 نصوص أدبية

الله كريم.. لكَ الله يا عراق

يوسف جزراوي- سألتُ ذات مساء

جدتي لأبي- رحمها الله

وهي تصلي مسبحتها الوردية:

متى سيعود عمي

من جبهات القتال؟.

ومتى سيخلع عنه بسطال الحروب؟

فأجابتني همسًا لكي لا تقطع الصلاة:

الله كريم. 

بعد أيامٍ علمنا

أنّ عمي يرقدُ مُصابًا

في مستشفى الرشيد العسكري

تنخر جسده الشظايا

وبسطاله يسبح بالدماء!.

**

ذات يوم

كان أبي -عليه رحمة الله-

طريحًا على فراش المرض فسائلتُه:

متى ستغادر مستشفى ابن النفيس

وتعود للبيت يا أبي؟

فأجابني: غدًا يا بني.

- أكيد يا أبي.

فقال: الله كريم.

**

في ذات الليلة

رأيتُ والدتي الحبيبة

لوحدها في المطبخ

تذرفُ دموعها بلوعة

لمرض أبي المستعصي

فحدثتني دون أنْ أسئلها:

إنّه البصل يا ولدي من أدمعَ عيني!.

حاولتُ أن أستنَطقَها:

هل أبي سيكون غدًا بيننا؟

أجالتْ بنظرها إلى أيقونة السيّدة العذراء

ونطقت بعيونٍ دامعاتٍ:

الله كريم.

وفي اليوم التالي مات أبي؛

فقد أقنعُه الموت ليمضي معه

إلى حيث لا يعود الناس!.

**

قبل التاسع من نيسان

زعقت الغارة بعويلها ليلاً

لتعلن طائرات التحالف

  بدء طلعاتها الجويّة

لدكِّ الأمان  في بلدي؛

  فتكوَّر أهلي مع بيت خالتي

  على بعضهمِ البعض

من شدّة الخوف 

 في حجرةٍ  مُحصنة بالفانوس فقط (الالة).

فسألتني أختي الصغرى

وهي ترتعش بين يدي

عن أخي الكبير

الذي أُستدعي لخدمة العلم

فاقتادوه عنوةً للحرب؛

وإن كنا سندحرُ الأمريكان

 على أسوار بغداد؟.

ضمّمتها الى صدري

ورحتُ أمسحُ بأكمام كلماتي

دموعها التي لسعت قلبي

بعبارة:

الله كريم.

**

بعد أيام احتلَّ الأمريكان بلدي

بمعيّة الجارةِ إيران!

فدَمَروا بلدًا مشت

على أرضهِ  أقدام أوّل

إنسانٍ خلقه الله.

 

**

مَرّت الأيام والسنون

وفرقتنا تداعيات الإحتلال

في قاراتٍ عدة

ولم تزل والدتي تسألني بإلحاحٍ:

ولدي متى سأكحلُ عيني بلقياك؟

فلا جواب لي سوى:

الله كريم.

ثم تعاود عليَّ السؤال بإستفسارٍ آخر:

متى ستقلع عن التدخين؟

فاضحك بملءِ شدقيي وأجيبها:

الله كريم يا أمّي.

**

صباح أوّل أمس

هاتفتُ والدتي (الحجية)

كما يحلو لي أن أناديها؛

فراحت تَقصُّ عليَّ

أحداثًا قرأتها في الفيس بوك

عن حالِ العراق الأليم.

وما عَساي ان أجيبها

سوى انْ أصْبرَها ببعض الرجاء

بلهجتنا العراقيّة:

قولي الله كريم يا أمّي.

**

ليلة البارحة

زارني العراق في المنام

فتهللت أساريري وأخذتُه بالأحضان؛

وكم جميل هو العناق

بعد سنوات من الاشتياق.

في الحالِ سائلتُه عن بغداد.

فصرخَ بملءِ الفم:

وا حسرتا على بغداد!!

منحتُه هو الآخر قرصًا من المسكنات:

غدًا ستشرق الشمس

فتفتح الورود أوراقها في أرضك

وتحلق حمائم السلام في سمائك

فيعاود الله  نشر  ظله في رحاب ربوعك

كما فعل في بدء التكوين.

تَجهّم وجهُه

وسار على قبورِ أحلامي وقال:

الله كريم.

وعرفتُ أنَّ الجواب بان من العنوان؛

فصرختُ في سرّي:

حتّى أنت!!

حقًا لك الله يا عراق.

فأجابني:

الله كريم ....ثم تركني ومضى.

***

الأب: يوسف جزراوي

(من ديوان جثة تثأر من قاتلها)...

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة
سلاما للنواقيس و من لها ضرب
سلاما للصليب و من عليه انصلب
سلاما الى كل تلك القباب
بلون السماء ولون الذهب
سلاما الى كل اهل العراق
سلاما من القلب ختى الهدب

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية عراقية مفعمة بالطيبة والمحبة
شكرا لمرورك الجميل اخي الكريم
تحياتي

يوسف جزراوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4762 المصادف: 2019-09-19 04:23:31