 نصوص أدبية

في رِحاب التوحيد

ريكان ابراهيمنفْخةٌ في حَمَأٍ... ثُمَّ استوى

       كائنُ الطين... به قُبْحٌ وحُسْنُ

مُضْغةٌ فيها الخفايا اجتمعَتْ

      فهيَ ركنٌ وجميعُ الكونِ رُكنُ

حملتْها في عَناءٍ أُمُّها

            وعلى وَهْنٍ بهِ يتبعُ وَهْنُ

حَبْلُها السُريُّ مرسالُ الهوى

          ينفحُ المُضْغةَ ألطافاً ويحنو

وإذا التِسْعةُ  وَفّتْ نُذْرَها

             فتحَ البابَ على دُنياهُ إبنُ

وعلى اسم الله يُعلي صيحةً

        مثلَ مطرودٍ إلى العُشِّ يَحِنُّ

ثُمّ يغدو سابحاً في لُجّةٍ

     من ضياءٍ ما لها مُرسى ووَكْنُ

ربِّ يامَنْ حارَ في أسرارهِ

           مَنْ له عقْلٌ ومَنْ كادَ يَجنُّ

يا "أنا" واحدةً في سِرِّها

           أدهشتنا فلمن تلجأُ "نحن"

مَنْ أحبّوا برأوا من حُبِّهم

            ومُحبوك شيوخٌ قد أسنّوا

أزَلٌ يَعشَقُ فيهِ أبداً

       مثلما الشمسُ لها الآفاقُ خِدْنُ

هل تُرى تُبصرُ أُذْنُ؟

                  أم تُرى تسمعُ عينُ؟

هل تُرى يَحسنُ قُبْحٌ؟

                  أم تُرى يَقْبحُ حُسْنُ؟

هل تُرى يغبى ذكيٌّ؟

                   أم تُرى يقدَحُ ذِهْنُ؟

كُلُّ هذا السَهْلِ صَعْبٌ إنّما

             هو عند الله أدنى ما يَمُنُّ

يا إلهَ ال "كُنْ" ما بعد الذي

             منَحتْ كفُّكَ بالسُوءِ يُظَنُّ

ربِّ، صُوفيٌّ فؤادي، لابسٌ

              بُرْدةً حُبَّك والأيام عِهْنُ

أشطرُ الذاتَ على نصفينِ، لي

    نِصْفُها، والآخرُ الروضُ الأغنُّ

فيه يرتاحُ على أيكتهِ

           نَبْضُ قلبي حينما ليلٌ يجنُّ

يا قويّاً ما ذقْتهُ رَحمةٌ

        فهو للخائفِ من كفيّه حِصْنُ

كُلّما أوقدَ ناراً خازنٌ

          أطفأتْ جمْرتَها الجنّةُ عَدْنُ

ربِّ هَبْ لي من لدنكَ المُبتغى

    خَمْرُ رأسي أنْ أراني منكَ أدنو

صمَتَ الحرفُ على نافلتي

      إنَّ صمْتَ الحرفِ أنغامٌ ولحْنُ

لستُ ذا النونِ بحوتٍ سابحٍ

        مثلما الفارسُ والمُهْرُ الأرنُّ

أو عصا موسى التي تَلْقفُ ما

             بيّتوهُ من ألاعيبَ وشنّوا

إنّما عَبْدٌ تلاشى ضَعْفُهُ

             حينما نادى إلهاً لا يَضِنُّ

ربِّ فَرّقْ في الهوى بيني وبيني

        ثُمَّ أوزعْني فهذا الحُبُّ سِجْنُ

ربِّ واشرحْ صَدْرَ مَنْ تيمْتَهُ

           صَدْرُ مُضناكَ بلا داءٍ يَئِنُّ

ربِّ واحلُلْ من لساني عُقْدةً

    أزدهرْ عُوداً ويُورِقْ فيَّ غُصْنُ

أنا من جيلٍ، كئيبٍ عُمْرُهُ

       فرْطَ ما لاقاهُ من دنياهُ ضِغْنُ

ليتني الهُدْهُد يروي خَبراً

         عن قوانينَ على الكُفْرِ تُسَنُّ

ليتني مَن عِنْدهُ عِلمُ التي

        عبَدتْ شمْساً وعينُ الله ترنو

فأُخبّي عَرْشَها حتّى إذا

     سُئِلَتْ عنه استرابتْ وهي تعنو

تلكَ آياتٌ لمنْ رامَ الهُدى

           وبِشاراتٌ بها تضحَكُ سِنُّ

           ***

د. ريكان إبراهيم

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (18)

This comment was minimized by the moderator on the site

بورك الحرف منيراً في الدياجي إنما الخلق بأصل الكون فن
وقوافيك الصبايا معرسات وإلى سمت رؤاك العين ترنو

د. وليد العرفي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي المبدع حقا د. وليد العرفي . لقد حاكيت قصيدتي بما هو اجمل منها . انت يا د. وليد شاعر كبير . لقد وجدت هذا من قراءة قصيدة واحدة ففي النقد تحاكم القصيدة لا الشاعر . تحياتي اليك

د. ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

أنا من جيلٍ، كئيبٍ عُمْرُهُ
فرْطَ ما لاقاهُ من دنياهُ ضِغْنُ
---------
المبدع الألق دكتور ريكان
وأنا من ذاك الجيل أيضاً،، ولانعرف متى تُقبر كآبتنا..
كن بخير
احترامي واعتزازي

ذكرى لعيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

ذكرى لعيبي التي تتواضع بان تكون من جيلي وهي من حفيداتي وحكمي في ذلك الصورة ، حماك الله ورعاك . اتوقع انك راضية عني وهذا غاي ما اتمنى

د. ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الأخ والصديق الشاعر الشاعر : يمين الله قصيدتك استمطرت دموعي حتى كأنّ خدي قد توضأ بالدمع حين وصلت هذه الياقوتة :
يا "أنا" واحدةً في سِرِّها

أدهشتنا فلمن تلجأُ "نحن"

فكيف والقصيدة كلها يواقيت !

لقد استمتعت بالتناصّات القرآنية ـ خصوصا وقد تزامنت قراءتي مع أذان الظهر الذي أسمعه الان وربي .

وددت أن أسألك : هل أنت من محبي محي الدين بن عربي ؟ وهل سبق وقرأت كتابه الأشهر " الفتوحات المكية " ؟
لسؤالي ما يبرره فالتمس لي عذرا : مبرر سؤالي هو أنني وجدت فيك اليقين الصوفي الذي وجدته عند ابن عربي ، وأيضا وجدت فيك القلق الصوفي الذي وجدته في أدعية مولانا عبد القادر الكيلاني ( بالمناسبة : يؤلمني أن الكثيرين منا لا يعرفون أن الشيخ عبد القادر الكيلاني يعد أحد أهم أئمة العرافانيين الصوفيين ) .

يمين الله سأخبز لك الان رغيف دعاء ولا أشهى ، فقد حان وقت سجر تنور صلاة الظهر في السماوة .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الكثير الكبير روحا واخلاقا وابداعا يحيى السماوي . اتمنى لك طيب المقام سواء في سماوة العراق او في استراليا فانت قريب من القلب اينما حللت . انا من عشاق بن عربي والفتوحات المكية والرسالة القادرية صديقتاي من صغري . ما خاب حدسك يا لبيب . لا فض فوك في قصيدتك هذه واتمنى لك ديمومة العطاء . تحياتي لك .

د. ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

تلكَ آياتٌ لمنْ رامَ الهُدى
وبِشاراتٌ بها تضحَكُ سِنُّ

حين يضيق النسبي لا يجد الشاعر سوى رحابة المطلق
وهذا عين ما يسعى اليه الأستاذ ريكان شاعراً في هذه القصيدة .
في شعر كهذا الشعر يكتسب الضعف الأنساني قوة آسرة تشد القارىء فتجعله
يتعاطف مع القول الشعري كأن الشعرية تتوهج بهذا التهجد وهي كذلك
فلا عاطفة أقوى من عاطفة انكشاف الضعف البشري وتضرع النسبي الى المطلق .

ثُمّ يغدو سابحاً في لُجّةٍ
من ضياءٍ ما لها مُرسى ووَكْنُ

دمت في صحة و شعر وأمان يا استاذ ريكان .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي المبدع الرائع جمال مصطفى . لطيفة منك هذه الالتفاتة في مقاربة المطلق والنسبي . اسعدني رضاك واشكرك .

د. ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

ربِّ واشرحْ صَدْرَ مَنْ تيمْتَهُ
صَدْرُ مُضناكَ بلا داءٍ يَئِنُّ
ربِّ واحلُلْ من لساني عُقْدةً
أزدهرْ عُوداً ويُورِقْ فيَّ غُصْنُ
الاستاذ والشاعر القدير د. ريكان ابراهيم تحية واحترام
وكان الايات القرانية تتصفح امام عيني
قصيدة صوفية عرفانية من اروع ماقرات صاغها الشاعر باسلوب بلاغي عالي البريق
وهذا يعود الى معرفة عميقة ودراسة دقيقة للايات القرانية
متعة العشق الالهي بقصائده العرفانية
دام حرفكم ودمتم بخير وامان

مريم لطفي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخت الكريمة مريم لطفي . لهي كذلك مثلما وصفت . هذه كتبت لتكون ضمن اعمال الموتمر العالمي للدراسات الصوفية وكان ان اصبحت عملا شعريا معتمدا في الدراسات الادبية الشرقية . يبدو ان اقبال الاخوة زملائنا في صحيفة المثقف على الشعر الديني والصوفي والروحي ضعيف . احيي الاخت مريم واشكرها

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

أنا من جيلٍ، كئيبٍ عُمْرُهُ
فرْطَ ما لاقاهُ من دنياهُ ضِغْنُ

في هذه القصيدة الجميلة يحلق الشاعر دكتور ريكان في فضاء
يبدو جديدا عليه بعد ماض عامر بالاحداث التي جرّت الى الندم.
فيعد تبيان عظمة الخالق، يجنح الشاعر الى توضيح ضعفه وندمه
راجيا التوبة بعد تلك الحياة المعدمة. أتذكر هنا بينا لأبي نؤاس في
المنحى ذاته

ياسوأةً مما اكتسبت ويا
أسفي على مافات من عمري

امنياتي لك اخي الحبيب دكتور ريكان بحياة هانئة خالية من المنغصات.

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي الصادق المبدع ا. د. عادل الحنظل . اشكرك على كل كا تبديه نحوي من مشاعر وانا سعيد برضاك عن القصيدة التي فازت باولوية الموتمر العالمي للدراسات الصوفية وكانت مهداة قبل عشر سنوات الى الشاعر محمد اقبال . تحياتي اليك

د. ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

أيا هذا الكائن الذي ينكر الأيام
أ ينكر مِنْ طلعة الشجر، غصن
**
وفي كُلٍّ ... إشارات تتلألأ لمنْ
ماتَ حتف أنفه أو ماتَ "طعن"
**
منسوجة صوفيّة كمثل العنب
قوافيها نخلة، ظلها له حصن
**
دمت متألقا مبدعا أخي الحبيب
الدكتور ريكان ابراهيم

زياد كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي المبدع زياد ...تحياتي اليك . بعثت لك سلاما مع اخينا عامر . اشكرك على حسن ظنك بصوفيتي التي اخطات مكان نشرها والذي علي تصحيحه . اشكرك

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

لو لم أقرأ في هذه القصيدة سوى عجز البيت الذي يقول : فهي ركنٌ وجميع الكونِ ركن . لكفى هذا ..
هذه ومضة صوفية وحقيقة فيزيائية ما بعد النسبية حيث كل نجم ، كل موضع ، كل نقطة يمكن ان يكون في مركز الكون وفي نهايته أو ركنه..
تسلم أيها الشاعر العارف بالوجد وللوجد.

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي المبدع الجميل كريم الاسدي . اتفق مع كلماتك الجميلة في تعليقك . سعيد برضاك عن القصيدة مع تحياتي اليك .

د. ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

جهدك واضح وتعبك بيّين !
ذكرْتني بـ أيها الساقي إليك المشتكى ـــــــــ أطيب تحياتي وسأعيد قراءتتها مرة أخرى

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

سامي العامري المبدع .والله انك لشاعر .اخي سامي انت تعرف كم يعاني شاعر بحرالرمل خصوصا في موضوع صوفي جلالي . اشكر رضاك ودم لأخيك وجمهورك

د.ريكان ابراهيم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4963 المصادف: 2020-04-07 03:52:16