 نصوص أدبية

يا جمرة الدّرب

صحيفة المثقفيـَمَّمْتَ وَجْهكَ شَطْرَ الغيْبِ مُنْتَحـِبا

         فأشْرَقَ الـنُّورُ في الآفاقِ واخْتَـضَـبـا

لمّا سَرتْ بكَ أشْواقُ الخُطى عَـبَقـتْ

           منْ ظلِّ وجْهِـك أشْذاءُ النُّهَى كُثـُبا

ذا طيْــرُ قَـلبـِكَ قدْ رَفَّـتْ جَوانِحُه

        يمْضِي بشَـوْقٍ إلَى الآفاقِ َ مُـغـْتَــرِبا

يَعْقوبُ قدْ أُطفِئتْ عَـيْناهُ واجْترَحَتْ

           والدّمْعُ فتّتَ حِجْر الجفْنِ مصْطخِبا

تَـعَـلّـقَ الـقَلْـبُ بالأصْداءِ مُـعـْتَـمِـرا 

        منْ بئْرِ يُـوسَفَ ضَجَّ النُّورُ مُـلْتَـهــبَـا

عَلَى جَبِينِك آياتُ الرِّضا نُسِجَتْ 

         مـثـلَ اللَّآلِئِ يـَذْرُوهَا الـدُّجَى شُهُــبَا

حتّى مَتَى عبَرَاتُ الصَّمْتِ تَذْبَحُنا

       تَـهْـمِي بِـمُـغْـتــَسَــلٍ أعْـتَــابُـهُ قـَصَـبـا

يا جَمْرةَ الدَّرْبِ هلْ في الدَّمْعِ تسْلِيَةٌ

           كَلَّ الـطّرِيقُ وَمَاءُ الـفجْـرِ ما تَـعِـبا

قدْ كُـنـتَ فـيـنَا نبـِيّا ظامـِئًا قـلِـقـا

          لا تَرْتـَقـِبْ قَـبَـسًا لـوْ غَامَ أَوْ غَـرُبَـا

علَى الرّمادِ نسَجْتَ الظلَّ مسْتَعِرًا 

          عـيـْناكَ جمْرٌ وَجفْـنُ اللَّيـْلِ مَا حسَبَا

وأنتَ أنتَ نبيُّ الصّمْـت تَقْـرَعُه

          شدْوا يَخُـبُّ فيَجْنـيـهِ الـلـّظَى رُطَـبـا

يا شَهْقةَ الطّين قد أوْقَدْتِ أوْرِدَتي

          شمْعًا كَفيفًا علَى الأعْتابِ مُضْطَرِيا

بأيّ ذنْبٍ وأدْتِ الشَّوْقَ مِنْ صُحُفي

            بأيّ شَـوْقٍ طَويْتِ الـدّمْعَ والهُـدُبـا

يا سَامِريّ الشِّعْرِ خَطْوي الآنَ مُرْتَبكٌ

             أطْلقْتُ قافـيَتي فاسْتَمْطَرَتْ سُحُـبًا

يا نبْتًةَ الرُّوحِ ذِي أصْدافُ ذاكِرَتي

       قدْ أوْرقَـتْ كَجِـرارٍ تـصْطَـلـي لَـهَــبــا

لمّا وقفْـتُ بـبابِ القـلْبِ أَطرقُـهُ

        أسْتَـوْقـِدُ الصَّبْرَ أسْـتدْنـيه مُـحْـتَــسِبـا

أسْرَى بِيَ البيْنُ لمْ أفْـهـمْ إشارَتَه

           لكنَّ ريحَكِ عُـشْبُ الرُّوحِ مُخْتَضَبا

أنْتَ الذي سُفِـكَتْ أشْوَاقُهُ مِزَقا

           أنْت َالذي نغَبَ الأَحْـزانَ مَا شَـرِبَـا

ذَا نمْلُ صمْـتِكَ  فٍي أضْلاعِ قافِيَتِي

           قدْ بَاحَ شَوْقًا فَمَـا أَفْـتَى ومَـا كَـذَبَـا

      ***

الشاعر التونسي شكري مسعي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الجميل شكري ، أي صباح هذا يحمل عبق الورد ، وندى الكلمات التي تبهج الروح وتعطر مسامات الرؤيا بألوان قزح ، كل بيت قصيدة ، وكل حرف بيت رؤى منداحة ، وقواف قارة في مواضعها ، وكأنك تعجن اللغة عجناً وقد نضجت بتنور العاطفة ، واستملحت برحيق تقبل عاطر التحايا

د. وليد العرفي
This comment was minimized by the moderator on the site

أسعدني حضورك المشرق في محراب قصيدتي ذكتر وليد ..وقد وشّحتها بقراءة سامقة معبّرة ، فكانت كلماتك قصيدة بهيّة..ورؤية نقديّة متينة..دمت بكلّ السّموق.

الشاعر شكري مسعي
This comment was minimized by the moderator on the site

استهلت القصيدة بذكر محاسن الحاضر الغائب وتمجيدها، الذي برحيله المغترب إلى أماكن بعيدة، ترك النور يضيء كل مكان، هذا الكائن الشبيه بالنبي، نظرا لخصاله الحميدة ومواقفه الجبارة، وسلوكه النبيل :
يـَمَّمْتَ وَجْهكَ شَطْرَ الغيْبِ مُنْتَحـِبا
فأشْرَقَ الـنُّورُ في الآفاقِ واخْتَـضَـبـا
ولم تبق منه غير أشرطة ذكرى تقرع عالم النسيان، فتترك في الأعماق لهيبا متأججا، تنسكب إليه المشاعر شوقا وحنينا، إثر البين المنتصب، والبعد الشاهق ..
يا نبْتًةَ الرُّوحِ ذِي أصْدافُ ذاكِرَتي
قدْ أوْرقَـتْ كَجِـرارٍ تـصْطَـلـي لَـهَــبــا
كم هو مرّ حين يودعنا أشخاص نبلاء في تصرفاتهم، صادقون في مشاعرهم، أوفياء في معاملاتهم، يرحلون تاركين بسمتهم الفسيحة حفرة في شغاف القلب، تدمي الروح؛ ومهما امتدت قمم البعد، تظل بصماتهم الذهبية تتلألأ في وهج الليل، ولن تمحوها كف الدهر
أسْرَى بِيَ البيْنُ لمْ أفْـهـمْ إشارَتَه
لكنَّ ريحَكِ عُـشْبُ الرُّوحِ مُخْتَضَبا
وهذه الجراح التي نتجت عن الألفة والفراق، والحنين والشوق، تسببت في انفعال الذات الشاعرة، وتوترها حد الجذور، فلم تجد غير الشعر تصنع منه كدمات لترميم الجراح، ومناديل لتجفيف الدمع الحارق ..
يا سَامِريّ الشِّعْرِ خَطْوي الآنَ مُرْتَبكٌ
أطْلقْتُ قافـيَتي فاسْتَمْطَرَتْ سُحُـبًا
..فالقصيدة وإن احتفظت ببعض القرائن التقليدية في بنائها الشكلي، فهي من حيث التشكيل اللغوي والموقف الفكري، وصياغة الموضوع حداثية بامتياز؛ حيث غرف شاعرنا مما هو رمزي وإيحائي ومجازي؛ ولم يكتف بهذا الخلق الشعري بمزج حدسه وإحساسه بالواقع؛ بل واخترق برؤياه، قصص الأنبياء والرسل ليعزز متن اللغة، فيثريها بالعجيب المبهر، موحدا بين الغابر والحاضر في عجين واحد مخلفٍ أثرا جسيما في قريحة القراء...
يَعْقوبُ قدْ أُطفِئتْ عَـيْناهُ واجْترَحَتْ
والدّمْعُ فتّتَ حِجْر الجفْنِ مصْطخِبا
محلقا على بساط الخيال في تأمل عميق، فيأتينا بسبحات لؤلئية من الصور الشعرية، كأنها لوحات تشكيلية بملمسها القزحي من الألوان، ضاربة عنق الجمال بتوقيع رونقها الملتمع في مهجة القلب؛ فتترك ربكة لا تقاوم ...ولنتأمل هذه الشذرات:
لمّا وقفْـتُ بـبابِ القـلْبِ أَطرقُـهُ
أسْتَـوْقـِدُ الصَّبْرَ أسْـتدْنـيه مُـحْـتَــسِبـا
فالقلب ليس له باب نطرقه، والصبر ليس حطبا نشعله، وإنما حنكة الشاعر ومراسه، في التلوين اللغوي ومراقصة الألفاظ، اللفظة تنسجم مع أختها في حلقات من العلاقات المدهشة.. وينطبق هذا على القصيدة كلها ...
تحيتي لقصيدة مميزة

مالكة عسال
This comment was minimized by the moderator on the site

أحيانا كثيرة تكتبنا القصيدة ولا ندري من أين بدأ السّفر ..وأنت دكتورة مالكة شرّعت بقراءتك العميقة أبواب الألق والسُّموق ..فقد سافرت عبر تخوم النصّ واستنطقت معاريجه وغصت في أغواره بحرفيّة النّاقدة الجادّة التي تستشفّ المعاني وتستعذب المباني ..فكانت قراءتك نصّا شعريّا يومض بريقه على ظلال القصيدة ..دمت بكلّ الإشراق .

شكري مسعي
This comment was minimized by the moderator on the site

يا جَمْرةَ الدَّرْبِ هلْ في الدَّمْعِ تسْلِيَةٌ

كَلَّ الـطّرِيقُ وَمَاءُ الـفجْـرِ ما تَـعِـبا

قدْ كُـنـتَ فـيـنَا نبـِيّا ظامـِئًا قـلِـقـا

لا تَرْتـَقـِبْ قَـبَـسًا لـوْ غَامَ أَوْ غَـرُبَـا
----
قصيدة شامخة محكمة البناء بلغة مدهشة وشاعرية فائقة الجمال
تحية تليق أستاذ شكري مسعي على هذا الإبداع المتفرد
ودمت في رعاية الله وحفظه .

الأستاذ / تواتيت نصرالدين - الجزائر
This comment was minimized by the moderator on the site

أبهجني حضورك وأسعدني تعقيبك على قصيدتي أستااذ تواتيت نصر الدين ....دمت مشرق الحضور.

شكري مسعي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع
قصيدة قوية وفخمة في الصياغة الشعرية وفي الصور التعبيرية الناطقة بالحكمة والبصيرة الثاقبة . لقد مسكت القالب الشعري في الصياغة بمهارة شعرية متمكنة , واستلهمت في التناص قصة يوسف وصبر يعقوب . في الغدر والخيانة , وبه تنزف الجراح بالوجع والحزن , وتجعل القلب يتجمر بالنار الحارقة شوقاً وحنينا الى الغائب والمغترب عن دياره . وكذلك مسألة الصمت والصبر , ماهي إلا جراح نازفة لا تتوقف بالاحزان والاشواق .
لمّا وقفْـتُ بـبابِ القـلْبِ أَطرقُـهُ

أسْتَـوْقـِدُ الصَّبْرَ أسْـتدْنـيه مُـحْـتَــسِبـا

أسْرَى بِيَ البيْنُ لمْ أفْـهـمْ إشارَتَه

لكنَّ ريحَكِ عُـشْبُ الرُّوحِ مُخْتَضَبا

أنْتَ الذي سُفِـكَتْ أشْوَاقُهُ مِزَقا

أنْت َالذي نغَبَ الأَحْـزانَ مَا شَـرِبَـا

ذَا نمْلُ صمْـتِكَ فٍي أضْلاعِ قافِيَتِي

قدْ بَاحَ شَوْقًا فَمَـا أَفْـتَى ومَـا كَـذَبَـا
تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

ماذا يعني أن نكتب قصيدا لا يصل إلى قلوب صافية نقيّة حتّى لو كان الوجع ينطق منها .. سعدت كثيرا أستاذ جمعة بقراءتك النديّة التي زادت قصيدتي إشراقا ..دمت بهيّ الحضور.

شكري مسعي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5016 المصادف: 2020-05-30 02:48:34