 نصوص أدبية

مساءلةُ السيفِ المُنثلم

ريكان ابراهيملماذا إذن، كُلُّ هذا؟

إذا صار كُلُّ الذي لم يكن ممكناً... ممكناً

‏إذا صار يصلُحُ كُلُّ الذي في الكلام جواباً عن الأسئلة

‏لماذا، إذن، كل هذا التباطؤ، هذا التلعثم، هذا الخُواء؟

‏إذا كنت انت، وكنت أنا عارفين بأنَّ الخبر

مع المبتدأ

‏يصيران جُملة كُلِّ الشفاه

‏لماذا، إذن، ادخلوا كان بين السطورِ  فعاثت فساداً،

وفرّقتِ الشملِ في رفعها المبتدأ

وفي نصبها للخبر؟

‏إذا كنت تدري بأنّيَ ادري، و أنّيَ أدر ي بأنّكَ تدري

‏لماذا، إذن، كُلُّ هذا؟

**

‏لماذا يسيرُ على بطنهِ عنترة؟

ويجثو على رُكبتيهِ المهلهل؟

ويلثغُ بالراءِ قُسُّ بنُ ساعدةَ المستريحُ على رُمحِهِ من زمان

وقوفاً على رئةِ الأمنية

على شفةِ الأغنية

‏على سطحِ ذاكرةٍ خاوية

وقوفاً إلى أن يفكّرَ ثانيةً عنترة

إلى أن يفكّرَ في أمرِ ركبتهِ الزيرُ، أو يستفيقَ من السُكرِ

راويةُ القافلة

أما كلنَ يجملُ بالمُستجيرِ بحُمّاهُ من نارِها أن يُحسَّ وأن يتّقي النازعات

لقد كان يُمكنُ لكنّما...

ولكنّما قاسية

**

إذا كانَ للشعر أن يستريحَ، ومن حَقِّهِ،

لماذا، إذن، كُلُّ هذا الزعيق، وقاعاتُنا فارغة؟

إذا كنتَ تعرفُ أنّي كبيرٌ على خَرم إبرة

لماذا تُجرجرُ ذيلي الطريَّ، وتجبُرني أن أمرَّ، وهذا الممرُّ

صغيرٌ على رِجلِ نملة؟

لماذا، إذن، كُلُّ هذا؟

وهذا، كما تعرفُ، اسم إشارة

إلى ضيّقٍ في العبارة

وإعرابُهُ قَتْلُ مليونَ أو ما يزيدُ من الجاهلينَ بما يستحقُّ إليهِ الإشارة

**

توسّد هُدوءَكَ كالسلحفاةِ إذا سرتَ بين حُطامِ السؤال

وعرّج على خمسةٍ: يديكَ، ورجليكَ، والخامسِ: الذيلِ

هل تستحي؟

لقد كان قبلكَ سُقراطُ حين يُجيبُ عن الاسئلة

يُمدِّدُ ساقيهِ، يرفعُ رِجليهِ، يخرجُ للجالسينَ اللسانَ، وذيلُكَ مثلُ لسانِ الفلاسفةِ الأولينَ، لقد قالَ ذيلُكَ كُلَّ الكلامِ،

وليسَ لنا غيرُ هذا السؤالِ:

لماذا، إذن، كُلُّ هذا؟

**

تَصوّر لو انّكَ في ليلةٍ،

ودَقَّ عليكَ امرؤ القيسِ باب السياجِ، يُناشِدُ نخوتَكَ الماضيةْ

تصوّرْهُ يبحثُ عن ناصرٍ أو مُعينْ

أتطردُهُ أم تقولُ: كلانا بلا والدٍ يا صديقْ

تَصوّرْ لو أنّكَ واجهتَهُ بالصحيحِ، وقُلتَ له:

يا امرأ القيسِ كانَ أبوكَ شهيدَ الجُناةِ، وكان أبي

شهيدي أنا

نعم، قُل له هكذا، قُل له: إنّني قاتلٌ والدي

أتبحثُ عن ناصرٍ في فتى قاتلٍ والدَه؟

**

لماذا، إذن، كُلُّ هذا؟

لماذا: هُراءٌ، إذن: مهزلةْ

وكُلُّ: ضجيجٌ، وهذا: نعيقٌ، وكُلُّ الذي في السؤالِ

دليلٌ على عبثِ المسألةْ

تُرى أينَهُ حاجبُ بن زُرارةَ ينجو من الموتِ ثم يعودُ

إلى آسِر القوس يسألُهُ فديةَ القوسِ رأساً، وأينَ النجاشيُّ

يعرفُ أن الجديد سينضو قديماً فينصرُهُ، كُلّنا اليوم

نعطي وعوداً بلا ارصدةْ

وندعو إلى صفحةٍ في الحِوارِ ولكنّنا ننصبُ المصْيَدةْ

ألا ليتَ هذا الذي لا يرى غير مترين وَسطَ الضبابِ،

يُقايضُ زرقا اليمامةِ عيناً بعينٍ قُرابةَ يومٍ لكي يَتّقي أو يقينا السقوطَ إلى دركِ المهزلةْ

**

تُرى مَنْ يُعيرُكَ أرضاً إذا ما فقدتَ التي في يديكَ،

وهل كُلُّ أرضٍ تُسمّى وطن؟

ومَن يستوي عندهُ الإقترابُ من الأهلِ والبُعدُ والاغترابُ

استوت عندهُ قبل هذا معاني الكرامةِ والإنحناءُ أمام الغريبِ، ومَنْ لا يُفرِّقُ بين وبينَ

سيجهلُ أينَ هو الرأسُ فيه وأينْ القدَم

سلامٌ على النهرِ يمرقُ فيها كأفعى تُفتِّشُ من جوعها

عن فريسة

سلامٌ على النخل مرتفع الرأسِ، يعلو بقامتهِ كي يقي مسجداً وكنيسة

سلامٌ على موجة النهر تركبُ أُخرى وتزني بها فلا يُشتكى أمرُها عند قاضٍ، ولا يخجلُ الناسُ من رؤيةِ العاشقاتِ

يمارسنَ فنَّ الهوى في الظهيرةْ

إلى أينَ يا وطنَ الأبرياءِ نمضي، وأنتَ القميصُ الذي نرتديهِ صباحاً إذا ما خرجنا،

وأنتَ الفراشُ الذي يحتوينا إذا ما أوينا

تملّكنا هاجسٌ أنْ نُحبَّك حتى وإنْ كنتَ تقسو على عاشقيكَ، ونبكي عليكَ،

ونسقطُ مثلَ اليتامى على قدميكَ،

نُقبِّلُ فيكَ ثنايا أبٍ غاضب من بنيهِ،

ونسجدُ عندكَ مثلَ مُريدٍ يرى شيخَهُ فيرى فيه عيونَ السماءِ، ويرتجفُ الخوفُ فيه من الخوفِ، أينَ نُولّي الوجوه التي

عشقتكَ، وأنت لها كعبةٌ كلّما بَلّلتها دموعُ

التزامنِ قُمْنا نُوضِّئُها بالدماءْ

...ويا وطني المستغيثَ، إلى أينَ تذهبُ بعد العشاءِ،

وشُربِ قليلٍ من الشاي عندي، إلى أينَ تذهبُ بعد الصلاةِ؟

أعندكَ شيءٌ من الوقتِ نقضيهِ في سدرةِ المتنبي؟ هناكَ لنا موعدٌ،

فالخليلُ سيأتي الينَا، وفي جيبهِ الأصمعيُّ،

تعالَ،

لماذا تُضيِّعُ هذا اللقاءَ فقد لا يَمنُّ علينا الزمانُ بأمثاله؛

إنها فُرصةُ الزمنِ الزئبقيِّ الذي يمرُّ علينا، ولا

نلتقيه فيضحكَ مِنّا

أعندكَ شيءٌ من العربية في نحوها؟

إنّهم يسألونَ، وأخشى، إذا وجدونا بلا لغةٍ، أن نكونَ

كما فارسٌ دونما فَرسٍ، أو نكونَ هناكَ غريبين وجهاً

وقلبا

إذن فاحترسْ قبلْ أن نلتقي أن تُعيدَ القِراءةَ نحواً وصَرفا

وخُذْ من هُلامِكَ زاداً تواجهُ فيه الرجالَ الأُلى شرّفونا

ولم يتَشرّف لهم واحدٌ بالذّي خَلّفوه لدينا

فقد وضّأونا ولم نتوضّأْ

وصرنا قُلامةَ ظُفْرٍ، وأُضحوكةً في العراءْ

**

بخيطٍ وإبرةْ

سأخصِفُ نَعْلَ البلادِ، وأرتِقُ ثوبَ الضميرِ الذي مَزّقتهُ

زُليخةُ وهي تجرُّ إليها إبائي ورفضي

بخيط وإبرةْ

أعيد خياطةَ كُلِّ التراثِ الذي مَزقتهُ الحداثةُ يوماً ولم تَتهيّب. أُلملِمُ هذا القميصَ على صَدرِ أمّي وأختي فإنّا عوائل شرقيةٌ، عندها العُريُ عيبٌ، ولا باركَ الله

في مَن تَعرّى وَعرّى صدورَ ذواتِ الخدورِ،

ولا سامحَ اللهُ مَنْ يدعي أنه بطلٌ لا يلينُ

ولكنهُ يستكينُ إذا داعبوهُ بحلوى

-... وهُزّي إليك بجذعٍ

وهزّتْ فلم يتساقطْ

-وهزّي إليكِ...

وهزّتْ ولم يتساقطْ إليها من الجذعِ شيءٌ

وهَزّتْ إلى أنْ تساقطَ في حِجرها الجِذْعُ

واكتشفتْ أنه عاقرٌ لا يحيضُ

وليس يبيضُ،

وأنَّ الذي ناشَدَ امرأةً أن تهُزَّ قليلُ الحياءِ،

كذوبٌ كما كذبَ الأوّلونْ

***

د. ريكان إبراهيم

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (14)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي اخي دكتور ريكان المحترم
وتقديري لهذه الايقونة الفكرية الصادحة

ابدعت وانت تزلزل اركان معضلة تحفر خنادق وانفاق في قلب أمة تريد ان تكون وهي معقورة بحبال كان
فلماذا لم تبتر بسيفك الف كان؟!!

خالص الود

د صادق السامراءي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي الغالي د. صادق السامرائي . اشكرلك تعليقك وحسن ظنك بدور قصيدتي. سأتصل بك هاتفيا قريبا بإذن الله

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

هذه مرثية كبرى عليها و فيها
تسكب الدموع خالي الغالي دكتور
ريكان لما حل باوطاننا و ارضنا
من الخراب و الضياع.
واااااااااه معتصماه.

دمت قامة صوت يعربي.

حسين يوسف الزويد
This comment was minimized by the moderator on the site

اشكرك جدا اخي حسين يوسف على رضاك عني

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

شاعر الادهاش د. ريكان إبراهيم

مودتي

وهَزّتْ إلى أنْ تساقطَ في حِجرها الجِذْعُ
واكتشفتْ أنه عاقرٌ لا يحيضُ
وليس يبيضُ،

انها مكائد الوحشة التي لا تمهل.. والهزائم التي نرتدي خلاخيلها المترفة
نشيدا من الانتظار ونحن نهرول عراة نحو احزاننا المفرّخة اهوالا من
الجنون..

انك تلغي القاعدة وتبحث عن الاستثناء.. كطير يهاجر الى نفسه على
سرج من غبار بعد ان أصيب بسهم حاذق .. مأخوذا بجرحه الممزوج
بطين الالهة عله يشق عاصفة حصاره واشجار مأتمه..

دمت بصحة وامان

طارق الحلفي
This comment was minimized by the moderator on the site

دكتورنا العزيز

سلامٌ على النخل مرتفع الرأسِ، يعلو بقامتهِ كي يقي مسجداً وكنيسة

اسمح لي ان اعلق على لأقول
انه نص مدهش يشير برمزيات جميلة كأنها ومضة شهاب في ليل دامس لتضيء مساحات من وطن يتأرجح بين الجمال والقبح الذي يريد ان يلحقه بعضهم
دمت مبدعا متألقا

عامر هادي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المشرق الهادئ الرقيق عامر هادي . شكرا لرضاك عن القصيدة واعجابا مني بدقة ملاحظتك. اتمنى لك المزيد من السهل الممتنع الرقيق اللذيذ .

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الشاعر القدير

ريكان. ابراهيم

أينَ نُولّي الوجوه التي
عشقتكَ، وأنت لها كعبةٌ كلّما بَلّلتها دموعُ
التزامنِ قُمْنا نُوضِّئُها بالدماءْ

نصُّ ثريٌّ تتخلله إشراقات ساطعة

دُمْتَ مبدعا

مصطفى علي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الملهم مصطفى علي .انت تعرف رأيي في شعرك ودقة ملاحظاتك .اتمنى لك المزيد باذن الله

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

ملخص انطباعي حول هذه القصيدة الرائعة :ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ان موضوع هذه القصيدة شامل ويكاد ان يكون مشتركا مع كل مستويات التذوق الشعري والاهتمام الفني والثقافي العام.
* الشاعر المبدع الكبير ريكان ابراهيم يمتلك مخزون ثقافي كبير بالتاريخ الشعري مما ادى به ان يتمكن وبكل اقتدار ان يزاوج بين ما هو تراثي ماض ٍ وبين ما هو حاضر بكل تفوق ونجاح لكي يستخلص افكارا شعرية جديدة تدعم هذا الاسلوب الرائع في الكتابة الحديثة الفعالة.
*وجدت ان الشاعر اخي المبدع ريكان يستخدم بعض التهكم الدقيق والذي يصاحبه الم خفي دفين وذلك عن طريق دس بعض المفردات المناسبة في التعبير عن ذلك .
* ان في القصيدة افكارا واقعية النقد يسندها خيال شعري عميق وبسيط وسلس الرموز في نفس الوقت.
* الشاعر يمتلك معرفة لغوية واسعة فلم يكن هناك اي عائق او صعوبة في اختيار اي مفردة وبكل سهولة واقتدار وتفرد.
* قد كانت موسيقى القصيدة هادئة جدا وبطيئة ومنسجمة جدا مع فحوى الموضوع لان بحر المتقارب(فعولن) هو اكثر البحور الفراهيدية الذي يستوعب السرد الشعري بكل سهولة ونجاح وهنا قد قدم الشاعر ذكاءً اضافيا في بناء هذه القصيدة الرائعة.
* ان اشراك واستثمار صياغات النحو والاعراب في التعبير عن خلجات الشاعر والمعنى الذي يطمح ان يوصله للمتلقي...قد كان مثمرا جدا لان هناك ذكاء ومهارة كبيرة وخبرة جديرة بالاعجاب.

تحياتي لك اخي الطيب العزيز الاستاذ الشاعر المبدع والانسان الحقيقي ريكان ابراهيم ’ شكرا لك على هذه القصيدة الرائعة...خالص محبتي وخالص امنياتي لك بالصحة والعافية والسرور

الشاعر والتشكيلي صالح الطائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الرائع المبدع الذي يرسم بالكلمات ويكتب بالألوان صالح الطائي المحترم . هذه ملاحظات نقدية لا يأتي بمثلها الا من هو مثلك . انك سيرت غور القصيدة بعمق .بالمناسبة اود ان اسالك ملحا ومستعجلا ....انني وجدت شبه مجافاة وعزوف عند اخوتي الاعزاء تجاه قصيدتي ...انا شاعر الرسول ..حتى انني تسلمت رسائل عتب فلماذا؟ هل انا رافع شعار العلمانية مثلا ؟ ما رأيك؟

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الشاعر الفذ د. ريكان ابراهيم

هذه المرثية المثقلة بالأوجاع أدمعت عيني وأضنت قلبي وأنا أقرأها مشدوهاً وكأنك فتحت لنا كوة جديدة في ذلك الجدار الذي اقاموه ليفصلونا عن وطننا الحبيب، لا بارك الله بهم.

إلى أينَ يا وطنَ الأبرياءِ نمضي، وأنتَ القميصُ الذي نرتديهِ صباحاً إذا ما خرجنا،
وأنتَ الفراشُ الذي يحتوينا إذا ما أوينا
تملّكنا هاجسٌ أنْ نُحبَّك حتى وإنْ كنتَ تقسو على عاشقيكَ، ونبكي عليكَ،
ونسقطُ مثلَ اليتامى على قدميكَ،
نُقبِّلُ فيكَ ثنايا أبٍ غاضب من بنيهِ،
ونسجدُ عندكَ مثلَ مُريدٍ يرى شيخَهُ فيرى فيه عيونَ السماءِ، ويرتجفُ الخوفُ فيه من الخوفِ، أينَ نُولّي الوجوه التي
عشقتكَ، وأنت لها كعبةٌ كلّما بَلّلتها دموعُ


دمت بخير وإبداع دائم.

عامر السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي المبدع المتر جم الذي إنساني كاتب النص عامر السامرائي . اشكرك مرتين اولا لانك علقت وثانيا لانك اخترت مقطعا يشير إلى الهم المشترك بيننا وبذلك تشير انت الى رهافة ذوق اختيارك . اكرر اعجابي بك . وسلامي الى زياد .

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي المبدع دوما طارق الحلفي .استغربت لعدم ظهور ردي على تعليقك المبارك لهذا احاول هنا انا اكرر شكري لك واعجابا بك .دام ابداعك وتجليك.

د.ريكان ابراهيم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4761 المصادف: 2019-09-18 03:56:02