 نصوص أدبية

محرور وفاطمة

ناجي ظاهربعد ان وفد محرور السخل، مدفوعًا بنيران عام 48، من قريته الشجرة الى مدينة الناصرة، حاملا على كاهله الاول طفولته المعذبة، وعلى الآخر جماله الفتان، بعدها بسبعة اعوام وسبعة ايام بالتحديد، تعرف على اقارب بعيدين له اقاموا في بيت متهدم مستأجر قريب من خربته، وبعد سبعة اعوام وسبعة ايام اخرى بالضبط، تمكن اقاربه هؤلاء من شراء قطعة ارض صغيرة، في احدى ضواحي البلدة، واقاموا عليها براكية من الزينكو والاخشاب، فرحين مسرورين بما تمكنوا من تحقيقه اثر عناء تشيب له الولدان، وعند انتقال هؤلاء حرص محرور على ان ينتقل للإقامة قريبا من براكية اقاربه هؤلاء، عملا بان التهجير يُقرّب بين البعداء، ويجعل منهم اقرباء، في العلن، وجريا وراء ابنتهم الفاتنة سرا.

منذ وقعت عينه على ابنتهم فاطمة، وهذا هو اسمها، تأكد محرور من ان هذه هي محطة حياته الكبرى، وان عليه ان يحط رحاله بالقرب منها، وكان اكثر ما يجذبه في فاطمته هذه، انها ما ان التقت عيناها الدعجاءين بعينيه اللوزيتين حتى شعر برعدة في جسده، لم يسبق له ان شعر بمثلها في الماضي الشجراوي وتاليه النصراوي. وقد حرص الاثنان، على ان يخفيا امر نظراتهما هذه، خشية من افتضاح امرهما، وبالتالي تخريب علاقتهما والتفريق بينهما بدعوى انهما محبان متيمان، قد يجلبان الى اسرة فاطمة المعرة والهوان.

مضت الايام مندفعة الى الامام، لا تعرف التوقف، ولا تُغيّر من مجراها المحدد لها، وكل من هذين المتفقين المتواطئين ضِمنًا، يبنيان عوالم جميلة من السعادة والورود، وكثيرا ما كان محرور يقدم الى فاطمته زجاجة عطر او مرطبان "جلي"، للتعطر، او لدهن الشعر بحيث يبدو متوهجا لامعا، بنور الامل، كما كان يهمس محرور لمن اختارها قلبه، ومع ان محرور لاحظ اكثر من مرة ان غاليته فاطمة تبادل شابًا اخر قريبًا بعيدا جدًا لأسرتها نظرات الاعجاب، فقد تجاهل الامر، وقال لنفسه "ستكون لي وحدي. يعني ستكون لي..".

مثلما يفعل صاحب كل هدف كبير، انهمك محرور في العمل، فكان يتنقل من بلدة الى اخرى، عاملا في هذه المهنة او تلك، ولم يتكبر على اي عمل فرضته عليه الظروف، واضعًا نصبَ عينيه موضوع ارتباطه بفاطمة في اعلى سلم اولياته، وكثيرا ما كان يشعر بالفرح وهو يستمع الى حديث ينشب هنا او هناك، عن جمال ابناء يعود في الاصل الى جمال والديهما، فكان يخاطب نفسه قائلا ان ابناءه سيكونون اجمل الابناء في الحي، فهو جميل بشهادة الكل وفاطمة اجمل بشهادة عينيه، وهذا يكفّي ويوفي. وكان محرور يعمل في النهار ويتوجه الى بيت فاطمة في الليالي يلعب معهم الباصرة، او الريميه، ويتعمّد ان يخسر مع والدها، ليقوم بجلب الهريسة اعترافا بخسارته الرهان في العلن، وتكريما لعيني فاطمة في السر..

ادخر محرور قرشًا فوق اخيه القرش، وليرة على ليرة، الى ان توفر له "مهر"، مزيونته فاطمة، فتقدم الى والدها طالبا منه يدها، ولما كان محرور عاملا مجتهدا، لا يعطل عمله ولو يومًا واحدًا، ويوفر ما يتقاضاه من المال، مما ظهر على شكله، خاصة تسريحة شعره، بعد دهنه بالجلي.. وملابسه كمان، فقد وافق والد فاطمة وبارك له بها بسرعة متوقعة فهو يستاهل ..غير ان الوالد سأله اين سيقيم مع ابنته، فاحتار محرور بماذا يجيبه، صحيح انه عمل بجد وادخر بجد ايضا، إلا ان جانبًا لا يستهان به من دخله كان يذهب، في السر ودون علم احد، الى فاطمة، زينتها وملابسها الفاخرة. مؤكد ان والديها كانا يعرفان هذا الا انهما لم يحاسباها عليه للعديد من الاسباب منها ان محرورا سيرتبط بها ان عاجلا وان آجلا، وانه لا يوجد لديهما الوقت الكافي للمحاسبة بسبب ضيق ذات اليد. المهم ان الحديث بين محرور وعمه والد فاطمة انتهى الى انه بإمكان محرور وزوجته فاطمة، ان يقيما في براكية والديها حتى يتمكن محرور من شراء قطعة صغيرة من الارض، ليقيم عليها براكية تقيه شر الحاجة الى الناس، كما تقيه الحر في الصيف.. والقر في الشتاء.

هكذا مضي كل شيء على ما يرام. تزوج محرور من فتاة احلامه، واقام معها جنبا الى جنب مع والديها، وحين ضاق والداهما بتأوهاتها في الليالي الباردة، طلبا من محرور ان يجد حلا لإقامته معهما هو وزوجته. بعد مشاورات بين الزوجين الطريين، ووالدي فاطمة تم الاتفاق بين الطرفين، على ان يقيم محرور براكية صغيرة.. قدّ عش العصفور، بسرعة كبيرة تمت اقامة العش المتفق على اقامته، واوى اليه الزوجان الطريان، غير ان ما حدث فيما تلا من الليالي عكّر الاجواء كلها، وحوّل مجرى احداث قصتنا هذه لتتخذ مسارا اخر مختلفا، فقد ابتدأ الزوجان الطريان يتذمران من تأوهات والدة فاطمة في الليالي الطويلة، الامر الذي دفع الزوجين الطريين الى القلق وعدم امكانية النوم، وقد ادى هذا الوضع الى ان يبقى هذان الزجان طوال لياليهما صاحيين، ليناما بعد توقف نخر وانين والدي فاطمة عند صياح ديك الحارة، وقد عكر هذا كله حياة محرور بالذات فبات يُعطِّل عمله في البداية مدة يوم وبعدها آخر فاخر. هنا ابتدأ وضع الزوجين يسوء، الامر الذي دفع والدها لأن يتوجه الى نسيبه محرور، طالبا منه ان يجد الحل المناسب لمسالة سكنه.

تشاور محرور مع زوجته فاطمة، خلال ثلاث من الليالي الطويلة، وكان ان اقترحت فاطمة على محرور ان يقوما باستئجار غرفة صغيرة في اي مكان يبعدهما عن والديها الجاحدين المتوحشين، في صبيحة اليوم التالي، وكان يوم ثلاثاء، عاد محرور من جولة قصيرة في المنطقة البعيدة، ليخبر فاطمته انه عثر على الغرفة المنشودة، عندها سألته فاطمة متى سننتقل الى هذه الغرفة؟ رد عليها بثقة: اليوم. وهكذا كان، احضر محرور تندر شوفرليه وحمله بساعديه المرهقين، بأغراض بيته.. بعدها انطلق التندر مثل سفينة ارهقها الابحار.. باتجاه هدفه ليستقر فيه.

في الفترة التالية، شعر الزوجان بمدى ما اغدقته عليهما الحرية، في غرفتهما المسأجرة، فشد محرور حيله وضاعف شُغله ليوفر دخلا يُمكّنه من العيش بمستوى عال يليق بفاطمته، فكان يُغدق عليها بالطعام، ويأتي بأفضله، اما من الفواكه، فقد غمرها بالسفرجل والكمثرى، فاكهتاها المحبذتان.. لم يحسب حسابا للغد، ولم يتمكن من ادخار قرشه الابيض ليومه الاسود كما كان يردد، اشترى لها راديو شنايدر، وساعات سايكو، وكانت كلما رأت ثوبًا جميلًا في احدى فاترينات سوق البلدة القديمة، وصفته له خلال جلستهما الليلية، فيبادر في اليوم التالي ليشتريه وليقدمه لها هدية من زوج محب الى زوجة طامعة بالحياة رفاهياتها.. بعد حرمان.

للحقيقة نقول ان ثقة محرور بنفسه كانت كبيرة، فقد بات يردّد امام زوجته بفخر كبير" اصرف ما في الجيب يأت ما في الغيب"، وكان ما يقوله لها في هذا الشأن، يدفعها لإغراقه بابتساماتها الساحرة فيطير عقله الى بلده البعيد ويردّد لنفسه اه لو بقينا في بلدتنا الشجرة الجميلة. تشجيع فاطمة محروها على الصرف بهذه الفداحة، اودي به لمضاعفة مصروفاته، في حين بقي دخله على ما هو عليه، وجاءت النتيجة المحتّمة، لجأ محرور للاستدانة من كل ما امكنه الاستدانة منه، بما فيه من المُدينين بالفائض. كل هذا لم يؤثر على الزوجين وتمر فترة لا باس بها من الوقت بسلام، ليبقي امر الزوجين يجري على هذا النحو المستتب نوعا ما، الى ان وقعت حرب 67 سيئة الصيت، فوجد محرور نفسه وقد غرق في بحر من الديون، ما دفعه لبيع بعض من اغراض بيته.. راديو شنايدر، بل انه باع في فترة تالية ساعة سايكو الغالية على قلبه وقلب فاطمته.

حدث بعد تلك الحرب المجنونة، ان عبثت بالبلاد موجة من البطالة اطلق عليها اسم "الميتون" بالعبرية، فتعطل الناس، عن العمل وضاقت احوالهم المعيشية، ما الجأ فقراء المهجرين تحديدا لأن يستدينوا من اهالي الناصرة الاصليين، وكان محرور دائم الصرف على فاطمته، لا يبخل عليها ويستدين بقوة قلب مُهجّر في الوطن، الى ان ابتدأ بالغرق في بحر من الديون، واخذ المدينون في التردد عليه لمطالبته، بما يتوجب عليه دفعه لهم. في البداية اخذ، في مماطلتهم بالدفع كسبًا للوقت، بعدها راح يتهرب منهم، الامر الذي اتاح الاجواء لواحد منهم للاختلاء بفاطمة، والتحدث اليها. فاطمة تقبلت الوضع في البداية على اعتبار انه لا "مهروب من المكتوب"، ثم بات عادة مقبولة لديها، وحدث ان خطط ذاك المُدين لأمر ما لبث ان بادر لتنفيذه، احضر زجاجة نبيذ، واخذ يشرب منها في احد اختلاءاته بفاطمة، اثر زوغان وهروب محرورها من البيت. بعد ان شرب ثلاثة كؤوس متتالية ارسل اليها ابتسامة ذات معنى وسألها عما اذا كانت تُحب ان تجرّب، فهزت رأسها علامة الموافقة. تناولت الكاس من يده وكرعته دفعة واحدة، بعد وقت قصير كانت تنعم بحضنه الجديد.. خلنج. في سريرها الزوجي.. الفم في الفم والصدر في الصدر و.. القدم في القدم. 

عندما عاد محرور في آخر الليل من منفاه القهري، استقبلته فاطمة وكأن شيئًا لم يحدث، وعندما احتضنته شعرت بنوع ما من تأنيب الضمير، الا انها قالت لنفسها" هو من اوقع نفسه. انا شو خصّني"، في الايام التالية تردّد شارب النبيذ على بيتها، وعندما احست بان محرور بات يوجه اليها اسئلة لا تخلو من الشك، اعلمت زميلها الجديد بالأمر، ففرّ هاربًا ومسامحًا بما تبقى له من دين. اما باقي المُدينين فقد لجأوا الى السلطات، ففتحت هذه في البداية ملفات لمحرور، بعدها قدّمته الى المحاكم، وفي فترة تالية ابتدأت الحجوزات تتتالى عليه. حتى انه لم يتبق له شيء يذكر في البيت. هنا ابتدأت ملاحقات رجال الشرطة له لاعتقاله، فكان ما ان يشعر بسيارة الشرطة، وقد توقّفت قبالة بيته، حتى امتقع وجهه وفر هاربا من نافذة غرفته.. ناجيا برجليه.

في احدى كبسيات الشرطة الليلية لاعتقال محرور، جاءت عين فاطمة بعين شاب شرطي ما زال في اول الشباب، فاندفعت من عينيه شهوة جامحة، اشعرتها بأنه عرّاها من ملابسها، بل انها تصورته يقبلها من رقبتها وينزل اسفل فأسفل، الى ان يحترق جسدها بنار الشهوة. هكذا وجدت نفسها في شهوة مستعرة. اما ذاك الشرطي، فقد جاء في الليلة التالية وحده، ففر محرور من نافذته، ليلحق به ذاك الشرطي مسلطا ضوء كشّافه في كل الاتجاهات كأنما هو يبحث عنه، وعندما تأكد من انه فر بعيدا عن المكان، دخل الى غرفته، واحتضن فاطمة، على ضوء قنديلها الشحيح، فما كان منها الا ان استسلمت له، وعاشت حلم ليل الامس، على اعتبار انه حقيقة الليلة. وكان ان رات من الشهوة الوانا، فقد جرت بينها وبين الشرطي الشاب، جولة من القبل الملتهبة، احتضن كل منهما اللآخر وغاب في عالم شهوته، هي غابت في لجة شهوتها المدرّبة، وهو اندمج في نهر شهوته المتجدّدة.

تكرّر هذا في الليالي التالية، وكان ان استيقظ شيطان الشك في صدر محرور، فسأل فاطمة عن سبب برودها معه، فعزت سببه الى الظروف القاسية، والى الديون الاقسى، لم يقتنع محرور بما قالته له، الى ان جاءت ليلة حالكة الظلمة، غاب فيها القمر، ونامت النجوم، وتوقفت سيارة ذاك الشرطي، قبالة غرفة الزوج المتيقظ، فخرجت فاطمة كعادتها المثيرة للشبهات من الغرفة لتعطي شرطيها الشاب، اشارة ان محرور قد هرب وانه بإمكانه ان يدخل الى سريرهما الاحمر، اما محرور فلم يفر هذه المرة واختبأ تحت سريره، وليشعر بكل ما راوده من شكوك وقد تحوّل الى حقيقة واقعية، وليهتز سريره الزوجي اهتزازا ارضيا فظيعا، وما ان اطلقت فاطمة اهاتها الاولى المدوّية، حتى ضاقت انفاسه، اسودّت المساحة حوله وفي عينيه، وغاب عن الوعي.. غيبه جنونية.

 

قصة: ناجي ظاهر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5089 المصادف: 2020-08-11 04:01:47