 نصوص أدبية

ذُبالات

سمية العبيديكانوا يسيرون في الممر القديم المتشعب، منتشرين في الحديقة المهملة المتيبسة مثلهم، عيونهم الى الأرض  كأنها تبحث عن حلم جميل ضاع عبر السنين ربما دفعة واحدة وربما دفعة بعد اخرى . انحناءة ظهورهم تدل على إنهم يبحثون مذ زمن طويل وليس اليوم فقط غير إنهم لم يعثروا بعدُ على ما ضيعوه، ولذا فهم يواصلون البحث في أرض باحة وممرات تلك البناية القديمة مثلهم والتي علتها الرطوبة فكست آجرها. كان بعضهم يطلق لحية تحاكي القطن لونا وبعضهم يحلق ذقنه ذا الأخاديد يوميا لذا بدت بعض الجروح البسيطة على صدغيه - لأنه لا يرى جيدا فتخونه يداه - فضلا عن بضعة شعرات منسية هنا وهناك . بدوا منهمكين فيما هم فيه منهم من يقطع الممر جيئة وذهابا عدة مرات يوميا مستعينا بعصا من الخيزران تهرأ أسفلها هذا إذا لم تكن مغلفة من أسفلها بقطعة معدنية تشبه الكأس وآنذاك تعزف العصا على الممرات المرصوفة معزوفة من نوع رتيب . وبعضهم لا يجلس بل يرقد في كرسيّه العادي أو ذي العجلات . حين دخلت الصحفية الشابة الى بناية دار الرعاية يتبعها المصور وفي جعبتها مئات الأسئلة التي تريد أجوبة شافية عليها، وعلى صوت وقع حذائها ذا الكعب المرتفع وهو ما لا تلبسه المراسلات عادة - لكن الغواية قد تغلب الصواب - التفتت بصعوبة بالغة جل الرؤوس التي حان وقت قطافها ولكنها لم تقطف بعدُ التفتت لترى شبح المرأة الفتان يدرج على الممر الذي ملَّ من الخطى البطيئة الباردة التي عهدها . كانت الصحفية وقد أخذت الإذن من المسؤولين تنوي أن تمر بمن في الدار واحدا تلو الآخر وتصورهم وتتحدث معهم، لكنهم تجمعوا أمامها كما لو كانوا أطفالا يتحلقون حول بائع حلوى . ومع ذلك أبوا أن يُصوروا كلا على انفراد مما اضطر الرجل الذي ينوء تحت آلة تصويره الى الاكتفاء بصورة جماعية واحدة عن بُعد . ابتسرت الصحفية الشابة عملها فأخذت تسأل كلا منهم عن اسمه وعمره وعن امنيته في العام الجديد العام الذي كاد يطل برأسه من الأبواب فكانت حصيلة الأجوبة التي سجلتها في دفتر ملاحظاتها الأنيق والذي تضع قلمها بين أوراقه غالبا ولكنها بين حين وآخر تنقر بالقلم ذاته على غلاف الدفتر – مستبطئة الإجابة من بعض الشيوخ اللذين أضر بهم المرض وحجمتهم العزلة في هذه الدار -  كانت الإجابات  كالآتي وبعضها في غاية الغرابة كما سترون .... فاثنان منهما أرادا الزواج، وخمسة منهم أرادوا العودة الى الشباب بأيّما طريقة، وستة منهم رغبوا بالعودة الى بيوتهم التي غادروها قسراً أو بمحض إرادتهم، وخمسة آخرين أرادوا السفر في بلاد الله الواسعة بلا عودة، وواحدا ظن إن جارة للبناية تحبه وقد رآها مرة في سطح دارها وكان الممرضون الموكلون برعايته يتندرون بهذا الأمر ويسخرون منه زاعمين له إنها تحبه فعلا فصدق ومع انه كان يخجل فيدلدل رأسه الى الأرض أو يشيح ببصره الى جانب آخر وتحمر اذناه لذلك لكن امنيته في العام الجديد هي أن يعيش معها قصة حب رائعة يحبها ويواصلها لتكون له حبيبة فزوجة، وواحدا كان يعاني الشلل الرعاش أخذ يتحسر لأنه أهمل في شبابه موهبته في الرسم فأراد أن يعود الى ممارسة هذا الفن البديع . غير أن ما استلفت نظر الصحفية بل أدهشها واحدا منهم كانت امنيته الكبيرة في العام الجديد أن يغدوَ امرأة .

***

سمية العبيدي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (9)

This comment was minimized by the moderator on the site

استاذتي ووالدتي الفاضلة سمية العبيدي طابت اوقاتك بالخير والبركة وتحية لقلمك المبدع الذي يترجم الحالات الإنسانية بكل رقي
قصة معبرة عن واقع وجانب انساني مهم من حياة الإنسان الاوهي مرحلة الشيخوخة او الكهولة والتي يجد فيها الانسان نفسه بين احضان دار المسنين بعد أن امضى سني حياته يكد ويتعب ويعتصر عمره ليفي حقوق أبناءه الذين سرعان ماجحدوه وانطوت صفحته التي باتت يتمنى ان يعود به الزمن لياخذ طريقا اخرا يضمن له الحد الأدنى من الحياة
بوركت والدتي القديرة ودمت بحفظ الرحمن ورعايته

مريم لطفي
This comment was minimized by the moderator on the site

هذا قد يحدث فعلا فبعض الأبناء ينسون أو يتناسون أو يخضعون للضغط فيلقى الاباء إلى الشارع أو الملاجىء ويكون الموت الفعلي أو الشكلي نصيبهم
فتتدنى قدراتهم ويخيم البؤس على أذهانهم فلا حيث ليسمعوه ولا حفيد ليحضنوه اعانهم الله ورحمهم من قسوة الحياة

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

يالها من أمنيات بعد مامر العمر مر السحاب وتلاشى كل شيء
فلا عودة للوراء فالعمر مثل عقارب الساعة لا يعود للخلف أبدا
إنها أمنيات الغلابى ومن لفظهم الدهر كما يلفظ البحر أمواته
قصة ماتعة تناولت شريحة من المجتمع التي تعيش القهر والحرمان
وكان لأمنيات العام الجديد التي تملكتهم ما يضفي على زاد القصة
روعة وحبكة
تحية تليق أستاذة سمية العبيدي ودمت في رعاية الله وحفظه.

تواتيت نصرالدين - الجزائر
This comment was minimized by the moderator on the site

للناس امنيات شتى لا تخلو من غرابة لا يتحدث عنها مجملهم قد يفضحها المرض أو الشيخوخة دمت بخير استاذ تواليت اشكر مروركم بنصي المتواضع .

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

اسفة جدا استاذ تواتيت
العتب على النظر كما نقول في العراق

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

سردك بديع وربما كان بإمكانك الإستغراق قليلاً وجعل الخاتمة أكثر إدهاشاً
وعموماً أنا دخلت لأحيّي لغتك العربية الرشيقة والجزلة ،،
ودام عطاؤك

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

باركك الله استاذ العامري .. ما حبيت اطوخها .. أعلم أني ثرثارة لذا اوجزت . دمتم بخير وعافية

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديبة سمية العبيدي

دمت مبدعة بنقل واقع وحياة ونهاية
ربما كلنا نمر بها سلمت روحك وذائقتك

رند الربيعي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمرورك الكريم بقصتي المتواضعة
هي حالة لابد منها والنجاة منها نادرة الحدوث لعل الله يبعدها عنا وله الحمد على ما قضى كوني بخير وسلامة صديقتي .

سمية العبيدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5082 المصادف: 2020-08-04 10:45:23