 نصوص أدبية

هناك على شاطئ البحر!

محمد نجيب بوجناحعلي وزوجته مريم ممددان في ثياب إستحمام يقرآن بعض الجرائد على شاطئ البحر.

ضجيج أطفال يلعبون..أصوات باعة حلويات وسندويتشات..يمكن الإستعانة بشرائح مصورة أو شرائط فيديو لعكس جمال المكان..فنادق فخمة.. رمال نظيفة.. مقاصف.. أي مكان غير عادي هناك)

مريم: (تضع الجريدة) الإنتفاضة متواصلة.

علي: (يقرأ جريدته دائما) ولكن إلى متى

مريم: ربما حققوا بعض النتائج هذه المرة

علي: بالحجر؟

مريم: ولم لا؟

علي: (متضايقاً) أفضل عدم الخوض في هذا الموضوع وأنا على شاطئ البحر.

مريم: هل أضايقك؟

علي: بل أشعر بالتناقض

مريم: يمكن أن ننصرف إذا كنت ترغب في ذلك

علي: لن نحل المشكلة

مريم: أية مشكلة

علي: مشكلة التناقض طبعا (يلقي بالجريدة جانبا)  أليس من المفارقة أن نكون هنا، على هذا الشاطئ الجميل الذي تعجز عامة الناس عن الإستحمام فيه، بينما هناك الأطفال يقاومون الدبابات والأسلحة العصرية بالحجارة؟

مريم: ليس مهما أن نكون في فندق فخم أو في بيت قصديري لنشعر بالقضية.

علي: وهل مهم أن نشعر أو لا نشعر بها؟

مريم: انها مسألة ضمير

علي: قلت لك أن ضميري يدمرني حين أفكر في شيء أنا أعيش نقيضه

مريم: أنت غريب

علي: (يدس رأسه في جريدته من جديد) ليكن ذلك.

(يمر أحد الشبان يجري فيتعثر في ساق علي ويسقط)

علي: (يمسك بالشاب) إيه..تعال أنت..ماذا تعني الحجارة بالنسبة لك؟

(يفلت منه الشاب..يخرج له لسانه ويقوم بحركة بذيئة)

علي: (لمريم) أرأيت؟ ذلك كل ما تعني الحجارة بالنسبة لنا..(يقوم بنفس حركة الشاب). هكذا.

مريم: شيء مخجل أن تعيد أمامي نفس حركات شاب منحل.

علي: (منفعلا) ولكن ذلك كل ما تعني الحجارة بالنسبة لأطفالنا وحتى للكبار منا..البعض يقوم بالحركة علنا، والبعض الآخر يحرك يده سراً أو أمام مرآته.

مريم: لحسن الحظ أن كل المثقفين ليس لهم نفس تحليلك.

علي: نعم.لحسن الحظ. لأنهم تعلموا أن يتأقلموا مع الشواطئ الجميلة والكتب المهدئة للأعصاب وكؤوس الجعة والويسكي.

مريم: هناك من يقبع في السجون مع ذلك.

علي: انهم الجبناء..الذين لم يستطيعوا الهروب وسد امامهم الأفق..

مريم: أنت غير عادي هذا المساء (تقف) سأستحم بعض الوقت.

علي: (بعد أن ابتعدت) اغتسلي..اغتسلي من الأوهام فأنت محظوظة.

(يغرق علي في جريدته..ضجيج..موسيقى غربية..سياح يمرون شبه عراة..تعود مريم مبللة..تجفف جسدها وتستلقي من جديد على الكرسي).

مريم: (لعلي) لماذا لا تكتب عن الحجارة؟

علي: عن أية حجارة؟ التي نشيد بها القصور أم التي نزين بها الأصابع والصدور؟

مريم: لا تهزأ بي..أنت تفهمني..

علي: هنالك من هم أكثر كفاءة مني ليفعلوا ذلك.

مريم: لم تكتب قصيدة واحدة.

علي: لا أريد أن اكرر الآخرين..إن كلمة تلقائية واحدة من شيخ يكابد هناك أكثر تعبيراً من كل القصائد التي يكتبها الشعراء هنا.

مريم: اكتب وأنت هنا..اكتب، مأساتك..أريدك أن تكتب.

علي: ومالهدف من ذلك؟

مريم: أن تبدع.

علي: (مقهقها) هم يموتون وأنا أبدع..قيمة الإنتهازية..

مريم: أنت تحيرني..ماذا تريد أخيرا..كفاك مكابرة. أعرف أنك تتألم..تتمزق لتكتب حرفا واحدا. ومع ذلك عندما أحاول مساعدتك، أمسك يدك وأضع القلم بين أصابعك وأمامك الورقة البيضاء، تلقي بالقلم في الرمل، تبعد يدي وتمزق الورقة. انك ستنتهي إلى حالة من الجنون..أفق يا علي فإنك تتعذب..تأكل نفسك وتعذبني معك.

علي: (يضع رأسه بين يديه وهو يكاد يجهش بالبكاء) أريد أن اكتب فعلاً يا مريم..أريد أن اكتب لكنني عاجز عن ذلك..البلاد هناك لا أعرفها..والبلاد هنا أيضا لا أعرفها، وربما كانت لا تعرفني..هل تكفي الكلمات لنكتب؟ ما الكلمة بدون مكان؟ انها مجرد كرات من الهواء نلفظها بدون لون ولا رائحة ولكنها تأخذ شكل المكان التي تلفظ فيه..كيف لي أن اكتب وأنا أشعر انني معلق في الفضاء، وكأن جسدي لم يلمس التراب أبداً، أو كأنني أخضع لجاذبية كوكب آخر. كأنني نبتة غريبة قلعت من مكانها وأخذت إلى الأرض هواؤها عجيب وماؤها عجيب وملحها عجيب..

مريم: ألق بكل شيء خلفك ولتبدأ من جديد..تعلم أبجدية أخرى غير التي تعرفها، ولكن لا تنتحر..لا تجعل اليأس يهدك.

علي: أريد أن أسأل. كلي أسئلة..أريد أن أسأل الأشياء عن جنسها..أريد أن أسأل الطير عن طقوسه. أريد أن أسأل الأزهار عن رائحتها..أريد أن أسأل الهواء عن عناصره..هل تبدل شيء فيها؟ هل تغيرت؟ ابتهجت أم تكدرت؟ أم هي محايدة، لا يهمها إن طار الحجر أم إنبطح الحجر.

مريم: لتسأل الإنسان أولا.

علي: الإنسان؟ وما الفائدة من سؤاله إذا كانت اجاباته جاهزة في أدراج فكره..يكيفها حسب مصلحته وطموحه..الإنسان وحده القادر على الكذب دون سائر الحيوانات..وحده الذي يحمل أوقيات من الزئبق في مخه وعلى لسانه..ألا ترين أنه الكائن الوحيد الذي يبصق ماعاش متوهما أنه يطهر لسانه من الكذب.

مريم: ومع ذلك فهو نفس الإنسان الذي كنت تمجده وتخلده في ما كتبت.

علي: لكنه الآن لا يعجبني.

مريم: ذلك لأنه ليس نفس الإنسان الذي كتبت عنه. كتبت عن إنسان أحلامك وخيالك، لكن إنسان الواقع قد يكون غير ذلك..وإن يكن قد صدمك الآن فإن له ظروفه وأوهامه وتناقضاته التي يعيشها.. أفلم تنكر نفسك منذ حين..

علي: أكتشف انني لم أعرف نفسي أبداً.

مريم: كيف إذاً ستتعرف على الآخرين حتى وإن كانت تفصلهم عنك بعض السنتيميترات، فما بالك وبينك وبينهم كل أنواع الحواجز.

علي: ماذا تقصدين؟

مريم: إنزل من برجك العاجي وغادر كرسيك الهزاز، فالإنسان مهما كان طيباً لن يرضى أن يكون موديلاً محنطا في قفص حتى وإن كنت ستجعل منه إلها..وإن قبل ذلك  فهل تراه سيرضى أن يكون رسامه الذي يجلس أمامة مقيدا هو الآخر، ولو بسلاسل من ذهب..

علي: هل تراني أنجح؟

مريم: يكفيك أن تحاول إكتشاف الحقيقة والإغتسال من الأوهام.

علي: سأتعب

مريم: سأكون معك

علي: سننتعب

مريم: لنجرب

علي: انك متفائلة

مريم: أريد أن أحررك.

(تشرع في وضع ملابسها)

علي: هل سننصرف؟

مريم: علينا أن نبدأ من الآن..

(يضع ملابسه هو الآخر. في الأثناء يظهر شابان قويا البنية، في ثياب أنيقة. يقتربان منهما. يسدد الأول لكمة قوية لعلي ويصفع الثاني مريم التي تصرخ)

علي: هل جننتما؟

(صفعة ولكمة جديدتان)

(علي ومريم يحاولان الهروب لكنهما يسدان الطريق امامهما)

علي: من أنتما؟

(صفعة ولكمة)

علي: ستندمان.

(صفعة ولكمة )

علي: (صارخاً) النجدة

(يطرحانهما أرضاً..يأتي صوت علي متألما)

علي: أتركا زوجتي.. من أنتما.. هذا جنون.. النجدة.. ستندمان.. آي رأسي..

 

ظلام.

***

محمد نجيب بجناح

كاتب تونسي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4963 المصادف: 2020-04-07 03:41:32