سيسكن معه في منطقة راقية، وماذا عن مدرسته؟ وهل من اللائق أن يخرج معهم سوياً من باب البيت الوحيد، (علي) بمحمله الخشبي، وأمه وهي تحمل أكياسا ملوثة ببقايا القمامة ؟

كل تلك الأسئلة المخبـأة في أعماقه عكرت نشوة فرحته إلى حد كبير، وكأنه وقع في ورطة عظيمة، غدت لديه قناعة؛ من الصعب إيجاد حلول ناجعة على كل تلك الأسئلة بسهولة، وبات التوجس عن تنفيذ هذا الأمر يقلب الكفة، ربما سيركن إلى الصمت والتريث عن إخبار الصبي في الوقت الحاضر . وبينما هو على تلك الحال، سمع انفجاراً هائلاً وهو شيء ليس بالجديد في بغداد، أخرجه ذلك الأمر من دهاليز صمته وحيرته، بان الإرباك والفوضى واضحين على السابلة السائقين، اتخذ بعضهم طرق أخرى، وصوت سيارات الإسعاف يملأ القضاء نعيقا، والطرق المؤدية نحو عمله أمست مغلقةً، مزدحمةً .

قرر العودة إلى منزله، رن هاتفه الخلوي بصورة زوجته، كانت مرعوبة، تستفسر عن حاله، وتصرخ موضحة بارتباك أن عجلة مفخخة انفجرت قرب مقر عمله، هذا ما كان واضحاً عبر قنوات الأنباء، ورغم ارتباكه الشديد، وقبضه على مقود العجلة بقوة والاستدارة نحو منعطف العودة إلى داره هرباً من محل الحادث، إلاّ أنه توقف فجأة، ضاغطاً على الدواسة بشدة، حيث أطلقت إطارات عجلته صريخاً عالياً .

بادئ الأمر لم يدرك كنه هذا التصرف ؟ لكنه أحسَ بأنّه اقترف ذنباً ليس عليه ارتكابه، ومن المؤكد لن يستطع نسيان وجهه، كأن صورته طبعت على كل الأشياء التي من حوله،وطفق يصرخ صراخاً شديداً، كيف عليه الهروب بعيداً عن (علي)! ارتعدت فرائصه، أخذ يرتجف كالسعفة في ريح خريف مترب، متناسياً كل زملاء عمله، جميع أصدقائه، إلاّ هذا الصبي، ترجل من سيارته بعد أن ركنها بجانب الرصيف، ولى حثيثاً نحو مقر عمله، ورئتاه تختنقان بقطران دخان السجاير، أطلق صرخةً أخرى، لكنَّ صراخه بات متحشرجاً بين فكيه:

- ولدي (علي)، ولدي (علي)، أين أنت؟

وصل بإعجوبة بعد أن خارت قواه بأنفاس ممسوكة إلى مفرزة شرطة تطوق المكان المنكوب، ولصياحه وانتحابه، وشخصيته الوظيفية؛ سمحوا له بالدخول إلى موقع الحادث .

كان المنظر مخيفاً إلى حد كبير، قدماه تخطوان ببطء ويداه تتحسسان جوانبه من أثر الدخان الكثيف، لم يكن على مدى بصره أي شيء يوحي بالحياة، توقف ساكناً بعينين مضطربتين لا تفارقان الأرض وسط برك من الدماء هنا وهناك، يمسك بركبتي ساقيه المتثاقلتين، منحنياً يتنفس شهيقاً وزفيراً قوياً؛ بعد أن أحس بخفقان ثقيل، كاد أن يشق صدره، في الوقت ذاته تجمع أناس كثيرون من الشرطة والمسعفين ورجال الإطفاء، حينها اختلطت الأصوات والزعيق، على الرغم من ذلك لم يشعر بهم، ولم يطل تسمّره كثيراً، تسلل إلى موقع (علي) الذي اعتاد الجلوس فيه، استغل قلة المسعفين في تلك الجهة بالذات، وعيناه تقودانه بين الثغرات التي ينقشع عنها الدخان وتمنى لو تكونا منفصلتين عن جسده المتهالك، رغبة بلهفة العثور عليه وإنقاذه .

بحث عنه بين الجثث المتفحمة والأجساد المكلومة وهو يتفحص جسداً تلو الآخر من تلك الأجساد التي انتشلها المسعفون للتو، لم يرَ أيّة دلالات تشبه جسد الصبي بالحجم والشكل، لكن الصدمة التي صعقته وأنهكت قواه رؤيته بقع دم تغطي بقايا السجادة المتهرئة خاصته، وقبل أن ينهار من هول هذا المنظر، سمع سعال مكتوم يصدر من صوت رجل مختنق، حدق ملياً نحو مصدره فإذا هو ذلك العجوز بائع الصحف، الذي كان محله المعتاد يلاصق موقع (علي)، مصاباً بجروح بليغة، وقد صبغت الدماء جسده وشعره الأشيب الكثيف حتى الصدغين، كان جالساً على كرسيه المتهالك بثبات كما يراه كل مرة وأمامه محمله المعبأ بالصحف اليومية والمجلات والكتب القديمة، لم تفارق عصاه يديه وظلَّت نابتةً كعود الخيزران، صامدة مثل عوده بالرغم من كبر سنه، تفحصه الدبلوماسي من كلّ اتجاه، أصابه المنظر بفزعٍ مميت، حاول رفع جبهة رأسه الضخم المنتصب على قبضتي يديه التي أحكمت برأس العصا بقوة معاً، رفع الشيخ رأسه بصعوبة، وكأنه أفاق من غيبوبة، اندفعت يداه بلا شعور نحو تفاصيل جسمه، يتحسسه عضواً تلو الآخر، وكلّ مرة ينظر نحو راحتي كفيه بعد أن اخذ نجيع الدم يصبغهما، أراد النهوض بظهر مستقيم، لكنه شعر بالدوار، وكاد أن يتهاوى أرضاً لولا وصول المسعفين ومساعدة الدبلوماسي الذين تلقفوه في الوقت المناسب ليطرحوه على النقالة، حملق نحو الدبلوماسي بعينيه الكابيتين نصف المغمضتين من أثر الدم المتجمد، وقبل أن ينبس لسانه بأية حرف، اغرورقت عينيه بالدموع لكنها غابت بين حفر أخاديده وشعر لحيته الكث، همس في أذن الدبلوماسي،خرج صوته بتؤدة وتمهل:

-  سيدي، أعرف عمن تبحث ! لا تقلق، أنا أبكي كلَّ أولئك الناس الذين سقطوا، لكن؛ اطمئن لم يحضر الصبي إلى العمل هذا اليوم؛ لقد أخبروني أن أخاه الكبير (عمر) حالته الصحية قد ساءت جدا، إنهما كالجسد الواحد، ربما سيغيب عدة أيام عن عمله، نعم لا تقلق هو بخير، لكن أرجوك اعتن به وبعائلته، لا تصبغ الأمور بالورنيش كما فعل زملاؤك من قبل مع الصبي بوعود كاذبة، انه بات يثق بك كثيراً من دون غيرك ....

خرج الدبلوماسي من مكان الحدث سريعاً، تطير به أجنحة البهجة والارتياح، خر ساجداً على الرصيف بادئ الأمر، أجهش بالبكاء لوقت ليس بالقصير، ما لبث أن نهض، يعاوده السكون والراحة كما كان في الصباح، مضى صوب سيارته، انتشل سيجارة من جيب بنطاله المتسخ، أخذ يدخنها بنشوة، لكن ما لبث إلاّ قليلاً، شعر بشيء ما جفل في أعماق ذهنه فجأة وكأنّه نهض من سبات عميق، وقد فُتق نسيج ارتياحه؛ عشرات من الأسئلة عادت تشج رأسه ثانية، أخذت تنمو وتنبت وتكبر كسيقان قصب البردي بسرعة كبيرة :

-  يا ترى: هل سيبقى الصبي في عمله هذا، وأمه تجمع العلب المعدنية من القمامة، وأيّة مدرسة سيرتادها هو وأخوته، ومن أي باب سيخرجون، أنا لم أسأله عن معتقده، دعك من هذا السؤال؛ هو طفل صغير، لكن ماذا عن معتقد أبيه وإن مات، كيف عليّ أن أنسي هذا السؤال، أضف إلى ذلك أنهم يحتاجون الكثير من الأموال، ماذا سيقول عني جيراني في حي الدبلوماسيين...؟

***

قصة قصيرة

رعد الفندي - بغداد

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4753 المصادف: 2019-09-10 00:35:33