 نصوص أدبية

الفلوس السهلة

عبد الله هاشيبقلم: جون- بيير كوفيل

ترجمة: عبد الله هاشي

***

الفلوس. يمكن العثور عليها. على الأرض. على الأرصفة. على الشاطئ. قطع نقدية تكون في حالات معينة أجنبية. منها الصغيرة، ومنها الكبيرة. أحياناً بيضاء، وأحياناً ذهبية اللون. وفي ظروف خاصة، تكون أوراقاً نقدية مطوية بإتقان أربع طيات. تلتقطها، أيها الصديق. الأمر ليس لا سرقة ولا اختلاساً. هذه الفلوس ليست ملكاً لأحد. وإذا لم تأخذها، فسيفعل ذلك أحد غيرك بدلا منك. هذه الفلوس، لك وحدك. هو الله من أرسلها إليك. ذلك إن الفلوس المعثور عليها، ليست لا مسروقة ولا مختلسة. وأنا، لست باللص من أولئك اللصوص الذين يدسون أصابعهم في جيوب الناس، أو يحترفون معالجة شفرات الموسى. وهذه الفلوس، أيها الصديق، أحتفظ بها. فالريال، زائد الريال، زائد الريال، يساوي...ليس لك سوى أن تقوم بعملية الجمع، أيها الصديق. أنا أضعها في صندوقة صغيرة. وعندما أجمع منها ما يكفي، أذهب إلى مدينة الفنيدق لشراء أنواع مختلفة من السلع المهربة أعيد بيعها على الرصيف. وإني في هذا الأمر آخذ من الوقت ما يفي بالغرض.

هناك أولئك الذين يضعون فلوسهم في حفرة يحفرونها، وتحت الأشجار، أو في ثقب جدار. وهذه طريق غير آمنة وغير موثوقة. فثمة دائماً متشردون وقطاع طرق ينقبون الدنيا بأرجلهم، ولا يندر أن يعثروا على المخبوء. أما أنا، يا أخي، فإني شاطر. أضع فلوسي عند جدتي ماما عشوشة. وهي تقيم قريباً من هنا - بمدينة طنجة – في حي المصلى. تعيش وحيدة في غرفة صغيرة وسط أعداد كبيرة من الجيران. قد ضعف منها البصر، وأضحت رؤيتها مشمولة بالضباب. طاعنة في السن، وتكون في غاية السعادة عندما أذهب لزيارتها، أو بغرض المبيت عندها. وجميع ثيابي المفضلة موضوعة هناك في غرفتها. وإنه لمن المعيب أن يعطي المرء الانطباع بأنه معوز وفقير. في منزل أبي – هنا بمدينة طنجة – في حي كازا باراطا، لا شيء يكون في أمن وأمان. الأيادي لا تكف عن الامتداد إلى أمتعتي وحوائجي. وكانت فلوسي وسراويلي الجينز وأحذيتي الرياضية ستختفي منذ مدة طويلة. أما عند جدتي ماما عشوشة، أقولها لك وأعيدها، أيها الصديق، فالعالم برمته لا يمكنه إلا أن يشعر بالاطمئنان.

وأبي. يجلس في البيت لا يفعل أي شيء. أما أنا، فألف وأدور وأتحرك. أخيط وأرقع الأزقة والشوارع. المدرسة، انتهى أمرها وأصبحت من الماضي. لم يكن النجاح من نصيبي ولا كان التفوق في التحصيل من سهمي. وقد تعرضت للطرد في الشهادة الابتدائية. غير أنني أعرف القراءة، لأنني شاطر.

البارحة مساء، فترة خروج الناس للتمشي على جنبات شارع باستور – الشارع الرئيسي لمدينة طنجة -، عثرت لمرتين متتاليتين على درهم. وفي يوم سابق، لمحت ثلاثة سياح كبار، بوجوه وردية اللون، وببنطلونات قصيرة، يجلسون على دكة بالحديقة الصغيرة المحاذية لشارع اسبانيا. ولما انصرفوا، عثرت على قطع نقدية متناثرة فوق الدكة من حيث قاموا. لا شك أنها سقطت من جيوبهم. وقد التقطتها الواحدة تلو الأخرى. وجيوبي أنا، واسعة وبعيدة الغور، ليس مثل جيوب السياح التي تظهر منها الأوراق النقدية فتأخذ غوايتها الآسرة بعقول الأطفال البؤساء والصبيان الأشرار. يمكن العثور على الكثير من الأشياء في الدروب والأزقة والشوارع، وبالخصوص مع كل هؤلاء الوافدين الأجانب المتغافلين والطائشين : رقيقة من الطوابع البريدية الجديدة داخل مظروف جميل. بطاقات بريدية لم تمسسها يد إنسان. كل هذا عثرت عليه والتقطته بيدي. وفي ذات مرة، عثرت على سلسلة دملج. وفي أخرى...

الفلوس. يمكن العثور عليها. ويمكن الحصول عليها أيضا عن طريق العمل. ذلك إنني، بين الفينة والأخرى، أشتغل مرشداً سياحياً. أعرف بأن ذلك محظور. وأنا لا أملك الشارة الخاصة بالمرشدين السياحيين. وعلاوة على ذلك، يلزمك أن تحضر نفسك جيداً للمشاجرات والمشاحنات العنيفة مع المرشدين الآخرين، الحقيقيين والمزيفين. ثم إني أحياناً أقدم خدمات صغيرة. فذات يوم، وأنا في الساحة المشرفة على ميناء طنجة، والتي يمكنك أن تطل منها على إسبانيا، استوقفني شخص أنيق المظهر، بديع الهندام. طلب مني الذهاب الى الصيدلية المقابلة لنا لكي أشتري له عوازل طبية واقية من الأمراض الجنسية المعدية. لم يكن هو ليجرأ على الذهاب إلى الصيدلية لطلبها. ولقد تخلى لي عن النقود المتبقية كلها. مثل هذه المهمات الرثة، أيها الصديق، تكون غالية الثمن.

في بيتنا، لا تجد أحداً يطلب مني شيئاً. آكل وأشرب وأنام. فنحن اثنا عشر نفراً في هذا البيت، أيها الأخ. بالكاد تقع عليٌ نظرة واحدة. وعندما أبيت عند جدتي ماما عشوشة، لا أحد يسألني أين كنت ولا أين بت. إذ لا أحد يهمه أمري.

من حين إلى آخر، حينما يتحسن الطقس وتسود الأحوال الجوية المناسبة، أصعد إلى المنظر الجميل. هناك أعيد بيع كمية من علب الشوكولاطة الاسبانية، وشذرات ذهبية وفول سوداني. ولا يفوتني دائماً أن أحمل معي بعض الخرق الصغيرة أمسح بها زجاج السيارات،إذا سمحت الظروف بذلك. خذ حذرك، أيها الأخ، فالأمر في المدينة ليس على ما يرام دائماً. فهناك منافسون حقيقيون، وعلى درجة لا يستهان بها من الخطورة. فكل ماسح أحذية، على سبيل المثال، يعتبر نفسه المالك المطلق لقصاصة الرصيف التي يقف عليها، والتي تجده على أهبة الاستنفار التام للدفاع عنها بشفرة الموسى وحد السكين. بإمكانك، كذلك، تجميع الجرائد وإعادة بيعها للراغبين فيها. وإذا جمٌعت منها ما يصل وزنه الى كيلوغرام أو اثنين، يمكنك أن تذهب لبيعها بالكيلو لأصحاب معمل الورق.

أما بشأن رجوعي من المنظر الجميل، فثمة دائماً من يتوقف ليعيدني على مثن سيارته. ذات مرة، رجعت بصحبة شخص هولندي برفقة زوجته. منحاني أثواباً مختلفة، ودعواني للعشاء معهما في مطعم صينيٌ فاخر. لا باكودا. مطعم يعرفه القاصي والداني. ولست بالجاهل لآداب الجلوس الى موائد الطعام، أيها الأخ. الرجل الهولندي، حين انتهينا، سدد الفاتورة بواسطة بطاقة تحمل اسماً شبيه النطق باسم الفيزا للمغادرة الى الخارج. وكان يرغب في أن أرافقهما الى رأس مالا باطا، الذي يبتعد عن مدينة طنجة بحوالي اثنا عشر كيلومتراً، فرفضت. ثم إني، في تلك الساعة المتأخرة من الليل، ارتأيت أن أقصد بيت جدتي ماما للمبيت.

يوجد في طنجة ما لا عد له ولا حصر من المقشدات الجميلة جداً، والعصرية جداً، لحد ما يخيل اليك بأنك تعيش في أوربا. فهناك مقشدات فيينا ومانيلا وإسكيما، والبانكيزا والفلانسيانا. ومقشدة لاكولومب، وغيرها كثير. وتكون جميعها ممتلئة عن آخرها بالزبناء في كل وقت وحين. إنني أدخلها كلها. هل تظنني أتهيب من ذلك ؟ وأجلس لوحدي الى إحدى طاولاتها. غالباً ما يكون النادل قد تخلف قليلاً عن إخلاء الطاولات التي غادرها المرتادون مما تركوا عليها من البقشيش والقطع النقدية المختلفة. أنتظر بعض الوقت، أشاهد القطاعات الفارغة من القشدة المثلجة، والفناجين بثمالة القهوة والشوكولاطة. ذات يوم، قدمت المساعدة لذبابة باحثة عن الخلاص بواسطة ملعقة صغيرة. وأظل أنتظر، حتى إذا تأكد لي من أن أحداً لا يراني، أمد يدي لالتقاط قطع النقود المتروكة على الطاولات الزجاجية، ثم أغادر المكان. وأنا لست لا لصاً ولا سارقاً، ولكنني شاطر. وهناك من الناس من يترك الكثير من البقشيش على طاولات المقشدات. يبدو على هؤلاء الوافدين الأجانب علينا أنهم يجهلون قيمة الفلوس عندنا وتقديرنا الحقيقي لها.

اليوم، كنت بمقشدة فيينا. وهي محل واسع الأرجاء، على درجة لا مثيل لها من الأناقة، بدرج جميل من الرخام المتلألئ الذي تستطيع أن ترى على صفحاته وجهك، وبمرايا سامقة متوهجة. الطاولة التي أجلس عليها، غادرها قبل لحظة أربعة أشخاص من شباب المدينة. مراهقان اثنان مصحوبان بفتاتين في مثل عمريهما. أناقة في اللباس، وأدب في الحديث ورقي في التصرفات والمعاملة. وكالمعتاد، يتأخر النادل عن المجيء لإخلاء الطاولة ومسحها مما علق بها. كان الأربعة قد تركوا في الصحن الصغير على الطاولة ثلاثة دراهم ونصف – يعني سبعون ريالاً – بالإضافة إلى ملاعق صغيرة لزجة من الفراولة والفستق. هي لذيذة. حصل مرات عديدة أن تناولت منها، طبعاً حين تكون جيوبي ممتلئة بالنقود. وإلى الطاولة المجاورة، كان يجلس رجل بدين، بارز العضلات، من صنف رجال البوليس بالزي المدني. شاربه كثيف، وعيناه واسعتان لا تكفان تحت حاجبيه الغليظين عن الدوران. إنه ينظر إليٌ. أتراه مهتم بي ؟ وهل سيتوفر لي الوقت الكافي لأضع يدي على النقود في الصحن الصغير من دون أن يراني ؟ ها هو، الآن، ينظر الى الشارع في الجهة الأخرى خلف زجاج المقشدة، متتبعاً بنظراته المارة المتسكعون و المسترسلون بعضهم وراء بعض، وممعناً في النظر الى حركات السير الصغيرة على الطريق. هل تراه لمحني حين سحبت النقود ؟ هل تراه فهم شيئاً ؟ لقد اتجهت نظرة عينيه الى الموضع الذي كانت فيه النقود قبل قليل. من يستطيع أن يعرف أو يخمن شيئاً ؟ بكل هذه الملامح المنغلقة و القسمات الملتبسة، لا أحد بإمكانه قراءة شيء على صفحة وجه الرجل.

ثم إني قمت من مكاني، وخرجت. انعطفت نحو اليمين، واتجهت صوب سان ريمو. وما لبثت أن انتبهت الى أن الرجل يسير ورائي. كان طويل القامة أكثر مما كنت تصورته في البدء. هو الآن يسير بمحاذاتي. وإني أصغي الى أنفاسه تشتد أكثر فأكثر. وعمد فأبرز في وجهي ورقة نقدية باهتة الخضرة. خمسون درهماً. " هل ترغب في كسب بعض الفلوس، أيها الغلام ؟ إنها مسألة في غاية السهولة. اتبعني، يا سيدي ". وكر راجعاً صوب مقشدة فيينا، ثم توقف. قال : " هل ترى النساء الثلاث الجالسات الى الطاولة الرابعة انطلاقاً من أقصى المحل في اتجاه اليسار، بالقرب من الفسقية ؟ " أراهن يا معلٌم، أجبته. " هل ترى تلك التي نرى منها الظهر، المرتدية الجلابية الوردية ؟ عندما تنهض من مكانها وتغادر المقشدة، تعقٌبها أينما ذهبت وحلت. " ثم إنه دس في يدي ورقة الألف ريال، والتي لم أنتظر رمشة عين حتى وضعتها في جيبي. " تعال للقائي هذا المساء، الساعة السادسة، في الحديقة الصغيرة بمحاذاة فندق فيلا فرنسا. هل تعرف المكان، يا سيدي ؟ ". نعم يا معلٌم، أعرف، أجبته. ووعدني بثلاثة آلاف ريال.

وسرت في أعقاب المرأة صاحبة الجلابية الوردية. كانت تسير بسرعة لافتة. يبدو أنها تعرف جيداً الى أين هي ذاهبة. لا تلتفت أبداً. بالنظر اليها من الظهر، تبدو بارعة الجمال، وفي عمر أصغر بكثير من عمر الرجل. إنها ابنته. وقد تكون زوجته، أو أخته. اذهب أنت واسأل كي تعرف من تكون. كانت مكشوفة الرأس، يتطاير شعرها ذو اللون الفاتح متراقصاً على إيقاع خطواتها الرشيقة. قصٌة شعرها رائعة، ولا شبه بينها وبين قصٌة الشعر الجامحة والمتبعثرة التي لدى خديجة الكواطرو، العاهرة العجوز في شارع سي موح باكو، حي كازاباراطا. وظلت الغزالة تبث من حولها شذى الزهور العطرة، وعبير حناء برافيا. تستطيع ألا تخطئ في تعقبها بواسطة حاسة الشم لوحدها. ثم إنها ولجت شارع فيرناندو البرتغالي. عرفت ذلك من قراءة الصفيحة المعدنية. ولدى وصولها الى الرقم 17، دلفت رأساً فدخلت الى العمارة. بناء من عدة مساكن، بدون بوٌاب.

في انتظار حلول الساعة السادسة، طلبت ساندوتش بوكاديللو. ولما حان الموعد، كنت، مثلما طلب مني المعلٌم، متواجداً بالحديقة الصغيرة المثلثة الشكل. وكان بها أيضاً عدد من العاطلين والمتكاسلين ومن المدمنين على المخدرات، منهم من يجلس على الدكات القائمة هنا وهناك، وآخرون يقتعدون الجدران الصغيرة للحديقة. فيهم الذين يلعبون الضامة بقطع السدادات على رقعة رسموا على صفحتها بالفحم مربعات قد نسقوها تنسيقاً. لم يكن المعلٌم قد جاء بعد. إنه هناك، ورائي. لم ألمح مجيئه، ولم أسمع لقدومه من صدى. ثم أخبرته بالذي جرى. وقد بدا عليه الرضى و السرور. مد لي الأوراق النقدية الثلاثة. قال : " غداً، تعيد القيام بنفس الشيء، يا سيدي. تتعقبها انطلاقاً من الساعة الثالثة. هي ستكون إما في مقشدة فيينا أوفي مقشدة كريسطال بالاس. نلتقي هاهنا في السادسة ".

المرأة اليوم، ترتدي جلابية زرقاء في غاية الجمال و البهاء، لكأنها مياه المضيق عندما يروق الجو. أهدابها تتطاير خافقة ما بين ساقيها وهي تحث الخطى مسرعة. جسدها، اليوم، واضح المعالم، بارز القسمات. وكانت الريح تهب على المكان. التفتت، غير أنها لم تلمحني. ثم اتجهت صاعدة صوب الحلاق جون مارك. مكثت في انتظارها. ثم إنها بعد انتهائها من الحلاق، تقدمت في ما يشبه الهرولة عبر شارع فيرناندو البرتغالي. لكنها ما لبثت ان انعطفت عنه وقد ارتسمت عليها علامات توتر واضحة. تبدو على عجلة من أمرها، لكأنها متخلفة عن شأن يهمها كثيراً. وظللت أسير خلفها الى حين ولوجها شارع هولندا. هنالك، لمحتها تركب سيارة زرقاء اللون من نوع رونو خمسة.

وبدا على المعلًم غير قليل من الاهتمام للأمر. غير أنه لا يمكن الجزم في ما إذا كان قد انتهى مما أخبرته به الى مراده. فما برح وجهه الضخم موضعه، ولا بانت على ملامحه لمسة تبدل أو حركة. ثم إنه انصرف الى حال سبيله متمشياً. ولم يكن لي أن أتجرأ على مرافقته. أعتقد أنه دخل حديقة فيلا فرنسا. وكان قد دفع لي مستحقاتي قائلا : " بعد ثلاثة أيام ".

اليوم، لأجل تغيير ملابسي، قصدت ماما عشوشة. وجدتها طريحة الفراش من المرض. ثم انطلقت بعد ذلك في اتجاه المنظر الجميل، وذلك بقصد العمل في حراسة بعض السيارات وبيع عدد من علب السجائر الأمريكية بالتقسيط. كانت الغزالة هناك برفقة شاب من مدينتنا في مثل عمرها. فتى في ريعان الشباب، بادي النضارة والحيوية والألق، حسن الهندام، بملامح المتعاطين للرياضات. لقد جاءت الى المنظر الجميل في سيارتها الرونو خمسة. في صوتها رخامة وعذوبة شديدة كأنه عسل متدفق. تبدو اليوم هادئة، ووجهها يتضوع بالإشراق لكأنه قمر مكتمل. وأخذ ثغرها من الوردة شكلها. أما عيناها، فما أشبههما بالبحر حين يكسوه الاخضرار. هما، الغزالة والفتى، من أرجعاني الى المدينة. لم أخبرها بأي شيء. فأنا لست ببغاء يبادر الى الكلام من دون تفكير. وسوف لن أخبر المعلٌم إطلاقاً بأي شيء أيضاً. فأنا لا أشتغل بالساعات الإضافية. ماهرة في السياقة. في البدء، أنزلت صاحبها الفتى على رصيف شارع فيرناندو البرتغالي. من الواضح أنه يقيم غير بعيد من هنا. بعد ذلك، أنزلتني في أحد الشوارع. قالت لي : " أنا، سأتوقف هاهنا ". وقرأت الكتابة على الصفيحة المعدنية. إنه شارع ليون الإفريقي.

سألني المعلٌم : " هل تعرف القراءة، أيها الرئيس ؟ ". أجبته : " نعم، قليلا ". فقال : " ستدخل العمارة المعلومة. هل أنت متيقن من أنها بدون بوًاب ؟ خذ حذرك جيداً حتى لا يراك أحد. تسجل على ورقة جميع الأسماء المثبتة على علب الرسائل. على كل حال، تلك التي باستطاعتك كتابتها. نلتقي هذا المساء ". وأنجزت المهمة بكل امتياز. لم يكن الأمر سهلا على الإطلاق. أنت، أيها الأخ، بصدد الكلام عن بلد تصول فيه وتجول الأوباش واللصوص وقطاع الطرق. كانت هنالك علب للرسائل بلا باب، وأخرى مهشمة تماماً. ومع ذلك، ثمة أسماء منها ما هو منقوش بحد السكين، ومنها المكتوبة على بطاقات. ثم إني صعدت الدرج بغرض قراءة الأسماء مسجلة على الأبواب في مختلف طوابق العمارة. لكنني فوجئت بكلب أسود اللون هب لملاحقتي نابحاً. تناول المعلًم اللائحة من يدي. وشرع يتفقد ما كتب عليها بإمعان شديد. مما حملني على الظن بأنه ربما عثر على ما يروم إليه. هذه المرة، ابتسم. لكن الابتسامة التي صدرت عنه كانت بعيدة كل البعد عن رقة الابتسامات ولطافتها. قال :  " جيد جداً، يا سيدي ". ثم إنه انصرف عني دون أن يحدد لي موعداً. لعله الآن على معرفة تامة بالأشياء التي يريد أن يعرفها. ولقد دفع لي مستحقاتي جميعاً. لكن، وماذا لو كان يسعى الى إلحاق الأذى بالغزالة، أو بذلك الفتى اللطيف المهذب، أو بهما معاً ؟

ولقد أدركت من كلام المعلًم ما مفاده أن الأمر الذي يجمع ما بيني وبينه قد بلغ نهايته. وإنني، الآن، أشتغل بالأصالة عن نفسي، وتنزيلا لرغبة عندي لا يستقيم بأمرها تفسير ولا تعليل. وهكذا، انتظرتها بالقرب من سيارتها التي تعودت دائماً أن تتركها في شارع هولندا. وحين لمحتها قادمة، أخرجت الخرقات الصغيرة من جيبي، وشرعت أمسح الزجاج الأمامي للسيارة. من اللباس الذي ترتديه، لا يمكن أن تظنها إلا امرأة أوربية. ابتسمت لي، ووضعت في يدي بقشيشاً. لكن سيارتها أبت أن تنطلق. وظهرت على محياها مسحة طفيفة من الانزعاج ما لبثت أن زالت. ثم نظرت إليً. قالت : " أنت، إذن، ذلك الطفل الذي أرجعته في يوم سابق من المنظر الجميل. ناد لي على سيارة أجرة، من فضلك ". ولكي تحظى بركوب سيارات الأجرة، لا بد لك أن تقدم على إيقافها وهي طائرة في الهواء. ولقد بلغ سمعي العنوان الذي كانت تقصده. لقد قالت للسائق : " شارع ليون الإفريقي ". قالت ذلك باللغة الفرنسية. لكنني شاطر. وقد فهمت المقصود فهماً كاملاً شاملاً.

عندما حل المساء، لاحظت أن سيارة رونو خمسة، الزرقاء اللون، غير موجودة في شارع هولندا. لا بد أنها بعثت بشخص ما لاستقدامها. لعله المعلًم نفسه. ثم إني قصدت شارع ليون الإفريقي. كان ثمة طريق مسدود تقوم على جنباته أربع فيلات قديمة. وكانت الرونو خمسة، ذات اللون الأزرق، متوقفة أمام بوابة الفيلا الثالثة، القائمة في أقصى الطريق المسدود. وها هو المعلًم قد حضر، يقود سيارة مرسديس من آخر الطراز. لم يلمحني، ذلك لأنني اختبأت بسرعة البرق بين الأغصان المتدلية حتى الأرض لشجرة ميموزا مغروسة هناك بغرض جمالية مظهر المكان. دخل الى الدار، لكنه سرعان ما عاد ليغادرها برفقة الغزالة. كانت ترتدي قفطاناً في غاية الجمال، مرصع كله بأحجار اللؤلؤ وشذرات الذهب. امتطيا سيارة المرسديس، ثم انطلقا. لم تقع أنظارهما عليٌ، فأنا شاطر. لم يدر بينهما طرف ما من أطراف الحديث. وكان بادياً عليهما معاً رداء سميك من التعاسة و الشؤم، ومن الانفعالات العصبية العسيرة.

إنها الليلة الثانية التي أذهب فيها للاختباء تحت شجرة الميموزا. من هناك، أستطيع رؤية كل شيء. النوافذ العليا، كما النوافذ السفلى، تضيء أنوارها ثم تنطفىء، فتضحى مشمولة بالظلام. وبين الفينة والأخرى، ألمح خيالا يعبر من خلف الستائر. خيالها هي، أو خياله. أتمكن من التعرف على كتلة جسمه البدينة والمكتنزة. وأميزها هي بقدها الممشوق الشبيه بذلك الغصن الرقيق الذي رسمته أنامل فنان بارع في لوحة صينية شاهدتها معلقة في مطعم لاباكودا. هما، في هذه اللحظة، وحدهما في المنزل. فالخادمة كانت قد غادرت في الساعة الخامسة. رأيتها بأم عيني.

ويجتاحني الشعور بأن الخطر يحدق بها . يجب أن أخبر الشرطة. كلا. إنهم سينهالون عليٌ هناك بالضرب والصفع والركل بمجرد ما أقول لهم . ثم إنهم سيعمدون بعد ذلك الى اتهامي بالكذب.

انتصف الليل وانطفأت آخر الأنوار في النوافذ العليا، وغمر المنزل رداء من الظلام الدامس. وبعد لحظات، أضاء النور في مرأب السيارة. وكنت قد لمحت في يوم مضى وجود باب في أقصى المرأب يمكن من الولوج الى البيت. واجتاحتني سحابة كثيفة من الرهبة والخوف. لقد انصرمت أزيد من عشر دقائق على إشعال مصابيح المرأب، ومع ذلك لم يحدث أي شيء. عندما كنت ألمح ظهور واختفاء ظليهما خلف الستائر، يمكن القول بأنهما غارقان في صمت مطبق. وفي لحظة، لمحت خيالها هي يرتد متقهقراً الى الخلف بقوة وعنف. وأعلم الآن بأنه هو من يتواجد في المرأب أسفل البيت. لقد تأخر في الظهور. وبلغ سمعي صدى انفتاح باب المرأب. لم يلبث المعلٌم أن انكشف أمامي. قام بإلقاء نظرة فاحصة على الطريق المسدود. من المؤكد أنه لا يستطيع أن يراني، وإن ظلت عيناه تنقب وتفتش في الوجهة التي أختبئ فيها. وبدا أن فرائصه ترتعد، وبأن الأرض تهتز تحت قدميه اهتزازاً. عمد ففتح الباب الخشبي الصغير على مصراعيه. بعد ذلك، أشرع الباب المعدني للمرأب بكامله، فأحدث احتكاكه بالأرض صريراً جارفاً. ثم صعد الى المرسديس، وباشر عملية رجوع بالسيارة الى الخلف. كانت الأنوار الحمراء تضيء مواقع الجدران وأزهار الحديقة. ولمحت سيارة الرونو خمسة جاثمة في مكان قصي من المرأب. ثم إنه نزل من السيارة دون أن يوقف دوران المحرك. و شرع في إطفاء المصابيح وإغلاق الأبواب. فعل ذلك بكل ما أوتي من التمهل والبطء والتوان. وترسخ لدي اليقين بأنه منشغل شديد الانشغال بالتفكير المركز في الحركات التي يقوم بها الواحدة تلو الأخرى. يحسبه الناظر مثقل الكاهل بحمل عظيم. ها هو يصعد الآن مرة ثانية الى المرسديس. أبطأت، ولم تتحرك في الحين. ثم ابتدأت في الادبار، بكل الهدوء، وبكل التمهل، رويداً رويداً. تلقيت في البدء أضواءها الحمراء على مستوى الساقين، ثم مصابيحها مباشرة على مستوى الوجه. أغمضت عيناي، وكادت تند عني صرخة غاصبة. إنني مختبئ وسط أغصان الشجرة. لا أعرف لا كيف ولا لماذا حصل ذلك. وببطء شديد، تحولت عني شيئاً فشيئاً مصابيح السيارة، وشرعت تشمل الطريق بأضوائها المتوهجة. ولقد استغرقت العملية برمتها زمناً طويلاً. بعد ذلك، بدأت أصغي الى السيارة وهي تنعطف الى اليسار، وما لبث ضجيجها أن خفت خفوتاً.

وبدا المنزل خالياً تماماً من أي حس. ثم إني قفزت متجاوزا جدار الحديقة. وبدأت أتقدم كأي لص محترف بكل الحذر في خطوات واسعة. كان الحصى تحت أقدامي لا يكف يصدر أنينه الموجع . وأمر خلف البيت. سادت الظلمة الكالحة، لكنني لبثت أتعود ثقلها الكثيف. ثمة درج خارجي شبيه بالحلزون. وشرعت في الصعود درجة بعد أخرى. ووجدتني في سطح المنزل. كان ثمة باب لم يغلق قمت بدفعه. ووجدتني في قلب الدار. وما لبثت أناملي أن عثرت على قاطع التيار الكهربائي. ولما أضاء النور، تبينت أني في الغرفة العلوية حيث كانا يتواجدان قبل قليل. في حالة ما إذا رجع، سأسمع ضجيج محرك سيارته، دييزل، وسيكون لدي ما يكفيني من الوقت للفرار. سيظن أنه نسي إطفاء النور. إنها غير موجودة في البيت. الغرفة واسعة. وأنا لا أملك فائضا من الوقت حتى أدقق في استعراض التفاصيل المبسوطة حولي. غير أن كل شيء هاهنا يتكلم لغة الثراء والأبهة والنعمة الباذخة. كانت ثمة كذلك مساحات فارغة. وإذا بي أقف إزاء ما يشبه غرفة الاستحمام. هكذا بلا شك تكون الحمامات. زرقاء اللون من أولها الى آخرها. ثم هذه البقعة الكبيرة الحمراء على البلاط، والتي لم يكن بريقها الآسر يقل في لمعانه عن تلك التي تزين مقشدة فيينا....إنها بقعة دم.

ازداد خفقان قلبي واشتدت ضرباته. واجتاحتني رغبة قوية في القيء. يجب أن أغادر هذا المكان على الفور. أغادر من هنا، من حيث دخلت. وما كان مني سوى أن أطلقت ساقيٌ للريح، ووليت هارباً.

في مقشدة فيينا، بعد عدة أيام، انتبهت الى وجود جريدة باللغة الفرنسية فوق الطاولة التي أجلس إليها تركها زبون سابق. ووجدتني وأنا أقلب صفحاتها وجهاً لوجه مع صورتها. من الصحيح أنني لا أعرف أن أقرأ جيداً باللغة الفرنسية، لكنني أستطيع أن أتدبر أمري لكي أفهم . الكتابة تقول: " بحث عن متغيبة ". لم يكن بمقدوري أن أستوعب بقية ما كان مكتوباً بشأن الموضوع. لكن كان ثمة اسمها كاملاً : لطيفة سلاك. وكان المطلوب هو إخطار الشرطة.

ثم إنني عدت من جديد للاختباء تحت شجرة الميموزا. كانت الخادمة وحيدة في البيت. هي امرأة ريفية متقدمة في العمر. وقد لبثت بين الفينة والأخرى تطل من النافذة. كانت الساعة تشير الى الواحدة بعد الزوال. طال انتظاري. لكن، ماذا يا ترى كنت أنتظر ؟ عودة الغزالة ؟ لقد ماتت. أعرف ذلك. قتلها المعلٌم. ثم إنني نزلت من الميموزا بنية الانصراف الى حال سبيلي. لكن المرسديس تنبثق منتصبة الخطم عند مدخل الطريق المسدود. لقد رآني المعلٌم. ضغط على الفرامل، فتوقفت السيارة بقوة شديدة. بينما أنا أطلق ساقيٌ للريح، أجري، وأجري، وأجري، بكل ما أوتيت من قوة. سوف لن يلحق بي. ليس بإمكانه الإمساك بي. فأنا شاطر. أنا شاطر. أنا شاطر.

تم العثور في الساعات الأولى من صباح اليوم، بمحاذاة السكة الحديدية، على بعد ما يقارب أربع كيلومترات عن محطة القطار طنجة – المدينة، على جثة مقطعة بوحشية رهيبة، تبين أنها لطفل، ذكر، في نحو الرابعة عشرة من العمر. ولم يتم، الى حدود الساعة، تحديد هوية الضحية. وعلم أن مصالح الدرك الملكي قد فتحت تحقيقاً في النازلة، وأنها لا تستبعد (مرة أخرى) فرضية حادثة دهس بالقطار.

 

.........................

  •  Jean- Pierre Koffel : L’argent facile. Coté Maroc ( nouvelles). I/VII ( 2004 ). Collection de nouvelles. Editions MARSAM. Rabat. MAROC.

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4761 المصادف: 2019-09-18 03:46:47