 نصوص أدبية

ألمُغنّي

ليث الصندوقتأبين متأخر كالعادة إلى فؤاد سالم

-  دو –

كلّ صباح

يُلقيه الحرّاسُ من القلعة موثوقاً للبحر

فتحوّل جثتَهُ الأمواجِ إلى ألحان

توقظ رائحةُ الدمّ الصخّابةُ في عشْب البحر الرغبةَ في الرقص

ومن الدوّامة يصّاعدُ كبخار الفجر صُداحٌ مجروحٌ

هل صوتُكَ هذا؟

أم صرخاتُ الغرقى المعجونة من الآف الأعوام بطين القيعان؟

أم هو صوتُ تكسّرِ ألواحِ الشمس بأسنان الحيتان؟

**

ومساءً تقذفُهُ الموجةُ للقلعة ثانية

ليُعيدَ على أسماع الحرّاس مواويلَ الحرمان

- ري –

في آفاق لم تثقبْها أنفاسُ القنّاصة

كنتَ إذا ما أغرتكَ الريحُ وطرتَ بعيداً

تركتكَ وعادتْ تتنفّسُ روحُكَ عِطرَ العشّار

**

إعتدتَ على الطعناتِ

فما عادتْ توجعُكَ الطعنات

وعلى الجلاّد تعوّدتِ الأبوابُ

فهيَ لمرآهُ بلا طَرْقٍ تُفتحُ عن بُعدٍ

أصبحَ لفحيح الجَلاّد مذاقُ فناجين الأقدار

تترقّبُهُ كحبيبٍ غائب

فإذا ما طالتْ غيبتُهُ

أرسلتَ إلى الغابة بحثاً عنه المنشار

- مي –

كانوا يُرعبون ما في جوفكَ من طيور وأسماك

يُلقون سنّاراتهم في جوفك

فتعود محمّلةً بالقبلات

كانوا مرعوبين

يرون إليك تُحلق فوقهم

فتتفكك أجسادهم مثل قِطع الميكانو

لقد جردوا صوتك من جواز السفر

فظل يتنقل

متخذاً رُتبهم العسكرية منصّات انطلاق

بينما كانوا يُطرَدون من أسِرّة نومهم

وأيديهم تحمي رؤوسهم من صفعات الشمس

عندما فشلوا في اقتحام أسوارك

كلفوا الموت بإدارة المعركة

ومنحوه صلاحيات مطلقة

يومئذ كنت منهكاً

لكثر ما هرّبتَ إلى القمر من آهات العاشقين

صار الموت يتقدم من سريرك على حذر

مخافة أن تباغته بلحن جديد

يتقدم خطوة

ويتراجع خطوتين

وأنتَ تصرخ في وجه :

لماذا الجُبنُ

وفي ترساناتكَ كلّ هذه الأسلحة

- فا –

كلّ صباحٍ

تدفعُ عن نبضات القلب ضرائبَ للشيطان

ألأفقُ يضيقُ

فتوسِعُهُ بإزالة سدّادتِ قناني الخمرِ

وتحريرِ الغيلان

لكن حين تضيق على العنق الأنشوطةُ

تتحوّلُ أسرابُ الطير بفيكَ إلى ذؤبان

- صول –

يخفق بجناحيه فلا تُفلتُهُ الريحُ

يهمسُ للغاباتِ

فتُنضجُ أنفاسُ اللحنِ عَراجينَ النيران

ولكي يُنقذَ صرختَهُ قبلَ تفتتها في أملاح النسيان

سيعودُ مساءً

يضفر أمواج المدّ حبالاً

وبها يتسلق أسوارَ الأمل الحجرية

وينام إلى صبح الموت التالي في ذاكرة الحيتان

- لا –

لم يكُ يسترضي الموتَ ، ولا يستبطئهُ

بل يستمتع كان برشف الكأس المرّة

وكما تُخفي صرختَها في لحم ضحاياها العُقبان

خدعَ الحراس

فأخفى اللحن بأحداقِهُمو الصمّاءَ

وأخفى الكلماتِ بحشواتِ الأسنان

- سي –

منذ قرون غادرتَ البصرة

لكنك حتى في موتكَ تشتاقُ إليها

والبصرةُ ما عادتْ في سُفن التجار دوارقَ طيبٍ

رابعةُ العدويةُ إعتكفتْ لله

والسيّابُ تخلى عن حِصّتِهِ للموت بنُزْل الأقنان

والطاغيةُ حسيرُ الرأس تخلى عن سُفرته

لطغاةٍ بعمائِمَ من خِرَقِ الأكفان

يُلقيه الحرّاسُ من القلعة موثوقاً للبحر

فتحوّل جثتَهُ أوتارُ الأمواجِ إلى ألحان

توقظ رائحةُ الدمّ الصخّابةُ في عشْب البحر الرغبةَ في الرقص

ومن الدوّامة يصّاعدُ كبخار الفجر صُداحٌ مجروحٌ

هل صوتُكَ هذا؟

أم صرخاتُ الغرقى المعجونة من الآف الأعوام بطين القيعان؟

أم هو صوتُ تكسّرِ ألواحِ الشمس بأسنان الحيتان؟

**

ومساءً تقذفُهُ الموجةُ للقلعة ثانية

ليُعيدَ على أسماع الحرّاس مواويلَ الحرمان

- ري –

في آفاق لم تثقبْها أنفاسُ القنّاصة

كنتَ إذا ما أغرتكَ الريحُ وطرتَ بعيداً

تركتكَ وعادتْ تتنفّسُ روحُكَ عِطرَ العشّار

**

إعتدتَ على الطعناتِ

فما عادتْ توجعُكَ الطعنات

وعلى الجلاّد تعوّدتِ الأبوابُ

فهيَ لمرآهُ بلا طَرْقٍ تُفتحُ عن بُعدٍ

أصبحَ لفحيح الجَلاّد مذاقُ فناجين الأقدار

تترقّبُهُ كحبيبٍ غائب

فإذا ما طالتْ غيبتُهُ

أرسلتَ إلى الغابة بحثاً عنه المنشار

- مي –

كانوا يُرعبون ما في جوفكَ من طيور وأسماك

يُلقون سناراتهم في جوفك

فتعود محمّلةً بالقبلات

لكنهم كانوا مرعوبين

يرون إليك تُحلق فوقهم

فتتفكك أجسادهم مثل قِطع الميكانو

لقد جردوا صوتك من جواز السفر

فظل يتنقل

متخذاً رُتبهم العسكرية منصّات انطلاق

بينما كانوا يُطردون من أسِرّة نومهم

وأيديهم تحمي رؤوسهم من صفعات الشمس

وعندما فشلوا في اقتحام أسوارك

كلفوا الموت بإدارة المعركة

ومنحوه صلاحيات مطلقة

يومئذ كنت منهكاً

لكثر ما نقلت على ظهرك إلى القمر من مواد البناء

صار الموت يتقدم من سريرك على حذر

مخافة أن تباغته بلحن جديد

يتقدم خطوة

ويتراجع خطوتين

وأنتَ تصرخ في وجه :

لماذا الجُبنُ

وفي ترساناتكَ كلّ هذه الأسلحة

***

شعر / ليث الصندوق

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (5)

This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العتيد الشاعر المبدع الجميل ليث الصندوق : ما كنت أعرف أنك من محبي صديقي وأخي ورفيقي فنان الشعب العراقي الغائب الحاضر فؤاد سالم ، ولقد سررتُ كثيرا بمعرفتي حبك الضوئي الان ، وسررت أكثر لأنك لازلت على قيد الشباب شعراً ومشاعر ووجها وقلبا أيها المبدع المضيء .
يُخيّل إليّ أن لك بالسلّم الموسيقي خبرة ومِراسا ، تراءى لي ذلك من خلال " دوزنتك " أوجاع فؤاد بمهارة العازف وتجليات الشاعر ..

دمت نهر إبداع بدون ضفاف .

وددت لقاءك لنستعيد ذكريات الأمس البعيد ـ ولكن : للجائحة إرادتها الوحشية .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

دمت أخي الشاعر الكبير يحيى السماوي ، ودامت مداخلاتك المفرحة ، أنك والله لتُسعدني بها وتُشعرني أن الشعر ما زال بخير ، محبتي لك

ليث الصندوق
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الكريم الشاعر ليث الصندوق ..
تحياتي ..
كم جميل ان نلتفت لأِحياء ذكرى الغائبين الحاضرين أو المغيَبين الحاضرين وفؤاد سالم واحد منهم ..
في رأيي ان الالتفاتة المنصفة لتكريم مَن يستحق التكريم في حياته أو بعد موته فعلٌ نبيل لا يجترحه الّا الشجاع الشهم الكريم في عالم اليوم المزيف الذي فقد فيه حتى اصحاب المبادئ مبادئ كانوا يؤمنون بها بالأمس ، واصبحوا ضدها اليوم لا بدافع من قناعات فكرية وانما لمسايرة الجوقة والرغبة في الانتماء للقطيع و الانضمام الى كنف سيد القطيع ، أو لأن الهزال عمَّ والتفاهة راجت ، والأخلاق تراجعت ، والقيم غابت عند أمثال هؤلاء.
البارحة كنتُ ـ وأيم الحق ـ أسمع صوت فؤاد سالم ، واليوم صباحاً قرأت قصيدتك عنه في موقعين هما الناقد العراقي والمثقف ، فقلتُ ما يقوله أهلنا وخصوصاً في الريف العراقي ( الكَلوب سواجي ) .
فؤاد سالم كبيرٌ في انسانيته ، مخلصٌ في وطنيته ، عذبٌ في طباعه ، كريمٌ في خصاله ، رائعٌ في حديثه ، حميمٌ في اخوته ، طيّبٌ في معشره وقد خبرتُ كل هذا حين التقيته في دمشق حيث أمضيت هناك عطلة صيفية بأكملها يوم كنت طالباً في جامعة برلين واحسست بحنين جارف الى أجواء المدن العربية ، فكانت دمشق .
تعرفت اليه ـ أنا الذي أحب صوته منذ أيام الشباب المبكر ـ في لقاء أصدقاء في حديقة مطعم دمشقي صغير حميم في اطراف دمشق .. اختصر اللقاء بيننا الأعوام والمسافات وكأنه أخي الذي كنت أبحث عنه .. دعاني بعدها الى بيته مراراً وتكراراً ، وكنت كلما اهاتفه يلح عليَّ بالمجيء الى داره حتى أصبحت أزوره بين يوم ويوم .
من مفارقات الزمان ان هذا الفنان القدير صاحب الصوت الرخيم الجميل والمواقف الإنسانية والوطنية النبيلة يمرض فلا يجد ثمناً لعلاجه ، بينما نكرات الغناء العربي بأصواتهم النكراء يربحون الملايين من الدولارات ويمشون الى صالة المسرح المكتظ بالمئات على السجّاد الأحمر ، والتافهون يصفقون ، ومفارقة أكبر ان رفاق فؤاد سالم الأثرياء اصحاب الملايين في كاليفورنيا والذين استضافوا فؤاد من قبل تركوه الى المرض والموت ، وكان مبلغ لا يتجاوز الثلاثين الف دولار كافياً لعلاجه وانقاذه وارجاعه الى عائلته مبكراً سليماً معافى ، وهذا المبلغ هو ما يخسره واحدٌ منهم في ليلة واحدة في كازينو في لاس فيغاس ، وأنا اتحدث عن علم ..
بعض الأحيان أرى في رحيل الأنقياء الشرفاء عن هذا العالَم العاهر المقلوب نوعاَ من الخلاص.
لدي بعد تنبيه بسيط أخي العزيز ليث حول قصيدتك الرائعة الجميلة هذه ، ان كلمة ( الأمواج ) في مقدمة القصيدة أتت بالجر بالكسرة على شكل ( أمواجِ ) دون مبرر ، وبما انك تذكر نفس البيت فيما بعد وتقول ( أوتار الأمواجِ ) في البيت ( فتحوِّل جثتَهُ أوتارُ الأمواجِ ) ، لذا أرجّح انك نسيت أثناء الطباعة كلمة ( أوتار ) في بداية القصيدة ، أو ان الكلمة اختفت ببساطة دون علمك وأنت تطبع النص ..
دمتَ بأروع حال وأسمى ابداع .

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً لك أخي كريم الأسدي على المداخلة ، أن موت هذا الفنان الكبير هي فاجعة من فواجع النظام السياسي الجديد / القديم في العراق المحزون ، لقد كنا نتطلع إلى انفراجة ، ولكن مع الأسف ، فمن جاء لا يختلف عن من ذهب إلا في القليل

ليث الصندوق
This comment was minimized by the moderator on the site

أما بالنسبة غلى مفردة الأمواج ، فتفسيرك صحيح أخي الكريم فقد الغيتً ( الأوتار ) وفاتني أن اصحح المضاف إليه الذي أصبح فاعلاً ، حسبي أن هناك نابهين مثلك لا تفوت عليهم الاعيب اللغة ، شكراً لك

ليث الصندوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5057 المصادف: 2020-07-10 04:38:37