 نصوص أدبية

الغُراب

ناجي ظاهرلا اتذكر متى التقيت به اول مرة، وان كنت لا انسى ولا يمكن ان انسى أول مكان رأيته فيه. كان ذلك عندما شعرت برجفة غريبة في أعلى شجرة الكينا المحاذية لبيتنا المستأجر، فأرسلت نظري إلى هناك لأراه يرسل نحوي نظرة تكاد تكون تؤامًا سياميا لنظرتي نحوه. بوعي او دون وعي.. شعرت انه قريب مني.. قرب نفسي. وكان ان رأيت في عينيه دمعة مُهجّرةً، تشبه حد التطابق دمعتي.. انا المهجر ابن المهجر.

مضت اللحظات وانا ارسل نظرتي اليه، وهو يبادلني النظرة، مع مضي الوقت بتنا نتواصل بلغة الدموع، فكلما عصف بي الشوق إلى من رحلوا للإقامة في منفاهم القسري.. ليعيشوا هناك ويقيموا بالتالي في الذاكرة، ارسلت دمعة موازية، لتهمي بعدها دمعة مقابلة من عينه، ويبدو ان ذلك التبادل للنظرات، خلق بننا مزيدا من الالفة حتى انني بت لا استغني عنه بالضبط مثلما بات هو لا يستغني عني، وكنت كلما غبت يوما او بعض يوم عن نافذتي تلك، واعود اليها.. اشعر بشوقه الي، فأبثه في المقابل.. ما في قلبي وروحي من شوق.

يوم مات ابي بعيدا عن قريته المهجّرة المحبوبة، وعن اهله في الشتات، عدنا إلى بيتنا بعد ان وارينا جثمانه مقبرة الغربا في الناصرة، كان اول ما فعلته، هو انني هرعت الى نافذتي تلك، لألوذ اليه من احزاني، ولما رآني اكاد اغرق في بحري الكرب، قفز من اعلى شجرة الكينا، مقتربا من نافذتي، ومرسلا نظرة متسائلة:

- ما لذي حدث؟ سألني، فرددت عليه.

- انني اكاد اغرق في بحر احزاني.

نظر إلى البعيد وتمتم بكلمات فهمت منها انه يعرف سبب حزني ذاك. سألته:

- هل عرفت حقا السبب.

فهز راسه علامة الايجاب ولم يجب مباشرة. تمعنت في عينيه اكثر فرأيت حزنا يكاد يكون مطابقا لحزني، سألته عما الم به، فرد قائلا:

- قبل قليل شيّعنا ابي الغالي الى مقبرة الغربا في الناصرة.

قلت له بلكنة دامعة:

- لكن الموت حق.

- هذا صحيح في الأوضاع العادية.

سألته في محاولة مني لاختطاف إجابة من فمه:

- هل تؤمن ان هناك اوضاعا غير عادية؟

فقال بسرعة من لا يريد ان يبوح اكثر:

- اوضاعي.

لمست حفاف مصيبته تلك، فابتدأت مصيبتي تهون رويدا رويدا. بعدها حاولت عبثًا ان ادفعه للتحدث اكثر عما عناه بالأوضاع غير العادية، الا انه اكتفى بأن قال:

-  انت تعرفها اكثر من أي كائن آخر.

وعاد إلى اعلى شجرة الكينا، تاركا اياي نهبة لأحزاني.. وفوقها تساؤلاتي، ترى ما الذي دفعه للتحدث إلي عن الاوضاع غير العادية، وما هي هذه الاوضاع، أتراه يكون مُهجّرًا مثلي.. ام ترى والده دفن في ثرى غريب..، الم افهمه بعد كل هذا الوقت، وماذا علي ان افعل كي افهمه؟. وكان لا بد لي من ان اضع حملي الثقيل هذا في عيني وان اقترب منه اكثر، لأحظى بإجابة على سؤال مقلق يتعلق بنا نحن الاثنين. هتفت به:

- حلّفتك بكل غال قل لي ماذا قصدت بالأوضاع غير العادية؟

فتجاهل سؤالي ورد علي  دون ان يلتفت الي:

- ماذا تقول عما تسبب لك به مغتصب ارضك من آلام؟

قلت بسرعة:

- غير عادي.

- وماذا تقول عن موت والدك ودفنه في ارض غريبة.. غير تلك التي تمنى ان يدفن فيها.

قلت:

- غير عادي.

رفرف بجناحيه ملامسا اوراق الكينا:

- اوافقك الرأي هذا كله غير عادي.. غير ان هناك ما هو كارثي.

تساءلت بحرقة من اكتوى بكل انواع النيران المهلكة:

- وما هو الكارثي؟

قال باحتداد:

-  ان يعيش ابوك وان يموت وحيدا وبعيدا عن عزوته وأهله في المنفى القسري.

عندها غبت عن الوعي وعدت اليه.. لاكتشف انني انما كنت اتحدث.. إلى نفسي.. ما اصعب هذا.

***

قصة: ناجي ظاهر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5019 المصادف: 2020-06-02 03:02:59